عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَمِعَ مُخَنَّثًا وَهُو يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ: إِنْ يَفْتَحِ اللهُ الطَّائِفَ غَدًا .. دَلَلْتُكَ عَلَى امْرَأَةٍ تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ".
===
(عن) والدتها (أم سلمة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات، ومن لطائفه: أن فيه رواية صحابية عن صحابية، وبنت عن والدة.
(أن النبي ﷺ دخل عليها) أي: على أم سلمة في بيتها (فسمع) النبي ﷺ (مخنثًا) أي: صوته (وهو) أي: والحال أن ذلك المخنث (يقول لعبد الله بن أبي أمية) أخي أم سلمة لأبيها: (إن يفتح الله) عليكم (الطائف غدًا) وغلبتم أهلها وغنمتم نساءهم وصبيانهم .. (دللتك) يا عبد الله (على) أخذ بنت غيلان؛ فإنها (امرأة) إذا أقبلت إليك بوجهها .. (تقبل) إليك (بأربع) عكن؛ وهي طيات البطن (و) إذا أدبرت إليك بظهرها .. (تدبر) إليك (بثمان) عكن.
وفي رواية مسلم زيادة: قالت أم سلمة: فسمع رسول الله قول هذا المخنث؛ أي: قوله الذي قاله لعبد الله بن أبي أمية من الوصية له ببنت غيلان (فقال النبي ﷺ لمن عنده من المؤمنين: (أخرجوهم) أي: أخرجوا هؤلاء المخنثين (من بيوتكم) أي: من بيوت نسائكم، فلا يَدْخُلُن على نسائكم بعد اليوم؛ فإنهم من أولي الإربة إلى النساء.
قال القرطبي: المخنث: هو الذي يَلِينُ في قوله ويتكسَّرُ في مِشيته ويتثنَّى فيها؛ كالنساءِ؛ من التخنُّث؛ وهو اللَّيْنُ والتكسرُ، وقد يكون خِلقةً، وقد يكون تَصنُّعًا مِن الفَسَقةِ، ومن كان ذلك فيه خلقةً .. فالغالبُ مِن حاله أنه لا إِرْبَ له
стр. 7247
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في النساء، ولذالك كان أزواجُ النبي ﷺ يَعْدُدْنَ هذا المخنثَ مِن غير أولي الإربة، فكانوا لا يَحْجُبُونَه، إلى أَنْ ظهرَ منه ما ظهر فحَجَبُوهُ.
واختلف العلماء في اسم هذا المخنث الذي كان عند أم سلمة: والأشهر أن اسمه هَيْتٌ - بياء ساكنة بعد الهاء مثناة من تحتها آخره مثناة فوقية - وقيل: صوابه: هَنَبٌ - بنون وباء موحدة أخيرًا - والهَنَب: الرجلُ الأحمق، قاله ابن دُرستويه، اسمه عبد الله بن جعفر بن محمد بن درستويه مِن علماء اللغة، والقولُ الأولُ هو الأصح، وجمعَ بينهما أبو موسى المديني بأن أحدَهما اسمٌ له، والآخر لَقبٌ.
وقيل: اسم هذا المخنث: هو مَاتِعٌ - بمثناة فوقية - مولى أبي فَاخِتَة المخزومية، قيل: وكان هو وهَيْتُ يدخلان بيوتَ النبي ﷺ ، فلما وقعت هذه القِصة الآتية .. غَرَّبَهما النبي ﷺ من المدينةِ، فورَدَ في بعضها أنه ﷺ أَجْلاه إلى الحِمَى؛ موضع رَعْي إبل الصدقة، وفي بعضِها: إلى حَمْراءِ الأسد، وفي بعضِها: إلى خَاخٍ، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
قوله: (وهو يقول لعبد الله بن أبي أمية) أي: لأخي أم سلمة من أبيها، وأمه عاتكةُ بنت عبد المطلب بن هاشم، وكان قبل إسلامه شديدًا على المسلمين مخالفًا مُبْغِضًا لهم، وهو الذي قال فيما حكاه الله عنه: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ... ﴾ الآياتِ (١)، وكان شديد العداوة لرسول الله ﷺ ، ثم إنه خرج مهاجرًا إلى النبي ﷺ فلقيه بالطريق بين السُّقيا والعَرج، وهو ﷺ يريد مكةَ عامَ الفتح فتلقَّاه، فأعرض عنه رسولُ الله ﷺ مرة بعد مرة، فدخَلَ على أُخْتِه
стр. 7248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أم سلمة وسألها أن تشفع، فشفعت له، فشفَّعها رسولُ الله ﷺ فيه، وأسلم وحسن إسلامه، وشهد مع رسول الله ﷺ فتح مكة مُسْلِمًا، وشهد حنينًا والطائفَ، ورُمِيَ يومَ الطائف بسهم فقَتلَه، ومات يومئذ ﵁، كذا في "عُمدة القاري" (٩/ ٥١٨).
قوله: (إن يفتح اللهُ الطائفَ غدًا) وسَبَيْتُم نساءه .. (دلَلْتُك على) بنتِ غيلان؛ هي (امرأة تُقبل بأربع، وتُدبر بثمان) وتلك المرأةُ هي بنت غيلان، اسمها (بَادِيَةُ) بنتُ غيلان - بالياء - وقيل: (بَادِنَةُ) - بالنون - والأول أصح، وأبوها غيلان بن سلمة؛ وهو الذي أسلم وتَحْته عشرةُ نسوة، فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا، وكان مِن رؤساء ثقيف، وعاش إلى أواخر خلافة عمر، وبادية بنتُه هي التي تزوَّجها عبدُ الرحمن بن عوف؛ فقد ورد أنها استُحِيضَتْ، وسألَت النبيَّ ﷺ في المستحاضة.
قوله: (تقبل بأربع) عُكنٍ في بطنِها (وتدبر بثمان) أطرافٍ من العُكَن في جانبي البطن، على كُلِّ جانب أربعة، فتصير ثمانية في خاصرتيها؛ أربعة على الخاصرة اليمنى، وأربعة على الخاصرة اليسرى.
وحاصله: أنه وصفها بأنها مملوءةُ البَدَن؛ بحيث يظهر لبطنها أربع عكن ولخاصرتَيْها ثمان، وذلك لا يكون إلا للسَّمِينَةِ من النساء، وكانت العربُ تَرْغَبُ في مَن تكونُ بتلك الصفة.
والعُكَن - جمع عكنة - وهو الطيُّ الذي يكون في جانبي البطنِ من السِّمَن، وفي تعليق محمد الدهني على متن "مسلم": والعكنةُ: ما انْطوَتْ وتَثَنَّى مِن لحمِ البطن سِمنًا، والمراد: أن أطراف العكن الأربع التي في بطنها تظهر ثمانيةً في جَنْبَيها.
стр. 7249
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الزركشي وغيره: وإنما قال: بثمان، ولم يقل: بثمانية، والأطرافُ مذكر؛ لأنه لم يذكرها؛ كما يقال: هذا الثوب سبع في ثمان؛ أي: سبعةُ أذرع في ثمانية أشبار، فلمَّا لم يَذْكُرِ الأشبارَ .. أنث؛ لتأنيثِ الأَذْرع التي قبلها. انتهى.
قوله: "أخرجوهم من بيوتكم" وإنما أمر النبي ﷺ بإخراجهم مع أنه أَذِنَ لهم أولًا في الدخول على النساء؛ لأنه ﷺ إنما أذن لهم أولًا في الدخول عليهن؛ لِمَا كان يظن بهم مِن أنهم مِن غير أُولي الإِرْبة، فلما عَرفَ بكلامه هذا الذي قاله لعبد الله بن أبي أمية أنه يعرفُ محاسنَ النساء ويصفُها للأجانب .. حَرَّم دخولَه عليهن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، وفي كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين، ومسلم في كتاب السلام، باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في قوله: غير أولي الإربة، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستئناس للترجمة، والثاني للاستدلال به عليها.
والله أعلم
стр. 7250
كتابُ الدّيات
стр. 7251
(٢٠) - كتَابُ الدِّيَاتِ
(٣٩) - (٨٩٩) - بَابُ التَّغْلِيظِ فِي قَتْلِ مُسْلِمٍ ظُلْمًا
(٨٢) - ٢٥٧٣ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ
===
(٢٠) - (كتاب الديات)
وهي جمع دية؛ مأخوذة من الوَدْيِ، يقال: وَدَيْتُ القَتِيلَ أَدِيه ديةً؛ إذا دفَعْتَ ديتَه، وهاؤُها عوضٌ عن فاء الكلمة؛ لأنَّ أَصلَها وَدْيٌ؛ كعدةٍ؛ فإن أَصلَها وعدٌ، حُذفت الواو وعُوِّض عنها الهاء، قال في "الخلاصة":
فَا أمرٍ او مضارع مِن كَوَعَد ... احذفْ وفي كَعِدَةٍ ذاكَ اطَّرد
وشرعًا: هي المال الواجب بالجنايةِ على حر في نفسٍ أو طرفٍ.
وقولنا: (الواجبُ بالجناية) أي: بسببِ الجناية، وقولنا: (على حر) خرج به الرقيق؛ فالواجبُ فيه القيمةُ بالغةً ما بلغَتْ تشبيهًا له بالدَّوابِّ بجامعِ المِلْكِيةِ، فلا يسمى المال الواجب بالجناية عليه ديةً، بل قيمة.
وقولنا: (أو طرف) أي: أو معنىً؛ كالعقل والسمع والبصر مثلًا.
وهي على ضربين: مغلظة في العمد وشبه العمد، ومخففة في الخطأ؛ كما هو مبسوط في كتب الفروع، والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع، وهي من خصوصيات هذه الأمة المرحومة المحمدية.
* * *
(٣٩) - (٨٩٩) - (باب التغليظ في قتل مسلم ظلمًا)
(٨٢) - ٢٥٧٣ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني
стр. 7252
وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
===
الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعليُّ بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالوا) أي: قال كل من الثلاثة: (حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : أوَّلُ ما يُقضى) أول مبتدأ، وما مصدرية، والجملة العلية صلتها، والمصدر المؤول منها في محل الجر مضاف إليه للمبتدأ، والظرفان في قوله: (بين الناس يوم القيامة) متعلقان
стр. 7253
فِي الدِّمَاءِ".
===
بـ (يقضى) وخبر المبتدأ: قوله: (في الدماء) والتقدير: أول القضاء بين الناس يوم القيامة كائن في شأن الدماء.
قال النووي: وذلك لعظم أمرها وكثير خطرها، وليس هذا الحديث معارضًا للحديث المشهور في "السنن": "أول ما يحاسب العبد به صلاته" لأن هذا الحديث في حقوق الله تعالى، وحديث الباب في حقوق العباد. انتهى.
قال القرطبي: وهذا يدل على أنه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدماء، ولا تعارض بين هذا وبين قوله ﷺ : "أول ما يحاسب به العبد من عمله الصلاة" رواه النسائي (٧/ ٨٣) لأن كل واحد منهما أول في بابه؛ فأول ما ينظر فيه من حقوق الله الصلاة؛ لأنها أعظم قواعد الإسلام العملية، وأول ما ينظر فيه من حقوق الآدميين الدماء؛ لأنها أعظم الجرائم. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب القصاص يوم القيامة، وفي كتاب الديات، باب قول الله تعالى: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم، ومسلم في كتاب القسامة، باب المجازاة بالدماء في الآخرة، وأنها أول ما يقضى فيه بين الناس يوم القيامة، والترمذي في كتاب الديات، باب الحكم في الدماء، والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 7254
(٨٣) - ٢٥٧٤ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٨٣) - ٢٥٧٤ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عيسى بن يونس) بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي أخو إسرائيل الكوفي، نزل الشام مرابطًا، ثقة مأمون، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل: سنة إحدى وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش، عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي - بمعجمة وراء وفاء - الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن الأجدع بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : لا تقتل نفس) محرم قتلها بإيمان أو أمان (ظلمًا) أي: بغير استحقاق قتل، خرج به المقتولة
стр. 7255
إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ".
===
قصاصًا أو حدًّا .. (إلا كان على ابن آدم الأول) يعني: قابيل؛ وهو الذي قتل أخاه هابيل؛ كما هو المشهور عندهم، وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في "تاريخه"، فجعل قابيل مقتولًا وهابيل قاتلًا؛ كما ذكره الحافظ في "الفتح"، واستشهد بأن قابيل مشتق من قبول قربانه، ولكن الأكثر على أن قابيل هو القاتل، ومجرد اشتقاق قابيل من القبول لا يصلح دليلًا على أنه هو المقتول.
وقوله: "الأول" هذا يؤيد ما هو المشهور؛ من أن هابيل وقابيل كانا ولدي آدم لصلبه، وبه صرح مجاهد فيما روى ابن أبي نجيح عنه، وذكر الطبري عن الحسن أنهما لم يكونا ولدي آدم من صلبه، وإنما كانا من بني إسرائيل، ولكن ظاهر حديث الباب يرده. انتهى من "الفتح" (١٢/ ١٩٣).
أي: إلا كان على ذلك الأول (كفل) - بكسر الكاف وسكون الفاء - أي: نصيب وحظ وجزء (من) وزر إراقة (دمها) أي: من دم تلك النفس المقتولة ظلمًا (لأنه) أي: لأن ذلك الأول (أول من سن) وأسس وشرع (القتل) ظلمًا.
فيه أن أول من سن الشيء وأسسه .. كتب له أو عليه، وهو أصل في أن المعونة على ما لا يحل حرام، وقد صرح به في حديث جرير عند مسلم وغيره: "من سن في الإسلام سنة حسنة .. كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة .. كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة"، وهو محمول على من لم يتب من ذلك الذنب، كذا في "فتح الباري".
قوله: "لأنه أول من سن القتل" أي: جعله سيرة للناس، فهو متبوع في هذا
стр. 7256
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الفعل، وللمتبوع نصيب من فعل تابعه وإن لم يقصد التابع اتباعه في الفعل.
قال القرطبي: قوله: "لا تقتل نفس ظلمًا ... " إلى آخره، يدخل فيه بحكم عمومه نفس الذمي والمعاهد إذا قتلا ظلمًا؛ لأن (نفسًا) نكرة في سياق النفي فهي للعموم.
و(الكفل) الجزء والنصيب؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (١)؛ أي: نصيب، وقال الخليل: الكفل من الأجر والإثم: الضعف.
وقوله: "لأنه أول من سن القتل" وهذا نص على تعليل ذلك الأمر؛ لأنه لما كان أول من قتل .. كان قتله ذلك تنبيهًا لمن أتى بعده وتعليمًا له، فمن قتل .. فكأنه اقتدى به في ذلك، فكان عليه من وزره، وهذا جار في الخير والشر؛ كما قد نص عليه النبي ﷺ في الحديث المتقدم بقوله: "من سن في الإسلام سنة حسنة ... " الحديث، وبهذا الاعتبار يكون على إبليس كفل من معصية من عصى بالسجود؛ لأنه أول من عصى به، وهذا - والله أعلم - إذا لم يتب ذلك الفاعل الأول من تلك المعصية؛ لأن آدم ﵇ أول من خالف في أكل ما نهي عنه، ولا يكون عليه شيء من أوزار من عصى بأكل ما نهي عنه ولا بشربه ممن بعده بالإجماع؛ لأن آدم ﵇ تاب من ذلك، وتاب الله عليه، فصار كمَن لم يَجْنِ؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذَنْبَ له، والله أعلم.
وابن آدم المذكور هنا هو قابيل، قتل أخاه هابيل لما تنازعا في تزوج إقليما، فأمرهما آدم أن يقربا قربانًا؛ فمن تقبل منه قربانه .. كانت له، فتقبل قربان
стр. 7257
(٨٤) - ٢٥٧٥ - (٣) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ الْأَزْهَرِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ الْأَزْرَقُ، عَنْ شَرِيكٍ،
===
هابيل، فحسده قابيل بغيًا وعدوانًا، هكذا حكاه أهل التفسير. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب خلق آدم وذريته، وفي كتاب الديات، باب قوله تعالى: ومن أحياها، ومسلم في كتاب القسامة، باب بيان إثم من سن القتل، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء الدالُّ على الخير كفاعله، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب تحريم الدم، باب (١)، رقم (٣٩٩٦).
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به للحديث قبله.
ثم ذكر المؤلف المتابعة للحديث المذكور في أول الباب من حيث السند فقط لا من حيث المتن؛ لأنه عين الأول، ولو قدمه على الحديث الثاني .. لكان أوضح، فقال:
(٨٤) - ٢٥٧٥ - (٣) (حدثنا سعيد بن يحيى بن الأزهر) بن نجيح (الواسطي) أبو عثمان، وقد ينسب إلى جده، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا إسحاق بن يوسف) بن مرداس المخزومي الواسطي المعروف بـ (الأزرق) ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا
стр. 7258
عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ".
===
تغير حفظه عندما ولي القضاء بالكوفة، كان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عاصم) بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي، ثقة، من الثانية مخضرم، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : أول ما يقضى) ويُحْكَمُ (بين الناس يوم القيامة في) شأن (الدماء).
وهذا الحديث نَفْسُ الحديث المذكور في أوَّلِ الباب، ولو قدمه على الحديث قبله؛ أعني: الحديث الثانيَ في الباب .. لكان أوضح، وغرضه بسوقه: بيان متابعة عاصم بن بهدلة لسليمان الأعمش في رواية هذا الحديث عن أبي وائل شقيق بن سلمة؛ لأنه شارك المؤلف في روايته أيضًا: البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد؛ كما في الحديث الأول، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله المذكور أول الباب بحديث
стр. 7259
(٨٥) - ٢٥٧٦ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ عَائِذٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا لَمْ يَتَنَدَّ بِدَمٍ
===
عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٥) - ٢٥٧٦ - (٤) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) فيروز الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبتٌ، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن عائذ) - بهمزة بعدها ذال معجمة - الثُّمَالِيّ - بضم المثلثة - ويقال: الكندي الحمصي، ثقة ثبت، من الثالثة، ووهم من ذكره في الصحابة، وقال أبو زرعة: لم يدرك معاذًا. يروي عنه: (عم).
(عن عقبة بن عامر الجهني) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه؛ اخْتُلِفَ في كنيته على سبعة أقوال: أشهرها: أبو حماد وَلي إمرة مَصر لمعاوية ثلاثَ سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عقبة: (قال رسول الله ﷺ : مَن لقي الله) يوم القيامة، أو هو كناية عن الموت حالة كونه (لا يشرك به) تعالى (شيئًا) من المخلوق في عبادته وحالة كونه (لم يَتَنَدَّ) أي: لم يُرق في حياته الدنيا (بدمِ)
стр. 7260
حَرَامٍ .. دَخَلَ الْجَنَّةَ".
(٨٦) - ٢٥٧٧ - (٥) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،
===
نفسٍ (حرامٍ) قَتْلُها بإيمانها أو أمانَها .. (دخل الجنة) أوَّلًا مع السابقين.
قال السندي: قوله: "لم يَتنَدَّ" - بفتحات آخره دال مشددة - قال السيوطي: أي: لم يصب منه شيئًا ولم يَنلْهُ منه شيءٌ؛ كأنَّه نَالَ نداوةً وَبَلَّة.
والجملة حال ثانية من فاعل (لقي) وفي بعض النسخ: (لم يَتَدَمَّرْ) وهو نسخة الدميري، فقال: (دمر) - بالدال المهملة -: هلك (وذمر) - بالذال المعجمة -: حَضَّ على القتل وحَثَّ عليه. انتهى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن وكيع، ورواه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الحدود، عن أبي عَمرو عثمانَ بن أحمد السَّمَاك عن الحسن بن أبي معشر عن وكيع بن الجراح بسنده، وأخرجه أحمد أيضًا.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به للحديث الأول في الباب.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا للحديث الأول بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٦) - ٢٥٧٧ - (٥) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه
стр. 7261
حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ جَنَاحٍ، عَنْ أَبِي الْجَهْمِ الْجُوزَجَانِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَزَوَالُ الدُّنْيَا .. أَهْوَنُ عَلَى اللهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ".
===
كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مروان بن جَنَاح) الأموي مولاهم الدمشقي، أصله كوفي، لا بأس به، من السادسة. يروي عنه: (د ق).
(عن أبي الجَهْمِ الجُوزجاني) سليمان بن الجهم بن أبي الجهم الأنصاري الحارثي أبي الجهم الجوزجاني مولى البراء، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي المشهور، الصحابي ابن الصحابي، رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة استصغر يوم بدر، وكان هو وابن عمر لدة، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ قال: لزوال الدنيا) وفناؤها وانعدامها (أهون على الله) أي: أيسرُ عند الله تعالى (مِن قتل مؤمن بغير حق) أي: ظلمًا بغير استحقاق، قال السندي: قوله: "لزوال الدنيا" الكلامُ مسوق لتعظيم القتل وتهويلِ أمره، وكيفِيَّةُ إفادةِ اللفظ ذلك: هو أنَّ الدنيا عظيمةٌ في نُفوس الخلْق، فزوالها يكون عندهم على قدرِ عظمتها.
فإذا قيل: إِنَّ زوالها أهونُ مِنْ قتلِ المؤمن .. يُفيد الكلامُ مِن تعظيمِ القتلِ وتهويلِه وتقبيحِه وتشنيعِه ما لا يحيطه الوَصْفُ ولا يتوقَّف ذلك على
стр. 7262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كونِ الزوالِ إثمًا أو ذنبًا حتى يقال: إنه ليس بذنبٍ؛ فكُلُّ ذَنْب بجهةِ كونِهِ ذنبًا أَعْظَمُ منه، فأيُّ تعظيم حَصلَ للقتل بجعلِ زوالِ الدنيا أهونَ منه، وإن أريد بالزوالِ: الإِزالةُ .. فإزالةُ الدنيا يَسْتَلْزِمُ قَتْلَ المؤمنين، فكيفَ يُقال: إِنَّ قَتْلَ واحدٍ أعظمُ مما يَسْتَلْزِمُ قَتْلَ الكل، وكذا لا يتوقَّفُ على كونِ الدنيا عظيمة في ذاتِها عند الله حتى يقال: هي لا تُساوي جناحَ بعوضة عند الله؛ فكُلُّ شيءٍ أعظم منها، فلا فائدة في القول بأن قتل المؤمن أعظم منها مثلًا.
وقيل: المراد بالمؤمن: الكاملُ الذي يكون عارفًا بالله تعالى وصفاته؛ فإنه المقصود من خلق العالم؛ لكونه مظهرًا لآياته وأسراره، وما سواه في هذا العالم الحسي من السماوات والأرض مقصود لأجله، ومخلوق؛ ليكون مسكنًا له ومحلًا لتفكيره، فصار زواله أعظم من زوال التابع. انتهى منه.
قوله: (لزوال الدنيا) اللام لام الابتداء (أهون) أي: أحقر وأسهل (على الله) أي: عند الله (من قتل رجل مسلم) قال الطيبي رحمه الله تعالى: الدنيا عبارة عن الدار القربى التي هي معبر الدار الأخرى، وهي مزرعة لها؛ كما قيل: (وما خُلِقت السماواتُ والأرضُ إلا لتكون أنظارَ المتبصرين ومتعبداتِ المطيعين، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ (١)؛ أي: بغير حكمة، بل خلقْتَها لأَنْ تجعلَها مساكنَ المكلَّفِين، وأدلةً لهم على معرفتك؛ فمن حاول قَتْلَ مَنْ خُلقت الدنيا لأجله .. فقد حاول زوال الدنيا، وبهذا لَمحَ ما ورد في الحديث الصحيح: "لا تقوم الساعة على أحد يقول: الله الله"، قال القاريُّ: وإليه الإيماء بقوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ
стр. 7263
(٨٧) - ٢٥٧٨ - (٦) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ،
===
أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (١). انتهى من "تحفة الأحوذي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث عبد الله بن عمرو، رواه الترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في تشديد قتل المؤمن عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا وموقوفًا، وقال: وهذا أصح من الحديث المرفوع الذي رواه النسائي في "الصغرى" من حديث بُريدة بن الحصيب، ومن حديث عبد الله بن مسعود المذكور هنا.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود الأول.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٨٧) - ٢٥٧٨ - (٦) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكوفي، نزيل مكة ودمشق، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن زياد) ويقال: ابن أبي زياد القرشي الدمشقي. روى عن الزهري، ويروي عنه مروان بن معاوية، و (ت ق)، متروك، من السابعة.
стр. 7264
عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَعَانَ عَلَيَّ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ .. لَقِيَ اللهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ".
===
(عن الزهري) محمد بن مسلم.
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن زياد، وهو متفق على تركه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من أعان) مَنْ أراد قتل مؤمن ظلمًا؛ أي: أعانه (على قتل مؤمن) ولو كانت إعانته له عليه (بشطر كلمة) أي: ببعض كلمة، قيل: هو أَنْ يقولَ: اق؛ من اقْتُلْ؛ كما قال ﵊: "مَن" فكيفَ مَنْ أمرَ بقَتْلهِ؛ كالقاضي، أو تسبَّب فيه؛ كالشاهد يشهد عليه بما يوجب قتله شهادة زور ... (لقي) الذي أعان على قتله يوم موته (الله أو يوم القيامة، قوله: (مكتوب) خبر لمحذوف؛ تقديره لقي الله تعالى يوم القيامة وهو (مكتوب) أي: والحال أنه مكتوب (بين عينيه) بقلم القدرة: هذا (آيس) أي: قانط (من رحمة الله) تعالى وهذه الجملة الثانية وقعت حالًا بلا واو، ومعنى كونه آيسًا يستحق ذلك، فظاهره يوافق ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا. . .﴾ الآية (١).
стр. 7265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (٨)(٢٧٧)؛ لضعف سنده؛ كما مر، قال السندي: وهذا الحديث أورده أبو الفرج ابن الجوزي في "الموضوعات"، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثالث للمتابعة، والأخير للاستئناس، والبواقي للاستشهاد.
والله أعم
стр. 7266
(٤٠) - (٩٠٠) - بَابُ هَلْ لِقَاتِلِ مُؤْمِنٍ تَوْبَةٌ ؟
(٨٨) - ٢٥٧٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى
===
(٤٠) - (٩٠٠) - (باب هل لقاتل مؤمن توبة؟ )
(٨٨) - ٢٥٧٩ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمار) بن معاوية (الدهني) - بضم أوله وسكون الهاء بعدها نون - أبو معاوية البجلي الكوفي، صدوق يتشيع، من الخامسة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(قال) سالم: (سئل ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، ولم أر من ذكر اسم السائل.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عمن) أي: عن كافر (قتل مؤمنًا متعمدًا) أي: قاصدًا قتله لا خطأً (ثم تاب) من قتله (وآمن) بالله تعالى بنطق الشهادتين (وعمل) عملًا (صالحًا) من الصلاة والصيام وغيرهما من المأمورات (ثم اهتدى) أي: واظب على الهداية بفعل المأمورات واجتناب المنهيات؛ كالوَحْشِيِّ قاتلِ
стр. 7267
قَالَ: وَيْحَهُ! وَأَنَّى لَهُ الْهُدَى، سَمِعْتُ نَبيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: "يَجِيءُ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُتَعَلِّق بِرَأْسِ صَاحِبِهِ يَقُولُ: رَبِّ؛ سَلْ هَذَا لِمَ قَتَلَنِي؟ "، وَاللهِ؛ لَقَدْ أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَيَّ نَبِيِّكُمْ ثُمَّ مَا نَسَخَهَا بَعْدَمَا أَنْزَلَهَا.
===
حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما.
(قال) ابن عباس في جواب السائل: (ويحَه! ) أي: حقَّق الله هلاكَه بِقَتلِ المؤمن (وأَنَّى له الهدى) أي: ومِن أينَ له الهدى وقد قتَلَ مؤمنًا؟ ! ثُمَّ استدلَّ ابن عباس على ما قاله بقوله: (سمعتُ) أنا (نبيكم ﷺ يقول: يَجِيء) من المجيء؛ أي: يُعْرَضُ (القاتلُ) للمؤمن على الله تعالى (والمقتول يوم القيامة) والحال أنَّه (متعلِّق برأس صاحبه) أي: برأس قاتله حالة كون المقتول (يقول) للربِّ ﷻ وعز كماله: يا (رب؛ سل) لي قاتلي (هذا لِمَ قَتَلَنِي؟ ) وأنا على هدىً وإسلام، قَتْلِي حرامٌ على مَن أراد قتلي.
قال ابن عباس: (والله) أي: أقسمتُ لكم بالله الذي لا إله غيره: (لقد أَنْزَلَها الله أي: أنزل هذه الآية؛ يعني: قولَه تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (١) (على نبيكم، ثُمَّ ما نسَخَها) أي: ما نسخها الله (بعدما أنزلها) أي: بعدما أنزل هذه الآية بآية أخرى ناسخةٍ لها؛ فهي محكمة لم ينسخها شيء، وظاهرُ قول ابن عباس أنه لا توبةَ لقاتل المؤمن عمدًا، قيل: هذا تغليظٌ من ابن عباس ﵄، كيف يصح هذا والمشركُ تُقْبَلُ توبته؟ !
وقال تعالى فيه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (٢)،
стр. 7268
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكان ابن عباس يتمسك في قوله بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا. . .﴾ الآية، ويُجِيب عن قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ. . .﴾ (١) تارة بالنسخ، وتارة بأن ذاك إذا قَتلَ؛ وهو أي القاتل كافر، ثُمَّ أَسْلم؛ كالوحشي، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ مقيدٌ بالموت بلا توبة، ويؤولون ذلك بأن المراد بالخلود: طول المكث، وبأن هذا بيان ما يستحقه بعمله؛ كما يشير إليه قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، ثم أَمْرُه إلى الله تعالى إن شاء .. عذبه، وإن شاء .. عفا عنه، وبأن هذا في المستحل ولهم في ذلك متمسكات كثيرة من الكتاب والسنة. انتهى من "السندي".
فمذهبه أن قاتل المؤمن يعذب على قتله وإن آمن بعد قتله بقدر جزاء قتله إن لم يعف الله عنه، ثم يخرج من النار، والمراد بالخلود: المكث الطويل؛ لأن الآية محكمة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب تحريم الدم، باب تعظيم الدم، وفي كتاب القسامة، باب تأويل قول الله : ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ (٢).
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 7269
(٨٩) - ٢٥٨٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
===
(٨٩) - ٢٥٨٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة متقن حافظ، من العاشرة له تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا همام بن يحيى) بن دينار العوذي - بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة المُحَلِّمِيُّ - مولاهم أبو عبد الله البصري، ثقة ربما وهم، من السابعة، مات سنة أربع أو خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي أبي الخطاب البصري، ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الصديق) - بوزن السكين؛ أي: بتشديد الدال المكسورة - بكر بن عمرو، وقيل: ابن قيس (الناجي) - بالنون والجيم - البصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان ومئة (١٠٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 7270
قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ ﷺ ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلْبِي: "إِنَّ عَبْدًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَيَّ رَجُلٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ:
===
(قال) أبو سعيد: (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم: إني (أخبركم) وأحدثكم (بما) أي: بحديث (سمعت من في) أي: من فم (رسول الله ﷺ مشافهةً لا بواسطة (سَمِعَتْهُ) بتاء التأنيث قبل الهاء؛ لأنه مسند إلى (أذناي) بصيغة التثنية؛ أي: سمعت لفظ ذلك الحديث أذناي من فم رسول الله ﷺ (ووعاه) أي: ووعى معنى ذلك (قلبي) على ظهرها؛ أي: لم أنس لفظه ولا معناه إلى الآن، وجملة قوله: (إن عبدًا ... ) إلى آخره، مستأنفة استئنافًا بيانيًا، ساقها لبيان ما سمع من رسول الله ﷺ ؛ أي: إن عبدًا كان فيمن قبلكم، وفي رواية شعبة عند البخاري: (كان في بني إسرائيل).
(قتل تسعة وتسعين نفسًا) ظلمًا، فندم على ذلك (ثم عرَضَتْ له) أي: ظهرت له (التوبة) أي: ظهر له أن يتوب إلى الله تعالى من تلك الذنوب (فسأل) ذلك العبدُ الناسَ (عن أعلم أهل الأرض) في ذلك الزمان؛ أي: أكثرهم علمًا بحكم الذنوب وشروط التوبة عنها ليسأله (فدُلَّ) ذلك العبد العاصي بصيغة المجهول؛ أي: دله الناس الذين سألهم عنه (على رجل) راهب؛ كما في رواية مسلم؛ أي: على رجل عابد من رهبان النصارى؛ أي: من عُبَّادهم، واستنبط الحافظ في "الفتح" (٦/ ٥١٧) من لفظ الراهب: أن ذلك كان بعد رفع عيسى ﵇؛ لأن الرهبانية إنما ابْتَدَعها أتباعه بَعْدَ رفعهِ إلى السماء؛ كما دل عليه القرآن الكريم.
(فأتاه) أي: فأتى ذلك العبد الرجلَ الذي دل عليه؛ يعني: الراهب (فقال)
стр. 7271
إِنِّي قَتَلْتُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبةٍ؟ قَالَ: بَعْدَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ نَفْسًا، قَالَ: فَانْتَضَى سَيْفَهُ فَقَتَلَهُ، فَأَكْمَلَ بِهِ الْمِئَةَ، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ فَأَتَاهُ، فَقَالَ: إِنِّي قَتَلْتُ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ
===
القتَّالُ للراهب: (إني قتلْتُ تسعةً وتسعين نفسًا) ظلمًا (فهل) يكون (لي من توبة) عند الله تعالى من تلك الذنوب الكثيرة، (قال) الراهب للقتَّال: لا توبة لك (بعد) ما قتلت (تسعة وتسعين نفسًا، قال) النبي ﷺ : (فانتضى) القتَّالُ؛ أي: أخرج (سيفه) من غمده؛ وهو بالضاد المعجمة (فقتله) أي: فقتل القتَّالُ الراهبَ (فأكمل) القتَّال (به) أي: بقتل الراهب (المئةَ) أي: مئة نفس مقتولة، وأخذ بعضهم من قول الراهب: لا توبة لك أن هذا الراهب لم يكن عالمًا، وإنما أفتى بغير علم.
ورَدَّ عليه الأبي لاحتمال أن يكون في توبة القاتل خلاف في شريعتهم؛ كما هو عندنا، فأفتاه الراهب بقول من يقول منهم: لا توبة للقاتل، وعلى كل حال، فجواب الراهب كان على خلاف المصلحة؛ لأنه وإن كانت المسألة مجتَهدًا فيها .. لم يكن له أن يقطع بعدم صحة توبته ويوقعه في اليأس بعدما ظهر ندمه على فعله.
(ثم) بعدما قتل القتَّال الراهب (عَرضَتْ له) أي: ظهرت للقتَّال (التوبة) أي: ظهر له أن يتوب إلى الله تعالى (فسأل) القتَّال الناس مرة ثانية (عن أعلم أهل الأرض) في ذلك الزمان (فدُلَّ) القتَّال بالبناء للمجهول؛ أي: دله الناس (على رجل) هو أعلم أهل الأرض في ذلك الوقت (فأتاه) القتَّال؛ أي: أتى ذلك الرجلَ العالم الذي دُلَّ عليه.
(فقال) القتَّال للرجل العالم: (إني قتلت مئة نفس) ظلمًا (فهل) يوجد
стр. 7272
لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ! وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ ! اخْرُجْ مِنَ الْقَرْيَةِ الْخَبِيثَةِ الَّتِي أَنْتَ فِيهَا إِلَى الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ قَرْيَةِ كَذَا وَكَذَا فَاعْبُدْ رَبَّكَ فِيهَا، فَخَرَجَ يُرِيدُ الْقَرْيَةَ الصَّالِحَةَ فَعَرَضَ لَهُ أَجَلُهُ فِي الطَّرِيقِ،
===
(لي من) الله (توبة؟ فقال) الرجل العالم له: (وَيْحكَ! ) أي: ألزمك الله الرحمة! (ومن يحول) ويحجر (بينك) أيها القتال (وبين التوبة) من الله تعالى؟ ! فإن أردت التوبة إلى الله تعالى .. (اخرج من القرية الخبيثة التي أنت فيها) المشؤومة التي لا خير لك فيها؛ لكونها قرية أهل الفجور والمعاصي (إلى القرية الصالحة) أي: التي فيها أهل الصلاحِ والخيرِ، ثم أبدل من القرية الصالحة قوله: (قريةِ كذا وكذا) أي: أخرج من قريتك الخبيثة (إلى قرية كذا وكذا) التي فيها أهل الصلاح والخير؛ وفي رواية مسلم زيادة: (فإن بها) أي: بتلك القرية (أناسًا يعبدون الله تعالى) بأنواع العبادات (فاعبد ربك فيها) أي: في تلك القرية معهم.
(فخرج) ذلك القتال من قريته الخبيثة حالة كونه (يريد) ويقصد (القرية الصالحة) لعبادة الله فيها مع أهلها، وفي رواية مسلم زيادة: (ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء)، (فعرض) أي: جاء (له أجله) أي: أجل موته (في الطريق) أي: في طريق ذهابه إلى القرية الصالحة.
وفي قوله: (فاخرج من قريتك إلى قرية كذا وكذا، واعبد ربك فيها) الحضُّ على مفارقةِ الأرض التي اقترف فيها الذنبَ، وعلى مفارقة الإخوان الذين ساعدوه عليه مبالغة في التوبة، وعلى استبدال ذلك بصحبة أهل الخير والصلاح.
ووقع في "المعجم الكبير" للطبراني أن اسم تلك القرية التي هاجر إليها (نَصْرَةُ) واسمُ القرية التي أذنب فيها: (كفرةُ) ذكره الحافظ.
стр. 7273
فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ، قَالَ إِبْلِيسُ: أَنَا أَوْلَى بِهِ، إِنَّهُ لَمْ يَعْصِنِي سَاعَةً قَطُّ، قَالَ: فَقَالَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ: إِنَّهُ خَرَجَ تَائِبًا". قَالَ هَمَّامٌ: فَحَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ
===
وفي قوله: (ولا ترجع إلى أرضك ... ) إلى آخره: استحباب مفارقة التائب الأرض التي تَكْثُر فيها الدواعي للذنوب، وأن يلتمس صحبةَ أهل الخير والصلاح؛ فإنها أكبر عون له في إصلاح نفسه وتزكية خُلُقِه وسُلوكِه، قال النبي ﷺ : (فخرج) ذلك القتال من قريته الخبيثة يريد الهجرة إلى القرية الصالحة (فلما انتصف الطريق) بين القريتين؛ أي: بلغ وسط الطريق بين القريتين .. (أتاه الموت) أي: مقدمات الموت.
(فاختصمت) أي: تخاصمت (فيه) أي: في قبض روحه (ملائكة الرحمة وملائكة العذاب) كلاهما من أعوان ملك الموت (قال إبليس) أي: فجاء إبليس اللعين، فقال: (أنا أولى) وأحق (به) أي: بولاية أموره وشؤونه؛ فـ (إنه) أي: فإن هذا القتال (لم يعصني) ولم يخالفني فيما أمرته به من المعاصي (ساعة) في حياته (قط) أي: فيما مضى من عمره، فلتقبض روحه ملائكة العذاب الذين هم ملائكة داري ومنزلي في الآخرة.
(قال) رسول الله ﷺ : (فقالت ملائكة الرحمة: إنه) أي: إن هذا القتال (خرج) من قريته الخبيثة التي ارتكب فيها الذنوب، حالة كونه (تائبًا) أي: راجعًا إلى طاعة ربه عن ارتكاب المعاصي (مقبلًا بقلبه) أي: متوجهًا بقلبه (إلى) طاعة (الله) تعالى وامتثال أمره؛ فنحن أحق بقبض روحه.
(قال همام) بن يحيى بن دينار بالسند السابق: (فحدثني) هذا الحديث أيضًا (حميد الطويل) ابن أبي حميد، اسمه: تير، أو تيرويه، البصري، ثقة
стр. 7274
عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: "فَبَعَثَ اللهُ مَلَكًا فَاخْتَصَمُوا إِلَيْهِ ثُمَّ رَجَعُوا فَقَالَ: انْظُرُوا أَيُّ الْقَرْيَتَيْنِ كَانَتْ أَقْرَبَ فَأَلْحِقُوهُ بِأَهْلِهَا".
===
مدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن بكر بن عبد الله) المزني أبي عبد الله البصري ثقة ثبت جليل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي رافع) الصائغ نفيع المدني نزيل البصرة مولى ابنةِ عُمَرَ، وقِيلَ: مولى بنتِ العجماء، أدرك الجاهلية. روى عن: الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، ويروي عنه: (ع)، وبكر بن عبد الله المزني، ثقة ثبت مشهور بكنيته، من الثانية.
غرضه بسوق هذا السند: بيان متابعة أبي رافع لأبي الصديق الناجي.
(قال) رسول الله ﷺ : (فبعث الله ملكًا) بصورة آدمي؛ كما في رواية مسلم إلى الملائكتين؛ ليكون ذلك الملك محكمًا بينهم (فاختصموا) أي: فاختصمت الملائكتان (إليه) أي: إلى ذلك الملك (ثم رجعوا) أي: رجعت الملائكتان إلى حكمه؛ أي: إلى حُكْمِ ذلك المَلَكِ المُحكَّمِ بينهما.
(فقال) الملك للملائكتين المتخاصمتين: (انظروا أي القريتين) برفع (أي) على أنه اسم استفهام مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، خبرها جملة قوله: (كانت أقرب) إلى المحل الذي أتاه فيه الأجل (فألحقوه) أي: فألحقوا هذا القتَّال (بأهلها) أي: بأهل إحدى القريتين التي كانت أقرب إليه، فاجعلوه منهم.
ولفظ "مسلم مع شرحه": (فأتاهم) أي: أتى الفريقين من الملائكة (ملك)
стр. 7275
قَالَ قَتَادَةُ: فَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ .. احْتَفَزَ بنَفْسِهِ فَقَرُبَ مِنَ الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ وَبَاعَدَ مِنْهُ الْقَرْيَةَ الْخَبِيثَةَ، فَأَلْحَقُوهُ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الصَّالِحَةِ.
===
متصور (في صورة آدمي) وشكله (فجعلوه) أي: فجعل الفريقان من الملائكة ذلك الملك المتصور بصورة آدمي محكمًا (بينهم) فيما تنازعوا فيه (فقال) لهم ذلك الملك المحكم: (قيسوا) أي: حاسبوا بالمساحة قدر مسافة (ما بين الأرضين) أي: القريتين التي خرج منها والتي ذهب إليها (فإلى أيتهما) أي: إلى أية الأرضين (كان) ذلك الرجل القتال (أدنى) وأقرب .. (فهو) أي: فذلك القتال (له) أي: لذلك الأقرب إليه من الأرضين.
(فقاسوه) أي: قاست الملائكتان وحسبت قدر مسافة ما بين الأرضين (فوجدوه) أي: فوجدوا ذلك القتال (أدنى) وأقرب (إلى الأرض التي أراد) الهجرة إليها (بقدر شبر، فقبضته) أي: فقبضت روح ذلك القتال (ملائكة الرحمة) فكان من أهل الجنة بفضل الله تعالى وكرمه. انتهى منه.
(قال قتادة) بن دعامة بالسند السابق: (فحدثنا) هذا الحديث (الحسن) بن أبي الحسن) اسمه: يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (قال) رسول الله ﷺ : (لمَّا حضره) أي: حضرَ ذلك القتَّال (الموت) أي: مقدماتهُ (احْتَفزَ) ذلك القتَّال (بنفسه) الباء للتعدية؛ أي: دفَعَ نَفْسَه ومال بها إلى القرية الصَّالِحَةِ (فقَرب من القرية الصالحة وباعَدَ) أي: أَبْعَدَ ذلك القتال (منه) أي: من نفسه (القرية الخبيثة، فألحقوه بأهل القرية الصالحة) فقبضته ملائكة الرحمة.
стр. 7276
(٨٩) - ٢٥٨٠ - (م) أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ الْقَطَّانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأنبياء، باب حديث الغار، ومسلم في كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله.
فهذا الحديث في أعلن درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٨٩) - ٢٥٨٠ - (م) (أخبرنا أبو الحسن علي بن إبراهيم بن سلمة القطان، حدثنا أبو العباس) لم أر من ذكر ترجمته؛ وفي بعض النسخ: (حدثنا أبو الحسن) تلميذ المؤلف (حدثنا أبو العباس) (بن عبد الله) وفي بعض: (ابن عبيد الله) - بالتصغير - (ابن إسماعيل البغدادي) ثقة، لعله من الحادية عشرة.
(حدثنا عفان) بن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، كان من كبار العاشرة، مات بعد سنة تسع عشرة ومئتين بيسير. يروي عنه: (ع).
(حدثنا همام) بن يحيى بن دينار.
غرضه بسوق هذا السند: بيان متابعة عفان ليزيد بن هارون في رواية هذا الحديث عن همام بن يحيى (فذكر) عفان (نحوه) أي: بنحو حديث يزيد بن
стр. 7277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هارون وقريبه لفظًا ومعنىً، غرض أبي الحسن بسوق هذا السند: بيان أنه سمع هذا الحديث من غير طريق المؤلف.
تتمة
وقد يشكل على توبة هذا القَاتِلِ بأنه ارتكب ذنبًا يتعلق بحقوق العباد، فكيف يغفر له بدون أن يعفو عنه صاحب الحق، وهو مقتول لا يمكن إرضاؤه؟ !
وأجاب عنه الحافظ في "الفتح" والعيني في "العمدة" (٧/ ٤٦٩) بأن الله تعالى إذا قبل توبة القاتل .. تكفل برضا خصمه. انتهى من "الكوكب الوهاج".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للمتابعة.
والله أعلم
стр. 7278
(٤١) - (٩٠١) - بَابٌ: مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ .. فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ
(٩٠) - ٢٥٨١ - (١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ وَأَبُو بَكْرٍ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ ابْنَا أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ
===
(٤١) - (٩٠١) - (باب: مَنْ قُتل له قتيلٌ .. فهو بالخيار بين إحدى ثلاث)
(٩٠) - ٢٥٨١ - (١) (حدثنا عثمان) بن محمد (وأبو بكر) عبد الله بن محمد (ابنا أبي شيبة) إبراهيم بن عثمان، وهو صفة لمحمد.
أما عثمان .. فهو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ شهير وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ) وله ثلاث وثمانون (٨٣) سنة، وكان أكبر من أبي بكر بسنتين. يروي عنه: (خ م د س ق).
وأما أبو بكر .. فهو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي الأصل ثم الكوفي، ثقة، حافظ صاحب تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(قالا: حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أبو بكر وعثمان بنا أبي شيبة، قالا: حدثنا جرير) بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي
стр. 7279
وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضيْلٍ أَظُنُّهُ عَنِ ابْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ وَاسْمُهُ سُفْيَانُ،
===
الكوفي نزيل الري وقاضيها، ثقة، من الثامنة صحيح الكتاب، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه؛ (ع).
(جميعًا) أي: كل من أبي خالد وجرير وعبد الرحيم رووا (عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني إمام المغازي، ثقة أو صدوق، من صغار الخامسة، والراجح أنه ثقة إمام حجة في المغازي؛ كما في "التهذيب"، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن الحارث بن فضيل) الأنصاري الخطمي أبي عبد الله المدني، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (م د س ق).
قال محمد بن إسحاق: (أظنه) أي: أظن الحارث بن فضيل روى (عن ابن أبي العوجاء واسمه) أي: واسم ابن أبي العوجاء (سفيان) بن أبي العوجاء السلمي أبي ليلى الحجازي، من الثالثة، روى عن أبي شريح الخزاعي، ويروي عنه: (د ق)، والحارث بن فضيل، قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو أحمد الحاكم: حديثه ليس بالقائم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له أبو داوود وابن ماجه حديثًا واحدًا في القصاص.
قلت: وقال أبو حاتم: ليس بالمشهور، وقرأت بخط الذهبي: حديثه منكر ولا يعرف إلا به، كذا قال، وقد أخرج له أحمد في "مسنده" حديثًا آخر من
стр. 7280
عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ - وَالْخَبْلُ الْجُرْحُ - .. فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ؛ فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ .. فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ:
===
حديث ابن مسعود في الكسوف، وقد ظهر من هذا أنه مختلف فيه لا ضعيف بَحْتٌ، والله أعلم. انتهى من "التهذيب".
(عن أبي شريح) - بضم الشين المعجمة وفتح الراء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها حاء مهملة - اسمه خويلد بن عمرو، ويقال: كعب بن عمرو، ويقال: هَانِئ، ويقال: عبد الرحمن بن عمرو، وقيل: غير ذلك، والأول هو المشهور، قاله المنذري (الخزاعي) - بضم أولى المعجمتين - الكعبي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل المدينة، ومات بها سنة ثمان وستين (٦٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الحسن، لأن فيهما سفيان بن أبي العوجاء، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو شريح: (قال رسول الله ﷺ : من أصيب) وَابْتُلِيَ (بـ) إِراقةِ (دم) مُورِّثه وقَتْلِه (أو) بِـ (خَبْلِ) مورِّثِه وجَرْحِه؛ كأن قتل ولده أو قطع يده أو جرح رأسه جراحة توجب القصاص؛ كالموضحة، قتلًا محرمًا أو جرحًا كذلك، وفسر بعض الرواة الخبل بقوله: (والخبل: الجرح .. فهو) أي: فالوارث الذي أصيب بقتل مورثه أو بجرحه أو قطع عضوه ملتبس (بالخيار بين) استيفاء (إحدى ثلاث) خصال من الجاني؛ إما القصاص، أو الدية، أو العفو عنه (فإن أراد) ذلك الوارث الذي هو ولي الدم بعد استيفاء إحدى الثلاث الخصلة (الرابعة) بأن أراد قتل الجاني بعد أخذ الدية أو بعد العفو .. (فخذوا على يديه) أي: فامنعوا أيها الحكام
стр. 7281
أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَادَ .. فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا".
===
ذلك الوارث من تلك الرابعة التي هي قتل الجاني بعد أخذ الدية مثلًا.
وفصَّل تلك الثلاث بقوله: (أن يقتل) أي: فله الخيار بين أن يقتل الجانيَ قصاصًا (أو) أن (يعفو) عن القصاص بلا عوض (أو) أن (يأخذ الدية، فمن) اختار إحدى تلك الثلاث و (فعل شيئًا) اختاره (من ذلك) الثلاث المذكور، بأن عفا عن القصاص (فعاد) إليه وقتل الجاني .. (فإن له) أي: لذلك العائد إلى ما عفا عنه (نار جهنم) حالة كونه (خالدًا) أي: ماكثًا فيها مكثًا طويلًا (مخلدًا) أي: محبوسًا (فيها) أي: في جهنم (أبدًا) أي: مدة لا نهاية لها ولا آخر، ولفظة (أبدًا) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان لا نهاية له.
وعبارة "أبي داوود مع العون": (قال رسول الله ﷺ : من أصيب) أي: ابتلي (بقتل) نفس محرمة ممن يرثه (أو خبل) - بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة - والخبل: الجرح - بضم الجيم - قاله القاري.
وقال في "النهاية": الخبل - بسكون الباء - فساد الأعضاء، يقال: خبل الحُبُّ قلبَه؛ إذا أفسده يَخبِله ويَخبُله خبلًا، ورجل خبل ومختبل، والمعنى: أي: من أصيب بقتل نفس أو قطع عضو، يقال: بنو فلان يطالبون بدماء وخبل؛ أي: بقطع يد أو رجل .. (فهو) أي: فالمصاب الذي أصابته المصيبة؛ وهو الوارث، قاله القاري (بالخيار) أي: ملتبس بالخيار في المطالبة (بين إحدى ثلاث) خصال (فإن أراد) وقصد المطالبة (بالرابعة) بعد هذه الثلاث؛ بأن أراد الاقتصاص بعد العفو عنه، أو بالدية بعد العفو عنها .. (فخذوا على يديه) أي: امنعوه عن تلك الرابعة.
وقوله: (أن يقتل ... ) إلى آخره، متعلق بالخيار، أي: فهو ملتبس بالخيار
стр. 7282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بين (أن يقتل) ويقتص (أو يعفو) بلا طلب معاوضة (أو يأخذ الدية، فمن فعل شيئًا من ذلك) الثلاث باختياره إياه (فعاد) إلى طلب الرابعة (بعد ذلك) أي: بعد بلوغ هذا البيان، أو بعد منع الناس إياه، والأول أحسن، قاله في "فتح الودود".
أو المعنى: إن من اعتدى إلى الرابعة؛ أي: تجاوز الثلاث، وطلب شيئًا آخر؛ بأن قتل القاتل بعد ذلك؛ أي: بعد العفو، أو أخذ الدية، أو بأن عفا ثم طلب الدية .. (فله) أي: فلذالك المعتدي (عذاب أليم) أي: موجع شديد.
قال الحافظ في "الفتح": إنَّ المخيَّر في القود أو أخذ الدية هو الوليُّ، وهو قول الجمهور، وقرره الخطابي.
وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل. انتهى.
وأطال الحافظ الكلام في ذلك، في باب من قُتِلَ له قتيل .. فهو بخير النظرين، فليرجع إليه. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، بابُ الإمامِ يأمر بالعفو في الدم.
فدرجةُ هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما تقدم في محله، وللمشاركة، وغرضُه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي شريح بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 7283
(٩١) - ٢٥٨٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ
===
(٩١) - ٢٥٨٢ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم - بمهملتين مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من قتل له قتيل)
стр. 7284
فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى".
===
أي: مَنْ صُيِّر قريبٌ له قتيلًا بهذا القتل لا بقتل سابق؛ لأن قتل القتيل محال، وجواب الشرط قوله: (فهو) أي: فوليُّ القتيل ووارثُه ملتبس (بخير النظرين) أي: مخير بخير الأمرين في نظره؛ وهما: القتل والدية (إما أن يقتل) قاتل قريبه إن اختار الاقتصاص (وإما أن يفدى) بالبناء للمجهول؛ أي: وإما يعطى فداء قتيله؛ أي: بدل دمه؛ وهو الدية.
ولفظ "مسلم مع شرحه الكوكب": (ومن قتل له قتيل) أي: من قتل له قريب كان حيًّا فصار قتيلًا بذلك القتل .. (فهو) أي: فولي الدم يختار (بخير النظرين) أي: يختار بخير الأمرين له وأفضلهما عنده.
وقوله: (إما) حرف تفصيل للنظرين.
وجملة قوله: (أن يقتل) بالبناء للفاعل في تأويل مصدر مجرور على البدلية من خير النظرين؛ بدل تفصيل من مجمل؛ تقديره: إما قتل قاتل قتيله.
وجملة قوله: (وإما يفدى) بالبناء للمجهول معطوفة على جملة قوله: (إما أن يقتل) فهو أيضًا في تأويل مصدر مجرور على البدلية من النظرين؛ بدل تفصيل من مجمل؛ تقديره: وإما أخذ الفدية؛ أي: الدية، سميت الدية بذلك؛ لأنها فداء عن نفس القاتل.
قال النووي: يعني: أن ولي الدم مخير بين أخذ الدية وبين إجراء القود، وهو مذهب الإمام الشافعي، خلافًا للأحناف.
قال القرطبي: الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي عن ابن المسيب وابن سيرين على قولهم: إن ولي دم العمد بالخيار بين القصاص والدية، ويجبر القاتل عليها إذا اختارها الولي، وهو رواية أشهب عن مالك.
وذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره إلى أن الذي للولي إنما هو القتل
стр. 7285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقط أو العفو، وليس له أن يجبر القاتل على الدية؛ تمسكًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "كتاب الله القصاص"، وفي المسألة أبحاث تنظر في مسائل الخلاف. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة الحاج، ومسلم في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، وأبو داوود في كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتل في القصاص والعفو، والنسائي في كتاب القسامة، باب هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود، والبيهقي، والدارقطني.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم