فَأَتَى رَسُولَ اللهِ ﷺ يَلْتَمِسُ عَقْلَ ثَنِيَّتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ فَيَعَضُّهُ كَعِضَاضِ الْفَحْلِ، ثُمَّ يَأْتِي يَلْتَمِسُ الْعَقْلَ؟ ! لَا عَقْلَ لَهَا"، قَالَ: فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ .
===
يعلى؛ والثنيةُ: واحدُ الثنايا؛ وهي مُقدَّمُ الأسنان.
(فأَتَى) العاضُّ الذي سقطَتْ أسنانُه؛ وهو يعلي بن أمية (رسولَ الله ﷺ حالةَ كونِه؛ أي: حالة كونِ العاض (يَلْتَمِسُ) ويطلبُ (عَقْلَ ثنيَّتِهِ) أي: ديتَها مِن العاضِّ بترافُعِه إلى رسول الله ﷺ .
والحاصلُ: أنَّ يعلي بن أمية عضَّ يدَ أجيره، وإنما أَبْهَم يعلى تسميةَ العاض؛ احْتِشَامًا من نسبة العض إلى نفسه، ولذالك قال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٢٣): وفيه أنَّ مَنْ وقعَ له أمر يَأْنَفُه أو يَحْتَشِمُ مِن نسبتِه إليه؛ إذا حكاه لِغَيرِه .. كَنى عن نفسه؛ بأن قال: فَعلَ رجلٌ أو إنسانٌ كذا وكذا، فالعاضُّ هو يعلى، والمعضوضُ هو أجيرُه، وهذا هو الذي عليه سياقُ الحديث.
(فقال رسولُ الله ﷺ لِيَعْلَى العاضِّ: أَ (يعمدُ) ويقصِدُ (أحدُكم) بتقديرِ همزة الاستفهام الإنكاريِّ؛ كما هو مصرح في رواية مسلم (إلى) إِذَايةِ (أَخِيه) المسلمِ (فَيَعضُّهُ) أي: فَيَعضُّ أخاه بأسنانه ويَمْضَغُه (كعِضاضِ) وأَكْلِ (الفحلِ) والجَملِ من الإبل الشجرَ (ثُمَّ يأتِي) ويَجِيءُ ذلك العاض إِلَيَّ حالةَ كونِه (يلتمسُ) ويطلبُ ذلك العاضُّ (العَقْلَ؟ ! ) أي: عقلَ سِنِّه وديَتها، فهي هَدَرٌ (لا عَقْلَ) ولا ديةَ (لها).
(قال) الراوي: (فأَبْطَلها) أي: حكَمَ بِبُطلانِها وهَدَرِها (رسولُ الله ﷺ .
قوله: (فطرَحَ ثنيتَه) بالإفراد، وفي رواية مسلم: (ثنيَّتَيهِ) بالتثنيةِ، وفي
стр. 7387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رواية الكُشْميهنِي عند البخاري: (ثنايَاه) بصيغة الجمع، فبَيْنَ الروايات معارضةٌ بالإفرادِ والتثنية والجمع، فكَيْفَ الجمع بينها؟
قال العيني في "عمدة القاري" (١١/ ٢٠٧): والتوفيقُ بين هذه الروايات: أنَّ الاثنين يُطلق عليهما صيغةُ الجمع، وأن رواية الإفراد على إرادةِ الجنس الصادق بالواحد وما فوقه، كذا قيل، لكن يعكرُ عليه روايةُ محمد بن علي: فَانْتَزع (إِحدى ثنيتَيهِ) فعلى هذا يُحملُ الاختلافُ على التعدد، ولكن استبعد الحافظ حَمْلَهُ على التعدّدِ؛ لاتحادِ مَخْرَجِ الحديث، فالظاهر أنَّ أحدَ الرواة وَهِمَ في تعيينِ عدد الساقطةِ من الثنايا وقد قَدَّمْنَا مرارًا أنَّ الرُّواةَ إِنَّما يَعْتَنُون بحفظِ أصلِ القصة ولا يَسْأَلُون بتفصيلِ جزئياتِها في كثيرٍ من المواقع، فمِن الطبيعيِّ أَنْ يَجْرِيَ مثل هذه الخلافات البسيطةِ فيما بَيْنَ الرواة، ولا سبيلَ إلى القطعِ بتصحيحِ بعضِ الرواياتِ في مِثْلِها، ولا حاجةَ إلى تحصيلِ القطع واليقين فيها؛ فإنَّه لا يَقْدَحُ ذلك في ثبوتِ أَصْلِ الحديث، فالرجوعُ في مِثْلِ هذه الخلافاتِ إِلَى حَمْلِ الرواياتِ على تعدُّدِ القصة .. تكلُّفٌ لا دَاعِيَ إليه، والأقربُ حَمْلُها على وقوعِ الوَهْمِ مِنْ بعضِ الرواة. انتهى من "شرح مسلم".
قولُه: "لا عَقْلَ لها" أي: لا ديةَ لثنيته ولا قصاص، وبه أخَذَ الجمهور، فقالوا: لا يلزم المعضوضَ قصاص ولا ديةٌ؛ لأنه في حكمِ الصائل، واحتجُّوا أيضًا بالإجماعِ على أنَّ مَن شهر سلاحًا على آخرَ لِيَقْتُلَه، فدَفَع عن نفسِه، فقَتلَ الشاهرَ .. أنه لا شيءَ عليه، فكذا لا يَضْمَنُ سِنَّه بدَفْعِه إياه عن نفسِه، وكذا لو قَصَدَ رجلٌ الفُجورَ بامرأة، فلا يُمكِنُها الخَلاصُ إلا بقَتْلِه فقتَلَتْهُ .. لا شيءَ عليها؛ كما في "المبارق"، وهو مذهبُ أبي حنيفة والشافعي، على أن الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٢٢) قيَّدَهُ بِأَنْ يتألَّم المعضوضُ، ولا يُمكنه تخليصُ يدهِ
стр. 7388
(١٢٤) - ٢٦١٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى،
===
بغيرِ ذلك؛ مِنْ ضَرْب في شِدْقَيْهِ أو فَكِّ لَحْيَيْهِ؛ لِيُرسِلَها، ومهما أَمْكَنه التخليصُ بدُونِ ذلك، فعَدَلَ إلى الأَثْقَل .. لم يَهْدِر، وعند الشافعيةِ وَجْهٌ: أنَّه يَهْدِرُ على الإِطلاق، ووجه: أنَّه لو دَفَعه بغيرِ الجذب من الجرح في موضع آخر .. ضَمِنَ، وقال مالك: يَضْمَنُ المعضوضُ سِنَّ العاضِ مطلقًا. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث يعلى وسلمة بحديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٢٤) - ٢٦١٥ - (٢) (حدثنا عليُّ بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري، ثقة مدلس، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن زرارة بن أوفى) - بضم الزاي - العامريِّ الحَرشي - بمهملة وراء
стр. 7389
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَجُلًا عَضَّ رَجُلًا عَلَى ذِرَاعِهِ، فَنَزَعَ يَدَهُ فَوَقَعَتْ ثَنِيَّتُهُ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .. فَأَبْطَلَهَا وَقَالَ: "يَقْضَمُ أَحَدُكُمْ كَمَا يَقْضَمُ الْفَحْلُ؟ ! ".
===
مفتوحتين ثم معجمة - أبي حاجب البصري قاضيها، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع)، مات فجأةً في الصلاة سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ).
(عن عمران بن حصين) بن عبيد بن خلف الخزاعي البصري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحُكْمُه: الصحةُ؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رجلًا) من المسلمين، وهو يعلي بن أمية الصحابيُّ المشهور (عَضَّ) أي: مضَغَ وأكَلَ بأسنانه (رجلًا) منهم؛ وهو أجيرُ يعلى، استأجره يعلى؛ لِيَخْدِمَه في سفرِ تبوك؛ أي: عَضه (علَى ذراعِه فَنزَع) أي: جَذَب ذلك المعضوضُ الذي هو أجيره (يدَه) أي: ذراعَه مِن فم العاض الذي هو يعلى (فوقعَتْ) أي: سقطَتْ (ثنيتهُ) أي: ثنيةُ العاض؛ وهو يعلى (فرُفِع) أَمْرُهما وشأنُهما (إلى النبي ﷺ ليحكم بينهما.
(فأبطلَها) أي: أبطل النبيُّ ﷺ ثنيةَ العاض، أي: جَعلَهما غير مضمونة بقصاص ولا دية (وقال) النبيُّ ﷺ : أ (يَقْضَمُ) أي: أيأكلُ (أحدكلم) أيُّها المسلمون يدَ صاحبه (كما يَقْضَمُ) ويأكل (الفحل) والجملُ أغصانَ الشجر؟ ! استفهام إنكاري توبيخي.
قال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ٢٢٠): ليس في رواية مسلم ولا في رواية غيره من الكتب الستة ولا غيرها أن يعلى هو المعضوض، لا صريحًا ولا إشارةً، فتعين أن يعلى هو العاض، ويظهر من روايات هذه القصة، ما قاله العراقي في "شرح الترمذي" من أن المعضوض هو أجير يعلى لا يعلى؛ فقد صرح عمران في
стр. 7390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رواية الباب أن يعلي بن أمية أحد المتقاتلين، وصرح في رواية صفوان بن يعلى المذكورة في "مسلم" أن أجير يعلى هو المعضوض، فتلخص من الروايتين أن العاض هو يعلى، والمعضوض هو أجيره.
قال السندي: (فنزع ثنيته) أي: أسقط المعضوض ثنية العاض من فيه، والثنية: واحد الثنايا مقدم الأسنان؛ كما (يقضم) أي: يعض بالأسنان؛ وهو - بقاف وضاد معجمة - من القضم؛ وهو الأكل بأطراف الأسنان (الفحل) الذكر من الحيوان. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الديات، باب إذا عض رجلًا فوقعت ثناياه، ومسلم في كتاب القسامة، باب الصائل على نفس الإنسان أو عضوه، وأبو داوود في كتاب الديات، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في القصاص، قال أبو عيسى: حديث عمران بن حصين حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب القسامة، باب القود في العضة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث يعلى.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7391
(٥٩) - (٩١٩) - بَابٌ: لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ
(١٢٥) - ٢٦١٦ - (١) حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ عَمْرو الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنِ الشَّعْبِي، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ
===
(٥٩) - (٩١٩) - (باب: لا يقتل مسلم بكافر)
(١٢٥) - ٢٦١٦ - (١) (حدثنا علقمة بن عمرو) بن الحصين بن لبيد التميمي (الدارمي) العطاردي أبو الفضل الكوفي، صدوق له غرائب، من الحادية عشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو بكر بن عياش) - بتحتانية ومعجمة - ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناط - بمهملة ونون - مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد أو عبد الله أو سالم أو شعبة إلى غير ذلك من أقوال عشرة، ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن مطرف) - بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة - ابن طريف الكوفي، ثقة فاضل، من صغار السادسة، مات سنة إحدى وأربعين ومئة (١٤١ هـ)، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الشعبي)، عامر بن شراحيل الحميري الكوفي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي جحيفة) - بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون تحتية بعدها فاء - اسمه وهب بن عبد الله العامري، نزل الكوفة، وكان من صغار الصحابة، ذكر أن النبي ﷺ توفي ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه،
стр. 7392
قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْء مِنَ الْعِلْمِ لَيْسَ عِنْدَ النَّاسِ؟ قَالَ: لَا وَاللهِ؛ مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا عِنْدَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَرْزُقَ اللهُ رَجُلًا فَهْمًا فِي الْقُرْآنِ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ فِيهَا الدِّيَاتُ،
===
وروى عنه رضي الله تعالى عنه، مات بالكوفة سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو جحيفة: (قلت لعلي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنهما: (هل عندكم) يا أهل البيت، وضمير الجمع؛ للتعظيم، أو أراد جميع أهل البيت وهو رئيسهم، ففيه تغليب (شيء من العلم) والوحي (ليس عند الناس) خصكم رسول الله ﷺ به، وإنما سأله أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن جماعة من الشيعة كانوا يزعمون أن عند أهل البيت لا سيما عليًّا أشياء من الوحي خصهم النبي ﷺ بها لم يطلع عليها غيرهم، وقد سأل عليًّا عن هذه المسألة أيضًا قيس بن عباد والأَشْتَر النخعي، وحديثهما في "مسند النسائي" (قال) له علي: (لا) شيء عندنا خصنا به رسول الله ﷺ من بين الناس (و) أقسمت لك بـ (الله) الذي لا إله غيره (ما عندنا) أهل البيت شيء خصنا به (إلا ما عند الناس) كافة (إلا أن يرزق الله) تعالى (رجلًا) منا (فهمًا في) معاني (القرآن أو ما في هذه الصحيفة) معطوف على (فهمًا)، وفي رواية: (وما في هذه الصحيفة).
والمراد بالصحيفة: الورقة المكتوبة المعلقة بغلاف سيف علي رضي الله تعالى عنه، وفي رواية الترمذي زيادة: (قال) أبو جحيفة: (قلت: وما في هذه الصحيفة؟ ) قال علي: (فيها) أي: في هذه الصحيفة (الديات) أي: أحكام الديات؛ يعني: فيها ذِكْرُ ما يجب في دية النفس والأعضاء من
стр. 7393
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَأَلَّا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ.
===
الإبل، وذِكْرُ أسنانٍ تؤدى فيها وعددِها، حالة كون تلك الأحكام منقولة (عن رسول الله ﷺ و) فيها أيضًا (ألا يقتل مسلم بكافر) وهذا موضع الترجمة.
قال القاضي: هذا عام يدل على أن المؤمن لا يقتل بكافر قصاصًا، سواء الحربي والذمي، وهو قول عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت، وبه قال عطاء وعكرمة والحسن وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب الثوري وابن شُبْرُمة والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقيل: يقتل المسلم بالذمي، والحديث مخصوص بغيره، وهو قول النخعي والشعبي، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة؛ لما روى عبد الرحمن بن البيلماني أن رجلًا من المسلمين قتل رجلًا من أهل الذمة، فرفع ذلك إلى النبي ﷺ ، فقال: "أنا أحق من أوفى بذمته"، ثم أمر به فقتل.
وأجيب عنه: بأنه منقطع لا احتجاج به، ثم إنه أخطأ؛ إذ قيل: إن القاتل كان عمرو بن أمية الضمري، وقد عاش بعد رسول الله ﷺ سنتين، ومتروك بالإجماع، لأنه روي أن الكافر كان رسولًا، فيكون مستأمنًا، والمستأمن لا يقتل به المسلم وفاقًا، وإن صح .. فهو منسوخ؛ لأنه روي عنه أنه كان قبل الفتح، وقد قال رسول الله ﷺ يوم الفتح في خطبة خطبها على درج البيت: "ولا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" كذا في "المرقاة"، رواه أحمد وأبو داوود، كذا في "المنتقى".
والقول الأول الذي يدل عليه حديث الباب أصح؛ لأنه صحيح صريح في أنه لا يقتل مسلم بكافر، ولفظ: (الكافر) صادق على الذمي؛ كما هو صادق على الحربي، وكذا يدل على القول الأول، أحاديث أخرى؛ منها: ما رواه عبد الرزاق
стр. 7394
(١٢٦) - ٢٦١٧ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه: أن مسلمًا قتل رجلًا من أهل الذمة، فرفع إلى عثمان، فلم يقتله، وغلظ عليه الدية.
قال ابن حزم: هذا في غاية الصحة، فلا يصح عن أحد من الصحابة شيء غير هذا.
وأما القول الثاني - أعني: أن المسلم يقتل بالذمي - فليس دليل صريح يدل عليه، ومن جملة ما استدل أهل القول الثاني من الحنفية وغيرهم ما روى عبد الرحمن البيلماني، وقد عرفت أنه لا يصلح الاحتجاج به. انتهى من "تحفة الأحوذي" بتصرف واختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الديات، باب العاقلة، وفي كتاب العلم، والترمذي في كتاب الديات لا يقتل مسلم بكافر، والنسائي في كتاب القسامة، باب القود بين الأحرار والمماليك في النفس، والبيهقي في كتاب الجنايات، وابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتاب الديات، باب من قال: لا يقتل مسلم بكافر.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي جحيفة بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٢٦) - ٢٦١٧ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 7395
حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ".
===
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) المدني أبو إسماعيل الحارثي مولاهم، أصله من الكوفة صحيح الكتاب، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الرحمن بن عياش) - بالتحتانية والمعجمة - ابن الحارث بن عبد الله بن عياش، نسب لجد أبيه ابن أبي ربيعة المخزومي أبو الحارث المدني، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عمرو بن شعيب) صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد، صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمرو بن شعيب، وهو مختلف فيه فيما روى عن أبيه عن جده؛ لأنه يروي ما لم يسمع من الكتاب.
(قال) عبد الله بن عمرو: (قال رسول الله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر").
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب في دية الذمي، والترمذي في كتاب الديات، في باب لا يقتل مسلم بكافر.
стр. 7396
(١٢٧) - ٢٦١٨ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ حَنَشٍ،
===
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وزاد الترمذي في الحديث بهذا الإسناد: (عن النبي ﷺ : دية عقل الكافر نصف عقل المسلم)، وفي رواية غير الترمذي: (عقل الكافر) بحذف لفظ: (الدية)، وهو الظاهر؛ فإن العقل هو الدية.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي جحيفة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٢٧) - ٢٦١٨ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا معتمر بن سليمان) بن طرخان التيمي البصري، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) سليمان بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري، نزل في التيم، فنسب إليهم، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حنش) - بفتحتين - هذا لقبه، واسمه الحسين بن قيس الرحبي - براء ومهملة مفتوحتين وبموحدة - منسوب إلى رحبة بن زرعة أبي علي الواسطي. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، ويروي عنه: سليمان التيمي، متفق على ضعفه، متروك، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
стр. 7397
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ".
===
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حنش بن قيس، وهو متفق على ضعفه.
(عن النبي ﷺ قال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده") قالوا؛ أي: قال أهل القول الثاني في الحديث السابق في أول الباب؛ وهم القائلون بأن المسلم يقتل بالذمي: إن قوله: "ولا ذو عهد" معطوف على قوله: "مسلم" فيكون التقدير: ولا ذو عهد في عهده بكافر؛ كما في المعطوف عليه.
والمراد بالكافر المذكور في المعطوف: هو الحربي فقط؛ بدليل جعله مقابلًا للمعاهد؛ لأن المعاهد يقتل بمن كان معاهدًا مثله من الذميين إجماعًا، فيلزم أن يقيد الكافر المذكور في المعطوف عليه بالحربي؛ كما قيد في المعطوف؛ لأن الصفة بعد متعدد ترجع إلى الجميع اتفاقًا، فيكون التقدير: لا يقتل مسلم بكافر حربي، وهذا يدل بمفهومه على أن المسلم يقتل بالكافر الذمي.
ويجاب عنه: بأن هذا مفهوم صفة، والخلاف في العمل به مشهور بين أئمة الأصول، فلا يصح الاستدلال به على قولهم: بأن المسلم يقتل بذمي، ومن جملة القائلين بعدم العمل به الحنفية، فكيف يصح احتجاجهم به. انتهى من "التحفة" باختصار.
стр. 7398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن درجته: أنه صحيح المتن بما قبله من الحديثين، ضعيف السند؛ لما تقدم، والغرض منه: الاستشهاد به ثانيًا لحديث أبي جحيفة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال به، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7399
(٦٠) - (٩٢٠) - بَابٌ: لا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ
(١٢٨) - ٢٦١٩ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٦٠) - (٩٢٠) - (باب: لا يقتل الوالد بولده)
(١٢٨) - ٢٦١٩ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل، صدوق في نفسه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا علي بن مسهر) - بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء - على صيغة اسم الفاعل، القرشي الكوفي، قَاضِي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إسماعيل بن مسلم) المكي أبي إسحاق البصري، سكن مكة، ولكثرة مجاورته، قيل له: المكي وكان فقيهًا عابدًا، روى عن عمرو بن دينار، ويروي عنه: (ت ق)، وعلي بن مسهر، ضعيف الحديث، من الخامسة.
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طاووس) بن كيسان اليماني الحميري مولاهم الفارسي، اسمه ذكوان، وطاووس لقبه، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إسماعيل بن مسلم، وهو متفق على ضعفه.
стр. 7400
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يُقْتَلُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ".
===
(أن رسول الله ﷺ قال: لا يقتل) بالبناء للمفعول (بالولد) أي: بقتله (الوالد) نائب فاعل الفعل المغير وإن علا ذلك، قالوا: والحكمة في ذلك أن الوالد سبب لوجود الولد، فلا يحسن أن يكون هو سببًا لعدمه، كذا في "اللمعات".
قال السيد في "شرح الفرائض": ولعل الابن كان مجنونًا أو صبيًّا. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه أيقاد منه أم لا، قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه بهذا الإسناد مرفوعًا إلا من حديث إسماعيل بن مسلم، وأخرجه أحمد في "مسنده"، والحاكم في "المستدرك"، وإسماعيل بن مسلم المكي، تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
قال الحافظ: لكن تابعه الحسنُ بن عُبيد الله العنبري عن عَمرو بن دينار.
قال البيهقي: وقال عبد الحق: هذه الأحاديث كلها معلولة لا يصح منها شيء، وقال الشافعي: حفظت من عدد من أهل العلم لقيتهم: (ألا يقتل الوالد بالولد)، وبذلك أقول أنا.
قال البيهقي: طرق هذا الحديث منقطعة، وأكده الشافعي؛ بأن عددًا من أهل العلم يقولون به. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
قلت: طرق هذا الحديث لكثرتها يقوي بعضها بعضًا، فارتفعت إلى درجة الصحة، وزادها قوة كون أكثر أهل العلم على هذا الحديث، ولذالك قواه الشافعي.
стр. 7401
(١٢٩) - ٢٦٢٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لكثرة طرقه، ولكون أكثر أهل العلم عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، فهذا الحديث: ضعيف السند؛ لما علمت، صحيح المتن؛ لكونه محفوظًا من أكثر أهل العلم، ولعملهم به.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٢٩) - ٢٦٢٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن حجاج) بن أرطاة النخعي الكوفي القاضي أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمرو بن شعيب) مختلف فيه فيما روى عن أبيه عن جده، ثقة في غيره، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد صدوق، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
(عن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
стр. 7402
قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يُقْتَلُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ".
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، وفيه رواية صحابي عن صحابي.
(قال) عمر: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يقتل الوالد بالولد").
أي: لا يقتل والد بقتل ولده؛ لأنه السبب في إيجاده، فلا يكون سببًا في إعدامه، كذا في "شرح الجامع الصغير" للمناوي.
قال في "التلخيص": هذا حديث في إسناده ضعف، وفيه اضطراب واختلاف على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلا واسطة، وقيل: عن عمرو عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب، وقيل: عن عمرو عن أبيه عن جده عن سراقة بن مالك، وقيل: وفيه عند أحمد: ابن لهيعة، وفيه أيضًا: حجاج بن أرطاة عن عمرو.
فحكم سنده: الضعف، ولكن لكثرة طرقه يقوي بعضها بعضًا، فترتفع إلى درجة الصحة، فيكون الحديث صحيحًا؛ كما مر آنفًا في الحديث الذي قبل هذا.
فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن، فغرضه: الاستشهاد به لما قبله.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7403
(٦١) - (٩٢١) - بَابُ هَلْ يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ ؟
(١٣٠) - ٢٦٢١ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ
===
(٦١) - (٩٢١) - (باب هل يقتل الحر بالعبد؟ )
(١٣٠) - ٢٦٢١ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الأكمه، ثقة ثبت مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار الأنصاري مولاهم البصري، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سمرة بن جندب) بن هلال الفزاري حليف الأنصار الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه له أحاديث، مات بالبصرة سنة ثمان وخمسين (٥٨ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) سمرة: (قال رسول الله ﷺ : من قتل عبده ..
стр. 7404
قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَعَهُ .. جَدَعْنَاهُ".
===
قتلناه) قصاصًا، فيه دليل لمن قال: إن من قتل عبده .. يقتل (ومن جدعه) أي: قطع أطراف عبده .. (جدعناه) أي: قطعنا أطرافه.
قال في "شرح السنة": ذهب عامة أهل العلم إلى أن طرف الحر لا يقطع بطرف العبد، فثبت بهذا الاتفاق أن الحديث محمول على الزجر والردع، أو هو منسوخ بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١)، كذا في "المرقاة".
وفي رواية لأبي داوود والنسائي زيادة: (ومن خصى عبده .. خصيناه).
قال الترمذي: وقد ذهب بعض أهل العلم من التابعين - منهم: إبراهيم النخعي - إلى ظاهر هذا الحديث.
قال في "النيل": حكى صاحب "البحر" الإجماع على أنه لا يقتل السيد بعبده، إلا ما روي عن النخعي.
قال صاحب "المنتقى": قال البخاري: قال علي بن المديني: سماع الحسن من سمرة صحيح، وأخذ بحديثه: (من قتل عبده .. قتلناه).
وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل السيد بعبده، وأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده أولًا ثم أعتقه؛ أي: فيقتل بقتل عتيقه؛ لأنه حر مثله، فلا يتوهم تقدم الملك مانعًا من الاقتصاص.
وقال الترمذي أيضًا: وقال بعض أهل العلم - منهم: الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح -: ليس بين الحر والعبد قصاص في النفس ولا فيما دون النفس، وهو قول أحمد وإسحاق.
стр. 7405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشوكاني في "النيل" بعد ذكر كلام الترمذي هذا: وحكاه صاحب "الكشاف" عن عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وعكرمة ومالك والشافعي. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الديات، باب من قتل عبده، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء في الرجل يقتل عبده، والنسائي في كتاب القسامة، باب القود من السيد للمولى، وأحمد، وابن أبي شيبة في "مصنفه".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، ولكن العبد مؤول بالعتيق؛ كما تدل عليه ترجمة النسائي، أو منسوخ، وناسخه الآيَةُ المذكورةُ آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة بتأويل العبد بالعتيق، والاستفهام فيها تقريري؛ أي: يقتل السيد بعبده الذي أعتقه؛ لأنه حر مثله، وفي تعبيره بالعبد مجاز بما كان.
قال السندي: قوله: "قتلناه" اتفق الأئمة على أن السيد لا يقتل بعبده، وقالوا: الحديث وارد على الزجر والردع والتهديد؛ ليرتدعوا ولا يقدموا على ذلك، وقيل: ورد في عبد أعتقه سيده، فسمي عبده باعتبار ما كان، وقيل: منسوخ.
قلت: حاصل الوجه الأول: أن المراد بقوله: "قتلناه" وأمثاله؛ كجدعناه، عاقبناه، وجازيناه على سوء صنيعه، إلا أنه عبر بلفظ القتل ونحوه للمشاكلة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١)، وفائدة هذا التعبير: الزجر والردع، وليس المراد: أنه تكلم بهذه اللفظة؛ لمجرد الزجر من غير أن يريد
стр. 7406
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
به معنىً، أو أنه أراد حقيقة الزجر؛ فإن الأول يقتضي أن تكون هذه الكلمة مهملة، والثاني يؤدي إلى الكذب لمصلحة الزجر، وكل ذلك لا يجوز، وكذا كل ما جاء في كلامهم من نحو قولهم: هذا وارد على سبيل التغليظ والتشديد .. فمرادهم: أن اللفظ يحمل على معنىً مجازي يناسب المقام، وفائدة التعبير إيهام الحقيقة؛ للتشديد والتغليظ، وإن كان كلام بعض آبيًا عن هذا، وهذه الفائدة في مواضع، فاحفظها.
وأما قولهم: ورد في عبد أعتقه سيده .. فمبني على أن (من) موصولة لا شرطية، والكلام إخبار عن واقعة بعينها. انتهى منه.
وقال القاري: قال الخطابي: هذا زجر ليرتدعوا فلا يُقْدِمُوا على ذلك؛ كما قال ﷺ في شارب الخمر إذا شرب: "فاجلدوه، فإن عاد .. فاجلدوه، فإن عاد .. فاجلدوه"، ثم قال في الرابعة أو الخامسة: "فإن عاد .. فاقتلوه"، وقد تأوله بعضهم على أنه إنما جاء في عبد كان يملكه، فزال عنه ملكه، فصار كفؤًا له بالحرية.
وذهب بعضهم إلى أن الحديث منسوخ بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ (١). انتهى.
ومذهب أصحاب أبي حنيفة: أن الحر يقتل بعبد غيره دون عبد نفسه، وذهب الشافعي ومالك أنه لا يقتل الحر بالعبد وإن كان عبد غيره، وذهب إبراهيم النخعي والثوري إلى أنه يقتل بالعبد، وإن كان عبد نفسه. انتهى من "العون".
* * *
стр. 7407
(١٣١) - ٢٦٢٢ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ الطَّبَّاع، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَلِيٍّ،
===
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث علي وعبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣١) - ٢٦٢٢ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا ابن الطَّبَّاع) إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي أبو يعقوب، المعروف بابن الطباع، سكن أذَنَة، صدوق، من التاسعة، مات سنة أربع عشرة ومئتين (٢١٤ هـ)، وقيل بعدها بسنة. يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلّط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة) الأموي مولاهم المدني، متروك، من الرابعة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك، في أوائل المئة الثانية. يروي عنه: (ع).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
стр. 7408
وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيه، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَتَلَ رَجُلٌ عَبْدَهُ عَمْدًا مُتَعَمِّدًا فَجَلَدَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِئَةً، وَنَفَاهُ سَنَةً وَمَحَا سَهْمَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف إسحاق ابن أبي فروة.
قوله: (وعن عمرو بن شعيب) معطوف على إبراهيم بن عبد الله بن حنين؛ أي: وروى أيضًا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن عمرو بن شعيب، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) شعيب بن محمد (عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند أيضًا من سباعياته، وحكمه أيضًا: الضعف؛ لأن مداره إلى إسحاق بن أبي فروة.
(قال) كل من علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمرو بن العاص، ولو قال المؤلف: (قالا) بألف التثنية .. لكان أوضح: (قتل رجل) من المسلمين، لم أر من ذكر اسمه (عبده) المملوك له؛ أي: قتله (عمدًا) أي: عالمًا بحرمة قتله لا جهلًا (متعمدًا) أي: قاصدًا لقتله لا نسيانًا ولا خطأً، وقيل: معناهما واحد، فيكون الثاني توكيدًا لفظيًّا، يقال: عمد للشيء؛ من باب ضرب؛ إذا قصده، فتعمد مبالغة في معنى الثلاثي؛ أي: صار مهتمًا به معتنيًا إليه، فرفع ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ (فجلده) أي: ضربه (رسول الله ﷺ تعزيرًا له على سوء صنيعه (مئة) جلدة (ونفاه) أي: غربه ونحاه من وطنه (سنة) واحدة (ومحا) أي: مسح (سهمه)؛ أي: كتابة رزقه وراتبه (من) ديوان سهام (المسلمين) تأديبًا له على معصيته.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الحاكم في "المستدرك"
стр. 7409
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من طريق أبي بكر بن أبي شيبة عن إسماعيل بن عياش، ورواه البيهقي في "الكبرى" عن الحاكم، ولكن فصل حديث كل صحابي بسند على حدته، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة، وأبو يعلى الموصلي من طريق إسماعيل بن عياش به بزيادة، ولم يذكر طريق عبد الله بن عمرو؛ كما أفردته في "زوائد المسانيد العشرة".
فدرجته: أنه ضعيف، لضعف سنده، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٠)(٢٧٩).
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال به على الاحتمالات السابقة فيه، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7410
(٦٢) - (٩٢٢) - بَابٌ: يُقْتَادُ مِنَ الْقَاتِلِ كمَا قَتَلَ
(١٣٢) - ٢٦٢٣ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ امْرَأَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ
===
(٦٢) - (٩٢٢) - (باب: يقتاد) أي: يقتص (من القاتل كما قتل)
* * *
(١٣٢) - ٢٦٢٣ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن همام بن يحيى) بن دينار العوذي - بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة - المحلمي مولاهم البصري، ثقة ربما وهم، من السابعة، مات سنة أربع أو خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن يهوديًّا) من يهود المدينة (رضخ) أي: شدخ (رأس امرأة) أي: كبيرة من الأنصار، لم أر من ذكر اسمها (بين حجرين) قال النووي: رضخه بين الحجرين، ورضه بالحجارة، ورجمه بالحجارة، هذه الألفاظ معناها واحد؛
стр. 7411
فَقَتَلَهَا، فَرَضَخَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.
===
لأنه إذا وضع رأسه على حجر ورمى بحجر آخر .. فقد رجم ورض وقد رضخ. انتهى منه.
(فقتلها) أي: فقتل ذلك اليهودي تلك المرأة بالحجارة (فرضخ) أي: شدخ (رسول الله ﷺ رأسه) أي: رأس ذلك اليهودي (بين حجرين) مجازاة له بمثل عمله.
وفي هذا الحديث دلالة على أن من قتل بشيء .. قتل به، وقد اختلف فيه: فذهب الجمهور إلى أنه يقتل بمثل ما قتل به من حجر أو عصًا أو تغريق أو خنق أو غير ذلك ما لم يقتله بفسق؛ كاللوطية وإسقاء الخمر، فيقتل بالسيف، وحجتهم هذا الحديث، وقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ (٢)، والقصاص في أصله: المساواة في الفعل، ومن هؤلاء من خالف في التحريق بالنار وفي قتله بالعصا، فجمهورهم على أنه يقتل بذلك.
وقال ابن الماجشون وغيره: لا يحرق بالنار؛ لقوله ﷺ : "ولا يعذب بالنار إلا الله" رواه أحمد والبخاري وأبو داوود والترمذي، وقال مالك في إحدى الروايتين عنه: إنه إن كان في قتله بالعصا تطويل وتعذيب .. قتل بالسيف، وفي الأخرى: يقتل بها وإن كان فيها ذلك، وهو قول الشافعي.
وقال الشافعي فيمن حبس رجلًا أيامًا حتى مات جوعًا أو عطشًا، أو قطع يديه ورجليه، ورمى به من جبل: أن يفعل به مثل ذلك؛ فإن مات .. فذاك، وإلا .. قتل، وذهبت طائفة إلى خلاف ذلك كله فقالوا: لا قود إلا بالسيف، وهو مذهب
стр. 7412
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبي حنيفة والشعبي والنخعي، واحتجوا على ذلك بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا قود إلا بحديدة" رواه البيهقي وعبد الرزاق، والصحيح مذهب الجمهور؛ لما تقدم، ولأن الحديث الذي هو "لا قود إلا بحديدة" ضعيف عند المحدثين لا يروى من طريق صحيح، ولأن النهي عن المثلة نقول بموجبه إذا لم يمثل بالمقتول، فإن مثل .. مثلنا به؛ لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (١)، ولحديث العرنيين على ما تقدم.
وقد شذ بعضهم فقال فيمن قتل بخنق أو بسم أو تردية من جبل أو في بئر أو بخشبة: إنه لا يقتل ولا يقتص منه أصلًا إلا إذا قتل بمحدد حديد أو حجر أو خشب، أو كان معروفًا بالخنق والتردية، وهذا منه رد للكتاب والسنة، وإحداث ما لم يكن عليه أمر الأمة، وذريعة إلى رفع القصاص الذي شرعه الله تعالى حياة للنفوس، فليس عنه مناص. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الديات، باب سؤال القاتل حتى يقر والإقرار في الحدود، ومسلم في كتاب القسامة، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة، وأبو داوود في كتاب الديات، باب يقاد من القاتل، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء فيمن رضخ رأسه بصخرة، والنسائي في كتاب القسامة، باب قتل المرأة بالمرأة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 7413
(١٣٣) - ٢٦٢٤ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ح وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٣٣) - ٢٦٢٤ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(حدثنا النضر بن شميل) المازني النحوي البصري نزيل مرو، ثقة ثبت، من كبار التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا) أي: كل من محمد بن جعفر، والنضر بن شميل:
(حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة حافظ إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن زيد) بن أنس بن مالك الأنصاري، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن) جده (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
стр. 7414
أَنَّ يَهُودِيًّا قَتَلَ جَارِيَةً عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا، فَقَالَ لَهَا: أَقَتَلَكِ فُلَانٌ؟ فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ لَا، ثُمَّ سَأَلَهَا الثَّالِثَةَ، فَأَشَارَتْ بِرَأْسِهَا أَنْ نَعَمْ، فَقَتَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.
===
(أن يهوديًّا) من يهود المدينة (قتل جارية) أي: بنتًا صغيرة لم تبلغ، قال الحافظ في "الفتح" (١٢/ ١٩٨): لم أقف على اسمها، لكن في بعض طرقه أنها من الأنصار (على أوضاح لها) أي: لأجل أخذ حلي لها من قطع الفضة؛ والأوضاح جمع وضح - بفتحتين - وهو نوع من حلي الفضة؛ سمي به؛ لبياضه، كذا في "مجمع البحار".
فأتي بها إلى رسول الله ﷺ ؛ كما في رواية مسلم (فقال لها) رسول الله ﷺ ذاكرًا لها من اتهموه بقتلها من اليهود: (أقتلك) بهمزة الاستفهام الاستخباري وكسر الكاف؛ أي: هل قتلك (فلان) بن فلان؟ (فأشارت) الجارية (برأسها) بـ (أن لا) أي: بأن المشار إليه لم يقتلني.
(ثم سألها) رسول الله ﷺ المرة (الثانية) بقوله: أقتلك فلان؟ ذاكرًا لها غير المذكور لها في المرة الأولى ممن اتهموه بقتلها (فأشارت) الجارية له ﷺ في المرة الثانية (برأسها) بـ (أن لا) أي: بأن المذكور لها في المرة الثانية ما قتلها.
(ثم سألها) رسول الله ﷺ المرة (الثالثة) فقال لها: أقتلك فلان؟ ذاكرًا غير الأولين (فأشارت) له ﷺ (برأسها) بـ (أن نعم) أي: بأنه قتلني؛ أي: بأن المذكور لها في المرة الثالثة هو الذي قتلني، وفيه أن الإشارة المفهمة معتبرة عند العجز عن النطق اللساني.
(فقتله) أي: فقتل (رسول الله ﷺ اليهودي الذي أشارت إليه في المرة الثالثة؛ أي: رضه (بين حجرين) أي: أمر بقتله بعد
стр. 7415
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إقراره؛ كما هو المذكور في بعض رواية مسلم والترمذي.
والحاصل: أن النبي ﷺ عد بين يديها أسماء عدة أشخاص ممن يحتمل كونهم قاتلًا لها، فأشارت في الجميع بالنفي، حتى سمى لها اليهودي القاتل لها، فأشارت بالإثبات.
وفيه دليل على أن الرجل يقتل بالمرأة، وانعقد عليه الإجماع، إلا من شذ، فقال: لا يقتل بها؛ لفضيلة الذكورة؛ وهم: عطاء والحسن ومن وافقهما، وقد روي ذلك أيضًا عن علي رضي الله تعالى عنه، وأما القصاص بينهما في الأطراف .. فهو أيضًا مذهب الجمهور، وقد ذهب إلى نفيه فيها من نفاه في النفس وأبو حنيفة وحماد، وإن قالا به في النفس، والصحيح قول الجمهور في المسألتين؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (١).
وفي الحديث أيضًا جواز ذكر من اتهم وعرضهم على المقتول واحدًا فواحدًا بعينِه واسمِه، وإن لم تقم دلالة على لطخه أكثر من أن يحتمل ذلك احتمالًا قريبًا.
وفيه أيضًا قتل الكبير بالصغير؛ لأن الجارية صغيرة؛ لأنها اسم لمن لم يبلغ من النساء؛ كالغلام في الرجال، وهذا مما لا يختلف فيه. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطلاق، باب الإشارة في الطلاق والأمور، ومسلم في كتاب الحدود، باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة، وأبو داوود
стр. 7416
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في كتاب الديات، باب يقاد من القاتل، والترمذي في كتاب الديات، باب ما جاء فيمن رضخ رأسه بصخرة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس الأول.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7417
(٦٣) - (٩٢٣) بَابٌ: لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ
(١٣٤) - ٢٦٢٥ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ الْعُرُوقِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ،
===
(٦٣) - (٩٢٣) - (باب: لا قود إلا بالسيف)
(١٣٤) - ٢٦٢٥ - (١) (حدثنا إبراهيم بن المستمر العروقي) بالقاف الناجي - بالنون والجيم - البصري، صدوق يغرب، من الحادية عشرة. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن يزيد بن الحارث الجعفي أبي عبد الله الكوفي، ضعيف رافضي، من الخامسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين. يروي عنه: (د ت ق). انتهى "تقريب".
وفي "التهذيب": وقال ابن علية عن شعبة: جابر بن يزيد صدوق في الحديث، وقال يحيى بن أبي بكير عن شعبة: كان جابر إذا قال: حدثنا، وسمعت .. فهو من أوثق الناس، وقال ابن أبي بكير أيضًا عن زهير بن معاوية: كان إذا قال: سمعت، أو سألت .. فهو من أصدق الناس.
وقال وكيع: مهما شككتم .. فلا تشكوا في أن جابرًا ثقة، حدثنا عنه مسعر وسفيان وشعبة وحسن بن صالح.
стр. 7418
عَنْ أَبِي عَازِبٍ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ".
===
وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: قال سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلَّمْتُ في جابر الجعفي ... لأَتَكَلَّمَنَّ فيك. انتهى منه باختصار.
والحاصل مما ذكرنا: أنه مختلف فيه.
(عن أبي عازب) مسلم بن عمرو، أو ابن أراك الكوفي، مستور، من الرابعة. يروي عنه: (ق)، روى عن: النعمان بن بشير، وقيل: عن أبي سعيد، ويروي عنه: جابر الجعفي، والحارث بن زياد. انتهى "تهذيب".
(عن النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة رضي الله تعالى عنهم، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين (٦٥ هـ)، وله أربع وستون سنة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن، لأن فيه جابرًا الجعفي، وهو مختلف فيه.
(أن رسول الله ﷺ قال: لا قود) أي: لا اقتصاص من الجاني إذا كان قتلًا جائزٌ (إلا بالسيف) قال السندي: أي: لا يجب القصاص إذا كان قتلًا إلا بالسيف؛ أي: إلا بالمحدد.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه الدارقطني في "سننه" من طريق الحسن عن النعمان، ورواه الحاكم في "المستدرك" من طريق يوسف بن يعقوب عن شعبة وسفيان عن جابر الجعفي به، ورواه البيهقي في "الكبرى" في كتاب الجنايات، باب ما روي أن لا قود إلا بحديدة، ورواه أيضًا من طريق قيس بن الربيع الذي قال: لا يحتج به، ورواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث النعمان أيضًا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده"، وغيرهم.
стр. 7419
(١٣٥) - ٢٦٢٦ - (٢) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُسْتَمِرِّ، حَدَّثَنَا الْحُرُّ بْنُ مَالِكٍ الْعَنْبَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، ولكن لا يصلح لمعارضة الأحاديث السابقة في الباب قبله، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث النعمان بحديث أبي بكرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٥) - ٢٦٢٦ - (٢) (حدثنا إبراهيم بن المستمر) العروقي - بضمتين - البصري، صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا الحر) بضم أوله وتشديد ثانيه (ابن مالك) بن الخطاب (العنبري) أبو سهل البصري، صدوق، من التاسعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا مبارك بن فضالة) - بفتح الفاء وتخفيف المعجمة - أبو فضالة البصري، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة، مات سنة ست وستين ومئة (١٦٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (د ت ق)، وقال العجلي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
(عن الحسن) البصري، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي بكرة) نفيع بن الحارث الثقفي البصري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مبارك بن فضالة، وهو مختلف فيه.
стр. 7420
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ".
===
(قال) أبو بكرة: (قال رسول الله ﷺ : لا قود إلا بالسيف) مر ما فيه من المعنى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الدارقطني في "سننه" من طريق مبارك عن الحسن مرسلًا، ورواه البيهقي عن طريق الدارقطني به، ورواه أيضًا عن طريق المبارك بن فضالة، فذكره مرفوعًا؛ كما رواه ابن ماجه.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
ولا معارضة لهما للأحاديث السابقة في الباب قبله؛ لأنها كلها صحاح.
والله أعلم
стр. 7421
(٦٤) - (٩٢٤) - بَابٌ: لَا يَجْنِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ
(١٣٦) - ٢٦٢٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَص، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "أَلَا لَا يَجْنِي
===
(٦٤) - (٩٢٤) - (باب: لا يجني أحد على أحد)
(١٣٦) - ٢٦٢٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة متقن، من العاشرة.
(حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شبيب بن غرقدة) - بمعجمة وقاف - ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن عمرو بن الأحوص) الجشمي - بضم الجيم وفتح المعجمة - كوفي مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) عمرو بن الأحوص الجشمي - بضم الجيم وفتح المعجمة - الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد في حجة الوداع. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عمرو بن الأحوص ﵁ (سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع) في خطبته يوم عرفة: (ألا) حرف تنبيه واستفتاح؛ أي: انتبهوا من غفلتكم واستمعوا ما أقول لكم من المواعظ من أنه (لا يجني)
стр. 7422
جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِه، لَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِه، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ".
===
أي: لا يتعدى (جان) منكم؛ أي: لا يتعدى أحد منكم على غيره بظلم ولا جناية، سواء كانت من الكبائر أو غيرها؛ كالسب والشتم .. (إلا) كانت عقوبتها في الدنيا أو في الآخرة (على نفسه) أي: على نفس ذلك الجاني، سواء كانت جنايته على غيره كبيرة؛ كالقتل والقذف، أو صغيرة؛ كالسب.
و(لا يجني) أي: لا يتعدى (والد) منكم أيها الناس (على ولده) وإن سفل؛ بأن سبه أو ضربه بغير حق .. إلا كانت تلك الجناية؛ أي: عقوبتها على ذلك الوالد الجاني (ولا) يجني (مولود) أي: ولد (على والده) بأن عق عليه وقطع بره الواجب له عليه أو سبه أو لعنه .. إلا كانت عقوبة تلك الجناية على ذلك الولد العاق على والده؛ كما قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وكما قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (٣).
قال السندي: فجناية كل واحد منهما قاصرة عليه لا تتعداه إلى غيره، سواء كانت تلك العقوبة في الدنيا؛ كالقصاص إن اقتص منه، وكعذاب جهنم إن لم يقتص منه، قال في "النهاية": الجناية: الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة.
والمعنى: أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جنايةً .. لا يعاقب بها الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.
ولفظ الترمذي في (باب ما جاء في تحريم الدماء والأموال) (٦/ ٣٧٦):
стр. 7423
(١٣٧) - ٢٦٢٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ،
===
(ألا لا يجني جان إلا على نفسه، ألا لا يجني جان على ولده، ولا مولود على والده).
قال في "تحفة الأحوذي": يحتمل أن يكون المراد: النهي عن الجناية عليه؛ لاختصاصها بمزيد قبح، ويحتمل أن يكون المراد تأكيد قوله: "لا يجني جان إلا على نفسه"، فإن عادتهم جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته.
والحاصل: أن هذا ظلم يؤدي إلى ظلم آخر، والأظهر أن هذا نفي، فيوافق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١)، وإنما خص الولد والوالد؛ لأنهما أقرب الأقارب، فإذا لم يؤاخذا بفعله .. فغيرهما أولى، وفي رواية: "لا يؤاخذ الرجل بجريمة أبيه"، وضبط بالوجهين النفي والنهي. انتهى من "تحفة الأحوذي" (٦/ ٣٧٦).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عمرو بن الأحوص بحديث طارق المحاربي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٧) - ٢٦٢٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7424
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ
===
(عن يزيد بن أبي زياد) القرشي الهاشمي أبي عبد الله مولاهم الكوفي رأى أنسًا.
وقال في "التقريب": ضعيف وصار يتلقن، وكان شيعيًّا، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). انتهى "تقريب".
وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره، فهو على العدالة والثقة، وإن لم يكن مثل الحكم ومنصور، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: يزيد بن أبي زياد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلم فيه، وقال ابن سعد: كان ثقةً في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره، فجاء بالعجائب. انتهى منه. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا جامع بن شداد) المحاربي أبو صخرة الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع، ويقال: سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طارق) بن عبد الله (المحاربي) الكوفي الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له حديثان أو ثلاثة. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) طارق: (رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه) رفعًا بليغًا (حتى رأيت بياض) وعفرة (إبطيه) تثنية إبط؛ وهو الموضع المنخفض تحت العضد.
وفي "المختار": الإبط - بسكون الباء -: ما تحت الجناح، يذكر ويؤنث، والجمع آباط. انتهى.
стр. 7425
يَقُولُ: "أَلَا لَا تَجْنِي أُمٌّ عَلَى وَلَدٍ، أَلَا لَا تَجْنِي أُمٌّ عَلَى وَلَدٍ".
(١٣٨) - ٢٦٢٩ - (٣) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافعٍ،
===
أي: سمعته حالة كونه (يقول: ألا) حرف تنبيه؛ أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم؛ وهو قولي: (لا تجني) ولا تتعدى (أم) أي: والدة (على ولد) ها بسبه وضربه ولعنه؛ فإن عقوبة كل جناية ومظلمة على جانيها لا يحمل عنه غيره، وكرره ثانيًا بقوله: (ألا لا تجني أم على ولد) تأكيدًا ومبالغة في الزجر والردع.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" ضمن حديث طويل، وروى النسائي طرفًا منه في كتاب القسامة، باب لا يؤخذ أحد بجريرة أحد، ورواه الدارقطني في "سننه" من حديث طارق بن عبد الله أيضًا، وله شاهد من حديث عمرو بن الأحوص، رواه أصحاب "السنن الأربعة" يعني: المذكور في أول هذا الباب، ورواه ابن حبان في "صحيحه" في كتاب المغازي والسير، باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام وما لقيه، وهو حديث طويل.
قال البوصيري: هذا حديث صحيح رجاله ثقات، له شواهد.
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستشهاد به لحديت عمرو بن الأحوص.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمرو بن الأحوص بحديث الخشخاش العنبري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٣٨) - ٢٦٢٩ - (٣) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).