قال الشعبي وابن المهدي شعرًا:
دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار
لا ترغبنَّ عن الحديث وأهله ... فالرأي ليل والحديث نهار
شكواي إلى مولاي:
لبست ثوب الرجا والناس قد رقدوا ... وبت أشكو إلى مولاي ما أجد
فقلت يا أملي في كل نائبة ... ومن عليه لكشف الضر أعتمد
أشكو إليك أمورًا أنت تعلمها ... ما لي إلى حملها صبر ولا جلد
وقد مددت يدي بالذل مبتهلًا ... إليك يا خير من مدت إليه يد
فلا تردنها يا رب خائبةً ... فبحر جودك يروي كل من يرد
стр. 7562
كتابُ الفرائض
стр. 7563
الخطبة
الحمد لله رب العالمين الذي جعل كل كافر ديةً لكل مسلم، في العذاب الأليم نار جهنم، والصلاة والسلام على السلطان الأعظم، سيدنا محمد الكريم الأكرم، وعلى آله وصحبه وتابعيهم على الدين الأقوم، إلى يوم جمع الجميع إلى المجمَّع الأعظم والهول الأفخم.
أما بعد:
فإني لما فرغت من تبييض المجلد الخامس عشر .. تفرَّغْتُ لتسطير المجلد السادس عشر وترسيمه، فقلت مستمدًا من الله التوفيق، والهداية إلى أقوم طريق:
قال المؤلف رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلومه؛ آمين:
стр. 7564
(٢٢) - كِتَابُ الْفَرَائِضِ
===
(٢٢) - (كتاب الفرائض)
واعلم: أن علم الفرائض من أهم العلوم الدينية، ومن أعظم أسباب المعيشة والمعاشرة الإنسانية، ولذلك اهتمت به الشريعة الإسلامية اهتمامًا قلما يوجد في أبواب أخرى، ولذلك ترى القرآن الكريم يكتفي في أكثر أبواب الأحكام بِبَيَانِ أصولٍ كليةٍ، دون التعرض للجزئيات والتفاصيل؛ إذ نشاهده في باب الفرائض يهتم ببيان جزئياته وتفاصيله الدقيقة، ويصرح بذكر السهام لكل واحد من الأقرباء في بسط واستقصاء.
وكذلك حث النبي ﷺ على تعلم الفرائض وتعليمها، مستقلةً عن الأبواب الأخرى؛ فقد أخرج النسائي والترمذي وأحمد والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس؛ فإني امرؤ مقبوض".
والفرائض: جمع فريضة؛ كحدائق وحديقة؛ بمعنى مفروضة لا فارضة، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، لا بمعنى فاعلة؛ مأخوذ من الفرض؛ بمعنى التقدير؛ لأن الفرض لغةً: التقدير، قال تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ (١)؛ أي: قدرتم، ويقال: فرض القَاضِي النفقةَ؛ أي: قدرها، ويطلق الفرض على: القطع، يقال: فرض العود؛ بمعنى قطعه.
وشرعًا: اسم لنصيب مقدر لمستحقه؛ كالنصف والربع والثمن.
وخرج بـ (المقدر) التعصيب؛ فإنه ليس بمقدر، بل يأخذ العاصب جميع
стр. 7565
(١) - (٩٤٤) - بَابُ الْحَثِّ عَلَى تَعْلِيمِ الْفَرَائِضِ
(١) - ٢٦٧٧ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي الْعَطَّاف، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَاد، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
===
المال إن انفرد، وما أبقت الفروض إن لم تستغرق التركة، وإلا .. سقط.
(١) - (٩٤٤) - (باب الحث على تعليم الفرائض)
(١) - ٢٦٧٧ - (١) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) أي: المنسوب إلى هذا الجد المذكور، تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا حفص بن عمر بن أبي العطاف) السهمي مولاهم المدني، ضعيف، من الثامنة، مات بعد الثمانين ومئة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الرحمن بن هرمز (الأعرج) الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حفص بن عمر بن أبي العطاف، فهو متفق على ضعفه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ لأبي هريرة:
стр. 7566
"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؛ تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا؛ فَإِنَّهُ نِصْفُ الْعِلْم،
===
(يا أبا هريرة؛ تعلموا) أنتم بأنفسكم يا معشر الأصحاب (الفرائض) أي: أحكام الفرائض والمواريث (وعلموها) الناس (فإنه نصف العلم).
قال السندي: قوله: "تعلموا الفرائض" يحتمل أن المراد بها: ما فرضه الله تعالى على عباده من الأحكام، وعلى هذا؛ فمعنى كونها نصف العلم: أن العلم بها نصفُ عِلْمِ الشرائع، والنصف الآخر: العلم بالمحرمات، وأما السنن والمندوبات .. فهي من توابع الفرائض؛ كما أن المكروهات تحريمًا أو تنزيهًا من توابع المحرمات، وهذا أقرب إلى ظهور معنى النصف.
والمشهور أن المراد بالفرائض: هي السهام المقدرة للورثة من التركة، ومعنى كونها نصف العلم: أن للإنسان حالتين: الحياة والموت.
والفرائض أحكام الموت، ويكون لفظ (النصف) عبارة عن القسم الوافر من القسمين، وإن لم يتساويا؛ كما قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت ... وآخر مثن بالذي كنت أصنع
فإن مراده بالنصف: الصنف، وإن كان أحد الصنفين أكثر أفرادًا من الآخر، وليس مراده: تحرير المناصفة حقيقة، والبيت مخرج على لغة من يلزم المثنى الألف في الأحوال كلها، أو أن اسم كان ضمير الشأن، والناس مبتدأ، خبره نصفان، والجملة خبر كان، وكانوا في الجاهلية يورثون الرجال دون النساء، والكبار دون الصغار.
وفي "حاشية السيوطي": قال السبكي في "شرح المنهاج"، قيل: جعل نصف العلم؛ تعظيمًا له، وقيل: لأنه معلم أحكام الأموات في مقابلة أحكام الأحياء؛ لأنه إذا بسطت فروعه وجزئياته .. كان مقدار بقية أبواب الفقه.
وقيل: هذا الحديث من المتشابه لا يدرى معناه؛ كما قيل في حديث: (قل
стр. 7567
وَهُوَ يُنْسَى، وَهُوَ أَوَّلُ شَيْءٍ يُنْزَعُ مِنْ أُمَّتِي".
===
هو الله أحد) ثلث القرآن، (قل يا أيها الكافرون) ربع القرآن.
(وهو) أي: علم الفرائض (ينسى) بالبناء للمفعول من النسيان؛ أي: من قلة اهتمام الناس به (وهو) أي: علم الفرائض (أول شيء) من العلوم (ينرع) أي: يخرج (من أمتي) بموت أهله وقلة اهتمام غيرهم، لا أنه يخرج من صدورهم؛ فقد جاء: إن نَزْعَ العلمِ يكون بموت العلماء، لا بنزعهِ من الصدور. انتهى من "السندي".
وهذا الحديث مما انفرد به المؤلف، ودرجته: أنه ضعيف (١)(٢٨٤)؛ لضعف سنده؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
واعلم: أن علم الفرائض يحتاج إلى ثلاثة علوم:
١ - علم الأنساب.
٢ - وعلم الحساب.
٣ - وعلم الفتوى.
وموضوعه: التركات.
وغايته: معرفة ما يخص كل ذي حق من التركة.
واعلم أيضًا: أن الإرث يتوقف على ثلاثة أمور:
١ - وجود أسبابه.
٢ - وانتفاء موانعه.
٣ - ووجود شروطه.
فأسبابه أربعة:
١ - قرابة ناشئة عن الرحم خاصة أو عامة.
стр. 7568
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
٢ - ونكاح؛ وهو عَقْدُ الزوجيةِ الصحيحُ، وإن لم يحصل فيه وطء ولا خلوة.
٣ - وولاء؛ وهو عصوبة، سببها نعمة المُعْتِق على عتيقه.
٤ - وجهة الإسلام إن انتظم بيت المال؛ بأن كان متوليه يعطي كل ذي حق حقه؛ فإن لم ينتظم .. فلا يرث، فلذلك عَدَّ بعضهم الأسبابَ ثلاثةً؛ كما قال صاحب "الرحبية":
أسباب ميراثِ الورى ثلاثهْ ... كُلٌّ يُفِيدُ ربَّه الوِرَاثهْ
وهي نكاح وولاء ونسب ... ما بعدهن للمواريث سبب
والموانع أربعة أيضًا:
١ - الرق.
٢ - والقتل.
٣ - واختلاف الدين.
٤ - والدور الحكمي، سمي بذلك؛ لما فيه من توقف حكم على حكم آخر؛ كما يعلم من تعريفه؛ وهو أن يلزم من توريث شخص عدم توريثه؛ كما لو أقر أخ بابن للميت .. فإنه يثبت نسب الابن، ولا يرث؛ لأنه لو ورث .. لحجب الأخ، فلا يصح استلحاقه للابن؛ لأن شرط المستلحق أن يكون وارثًا حائزًا، وإذا لم يصح استلحاقه للابن .. لم يثبت نسبه، فلا يرث، فأدى إرثه إلى عدم إرثه بوسائط، وعدم إرثه إنما هو في الظاهر، أما في الباطن .. فيجب على الأخ إن كان صادقًا تسليم التركة، ويحرم عليه أخذ شيء منها.
٥ - وزاد بعضهم خامسًا؛ وهو الحرابة وغيرها؛ فالحربي لا يرث من غير الحربي وبالعكس.
стр. 7569
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
٦ - وزاد بعضهم سادسًا؛ وهو اللعان، وفيه بحث ظاهر؛ كما قال بعضهم؛ لأن المنع فيه؛ لعدم السبب الذي هو النسب.
وشروطه أربعة أيضًا:
١ - تحقق موت المورث حقيقةً، أو إلحاقه بالموتى حكمًا في حكم القاضي بموت المفقود اجتهادًا بعد غيبته مدةً يغلب على الظن أنه لا يعيش بعدها غالبًا.
٢ - وتحقق حياة الوارث بعد موت المورث.
٣ - ومعرفة إدلائه للميت بقرابة أو نكاح أو ولاء.
٤ - والرابع العلم بالجهة المقتضية للإرث تفصيلًا؛ كالأبوة والبنوة، ويختص به القاضي والمفتي؛ كما هو مبسوط في علم الفرائض. انتهى من "البيجوري على الغزي".
واعلم: أن الألف واللام في (الفرائض) للعهد؛ لأنه يعني بها: الفرائض الواقعة في كتاب الله تعالى.
وهي ستة:
النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
فالنصف فرض خمسة:
١ - ابنة الصلب.
٢ - وابنة الابن.
٣ - والأخت الشقيقة.
٤ - والأخت للأب.
٥ - والزوج.
стр. 7570
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكل ذلك إذا انفردوا عمن يحجبهم عن ذلك.
والربع:
١ - فرض الزوج مع الحاجب.
٢ - وفرض الزوجة أو الزوجات مع عدمه.
والثمن:
١ - فرض الزوجة أو الزوجات مع الحاجب.
والثلثان فرض أربع:
١ - الاثنتين فصاعدًا من بنات الصلب.
٢ - أو بنات الابن.
٣ - أو الأخوات الأشقاء.
٤ - أو للأب.
وكل هؤلاء إذا انفردن عمن يحجبهن عنه.
والثلث فرض اثنين:
١ - الأم مع عدم الولد وولد الابن، وعدم الاثنين فصاعدًا من الإخوة والأخوات.
٢ - والاثنين فصاعدًا من ولد الأم، وهذا هو ثلث كل المال.
فأما ثلث ما يبقى .. فذلك للأم في مسألة: زوج أو زوجة وأبوين، فللأم فيها ثلث ما بقي، وهي المسماة عندهم بالغراوين.
وفي مسائل الجد مع الإخوة إذا كان معهم ذو سهم، وكان ثلث ما يبقى خيرًا له.
стр. 7571
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والسدس فرض سبعة:
١ - فرض الأب مع وجود الفرع الوارث.
٢ - وفرض الجد مع الولد، وولد الابن.
٣ - فرض الأم مع وجود الفرع الوارث، أو عدد من الإخوة أو الأخوات.
٤ - وفرض الجدة والجدات إذا اجتمعن.
٥ - وفرض بنات الابن مع بنت الصلب.
٦ - وفرض الأخوات للأب مع الأخت الشقيقة.
٧ - وفرض الواحد من ولد الأم ذكرًا كان أو أنثى.
وهذه الفروض كلها مأخوذة من كتاب الله تعالى إلا فرض الجدات؛ فإنه مأخوذ من السنة.
فهؤلاء أهل الفرائض الذين أمر النبي ﷺ أن يقسم المال عليهم حين قال: "اقسموا بين أهل الفرائض"، وهو معنى قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها".
وقولنا: (ويختص بها القاضي والمفتي) فلا يكتفى بقول الشاهد: هذا وارث فلان الميت حتى يعين الجهة التي اقتضت منه.
ولا يكتفى بقوله: هو ابن عمه حتى يبين الدرجة التي اجتمعا فيها؛ كالجد القريب لهما؛ لاحتمال أن يكون هناك من هو أقرب منه. انتهى منه.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثًا واحدًا.
والله أعلم
стр. 7572
(٢) - (٩٤٥) - بَابُ فَرَائِضِ الصُّلْبِ
(٢) - ٢٦٧٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنَتَيْ سَعْدٍ
===
(٢) - (٩٤٥) - (باب فرائض الصلب)
(٢) - ٢٦٧٨ - (١) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر العدني) أصلًا المكي نزولًا، ويقال: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق، صنف "المسند" وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن محمد بن عَقِيل) - مكبرًا - ابن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني، صدوق في حديثه لين، ويقال: تغير في آخره، من الرابعة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما، مات بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن عقيل، وهو لين الحديث مختلف فيه.
(قال) جابر: (جاءت امرأة سعد بن الربيع) - بفتح الراء وكسر الموحدة - الأنصاري الخزرجي، وكان آخى النبي ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، ودفن هو وخارجة بن زيد في قبر واحد، ذكره صاحب "المشكاة". انتهى من "التحفة".
(بابنتي سعد) بن الربيع، متعلق بجاءت، ولم أر من ذكر اسم البنتين ولا
стр. 7573
إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ هَاتَانِ ابْنَتَا سَعْدٍ قُتِلَ مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ جَمِيعَ مَا تَرَكَ أَبُوهُمَا، وَإنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ إِلَّا عَلَى مَالِهَا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أُنْزِلَتْ آيَةُ الْمِيرَاث، فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَخَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقَالَ: "أَعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ ثُلُثَيْ مَالِه، وَأَعْطِ امْرَأَتَهُ
===
اسم أمهما (إلى النبي ﷺ متعلق بجاء أيضًا (فقالت) المرأة: (يا رسول الله؛ هاتان) البنتان الحاضرتان معي (ابنتا سعد) ابن الربيع (قتل) أبوهما سعد (معك يوم أحد) شهيدًا، ومعك ظرف مستقر متعلق بمحذوف؛ أي: كائنًا معك لا ظرف لغو متعلق بقتل؛ لاقتضائه المشاركة في القتل. انتهى "سندي".
(وإن عمهما) أي: عم البنتين، ولم أر من ذكر اسم هذا العم (أخذ جميع ما ترك أبوهما) على طريق الجاهلية في حرمان النساء من الميراث، وفي رواية الترمذي زيادة: (فلم يدع لهما مالًا) أي: ولم يترك لهما عمهما مالًا ينفق عليهما، أو تجهزان به للزواج.
(و) الحال (إن المرأة لا تنكح) ولا تزوج في العادة أو في الغالب أو مع العزة والاحترام (إلا على مالها) أي: إلا مع مالها (فسكت رسول الله ﷺ عن الجواب لها؛ انتظارًا للوحي (حتى أنزلت آية الميراث) يعني: قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ... ﴾، فلما نزلت الآية إلى آخرها .. أرسل إلى أخي سعد (فدعا رسول الله ﷺ أخا سعد بن الربع، فقال) له: (أعط ابنتي) أخيك (سعد ثلثي ماله) أي: ثلثي مال سعد؛ لقوله في الآية: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (١)، (وأعط امرأته) وزوجته
стр. 7574
الثُّمُنَ، وَخُذْ أَنْتَ مَا بَقِيَ".
===
أم البنتين (الثمن) أي: ثمن ماله؛ لقوله في الآية: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ (١).
(وخذ أنت) يا أخا سعد (ما بقي) من المرأة والبنتين بالعصوبة؛ لأنك عصبة، والعصبة تأخذ ما بقي من أهل الفروض، والآية تدل على أن حكم البنتين حكم البنات، وهو قول جمهور الصحابة، خلافًا لابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وهذا أول ميراث وقع في الإسلام.
قال البيضاوي رحمه الله تعالى: واختلف في البنتين: فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: حكمهما حكم الواحدة؟ أي: لا حكم الجماعة؛ لأنه تعالى جعل الثلثين لما فوقهما.
وقال الباقون: حكمهما حكم ما فوقهما؛ لأنه تعالى لما بين أن حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كان معه أنثى؛ وهو الثلثان .. اقتضى ذلك، أن فرضهما الثلثان، ثم لما أوهم ذلك أن يزاد النصيب بزيادة العدد .. رد ذلك الوهم بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، ويؤيد ذلك أن البنت الواحدة لما استحقت الثلث مع أخيها .. فبالحري أن تستحقه مع أخت مثلها، وأن البنتين أمس رحمًا من الأختين، وقد فرض لهما الثلثين بقوله: ﴿فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٢). انتهى.
والحديث يوافق الجمهور، ولعله لم يبلغ ابن عباس، أو ما صح عنده. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفرائض، باب
стр. 7575
(٣) - ٢٦٧٩ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي قَيْسٍ الْأَوْدِيّ، عَنِ الْهُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ
===
ما جاء في ميراث الصلب، والترمذي في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث البنات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من عبد الله بن محمد بن عقيل، ورواه أحمد.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣) - ٢٦٧٩ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي قيس الأودي) عبد الرحمن بن ثروان - بمثلثة مفتوحة وراء ساكنة - الكوفي، صدوق ربما خالف، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن الهزيل) مصغرًا (ابن شرحبيل) الأودي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية. يروي عنه: (خ عم).
стр. 7576
قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الْبَاهِلِيِّ فَسَأَلَهُمَا عَنِ ابْنَةٍ وَابْنَةِ ابْنٍ وَأُخْتٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ فَقَالَا: لِلِابْنَةِ النِّصْفُ وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْت، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنَا، فَأَتَى الرَّجُلُ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَأَلَهُ وَأَخْبَرَهُ
===
(قال) هزيل: (جاء رجل إلى أبي موسى الأشعري) عبد الله بن قيس الكوفي (وسلمان بن ربيعة) بن صخر (الباهلي) وقيل: الهذلي أبي سنان الصحابي، سكن البصرة رضي الله تعالى عنهما، ولم أر من ذكر اسم ذلك الرجل.
قال الحافظ: كانت هذه القصة في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه؛ لأنه هو الذي أمَّر أبا موسى على الكوفة، وكان ابن مسعود قبل ذلك أميرها، ثم عزل قبل ولاية أبي موسى عليها بمدة، قال: وقد ذكروا أن سلمان المذكور كان على قضاء الكوفة. انتهى من "التحفة".
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(فسألهما) أي: فسأل ذلك الرجل أبا موسى وسلمان بن ربيعة (عن) ميراث (ابنة) الصلب (وابنة ابن وأخت لأب وأم) أي: أخت شقيقة؛ أي: ميراثهن إذا اجتمعن (فقالا) أي: فقال أبو موسى وسلمان: (للابنة) أي: لابنة الصلب (النصف، وما بقي) وهو النصف (فللأخت) الشقيقة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١).
وفيه أن الولد يشمل البنت، فكأنه غفل عن هذا، أو أراد أن الولد مختص بالذكر، أو قال: للأخت النصف على جهة التعصيب، كذا في "المرقاة".
(و) لكن (ائت ابن مسعود) واذهب إليه واسأله عن هذه المسألة (فسيتابعنا) أي: فسيوافقنا فيما قلنا لك من القسمة؛ من المتابعة بمعنى: الموافقة (فأتى الرجل ابن مسعود فسأله) عن هذه القضية (وأخبره) أي:
стр. 7577
بِمَا قَالَا، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، وَلكِنِّي سَأَقْضِي بِمَا قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، وَلابْنَةِ الابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْن، وَمَا بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ.
===
وأخبر الرجل ابن مسعود (بما قالا) أي: بما قال أبو موسى وسلمان له من الحكم (فقال عبد الله) بن مسعود للرجل: (قد ضللت) وأخطأت (إذًا) أي: إن وافقتهما في هذا الجواب (وما أنا من المهتدين) إلى الصواب حينئذ (ولكني سأقضي) في هذه المسألة (بما قضى به رسول الله ﷺ : للابنة) أي: لابنة الصلب (النصف، ولابنة الابن السدس) حالة كون السدس (تكملة الثلثين) أي: مكمل الثلثين اللذين هما حق البنات (وما بقي) من الثلثين؛ وهو الثلث الباقي (فللأخت) لكونها عصبة مع البنات.
وبيانه: أن حق البنات الثلثان؛ كما تقدم، وأخذت الصلبية الواحدة النصف؛ لقوة القرابة، فبقي سدس من حق البنات، فتأخذه بنت الابن واحدةً كانت أو متعددة، وما بقي من التركة فَلِأَوْلَى عصبة، فبنات الابن من ذوات الفروض مع الواحدة من الصلبيات، كذا ذكره السيد في "شرح الفرائض".
قوله: (تكملة الثلثين) بالإضافة، ونصبه على المفعول له؛ أي: لتكميل الثلثين وقال الطيبي: إما مصدر مؤكد؛ لأنك إذا أضفت السدس إلى النصف .. فقد كملته ثلثين، ويجوز أن يكون حالًا مؤكدة. انتهى من "التحفة".
قال السندي: قوله: (لقد ضللت إذًا) أي: إن وافقتهما في هذه الفتوى بعد أن علمت بقضاء رسول الله ﷺ بخلاف فتواهما، نعم؛ هما معذوران؛ لعدم علمهما بذالك. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الفرائض، باب ميراث ابنة ابن مع ابنة صلب، وأبو داوود في كتاب الفرائض، باب ما جاء في
стр. 7578
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ميراث الصلب، والترمذي في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث ابنة الابن مع ابنة الصلب.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7579
(٣) - (٩٤٦) - بَابُ فَرَائِضِ الْجَدِّ
(٤) - ٢٦٨٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ،
===
(٣) - (٩٤٦) - (باب فرائض الجد)
أي: أب الأب، دون أب الأم؛ فإنه جد فاسد ليس من أصحاب الفروض ولا من العصبات. انتهى "عون".
(٤) - ٢٦٨٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة له تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا شبابة) بن سوار المدائني الفزاري مولاهم، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يونس بن أبي إسحاق) السبيعي أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن) والده (أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني السبيعي الكوفي، ثقة مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن ميمون) الأودي أبي عبد الله الكوفي، ثقة مخضرم مشهور، من الثانية، عابد، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 7580
عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِفَرِيضَةٍ فِيهَا جَدٌّ فَأَعْطَاهُ ثُلُثًا أَوْ سُدُسًا.
(٥) - ٢٦٨١ - (٢) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ،
===
(عن معقل بن يسار المزني) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، ممن بايع تحت الشجرة مات بعد الستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) معقل: (سمعت النبي ﷺ يقول: للجد سدس، والحال أنه قد (أتي بفريضة) أي: بمسألة (فيها جد) أي: سئل عن قسمتها (فأعطاه) أي: فأعطى النبي ﷺ (ثلثًا أو سدسًا) بالشك من الراوي.
والمعنى: أن وراثة السدس الواحد للجد هي أقل شيء له؛ لأنه يستحق في بعض الأحيان السدسين؛ السدس الواحد بالفرض، والسدس الآخر بالعصوبة. انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد تلميذ المؤلف لحديث معقل بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥) - ٢٦٨١ - (٢) (قال أبو الحسن القطان) علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر أبو الحسن القزويني القطان، سمع أبا حاتم الرازي وسمع السنن من ابن ماجه وله زيادات عليها، وهذا الحديث من زياداته، مات سنة خمس وأربعين وثلاث مئة (٣٤٥ هـ).
стр. 7581
حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الطَّبَّاع، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي جَدٍّ
===
(حدثنا أبو حاتم) محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي أحد الحفاظ، ثقة عالم بالحديث، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وسبعين ومئتين (٢٧٧ هـ). يروي عنه: (د س).
(حدثنا ابن الطباع) إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي أبو يعقوب، سكن أذنة، صدوق، من التاسعة، مات سنة أربع عشرة ومئتين (٢١٤ هـ)، وقيل: بعدها بسنة. يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا هشيم) بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يونس) بن عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة (١٣٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل، رأس أهل الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن معقل بن يسار) المزني رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وقال أبو حاتم الرازي: لم يصح سماع الحسن عن معقل بن يسار، وقد أخرج البخاري ومسلم في "صحيحيهما" حديث الحسن عن معقل بن يسار، فسماعه منه ثابت.
(قال) معقل: (قضى) وحكم (رسول الله ﷺ في جد
стр. 7582
كَانَ فِينَا بِالسُّدُسِ.
===
كان فينا) أي: في قومنا وجيراننا؛ أي: قضى له في ميراثه (بالسدس) وهو أقل ما يرثه الجد وأكثره الثلث.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجد، وسعيد بن منصور في "سننه".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، وكلاهما لمعقل بن يسار رضي الله والله أعلم
стр. 7583
(٤) - (٩٤٧) - بَابُ مِيرَاثِ الْجَدَّةِ
(٦) - ٢٦٨٢ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنْبَانَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثَهُ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ
===
(٤) - (٩٤٧) - (باب ميراث الجدة)
سواء كانت من جهة الأم؛ كأم الأم، أو من جهة الأب، بشرط ألا تدلي بذكر بين انثيين؛ كأن تدلي بمحض الإناث، أو بمحض الذكور، أو بمحض الإناث إلى محض الذكور، فإن أدلت بذكر بين انثيين؛ كأم أبي الأم .. فلا ترث؛ لأنها من ذوي الأرحام، وتسمى الجدة الفاسدة؛ أي: المحرومة. انتهى "ب ج".
(٦) - ٢٦٨٢ - (١) (حدثنا أحمد بن عمرو) بن عبد الله بن عمرو (بن السرح) - مهملات - أبو الطاهر (المصري) ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(أنبأنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا يونس) بن يزيد الأموي الأيلي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة إمام حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(حدثه عن قبيصة بن ذؤيب) - بالمعجمة مصغرًا - ابن حلحلة
стр. 7584
ح وَحَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خَرَشَةَ، عَنِ ابْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا أَبُو بَكْرٍ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَيْئًا،
===
- بمهملتين مفتوحتين بينهما لام ساكنة - الخزاعي أبي سعيد المدني نزيل دمشق، من أولاد الصحابة وله رؤية، مات سنة بضع وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع)
(ح وحدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل ثم الحدثاني ثم الأنباري، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا مالك بن أنس) الأصبحي المدني إمام الفروع، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (ابن شهاب، عن عثمان بن إسحاق بن خرشة) - بفتحات وبمعجمتين بينهما راء - القرشي العامري المدني؛ وثقه ابن معين في رواية الدوري، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عبد البر: هو معروف النسب إلا أنه غير مشهور بالرواية، من الخامسة. يروي عنه: (عم).
(عن) قبيصة (بن ذؤيب، قال) قبيصة: (جاءت الجدة) التي هي أم الأم؛ كما في رواية، قاله القاري. انتهى من "العون".
(إلى أبي بكر الصديق) رضي الله تعالى عنه في زمن خلافته حالة كونها (تسأله) أي: تسأل أبا بكر أن يحكم لها (ميراثها، فقال لها) أي: لتلك الجدة (أبو بكر: ما لك) أي: ليس لك (في كتاب الله) العزيز (شيء) من الميراث (وما علمت) أن (لك في سنة رسول الله ﷺ شيئًا)
стр. 7585
فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ النَّاسَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ للهِ ﷺ أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ،
===
من الميراث (فارجعي) إلى بيتك فاصبري (حتى أسأل) لك (الناس) من الصحابة ما سمعوا من الرسول ﷺ في ميراث الجدة (فسأل) أبو بكر (الناس) فقال لهم: هل سمعتم من رسول الله ﷺ حديثًا قضى فيه للجدة ميراثًا؟
(فقال) في جواب سؤال أبي بكر (المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم إمرة الكوفة، مات سنة خمسين (٥٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع): (حضرت رسول الله ﷺ أعطاها) أي: أعطى الجدة (السدس) من مال ابن ابنها.
(فقال أبو بكر) للمغيرة: (هل معك غيرك) يشهد قضاء رسول الله ﷺ للجدة السدس؟ (فقام محمد بن مسلمة) بن سلمة (الأنصاري) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات بعد الأربعين وكان من الفضلاء. يروي عنه: (ع)، (فقال) محمد بن مسلمة: (مثل ما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه) أي: فأنفذ الحكم بالسدس (لها) أي: لتلك الجدة (أبو بكر) وأعطاه إياها.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
قال الحافظ في "التلخيص" بعد ذكر هذا الحديث: أخرجه مالك وأحمد وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم من هذا الوجه، وإسناده صحيح؛ لثقة رجاله إلا أن صورته صورة مرسل؛ فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق،
стр. 7586
ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى مِنْ قِبَلِ الْأَبِ إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا فَقَالَ: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ الْقَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ إِلَّا لِغَيْرِك، وَمَا أَنَا بِزَائِدٍ فِي الْفَرَائِضِ شَيْئًا
===
ولا يمكن شهوده للقصة، قاله ابن عبد البر بمعناه.
وقد اختلف في مولده، والصحيح أن مولده كان عام الفتح، فيبعد شهوده القصة، وقد أعله عبد الحق تبعًا لابن حزم بالانقطاع.
وقال الدارقطني في "العلل" بعد أن ذكر الاختلاف فيه عن الزهري: يشبه أن يكون الصواب قول مالك ومن تابعه. انتهى، وهو أصح من حديث ابن عيينة؛ لأن مالكًا أتقن وأثبت من سفيان بن عيينة. انتهى من "تحفة الأحوذي".
(ثم) بعدما حكم أبو بكر السدس للجدة التي من جهة الأم (جاءت الجدة الأخرى) التي هي (من قبل الأب إلى عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في عهد خلافته حالة كونها (تسأله) أي: تسأل عمر أن يحكم لها (ميراثها) من ابن ابنها.
قال القاضي حسين: الجدة التي جاءت إلى أبي بكر الصديق أم الأم، والتي جاءت إلى عمر أم الأب.
(فقال) لها عمر: (ما لك) بكسر الكاف خطابًا للمؤنث (في كتاب الله) تعالى؛ يعني: القرآن (شيء) من الميراث (وما كان القضاء الذي قضي به) بالبناء للمفعول في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر من قضاء السدس للجدة، وما نافية (إلا لغيرك) والخطاب للجدة الأخرى التي هي أم الأب، وغيرها: هي الجدة التي أتت أبا بكر؛ وهي أم الأم.
أي: ليس قضاء السدس للجدة في عهد النبي ﷺ وفي عهد أبي بكر إلا لغيرك الذي هو أم الأم.
(وما أنا بزائد في الفرائض) التي فرضها الله لأصحاب الفروض (شيئًا)
стр. 7587
وَلكِنْ هُوَ ذَاكِ السُّدُسُ؛ فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا .. فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا.
===
على ما قدره الله تعالى في كتابه (ولكن هو) أي: ميراثك ونصيبك (ذاك السدس) الذي أخذته نظيرتك، التي هي أم الأم حين قضى لها أبو بكر.
قال القاري: (ذاك) بكسر الكاف؛ خطابًا لتلك الجدة، وفي نسخة من "المشكاة": بالفتح؛ على خطاب العام.
وقوله: (السدس) بدل من اسم الإشارة أو عطف بيان له؛ كما هو مقرر في محله؛ أي: ميراثك ذلك السدس بعينه تقسمانه بينكما (فإن اجتمعتما) وهذا تصريح بما علم ضمنًا، وتوضيح لمنطوق ما فهم مفهومًا، والخطاب للجدة التي من طرف الأم والجدة التي من طرف الأب؛ أي: فإن اجتمعتما أيتكما الجدتان على ذلك السدس وحضرتما عند قسمة التركة .. (فهو) أي: فذاك السدس مقسوم (بينكما، وأيتكما خلت) وانفردت (به) أي: بذلك السدس بأن لم توجد قرينتها .. (فهو) أي: فذالك السدس مصروف (لها) منفردة به، وكان ذلك القول من عمر بمحضر من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد، فكان إجماعًا.
قال الطيبي رحمه الله تعالى: قوله: (فإن اجتمعتما ... ) إلى آخره .. بيان للمسألة، والخطاب في قوله: (فإن اجتمعتما)، (وأيتكما) للجنس، لا يختص بهاتين الجدتين؛ فالصديق إنما حكم بالسدس لها؛ أي: للجدة التي هي أم الأم؛ لأنه ما وقف على الشركة بينهما، والفاروق لما وقف على الاجتماع .. حكم بالاشتراك؛ كذا في "المرقاة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الفرائض، باب في الجدة، والترمذي في كتاب الفرائض، باب ما جاء في ميراث الجدة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وبهذا الوجه؛ أعني: رواية مالك عن
стр. 7588
(٧) - ٢٦٨٣ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا سَلْمُ بْنُ قُتَيْبَةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ لَيْثٍ،
===
الزهري من رواية ابن عيينة عن الزهري؛ لأن مالكًا أتقن وأثبت من ابن عيينة؛ كما مر آنفًا، وأخرجه النسائي أيضًا ومالك وأحمد وابن حبان والحاكم من هذا الوجه، وله شاهد من حديث بريدة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وما فيه من شبه الإرسال .. فمجبور بكثرة طرقه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث المغيرة ومحمد بن مسلمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧) - ٢٦٨٣ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن عبد الوهاب) العمي - بمهملة وتشديد - البصري الصيرفي، ثقة، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا سلْم بن قُتيبة) - مصغرًا - الشَّعِيرِيُّ - بفتح المعجمة - نسبة إلى بَيْعِ الشعير، أبو قتيبة الخراساني نزيل البصرة، صدوق، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (خ عم).
(عن شَرِيكِ) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي، صدوق يخطئ كثيرًا تغيَّر حفظُه منذ ولي القضاء بالكوفة، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم - مصغرًا - واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، صدوق اختلط جِدًّا ولم يتميز حديثه فترك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 7589
عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَرَّثَ جَدَّةً سُدُسًا.
===
(عن طاووس) بن كيسان اليماني الحميري مولاهم الفارسي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لضعف ليث بن أبي سليم وتدليسه.
(أن رسول الله ﷺ ورث جدة سدسًا).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة المذكور قبله.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما قبله، وسنده ضعيف؛ لما ذكر، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7590
(٥) - (٩٤٨) - بَابُ الْكَلَالَةِ
(٨) - ٢٦٨٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْد، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
===
(٥) - (٩٤٨) - (باب الكلالة)
وهو من ليس له أصل ولا فرع.
(٨) - ٢٦٨٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف بي (ابن علية) اسم أمه، وهي أسدية أيضًا، ثقة حافظ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن) رافع (أبي الجعد) الغطفاني الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة وكان يرسل كثيرًا، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن معدان بن أبي طلحة) ويقال: ابن طلحة (اليعمري) - بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة - شامي، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
(أن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
стр. 7591
قَامَ خَطِيبًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ خَطَبَهُمْ يَوْمَ الْجُمُعَة، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا هُوَ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ أَمْرِ الْكَلَالَة،
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قام) على المنبر النبوي، حالة كونه (خطيبًا يوم الجمعة) أي: واعظًا للناس بالترغيب والترهيب (أو) قال الراوي عن عمر هو معدان، وهو من كلام سالم بالشك منه فيما قاله معدان؛ أي: أو قال معدان: (خطبهم يوم الجمعة، فحمد الله) أي: نزهه عما لا يليق به (وأثنى عليه) أي: وصفه بما يليق به من صفات الكمال (وقال) عمر في خطبته تلك: (إني والله؛ ما أدع) ولا أترك (بعدي) أي: بعد وفاتي (شيئًا هو أهم) أي: أشد اهتمامًا به (إليَّ) أي: عندي (من أمر الكلالة) وإرثه؛ أي: من بيان حكم الكلالة وإرثها وحقيقتها.
واختلف العلماء في تفسير الكلالة على أقوال: فالجمهور على أن الكلالة اسم للميت الذي لم يترك ولدًا ولا والدًا، فحينئذٍ يرثه إخوته، ويؤيده ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ﴾ (١)؛ لأن الكلالة هناك منصوب على الحال.
والقول الثاني: أنه اسم للورثة الذين ليس فيهم ولد ولا والد، فالإخوة هم الكلالة.
والقول الثالث: أنه اسم مصدر بمعنى الوراثة إذا لم يكن للميت ولد ولا والد.
والقول الرابع: أنه اسم للموروث فيما إذا لم يكن له ولد ولا والد.
والأصح قول الجمهور؛ لما سبق هناك.
стр. 7592
وَقَدْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهَا، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي جَنْبِي أَوْ فِي صَدْرِي ثُمَّ قَالَ: "يَا عُمَرُ؛ تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ".
===
قال عمر: (وقد سألت رسول الله ﷺ أي: راجعته فيما أشكل علي من أمور الدين، و (ما) في قوله: (فما أغلظ لي في شيء) نافية، وفي قوله: (ما أغلظ لي فيها) مصدرية.
والمعنى: أي: ما أغلظ وشَدَّد عليَّ وعَنَّفَ لي في جواب شيء سألته عنه من أمور الدين ومسائله مثل إغلاظه وتشديده علي وتعنيفه لي في جواب سؤالي إياه فيها، أي: في الكلالة، بل بالغ في إغلاظه علي في سؤالي إياه عنها (حتى طعن) وخنس (بإصبعه) الشريفة (في جنبي) وخاصرتي (أو) قال الراوي: حتى طعن النبي ﷺ (في صدري) بدل جنبي (ثم) بعدما أغلظ علي حتى طعن في جنبي (قال) لي رسول الله ﷺ : (يا عمر؛ تكفيك) في بيان حكم الكلالة وإرثها (آية الصيف) أي: الآية الثانية، التي نزلت وقت الصيف والحر (التي نزلت في آخر سورة النساء) وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ... ﴾ إلى آخرها (١)، وهي خاتمة السورة.
والأولى التي نزلت في الشتاء هي آية الميراث في أول السورة، وفيها قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ... ﴾ إلى آخره (٢).
قال النووي رحمه الله تعالى: ولعل النبي ﷺ إنما أغلظ له؛
стр. 7593
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لخوفه من اتكاله واتكال غيره على ما نص عليه صريحًا، وتركهم الاستنباط من النصوص، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (١)، والاعتناء بالاستنباط من آكد الواجبات المطلوبة، لأن النصوص الظاهرة لا تفي إلا بيسير من المسائل الحادثة، فإذا أهمل الاستنباط .. فات القضاء في معظم الأحكام النازلة، أو في بعضها، والله تعالى أعلم. انتهى.
فقد أغلظ عليَّ في الكلالة وعنفني في ترك الاستنباط فيها حتى طعن بإصبعه في صدري، وهذا الطعن مبالغة في الحث على النظر والبحث، وألا يرجع إلى السؤال عنها مع التمكن من البحث والاستدلال؛ ليحصل على رتبة الاجتهاد، ولينال أجر من طلب فأصاب الحكم ووافق المراد. انتهى من "المفهم".
(ثم قال) لي رسول الله ﷺ : (يا عمر) ألا (تكفيك) بتقدير همزة الاستفهام التقريري مع لا النافية، كما في رواية مسلم؛ أي: (أ) تسألني عن الكلالة وتركت البحث، و (لا تكفيك) في بيان معنى آية الكلالة الأولى التي في أوائل سورة النساء التي رقمها (١٢) (آية الصيف؟ ! ) بالرفع على أنه فاعل تكفيك؛ أي: ألا تكفيك في بيان الآية الأولى الآية الثانية التي نزلت وقت الصيف والحر (التي) هي (نزلت في آخر سورة النساء) ونهايتها وخاتمتها؛ وهي قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ﴾؟ ! (٢) يعني بها: آخر سورة النساء ونهايتها، فإنها نزلت في الصيف، وإنما أحال النبي ﷺ عمر على النظر في هذه الآية الثانية؛ لأنه إذا أمعن في النظر فيها .. علم أنها مخالفة للآية الأولى في الوراثة وفي القسمة، فيتبين من كل آية
стр. 7594
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
منهما معناها، ويترتب عليها حكمها، فيزول الإشكال، والله يعصم من الخطأ والضلال. انتهى من "المفهم".
وهذا الحديث قد دل على أن آخر آية من سورة النساء نزلت في فصل الصيف، وقد ذكر يحيى بن آدم بلاغًا أنها نزلت في الصيف، ورسول الله ﷺ يتجهز إلى مكة، راجع "أحكام القرآن" للجصَّاصِ (٢/ ١٠٥).
وقال الخطابي في "معالم السنن" (٤/ ١٦٢): فإن الله سبحانه أنزل في الكلالة آيتين؛ إحداهما في الشتاء؛ وهي التي نزلت في أوائل سورة النساء، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يتبين هذا المعنى من ظاهرها.
ثم أنزل الأخرى في الصيف؛ وهي التي في آخر السورة، وفيها من زيادة البيان ما ليس في آية الشتاء، فأحال السائل عليها؛ ليتبين المرادُ بالكلالة المذكورة في الأولى. انتهى، انتهى من "العون".
ولعل الإشكال الذي قصد عمر حله أن الآية الأولى تدل بظاهرها على أن أخت الكلالة تحوز السدس، والثانية تدل على أنها تحوز النصف، فحصل التعارض بين الآيتين، فجمع بينهما بأن الآية الأولى إنما بينت نصيب الأخ أو الأخت إذا كانا من أم فقط، وبينت الثانية حكم الإخوة والأخوات إذا كانوا أشقاء أو كانوا من أب فقط، وقد انعقد الإجماع على أن الآية الأولى نزلت في حق الإخوة والأخوات من الأم فقط، وليست في حق الأشقاء أو في بني العلات، والثانية نزلت في الأشقاء أو لأب فقط، فانحل الإشكال وزال التعارض، والله أعلم. انتهى من "الكوكب الوهاج".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفرائض، باب
стр. 7595
(٩) - ٢٦٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ،
===
ميراث الكلالة، وأبو داوود في كتاب الفرائض، باب من كان ليس له ولد وله أخوات، والترمذي في كتاب التفسير، باب من سورة النساء، والنسائي في كتاب المساجد، باب من يخرج من المسجد، ومالك والحاكم، وجمع كثير غيرهما.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩) - ٢٦٨٥ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وأبو بكر بن أبي شيبة، قالا) أي: قال كل منهما:
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتحتين - المرادي - بضم الميم وتخفيف الراء - أبو عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه (ع).
стр. 7596
عَنْ مُرَّةَ بْنِ شَرَاحِيلَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ثَلَاثٌ لَأَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَيَّنَهُنَّ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا: الْكَلَالَةُ
===
(عن مرة بن شراحيل) بمنع الصرف؛ للعلمية والعجمة، الهمداني - بسكون الميم - أبي إسماعيل الكوفي، ويقال له: مرة الطيب؛ لعبادته، ثقة عابد، من الثانية، مات سنة ست وسبعين (٧٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(قال) مرة: (قال عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات؛ ولكن رواية مرة عن عمر مرسلة؛ لأنه لم يدرك عمر، ففي السند انقطاع مع كونه صحيحًا من حيث الرجال أنفسهم.
أي: قال عمر: (ثلاث) خصال من أمور الدين (لأن يكون رسول الله ﷺ بينهن) بيانًا شافيًا؛ بحيث لا تخفى عند أحد، واللام في قوله: (لأن يكون) لام الابتداء، وجملة (يكون) في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء، وقوله: (أحب إلي من الدنيا وما فيها) خبره؛ أي: لَكَوْنُ رسول اللهِ ﷺ مبينًا بيانًا شافيًا؛ بحيث لا خفاء فيها عند أحد .. أحب وأعجب عندي من أن يكون لي الأرض وما فيها من النعيم، والجملة من المبتدأ والخبر في محل الرفع خبر المبتدأ الأول الذي هو (ثلاث)، وسوغ الابتداء بالنكرة في المبتدأ وصفه بصفة محذوفة؛ تقديره: ثلاث من أمور الدين لكون رسول الله ﷺ مبينًا لها بيانًا شافيًا .. أحب إلي من أن تكون لي الدنيا بجميع ما فيها من الزخارف.
وقوله: (الكلالة) مع ما عطف عليه بدل من (ثلاث) بدل تفصيل من مجمل، أو خبر مبتدأ محذوف؛ تقديره: أحدها الكلالة؛ أي: بيان
стр. 7597
وَالرِّبَا وَالْخِلَافَةُ.
(١٠) - ٢٦٨٦ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
إرث تركة الكلالة وقسمتها؛ والكلالة عند الجمهور: من ليس له أصل ولا فرع.
(و) ثانيها: (الربا) أي: بيان أقسامها ومواقعها من المطعومات والنقود بالتفصيل؛ بحيث لا يحتاج فيه إلى القياس.
(و) ثالثها: (الخلافة) أي: بيان من يستخلف بعده صريحًا لا إشارةً.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه بهذا الطريق المنقطع، ولكن له شاهد؛ فقد رواه الشيخان وغيرهما من طريق عبد الله بن عمر عن أبيه موصولًا، ولم يذكروا الخلافة، وذكروا بدلها الجد، ورواه أبو داوود الطيالسي عن شعبة عن عمرو بن مرة به، ورواه الحاكم في كتاب التفسير تفسير سورة النساء من طريق الشعبي عن ابن عمر عن عمر به؛ وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" أيضًا من طريق شعبة عن عمرو بن مرة، فذكره وسياقه أتم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره؛ لأن له شاهدًا، ضعيف السند؛ لانقطاعه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر الأول بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٠) - ٢٦٨٦ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 7598
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرِضْتُ فَأَتَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ وَهُمَا مَاشِيَانِ
===
(حدثنا سفيان) بن عيينة.
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن هدير بن عبد العزى القرشي التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(سمع) محمد بن المنكدر (جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
حالة كون جابر (يقول: مرضت) مرضًا شديدًا أشرفت به على الموت (فأتاني) أي: جاءني (رسول الله ﷺ حالة كون رسول الله ﷺ (يعودني) من العيادة؛ وهي سؤال المريض عن حال مرضه؛ هل هو شديد أو خفيف؟ فيدعو له بالعافية.
وقوله: (هو) ضمير منفصل أكد به ضمير الفاعل في (يعودني) ليعطف عليه قوله: (وأبو بكر) كما هو مقرر عندهم، ويصح أن يكون (هو) تأكيدًا لضمير الفاعل في (يعودني)، (وأبو بكر) مبتدأ، خبره الظرف في قوله: (معه) والجملة الاسمية حال من فاعل (يعودني) أي: أتا ني يعودني، والحال أن أبا بكر كائن معه.
وجملة (وهما ماشيان) حال من فاعل (أتاني) أي: أتاني هو وأبو بكر، حالة كونهما ماشيين لا راكبين؛ تكثيرًا للأجر.
ولفظ رواية مسلم: (قال) جابر: (مرضت) مرضًا شديدًا أشرفت منه على الموت (فأتاني رسول الله ﷺ وأبو بكر) حالة
стр. 7599
وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَبَّ عَلَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ أَصْنَعُ
===
كونهما (يعوداني) من مرضي وهما (ماشيان) بأرجلهما، هكذا في أكثر النسخ (ماشيان) بالرفع، وفي بعضها (ماشيين) بالنصب على الحال من فاعل (أتاني)، والأول صحيح أيضًا؛ لأنه خبر لمبتدأ محذوف، والجملة حال من فاعل (أتاني)؛ أي: أتاني كلاهما حالة كونهما ماشيين، وكذلك جملة (يعوداني) حال من فاعل (أتاني)، أو الجملة الاسمية حال من فاعل (يعوداني) وهو الظاهر؛ لقربه، وإنما أتياه ماشيين؛ مبالغة في التواضع وفي كثرة أجر المشي؛ لأن المشي للقرب التي لا يحتاج فيها إلى كثير مؤنة ولا نفقة أفضل من الركوب؛ بدليل ما ذكرناه في الجمعة، وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج. انتهى من "المفهم".
وجملة قوله: (وقد أغمي علي) - بضم الهمزة على البناء للمفعول - حال من فاعل (فأتاني رسول الله ﷺ أي: غشي علي؛ لشدة المرض، والإغماء: الغشي.
وفرق بينهما العيني في "العمدة" (١/ ٨٣٨) بأن الغشي مرض يحصل من طول التعب، وهو أخف من الإغماء، وفرق بين الإغماء والجنون والنوم بأن العقل في الإغماء يكون مغلوبًا، وفي الجنون مسلوبًا، وفي النوم مستورًا.
(فـ) لما رآني رسول الله ﷺ مغمىً علي .. (توضأ رسول الله ﷺ وضوءًا شرعيًا خفيفًا (فصب) ورش (علي) أي: على جسدي (من) ماء (وضوئه) - بفتح الواو - يعني: الماء الذي توضأ له، وفي رواية مسلم زيادة: (فأفقت) أي: صحوت من إغمائي (فقلت: يا رسول الله؛ كيف أصنع) في شؤوني وأنا قد أشرفت على
стр. 7600
كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ فِي آخِرِ النِّسَاءِ ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ... ﴾، الْآيَةَ وَ ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.
===
الموت؟ وفسر هذه الجملة بقوله: (كيف أقضي في مالي؟ ) أي: كيف أفعل في مالي وأنا ذو مال؛ هل أوصي فيه، وبماذا أوصي فيه، ولمن أوصي له؟ وإنما يرثني كلالة؛ أي: من ليس أصلًا ولا فرعًا.
قال القرطبي: سؤال جابر هذا كان قبل نزول آية المواريث؛ كما يدل عليه قوله، فسكت رسول الله ﷺ عن الجواب لي (حتى نزلت آية الميراث) التي (في آخر النساء) هكذا وردت الرواية، ولعلَّ الصواب (في أوائل النساء)؛ يعني: قوله تعالى: (﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً ... ﴾ الآية) (١)، وحتى نزلت آية المواريث في آخر سورة النساء (و) هي قوله تعالى: (﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾) (٢)، هذا الذي قررناه في حلنا بالتقديم والتأخير هو الصواب؛ ولعل ما في المتن من تحريف النساخ، أو وهم هشام بن عمار شيخ ابن ماجه.
قوله: (فتوضأ ثم صب علي من وضوئه).
قال القرطبي: فيه دليل على جواز المداواة ومحاولة دفع الضرر بما ترجى فائدته، وخصوصًا بما يرجع إلى التبرك بما عظم الله ورسوله.
وفيه ظهور بركته ﷺ فيما باشره أو لمسه وكم له منها وكم؟ ! انتهى من "المفهم"، وقد استدل به من قال بطهارة الماء المستعمل.
وأجاب عنه العيني في "العمدة" (١/ ٨٣٩) بأنه يحتمل أنه صلى الله