عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ".
===
(عالة) بتخفيف اللام؛ أي: فقراء (يتكففون الناس) أي: يسألونهم بمد الأكف إليهم؛ بأن يبسطوها للسؤال، أو يسألونهم ما يكف عنهم الجوع.
وروي كسر همزة (إن تذر) على أنها شرطية، و (تذر) مجزوم بها و (خير) خبر لمبتدأ محذوف مع فاء الجزاء؛ والتقدير: إن تذر ورثتك أغنياء .. فهو خير من أن تذرهم ... إلى آخره، ومثل هذا الحذف سائغ شائع، غير مختص بضرورة الشعر؛ كما قيل.
قال ابن المنير: إنما عبر له ﷺ بلفظة (الورثة) ولم يقل: أن تدع بنتك، مع أنه لم يكن له يومئذٍ إلا ابنة؛ لكون الوارث حينئذ لم يتحقق؛ لأن سعدًا إنما قال ذلك بناءً على موته في ذلك المرض وبقائها بعده حتى ترثه، وكان من الجائز أن تموت هي قبله، فأجاب ﷺ بكلام كلي مطابق لكل حالة، ولم يخص بنتًا من غيرها، وقال الفاكهي: إنما عبر النبي ﷺ بالورثة؛ لأنه اطلع بالوحي على أن سعدًا سيعيش ويأتيه أولاد غير البنت المذكورة، وقد حكى الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٧٣) القولين، ثم قال: وليس قوله: أن تدع بنتك متعينًا؛ لأن ميراثه لم يكن منحصرًا فيها؛ فقد كان لأخيه عتبة بن أبي وقاص أولاد إذ ذاك، منهم هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين، فجاز التعبير بالورثة؛ لتدخل البنت وغيرها ممن يرثه لو وقع موته إذ ذاك أو بعد ذلك.
وقوله: "عالة" - بتخفيف اللام - جمع عائل؛ والعائل: الفقير، وقيل: العيل والعالة: الفقر، والفعل منه عال؛ إذا افتقر، كذا في "فتح الباري".
قوله: "يتكففون الناس" أي: يطلبون الصدقة من أكف الناس، وقيل:
стр. 7527
(١٧٦) - ٢٦٦٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَمْرٍو،
===
يسألونهم بأكفهم، يقال: تكفف الناس واستكف؛ إذا بسط كفه لسؤال، أو سأل ما يكف عنه الجوع، أو سأل كفًا كفًا من الطعام. انتهى "كرماني".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب ما جاء أن الأعمال بالنية الحسنة، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، وأبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء فيما لا يجوز للموصي في ماله، والترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية، والنسائي في كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، وأخرجه غيرهم من أهل الصحاح والسنن.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧٦) - ٢٦٦٧ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن طلحة بن عمرو) بن عثمان الحضرمي المكي، متروك، من السابعة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 7528
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالِكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ".
===
(عن عطاء) بن أبي رباح - بفتح الراء الموحدة - اسم أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه طلحة بن عمرو، وهو متروك متفق على ضعفه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الله) (تصدق عليكم) أي: رخص لكم وأذن لكم (عند وفاتكم بثلث أموالكم) أي: في أن تتصرفوا في ثلث أموالكم من التبرعات؛ وقفًا وهبةً وصدقةً، حالة كون ذلك الثلث (زيادة لكم) في الأجر (في أعمالكم) أي: أجور أعمالكم التي عملتموها في حال صحتكم.
قال السندي: "تصدق عليكم" أي: جعل لكم ورخص لكم أن تتصرفوا فيه بما شئتم من التبرعات وإن لم ترض الورثة.
ومعنى: "عند وفاتكم" أي: عند قرب وفاتكم، بظهور مقدمات الموت وأسبابه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وسنده: ضعيف؛ لأن فيه طلحة بن عمرو الحضرمي، وهم اتفقوا على ضعفه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص المذكور قبل هذا الحديث، وحديث ابن عباس الآتي في هذا الباب.
فهذا الحديث درجته: أنه صحبح بما قبله وبما بعده، وسنده ضعيف،
стр. 7529
(١٧٧) - ٢٦٦٨ - (٣) حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّان، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَنْبَأَنَا مُبَارَكُ بْنُ حَسَّانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا بْنَ آدَمَ؛ اثْنَتَانِ
===
وغرضه: الاستشهاد به لما قبله، فهو ضعيف السند، صحيح المتن بغيره.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧٧) - ٢٦٦٨ - (٣) (حدثنا صالح بن محمد بن يحيى بن سعيدٍ القطَّان) التميمي البصري، مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسي أبو محمد الكوفي، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت الناس في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر سفيان الثوري، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا مبارك بن حسان) السلمي أبو يونس البصري نزيل مكة، لين الحديث، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه صالح بن محمد، وهو مقبول، وفيه مبارك بن حسان، وهو لين الحديث، ووثقه ابن معين، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه: قال الله : (يا بن آدم؛ اثنتان) أي: خصلتان مبتدأ، سوغ الابتداء
стр. 7530
لَمْ تَكُنْ لَكَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا؛ جَعَلْتُ لَكَ نَصِيبًا مِنْ مَالِكَ، حِينَ أَخَذْتُ بِكَظَمِكَ لِأُطَهِّرَكَ بِهِ وَأُزَكِّيَكَ، وَصَلَاةُ عِبَادِي عَلَيْكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ أَجَلِكَ".
===
بالنكرة وصفه بقوله: (لم تكن لكَ واحدةٌ منهما) وخبر المبتدأ محذوف؛ تقديره: خصلتان عادمتان كونهما عملًا لك، أعطيتهما لك تفضلًا مني عليك.
أحدهما: أني (جعلت لك نصيبًا) أي: جزءًا (من مالك حين أخذت) من جسمك (بكظمك) أي: بقوتك وصحتك وأساس حياتك؛ أي: أحدهما: أني جعلت لك أن تتصرف في جزء مالك بما شئت من التبرعات؛ وذلك النصيب هو ثلث ماله؛ أي: أذنت لك في التصرف فيه بما شئت حين أخذت وأزلت عنك بكظمك وأسباب حياتك؛ وهي صحة الجسم (لأطهرك) من الذنوب والمَعَاصِي (به) أي: بذلك النصيب؛ أي: بثواب تبرعك بذلك النصيب (و) لـ (أزكيك) أي: ولأزيد لك في أجور أعمالك الصالحة به؛ أي: بذلك النصيب؛ أي: بسبب تبرعك بذلك النصيب الذي أذنت لك في التصرف فيه.
قال السندي: قوله: (لم تكن لك واحدة منهما) أي: لا تستحقها إلا برحمته تعالى؛ إذ المال للحياة، فإذا جاء الموت .. ينبغي أن ينتقل كله إلى غيره من الوارث، لكنه تعالى أبقى له التصرف في الثلث.
(و) ثاني الخصلتين: (صلاة عبادي عليك) يعني: صلاة الجنازة (بعد انقضاء) وانتهاء (أجلك) ومدتك التي أجلها الله في دار الدنيا بخروج روحك، والظرف متعلق بالصلاة؛ لأنه اسم مصدر بمعنى وأنْ يُصلِّي عبادي عليك، فصلاة المصلين على الجنازة لهم لا للميتِ؛ لأنها عملهم، فالظاهر ألا ينتفع بها الميت؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١)، لكنه تعالى بمنه وكرمه جعلها نافعة للميت؛ كأنها بمنزلة ما سعى.
стр. 7531
(١٧٨) - ٢٦٦٩ - (٤) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
قوله: "بكظمك" الكظم - بفتحتين -: مجامع النفس وقوامها وصحتها، وأخذه عند خروج روحك وانقطاع نفسك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه الدارقطني وعبد بن حميد بإسناده ومتنه.
فدرجته: أنه حسن، لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
وموضع الترجمة قوله: "جعلت لك نصيبًا من مالك".
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧٨) - ٢٦٦٩ - (٤) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 7532
قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ؛
===
(قال) ابن عباس: (وددت) وأحببت وتمنيت (أن الناس) الذين يريدون الإيصاء من أموالهم عند الموت أن (غضوا) ونقصوا (من الثلث إلى الربع) ولا يستكملوا الثلث، وفي رواية مسلم: (لو أن الناس غضوا)، فكلمة (لو) للتمني، فلا تحتاج إلى جواب.
والمعنى: أتمنى نقصهم في الإيصاء من الثلث إلى الربع، وإن كانت للشرط .. فالجواب محذوف؛ تقديره: لو أنهم نقصوا من الثلث إلى الربع .. كان خيرًا لهم وأحب إلي، وكذلك رواه الإسماعيلي بلفظ: (كان أحب إلي)، وفي رواية أخرى: (كان أحب إلى رسول الله ﷺ حكاه الحافظ في "الفتح" (٥/ ٢٧٧).
والغض والغضاضة؛ من باب نصر: النقص، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (١)؛ يعني: انقص من جهارته، كذا في "مجمع البحار" للفشني، وفي هذا الأثر حجة للحنفية؛ لاستحباب نقص الوصية من الثلث عندهم وإن كانت الورثة أغنياء.
وقوله: "من الثلث إلى الربع" هذا اجتهاد من ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قدر النقص من الثلث.
وقد رويت عن غيره مقادير مختلفة؛ فعن أبي بكر ﵁ أنه أوصى بالخمس، وقال: إن الله تعالى رضي من غنائم المؤمنين بالخمس، وقال معمر عن قتادة: أوصى عمر رضي الله تعالى عنه بالربع، وقال ابن إسحاق: السنة الربع، وروي عن علي ﵁: لأن أوصي بالخمس .. أحب إلي من الربع، ولأن أوصي بالربع .. أحب إلي من الثلث.
стр. 7533
لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ".
===
واختار آخرون السدس، وقال إبراهيم: كانوا يكرهون أن يوصوا مثل نصيب أحد الورثة حتى يكون أقل منه، وكان السدس أحب إليهم من الثلث، واختار آخرون العشر، كذا في "عمدة القاري" (٦)(٤٨٣).
قوله: (لأن رسول الله ﷺ قال: الثلث) يكفيك والثلث (كثير أو كبير) تعليل لما اختاره ابن عباس من النقصان من الثلث، وكأنه أخذ ذلك من وصفه ﷺ الثلث بالكثرة، والله أعلم، وكلمة (أو) في قوله: (أو كبير) للشك.
ولفظ "مسلم مع شرحه": (وفي حديث وكيع) وروايته: (كبير) بالموحدة (أو كثير) بالمثلثة، والشك من الراوي، والمعنى فيهما واحد، ويحتمل الفرق بينهما أن الكبر من حيث الذات، والكثرة من حيث العدد.
والحاصل منهما: أن النبي ﷺ استكثر الثلث مع أنه أجازه أولًا بقوله؛ فينبغي أن ينقص منه شيء له بال، وهو غير محدود. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث؛ يعني: هذا الأثر: البخاري في كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، ومسلم في كتاب الوصية، باب الوصية بالثلث، والنسائي في كتاب الوصايا، باب الوصية بالثلث، وأحمد في "مسنده".
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7534
(٨٠) - (٩٤٠) - بَابُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ
(١٧٩) - ٢٦٧٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ غَنْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ
===
(٨٠) - (٩٤٠) - (باب لا وصية لوارث)
(١٧٩) - ٢٦٧٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، صدوق كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن شهر بن حوشب فوثقه، وقال: إنما يتكلم فيه ابن عون، فهو ثقة إلا عند ابن عون.
(عن عبد الرحمن بن غنم) الأشعري مختلف في صحبته، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين، مات سنة ثمان وسبعين (٧٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عمرو بن خارجة) الأسدي، وكان حليف أبي سفيان، صحابي له أحاديث رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ت س ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 7535
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَهُمْ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِه، وَإِنَّ رَاحِلَتَهُ لَتَقْصَعُ بِجِرَّتِهَا، وَإِنَّ لُغَامَهَا لَيَسِيلُ بَيْنَ كَتِفَيَّ قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَسَمَ لِكُلِّ وَارِثٍ نَصِيبَهُ مِنَ الْمِيرَاث، فَلَا يَجُوزُ لِوَارِثٍ وَصِيَّةٌ؛
===
(أن النبي ﷺ خطبهم) أي: خطب الصحابة ووعظهم بذكر الترغيب والترهيب (وهو) أي: والحال أنه ﷺ راكب (على راحلته) أي: على ناقته، ولم أر من ذكر موضع تلك الخطبة، ولعلها في السفر (وإن راحلته) ﷺ (لتقصع) أي: لتمضغ (بجرتها) بعد إخراجها من جوفها، وتردُّها إلى الجوف بعد الدق.
قال في القاموس: الجِرَةُ - بكسر الجيم -: هيئةُ الجر وما يفيض به البعيرُ من جوفِه إلى فمِه فيأكلَه ثانية، ثم يرده إلى الجوف بعد دقه ومضغه.
واللُّقمة يتَعلَّلُ بها البعيرُ ويمضغُها إِلى وقت علفه (وإن لُغامها) أي: لغامَ ناقته ولُعابَها (ليسيل) على ظهري (بين كتفيَّ) واللُّغام - بضم اللام بعدها غين معجمة وبعد الألف ميم -: هو اللعاب؛ أي: لعابها وزبدُها الذي يُخرج من فيها، أو هو الزبدُ وَحْدَه. انتهى "سندي"، قال في "القاموس": لَغَمَ الجملُ؛ من باب منع: رَمَى بِلُعابِهِ لزبده، قال: والملاغم: ما حول الفم.
وفيه أيضًا قَصَع الجملُ؛ من باب منع: ابتلع جَرْعَ الماء، وقصعَتِ الناقة بجرتها: رَدَّتْها إلى جوفها أو مضغَتْها، أو هو؛ أي: القَصْعُ: أن تملأ فاها بالجرة أو شدة المضغ.
و(قال) رسول الله ﷺ في خطبته وهو معطوف بعاطف مقدر على خطب (إن الله) (قسم) وقدر في كتابه العزيز (لكل وارث نصيبه من الميراث) والتركة؛ أي: بيَّن له حظه ونصيبه الذي فرض له (فلا يجوز لوارث وصية) أي: فلا تجوز وصية لوارث.
стр. 7536
الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ،
===
وعبارة الترمذي: (فلا وصية لوارث) لأنها صارت بمنزلة الزيادة له على النصيب الذي قدر له في كتاب الله تعالى، فلا ينبغي ذلك.
قال الأمير الصنعاني في "السبل": الحديث دليل على منع الوصية للوارث، وهو قول الجماهير من العلماء، وذهب الهادي وجماعة إلى جوازها مستدلين بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ... ﴾ الآية (١)، قالوا: ونسخ الوجوب لا ينافي الجواز.
قلنا: نعم؛ لو لم يرد هذا الحديث .. فإنه؛ أي: نسخها ينافي جوازها؛ إذ وجوبها قد علم نسخه من آية المواريث؛ كما قال ابن عباس: كان المال للولد والوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن أو الربع، وللزوج الشطر والربع. انتهى.
ثم قال رسول الله ﷺ في تلك الخطبة: (الولد للفراش) أي: للأم.
قال في "النهاية": وتسمى المرأة فراشًا؛ لأن الرجل يفترشها؛ أي: الولد منسوب لصاحب الفراش، سواء كان زوجًا أو سيدًا أو واطئًا بشبهة، وليس للزاني في نسبه حظ، إنما الذي جعل له من فعله استحقاق الحد، وهو قوله: (وللعاهر) أي: للزاني (الحجر) - بفتحتين - أي: الخيبة والحرمان من نسب الولد.
قال التوربشتي: يريد أن له الخيبة؛ وهو كقولك: له التراب، والذي فسره بالرجم فقد أخطأ؛ لأن الرجم لا يشرع في سائره.
стр. 7537
وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ .. فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ - أَوْ قَالَ -: عَدْلٌ وَلَا صَرْفٌ".
(١٨٠) - ٢٦٧١ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
(ومن ادعى) وانتسب بتشديد الدال؛ أي: انتسب (إلى غير أبيه) وهو يعلم أنه غير أبيه (أو تولى غير مواليه) أي: انتسب بولائه إلى غيرهم حتى صار ولاؤه معروفًا بذلك الغير .. (فعليه) أي: فعلى ذلك المنتسب إلى غير أبيه، أو المتولي لغير مواليه (لعنة الله) تعالى؛ أي: طرده له من رحمته (و) عليه لعنة (الملائكة والناس أجمعين) ولعنتهما: دعاؤهم عليه بلعنة الله تعالى.
وقوله: "أجمعين" تأكيد لكل من الملائكة والناس (لا يقبل منه) أي: من كل منهما (صرف) أي: توبة (ولا عدل) أي: فدية؛ كما في "المختار".
(أو قال) الراوي: (عدل) أي: فرض (ولا صرف) أي: نقل، على خلاف الترتيب الأول، بالشك منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الوصايا، باب إبطال الوصية لوارث.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عمرو بن خارجة بحديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨٠) - ٢٦٧١ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي
стр. 7538
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُرَحْبيلُ بْنُ مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ، سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ الْبَاهِلِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ؛ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ".
===
الخطيب، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم - مصغرًا - العنسي - بالنون - الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا شرحبيل بن مسلم) بن حامد (الخولاني) الشامي، صدوق فيه لين، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
قال شرحبيل: (سمعت أبا أمامة الباهلي) صدي بن عجلان الصحابي المشهور، سكن الشام ومات بها سنة ست وثمانين (٨٦ هـ). يروي عنه: (ع) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن رجاله كلهم صدوقون؛ لأن إسماعيل بن عياش روى عن أهل بلده هنا، فهو صدوق، وإذا روى عن غيرهم من أهل العراق والحجاز .. فهو مخلط.
أي: سمعت أبا أمامة (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول في خطبته عام حجة الوداع: إن الله) (قد أعطى كل ذي حق حقه) أي: بين له حظه ونصيبه الذي فرض له في كتابه (فلا وصية لوارث) جائزة.
واعلم: أن حديث الباب أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس، وزاد في آخره: (إلا أن يشاء الورثة).
стр. 7539
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ في "بلوغ المرام": إسناده حسن، وقال في "الفتح": رجاله ثقات، لكنه معلول، فقيل: إن عطاء الذي رواه عن ابن عباس هو الخراساني، وهو لم يسمع عن ابن عباس.
وأخرجه الدارقطني أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا: "لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة" قال الحافظ في "التلخيص": إسناده واه.
وفي هذه الزيادة دليل على أنها تصح وتنفذ الوصية للوراث إن أجازها الورثة، قال العيني في "العمدة": قال المنذري: إنما تبطل الوصية للوارث في قول أكثر أهل العلم؛ من أجل حقوق سائر الورثة، فإذا أجازوها .. جازت؛ كما إذا أجازوا الزيادة على الثلث.
وذهب بعضهم إلى أنها لا تجوز وإن أجازوها؛ لأن المنع لحق الشرع، فلو جوزناها .. كنا قد استعملنا الحكم المنسوخ، وذلك غير جائز، وهو قول أهل الظاهر. انتهى، انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في تضمين العارية، وفي كتاب الوصايا، باب في الوصية للوارث، والترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، قال أبو عيسى: وفي الباب عن عمرو بن خارجة، وهو حديث حسن صحيح، وقد روي عن أبي أمامة من غير هذا الوجه، فالحديث روي من طرق كثيرة، فكثرتها تجبر ضعفها، فترقى إلى درجة الصحة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لما ذكر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 7540
(١٨١) - ٢٦٧٢ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ شَابُورَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنِّي لَتَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَسِيلُ عَلَيَّ لُعَابُهَا،
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمرو بن خارجة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨١) - ٢٦٧٢ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا محمد بن شعيب بن شابور) - بالمعجمة والموحدة - الأموي مولاهم الدمشقي نزيل بيروت، صدوق صحيح الكتاب، من كبار التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر) الأزدي أبو عتبة الشامي الداراني، ثقة، من السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته باربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(أنه) أي: أن سعيدًا (حدثه) أي: حدث لعبد الرحمن بن يزيد.
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (إني لـ) كائن (تحت) رأس (ناقة رسول الله ﷺ حالة كوني (يسيل علي لعابها) وهذا كناية عن قربه إلى رسول الله
стр. 7541
فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ".
===
ﷺ (فسمعته) ﷺ (يقول: إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه) من الميراث (ألا) أي: انتبهوا واعلموا (لا وصية لوارث).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الدارقطني في "سننه" من طريق عبد الرحمن بن يزيد به، ورواه البيهقي في "الكبرى"، من طريق الدارقطني، فذكروا له شاهدًا من حديث خارجة السابقة، رواه أصحاب السنن، وقال الترمذي فيهما: حسن صحيح.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7542
(٨١) - (٩٤١) - بَابٌ: الدَّيْنُ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ
(١٨٢) - ٢٦٧٣ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِث،
===
(٨١) - (٩٤١) - (باب: الدَّين قبل الوصية)
أي: قضاء الدين قبل تنفيذ الوصية.
(١٨٢) - ٢٦٧٣ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عَبدِ الله الهمداني السبيعي الكوفي، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني - بسكون الميم - الحوتي - بضم المهملة وبالمثناة فوق - نسبة إلى حوت؛ بطن من همدان، أبي زهير الكوفي صاحب علي، كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حَديثِه ضَعْفٌ، مات في خلافة ابن الزبير سنة خمس وستين (٦٥ هـ). يروي عنه: (عم).
قال ابن عبد البر في كتابِ "العلم" له: لما حُكِيَ عن إبراهيم أنه كَذَّب
стр. 7543
عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ بالدَّيْنِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ وَأَنْتُمْ تَقْرَؤُونَهَا: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾،
===
الحارثَ أَظُنُّ الشعبيَّ .. عُوقب بقوله في الحارث: كذاب، ولم يَبِنْ من الحارث كذب، وإنما نقم عليه إفراطَه في حُبِّ علي.
وقال ابن سعد: كان له قول سوء، وهو ضعيف في رأيه، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة ما أحفظه وما أحسن ما روى عن علي! وأثنى عليه، قيل له: فقد قال الشعبي: كان يكذب، قال: لم يكن يكذب في الحديث، إنما كان كذبه في رأيه، وقرأت بخط الذهبي في "الميزان" والنسائي مع تعنته في الرجال: قَدِ احْتُجَّ به، والجمهور على توهينه مع روايتهم لحديثه في الأبواب.
وقال الدوري عن ابن معين: الحارث قد سمع من ابن مسعود، وليس به بأس، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة.
وعلى كل حال فهو مختلف فيه، يرد السند من الصحة إلى الحسن.
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه الحارث الأعور، وهو مختلف فيه.
(قال) علي: (قضى) وحكم (رسول الله ﷺ بالدين) أي: بقضاء الدين عن الميت من تركته (قبل الوصية) أي: قبل تنفيذ وصيته وتَوْزِيعِها للموصَى لهم من ثلث ما بقي بعد الدين، ثم قال علي لمن عنده: (وأنتم) أي: والحال أنكم أيها المسلمون (تقرؤونها) أي: تقرؤون الوصية قبل قراءة الدين في قوله تعالى: (﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾) (١)، فلا
стр. 7544
وَإِنَّ أَعْيَانَ بَنِي الْأُمِّ لَيَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ.
===
تفهموا ولا تظنوا من التقديم اللفظي - أي: من تقديم الوصية على الدين في قراءة الآية - التقديمَ الحكميَّ؛ أي: تقديم الوصية على الدين في حكم الأداء والإخراج من التركة.
(و) إنما قلت: الدين مقدم على الوصية؛ لـ (أن أعيان بني الأم) وهم الإخوة الأشقاء لأم وأب، يقال لهم: أولاد الأعيان (ليتوارثون) من الميت (دون بني العلات) وهم الإخوة لأب، سواء كانوا من أم، أو أمهات أخر؛ والعلات: الضرائر.
ولعل سبب التقديم اللفظي في الوصية الاهتمام بشأنها؛ لقلة الرغبة في إجرائها وإخراجها من التركة؛ لأنها بلا مقابل، بخلاف الدين، فإنه يؤخذ بالجبر والقهر؛ لأنه مقابلة ومعاوضة. انتهى من "السندي" بتصرف وزيادة.
وفي "شرح الترمذي": قوله: وأن أعيان بني الأم والأب - بفتح أن - والواو للعطف؛ أي: وقضى بأن أعيان الأم؛ والمراد من أعيان بني الأم: الإخوة والأخوات لأب واحد وأم واحدة؛ مأخوذ من عين الشيء؛ وهو النفيس منه.
قوله: (ليتوارثون) وفي بعض النسخ: (يرثون)، (دون بني العلات) وهم: الإخوة لأب وأمهات شتى.
والمعنى: أن بني الأعيان إذا جتمعوا مع بني العلات .. فالميراث لبني الأعيان؛ لأنهم يحجبونهم؛ لقوة القرابة فيهم، وازدواج الوصلة.
قال الطيبي: قوله: (وأنتم تقرؤون) إخبار فيه معنى الاستفهام؛ يعني: إنكم تقرؤون هذه الآية، هل تدرون معناها؟ فالوصية مقدمة على الدين في القراءة مستأخرة عنه في القضاء، والآخرة فيها مطلق يوهم التسوية، فقضى رسول الله بتقديم الدين على الوصية، وقضى في الإخوة بالفرق. انتهى.
стр. 7545
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وذكر الحافظ هذا الحديث في "التلخيص" وفيه: يَرث الرجلَ أَخوهُ لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه، وعزاه للترمذي وابن ماجه والحاكم.
فإن قلت: إذا كان الدين مقدمًا على الوصية .. فلم قدمت عليه في التنزيل؟ قلت: اهتمامًا بشأنها.
وفي "الكشاف": لما كانت الوصية مشبهة بالميراث في كونها مأخوذة من غير عوض .. كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظم ولا تطيب أنفسهم بها، كان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين؛ فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين؛ بعثًا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين، ولذلك جيء بكلمة "أو" فيه للتسوية بينهما في الوجوب، قاله القاري.
قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم؛ أنه يبدأ بالدين قبل الوصية.
قال الحافظ في "الفتح": ولم يختلف العلماء في أن الدين يقدم على الوصية إلا في صورة واحدة؛ وهي ما إذا أوصى لشخص بألف مثلًا، وصَدَّقَه الوارثُ وحُكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينًا يستغرق موجوده، وصدقه الوارث .. ففي وجه للشافعية أنها تقدم الوصية على الدين في هذه الصورة الخاصة، وأما تقديم الوصية على الدين في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (١) .. فقد قيل في ذلك: إن الآية ليس فيها صيغة قرتيب، بل المراد: أن المواريث إنما تقع بعد قضاء الدين وإنفاذ الوصية، وأتى بـ (أو) للإباحة، وهي كقولك: جالس زيدًا أو عمرًا؛ أي: لك مجالسة كل واحد منهما
стр. 7546
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
اجتمعا أو افترقا، وإنما قدمت على الدين لمعنىً يقتضي الاهتمامَ بتقديمها، واختلف في تعيين ذلك المعنى.
وحاصل ما ذكره أهل العلم من مقتضيات التقديم ستة أمور:
أحدها: الخفة والثقل؛ كربيعة ومضر؛ فمضر أشرف من ربيعة، لكن لفظ ربيعة كان أخف، قدم في الذكر، وهذا يرجع إلى اللفظ.
ثانيها: بحسب الزمان؛ كعاد وثمود.
ثالثها: بحسب الطبع؛ كثلاث ورباع.
رابعها: بحسب الرتبة؛ كالصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حق البدن والزكاة حق المال، فالبدن مقدم على المال.
خامسها: تقديم السبب على المسبب؛ كقوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
وقال بعض السلف: عز، فلما عز .. حكم.
سادسها: بالشرف والفضل؛ كقوله تعالى: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (٢).
وإذا تقرر ذلك .. فقد ذكر السهيلي أن تقديم الوصية في الذكر على الدين؛ لأن الوصية إنما تقع على سبيل البر والصلة، بخلاف الدين؛ فإنه إنما يقع غالبًا بعد الميت بنوع تفريط، فوقعت البداءة بالوصية؛ لكونها أفضل.
وقال غيره: قدمت الوصية؛ لأنها شيء يؤخذ بغير عوض، والدين يؤخذ بعوض فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من إخراج الدين، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين، وأيضًا فهي حظ فقير ومسكين غالبًا، والدين
стр. 7547
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
حظ غريم يطلب بقوة، وله مقال؛ كما صح عنه ﷺ أنه قال: "إن لصاحب الدين مقالًا"، وأيضًا فالوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه، فقدمت تحريضًا على العمل بها، بخلاف الدين. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وحديث علي المذكور ضعيف، قال في "النيل": قد أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه والحاكم من طريق الحارث الأعور عن علي رضي الله تعالى عنه، قال: قضى محمد أن الدين قبل الوصية وأنتم تقرءون الوصية قبل الدين، والحديث وإن كان إسناده ضعيفًا، لكنه معتضد باتفاق عامة أهل العلم على العمل به. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية، وفي كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الإخوة من الأب والأم.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر، وللمشاركة فيه، ولاتفاق عامة أهل العلم على العمل به، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 7548
(٨٢) - (٩٤٢) - بَابُ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُوصِ هَلْ يُتَصَدَّقُ عَنْهُ ؟
(١٨٣) - ٢٦٧٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ
===
(٨٢) - (٩٤٢) - (باب من مات ولم يوص هل يتصدق عنه؟ )
(١٨٣) - ٢٦٧٤ - (١) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي (العثماني) المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - أبي شبل - بكسر المعجمة وسكون الموحدة - المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني المدني مولى الحرقة - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ ولم أر من ذكر اسم الرجل
стр. 7549
قَالَ: إِنَّ أَبِي مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا وَلَمْ يُوصِ، فَهَلْ يُكَفِّرُ عَنْهُ أَنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ".
(١٨٤) - ٢٦٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ،
===
ولا اسم أبيه، فـ (قال) الرجل في سؤاله: (إن أبي مات) فجأة (وترك مالًا) كثيرًا (و) الحال أنه (لم يوص) في ذلك المال شيئًا من التبرعات صدقةً ولا وقفًا ولا هبةً (فهل يكفر؟ ) - بضم الياء وتشديد الفاء المكسورة - من التكفير؛ كأنه رأى وظن أن ترك الإيصاء من مثله .. بمنزلة الذنب المحتاج إلى المكفر (عنه) متعلق بيكفر، والضمير عائد إلى الأب، وكذا الضمير في (عنه) الآتي عائد إليه.
وقوله: (أن تصدقت) بفتح همزة أن على أنها مصدرية مع ما بعدها في تأويل مصدر يكون فاعلًا ليكفر؛ والتقدير: فهل يكون تصدقي (عنه) من ماله كفارة لذنب تركه الإيصاء أم لا؟
(قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال السائل: (نعم) يكون تصدقك عنه كفارة وعوضًا عما تركه، وتداركًا له.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨٤) - ٢٦٧٥ - (٢) (حدثنا إسحاق بن منصور) بن بهرام الكوسج التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وخمسين ومئتين (٢٥١ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
стр. 7550
حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ نَفْسُهَا
===
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير الأسدي المدني.
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رجلًا أتى النبي ﷺ قيل: اسمه سعد بن عبادة ﵁، وأمه عمرة بنت مسعود (فقال) الرجل للنبي ﷺ : يا رسول الله (إن أمي افتلتت) بالبناء للمفعول؛ افتعال من فَلَتَ بالفاء؛ أي: ماتت.
وعبارة "الكوكب": بضم التاء الأولى وكسر اللام وفتح الثانية التي هي لام الكلمة وسكون الثالثة؛ لأنها تاء التأنيث على صيغة المبني للمفعول.
(نفسها) بالرفع؛ على أنه نائب الفاعل؛ أي: أخذت نفسها وروحها افتلاتًا وفجأةً، فيكون الفعل متعديًا إلى واحد، وذلك الواحد قام مقام الفاعل؛ وهو الله سبحانه؛ أي: أخذ الله نفسها وقبضها افتلاتًا؛ أي: بغتةً.
وبالنصب؛ على أنه مفعول ثان، والأول ضمير يعود على الأم كان نائب فاعل.
وحاصل المعنيين: أمي سلبت وأخذت نفسها وروحها افتلاتًا وبغتة؛ من الافتلات؛ وهو أخذ الشيء بسرعة، وكل فعل بلا تفكر ولا ترو فقد افتلت،
стр. 7551
وَلَمْ تُوصِ وَإِنِّي أَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ .. لَتَصَدَّقَتْ، فَلَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا وَلِيَ أَجْرٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ".
===
ويقال: افتلت الكلام؛ إذا ارتجله واقترحه واقتضبه بلا ترو ولا فكر.
والمعنى: أن أمي ماتت فجأةً؛ أي: ماتت (و) الحال أنها (لم توص) شيئًا من التبرعات (وإني أظنها) أي: أظن أمي أنها (لو تكلمت) أي: لو قدرت على الكلام ... (لتصدقت) أي: لأوصت بتصدق شيء من مالها، أ (فلها أجر) بتقدير همزة الاستفهام الاستفتائي؛ أي: هل لها أجر وثواب (إن تصدقت عنها) الرواية الصحيحة بكسر همزة إن؛ على أنها شرطية، ولا يصح قول من فتحها؛ لأنه إنما سأل عما لم يفعله؛ أي: إن دفعت الصدقة بنية التصدق عنها .. هل لها أجر (ولي أجر) أيضًا؛ أي: أجر التصدق عنها؟
(قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: (نعم) أي: لك ولها أجر التصدق؛ أي: لها أجر الصدقة، ولك أجر التصدق عنها.
وفيه دليل على جواز التصدق عن الميت، وأن ذلك ينفعه بوصول ثواب الصدقة إليه، ولا سيما إن كان من الولد؛ لما فيه من أجر الصلة والبر للوالدين.
قال القرطبي: ولم يختلف بين العلماء في مقتضى هذا الحديث؛ وهو أن الصدقة بالمال نافعة للميت.
واختلف في عمل الأبدان هل ينفع الميت إذا فعل عنه؛ كالصوم والصلاة والتلاوة والذكر؟
فمن حمله على المال وقاسه عليه .. قال: ينفعه، ومن لم يحمله عليه وأخذ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (١) .. قال: لا ينفعه غير المال إلا صلاة الجنازة؛ لأنها منصوص عليها.
стр. 7552
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال مالك والشافعي: العبادات البدنية المحضة؛ كالصلاة والصوم والتلاوة لا يصل ثوابها إلى الميت، بخلاف غيرها؛ كالصدقة والحج وكذا العمرة. انتهى من "المفهم" بزيادة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزكاة، باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه، وأبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما جاء فيمن مات بغير وصية يتصدق عنه، عن عائشة، والنسائي في كتاب الوصايا، باب إذا مات فجأة هل يستحب لأهله أن يتصدقوا عنه، عن عائشة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب: حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7553
(٨٣) - (٩٤٣) - بَابُ قَولِهِ: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾
(١٨٥) - ٢٦٧٦ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَر، حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ، حَدَّثَنَا حُسَيْن الْمُعَلِّمُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ
===
(٨٣) - (٩٤٣) - (باب قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾) (١)(١٨٥) - ٢٦٧٦ - (١) (حدثنا أحمد بن الأزهر) بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري، صدوق كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا روح بن عبادة) بن العلاء بن حسان القيسي أبو محمد البصري، ثقة فاضل له تصانيف، من التاسعة، مات سنة خمس أو سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا حسين) بن ذكوان (المعلم) المكتب العوذي - بفتح المهملة وسكون الواو بعدها معجمة - البصري، ثقة ربما وهم، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن شعيب) بن محمد، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). يروي عنه: (عم)، فهو مختلف فيه فيما روى عن أبيه عن جده؛ لأنه إنما يروي من الكتاب لا بالسماع.
(عن أبيه) شعيب بن محمد، صدوق قد ثبت سماعه من جده، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن جده) عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، من كبار السابقين
стр. 7554
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: لَا أَجِدُ شَيْئًا وَلَيْسَ لِي مَالٌ وَلِي يَتِيمٌ لَهُ مَالٌ، قَالَ: "كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُتَأَثِّلٍ مَالًا - قَالَ: وَأَحْسِبُهُ قَالَ -: وَلَا تَقِي مَالَكَ بِمَالِهِ".
===
رضي الله تعالى عنهما، مات ليالي الحرة على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمرو بن شعيب، وهو مختلف فيه فيما روى عن أبيه عن جده؛ كما مر آنفًا.
(قال) عبد الله بن عمرو: (جاء رجل إلى النبي ﷺ ولم أر من ذكر اسمه (فقال) الرجل للنبي ﷺ : يا رسول الله (لا أجد شيئًا) آكله ولا أشربه (وليس لي مال) أنفقه على نفسي (ولي يتيم له مال) أعمل أنا فيه بالتجارة والزراعة مثلًا، فـ (قال) النبي ﷺ للرجل: (كل) أنت (من مال يتيمك) الذي تتصرف له فيه بالإصلاح والاستثمار.
قال السندي: حملوه على ما يستحقه من الأجرة؛ بسبب ما يعمل فيه ويصلح له حالة كونك (غير مسرف) في الأكل منه؛ أي: غير آخذ منه أزيد من قدر الحاجة (ولا متأثل) منه (مالًا) يختص بك.
قال الخطابي: أي: غير متخذ منه أَصْلَ مَالٍ، وأَثَلةُ الشيء: أَصْلُه؛ أي: غَيْرَ متخذ منه أصل مال للتجارة ونحوها؛ أي: مالًا يكون أصيلًا لك، مختصًا بك؛ لتتجر فيه لنفسك.
(قال) الراوي أو من دونه: (وأحسبه) ﷺ (قال: ولا تقي) أي: ولا تحفظ (مالك) عن الإنفاق في حوائجك (بماله) أي: بمال اليتيم؛ أي: بإنفاقِ مالِ اليتيم في حوائجك؛ أي: ولا تحفظ مالك بصرف ماله في حاجتك، والله رقيب عليك.
قال الخطابي: ووَجْهُ إباحتِه له الأَكْلَ من مالِ اليتيم: أن يكون ذلك على
стр. 7555
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
معنى ما يستحقُّه من العمل فيه والاستصلاحِ له، وأن يأخذ منه بالمعروف على قدر مِثْلِ عملِه.
وقد اختلف الناس في الأكل من مال اليتيم: فروي عن ابن عباس أنه قال: يأكل منه الوصي إذا كان يقوم عليه، هاليه ذهب أحمد بن حنبل، وقال الحسن والنخعي: يأكل، ولا يقضي ما أكل.
وقال عبيدة السلماني وسعيد بن جبير ومجاهد: يأكل ويؤديه إليه إذا كبر، وهو قول الأوزاعي. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الوصايا، باب ما لولي اليتيم أن ينال من مال اليتيم، والنسائي في كتاب الوصايا، باب ما للوصي من مال اليتيم إذا قام عليه.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
وهذا آخر كتاب الوصايا.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا المجلد:
من الأبواب: ثلاثة وثمانون بابًا.
ومن الأحاديث: مئة وتسعة وثمانون حديثًا، منها: أربعة عشر للاستئناس، وثمانون للاستدلال، وسبعة للمتابعة، والبواقي للاستشهاد.
والله وليُّ التّوفيق
стр. 7556
إلى هنا انتهى المجلد الخامس عشر من هذا الكتاب ذي العِبر ويليه المجلد السادس عشر بإذن منبت الشجر، وأوله: كتاب الفرائض
قال المؤلف بلَّغه الله أمله: كان الفراغ من كتابة هذا المجلد يوم الجمعة بتاريخ (١) رجب (١٤٣٤ هـ) وقت السحر، الموافق لـ (١٠) أيار مايو سنة (٢٠١٣ م).
وكان تاريخ العود لتأليف هذا الكتاب يوم الجمعة (٢٥) ذو الحجة من سنة (١٤٣٣ هـ).
* * *
والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومتبعيه وأحبابه إلى يوم الدين.
اللهم أصلح ذات بيننا، وألِّف بين قلوبنا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها، قابلين لها وأتممها علينا بفضلك يا كريم.
стр. 7557
شرح سنن ابن ماجة
المسمى مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه والقول المكتفى على سنن المصطفى
جمع وتأليف
محمد الأمين بن عبد الله بن يوسف بن حسن الأرمي العلوي الأثيوبي الهرري الكري البويطي
نزيل مكة المكرمة والمجاور بها والمدرس في دار الحديث الخيرية
مراجعة لجنة من العلماء
برئاسة
الأستاذ الدكتور هاشم محمد علي حسين مهدي
المستشار برابطة العالم الإسلامي سابقا - مكة المكرمة
[المجلد السادس عشر]
كتاب الفرائض - كتاب الجهاد
стр. 7558
دَار طوق النجَاة
لبنان - بيروت - فاكس: ٧٨٦٢٣٠
ص. ب: ٥٥٧٤/ ١٣/ بيروت
دَار الْمِنْهَاج
المملكة الْعَرَبيَّة السعودية - جدة
هَاتِف: ٦٣٢٦٦٦٦ - فاكس: ٦٣٢٠٣٩٢
الطَّبْعَةُ الأولى
١٤٣٩ هـ - ٢٠١٨ م
جَمِيع الْحُقُوق مَحْفُوظَة
لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وبأيِّ شكل من الأشكال، أَو نسخه، أَو حفظه فِي أَي نظام إلكتروني أَو ميكانيكي يمكِّن من استرجاع الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ، وَكَذَلِكَ لَا يسمح بالاقتباس مِنْهُ أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبقًا.
الرقم المعياري الدولي
٨ - ٢٠ - ٥٠٣ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN
www.alminhaj.com
E- Mail: info@alminhaj.com
стр. 7559
شرح سنَن ابْن مَاجَه
[١٦]
стр. 7560
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 7561
قال الشعبي وابن المهدي شعرًا:
دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار
لا ترغبنَّ عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار
شكواي إلى مولاي:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا ... وبت أشكو إلى مولاي ما أجد
فقلت يا أملي في كل نائبة ... ومن عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورًا أنت تعلمها ... ما لي إلى حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل مبتهلًا ... إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبةً ... فبحر جودك يروي كل من يرد
стр. 7562
كتابُ الفرائض
стр. 7563
الخطبة
الحمد لله رب العالمين الذي جعل كل كافر ديةً لكل مسلم، في العذاب الأليم نار جهنم، والصلاة والسلام على السلطان الأعظم، سيدنا محمد الكريم الأكرم، وعلى آله وصحبه وتابعيهم على الدين الأقوم، إلى يوم جمع الجميع إلى المجمَّع الأعظم والهول الأفخم.
أما بعد:
فإني لما فرغت من تبييض المجلد الخامس عشر .. تفرَّغْتُ لتسطير المجلد السادس عشر وترسيمه، فقلت مستمدًا من الله التوفيق، والهداية إلى أقوم طريق:
قال المؤلف رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه؛ آمين:
стр. 7564
(٢٢) - كِتَابُ الْفَرَائِضِ
===
(٢٢) - (كتاب الفرائض)
واعلم: أن علم الفرائض من أهم العلوم الدينية، ومن أعظم أسباب المعيشة والمعاشرة الإنسانية، ولذلك اهتمت به الشريعة الإسلامية اهتمامًا قلما يوجد في أبواب أخرى، ولذلك ترى القرآن الكريم يكتفي في أكثر أبواب الأحكام بِبَيَانِ أصولٍ كليةٍ، دون التعرض للجزئيات والتفاصيل؛ إذ نشاهده في باب الفرائض يهتم ببيان جزئياته وتفاصيله الدقيقة، ويصرح بذكر السهام لكل واحد من الأقرباء في بسط واستقصاء.
وكذلك حث النبي ﷺ على تعلم الفرائض وتعليمها، مستقلةً عن الأبواب الأخرى؛ فقد أخرج النسائي والترمذي وأحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس؛ فإني امرؤ مقبوض".
والفرائض: جمع فريضة؛ كحدائق وحديقة؛ بمعنى مفروضة لا فارضة، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، لا بمعنى فاعلة؛ مأخوذ من الفرض؛ بمعنى التقدير؛ لأن الفرض لغةً: التقدير، قال تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١)؛ أي: قدرتم، ويقال: فرض القَاضِي النفقةَ؛ أي: قدرها، ويطلق الفرض على: القطع، يقال: فرض العود؛ بمعنى قطعه.
وشرعًا: اسم لنصيب مقدر لمستحقه؛ كالنصف والربع والثمن.
وخرج بـ (المقدر) التعصيب؛ فإنه ليس بمقدر، بل يأخذ العاصب جميع
стр. 7565
(١) - (٩٤٤) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ
(١) - ٢٦٧٧ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْعَطَّاف، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
===
المال إن انفرد، وما أبقت الفروض إن لم تستغرق التركة، وإلا .. سقط.
(١) - (٩٤٤) - (باب الحث على تعليم الفرائض)
(١) - ٢٦٧٧ - (١) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) أي: المنسوب إلى هذا الجد المذكور، تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا حفص بن عمر بن أبي العطاف) السهمي مولاهم المدني، ضعيف، من الثامنة، مات بعد الثمانين ومئة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الرحمن بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حفص بن عمر بن أبي العطاف، فهو متفق على ضعفه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة: