أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَعْفُوَ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعَادَ .. فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا".
===
ذلك الوارث من تلك الرابعة التي هي قتل الجاني بعد أخذ الدية مثلًا.
وفصَّل تلك الثلاث بقوله: (أن يقتل) أي: فله الخيار بين أن يقتل الجانيَ قصاصًا (أو) أن (يعفو) عن القصاص بلا عوض (أو) أن (يأخذ الدية، فمن) اختار إحدى تلك الثلاث و (فعل شيئًا) اختاره (من ذلك) الثلاث المذكور، بأن عفا عن القصاص (فعاد) إليه وقتل الجاني .. (فإن له) أي: لذلك العائد إلى ما عفا عنه (نار جهنم) حالة كونه (خالدًا) أي: ماكثًا فيها مكثًا طويلًا (مخلدًا) أي: محبوسًا (فيها) أي: في جهنم (أبدًا) أي: مدة لا نهاية لها ولا آخر، ولفظة (أبدًا) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان لا نهاية له.
وعبارة "أبي داوود مع العون": (قال رسول الله ﷺ : من أصيب) أي: ابتلي (بقتل) نفس محرمة ممن يرثه (أو خبل) - بفتح الخاء المعجمة وسكون الموحدة - والخبل: الجرح - بضم الجيم - قاله القاري.
وقال في "النهاية": الخبل - بسكون الباء - فساد الأعضاء، يقال: خبل الحُبُّ قلبَه؛ إذا أفسده يَخبِله ويَخبُله خبلًا، ورجل خبل ومختبل، والمعنى: أي: من أصيب بقتل نفس أو قطع عضو، يقال: بنو فلان يطالبون بدماء وخبل؛ أي: بقطع يد أو رجل .. (فهو) أي: فالمصاب الذي أصابته المصيبة؛ وهو الوارث، قاله القاري (بالخيار) أي: ملتبس بالخيار في المطالبة (بين إحدى ثلاث) خصال (فإن أراد) وقصد المطالبة (بالرابعة) بعد هذه الثلاث؛ بأن أراد الاقتصاص بعد العفو عنه، أو بالدية بعد العفو عنها .. (فخذوا على يديه) أي: امنعوه عن تلك الرابعة.
وقوله: (أن يقتل ... ) إلى آخره، متعلق بالخيار، أي: فهو ملتبس بالخيار
стр. 7282
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بين (أن يقتل) ويقتص (أو يعفو) بلا طلب معاوضة (أو يأخذ الدية، فمن فعل شيئًا من ذلك) الثلاث باختياره إياه (فعاد) إلى طلب الرابعة (بعد ذلك) أي: بعد بلوغ هذا البيان، أو بعد منع الناس إياه، والأول أحسن، قاله في "فتح الودود".
أو المعنى: إن من اعتدى إلى الرابعة؛ أي: تجاوز الثلاث، وطلب شيئًا آخر؛ بأن قتل القاتل بعد ذلك؛ أي: بعد العفو، أو أخذ الدية، أو بأن عفا ثم طلب الدية .. (فله) أي: فلذالك المعتدي (عذاب أليم) أي: موجع شديد.
قال الحافظ في "الفتح": إنَّ المخيَّر في القود أو أخذ الدية هو الوليُّ، وهو قول الجمهور، وقرره الخطابي.
وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل. انتهى.
وأطال الحافظ الكلام في ذلك، في باب من قُتِلَ له قتيل .. فهو بخير النظرين، فليرجع إليه. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، بابُ الإمامِ يأمر بالعفو في الدم.
فدرجةُ هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما تقدم في محله، وللمشاركة، وغرضُه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي شريح بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 7283
(٩١) - ٢٥٨٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ
===
(٩١) - ٢٥٨٢ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم - بمهملتين مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من قتل له قتيل)
стр. 7284
فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إِمَّا أَنْ يَقْتُلَ، وَإِمَّا أَنْ يُفْدَى".
===
أي: مَنْ صُيِّر قريبٌ له قتيلًا بهذا القتل لا بقتل سابق؛ لأن قتل القتيل محال، وجواب الشرط قوله: (فهو) أي: فوليُّ القتيل ووارثُه ملتبس (بخير النظرين) أي: مخير بخير الأمرين في نظره؛ وهما: القتل والدية (إما أن يقتل) قاتل قريبه إن اختار الاقتصاص (وإما أن يفدى) بالبناء للمجهول؛ أي: وإما يعطى فداء قتيله؛ أي: بدل دمه؛ وهو الدية.
ولفظ "مسلم مع شرحه الكوكب": (ومن قتل له قتيل) أي: من قتل له قريب كان حيًّا فصار قتيلًا بذلك القتل .. (فهو) أي: فولي الدم يختار (بخير النظرين) أي: يختار بخير الأمرين له وأفضلهما عنده.
وقوله: (إما) حرف تفصيل للنظرين.
وجملة قوله: (أن يقتل) بالبناء للفاعل في تأويل مصدر مجرور على البدلية من خير النظرين؛ بدل تفصيل من مجمل؛ تقديره: إما قتل قاتل قتيله.
وجملة قوله: (وإما يفدى) بالبناء للمجهول معطوفة على جملة قوله: (إما أن يقتل) فهو أيضًا في تأويل مصدر مجرور على البدلية من النظرين؛ بدل تفصيل من مجمل؛ تقديره: وإما أخذ الفدية؛ أي: الدية، سميت الدية بذلك؛ لأنها فداء عن نفس القاتل.
قال النووي: يعني: أن ولي الدم مخير بين أخذ الدية وبين إجراء القود، وهو مذهب الإمام الشافعي، خلافًا للأحناف.
قال القرطبي: الحديث حجة للشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي عن ابن المسيب وابن سيرين على قولهم: إن ولي دم العمد بالخيار بين القصاص والدية، ويجبر القاتل عليها إذا اختارها الولي، وهو رواية أشهب عن مالك.
وذهب مالك في رواية ابن القاسم وغيره إلى أن الذي للولي إنما هو القتل
стр. 7285
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقط أو العفو، وليس له أن يجبر القاتل على الدية؛ تمسكًا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (٢)، وقوله ﷺ : "كتاب الله القصاص"، وفي المسألة أبحاث تنظر في مسائل الخلاف. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللقطة، باب كيف تعرف لقطة الحاج، ومسلم في كتاب الحج، باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، وأبو داوود في كتاب الديات، باب ولي العمد يرضى بالدية، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في حكم ولي القتل في القصاص والعفو، والنسائي في كتاب القسامة، باب هل يؤخذ من قاتل العمد الدية إذا عفا ولي المقتول عن القود، والبيهقي، والدارقطني.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7286
(٤٢) - (٩٠٢) - بَابُ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا فَرَضُوا بِالدِّيَةِ
(٩٢) - ٢٥٨٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدِ الْأَحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ضُمَيْرَةَ، حَدَّثَنِي أَبِي وَعَمِّي
===
(٤٢) - (٩٠٢) - (باب من قتل عمدًا فرَضُوا بالديةِ)
(٩٢) - ٢٥٨٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق، من الثامنة، مات سنة تسعين أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، ثقة، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(حدثني محمد بن جعفر) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (ع)، مات سنة بضعة عشرة ومئة (١١٣ هـ).
(عن زيد بن ضميرة) ويقال: زيد بن سعد بن ضميرة، ويقال: زياد بن ضميرة بن سعد، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (د ق).
(حدثني أبي) ضميرة بن سعد (وعمي) لم أر من ذكر اسم عمه، وفي رواية أبي داوود: (حدثني محمد بن جعفر أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة) بالتصغير (السُّلميَّ يُحدِّث) أي: زياد بن سعد (عروة بن الزبير) أي: سمع محمد بن جعفر زيادَ بن سعد حالة كون زياد يُحدِّث لعروة بن الزبير (أنه) أي: أن زيادًا سمع (أباه) سعدًا (وجدَّه) ضميرة.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه زيدَ بن سعد بن ضميرة؛ وهو مقبول.
стр. 7287
- وَكَانَا شَهِدَا حُنَيْنًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَا: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ ثُمَّ جَلَسَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَهُوَ سَيِّدُ خِنْدِفَ يَرُدُّ عَنْ دَمِ مُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةَ،
===
(وكانا) أي: وكان أبي سعدٌ وجدي ضميرةُ، رضي الله تعالى عنهما (شهدا حُنينًا مع رسول الله ﷺ .
(قالا: ) أي: قال كل من أبي وجدي (صلَّى النبي ﷺ الظهرَ ثم) بعدما صلى الظهر (جَلَس) النبيُّ ﷺ (تحت شجرة) هناك (فقام إليه) ﷺ (الأقرعُ بن حابس) التميميُّ، وليس له رواية في الحديث (وهو) أي: الأقرع (سيدُ خِنْدِفَ) أي: رئيسُهم، حالة كون الأقرع (يَرُدُّ) ويُدافع (عن دم محلم بن جَثَّامة) أي: يرد الأقرعُ عن محلم بن جثامة الدمَ الذي ادُّعِيَ عليه أنه قتَلَه، وإنما دافع الأقرعُ عنه؛ لأن محلمًا من قبيلة الخِنْدف التي كان منها الأقرع، وكان مُحلِّم قتل عامرَ بن الأَضْبَط الأشجعيَّ الذي قتلَتْهُ سريةُ رسول الله ﷺ ، وضَبْطُ مُحلِّم: هو بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد اللام وكسرها وبعدها ميم.
وجَثَّامة: بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة وفتحها وبعد الألف ميم مفتوحة وتاء تأنيث، قاله المنذري.
وأمَّا خِنْدِف .. فهي بكسر الخاء المعجمة وسكون النون وبعدها الدالُ المهملة المكسورة، وهي زَوْجُ إلياس بن مضر، واسمُها: ليلى، انتُسب إليها ولدُ إلياس بن مضر، وهي أُمُّهم، وكان سببُ تلقُّبِها بذلك أَنَّ إلياس بن مضر خرج مُنْتَجِعًا - قال في "المصباح": انتجع القوم؛ إذا ذهبوا لطلب الكلأ - فنَفرَتْ إبله مِن أَرْنَبٍ، فطَلبَها ابنُه عَمرُو بن إلياس فأَدْركَها، فسُمِّي مُدرِكة، وخرج عامر بن
стр. 7288
وَقَامَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ وَكَانَ أَشْجَعِيًّا،
===
إلياس في طَلبها فأخذَهَا فطبَخَها، فسُمِّي طابخة، وَانْقَمَع عميرُ بن إلياس في الخِباء فلم يخرج، فسُمِّي قَمِعةَ، فخرجَتْ أُمه ليلى تَنْظُر مَشْيَ الخِنْدِفةِ؛ وهو ضَرْبٌ من المَشيِ فيه تَبَخْتُرٌ، فقال لها إلياسُ: أين تُخَنْدِفِين وقد رُدَّت الإبلُ؟ ! فسُمِّيت خندفًا، قاله المنذري. انتهى من "العون".
(وقام عيينة بن حصن) بن حذيفة (يطلب بِـ) ثَأرِ (دمِ عامر بن الأَضْبَط، وكان) عامرٌ المقتولُ (أشجعيًا) أي: منسوبًا إلى أشجع بن ريثِ بن غَطَفان بن سعد بن قيس عَيْلَان، وهو الذي قَتلَتْهُ سرية رسول الله ﷺ مُتعوِّذًا بالشهادة، وكان عامرٌ المقتول أشجعيًا؛ كما كان عُيينة بن حِصْن أشجعيًّا؛ لأن عيينة هو ابن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جُويرية بن لُوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان الفزاري، والمقتول: عامر بن الأخضر بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، وكان عيينة بن حصن وعامر بن الأخضر المقتول من قبيلة واحدة، ولذلك طلب ثأر دمه، قاله المنذري.
وفي رواية لابن إسحاق في "المغازي": يقول زياد بن سعد بن ضميرة: حدثني أبي وجدي، وكانا شهدا حنينًا مع النبي ﷺ قالا: صلى بنا النبي ﷺ الظهر يوم حنين، ثم جلس إلى ظل شجرة، فقام إليه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن، وعيينة يومئذ يطلب بدم عامر بن الأضبط المقتول، قتله محلم بن جثامة، وهو في سرية رسول الله ﷺ بعدما تعوذ عامر بالشهادة، وكان عيينة وعامر المقتول من قبيلة واحدة؛ والأقرع بن حابس يدافع عن محلم بن جثامة، وهما أيضًا من قبيلة واحدة؛
لأنهما من خندف. انتهى منه بزيادة.
стр. 7289
فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ : "تَقْبَلُونَ الدِّيَةَ؟ "، فَأَبَوْا، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ يُقَالُ لَهُ: مُكَيْتِلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَاللهِ؛ مَا شبَّهْتُ هَذَا الْقَتِيلَ فِي غُرَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَّا كَغَنَمٍ وَرَدَتْ فَرُمِيَتْ
===
(فقال لهم) أي: لقوم عيينة بن حصن وهم أولياء الدم (النبي ﷺ تقبلون الدية؟ ) بتقدير همزة الاستفهام؛ أي: هل تقبلون يا قوم عيينة الدية، أو خبر بمعنى الأمر؛ أي: اقبلوا دية قتيلكم عامر بن الأخضر الأشجعي، قال زيد بن ضميرة: قال أبي وجدي: (فأبوا) أي: أبي قوم عيينة الذين هم أولياء الدم، وامتنعوا من قبول الدية، وطلبوا القصاص؛ أي: قتل محلم بن جثامة.
ولفظ رواية أبي داوود: (فقال رسول الله ﷺ : يا عيينة؛ ألا تقبل الغير) - بكسر الغين وفتح الياء - هو الدية، والاستفهام فيه للتقرير (فقال عيينة: لا والله) لا نقبل (حتى أُدْخِلَ على نسائه) أي: القاتلِ (مِن الحرب) - بفتح الحاء وسكون الراء - أي: مِن المُقَاتِلَةِ (والحَزَنِ) - بفتحتين -: الأسف والفَجَع (ما أَدْخَل) القاتلُ (على نسائي، قال) أَي: أبي سعد أو جدي ضميرة: (ثُمَّ ارتفعَت الأصواتُ، وكَثُرَت الخصومة واللغطُ، فقال رسول الله ﷺ ثانيًا: (يا عيينة؛ ألا تَقْبلُ الغِيرَ؟ فقال عيينة: مثل ذلك أيضًا.
(فقام رجل من بني ليث يقال له: مكيتل) بمثناة مصغرًا (فقال) ذلك الرجل، وهو من قوم القتيل عامر بن الأخضر: (يا رسول الله؛ والله) أي: أقسمتُ لك بالإله الذي لا إله غيره (ما شَبَّهْتُ) ولا مَثَّلْتُ (هذا القتيلَ) الذي قُتِل (في غُرَّةِ الإسلام) وبِدايَتِه.
قال في "النهاية": غُرة الإسلام: بدايتُه وأوَّله، وغرة كل شيء: أوله؛ أي: ما مثَّلْتهُ هو وقومَه، بل وجميعَ الناس (إلا كغنم وردَت) الماءَ للشربِ (فَرُمِيَت)
стр. 7290
فَنَفَرَ آخِرُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَكُمْ خَمْسُونَ فِي سَفَرِنَا، وَخَمْسُونَ إِذَا رَجَعْنَا"، فَقَبِلُوا الدِّيَةَ.
===
تلك الغنم بسهم فقُتِلَتْ واحدةٌ مِن أوائلها (فنفَرَ) أي: شرد (آخرُها) أي: من الماء ولم تشرب؛ أي: رجعت بقيةُ الغنم؛ لخوفِ القَتْل، فكذلك ينبغي لك أن تَقْتلَ هذا الأولَ، حتى يكون قَتْلهُ عِظةً واعتبارًا للآخرين، قاله السندي.
(فقال النبيُّ ﷺ لقوم عيينة: يُعطَى (لكم خمسون) من الإبل (في سفرنا و) يُعطى (خمسون) منها (إذا رجعنا) إلى المدينة (فقَبِلُوا الديةَ).
قوله: (وقال رجل من بني ليث يقال له مكيتل: يا رسول الله؛ والله ما شبهتُ هذا القتيل في غرة الإسلام) قال السيوطي في "مرقاة الصعود": معنى هذا المثل: إن مَثَل محلم في قتله الرجل وطلبه ألا يُقْتصَّ منه، وتُؤخذ منه الدية، والوقتُ أولَ الإسلام وصَدْرَه؛ كمثل هذه الغنم النافرة؛ يعني: إن جرى الأمر مع أولياء هذا القتيل على ما يريد محلِّم .. ثَبَّطَ الناسَ عن الدخول في الإسلام مَعْرفتُهُم أنَّ القود يغير بالديةِ والعوضِ خصوصًا، وهم حِرَاصٌ على دَرْكِ الأوثار، وفيهم الأنَفةُ مِن قبولِ الديات.
قوله: "لكم خمسون في سفرنا ... " إلى آخره؛ أي: (خمسون) إبلًا لولي المقتول (في فورنا هذا) أي: في الوقت الحاضر لا تأخير فيه (وخمسون) إبلًا له (إذا رجعنا) من سفرنا إلى المدينة (فقبلوا) أي: قبل أولياء القتيل (الدية) ورضوا بها، وهذا موضع الترجمة.
* * *
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم، أخرجه مطولًا، وأما ابن ماجه .. فرواه مختصرًا جدًّا، فراجع "أبا داوود".
стр. 7291
(٩٣) - ٢٥٨٤ - (٢) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ،
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سعد وضميرة بحديث عبد الله بن عمرو ﵃، فقال:
(٩٣) - ٢٥٨٤ - (٢) (حدثنا محمود بن خالد الدمشقي) أبو علي السلمي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ)، وله ثلاث وسبعون سنة. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبي) خالد بن يزيد السلمي أبو هاشم الأزرق، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا محمد بن راشد) المكحولي الخزاعي الدمشقي أبو يحيى، سكن البصرة، صدوق يهم رمي بالقدر، من السابعة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن سليمان بن موسى) الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق، صدوق فقيه في حديثِهِ بعضُ لين، وخولط قبل موته بقليل، من الخامسة. يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
стр. 7292
عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ عَمْدًا .. دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ؛ فَإِنْ شَاؤُوا .. قَتَلُوا، وَإِنْ شَاؤُوا .. أَخَذُوا الدِّيَةَ؛ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً؛
===
(عن جده) أي: عن جد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي المدني أبي محمد أحد السابقين المكثرين من الصحابة، رضي الله تعالى عنهما، مات ليالي الحرة على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن عمرو بن شعيب فيما روى عن أبيه عن جده مختلف فيه، لأنه إنما رواه عن كثاب، ولأن فيه خالد بن يزيد السلمي، وهو مقبول.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : من قتل) مؤمنًا (عمدًا .. دفع) ذلك القاتل (إلى أولياء القتيل) وورثته (فإن شاؤوا) أي: شاء أولياء القتيل قَتْلَه قصاصًا .. (قَتلُو). قصاصًا لا مانعَ لهم من ذلك؛ لأنهم استحقُّوا قَتْلَه (وإن شاؤوا) أَخْذَ الديةِ بدلَ دمِ قَتيلهم .. (أخذوا الدية، وذلك) الواجب في دية العمد الذي استحقوا أخذه بدلَ دم قتيلهم (ثلاثون حقة) سميت حقة؛ لاستحقاقها الركوب وطروق الفحل عليها والحمل عليها (وثلاثون جذعة) سميت جذعة، لأنها أجذعت؛ أي: أسقطت مقدم الأسنان (وأربعون خلفة) أي: حاملة.
وفي "التحفة": قوله: "حقة" - بكسر الحاء - وهي التي دخلت في السنة الرابعة؛ لأنها استحقت الركوب والحمل عليها.
قوله: "جذعة" - بفتحتين - وهي التي دخلت في السنة الخامسة.
وقوله: "خلفة" - بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وبعدها فاء - وهي الحامل، وتجمع على خلفات وخلائف. انتهى منه.
стр. 7293
وَذَلِكَ عَقْلُ الْعَمْدِ، وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ .. فَهُوَ لَهُمْ؛ وَذَلِكَ تَشْدِيدُ الْعَقْلِ".
===
(وذلك عقل العمد، وما صولحوا عليه) أي: وما تصالح واتفق القاتل وأولياء الدم عليه من القصاص أو الدية .. (فهو) أي: فما اتفقوا عليه من القصاص أو الدية هو الواجب (لهم) أي: لأولياء الدم (وذلك) أي: كون الدية من الأصناف الثلاثة المذكورة؛ من الحقة والجذعة والخلفة (تشديد العقل) أي: تشديد الدية وتغليظها؛ لكون القتل عمدًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب ولي يرضى بالدية، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل، وأخرجه في "السنن الكبرى" في كتاب الديات، باب أسنان دية العمد إذا زَالَ فيه القصاصُ، وأنها حالة في مال القاتل.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7294
(٤٣) - (٩٠٣) - بَابٌ: دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ
(٩٤) - ٢٥٨٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ رَبِيعَةَ،
===
(٤٣) - (٩٠٣) - (باب: دية شبه العمد مغلظة)
(٩٤) - ٢٥٨٥ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن جعفر) الهذلي البصري المعروف بغندر، ثقة، صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام البصري، ثقة حافظ متقن عابد، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
قال أيوب: (سمعت القاسم بن ربيعة) بن جوشن - بجيم ومعجمة - على
стр. 7295
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "قَتِيلُ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ قَتِيلُ السَّوْطِ وَالْعَصَا .. مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، أَرْبَعُونَ مِنْهَا خَلِفَةٌ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا".
===
وزن جعفر الغطفاني - بفتح المعجمة والمهملة والفاء - البصري، ثقة عارف بالنسب، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل القرشي السهمي رضي الله تعالى عنهما الصحابي المشهور الفاضل، من السابقين المكثرين.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: قتيل الخطأ) مبتدأ (شبه العمد) بالجر بدل من الخطأ.
(قتيل السوط والعصا) بالرفع بدل من قتيل الأول، ولكن المبتدأ على حذف مضاف خبره: (مئة من الإبل) أي: دية قتيل الخطأ شبه العمد؛ دية قتيل السوط والعصا مئة من الإبل، وقوله: (أربعون منها) مبتدأ، خبره قوله: (خلفة) والجملة من المبتدأ والخبر صفة لمئة، وجملة قوله: (في بطونها أولادها) صفة لخلفة.
ولفظ رواية أبي داوود: (إن دية الخطأ) وقوله: (شبه العمد) بدل من الخطأ، وقوله: (ما كان بالسوط والعصا) بدل من البدل الذي هو شبه العمد؛ أي: إن دية ما كان بالسوط والعصا، وقوله: (مئة من الإبل) خبر إن، وهذه الرواية لا تحتاج إلى تقدير مضاف؛ كما في رواية المؤلف، قوله: (في بطونها أولادها) يعني: الحوامل؛ ففيه مجاز الأول.
قال الخطابي: في الحديث إثبات قتل شبه العمد، وقد زعم بعض أهل العلم أَنْ ليس القتلُ إلا العمدَ المحض، أو الخطأَ المحضَ، وفيه بيان أن
стр. 7296
(٩٤) - ٢٥٨٥ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ,
===
دية شبه العمد مغلظة على العاقلة، واختلف الناس في دية شبه العمد: فقال بظاهر الحديث عطاء والشافعي، وإليه ذهب محمد بن الحسن، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد وإسحاق: هي أرباع، وقال أبو ثور: دية شبه العمد أخماس، وقال مالك بن أنس: ليس في كتاب الله إلا الخطأ والعمد، وأما شبه العمد .. فلا نعرفه، ويشبه أن يكون الشافعي إنما جعل الدية في العمد أثلاثًا بهذا الحديث؛ وذلك أنه ليس في العمد حديث مفسر، والدية في العمد مغلظة، وفي شبه العمد كذالك، فحمل أحدهما على الآخر، وهذه الدية تلزم العاقلة عند الشافعي؛ لما فيه من شبه الخطأ؛ كدية الجنين. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب في دية الخطأ شبه العمد، والنسائي في كتاب القسامة، باب كم دية شبه العمد، والدارمي في كتاب الديات، باب الدية في شبه العمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٤) - ٢٥٨٥ - (م) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سليمان بن حرب) الأزدي البصري، ثقة إمام حافظ، من التاسعة،
стр. 7297
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أَوْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
(٩٥) - ٢٥٨٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ
===
مات سنة أربع وعشرين ومئتين (٢٢٤ هـ). يروي عنه (ع).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خالد) بن مهران بن أبي المنازل البصري (الحذاء) ثقة يرسل، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن القاسم بن ربيعة) بن جوشن، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن عقبة بن أوس) السدوسي البصري، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (د س ق).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص، رضي الله تعالى عنهما.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، غرضه: بيان متابعة خالد الحذاء لأيوب السختياني في رواية هذا الحديث عن القاسم بن ربيعة.
وساق خالد الحذاء (نحوه) أي: نحو حديث أيوب عن القاسم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عمرو بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عثهم، فقال:
(٩٥) - ٢٥٨٦ - (٢) (حدثنا عبد الله بن محمد) بن عبد الرحمن بن
стр. 7298
الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُدْعَانَ، سَمِعَهُ مِنَ الْقَاسِمِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَهُوَ عَلَى دَرَجِ الْكَعْبَةِ،
===
المسور بن مخرمة (الزهري) المخرمي، صدوق، من صغار العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) ثقة إمام، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله (بن جدعان) التيمي البصري حجازي، وهو المعروف بعلي بن زيد بن جدعان ينسب أبوه إلى جد جده، ضعيف، ضعفه الجماهير، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
وقال العجلي: كان يتشيع، لا بأس به، وقال مرة: يكتب حديثه، وليس بالقوي، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، صالح الحديث، وقال أبو حاتم: ليس بقوي يكتب حديثه، ولا يحتج به، فهو مختلف فيه. انتهى "تهذيب".
قال سفيان: (سمعه) أي: سمع ابن جدعان هذا الحديث الآتي (من القاسم بن ربيعة) بن جوشن الغطفاني البصري، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه ابن جدعان، وهو مختلف فيه.
(أن رسول الله ﷺ قام) خطيبًا (يوم فتح مكة، وهو) أي: والحال أنه ﷺ قائم (على درج الكعبة) وفي رواية أبي داوود:
стр. 7299
فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فَقَالَ: "الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، أَلَا إِنَّ قَتِيلَ الْخَطَأَ قَتِيلَ السَّوْطِ وَالْعَصَا فِيهِ مِئَةٌ مِنَ الْإِبِلِ؛ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا،
===
(على درجة البيت) وفي "المجمع": الدرجة: المرقاة؛ أي: سلم الباب.
(فحمد الله) ؛ أي: نزهه عن جميع النقائص؛ كالصاحبة والولد والند (وأثنى عليه) بجميع كمالاته (فقال) في حمده تعالى: (الحمد لله الذي صدق) لنا (وعده) بفتح مكة (ونصر عبده) محمدًا ﷺ يوم بدر (وهزم) أي: فرَّق وشتَّت (الأحزابَ) أي: قبائلَ المشركين الذين تحزبوا وتجمعوا لأعدام المسلمين في يوم الخندق، حالة كونه تعالى (وحده) أي: حالة كونه منفردًا عن المعين والمستشار؛ أي: من غير قتال من الآدميين؛ بأن أرسل ريحًا وجنودًا، وهم أحزاب اجتمعوا يوم الخندق.
وقيل: هم أحزاب الكفار في جميع الدهر والمواطن. انتهى "عون".
ثم قال ﷺ : (ألا) حرف استفتاح وتنبيه وإيقاظ من الغفلة؛ أي: استمعوا ما أقول لكم (إن قتيل الخطأ) أي: إن الشخص المقتول منكم بالخطأ؛ أي: بلا تعمد وقصد إلى قتله بما لا يقتل غالبًا.
وقوله: (قتيل السوط والعصا) بدل من قتيل الخطأ، أو عطف بيان له؛ أي: إن قتيل السوط والعصا؛ أي: إن الشخص المقتول بالسوط والعصا الخفيفين اللذين لا يقتلان غالبًا (فيه) أي: في قتل ذلك القتيل (مئة من الإبل؛ منها أربعون خلفة) - بفتح فكسر - أي: حاملة (في بطونها أولادها).
قال في "المصباح": الخلفة - بكسر اللام -: هي الحامل من الإبل، وجمعها مخاض من غير لفظها؛ كما تجمع المرأة على النساء من غير لفظها.
стр. 7300
أَلَا إِنَّ كَلَّ مَأْثُرَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَدَمٍ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِدَانَةِ الْبَيْتِ وَسِقَايَةِ الْحَاجِّ، أَلَا إِنِّي قَدْ أَمْضيْتُهُمَا لِأَهْلِهِمَا كَمَا كَانَا".
===
ثم قال رسول الله ﷺ : (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا (إن كُلَّ مأثرةٍ كانت في الجاهلية)؛ والمأثرة - بتثليث المثلثة على وزن المقبرة -: هي ما يؤثر ويذكر من مكارم أهل الجاهلية ومفاخرهم (و) كل (دم) وقع إراقته في الجاهلية ولم يقتص به (تحت قدمي هاتين) خبر إن؛ أي: باطل وساقط.
قال الخطابي: معناه: إبطالها وإسقاطها وإهدارها (إلا ما كان) منها (من سدانة البيت) والكعبة وعمارتها وخدمتها؛ والسدانة - بكسر السين وفتح الدال المهملتين -: هي خدمة البيت والقيام بأمرها (وسقاية الحاج) من ماء زمزم باستقائه من بئرها؛ فهما باقيان على ما هما عليه في الجاهلية، قال الخطابي: وكانت الحجابة في الجاهلية في بني عبد الدار، والسقاية في بني هاشم، فأقرهما رسول الله ﷺ ، فصار بنو شيبة يحجبون البيت، وبنو العباس يسقون الحجاج. انتهى.
كما قال ﷺ : (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا: (إني قد أمضيتهما) أي: تركت السدانة والسقاية وأبقيتهما (لأهلهما) اللذين هما تحت ولايتهم في الجاهلية (كما كانا) لهم الآن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب الدية كم، والنسائي في كتاب القسامة، باب كم دية شبه العمد، والدارقطني في كتاب الحدود والديات، والبيهقي في كتاب الديات، باب شبه العمد، وعبد الرزاق في كتاب العقول، باب شبه العمد.
стр. 7301
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سندِه حسنًا؛ كما مر، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
تتمة
واعلم: أن أحاديث هذا الباب قد اختلفت رواته؛ كما بينها أبو داوود، وحاصله: أن القاسم بن ربيعة يقول مرة: عن عبد الله بن عمرو؛ أي: ابن العاص، ومرة: عن عبد الله بن عمر، ثم هو قد يذكر بينه وبين عبد الله بن عمرو بن العاص واسطة عقبة بن أوس؛ كما في رواية خالد الحذاء، وقد لا يذكر؛ كما في رواية أيوب وعلي بن زيد بن جدعان، وقد أشار إلى الجمع بينها المنذري، فقال: يحتمل أن يكون القاسم بن ربيعة سمعه من عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص؛ فروى عن هذا مرة وعن هذا مرة أخرى، وأما رواية خالد الحذاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص وسمعه عن عبد الله بن عمرو بن العاص .. فرواه مرة عن عقبة، ومرة عن عبد الله بن عمرو. انتهى كلام المنذري، انتهى من "العون".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7302
(٤٤) - (٩٠٤) - بَابُ دِيَةِ الْخَطَأَ
(٩٦) - ٢٥٨٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،
===
(٤٤) - (٩٥٤) - (بابُ ديةِ الخطأ)
والدية: مصدر ودى القاتلُ المقتولَ؛ إذا أعطى وَلِيَّه المالَ الذي هو بدلُ النفس، ثم قيل لذلك المال: الدية تسمية بالمصدر.
واعلم: أن القتل على ثلاثة أضرب: عمد محض، وخطأ محض، وشبه عمد، وإليه ذهب الشافعية والحنفية والأوزاعي والأذرعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ فجعلوا في العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، وفي شبه العمد الدية مغلظة، وسيأتي تفصيل الدية وبيان تغليظها. انتهى من "العون".
قال في "الهِدايَة": العمد: ما تعمد ضربه بسلاح، أو بما جرى مجرى السلاح؛ كالمحدَّد من الخشب ولِيطَةِ القَصَب، وشبه العمد عند أبي حنيفة: أن يتعمد الضرب بما ليس بسلاح ولا ما أجري مجرى السلاح.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وهو قول الشافعي: إذا ضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة .. فهو عمد، وشبه العمد: أن يتعمد ضربه بما لا يُقْتَلُ به غالبًا. انتهى منه.
* * *
واستدل المؤلف على الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٦) - ٢٥٨٧ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي أبو بكر البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7303
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هَانِئٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَي عَشَرَ أَلْفًا.
===
(حدثنا معاذ بن هانئ) القيسي البصري أبو هانئ، ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة تسع ومئتين (٢٠٩ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا محمد بن مسلم) الطائفي واسم جده سوس، وقيل: سوسن بزيادةِ نُونٍ في آخره، صدوق يخطئ من حفظه، من الثامنة، مات قبل التسعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم المكي؛ مولى ابن عباس أبي عبد الله البربري، ثقة عالم بالتفسير والعلم، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه وإرساله، ورواه الترمذي مرفوعًا ومرسلًا، وأرسله النسائي، ورواه ابن ماجه مرفوعًا؛ كما قد علمت، والأصح الرفع؛ لما في الرفع من زيادة علم.
(أنه) ﷺ (جعل الدية) أي: جعل بدل الدية عند فقدان الإبل أو في حق أهل الحضر عند تعذر الإبل عليهم؛ أي: جعل بدل الدية الكاملة؛ وهي مئة إبل (اثني عشر ألفًا) من الدراهم، ولفظ أبي داوود عن
стр. 7304
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عكرمة عن ابن عباس: (أن رجلًا من بني عدي قُتِل، فجعل النبي ﷺ ديتَه اثني عشر ألفًا)، قال أبو داوود: رواه ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة عن النبي ﷺ ، لم يذكر ابنَ عباس، حاصله: أن الحديث رواه سفيان مرسلًا؛ فإنه لم يذكر ابن عباس.
وفي الحديث دليل على أن الدية من الفضة اثنا عشر ألف درهم، قال الخطابي: قال مالك وأحمد وإسحاق: إن الدية إذا كانت نقدًا .. فمن الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفا؛ وروي ذلك عن الحسن البصري وعروة بن الزبير، وعند أبي حنيفة من الذهب ألف دينار، ومن الدراهم عشرة آلاف، وكذالك قال سفيان الثوري، وحكي ذلك عن ابن شبرمة. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب كم هي، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في الدية كم هي، والنسائي في كتاب القسامة، باب ذكر الدية من الورق.
فدرجته: أنه حسن؛ لأن فيه محمد بن مسلم الطائفي، فهو مختلف فيه، وفي رفع سنده وإرساله خلاف أيضًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال المنذري: وأخرج هذا الحديث الترمذي مرفوعًا ومرسلًا، وأرسله النسائي، ورواه ابن ماجه مرفوعًا، وقال الترمذي: ولا نعلم أحدًا يذكر في هذا الحديث عن ابن عباس غير محمد بن مسلم، هذا آخر كلامه، ومحمد بن مسلم هذا هو الطائفي، وقد أخرج له البخاري في المتابعة، ومسلم في الاستشهاد، وقال يحيى بن معين: ثقة، وقال مرة: إذا حدث من حفظه .. يخطئ، وإذا حدث من كتابه .. فليس به بأس، وضعفه الإمام أحمد بن حنبل، وذكر أبو داوود: أن ابن عيينة لم يذكر ابن عباس، وذكر الترمذي أنه لا يعلم أحدًا ذكر ابن عباس
стр. 7305
(٩٧) - ٢٥٨٨ - (٢) حَدَّثَثَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ الْمَرْوَزِيُّ، أَنْبَأَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ،
===
في هذا الحديث غير محمد بن مسلم، وقد أخرج النسائي عن محمد بن ميمون عن ابن عيينة، وقال فيه: سمعناه مرة يقول: عن ابن عباس، وأخرجه الدارقطني في "سننه" عن أبي محمد بن صاعد عن محمد بن ميمون، وقال فيه: عن ابن عباس.
وقال الدارقطني: قال ابن ميمون: وإنما قال لنا فيه: عن ابن عباس مرة واحدة، وأكثر ذلك كان يقول: عن عكرمة عن النبي ﷺ ، وذكره البيهقي من حديث الطائفي موصولًا، وقال: ورواه أيضًا سفيان عن عمرو بن دينار موصولًا، ومحمد بن ميمون هذا هو أبو عبد الله المكي الخياط، روى عن ابن عيينة وغيره، قال النسائي: صالح، وقال أبو حاتم الرازي: كان أميًّا مغفلًا، ذكر له أنه روى عن أبي سعيد مولى بني هاشم عن شعبة حديثًا باطلًا، وما أبعد أن يكون وضع للشيخ؛ فإنه كان أميًّا. انتهى كلام المنذري.
فتحصل لنا: أن الحديث حسن مرفوع، غرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٧) - ٢٥٨٨ - (٢) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي (المروزي)، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(أنبأنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه (ع).
стр. 7306
أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَاشِدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ قُتِلَ خَطَأً .. فَدِيَتُهُ مِنَ الْإِبِلِ ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ"،
===
(أنبأنا محمد بن راشد) المكحولي الخزاعي الدمشقي أبو يحيى نزيل البصرة، صدوق، من السابعة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (عم).
(عن سليمان بن موسى) الأموي مولاهم الدمشقي، صدوق فقيه في حديثه بعض لين، من الخامسة. يروي عنه: (عم).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد، صدوق، ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) أي: عن جد شعيب عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن عمرو بن شعيب مختلف فيه فيما روى عن أبيه.
(أن رسول الله ﷺ قال: من قتل خطأ .. فديته) إذا كانت (من الإبل ثلاثون بنت مخاض) بالنصب على التمييز، وكذا يقال فيما بعده؛ وهي التي طعنت في السنة الثانية، سميت بذلك؛ لأن أمها صارت ذات مخاض بأخرى (وثلاثون بنت لبون) وهي التي طعنت في الثالثة، سميت بها؛ لأن أمها ولدت أخرى وكانت ذات لبن (وثلاثون حقة) وهي: التي طعنت في الرابعة، وحق لها أن تركب وتحمل (وعشرة بني لبون) بالإضافة إلى تمييزه.
стр. 7307
وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَوِّمُهَا عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَ مِئَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلَهَا
===
قال الخطابي في "المعالم": لا أعرف أحدًا من الفقهاء قال بهذا الحديث وجرى عليه.
وقال المنذري: وفي إسناد هذا الحديث عمرو بن شعيب، وقد اختلفوا في ضعفه وتوثيقه: قال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: إذا حدث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .. فهو كتاب، ومن هنا جاء ضعفه، وإذا حدث عن سعيد بن المسيب أو سليمان بن يسار أو عروة .. فهو ثقة عن هؤلاء، وقال الدوري ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، فهو مختلف فيه، ومن دون عمرو بن شعيب ثقات إلا محمد بن راشد المكحولي، وقد وثقه أحمد وابن معين والنسائي، وضعفه ابن حبان وأبو زرعة، فهو مختلف فيه أيضًا، فيكون سنده حسنًا؛ كما مر.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس.
وأما قوله: (وكان رسول الله ﷺ ... ) إلى آخره .. فليس من تتمة الحديث؛ لأنه من كلام عبد الله بن عمرو، فهو موقوف، ولذلك لم يذكره أكثر أهل السنن.
قال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: (وكان رسول الله ﷺ في حياته (يقومها) أي: يقوم المئة إبل التي هي الأصل في الدية؛ أي: يوجب قيمتها (على أهل القرى) والمدن (أربع مئة دينار) أي: يجعل قيمة المئة أربع مئة دينار ويوجبها عليهم في الدية الكاملة إن كانوا من أهل الذهب؛ لتعذر الإبل عليهم (أو) يوجب عليهم (عدلها) أي: ما يساوي
стр. 7308
مِنَ الْوَرِقِ، وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَزْمَانِ الْإِبِلِ إِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي ثَمَنِهَا، وَإذَا هَانَتْ نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا عَلَى نَحْوِ الزَّمَانِ مَا كَانَ، فَبَلَغَ قِيمَتُهَا
===
الأربع مئة دينار (من الورق) إن كانوا من أهلها؛ وهي أربعة آلاف وثماني مئة درهم (و) كان ﷺ (يقومها) أي: يقوم مئة الإبل التي هي الأصل في الدية مخالفًا بين قيمتها (على) حسب اختلاف (أزمان) قيمة (الإبل) غلاءً ورخصًا.
فـ (إذا غلت) وارتفعت قيمتها .. (رفع في ثمنها) أي: ثمن الإبل وبدلها الذي يكون عوضًا عنها في الدية، سواء كان من الذهب أو من الورق (وإذا هانت) الإبلُ ورخُصَ وانخفضَ سِعْرُها .. (نقَصَ من ثمنها) الذي يُدْفَع في الدية بدلًا عنها.
وقوله: (على نحو الزمان ما كان) متعلق بكل من قوله: "رفع ثمنها"، وقوله: "نقص من ثمنها" وفي هذا الكلام أيضًا تقديم وتأخير وحذف؛ والتقدير: رفع ثمنها على نحو ما كان ووجد في ذلك الزمان الذي ارتفع فيه سعرها؛ أي: رفع ثمنها المدفوع في الدية على قدر ما وقع ووجد في ذلك الزمان قلة وكثرة، أو نقص من ثمنها المدفوع في الدية على نحو ما كان ووقع في ذلك الزمان الذي انخفض ورخص فيه سعرها؛ أي: نقص من ثمنها على قدر ما كان ووقع في ذلك الزمان الذي هانت فيه.
والفاء في قوله: (فبلغ) فاء الإفصاح "لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر؛ تقديره: إذا عرفت ما ذكرته لك من أنه ﷺ رفع من ثمنها إذا غلت، ونقص من ثمنها إذا هانت، وأردت بيان ما بلغت قيمتها في عهد رسول الله ﷺ .. فأقول لك: بلغ (قيمتها) أي: قيمة تلك الإبل المئة التي هي الأصل في الدية؛ أي: بلغ ثمنها المدفوع في الدية
стр. 7309
عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِ مِئَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِ مِئَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلُهَا مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنَّ مَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الْبَقَرِ عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِئَتَيْ بَقَرَةٍ، وَمَنْ كَانَ عَقْلُهُ فِي الشَّاءِ عَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ.
===
بدلًا عنها (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته (ما بين الأربع مئة دينار) وما فوقها من خمس مئة دينار (إلى ثمان مئة دينار، أو) بلغت قيمتها (عدلها) أي: عدل الأربع مئة دينار وثمان مئة دينار ومساويها (من الورق) أي: من الفضة؛ من أربعة آلاف درهم إلى (ثمانية آلاف درهم).
وقوله: (وقضى رسول الله ﷺ أن من كان عقله في البقر ... ) إلى آخره، فيه تقديم وتأخير وإسقاط، والتقدير: وقضى رسول الله ﷺ (على أهل البقر) في ديتهم (مئتي بقرة)؛ لأن عقلهم كان في البقر، وكذا قوله: (ومن كان عقله في الشاء على أهل الشاء ألفي شاة) فيه تقديم وتأخير وإسقاط وحذف؛ والتقدير: وقضى رسول الله ﷺ على أهل الشاء ألفي شاة؛ والشاة: اسم لواحدة من الجنس، لأن عقلهم كان في الشاء؛ والشاء - بالهمز في آخره - اسم جنس، والله أعلم، إلى هنا تم أثرُ عبدِ الله بن عمرو، وقد ذكره بالسند السابق تبعًا للحديث.
قال الخطابي: وإنما قومها رسول الله ﷺ على أهل القرى؛ لعزة الإبل عندهم، فبلغت القيمة في زمانه من الذهب ثمان مئة دينار، ومن الورق ثمانية آلاف درهم، فجرى الأمر كذلك إلى أن كان عمر، وعزت الإبل في زمانه، فبلغ بقيمتها من الذهب ألف دينار، ومن الورق اثنا عشر ألفًا، وعلى هذا بنى الشافعي أصل قوله في دية العمد، فأوجب فيه الإبل وإن كان لا يصار إلى النقود إلا عند إعواز الإبل، فإذا أعوزت .. كانت فيها قيمتها ما
стр. 7310
(٩٨) - ٢٥٨٩ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَاصِمٍ، حَدَّثَنَا الصَّبَّاحُ بْنُ مُحَارِبٍ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ،
===
بلغت ولم تعتبر فيها قيمة عمر التي قومها في زمانه؛ لأنها كانت قيمة تعديل في ذلك الوقت، والقيم تختلف فتزيد وتنقص باختلاف الأزمنة، وهذا على قوله الجديد.
وقال في قوله القديم بقيمة عمر رضي الله تعالى عنه؛ وهو اثنا عشر ألفًا أو ألف دينار، وقد روي مثل ذلك عن النبي ﷺ في الورق. انتهى كلامه، انتهى من "العون".
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٨) - ٢٥٨٩ - (٣) (حدثنا عبد السلام بن عاصم) الجعفي الهِسنْجَانِي - بكسر الهاء والمهملة وسكون النون بعدها جيم - الرازي، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا الصباح بن محارب) التيمي الكوفي نزيل الري، صدوق ربما خالف، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا حجاج بن أرطاة) - بفتح الهمزة وسكون الراء - ابن ثور بن هبيرة النخعي الكوفي القاضي أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا زيد بن جبير) - مصغرًا - ابن حرمل - بفتح المهملة وسكون الراء - الطائي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
стр. 7311
عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذُكُورًا"
===
(عن خشف) بكسر أوله وسكون المعجمة بعدها فاء (ابن مالك الطائي) وثقه النسائي، من الثانية. يروي عنه: (عم).
(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي الصحابي المشهور، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، ولأن فيه خشف بن مالك، وهو مجهول.
(قال) عبد الله بن مسعود: (قال رسول الله ﷺ في) بيان (دية الخطأ): هي (عشرون حقة) وقوله: حقة - بكسر الحاء وتشديد القاف - منصوب على التمييز، وكذا ما بعده (وعشرون جذعة) - بفتح الجيم والذال المعجمة - وهي التي طعنت في الخامسة، وهي أكبر من يؤخذ في الزكاة (وعشرون بنت مخاضر، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض) وقوله: (بني مخاض) منصوب على التمييز لعشرين؛ كسابقه، وعلامة نصبه الياء؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
وقوله: (ذكورًا) بالنصب صفة لـ (بني مخاض)، وبالرفع عطف بيان و (عشرون) وفي بعض النسخ: (ذكر) - بضمتين - ولعله تخفيف ذكور، كذا في "العون".
وبهذا الحديث قال أبو حنيفة، وذهب الليث ومالك والشافعي إلى أن دية الخطأ عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة.
стр. 7312
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب الدية كم هي، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في الدية كم هي من الإبل، والنسائي في كتاب القسامة، باب ذكر أسنان دية الخطأ، قال أبو عيسى: حديث ابن مسعود هذا لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفًا، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى هذا الحديث، وهو قول أحمد وإسحاق
وقد أجمع أهل العلم على أن الدية تؤخذ في ثلاث سنين؛ في كل سنة ثلث الدية، ورأوا أن دية الخطأ على العاقلة.
ورأى بعضهم أن العاقلة قرابة الرجل من جهة أبيه، وهو قول مالك والشافعي، وقال بعضهم: إنما الدية على الرجال دون النساء والصبيان من العصبة، يحمل كل رجل منهم ربع دينار، وقد قال بعضهم إلى نصف دينار، فإن تمت، وإلا .. نظر إلى أقرب القبائل منهم، فألزموا ذلك. انتهى "سندي".
وقال أبو بكر البزار: وهذا الحديث لا نعلمه روي عن عبد الله مرفوعًا إلا بهذا الإسناد، وذكر الخطابي أن خشف بن مالك مجهول لا يعرف إلا بهذا الحديث، وعدل الشافعي عن القول به؛ لما ذكرنا من العلة في رواته، ولأن فيه بني مخاض، ولا مدخل لبني مخاض في شيء من أسنان الصدقات، وقد روي عن النبي ﷺ في قصة القسامة أنه ودى قتيل خيبر بمئة من إبل الصدقة، وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض، لاجتماع نقصين فيه؛ الذكورة والصغر.
وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف غير ثابت عند أهل المعرفة بالحديث، وبسط الكلام في ذلك، وقال: لا نعلمه رواه إلا خشف بن مالك عن ابن مسعود،
стр. 7313
(٩٩) - ٢٥٩٠ - (٤) حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ،
===
وهو رجل مجهول لم يرو عنه إلا زيد بن جبير، ثم قال: لا نعلم أحدًا رواه عن زيد بن جبير إلا حجاج بن أرطاة، والحجاج رجل مشهور بالتدليس، وبأنه يحدث عمن لم يلقه ولم يسمع منه، ثم ذكر أنه قد اختلف فيه على الحجاج بن أرطاة. انتهى من "العون"، وقال البيهقي: وخشف بن مالك مجهول، وقال الموصلي: خشف بن مالك ليس بذلك، وذكر له هذا الحديث.
وخشف - بكسر الخاء وسكون الشين المعجمة وفاء - واختلف على الحجاج بن أرطاة، والحجاج غير محتج به، والله أعلم.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٩)(٢٧٨)؛ لضعف سنده؛ كما مر، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما المذكور في أول هذا الباب، ولو ذكرها متصلة بذلك الحديث؛ بأن جعلها ثانية أحاديث الباب .. لكان أوضح، فقال:
(٩٩) - ٢٥٩٠ - (٤) (حدثنا العباس بن جعفر) بن عبد الله بن الزبرقان البغدادي أبو محمد بن أبي طالب أخو يحيى، أصله من واسط، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا محمد بن سنان) الباهلي أبو بكر البصري العوقي - بفتحتين بعدهما قاف مكسورة - ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئتين (٢٢٣ هـ). يروي عنه: (خ د ت ق).
стр. 7314
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَى عَشَرَ أَلْفًا قَالَ: وَذَلِكَ
===
(حدثنا محمد بن مسلم) الطائفي واسم جده سوس، وقيل: سوسن - بزيادة نون في آخره - صدوق يخطئ من حفظه، من الثامنة، مات قبل التسعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله الهاشمي مولاهم المكي؛ مولى ابن عباس، ثقة عالم بالتفسير والعلم، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولكن اختلف في رفعه وإرساله، ورواه الترمذي مرفوعًا ومرسلًا، ورواه ابن ماجه مرفوعًا هنا وفي أول الباب، والرفع مقدم على الإرسال؛ لما في الرفع من زيادة علم، وغرضه بسوق السند: بيان متابعة محمد بن سنان لمعاذ بن هانئ في رواية هذا الحديث عن محمد بن مسلم الطائفي، وإنما ذكر المتابعة هنا؛ لما بين الروايتين من المخالفة في اللفظ، فجعل هذه الرواية كالحديث المستقل، فرواها هنا، والله أعلم.
(أن النبي ﷺ جعل الدية) الكاملة؛ وهي دية الرجل المسلم المحترم (اثني عشر ألفًا) من الدراهم في رجل قتل من بني عدي؛ كما مر في أول الباب (قال) ابن عباس: (وذلك) أي: ومصداق ذلك الجعل
стр. 7315
قَوْلُهُ: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قَالَ: بِأَخْذِهِمُ الدِّيَةَ.
===
وشاهده (قوله) تعالى في سورة التوبة: ﴿وَمَا نَقَمُوا﴾ أي: وما أنكر هؤلاء المنافقون، وما كرهوا من أمر الإسلام وبعثة الرسول ﷺ فيهم شيئًا يقتضي الكراهة والانتقام من الرسول؛ حيث قصدوا قتله ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١)؛ أي: من عطائه.
(قال) ابن عباس: أغناهم بأخذ دية قتيلهم اثني عشر ألف درهم، وبالغنائم أيضًا، وكانوا أولًا عالة فقراء.
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن عكرمة أن مولى بني عدي بن كعب قتل رجلًا من الأنصار، فقضى النبي ﷺ بالدية اثني عشر ألفًا، وفيه نزلت: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾؛ أي: (بأخذهم الدية). انتهى من "الحدائق".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستئناس، والرابع للمتابعة.
والله أعلم
стр. 7316
(٤٥) - (٩٠٥) - بَابُ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةٌ .. فَفِي بَيْتِ الْمَالِ
(١٠٠) - ٢٥٩١ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبِي مَنْصُورٍ ,
===
(٤٥) - (٩٠٥) - (باب الدية على العاقلة فإن لم تكن عاقلة .. ففي بيت المال)
وعاقلة الرجل: قراباته من قبل الأب المجمع على إرثهم وقت الجناية، من الرجال البالغين.
سموا بذلك؛ لأنهم يعقلون إبل الدية بفناء ولي المقتول؛ كالإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم، يقدم الأقرب ثم الأقرب؛ فأقربهم: الإخوة، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا.
* * *
(١٠٠) - ٢٥٩١ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي الكوفي، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة خمس، ويقال: ست وسبعين ومئة (١٧٦ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب - بمثناة مشددة ثم
стр. 7317
عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ نَضْلَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
===
موحدة - الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات دون المئة سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد بن نضلة) - بفتح النون وسكون المعجمة - الخزاعي أبي معاوية الكوفي، ثقة، من الثانية، ووهم من ذكر أن له صحبة، مات في ولاية بشر على العراق. يروي عنه: (م عم).
(عن المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين (٥٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) شعبة: (قضى رسول الله ﷺ بالدية على العاقلة) أي: قضى بغرم الدية على عاقلة الجاني وعصبته الذين يستحقون إرثه ولو حجبوا؛ أي: يتحملونها عنه، وهذا الحديث أصل عظيم في وجوب الدية على العاقلة؛ إذا كان القتل خطأ أو شبه عمد.
ثم اختلفوا في تعيين مصداق العاقلة: وقال الشافعي وأحمد: إن العاقلة هم عصبة القاتل على كل حال، ولا يعتبر كونهم وارثين في الحال، بل متى كانوا وارثين لولا الحجب عقلوا الدية، كذا في "المغني" لابن قدامة (٩/ ٥١٦).
وقال أبو حنيفة: إن العاقلة هم الذين يتناصر بهم القاتل، وكان التناصر في
стр. 7318
(١٠١) - ٢٥٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ،
===
عهد رسول الله ﷺ بالقبائل، فكانت عاقلة الرجل قبيلته، ثم تغير الوضع حين وضع عمر الديوان، فكان التناصر بأهل الديوان، فصار أهل الديوان عاقلة.
واستدل الشافعية بأن العقل كان على عشيرة القاتل في عهد النبي ﷺ ، ولا نسخ بعده. انتهى من "الكوكب"، ولا يدخل في العاقلة؛ أصول الجاني وفروعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب القسامة، باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني، وأبو داوود في كتاب الديات، باب دية الجنين، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في دية الجنين، والنسائي في كتاب القسامة، باب صفة شبه العمد وعلى من دية الأجنة وشبه العمد.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث المغيرة بن شعبة بحديث المقدام الشامي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠١) - ٢٥٩٢ - (٢) (حدثنا يحيى بن دُرُسْتَ) - بضمتين وسكون المهملة - ابن زياد البصري، ثقة، من العاشرة. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7319
عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي عَامِرٍ الْهَوْزَنِيِّ، عَنِ الْمِقْدَامِ الشَّامِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ،
===
(عن بُدَيْلِ) مصغرًا (ابن ميسرة) العُقيلي - مصغرًا - البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وعشرين، أو ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن علي بن أبي طلحة) سالم مولى بني العباس، سكن حمص أرسل عن ابن عباس ولم يره، من السادسة، صدوق قد يخطئ، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن راشد بن سعد) المَقْرَئِيِّ - بفتح الميم وسكون القاف وفتح الراء بعدها همزة ثم ياء النسب - الحمصي، ثقة كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ثمان، وقيل: ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبي عامر الهوزني) عبد الله بن لُحَيٍّ - بضم اللام وبالمهملة مصغرًا - ويقال: ابن عامر بن لحي الحمصي، ثقة مخضرم، من الثانية. يروي عنه: (د س ق).
(عن المقدام) بن معدي كرب بن عمرو الكندي أبي كريمة (الشامي) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الشام، ومات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ) على الصحيح، وله إحدى وتسعون سنة. يروي عنه: (خ عم).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) المقدام: (قال رسول الله ﷺ : أنا وارث من لا وارث له) أي: أجعل ماله في بيت المال صرفًا له إلى مصالح المسلمين (أعقل عنه) أي: أؤدي عنه ما يلزمه بسبب الجنايات التي تتحملها العاقلة (وأرثه)
стр. 7320
وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ".
===
أي: أرث من لا وارث له، قال القاضي رحمه الله تعالى: يريد صرف ماله إلى بيت مال المسلمين؛ فإنه لله ولرسوله.
(والخال وارث من لا وارث له) من النسب، فيه دليل من قال بتوريث ذوي الأرحام (يعقل) أي: يحمل الخال العقل (عنه) أي: عمن لا وارث له (ويرثه) أي: يرث الخال من لا وارث له من النسب.
قوله: "يعقل عنه" أي: إذا جنى ابن أخته ولم يكن له عصبة .. يؤدي الخال عنه الدية؛ كالعصبة.
واختلف في هذا الحديث: وروي عن راشد بن سعد عن المقدام، وروي عن راشد بن سعد عن أبي عامر الهَوْزَنِي عن المقدام، وروي عن راشد بن سعد أن رسول الله ﷺ قال مرسلًا، وقال أبو بكر البيهقي في هذا الحديث: وكان ابن معين يضعفه، ويقول: ليس فيه حديث قوي.
وقال أيضًا: وقد أجمعوا على أن الخال الذي لا يكون ابن عم أو مولىً لا يعقل إلا بالخؤولة، فخالفوا الحديث الذي احتجوا في العقل؛ فإن كان ثابتًا .. فيشبه أن يكون في وقت كان يعقل بالخؤولة، ثم صار الأمر إلى غير ذلك، أو أراد خالًا يعقل بأن يكون ابن عم أو مولىً أو اختار وضع ماله فيه إذا لم يكن له وارث سواه. انتهى كلام المنذري، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفرائض، باب في ميراث ذوي الأرحام، والنسائي.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *