(١٦٣) - ٢٦٥٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
أيضًا عمرو بن الحارث وابن عباس وعلي بن الحسين زين العابدين وغيرهم، راجع لروايتهم في "طبقات ابن سعد " (٢/ ٢١٦) و (٢١٧).
وذكر المحب الطبري في "خلاصة السير": ترك رسول الله ﷺ يوم مات ثوبي حبرة، وإزارًا عمانيًّا، وثوبين صحاريين، وقميصًا سحوليًّا، وجبةً يمنية، وقميصًا وكساء بيضًا، وقلانس صغارًا لاطية ثلاثًا أو أربعًا، وإزارًا طوله خمسة أشبار، وملحفة مورسة، كذا في "تاريخ الخميس" للإمام الديار بكري (٢/ ١٧٣).
قوله: (ولا أوصى بشيء) يعني: في أمر المال والخلافة، وإلا .. فقد ثبت عنه ﷺ عدة وصايا نصح بها الأمة، وإن الكلام كان في وصيته بالمال أو الخلافة، ولذلك نفت الوصية مطلقًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الوصية، باب ترك الوصية، وأبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء فيما يؤمر به من الوصية، والنسائي في كتاب الوصايا، باب هل أوصى النبي ﷺ .
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٣) - ٢٦٥٤ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
стр. 7492
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: لَا،
===
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مالك بن مغول) - بكسر أوله وسكون المعجمة وفتح الواو - أبي عبد الله الكوفي، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة على الصحيح (١٥٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طلحة بن مصرف) بن عمرو بن كعب اليامي - بالتحتانية - الكوفي ثقة قارئ فاضل، من الخامسة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(قال) طلحة: (قلت لعبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، شهد الحديبية، وعُمِّرَ بعد النبي ﷺ ، مات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ)، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: قال طلحة: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: هل (أوصى رسول الله ﷺ بشيء) من الوصايا عند وفاته؟ بتقدير همزة الاستفهام الاستخباري؛ كما هو مصرح به في رواية مسلم، فـ (قال) لي عبد الله بن أبي أوفى: (لا) أي: ما أوصى رسول الله ﷺ بشيء عند وفاته، هكذا أطلق الجواب، وكأنه فهم أن السؤال وقع عما اشتهر بين الجهال من الوصية إلى أحد، أو فَهِمَ السُّؤالَ عن الوصيةِ في الأموال، فلذاك ساغ نفيها،
стр. 7493
قُلْتُ: فَكَيْفَ أَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْوَصِيَّةِ؟
===
لا أنه أراد نفي الوصية مطلقًا؛ لأنه ثبت بعد ذلك أنه أوصى بكتاب الله، أي: بدينه، أو به ونحوه؛ ليشمل السنة، لأنه سيأتي حديث: "أوصيكم بثلاث ... " إلى آخره. انتهى من بعض الهوامش.
ولعل سبب هذا السؤال أن الشيعة كانوا قد وضعوا أحاديث أن النبي ﷺ أوصى بالخلافة لعلي رضي الله تعالى عنه، فرد عليهم جماعة من الصحابة ذلك، منهم علي رضي الله تعالى عنه؛ كما سيأتي في شرح حديثه الآتي، وكذلك زعم بعضهم أنه ﷺ ترك أموالًا وصيةً لأقاربه.
قوله: (فقال: لا) إنما نفى عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه الوصية بالمال وبالخلافة، فهذا الجواب لا ينافي ما ثبت أنه ﷺ أوصى المسلمين بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفود بنحو ما كان يجيزه ونحو ذلك، فإن السؤال كان في الوصية بالمال وبالخلافة؛ كما فهمه عبد الله بن أبي أوفى من سياق الكلام، فأجابه بما يطابقه.
قال طلحة: (قلت) لابن أبي أوفى: إذا كان النبي ﷺ لم يوص شيئًا .. (فكيف أمر المسلمين بالوصية) يعني: بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ (١)، وهذه الآية منسوخة عند الجمهور بآية الميراث.
ويحتمل أن يكون طلحة بن مصرف ممن يزعم أن آية وجوب الوصية غير منسوخة؛ نظرًا إلى تأكد استحبابه.
стр. 7494
قَالَ: أَوْصَى بِكِتَابِ اللهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: قَالَ الْهُزَيْلُ بْنُ شُرَحْبِيلَ: أَبُو بَكْرٍ كَانَ يَتَأَمَّرُ عَلَى وَصِيِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ !
===
ويحتمل أن يكون مراده ندب الوصية، واختار لفظ: (كتب) لما هو مستحب؛ نظرًا إلى تأكد استحبابه.
(قال) عبد الله بن أبي أوفى في جواب سؤال طلحة: هو؛ أي: رسول الله ﷺ (أوصى) إلى الناس (بكتاب الله) ؛ أي: بالتمسك بكتاب الله ودينه وسنة رسوله، لا بالمال ولا بالخلافة، لعله أشار إلى قوله ﷺ : "تركت فيكم ما إن تمسكتم به .. لن تضلوا: كتاب الله"، وأما ما ورد عنه ﷺ من الوصية الجزئية .. فالظاهر أن ابن أبي أوفى لم يرد نفيه، وإنما اقتصر على الوصية بكتاب الله؛ لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيان كل شيء؛ إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، أو كان لم يحضر شيئًا من الوصايا الجزئية، أو لم يستحضرها حالة الجواب، كذا في "فتح الباري" (٥/ ٢٦٨).
(قال مالك) بن مغول: (وقال طلحة بن مصرف) أيضًا معطوف على قوله: قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: (قال الهزيل) بالتصغير (ابن شرحبيل) الأودي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية. يروي عنه: (خ عم): هل (أبو بكر) الصديق (كان يتأمر) ويتسلط، بتقدير الاستفهام الإنكاري؛ أي: هل يجيء ويحصل من أبي بكر أن يكلف نفسه بالإمارة (على) علي بن أبي طالب (وصي رسول الله ﷺ لو كان هو وصيًّا لرسول الله ﷺ ؛ كما يزعمه الروافض؟ ! ثم قال هزيل في جواب استفهامه بنفسه: حاشاه الله؛ أي: نزهه الله من ذلك؛ أي: نزه الله أبا بكر من قصد تأمره عليه لو
стр. 7495
وَدَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ وَجَدَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَهْدًا فَخَزَمَ أَنْفَهُ بِخِزَامٍ؟
===
كان علي وصيًّا بالخلافة من رسول الله ﷺ .
وقال الهزيل أيضًا: هل (ود) وتمنى (أبو بكر أنه) أي: أن أبا بكر (وجد) ورأى (من رسول الله ﷺ عهدًا) لأحد غيره بالخلافة (فخزم) أبو بكر؛ أي: ربط (أنفه بخزام) أي: بحبل فيقوده ذلك الأحد الذي عهد إليه النبي ﷺ بالخلافة وينقاد له؛ كما ينقاد الجمل بحبل في يد قائده ويتبعه؟ وهذه الجملة أيضًا على تقدير الاستفهام التقريري.
قال هزيل في جواب استفهامه هذا بنفسه أيضًا: نعم، تمنى أبو بكر ذلك.
يقال: خزم البعير بالخزامة؛ وهي حلقة من شعر تجعل في وترة أنفه، يشد بها الزمام، ثم يقاد. انتهى "م خ".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث، أعني: حديث عبد الله بن أبي أوفى: البخاري؛ أخرجه في كتاب الوصايا، باب الوصايا، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، والترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء أن النبي ﷺ لم يوص، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول، والنسائي في كتاب الوصايا، باب هل أوصى النبي ﷺ .
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة، لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأما أثر هزيل بن شرحبيل .. فقد انفرد به ابن ماجه. انتهى "تحفة الأشراف".
стр. 7496
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: قول طلحة بن مصرف لابن أبي أوفى: (هل أوصى رسول الله ﷺ ؟ ) ظاهره أنه سأله هل كانت من النبي ﷺ وصية بشيء من الأشياء؛ لأنه لو أراد شيئًا واحدًا .. لعينه، فلما لم يقيده .. بقي على إطلاقه، فأجابه بنفي ذلك، فلما سمع طلحة هذا النفي العام .. قال مستبعدًا: كيف كتب على المسلمين الوصية؟ !
ومعناه: كيف ترك النبي ﷺ الوصية، والله تعالى قد كتبها على الناس؟ ! وهذا يدل على أن طلحة وابن أبي أوفى كانا يعتقدان أن الوصية واجبة على كل الناس، وأن ذلك الحكم لم ينسخ، وفيه بعد، ثم إن ابن أبي أوفى غفل عما أوصى به النبي ﷺ ، وهي وصايا كثيرة؛ فمنها: أنه ﷺ قال: "لا يقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا، ولا نورث؛ ما تركناه صدقة".
وقال عند موته: "لا يبقين دينان في جزيرة العرب، وأخرجوا المشركين منها، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم"، وآخر ما وصى به أنه قال: "الصلاة وما ملكت أيمانكم"، وهذه كلها وصايا منه ذهل عنها ابن أبي أوفى.
وذكر ابن إسحاق أن النبي ﷺ أوصى عند موته لجماعة من قبائل العرب بجداد أوساق من تمر سهمه بخيبر، ذكره في "السيرة"، ولم يذكر ابن أبي أوفى من جملة ما وصى به النبي ﷺ إلا كتاب الله إما ذهولًا، وإما اقتصارًا؛ لأنه أعظم وأهم من كل ما وصى به، وأيضًا: فإذا استوصى الناس بكتاب الله فعملوا به .. قاموا بكل ما أوصى به، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
* * *
стр. 7497
(١٦٤) - ٢٦٥٥ - (٣) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَتْ عَامَّةُ وَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ وَهُوَ يُغَرْغِرُ بِنَفْسِهِ:
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٤) - ٢٦٥٥ - (٣) (حدثنا أحمد بن المقدام) أبو الأشعث العجلي بصري، صدوق صاحب حديث، طعن أبو داوود في مروءته، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا المعتمر بن سليمان) التيمي البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
قال معتمر: (سمعت أبي) سليمان بن طرخان التيمي البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(يحدث عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، ولكنه مدلس، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لقصور أحمد بن المقدام عن درجة أهل الضبط والحفظ، قاله البوصيري.
(قال) أنس: (كانت عامة وصية رسول الله ﷺ وأغلبها (حين حضرته الوفاة) ومقدماتها (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يغرغر بنفسه) أي: يردد نفسه وروحه في حلقومه؛ والنفس - بسكون الفاء -: الروح؛ والغرغرة: تردد الروح في الحلق. انتهى "م خ".
стр. 7498
"الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ".
(١٦٥) - ٢٦٥٦ - (٤) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ مُغِيرَةَ،
===
قوله: (الصلاة) لازموا الصلاة وواظبوا عليها؛ يعني: الصلاة الخمس (و) راعوا حقوق (ما ملكت أيمانكم) من الدواب والأرقاء، من النفقات والكسوة.
(والصلاة ... ) إلى آخره .. منصوب على الإغراء بفعل محذوف وجوبًا؛ لنيابة المَعْطُوفِ منابه، والفعل المحذوف مقول لقول محذوف منصوب على أنه خبر لكان؛ تقديره: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة قوله: "الزموا الصلاة المفروضة ومراعاة حقوق ما ملكت أيمانكم".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما بعده وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عائشة بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٥) - ٢٦٥٦ - (٤) (حدثنا سهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي الرازي الخياط الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مغيرة) بن مقسم الضبي مولاهم الكوفي الأعمى، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7499
عَنْ أُمِّ مُوسَى، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كَانَ آخِرُ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ : "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ".
===
(عن أم موسى) سرية علي، اسمها فاختة، وقيل: حبيبة، مقبولة، من الثالثة. روت عن؛ علي، وعن أم سلمة، ويروي عنها: مغيرة بن مقسم الضبي.
قال الدارقطني: حديثها مستقيم، وقال العجلي: كوفية تابعية ثقة. يروي عنها: (دس ق).
(عن علي بن أبي طالب) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) علي: (كان آخر كلام النبي ﷺ : الزموا (الصلاة، و) راعوا حقوق (ما ملكت أيمانكم) أي: آخر كلامه في الأحكام، وإلا .. فقد جاء أن آخر كلامه على الإطلاق: "الرفيق الأعلى". انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأدب، باب في حق المملوك.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7500
(٧٦) - (٩٣٦) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى الْوَصِيَّةِ
(١٦٦) - ٢٦٥٧ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَبِيتَ لَيْلَتَيْنِ
===
(٧٦) - (٩٣٦) - (باب الحث على الوصية)
(١٦٦) - ٢٦٥٧ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : ما حق امرئ مسلم) ولا امرأة مسلمة؛ لأن النساء شقائق الرجال، و (ما) حجازية، و (حق) اسمها.
وقوله: (أن يبيت ليلتين) خبر (ما) الحجازية، وفي رواية: (أن يبيت ليلة أو ليلتين)، وفي أخرى: (أن يبيت ثلاث ليال) واختلاف الروايات دال على أنه للتقريب لا للتحديد، ووصفه بالمسلم خرج مخرج الغالب، فلا
стр. 7501
وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ".
===
مفهوم له، أو ذكره للتهييج؛ لتقع المبادر لامتثاله. انتهى "ابن حجر".
وإنما قال ذلك مع أن غير المسلم كالمسلم في صحة وصيته؛ لأنها زيادة في العمل الصالح في حق المسلم دون غيره.
وجملة قوله: (وله شيء) صفة ثانية و (امرئ) والواو فيه زائدة، دل عليه سقوطها في رواية مسلم، والفصل بين الصفة والموصوف بالخبر لا يضر؛ لأنه عمدة، وجملة (يوصي فيه) صفة لثيء.
قال المناوي: والمعنى: ليس الحزم والاحتياط واللائق لامرئ مسلم له شيء من المال، أو عليه دين، أو حق فرط فيه، أو أمانة بيتوتته ليلة أو ليليتين أو ثلاثًا .. إلا والحال أن وصيته مكتوبة لديه.
وقوله: (إلا) استثناء من أعم الأحوال أو الأزمان.
وقوله: (ووصيته مكتوبة عنده) مبتدأ وخبر، والواو حالية، والجملة الاسمية حال من الضمير المستكن في الخبر.
وحاصل المعنى: ليس حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه بيتوتته في حال من الأحوال أو في زمن من الأزمان .. إلا والحال أن وصيته مكتوبة محفوظة عنده؛ لأنه لا يدري متى يدركه الموت.
ومعنى الحديث: أنه ليس حقه من جهة الحزم والاحتياط والانتباه للموت أن يترك الوصية في زمن من الأزمان.
وفي بعض هوامش "مسلم": فـ (ما) بمعنى ليس، وجملة (له شيء) صفة ثانية لـ (امرئ)، و (يبيت) صفة ثالثة له، والجملة الواقعة بعد (إلا) خبر المبتدأ، والواو زائدة.
وفي بعض روايات السنن: (أن يبيت)، فيكون هو خبرًا؛ أي: لا ينبغي أن
стр. 7502
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يمضي عليه زمن وإن قل في حال من الأحوال إلا في هذه الحال؛ وهي أن تكون وصيته مكتوبة عنده؛ لأنه لا يدري متى يدركه الموت ويحله الحمام؛ فقد يفجأه وهو على غير وصية، ولا ينبغي لمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له.
قال في "المبارق": ذهب بعض العلماء إلى وجوبها؛ لظاهر هذا الحديث، والجمهور على استحبابها؛ لأنه ﷺ جعلها حقًّا للمسلم لا عليه، ولو وجبت .. لكانت عليه لا له، وهو خلاف ما يدل عليه اللفظ، قيل: هذا في الوصية المتبرع بها، وأما الوصية بقضاء الدين ورد الودائع والأمانات .. فواجبة عليه.
واعلم: أن ظاهر الحديث مشعر بأن مجرد الكتابة بلا إشهاد عليها كاف، وليس كذلك، بل لا بد من الشاهدين عند عامة العلماء؛ لأن حق الغير تعلق به، فلا بد لإزالته من حجة شرعية، ولا يكفي أن يشهدهما على ما في الكتاب من غير أن يطلعا عليه. إلى هنا انتهى كلامه.
وقوله: "شيء يوصي فيه" عام في الأموال والبنين الصغار والحقوق التي له وعليه كلها؛ من ديون وكفارات وزكوات فرط فيها، فإذا أوصى بذلك .. أخرجت من رأس المال، والكفارات والزكوات من ثلثه، على تفصيل يعرف في الفقه. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الوصايا، باب الوصايا، وقول النبي ﷺ : "وصية الرجل مكتوبة عنده"، ومسلم في كتاب الوصايا والترمذي في كتاب الجنازة، باب ما جاء في الحث على الوصية، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح، والدارمي في كتاب الوصايا، باب من استحب الوصية، ومالك في "الموطأ" في كتاب الوصايا، باب الأمر بالوصية.
стр. 7503
(١٦٧) - ٢٦٥٨ - (٢) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنَا دُرُسْتُ بْنُ زِيَادٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ، عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمَحْرُومُ
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٦٧) - ٢٦٥٨ - (٢) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا درست) بضم الدال والراء وسكون المهملة بعدها مثناة مضمومة ضمة الإعراب (ابن زياد) العنبري، وكان ينزل في بني قشير البصري، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (دق).
(حدثنا يزيد) بن أبان (الرقاشي) - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبو عمرو البصري، القاص - بتشديد المهملة - الزاهد. روى عن: أنس بن مالك، والحسن البصري، ويروي عنه: (ت ق)، من الخامسة، قال شعبة: لأن أزني .. أحب إلي من يزيد وأبيه أبان، مات قبل العشرين ومئة.
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه درست بن زياد وزياد بن أبان، وهما متفق على ضعفهما.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : المحروم) من الخير
стр. 7504
مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتَهُ".
(١٦٨) - ٢٦٥٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيد، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر،
===
(من حرم) ومنع (وصيته) أي: الوصية في عياله وماله ودينه وأمانته التي كانت عنده، وفي جميع ما يطلب الوصية فيه.
قال السندي: (المحروم) من الكمال (من حرم وصيته) فإنها آخر عمل من أعمال الدنيا، شرعت، لينتفع بها في الآخرة، فمن حرمها .. حرم خيرًا كثيرًا. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١١)(٢٨٠)، لضعف سنده، ولعدم المشاركة، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٨) - ٢٦٥٩ - (٣) (حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول (الحمصي) القرشي، صدوق له أوهام وكان يدلس، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (دس ق).
(حدثنا بقية بن الوليد) بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يحمد التيمي الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن يزيد بن عوف) الشامي، مجهول، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7505
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ .. مَاتَ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ، وَمَاتَ عَلَى تُقىً وَشَهَادَةٍ، وَمَاتَ مَغْفُورًا لَهُ".
(١٦٩) - ٢٦٦٠ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ،
===
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لتدليس بقية، وشيخه يزيد بن عوف، مجهول لم أر من تكلم فيه بجرح وتعديل.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : من مات على وصية) في أمور ينبغي الإيصاء فيها .. (مات على سبيل) أي: على طريق مستقيم ودين قويم (وسنة) شرعية، وهو بمعنى ما قبله (ومات على تقىً) أي: على تقوى من الله تعالى بامتثال أوامره (و) على (شهادة) وإقرار بأمور الدين (ومات) أي: خرج من الدنيا حالة كونه (مغفورًا له) جميع ذنوبه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١٢)(٢٨١)؛ لضعف سنده، ولركاكة معناه، ولعدم المشاركة فيه، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عمر الذي ذكره أول الباب رضي الله تعالى عنهما، ولو قدمه على الحديثين الضعيفين اللذين ذكرهما قبل هذا الحديث .. لوافق قاعدتهم وكان أوضح، فقال:
(١٦٩) - ٢٦٦٠ - (٤) (حدثنا محمد بن معمر) بن ربعي القيسي البصري البحراني - بالباء الموحدة والحاء المهملة - صدوق، من كبار الحادية عشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7506
حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عَوْفٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا حَقُّ امْرِيءٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ".
===
(حدثنا روح بن عوف) وقيل: روح بن عبد الله، وقيل: اسمه سُلمى بن عبد الله - بضم السين المهملة - أبو بكر الهذلي، أخباري متروك الحديث، من السادسة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن روح بن عوف متروك، وغرضه: بيان متابعة روح لعبيد الله بن عمر في الرواية عن نافع.
(عن النبي ﷺ قال: "ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة عنده") قد تقدم البحث عن هذا الحديث في أول الباب، فراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم والترمذي.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: بيان المتابعة في السند، وإنما كرر المتن؛ لما فيه من المخالفة للرواية الأولى بحذف كلمة فيه وتعويض كلمة به عنها؛ فالحديث: صحيح وإن كان سنده ضعيفًا، وفائدة هذه المتابعة: بيان كثرة طرقه.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخير للمتابعة، والوسطان للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7507
(٧٧) - (٩٣٧) - بَابُ الْحَيْفِ فِي الْوَصِيَّةِ
(١٧٠) - ٢٦٦١ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ فَرَّ
===.
(٧٧) - (٩٣٧) - (باب الحيف في الوصية)
أي: الجور والظلم للورثة؛ بإيصاء ماله للأجانب؛ حرمانًا من إرثه.
(١٧٠) - ٢٦٦١ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني ثم الأنباري، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا عبد الرحيم بن زيد) بن الحواري (العمي) - بفتح المهملة وتشديد الميم - أبو زيد البصري، متروك، كذبه ابن معين، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) زيد بن الحواري أبي الحواري - بفتح المهملة وتخفيف الواو - العمي البصري قاضي هراة، يقال: اسم أبيه مرة، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (عم).
(عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف زيد العمي، وابنه عبد الرحيم.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : من فر) بماله بصرفه
стр. 7508
مِنْ مِيرَاثِ وَارِثِهِ .. قَطَعَ اللهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
(١٧١) - ٢٦٦٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَر، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ،
===
للأجانب وتوزيعه لهم (من ميراث وارثه) أي: فرارًا من أن يرث وارثه ماله، وحرمانًا له من أخذ ماله .. (قطع الله) ؛ أي: حرمه الله (ميراثه) ونصيبه (من الجنة) أي: حرمه الله تعالى بعدله من نصيبه الذي يستحقه بعمله من الجنة (يوم القيامة) متعلق بقطع.
قال السندي: قوله: "قطع الله ميراثه" أي: يستحق به ذلك؛ مجازاةً له بجنس عمله.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولا شاهد له، فدرجته: أنه ضعيف (١٣)(٢٨٢)؛ لضعف سنده، ولعدم المشاركة فيه، وغرضه بسوقه: الاستئناس به.
* * *
ثم استدل المؤلف للترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٧١) - ٢٦٦٢ - (٢) (حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق كان يحفظ ثم كبر، فكان كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا عبد الرزاق بن همام) بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وعاصم بن أبي النجود
стр. 7509
عَنْ أَشْعَثَ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً
===
وهشام بن عروة شيئًا، وكذا ما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أشعث بن عبد الله) بن جابر الحداني - بمهملتين مضمومة ثم مشددة - الأزدي البصري، يكنى أبا عبد الله، وقد ينسب إلى جده، وهو الحملي - بضم المهملة وسكون الميم - صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (عم).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه، قال فيه شعبة والنضر بن شميل: إن شهرًا نزكوه، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أن بعض الناس قد طعن فيه، وقال يعقوب بن سفيان: وشهر وإن قال ابن عون: نزكوه .. فهو ثقة.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الرجل) المسلم والمرأة المسلمة؛ كما وقع التصريح في رواية أبي داوود (ليعمل) كل منهما (بعمل أهل الخير) والإيمان؛ من امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات (سبعين سنة) فما فوقها أو دونها؛ لأن الغرض منه التمثيل لا التحديد، وإنما
стр. 7510
فَإِذَا أَوْصَى .. حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ النَّارَ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
===
خص التمثيل به؛ لأنه قريب إلى غالب العمر في هذه الأمة؛ أي: ليعمل عمل الخير الذي يثاب عليه طول عمره.
(فإذا أوصى) في شيء مما ينبغي الإيصاء فيه؛ أي: أراد الإيصاء في آخر عمره .. (حاف) أي: جار وظلم وعدل عن الحق ونهج الصواب؛ بأن أوصى جميع ماله أو ما فوق الثلث؛ فرارًا من إرث ورثته وحرمانًا لهم (في وصيته) متعلق بحاف (فيختم) بالبناء للمفعول (له) عمره (بشر عمله، فيدخل النار) أي: يستحق دخول النار بهذا الشر الذي وقع منه في آخره؛ أي: يستحق دخولها، ولكن فضل الله تعالى واسع لمن جار في عمله بالتوبة عليه.
(وإن الرجل) وكذا المرأة؛ لأن النساء شقائق الرجال (ليعمل بعمل أهل الشر) من ترك المأمورات وارتكاب المنهيات (سبعين سنة) أي: طول حياته (فيعدل) أي: يفعل العدل (في وصيته) بأن أوصى ثلث ماله أو ما دونه في سبيل الخير؛ كالفقراء والمساكين وبناء المساجد والربط والمدارس الدينية (فيختم له) عمره (بخير عمله) كالعدل في وصيته (فيدخل الجنة) بالخير الذي عمله في آخر حياته؛ لأن العبرة في الأعمال خواتيمها.
(قال أبو هريرة) راوي الحديث رضي الله تعالى عنه: (واقرؤوا) أيها المستمعون الكرام (إن شئتم) مصداق هذا الحديث قوله تعالى: (﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ... ﴾) إلى قوله: (﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾) (١).
стр. 7511
(١٧٢) - ٢٦٦٣ - (٣) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِبْنِ كَثِيرِ بْنِ
===
وقراءة أبي هريرة لهاتين الآيتين؛ لتأييد معنى الحديث وتقويته؛ لأن الله تعالى قد قيد ما شرعه من الوصية بعدم التعدي، فتكون الوصية المشتملة على التعدي مخالفة لما شرعه الله تعالى، وما كان كذلك فهو معصية.
وفي الحديث وعيد شديد وزجر بليغ للمتعدي في الوصية؛ كما لا يخفى. انتهى من "العون" بتصرف.
قوله: "فإذا أوصى .. حاف في وصيته" بأن يهب جميع ماله لواحد من الورثة؛ كيلا يورث وارث آخر من ماله شيئًا، فهذا مكروه وفرار عن حكم الله تعالى، ذكره ابن الملك.
وقال بعضهم: كأن يوصي لغير أهل الوصية أو يوصي بعدم إمضاء ما أوصى به حقًّا؛ بأن ندم من وصيته أو ينقض بعض الوصية. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية، والترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الضرار في الوصية، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث قرة بن إياس المزني رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٧٢) - ٢٦٦٣ - (٣) (حدثنا يحيى بن عثمان بن سعيد بن كثير بن
стр. 7512
دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ أَبِي حَلْبَسٍ، عَنْ خُلَيْدِ بْنِ أَبِي خُلَيْدٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ
===
دينار الحمصي) القرشي، صدوق عابد، من العاشرة، مات سنة خمس وخمسين ومئتين (٢٥٥ هـ). يروي عنه: (دس ق).
(حدثنا بقية) بن الوليد بن صائد الكلاعي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حلبس) - بفتح الحاء وسكون اللام وفتح الموحدة بعدها مهملة - مجهول، من مشايخ بقية، من السابعة. يروي عنه: (ق)، وفي "التهذيب": قوله: (عن أبي حلبس) قيل: هو أبو الحكم أحد المجاهيل. روى عن: خليد بن أبي خليد عن معاوية بن قرة عن أبيه في الوصية، ويروي عنه: بقية.
(عن خليد بن أبي خليد) - بالتصغير فيهما - مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال المزني أبي إياس البصري، ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) قرة بن إياس بن هلال المزني أبي معاوية الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل البصرة، وهو جد إياس القاضي، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (عم).
وهذا السند من: سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا، لأن فيه بقية بن الوليد وأبا حلبس وخليد بن أبي خليد، وكل من الثلاثة من الضعفاء؛ لأن بقية مدلس عن الضعفاء، والأخيران مجهولان.
стр. 7513
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَأَوْصَى وَكَانَتْ وَصِيَّتُهُ عَلَى كِتَابِ اللهِ .. كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا تَرَكَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ".
===
(قال) قرة بن إياس: (قال رسول الله ﷺ : من حضرته الوفاة) أي: مقدماتها (فأوصى) فيما ينبغي الإيصاء فيه (وكانت وصيته) أي: إيصاؤه (على) وفق (كتاب الله) تعالى وحكمه .. (كانت) وصيته تلك عند الله (كفارة لما ترك) أداءه (من زكاته في حياته) الدنيا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (١٤)(٢٨٣)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الثاني للاستدلال، والأول والأخير للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7514
(٧٨) - (٩٣٨) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الْإِمْسَاكِ فِي الْحَيَاةِ وَالتَّبْذِيرِ عِنْدَ الْمَوْتِ
(١٧٣) - ٢٦٦٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ وَابْنِ شُبْرُمَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(٧٨) - (٩٣٨) - (باب النهي عن الإمساك في الحياة والتبذير عند الموت)
(١٧٣) - ٢٦٦٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطيء كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمارة بن القعقاع) بن شبرمة - بضم المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة - الضبي - بالمعجمة والموحدة - الكوفي، ثقة أرسل عن ابن مسعود، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(وابن شبرمة) عبد الله عم عمارة الكوفي، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م دس ق).
(عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 7515
قَالَ: جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ نَبِّئْنِي مَا حَقُّ النَّاسِ مِنِّي بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ؟ فَقَالَ: "نَعَمْ، وَأَبِيكَ
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (جاء رجل) لم أر من ذكر اسم هذا الرجل (إلى النبي ﷺ ، فقال) الرجل: (يا رسول الله، نبئني) أي: أخبرني، جواب (ما حق الناس) أي: جواب هذا الاستفهام؛ فـ (ما) اسم استفهام؛ بمعنى: من (حق الناس) مصدر بمعنى اسم التفضيل، وفي رواية مسلم: (من أحق الناس) وهي أوضح والجار والمجرور في قوله: (مني) متعلق بمحذوف صفة للصحبة في قوله: (بحسن الصحبة) والباء متعلقة بأحق، والإضافة في قوله: (بحسن الصحبة) من إضافة الصفة إلى الموصوف، و (ما) مبتدأ (أحق) خبره، أو بالعكس؛ وقُدِّم عليه حينئذ؛ للزومه الصدارة؛ والمعنى: نَبِّئْنِي جوابَ استفهامِ مَنْ أحق الناس بالصحبة والمعاشرة الواقعة مني؛ أي: مَنْ أولاهم وأَحْرَاهم وأحقُّهم بها، وفي رواية مسلم: (بحسن صحابتي) والصحابة: مصدر بمعنى الصحبة، يقال: صحبه يصحبه صحبةً وصحابة؛ من باب سلم، والمراد بالصحبة هنا: البر وحسن العشرة.
ونبأ من الأفعال التي تتعدى إلى ثلاثة مفاعيل، الأول منها: ياء المتكلم، وجملة الاستفهام سادة مسد المفعول الثاني والثالث.
(فقال) رسول الله ﷺ للرجل في جواب استفهامه: (نعم) حرفُ جواب للتصديق؛ كما أن بلي حرف جواب للنفي قائمٌ مقامَ الجواب، أي: أُنَبِّئكَ عما سألتني (وأبيك) أي: أقسمت لك بأبيك، لعله قال ذلك قبل النهي عن الحلف بالآباء، أو هو خرج مخرج العادة بلا قصد الحلف.
стр. 7516
لَتُنَبَّأنَّ؛ أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ
===
واللام في قوله: (لتنبأن) بالبناء للمفعول بنون التوكيد موطئة لقسم محذوف؛ تقديره: والله؛ لتنبأن؛ أي: لتخبرن عما سألت.
وقوله: (أمك) خبر لمبتدأ محذوف؛ تقديره: أحقهم بحسن صحبتك ومعاشرتك أمك، أي: والدتك، وفيه أن الأم أحق بالبر من الأب؛ كما أنها أكثر تعبًا منه في تربية الولد. انتهى "سندي".
قال النووي: فيه الحث على بر الأقارب، وأن الأم أحقهم بذلك، ثم بعدها الأب، ثم الأقرب فالأقرب.
قال العلماء: والحكمة في تقديم الأم كثرة تعبها عليك، وشفقتها وخدمتها ومعاناة المشاق في حمله، ثم وضعه، ثم إرضاعه، ثم تربيته ... إلى آخره.
قال في "المرقاة": قلت: وفي التنزيل إشارة إلى هذا التأويل بقوله: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١).
فالتثليث في مقابلة ثلاثة أشياء مختصة بالأم؛ وهي: تعبُ الحمل، ومشقةُ الوضع، ومِحْنَةُ الرضاع انتهى.
(قال) الرجل لرسول الله ﷺ : (ثم) بعد أمي (من) أحق الناس بحسن صحبتي؟ (قال) له رسول الله ﷺ : (ثم) بعد أمك أيضًا أحق الناس بحسن صحبتك (أمك، قال) الرجل: (ثم) أحقهم بصحبتي (مَنْ؟ قال) رسول الله ﷺ : (ثم) أحقهم بصحبتك
стр. 7517
أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ أَبُوكَ"، قَالَ: نَبِّئْنِي يَا رَسُولَ اللهِ عَنْ مَالِي كَيْفَ أَتَصَدَّقُ فِيهِ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَاللهِ لَتُنَبأنَّ؛ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ؛
===
(أمك، قال) الرجل: (ثم) أحقُّهم بصحبتي (مَنْ؟ قال) رسول الله ﷺ : (ثم) أحقهم بصحبتك (أبوك).
قال القرطبي: قوله: "أمك" ثلاث مرات، و"أبوك" في الرابعة يدل على صحة قول من قال: للأم ثلاثة أرباع البر، وللأب ربعه؛ ومعنى ذلك: أن حقهما وإن كان واجبًا .. فالأم تستحق الحظ الأوفر من ذلك، وفائدة تكرار ذلك في الأم المبالغة في القيام بحق الأم، وأن حقها مقدم عند تزاحم حقها وحقه. انتهى من "المفهم".
(قال) الرجل: (نبئني) أي: أخبرني (يا رسول الله عن) شأن (مالي كيف أتصدق) وأتصرف (فيه) من حيث التصدق منه؟ (قال) رسول الله ﷺ : (نعم) أخبرك عن ذلك (والله؛ لتنبأن) أي: لتخبرن عما سألته، والجملة الفعلية بالبناء للمفعول جواب القسم وإن كان غير مقصود معناه؛ نظرًا للفظه.
والحاصل: أن السائل لما سأل النبي ﷺ عمن يستحق بره وحسن معاملته .. أجابه النبي ﷺ بأن تخبر بجواب سؤالك، فأجابه بما تقدم.
فقال رسول الله ﷺ : خير التصدق وأفضله وأكثره أجرًا لك (أن تصدق) أي: أن تتصدق - بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا، ويحتمل أن يكون بتشديد الصاد والدال جميعًا - (وأنت) أي: والحال أنك (صحيح) غير مريض يخاف من الموت (شحيح) أي: بخيل عن صرفه لشدة احتياجك إليه
стр. 7518
تَأْمُلُ الْعَيْشَ وَتَخَافُ الْفَقْرَ، وَلَا تُمْهِلْ؛ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ نَفْسُكَ هَا هُنَا .. قُلْتَ: مَالِي لِفُلَانٍ وَمَالِي لِفُلَانٍ، وَهُوَ لَهُمْ وَإِنْ كَرِهْتَ".
===
(تأمل) - بضم الميم - من باب نصر؛ أي: ترجو (العيش) أي: الحياة، خبر ثالث (وتخاف) أي: تخشى (الفَقْر) أي: العُدْمَ إن أنفقته معطوف على تأمل؛ فإن المال يعز صرفه على النفس حينئذ، فيصير محبوبًا لها، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (١).
(ولا تمهل) أي: ولا تؤخره عن الإنفاق؛ من الإمهال (حتى إذا بلغت نفسك) أي: روحك (ها هنا) أي: الحلقوم؛ كناية عن مقدمات الموت .. (قلت) جوابُ إذا بلغتَ: أَوْصيتُ (مالي لفلان و) أوصيت (مالي لفلان) من الورثة (وهو) أي: والحال أن ذلك المال مملوك (لهم) أي: لورثتك (وإن كرهت) ذلك؛ أي: كونه لهم بغير اختيارك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأدب، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، ومسلم في كتاب البر والصلة والأدب، باب بر الوالدين وأنهما أحق به، وأبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية مختصرًا، والنسائي في كتاب الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث بسر بن جحاش رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 7519
(١٧٤) - ٢٦٦٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا حَرِيزُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عَنْ بُسْرِ بْنِ جَحَّاشٍ الْقُرَشِيِّ
===
(١٧٤) - ٢٦٦٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا حريز) بفتح أوله وكسر الراء وآخره زاي (ابن عثمان) الرحبي - بفتح الراء والحاء المهملتين بعدها موحدة - الحمصي، ثقة ثبت رمي بالنصب، من الخامسة، مات سنة ثلاث وستين ومئة (١٦٣ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثني عبد الرحمن بن ميسرة) الحضرمي أبو سلمة الحمصي، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (د ق).
(عن جبير بن نفير) - بالتصغير فيهما، وبنون وفاء في نفير - ابن مالك بن عامر الحضرمي الحمصي، ثقة فاضل مخضرم، من الثانية، ولأبيه صحبة، فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (ابن جحاش) - بفتح الجيم بعدها مهملة مشددة آخره جيم - ويقال فيه: (بشر) - بكسر أوله وسكون المعجمة - الصحابي (القرشي) نزل الشام رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الرحمن بن ميسرة، وهو مقبول.
стр. 7520
قَالَ: بَزَقَ النَّبِيُّ ﷺ فِي كَفِّهِ ثُمَّ وَضَعَ إِصْبَعَهُ السَّبَّابَةَ وَقَالَ: "يَقُولُ اللهُ : أَنَّى تُعْجِزُنِي ابْنَ آدَمَ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ؟ ! فَإِذَا بَلَغَتْ نَفْسُكَ هَذِهِ - وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ - قُلْتَ: أَتَصَدَّقُ وَأَنَّى أَوَانُ الصَّدَقَةِ؟ ! "
===.
(قال) بِشْرُ بن جَحَّاش: (بزق) أي: بصق (النبي ﷺ في كفه) وراحته (ثم وضع إصبعه السبابة) التي تلي الإبهام في ذلك البزاق (وقال) رسول الله ﷺ : (يقول الله مخاطبًا لابن آدم: (أنى) - بفتح الهمزة والنون المشددة وألف مقصورة - اسم استفهام بمعنى كيف، أي: كيف (تُعجزني) يا (بن آدم) بتقدير حرف النداء (وقد خلقتك) أي: أوجدتك (من) نطفة (مثل هذه) البزاق في كونه ماءً مهينًا؟ ! (فإذا بلغت) ووصلت (نفسك) أي: روحك (هذه) الحلقوم (و) قد (أشار) النبي ﷺ (إلى حلقه .. قلت) لنفسك: (أتصدق) الآن (وأنى) أي: وكيف يوجد لك (أوان الصدقة) لأن هذا الوقت وقت خروج الروح من الدنيا؟ !
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أحمد في "مسنده" من حديث بسر، وأصله في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أبي هريرة.
فدرجته: أنه حسن، لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7521
(٧٩) - (٩٣٩) - بَابُ الْوَصِيَّةِ بِالثُّلُثِ
(١٧٥) - ٢٦٦٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ وَسَهْلٌ قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ،
===
(٧٩) - (٩٣٩) - (باب الوصية بالثلث)
(١٧٥) - ٢٦٦٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(والحسين بن الحسن) بن حرب السلمي أبو عبد الله (المروزي) نزيل مكة، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(وسهل) بن أبي سهل زنجلة بن أبي الصغدي الرازي الخياط، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالوا) أي: قال كل من الثلاثة:
(حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه في آخره، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار، مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ)، وله إحدى وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (الزهري) إمام حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عامر بن سعد) بن أبي وقاص الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7522
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْحِ حَتَّى أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْت،
===
(عن أبيه) سعد بن أبي وقاص مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أبي إسحاق المدني أحد العشرة رضي الله تعالى عنه وعنهم، مات بالعقيق سنة خمس وخمسين (٥٥ هـ) على المشهور، وهو آخر العشرة وفاةً. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) سعد: (مرضت عام الفتح) فتح مكة (حتى أشفيت) أي: قاربت وأشرفت (منه) أي: من ذلك المرض؛ كما في "مسلم" (على الموت) يقال: أشفى وأشاف بمعنىً واحد، قاله الهروي.
وقال القتيبي: لا يقال: أشفى إلا على شر، وأصله من الشفا - بفتح الشين - وهو حد الشيء وجانبه، فكأنه قال: بلغت حد الموت.
وفيه عيادة الفضلاء والكبراء للمرضى، وتفقد الرجل الفاضل أصحابه وإخوانه، وفي رواية مسلم: (في حجة الوداع) وهذا صريح في كون هذه الواقعة في حجة الوداع، وعليه اتفق أصحاب الزهري.
وشذ ابن عيينة، فذكر هذه الواقعة في فتح مكة، فيما أخرجه الترمذي وابن ماجه عنه، ويؤيده ما أخرجه أحمد (٤/ ٦٠) والبزار والبخاري في "التاريخ" من حديث عمرو بن القاري أن رسول الله ﷺ قدم مكة، فخلف سعدًا مريضًا في مكة حيث خرج إلى حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرًا .. دخل عليه وهو مغلوب، فقال سعد: يا رسول الله؛ إن لي مالًا، وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي ... ؟ الحديث، وفيه: قلت: يا رسول الله؛ أميِّت أنا بالدار الذي خرجت منها مهاجرًا؟ قال: "لا؛ إني لأرجو أن يرفعك الله حتى ينتفع بك أقوام ... " الحديث، ذكره الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٧٠).
стр. 7523
فَعَادَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ
===
وجمع بينهما بحملهما على واقعتين، ولكن القلب لا يطمئن بأن هذه الواقعة وقعت مرتين، وكيف ينسى مثل سعد بن أبي وقاص ما قال له ﷺ قبل سنتين في أمر الوصية حتى يسأله مرة أخرى عن عين ما سأله في فتح مكة؟ ! فالأظهر ما ذكره الحافظ عن المحققين أن ابن عيينة قد وهم في تاريخ هذه الواقعة حيث ذكرها في فتح مكة، والصحيح ما ذكره أكثر أصحاب الزهري من أنها وقعت في حجة الوداع، وبه جزم البيهقي؛ كما في "عمدة القاري" (٤/ ٩٩).
وأما حديث عمرو بن القاري .. ففيه عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو وإن كان من رواة مسلم، غير أنه جعله ابن المديني منكر الحديث، وقال ابن معين: أحاديثه ليست بالقوية، وقال النسائي فيه مرة: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ولكن قال: كان يخطئ؛ كما في "تهذيب التهذيب" (٥/ ٣١٥).
وذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/ ٢١٣) هذا الحديث، فقال: وفيه عراض بن عمرو بن القاري، ولم يجرحه أحد ولم يوثقه، وربما يخطر بالبال أن أحد الرواة في حديث عمرو بن القاري خلط قِصَّةَ سَعْدٍ بقصَّةِ جابرٍ رضي الله تعالى عنهما؛ فقد تقدم في باب الكلالة أن مثل هذا الكلام جرى بين جابر وبين رسول الله ﷺ ، ويدل على ذلك قولُه: وَإِنِّي أُورَثُ كلالةً، ولم يكن سعد بن أبي وقاص كلالة، وإنما يحفظ هذا القول من جابر رضي الله تعالى عنه، والله أعلم.
(فعادني رسول الله ﷺ أي: زارني، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، فأما الزيارة .. فأكثرها للصحيح، وقد تقال للمريض، فأما
стр. 7524
فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَةٌ لِيْ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: "لَا"، قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ:
===
قوله تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ (١) .. فكناية؛ كني به عن الموت.
(فقلت) له ﷺ : (أي) حرف نداء؛ لنداء القريب؛ أي: يا (رسول الله؛ إِن لي مالًا كثيرًا) قال المنذري: فيه إباحة جمع المال الكثير (وليس) لي وارث (يرثني إلا ابنة) واحدة (لي) أي: ولا يرثني من الولد وخواص الورثة إلا ابنة واحدة لي، وإلا .. فقد كان له عصبة، واسم تلك البنت عائشة (أ) أتبرع (فأتصدق بثلثي مالي) يا رسول الله؟ والهمزة فيه للاستخبار والاستئذان داخلة على محذوف؛ كما قدرناه، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف.
قال القرطبي: ظاهر هذا السؤال أنه إنما سأل عن الوصية بثلثي ماله؛ لتنفذ بعد الموت، يدل على ذلك قرائن المرض، وذكر الورثة وغير ذلك.
ويحتمل أن يكون السؤال عن صدقة منجَّزة حالَّة يُخرِجُها في سبيل الله تعالى في الحال، وفيه بعد، وكيفما كان .. فقد أجيب بأن ذلك لا يجوز إلا بالثلث خاصة.
(قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله التصدق بالثلثين: ("لا") تتصدق بثلثي مالك، فقال سعد: (قلت) له ﷺ : (فالشطر) أي: شطر مالي ونصفه أتصدق به؟ وفي رواية مسلم: (أفأتصدق بشطره؟ ) أي: بنصفه؛ كما يدل عليه سياق الكلام (قال) رسول الله ﷺ لسعد: ("لا") أي: لا تتصدق الشطر (قلت: فالثلث، قال)
стр. 7525
"الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ؛ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ
===
رسول الله ﷺ : (الثلث) تصدق به (والثلث كثير) بالمثلثة، ويروى بالموحدة، وكلاهما صحيح.
قوله: "الثلث" ذكر النووي عن القاضي جواز نصب الثلث ورفعه، أما النصب .. فعلى الإغراء أو على تقدير فعل؛ أي: أعط الثلث، وأما الرفع .. فعلى أنه فاعل فعل محذوف؛ أي: يكفيك الثلث، أو على أنه مبتدأ حذف خبره، أو عكسه؛ يعني: الثلث كافٍ مثلًا، وأما الثلث الثاني .. فمرفوع على كونه مبتدأ، وخبره: (كثير).
ثم يحتمل أن يكون المراد بقوله: "الثلث كثير" أن الثلث أقصى ما يجوز، ولكن يستحب أن ينقص منه، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو الأكمل؛ أي: كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه: أنه كثير غير قليل، وعلى الأول عول ابن عباس؛ كما عند مسلم، ورجح الشافعي الاحتمال الثالث؛ كما في "فتح الباري" (٥/ ٢٧٢)، والظاهر أن الاحتمال الثاني أبعد الثلاثة.
قوله: (أن تذر) ورثتك في رواية مسلم زيادة: (إنك) بكسر الهمزة على الاستئناف (أن تذر) وتترك - بفتح الهمزة في أن على أنها مصدرية - والجملة الفعلية صلتها في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء.
وقوله: (ورثتك أغنياء) مفعولان لتذر، والخبر قوله: (خير) والتقدير: على رواية المؤلف: تركك ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالةً، والجملة الاسمية مستأنفة، والجملة الاسمية على رواية مسلم في محل الرفع خبر إن؛ والتقدير: إنك تركك ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم فقراء، وجملة إن مستأنفة؛ أي: إنك تركك بنتك وأولاد أخيك عتبة بن أبي وقاص - منهم هاشم بن عتبة الصحابي - مستغنين عن الناس .. خير (من أن تذرهم) وتتركهم
стр. 7526
عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ".
===
(عالة) بتخفيف اللام؛ أي: فقراء (يتكففون الناس) أي: يسألونهم بمد الأكف إليهم؛ بأن يبسطوها للسؤال، أو يسألونهم ما يكف عنهم الجوع.
وروي كسر همزة (إن تذر) على أنها شرطية، و (تذر) مجزوم بها و (خير) خبر لمبتدأ محذوف مع فاء الجزاء؛ والتقدير: إن تذر ورثتك أغنياء .. فهو خير من أن تذرهم ... إلى آخره، ومثل هذا الحذف سائغ شائع، غير مختص بضرورة الشعر؛ كما قيل.
قال ابن المنير: إنما عبر له ﷺ بلفظة (الورثة) ولم يقل: أن تدع بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذٍ إلا ابنة؛ لكون الوارث حينئذ لم يتحقق؛ لأن سعدًا إنما قال ذلك بناءً على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب ﷺ بكلام كلي مطابق لكل حالة، ولم يخص بنتًا من غيرها، وقال الفاكهي: إنما عبر النبي ﷺ بالورثة؛ لأنه اطلع بالوحي على أن سعدًا سيعيش ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، وقد حكى الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٧٣) القولين، ثم قال: وليس قوله: أن تدع بنتك متعينًا؛ لأن ميراثه لم يكن منحصرًا فيها؛ فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، منهم هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين، فجاز التعبير بالورثة؛ لتدخل البنت وغيرها ممن يرثه لو وقع موته إذ ذاك أو بعد ذلك.
وقوله: "عالة" - بتخفيف اللام - جمع عائل؛ والعائل: الفقير، وقيل: العيل والعالة: الفقر، والفعل منه عال؛ إذا افتقر، كذا في "فتح الباري".
قوله: "يتكففون الناس" أي: يطلبون الصدقة من أكف الناس، وقيل:
стр. 7527
(١٧٦) - ٢٦٦٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو،
===
يسألونهم بأكفهم، يقال: تكفف الناس واستكف؛ إذا بسط كفه لسؤال، أو سأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل كفًا كفًا من الطعام. انتهى "كرماني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية الحسنة، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، وأبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء فيما لا يجوز للموصي في ماله، والترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية، والنسائي في كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، وأخرجه غيرهم من أهل الصحاح والسنن.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧٦) - ٢٦٦٧ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن طلحة بن عمرو) بن عثمان الحضرمي المكي، متروك، من السابعة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 7528
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ".
===
(عن عطاء) بن أبي رباح - بفتح الراء الموحدة - اسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه طلحة بن عمرو، وهو متروك متفق على ضعفه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الله) (تصدق عليكم) أي: رخص لكم وأذن لكم (عند وفاتكم بثلث أموالكم) أي: في أن تتصرفوا في ثلث أموالكم من التبرعات؛ وقفًا وهبةً وصدقةً، حالة كون ذلك الثلث (زيادة لكم) في الأجر (في أعمالكم) أي: أجور أعمالكم التي عملتموها في حال صحتكم.
قال السندي: "تصدق عليكم" أي: جعل لكم ورخص لكم أن تتصرفوا فيه بما شئتم من التبرعات وإن لم ترض الورثة.
ومعنى: "عند وفاتكم" أي: عند قرب وفاتكم، بظهور مقدمات الموت وأسبابه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وسنده: ضعيف؛ لأن فيه طلحة بن عمرو الحضرمي، وهم اتفقوا على ضعفه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص المذكور قبل هذا الحديث، وحديث ابن عباس الآتي في هذا الباب.
فهذا الحديث درجته: أنه صحبح بما قبله وبما بعده، وسنده ضعيف،
стр. 7529
(١٧٧) - ٢٦٦٨ - (٣) حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا مُبَارَكُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بْنَ آدَمَ؛ اثْنَتَانِ
===
وغرضه: الاستشهاد به لما قبله، فهو ضعيف السند، صحيح المتن بغيره.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧٧) - ٢٦٦٨ - (٣) (حدثنا صالح بن محمد بن يحيى بن سعيدٍ القطَّان) التميمي البصري، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسي أبو محمد الكوفي، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت الناس في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر سفيان الثوري، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا مبارك بن حسان) السلمي أبو يونس البصري نزيل مكة، لين الحديث، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه صالح بن محمد، وهو مقبول، وفيه مبارك بن حسان، وهو لين الحديث، ووثقه ابن معين، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: قال الله : (يا بن آدم؛ اثنتان) أي: خصلتان مبتدأ، سوغ الابتداء
стр. 7530
لَمْ تَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ، حِينَ أَخَذْتُ بِكَظَمِكَ لِأُطَهِّرَكَ بِهِ وَأُزَكِّيَكَ، وَصَلَاةُ عِبَادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِكَ".
===
بالنكرة وصفه بقوله: (لم تكن لكَ واحدةٌ منهما) وخبر المبتدأ محذوف؛ تقديره: خصلتان عادمتان كونهما عملًا لك، أعطيتهما لك تفضلًا مني عليك.
أحدهما: أني (جعلت لك نصيبًا) أي: جزءًا (من مالك حين أخذت) من جسمك (بكظمك) أي: بقوتك وصحتك وأساس حياتك؛ أي: أحدهما: أني جعلت لك أن تتصرف في جزء مالك بما شئت من التبرعات؛ وذلك النصيب هو ثلث ماله؛ أي: أذنت لك في التصرف فيه بما شئت حين أخذت وأزلت عنك بكظمك وأسباب حياتك؛ وهي صحة الجسم (لأطهرك) من الذنوب والمَعَاصِي (به) أي: بذلك النصيب؛ أي: بثواب تبرعك بذلك النصيب (و) لـ (أزكيك) أي: ولأزيد لك في أجور أعمالك الصالحة به؛ أي: بذلك النصيب؛ أي: بسبب تبرعك بذلك النصيب الذي أذنت لك في التصرف فيه.
قال السندي: قوله: (لم تكن لك واحدة منهما) أي: لا تستحقها إلا برحمته تعالى؛ إذ المال للحياة، فإذا جاء الموت .. ينبغي أن ينتقل كله إلى غيره من الوارث، لكنه تعالى أبقى له التصرف في الثلث.
(و) ثاني الخصلتين: (صلاة عبادي عليك) يعني: صلاة الجنازة (بعد انقضاء) وانتهاء (أجلك) ومدتك التي أجلها الله في دار الدنيا بخروج روحك، والظرف متعلق بالصلاة؛ لأنه اسم مصدر بمعنى وأنْ يُصلِّي عبادي عليك، فصلاة المصلين على الجنازة لهم لا للميتِ؛ لأنها عملهم، فالظاهر ألا ينتفع بها الميت؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١)، لكنه تعالى بمنه وكرمه جعلها نافعة للميت؛ كأنها بمنزلة ما سعى.