سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "حَرْسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللهِ أَفْضَلُ مِنْ صِيَامِ رَجُلٍ وَقِيَامِهِ فِي أَهْلِهِ أَلْفَ سَنَةٍ؛ السَّنَةُ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ يَوْمًا، وَالْيَوْمُ كَأَلْفِ سَنَةٍ".
===
فهو ضعيف؛ قال أبو عبد الله الحاكم: يروي عن أنس أحاديث موضوعة، وقال أبو نعيم: روى عن أنس مناكير، وقال أبو حاتم: أحاديثه عن أنس لا تعرف، وقال عبد العظيم المنذري: يشبه أن يكون موضوعًا.
(سمعت رسول الله ﷺ يقول: حرس ليلة) أي: أجر حراسة العسكر (ليلة) واحدة (في سبيل الله) وطاعته (أفضل) أي: أكثر (من) أجر (صيام رجل وقيامه) أي: من أجر صيام يومه وقيام ليلته وهو مقيم (في أهله) وبيته.
وقوله: (ألف سنة) ظرف للصيام والقيام؛ أي: أفضل من أجر صيام رجل وقيامه ألف سنة، وهو مقيم في بيته بين أهله (السنة) الواحدة من تلك الألف عددها (ثلاث مئة وستون يومًا) بالسنة الشمسية السعيدة (و) أجر (اليوم) الواحد منها في الحراسة (كألف سنة) أي: كصيام وقيام ألف سنة منها وهو مقيم في أهله.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه أبو يعلى الموصلي بتمامه بزيادة في أوله، وأخرجه أحمد في "المسند"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب الجهاد عن عثمان بن عفان، وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص".
فدرجته: أنه موضوع المتن، ضعيف السند (٥)(٢٨٨)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
стр. 7737
(٥٢) - ٢٧٢٨ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: "أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللهِ وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ".
===
ثم استدل المؤلف على الجزء الثاني من الترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٢) - ٢٧٢٨ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة مصنف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبي زيد المدني، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال لرجل) من المسلمين، لم أر من ذكر اسم هذا الرجل: (أوصيك بتقوى الله) في السفر والحضر والسر والعلن (و) أوصيك (التكبير على كل شرف) - بالتحريك - أي: إذا ارتفعت على كل مكان عالٍ؛ فإن ارتفاع المخلوق يذكر بارتفاع الخالق.
стр. 7738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الدعوات (٤٦)، باب حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي، وقال: هذا حديث حسن، ولكن رواه ابن ماجه مختصرًا بسند صحيح، ولفظ الترمذي: (عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ إني أريد أن أسافر فأوصني، قال: (عليك بتقوى الله) أي: بمخافته والحذر من عصيانه (والتكبير) - بالتحريك - معطوف على التقوى؛ أي: وأوصيك بقول: "الله أكبر" عند الصعود (على كل شرف) أي: على كل مكان مرتفع.
ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع: أن الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس؛ لما فيه من استشعار الكبرياء، فشرع لمن تلبس به أن يذكر كبرياء الله تعالى، وأنه أكبر من كل شيء، فيكبره؛ ليشكره على ذلك، فيزيده من فضله، قاله الحافظ.
(فلما أن ولى الرجل) أي: أدبر وذهب، و"أن" زائدة؛ كما هي القاعدة النحوية بعد لما .. (قال) أي: دعا له النبي ﷺ بظهر الغيب؛ فإنه أقرب إلى الإجابة بقوله: (اللهم؛ اطو له البعد) أمر؛ من الطي؛ أي: قربه له وسهل له؛ والمعنى: ارفع عنه مشقة السفر بتقريب المسافة البعيدة له حسًّا أو معنىً (وهون عليه السفر) أي: أموره ومتاعبه، وهو تعميم بعد تخصيص.
قوله: (هذا حديث حسن) بالنظر إلى سنده؛ لأن فيه زيد بن الحباب، وهو صدوق يخطئ، هذا آخر كلام الترمذي مع شرحه "تحفة الأحوذي".
وأما على رواية ابن ماجه .. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيحح لصحة سنده، وشاركه أيضًا: النسائي، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
стр. 7739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: ثلاثة:
الأول والثاني للاستئناس بهما للجزء الأول من الترجمة، والثالث للاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
والله أعلم
стр. 7740
(٢٧) - (٩٧٠) - بَابُ الْخُرُوجِ فِي النَّفِيرِ
(٥٣) - ٢٧٢٩ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ، أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ذُكِرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: كَانَ أَحْسَنَ النَّاس، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاس،
===
(٢٧) - (٩٧٠) - (باب الخروج في النفير)
أي: الخروج إلى الجهاد عند طلب الإمام النفير؛ أي: الخروج إلى الجهاد.
(٥٣) - ٢٧٢٩ - (١) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(أنبأنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ثابت) بن أسلم البناني البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) ثابت: (ذكر) بالبناء للمفعول؛ أي: ذكر (النبي ﷺ عند أنس (فقال) أنس: (كان) النبي ﷺ (أحسن الناس) خلقًا وخلقًا (وكان) النبي ﷺ (أجود الناس) أي: أكثرهم جودًا وسخاءً، وهذا هو المعلوم من خلقه صلى الله
стр. 7741
وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاس، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَيْلَةً فَانْطَلَقُوا قِبَلَ الصَّوْت، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ
===
عليه وسلم؛ فإنه ما سئل قط شيئًا فمنعه إذا كان مما يصح بذله وإعطاؤه (وكان) ﷺ (أشجع الناس) أي: أشدهم إقدامًا على العدو.
قال الحافظ في "الفتح" (١٠/ ٤٥٧): اقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم؛ لأنها أمهات الأخلاق؛ فإن في كل إنسان ثلاث قوى؛ إحداها: الغضبية، وكمالها الشجاعة، وثانيها: الشهوانية، وكمالها: الجود، وثالثها: العقلية، وكمالها: النطق بالحكمة.
وقد أشار أنس إلى ذلك بقوله: (كان أحسن الناس) لأن الحسن يشمل الفعل والقول، ويحتمل أن يكون المراد بـ (أحسن الناس): حسن الخلقة، وهو تابع لاعتدال المزاج الذي يتبع صفاء النفس الذي منه جودة القريحة التي تنشأ عنها الحكمة.
(ولقد) يدل على كونه أشجع الناس، أي؛ أنه (فزع) وفجع (أهل المدينة) المنورة ذات (ليلة) أي: ليلة من الليالي، فلفظة: (ذات) على رواية مسلم مقحمة، أو الإضافة فيه من إضافة المسمى إلى الاسم؛ أي: ذاتًا تسمى ليلةً؛ أي: سمعوا صوتًا يفزعهم في الليل، فخافوا من هجوم العدو عليهم (فانطلقوا) أي: انطلق ناس من أهل المدينة (قبل الصوت) أي: ذهبوا جهة الصوت تجسسًا عنه (فتلقاهم) أي: تلقى الناس الذين ذهبوا إلى جهة الصوت؛ أي: استقبلهم (رسول الله ﷺ راجعًا من جهة الصوت بعد التجسس عنه (و) الحال أنه ﷺ (قد سبقهم) أي: قد سبق أولئك الناس (إلى) جهة (الصوت) وتجسس عنه، ولم يجد شيئًا مما يفزعهم
стр. 7742
وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ وَهُوَ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ لَنْ تُرَاعُوا"، يَرُدُّهُمْ،
===
(وهو) أي: والحال أنه ﷺ راكب (على فرس) مملوك (لأبي طلحة) الأنصاري؛ زوج أم سليم أم أنس رضي الله تعالى عنهم، واسمه زيد بن سهل، وفيه جواز استعارة فرس.
وقوله: (عري) - بضم العين وسكون الراء - صفة ثانية لفرس، وهو في الأصل مصدر لعري يعرى؛ من باب رضي يرضى، ولكن استعمل هنا بمعنى اسم الفاعل؛ أي: عارٍ عن السرج والإكاف والبرذعة، وركوب الفرس العري صعب لا يقدر عليه إلا المتقنون الماهرون في سياسة الفرس، لا سيما في الحرب، فهذا يدل على كمال شجاعته وإتقانه في صناعة الحرب وسياسة الخيل.
وقوله: (ما عليه سرج) أي: ما على ذلك الفرس سرج ولا غير السرج من أدوات الركوب؛ كالإكاف والبرذعة واللجام والحزام .. صفة كاشفة لقوله: عري، والحال أنه (في عنقه) ﷺ (السيف) أي: معلق في عنقه (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يقول) للناس المستقبلين له للتجسس: (يا أيها الناس؛ لن تراعوا) بالبناء للمفعول؛ أي: لا تخافوا خوفًا مستقرًا مستمرًا في المستقبل، وفي رواية مسلم: (لم تراعوا لم تراعوا) بلفظ لم مع التكرار مرتين للتأكيد؛ أي: لم يكن هناك شيء يُرَوِّعُكُم ويُفْزِعُكم ويُخوِّفُكم؛ من الروع؛ وهو الخوف، وهي كلمة قالها رسول الله ﷺ تسليةً لأصحابه وتطمينًا لهم؛ والمعنى: لا تخافوا خوفًا مستقرًا في قلوبكم، لا تخافوا خوفًا يضركم.
وفيه استحباب إعلام الناس بزوال الخوف بعد استكشاف حقيقة الحال.
أي: يقول: لن تراعوا، حالة كونه (يردهم) أي: يرد الناس المستقبلين
стр. 7743
ثُمَّ قَالَ لِلْفَرَسِ: "وَجَدْنَاهُ بَحْرًا أَوْ إِنَّهُ لَبَحْرٌ"، قَالَ حَمَّادٌ: وَحَدَّثَنِي ثَابِتٌ أَوْ غَيْرُهُ قَالَ: كَانَ فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ يُبَطَّأُ فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
===
له عن التجسس ويُرجِّعُهم إلى منازلهم (ثم) بعدما قال للناس ما ذكر (قال للفرس) أي: مدحًا للفرس الذي ركبه وكان أولًا بطيئًا: (وجدناه) أي: وجدنا هذا الفرس (بحرًا) أي: كالبحر في سرعة السير (أو) قال ﷺ للفرس: (إنه) أي: إن هذا الفرس (لبحر) أي: كالبحر في كونه ذلولًا سريع الجري؛ على وجه التشبيه البليغ، والشك من الراوي أو ممن دونه.
(قال حماد) بالسند السابق: (وحدثني ثابت) بن أسلم أيضًا (أو غيره) أي: غير ثابت أن أنسًا (قال: كان) ذلك الفرس (فَرَسًا) مملوكًا (لأبي طلحة يُبَطَّأُ) بالبناء للمجهول؛ أي: كان فرسًا يُعَدُّ بطيئًا، أي: بطيءَ السيرِ والجَرْي قبل ركوبه ﷺ (فـ) كان ذلك الفرسُ (ما سُبق) بالبناء للمفعول؛ أي: ما كان مسبوقًا لغيره (بعد ذلك اليوم) الذي ركبه النبي ﷺ فيه، فكان بعد ذلك اليوم سابقًا لغيره لا مسبوقًا ببركةِ ركوبِه ﷺ إياه.
قوله: (يبطأ) أي: يعرف بالبطء والعجز في السير والجري.
قال العيني في "العمدة": (٦/ ٣١٢): والبحر: هو الفرس الواسع الجري، وزعم نفطويه أن البحر من أسماء الخيل، وهو الكثير الجري، لا يفنى جريه؛ كما لا يفنى جري ماء البحر. انتهى.
قوله: (قال) أنس: (وكان) ذلك الفرس قبل ذلك اليوم (فرسًا يبطأ) على صيغة المجهول؛ من التبطئة على وزن التزكية؛ أي: يعرف بالبطاءة والعجز وسوء السير، فوجده ﷺ جميل السير والمشي، فقال: (وجدناه بحرًا) أي: واسع الجري؛ كالبحر، وهذا من جملة معجزاته صلى الله عليه
стр. 7744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وسلم من انقلاب الفرس إلى كونه سريع السير بعد أن كان بطيئه، والله أعلم. انتهى "دهني".
وعبارة القرطبي هنا: قوله: (وكان فرسًا يبطأ) أي: ينسب البطء إليه ويعرف به، فلما ركبه ﷺ .. أدركته بركته ﷺ ، فسابق الجياد، وصار نعم العتاد، يقال: فرس عتيد: شديد تام الخلق سريع الوثبة معد للجري.
والرواية المشهورة: (يبطأ) بالمثناة تحت والموحدة من البطء؛ ضد السرعة، وعند الطبري: (ثبطًا) بالمثلثة؛ أي: ثقيلًا، وهو بمعنى الأول.
والفرس العري: الذي لا سرج عليه، يقال: فرس عري، وخيل أعراء، ويقال: رجل عريان، ورجال عرايا. انتهى.
وفي هذا الحديث ما يدل: على أن النبي ﷺ كان قد جمع له من جودة ركوب الخيل والشجاعة والشهامة والانتهاض الغائي في الحروب والفروسية وأهوالها ما لم يكن عند أحد من الناس، ولذلك قال أصحابه عنه: إنه كان أشجع الناس وأجرأ الناس في حال البأس، ولذلك قالوا: إن الشجاع منهم كان الذي يلوذ بجنابه إذا التحمت الحروب، وناهيك به؛ فإنه ما ولى قط منهزمًا، ولا تحدث أحد عنه قط بفرار. انتهى من "المفهم".
قوله: (وقد سبقهم إلى الصوت) قال ابن بطال: إن الإمام ينبغي له أن يشح بنفسه؛ لما في ذلك من النظر للمسلمين، إلا أن يكون من أهل الغناء الشديد والثبات البالغ، فيحتمل أن يسوغ له ذلك، وكان في النبي ﷺ من ذلك ما ليس في غيره، ولا سيما مع علم أن الله يعصمه وينصره. انتهى "فتح الباري" (٦/ ١٢٣).
стр. 7745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تنبيه
قوله: "وإن وجدناه لبحرًا" (إن) مخففة من الثقيلة؛ بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها، واللام لام الابتداء، وتسمى اللام المزحلقة؛ لأنها زحلقت عن محلها؛ لأن محلها محل المبتدأ، فزحلقت عنه إلى الخبر، ولفظ: (بحرًا) هو خبر المبتدأ، دخل عليهما الناسخ، وما ذكره الحافظان هنا - العيني وابن حجر - تعسف لا يليق بهما رحمهما الله تعالى، أو سبق قلم، أو سهو، والله أعلم؛ فإنهما ذكرا أن اللام زائدة على مذهب البصريين، وإن نافية، واللام بمعنى إلا على مذهب الكوفيين، وليس كذلك، بل الصواب ما قلناه؛ كما يعلم ذلك بالمراجعة إلى كتب النحو.
تنبيه على تنبيه
والتعسف: هو الخروج عن الطريق الجادة. انتهى من "حاشية الحميدي على تحفة المحتاج على متن المنهاج" لابن حجر الهيتمي المكي في المقدمة، والله أعلم، وفوق كل ذي علم عليم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب الجهاد، باب الشجاعة في الحرب والجبن، ومسلم في كتاب الفضائل، باب شجاعة النبي ﷺ ، وأبو داوود في كتاب الأدب، ما روي في الرخصة في ذلك، والترمذي في كتاب الجهاد، باب الخروج عند الفزع.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به.
стр. 7746
(٥٤) - ٢٧٣٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَكَّارِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنِي شَيْبَانُ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ .. فَانْفِرُوا".
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٤) - ٢٧٣٠ - (٢) (حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن بسر بن أبي أرطاة) أبو الوليد البسري الدمشقي، صدوق تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة، مات سنة ثمان وأربعين ومئتين (٢٤٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا الوليد) بن مسلم القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثني شيبان) بن عبد الرحمن التميمي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، ثقة قارئ عارف، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: إذا استنفرتم) بالبناء للمفعول؛ أي: إذا طلب منكم الإمام الأعظم الخروج إلى الجهاد .. (فانفروا) إليه؛ أي:
стр. 7747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فاخرجوا إلى الجهاد وجوبًا؛ لوجوب طاعة ولي الأمر، فالحديث يدل على أن الجهاد فرض عين عند طلب الإمام الخروج له.
وفي "الزوائد": إسناده صحيح رجاله ثقات، ويشهد لهذا الحديث قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (١).
ومعنى الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بما جاء به محمد ﷺ ﴿خُذُوا﴾ أسلحتكم والزموا ﴿حِذْرَكُمْ﴾ أي: احترازكم واحتراسكم من عدوكم، ولا تمكنوه من أنفسكم، واستعدوا لاتقاء شره وحربه؛ بأن تعرفوا حاله ومبلغ استعداده وقوته، وإذا كان لكم أعداء كثيرون .. فاعرفوا ما بينهم من وفاق وخلاف، واعرفوا الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا عليكم، واعملوا بتلك الوسائل، ويدخل في ذلك: معرفة حال العدو، ومعرفة أرضه وبلاده، وأسلحته واستعمالها، وما يتوقف على ذلك من معرفة الهندسة والكيمياء وجر الأثقال.
وبالجملة: يجب اتخاذ أهبة الحرب المستعملة فيها؛ من طيارات وقنابل ودبابات وبوارج مدرعة ومدافع مضادة للطائرات، إلى نحو ذلك؛ حتى لا يهاجمكم على غرة، أو يهددكم في دياركم، ويأخذ أراضيكم، وحتى لا يعارضكم في إقامة دينكم أو دعوتكم ﴿فَانْفِرُوا﴾ أي: فاخرجوا لقتال عدوكم وانهضوا لمقاومته ﴿ثُبَاتٍ﴾ أي: جماعات بعد جماعات، سرية بعد سرية ﴿أَوِ انْفِرُوا﴾ واخرجوا إلى لقائه كلكم ﴿جَمِيعًا﴾ كوكبةً واحدةً، والتخيير فيه لولاة الأمور بحسب اجتهادهم؛ والمراد: بادروا كيفما أمكن؛ أي: فانفروا جماعة إثر جماعة؛ بأن تكونوا فصائل وفرقًا، إذا كان الجيش كبيرًا، أو موقع العدو يستدعي ذلك، أو تنفر الأمة كلها جميعًا إذا اقتضت الحال ذلك.
стр. 7748
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والخلاصة: أنكم إما أن تنفروا جماعات جماعات، وإما أن ينفر جميع المؤمنين على الإطلاق، بحسب حال الأعداء.
وامتثال هذا الأمر القرآني والحديثي يقتضي أن تكون الأمة على استعدادٍ دائم للجهاد؛ بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب، ويتمرن عليها، وأن تقتني السلاح الذي تحتاج إليه في هذا النضال، وتتعلم كيفية استعماله في كل زمان بما يناسبه.
وبهذا تعلم أن الحكومة الإسلامية يجب عليها هذا الواجب المفهوم من الأصلين بنفسها، لا أن تبقى عالة على غيرها من الأمم العادية، وعلى الشعوب أن تساعدها عليه، بل تلزمها إياه إذا قصرت فيه، بعكس ما نراه الآن من تراخي الأمم الإسلامية وضعفها وتوانيها في ذلك، حتى طمعت فيها كل الدول العادية التي تجاورها، واجتاحتها من أطرافها، واجتثت كثيرًا من أراضيها ومناطقها، واستأمرت عليها واستعبدتها، وضربت عليها الخراج والجزية؛ كالشعوب الأرمية الإسلامية في شرق أفريقيا؛ استعبدها استئمار الحبوش، فعلى الأمة الإسلامية التي استعبدها الاستئمار أن يتوبوا إلى ربهم، ويتمسكوا بدينهم، ويعضوا عليه بالنواجذ، ويتوسلوا إلى ربهم بصالح أعمالهم، ويسألوا الله النصر على أعدائهم الشيوعية والشيعية، ويستغيثوا بالأمم الإسلامية التي تجاورهم، وأن يأخذوا أهبة الحرب وسلاحها، ويتعلموا استعمالها كهولًا وشبانًا وغلمانًا، بدل ما استغرقوا أعمارهم في آلة الحراثة والزراعة، كابرًا عن كابر.
أفلا تنتبهون أيتها الأمة المستأمرة من سنة الغفلة والعبودية، أفلا تعلمون أنكم في الحياة البرزخية، والحياة البهيمية، بل حياتها أحسن من حياتكم؛
стр. 7749
(٥٥) - ٢٧٣١ - (٣) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ،
===
لأنها محبوبة محترمة عند صاحبها؟ ! فيا مصيبةً عليكم، ما أعظمها وما أقبحها! فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقد شدد الدين الإسلامي الحنيفي أيما تشديد في هذا الأمر؛ أعني: الاستعداد للعدو، فجاء مثل قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (١)، وبهذا المعنى جاءت أحاديث كثيرة صحيحة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث أبي هريرة ﵄، فقال:
(٥٥) - ٢٧٣١ - (٣) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن محمد بن عبد الرحمن) بن عبيد القرشي (مولى آل طلحة) كوفي ثقة، من السادسة. يروي عنه: (م عم).
(عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي أبي محمد المدني، ثقة فاضل، من كبار الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 7750
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ فِي جَوْفِ عَبْدٍ مُسْلِمٍ".
===
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ قال: لا يجتمع) دخول (غبار) اغبر في حال الجهاد (في سبيل الله و) دخول (دخان) نار (جهنم في جوف) منخري أنف (عبد مسلم) فكأنهما ضدان لا يجتمعان؛ كما أن الدنيا والآخرة نقيضان لا تجتمعان.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الغبار في سبيل الله، وأخرجه النسائي أيضًا في كتاب الجهاد، باب فضل من عمل في سبيل الله على قدمه، والحاكم والبيهقي، إلا أنهم قالوا: (ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في منخري مسلم)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
قوله: (منخري مسلم) تثنية منخر - بفتح الميم والخاء - بوزن مقعد وبكسرها؛ كمنبر - وبفتحها وكسر الخاء؛ كمجلس -: خرق الأنف، كذا في "القاموس".
وقيل: بفتح الميم وكسر الخاء، وقد تكسر ميمه إتباعًا للخاء، وقد تفتح الخاء إتباعًا للميم: خرق الأنف، وحقيقته: موضع النخر؛ وهو صوت الأنف.
وفيه أن المسلم الحقيقي إذا جاهد لله تعالى خالصًا لا يدخل النار، وعلى هذا؛ فمن علم الله في حقه خلافه .. فلا بد ألا يكون مسلمًا بالتحقيق، أو لم يجاهد بالإخلاص. انتهى "سندي".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 7751
(٥٦) - ٢٧٣٢ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التُّسْتَرِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ رَاحَ رَوْحَةً فِي سَبِيلِ اللهِ .. كَانَ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَهُ مِنَ الْغُبَارِ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
===
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أنس الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٦) - ٢٧٣٢ - (٤) (حدثنا محمد بن سعيد بن يزيد بن إبراهيم التستري) - بضمتين بينهما مهملة ساكنة - نزيل البصرة، مقبول، من صغار العاشرة. يروي عنه: (س ق).
(حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن شبيب) - بوزن طويل - ابن بشر البجلي الكوفي، صدوق يخطئ، من الخامسة، وقال ابن معين: ثقة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن سعيد، وهو مقبول، وفيه شبيب، وهو مختلف فيه.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : من راح) ومشى آخر النهار (روحةً) أي: مرةً واحدةً مغبرًا في الجهاد (في سبيل الله .. كان له) أي: لذلك المجاهد (بمثل ما أصابه من الغبار مسكًا يوم القيامة).
وفي العبارة تقديم وتأخير؛ والتقدير: كان ما أصابه من الغبار مسكًا له يوم
стр. 7752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
القيامة بمثله؛ أي: بقدر ذلك الغبار؛ أي: كان ذلك الغبار له مسكًا كائنًا بقدر الغبار قلةً أو كثرةً.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7753
(٢٨) - (٩٧١) - بَابُ فَضْلِ غَزْوِ الْبَحْرِ
(٥٧) - ٢٧٣٣ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ حَبَّانَ - هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ -، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ خَالَتِهِ - أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ -
===
(٢٨) - (٩٧١) - (باب فضل غزو البحر)
(٥٧) - ٢٧٣٣ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث) بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني أبي سعيد القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن ابن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (هو محمد بن يحيى بن حبان) بن منقذ - بضم الميم - على صيغة اسم الفاعل، الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين ومئة (١٢١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
(عن خالته أم حرام بنت ملحان) بن خالد بن زيد بن حرام الأنصارية الصحابية المشهورة رضي الله تعالى عنها، ماتت في خلافة عثمان. يروي عنها: (خ م د س ق)، وزاد البخاري في الاستئذان: كان رسول الله صلى الله عليه
стр. 7754
أَنَّهَا قَالَتْ: نَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا قَرِيبًا مِنِّي ثُمَّ اسْتَيْقَظَ يَبْتَسِمُ
===
وسلم إذا ذهب إلى قباء .. يدخل على أم حرام، فأفاد أن بيتها كان في قباء.
وأم حرام اسمها الرميضاء - بالتصغير - وهي خالة أنس، أخت أم سليم أم أنس، وكانت خالة رسول الله ﷺ من الرضاع.
وقيل: خالة لأبيه أو جده؛ لأن أم عبد المطلب كانت أنصارية من بني النجار، ذكره النووي والأبي عن القاضي عياض رحمهم الله تعالى.
زاد مسلم في هذا الباب: (وكانت أم حرام تحت عبادة بن الصامت) بن قيس بن أصرم الأنصاري الخزرجي، شهد العقبتين، وهو أحد النقباء فيهما، وظاهر كلام مسلم هذا أنها كانت زوجةً لعبادة عند قصة المنام، ولكن سيأتي في الرواية الآتية من "مسلم" بعد هذه الرواية التي كانت في قصة المنام، وكذا ستأتي للمؤلف: (فخرج بها إلى البحر) وهو الصحيح؛ كما حققه الحافظ في "الفتح" فالجملة التي زادها مسلم معترضة لا علاقة لها بقصة المنام. انتهى من "الكوكب".
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
ثم نرجع إلى كلام المؤلف:
(أنها) أي: أن أم حرام (قالت: نام رسول الله ﷺ يومًا) من الأيام، حالة كونه (قريبًا) مرقده (من) مرقد (ي، ثم استيقظ) رسول الله ﷺ من نومه حالة كونه (يبتسم) ويضحك ضحكًا بلا صوت، والجملة حال من فاعل (يستيقظ)، وفي رواية مسلم زيادة: (أنها قالت: دخل عليها رسول الله ﷺ يومًا، فأطعمته) مما في بيتها من الطعام، ثم نام رسول الله ﷺ ، ثم استيقظ يبتسم.
стр. 7755
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَضْحَكَكَ؟ قَالَ: "نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ يَرْكَبُونَ ظَهْرَ هَذَا الْبَحْرِ كَالْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ"،
===
ففي هذا جواز مثل ما فعلته أم حرام من إذن المرأة لذي المحرم وإن لم يحضر الزوج، وفيه جواز تقديم المرأة الطعام لضيفها من مالها أو من مال الزوج؛ لأن الغالب أن ما في البيت من طعام إنما هو من مال الزوج إذا علم أنه لا يكره أن يؤكل ما في بيته، وفيه جواز ذلك للوكيل والمتصرف في ماله إذا علم أنه لا يكره ذلك، ومعلوم سرور زوج أم حرام بذلك، وكانوا يحبون أن يدخل بيوتهم، ويأكل طعامهم.
قالت أم حرام: (فقلت) له ﷺ عندما استيقظ مبتسمًا: (يا رسول الله؛ ما أضحكك؟ قال) رسول الله ﷺ لأم حرام في جواب سؤالها: يضحكني (ناس من أمتي عرضوا علي) في هذا المنام وكشفوا لي، حالة كونهم غزاة ومجاهدين في سبيل الله تعالى وطاعته (يركبون ظهر) وموج (هذا البحر) الأخضر الملح.
وفي رواية مسلم: (ثبج) - بمثلثة وبموحدة مفتوحتين فجيم - أي: وسطه، أو معظمه، أو ظهره، أو هوله، أقوال. انتهى من "الإرشاد"، قال الأصمعي: ثبج كل شيء: وسطه، وقال أبو علي في "أماليه": قيل: ظهره، وقيل: معظمه، وقيل: هوله، وقال أبو زيد في "نوادره": ضرب ثبج الرجل بالسيف؛ أي: وسطه، وقيل: ما بين كتفيه.
قال الحافظ بعدما سرد هذه الأقوال: والراجح أن المراد به هنا: ظهره؛ كما هو مصرح به في رواية ابن ماجه.
والمراد: أنهم يركبون السفن التي تجري على ظهره، حالة كونهم (كالملوك على الأسرة) جمع سرير، الجار والمجرور حال من فاعل يركبون؛ أي: يركبون
стр. 7756
قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ نَامَ الثَّانِيَةَ فَفَعَلَ مِثْلَهَا، ثُمَّ قَالَتْ مِثْلَ قَوْلِهَا، فَأَجَابَهَا مِثْلَ جَوَابِهِ الْأَوَّل،
===
سفن هذا البحر، حال كونهم راكبين على كراسيها؛ مثل ركوب الملوك على أسرة ملكهم؛ أي: مطمئنين عليها لا يخافون البحر وهوله.
قيل: هذا الكلام إخبار عما يحصل لهم في الآخرة من أجر غزوهم، فيجلسون على الأسرة مثل الملوك، ورجحه الحافظ، وقيل: هو إخبار عما يؤول إليه حالهم في الدنيا بعد الغزو، فيغنمون ويتوسعون في الركوب على مراكب الملوك والجلوس على أسرتهم، ورجحه النووي.
قال الراقم: ويحتمل أيضًا أن يكون إخبارًا عن طمأنينتهم عند ركوب البحر؛ والمراد: أنهم يركبون السفن، فيجلسون فيها؛ كما يجلس الملوك على الأسرة، لا يخافون البحر وأهواله، وهذا المعنى أنسب برواية من رواه ملوكًا على الأسرة؛ فإنه حال من فاعل يركبون؛ كما مر آنفًا، والله أعلم.
(قالت): أم حرام مرة ثانية: فقلت له ﷺ : يا رسول الله (فادع الله) لي (أن يجعلني منهم) أي: من أولئك الأناس الذين ركبوا ظهر هذا البحر (قال) أنس: (فدعا) الله (لها) رسول الله ﷺ أن يجعلها منهم (ثم) بعدما دعا لها رسول الله ﷺ (نام) رسول الله ﷺ المرة (الثانية، ففعل) في المرة الثانية (مثلها) أي: مثل ما فعل في المرة الأولى؛ أي: نام ثم استيقظ وهو يضحك.
قال أنس: (ثم) بعدما فعل رسول الله مثل ما فعل في المرة الأولى (قالت) أم ملحان لرسول الله ﷺ قولًا (مثل قولها) الأول في المرة الأولى؛ أي: قالت له ما يضحكك يا رسول الله؛ (فأجابها) رسول الله ﷺ عن سؤالها جوابًا (مثل جوابه الأول) في سؤالها الأول؛ يعني: قال
стр. 7757
قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: "أَنْتِ مِنَ الْأَوَّلِينَ"، قَالَ: فَخَرَجَتْ مَعَ زَوْجِهَا عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ غَازِيَةً أَوَّلَ مَا رَكِبَ الْمُسْلِمُونَ الْبَحْرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ،
===
لها: يضحكني أناس من أمتي عُرِضُوا عليَّ غُزاةً في سبيل الله يركبون صحراء هذا البر ملوكًا على الأسرة؛ كما صرح في الرواية الثانية من "مسلم"، من أن ركوبهم في المرة الثانية في البر.
(قالت) أم ملحان لرسول الله ﷺ : (فادع الله) لي (أن يجعلني منهم) أي: من أولئك الأناس الذين يركبون غزاة صحراء هذا البحر، فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (أنت) يا أم ملحان (من) الأناس (الأولين) الذين يركبون ثبج هذا البحر، لا من الآخرين الذين يركبون غزاة صحراء هذا البر.
والمعنى: قال لها: أنت تكونين من الأولين الذين يركبون ثبج هذا البحر؛ أي: من الزمرة التي رآها أولًا، وهذا يدل على أن المرئيين ثانيًا ليسوا من الأولين، وكانت الطائفة الأولى غزاة أصحابه في البحر، والثانية غزاة التابعين فيه، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
(قال) أنس: (فخرجت) أم ملحان (مع زوجها عبادة بن الصامت غازية أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية بن أبي سفيان) في زمن إمارة معاوية بالشام من قبل عثمان؛ أي: ركبت مع زوجها في أول غزوة كانت إلى الروم مع معاوية أمير الجيش في زمن خلافة عثمان بن عفان سنة ثمان وعشرين، وهذا قول أكثر أهل السير.
وقال الشيخان: في زمان معاوية؛ فعلى الأول يكون المراد: زمان غزوة معاوية البحر، لا زمان خلافته. انتهى من "القسطلاني".
стр. 7758
فَلَمَّا انْصَرَفُوا مِنْ غَزَاتِهِمْ قَافِلِينَ فَنَزَلُوا الشَّامَ .. فَقُرِّبَتْ إِلَيْهَا دَابَّةٌ لِتَرْكَبَ فَصَرَعَتْهَا فَمَاتَتْ.
===
قال القرطبي: وفيه دليل على نبوة محمد ﷺ وعلى صدقه؛ فإنه قد وقع ما أخبر عنه من الغيب على نحو ما أخبر به. انتهى من "المفهم".
(فلما انصرفوا) ورجعوا (من غزاتهم) التي في البحر (قافلين) أي: راجعين منها.
قوله: (فنزلوا الشام) الفاء فيه زائدة في جواب لما؛ أي: نزلوا من السفن في الشام، وفي قوله: (فقربت إليها دابة) عاطفة على نزلوا؛ أي: قربت إليها دابة (لتركبـ) ها، والفاء في قوله: (فصرعتها) عاطفة على محذوف معلوم من السياق؛ تقديره: فركبتها؛ أي: فلما ركبتها .. أسقطتها، وفي قوله: (فماتت) عاطفة على صرعتها؛ أي: فلما ركبت الدابة .. أسقطتها الدابة، فماتت بسبب إسقاط الدابة لها في الطريق حين رجعوا من غزوهم بغير مباشرة للقتال، وقد قال ﷺ : "من قتل في سبيل الله .. فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله .. فهو شهيد" رواه مسلم.
وفي رواية البخاري في باب غزوة المرأة في البحر: (فلما قفلت .. ركبت دابتها، فوقصت بها، فسقطت عنها فماتت).
والذي استخلصه الحافظ من جميع الروايات في هذا الباب أنه لما وصلوا إلى جزيرة قبرص .. بادرت المقاتلة، وتأخرت الضعفاء؛ كالنساء، فلما غلب المسلمون وصالحوهم .. طلعت أم حرام من السفينة قاصدةً البلد؛ لتراها وتعود راجعةً إلى الشام، فقدمت لها بغلة شهباء لتركبها، فركبتها فوقصت بها وماتت.
وذكر ابن حبان: أن قبرها بجزيرة في بحر الروم يقال لها: قبرص، وذكر
стр. 7759
(٥٨) - ٢٧٣٤ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
الطبري في "تاريخه" أن الناس يستسقون بها، ويقولون: قبر المرأة الصالحة. انتهى.
وهذا الحديث قد اختلف فيه الناس عن أنس: فمنهم من جعله من مسنده، ومنهم من جعله من مسند أم حرام، وحقق الحافظ في "الفتح" (١١/ ٧٧) أن أوله من مسند أنس، وقصة المنام من مسند أم حرام؛ فإن أنسًا إنما حمل قصة المنام عنها. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب التعبير، باب الرؤيا بالنهار، ومنها: كتاب الجهاد، باب بالدعاءِ بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، ومنها: كتاب الاستئذان، باب من زار قومًا فقال عندهم، ومسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الغزو في البحر، وأبو داوود في كتاب الجهاد، باب فضل الغزو في البحر، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد، والنسائي في كتاب الجهاد، باب فضل الجهاد في البحر، ومالك في "الموطأ"، في كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه مما اتفق عليه الجماعة، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٨) - ٢٧٣٤ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 7760
حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ يَحْيَى، عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاء، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ
===
(حدثنا بقية) بن الوليد بن صائد الكلاعي عن أبي يُحْمِدَ الحمصيُّ، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن معاوية بن يحيى) الطرابلسي أبي مطيع الدمشقي أو الحمصي. روى عن: ليث بن أبي سليم، ويروي عنه: بقية بن الوليد، صدوق له أوهام، من السابعة. يروي عنه: (س ق).
(عن ليث بن أبي سليم) بن زُنَيْم - بالزاي والنون مصغرًا - واسمُ أبي سليم أَيْمَنُ، صدوق اخْتلَطَ جِدًّا ولم يتميَّز حديثُه فَتُرِكَ، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن يحيى بن عباد) بن شيبان الأنصاري الشيباني أبي هبيرة الكوفي. روى عن: أم الدرداء. يروي عنه: ليث بن أبي سليم، ثقة، من الرابعة، مات بعد العشرين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن أم الدرداء) الصغرى الأوْصَابِيَّةِ الدمشقية، ثقة فقيهة، من الثالثة، ماتَتْ قبل المئة سنة إحدى وثمانين (٨١ هـ). يروي عنها: (ع) اسمها هُجيمة، أو جُهيمة، وأما الكبرى .. فاسمها خَيْرَةُ، فلا رواية لها في الكتب الستة.
(عن أبي الدرداء) عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أولُ مشاهده أحدٌ، وكان عابدًا، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه بقيةَ بن الوليد، وهو
стр. 7761
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "غَزْوَةٌ فِي الْبَحْرِ مِثْلُ عَشْرِ غَزَوَاتٍ فِي الْبَرِّ، وَالَّذِي يَسْدَرُ فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ سُبْحَانَهُ".
(٥٩) - ٢٧٣٥ - (٣) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ الْجُبَيْرِيُّ،
===
كثير التدليس عن الضعفاء، وفيه معاوية بن يحيى وشيخُه ليث بن أبي سليم، وهما ضعيفان؛ كما مرَّ آنفًا.
(أن رسول الله ﷺ قال: غزوة في البحر) أجرها (مثل) أجر (عشر غزوات في البر) لكثرة المخاطر في البحر (والذي يَسْدَرُ) ويَدُور رأسُه (في البحر) ويأخذه الدَّوْخُ ودورانُ الرأس إذا غزا في البحر.
قال الدَّميري: السَّادر: هو المُتحيِّر، والسَّدَر - بالتحريك -: الدَّوَرَان، وهو كثيرًا ما يَعْرض لراكبِ البحر، وهو أيضًا الذي لا يَهْتَمُّ ولا يُبالي ما صَنَع لِأَخْذِ الدَّوْخِ إياه.
أي: (و) أجر (الذي يَسْدُر) ويدور رأسه (في البحر) إذا ركب البحر لأجل الجهاد في سبيل الله تعالى (كـ) أجر (المتشحط) والمتقلب (في دمه) الذي يتخبط ويتمرغ في دمه؛ لقتله في الجهاد (في سبيل الله سبحانه) في البر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه الحاكم في "المستدرك".
ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهو ضعيف متنًا وسندًا (٦)(٢٨٩).
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٥٩) - ٢٧٣٥ - (٣) (حدثنا عبيد الله بن يوسف الجبيري) - بالجيم
стр. 7762
حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُفَيْرُ بْنُ مَعْدَانَ الشَّامِيُّ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "شَهِيدُ الْبَحْرِ مِثْلُ شَهِيدَيِ الْبَرّ، وَالْمَائِدُ
===
والموحدة مصغرًا - أبو حفص البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا قيس بن محمد) بن عمران (الكندي) مقبول، من التاسعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عفير) مصغرًا (ابن معدان) الحمصي المؤذن (الشامي) ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن سليم بن عامر) الكلاعي، ويقال: الخبائري - بخاء معجمة - أبي يحيى الحمصي، ثقة، من الثالثة، غلط من قال: إنه أدرك النبي ﷺ ، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(قال) سليم: (سمعت أبا أمامة) صدي بن عجلان الباهلي الشامي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عفير بن معدان، وهو ضعيف؛ ضعفه أحمد وابن معين ودحيم وأبو حاتم والبخاري والنسائي وغيرهم.
أي: قال سليم بن عامر: سمعت أبا أمامة (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: شهيد البحر) أي: أجر من صار شهيدًا في غزوة وقعت في البحر (مثل) أجر (شهيديـ) ـن استشهدا في غزوة وقعت في (البر) لما في البحر من المهالك الكثيرة (و) أجر (المائد) وهو الذي أخذه دوران الرأس من دخول رائحة البحر ونتنه في أنفه، واضطراب السفينة بالأمواج المتلاطمة
стр. 7763
فِي الْبَحْرِ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ فِي الْبَرِّ، وَمَا بَيْنَ الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طَاعَةِ الله، وَإِنَّ اللهَ وَكَّلَ مَلَكَ الْمَوْتِ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ إِلَّا شَهِيدَ الْبَحْرِ؛ فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى قَبْضَ أَرْوَاحِهِمْ، وَيَغْفِرُ لِشَهِيدِ الْبَرِّ الذُّنُوبَ كُلَّهَا إِلَّا الدَّيْنَ، وَلِشَهِيدِ الْبَحْرِ الذُّنُوبَ وَالدَّيْنَ".
===
المختلطة (في) غزوة (البحر كالمتشحط) أي: كأجر المتقلب المتمرغ (في دمه) المتلطخ بدمه بسبب قتله (في) غزوة (البر) أي: يكون للذي أخذه دوران الرأس في غزوة البحر .. مثل أجر المتشَحِّط المتلطخ بدمه في غزوة البر.
(و) أَجْرُ القاطع (ما بين الموجَتَينِ) من أمواج البحر؛ أي: قاطعُ ما بينهما بسيره في غزوة البحر (كـ) أجر (قاطع) مسافة (الدنيا) والأرض كُلِّها بسيره فيها؛ لأجل غزوه (في طاعةِ الله) تعالى لإعلاءِ دينه وإظهاره ونشره بين الناس (وإن الله وَكَّل ملكَ الموت بقَبْض الأرواحِ) كلها؛ أي: بقبض وأخذ أرواح الخلائق كلهم، من العقلاء وغيرهم (إلا) روحَ (شهيدِ البحر) أي: مَنْ كان شهيدًا في غزوة البحر (فإنه) تعالى (يَتولَّى قَبْضَ أرواحِهم) أي: قبض أرواح شهداء البحر تَكْرِمَةً لهم (ويغفر) الله تعالى (لشهيد البر الذنوبَ) أي: ذنوبَه (كلها إلا الدين) أي: إلا التقصيرَ في قضاء الدين (و) يغفر الشهيد البحر الذنوب والدين) كِلَيْهما تكرمةً له.
قوله: "وما بين الموجتين" أي: قاطعُ ما بين الموجَتين من المسافة.
قوله: "إلا الدَّين" أي: إلا تَرْكَ وفاءِ الدين؛ إذْ نَفْسُ الدَّيْن ليس من الذنوب، والظاهر أنَّ ترك الوفاء ذنبٌ إذا كان مع القدرة على الوفاء، فلعلَّه هو المرادُ. انتهى.
وذَكَر السيوطي عن بعض العلماء في "حاشيته على الترمذي": في الحديث تنبيهٌ على أن حقوق الآدميين لا تكفر؛ لكونها مبنية على المشاحة والتضييق،
стр. 7764
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويمكن أن يقال: إن هذا محمول على الذي هو خطيئة؛ وهو الذي استدانه صَاحِبهُ على وَجْهٍ لا يجوز؛ بأن أخَذَه بحيلة، أو غَصَبه، فثبت في ذمته البدلُ، أو ادَّان غَيْرَ عازم على الوفاء؛ لأنه استثنى ذلك مِنَ الخطايا، وإلا .. فالاستثناء شرطه أن يكون من الجنس، فيكون الدين المأذون فيه مسكوتًا عنه في هذا الاستثناء، فلا يلزم المؤاخذة به؛ لجواز أن يعوض الله صاحبه من فضله، والله أعلم. انتهى من "السندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، فالحديث ضعيف متنًا وسندًا (٧)(٢٩٠)، وغرضه: الاستئناس به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7765
(٢٩) - (٩٧٢) - بَابُ ذِكرِ الدَّيْلَمِ وَفَضْلِ قَزْوِينَ
(٦٠) - ٢٧٣٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُودَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِر، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ
===
(٢٩) - (٩٧٢) - (باب ذكر الديلم وفضل قزوين)
(٦٠) - ٢٧٣٦ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو داوود) سليمان بن داوود بن الجارود الطيالسي البصري، ثقة حافظ غلط في أحاديث، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(ح وحدثنا محمد بن عبد الملك) بن مروان (الواسطي) أبو جعفر الدقيقي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ست وستين ومئتين (٢٦٦ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان الواسطي السلمي مولاهم، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا علي بن المنذر) الطريقي - بفتح المهملة وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة ثم قاف - الكوفي، صدوق يتشيع، من العاشرة، مات سنة ست وخمسين ومئتين (٢٥٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا إسحاق بن منصور) السلولي - بفتح المهملة واللامين - مولاهم أبو عبد الرحمن تكلم فيه؛ للتشيع، صدوق، من التاسعة، مات
стр. 7766
كُلُّهُمْ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي حُصيْنٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ
===
سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(كلهم) أي: كل من أبي داوود ويزيد والسلولي رووا (عن قيس) بن الربيع الأسدي أبي محمد الكوفي، صدوق تغير لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، من السابعة، مات سنة بضع وستين ومئة (١٦٣ هـ). يروي عنه: (د ت ق)، وضعفه أحمد وابن المديني ووكيع والنسائي والدارقطني، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ومحله الصدق، وقال العجلي: وكان معروفًا بالحديث صدوقًا، وقال ابن عدي: رواياته مستقيمة، قال: والقول فيه ما قال شعبة أنه لا بأس به، عزاه السيوطي للمصنف عن أبي هريرة، وقال حاتم بن الليث الجوهري عن عفان: قيس ثقة يوثقه الثوري وشعبة، وعن أبي الوليد: كان قيس ثقة حسن الحديث. انتهى من "التهذيب"، فتحصل مما ذكرناه أن قيسًا مختلف فيه، لا يضر السند.
(عن أبي حصين) - مصغرًا - الهيثم بن شفي - بمعجمة وفاء على وزن علي في الأصح - الرعيني الحجري - بفتح الحاء وسكون الجيم - المصري، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذه الأسانيد كلها من سداسياته، وحكمها كلها: من الأسانيد الحسان؛ لأن كلها فيها قيس بن الربيع، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لو لم يبق من
стр. 7767
الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ .. لَطَوَّلَهُ اللهُ حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلِكُ جَبَلَ الدَّيْلَمِ وَالْقُسْطُنْطِينِيَّةَ".
===
الدنيا إلا يوم) واحد .. (لطوله) أي: لطول ذلك اليوم الباقي (الله حتى) يسع ويصير سنين، فـ (يملك) أي: يصير فيه ملكًا (رجل من أهل بيتي) وقرابتي (يملك) ذلك الرجل أطراف الأرض كلها، حتى يملك (جبل الديلم) - بفتح الدال وسكون الياء وفتح اللام - من أَرَاضِي العجمِ (و) حتى يملك (القسطنطينية) مدينة مشهورة في أرض الروم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
قوله: "حتى يملك رجل" حمل على المهدي الموعود به المنتظر، والقسطنطينية - بضم القاف وسكون السين وبضم الطاء الأولى وسكون نون وبعدها طاء مكسورة مع زيادة ياء مخففة ومثقلة وتاء تأنيث -: اسم مدينة في بلاد الروم. انتهى "سندي".
وفي "القاموس": القسطنطينية: دارُ مَلِكِ الروم، وفَتْحُها من أشراط الساعة، وتسمى بالرومية: بوزنطيا، وارتفاع سوره أحد وعشرون ذراعًا، وكنيستها مستطيلة، وبجانبها عمود عال في دور أربعةِ أبواعٍ؛ جَمْعُ باعٍ تقريبًا، وفي رأسه فرس من نحاس، وعليه فارس؛ وفي إحدى يدَيْهِ كُرَةٌ مِنْ ذهبٍ، وقد فَتَح أصابع يَدِه الأخرى مُشِيرًا بها، وهو صورة قُسْطُنْطِينَ بانيها. انتهى منه.
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 7768
(٦١) - ٢٧٣٧ - (٢) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ الْمُحَبَّر، أَنْبَأَنَا الرَّبِيعُ بْنُ صَبِيحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ
===
(٦١) - ٢٧٣٧ - (٢) (حدثنا إسماعيل بن أسد) أبي الحارث بن شاهين البغدادي أبو إسحاق، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا داوود بن المحبر) - بضم الميم وفتح الحاء وموحدة مشددة مفتوحة - ابن قَحْذَم - بفتح القاف وسكون المهملة وفتح المعجمة - الثقفيُّ البكراوي أبو سليمان البصري، نزيل بغداد، متروك، وأكثرُ كتابِ "العقل" الذي صَنَّفَه موضوعات، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ق).
(أنبأنا الربيع بن صَبِيح) - بفتح الصاد المهملة مكبرًا - السعدي البصري، صدوق سيئ الحفظ وكان عابدًا مجاهدًا، قال الرَّامَهُرمزِيُّ: هو أول من صنف الكتب بالبصرة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن يزيد بن أبان) الرقاشي - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبي عمرو البصري القاص - بتشديد المهملة - زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل عشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأنه إسناد مسلسل بالضعفاء؛ داوود بن المحبر، والربيع بن صبيح، ويزيد بن أبان كلهم ضعفاء، ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات".
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : ستفتح عليكم) أيها
стр. 7769
الْآفَاقُ، وَسَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مَدِينَةٌ يُقَالُ لَهَا: قَزْوِينُ، مَنْ رَابَطَ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً .. كَانَ لَهُ فِي الْجَنَّةِ عَمُودٌ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَيْهِ زَبَرْجَدَةٌ خَضْرَاءُ، عَلَيْهَا قُبَّةٌ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ، لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مِصْرَاعٍ مِنْ ذَهَبٍ، عَلَى كُلِّ مِصْرَاعٍ زَوْجَةٌ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ".
===
المسلمون (الآفاق) أي: آفاق الأرض ونواحيها شرقًا وغربًا جنوبًا وشمالًا وتغلبون عليها؛ والآفاق - بمد الهمزة - جمع أفق؛ أي: أطراف الدنيا (وستفتح عليكم مدينة يقال لها: قزوين) - بفتح القاف وسكون الزاي وكسر الواو -: مدينة مشهورة من مدن العجم، منها المؤلف رحمه الله تعالى (من رابط فيها) أي: من كان مرابطًا حارسًا لها من الأعداء (أربعين يومًا أو) قال النبي ﷺ أو الراوي: من رابط فيها (أربعين ليلةً) والشك من الراوي أو ممن دونه.
(كان له) أي: لذلك المرابط (في الجنة عمود من ذهب، عليه) أي: على ذلك العمود؛ أي: على رأسها (زبرجدة) هي جوهر بحري أخضر؛ كما وصفه بقوله: (خضراء) وهي صفة كاشفة لها (عليها) أي: على تلك الزبرجدة؛ أي: على رأسها (قبة) مبنية (من ياقوتة حمراء) والياقوت: جوهر بري أحمر، ومنه أبيض (لها) أي: لتلك القبة (سبعون ألف مصراع) والمصراع: أحد شقي الباب كائن ذلك المصراع (من ذهب، على كل مصراع) منها؛ أي: من تلك المصاريع السبعين الألف (زوجة) لذلك المرابط الذي حرس قزوين كائنة تلك الزوجة (من الحور العين).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته أنه ضعيف (٨)(٢٩١)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
وقال ابن الجوزي في "الموضوعات": هذا الحديث موضوع لا شك فيه، ولا أتهم بوضع هذا الحديث غير يزيد بن أبان، قال: والعجب من ابن ماجه مع
стр. 7770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
علمه كيف استحل أن يذكر هذا الحديث في كتاب "السنن" ولا يتكلم عليه، أتراه ما سمع في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "من روى عني حديثًا يرى أنه كذب .. فهو أحد الكذابين"؟ ! أما علم أن العوام يقولون: لولا أن هذا صحيح ما ذكره مثل هذا العالم، فيعملون بمقتضاه، ولكن غلب عليه العصبية للبلد والوطن.
قال السيوطي في "اللآلئ المصنوعة" (١/ ٤٦٣): قلت: قال المزي في "التهذيب": هذا حديث منكر لا يعرف إلا من رواية داوود المحبر.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7771
(٣٠) - (٩٧٣) - بَابُ الرَّجُلِ يَغْزُو وَلَهُ أَبَوَانِ
(٦٢) - ٢٧٣٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو يُوسُفَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ الْحَرَّانِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمَةَ السُّلَمِيِّ
===
(٣٠) - (٩٧٣) - (باب الرجل يغزو وله أبوان)
(٦٢) - ٢٧٣٨ - (١) (حدثنا أبو يوسف محمد بن أحمد) بن محمد بن الحجاج بن ميسرة الكريزي - بتقديم الراء مصغرًا - الصيدلاني (الرقي) ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا محمد بن سلمة) بن عبد الله الباهلي مولاهم (الحراني) ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي، ثقة؛ كما في "التهذيب" عارف، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن طلحة) بن عبد الله (بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق)، صدوق، من السادسة، مات بعد المئة. يروي عنه: (س ق).
(عن معاوية بن جاهمة) - بالجيم - ابن العباس بن مرداس (السلمي) لأبيه وجده صحبة، وقيل: له هو صحبة أيضًا رضي الله تعالى عنهم. يروي عنه: (س ق).
стр. 7772
قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، قَالَ: "وَيْحَكَ! أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: "ارْجِعْ فَبَرَّهَا"،
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) معاوية بن جاهمة: (أتيت رسول الله ﷺ ، فقلت) له: (يا رسول الله؛ إني كنت أردت) وقصدت (الجهاد معك) حالة كوني (أبتغي) وأطلب (بذلك) الجهاد (وجه الله) تعالى ورضاه (و) الفوز بالجنة في (الدار الآخرة) الباقية، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (ويحك! ) أي: ألزمك الله الويح والرحمة؛ وهي كلمة تقال لمن استحق الرحمة؛ أي: الدعاء له (أحية أمك؟ ) والهمزة فيه للاستفهام الاستخباري، (حية) خبر مقدم؛ للزومه الصدارة؛ لدخول همزة الاستفهام عليه و (أمك) مبتدأ مؤخر، والأصل: هل أمك حية أم توفيت؟
قال معاوية: (قلت) في جواب سؤال الرسول ﷺ : (نعم) هي حية يا رسول الله، فـ (قال) رسول الله ﷺ لمعاوية: (ارجع) إلى بيتها (فبرها) أي: فافعل ما هو بر وخير لها؛ يعني: اخدمها بما تحبه؛ بجلب مسرتها ودفع مضرتها.
قال السندي: قوله: "فبرها" - بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء - صيغةُ أمر؛ من بَرَّ؛ من باب سمع.
وفي "المختار": البِرُّ - بكسر الباء الموحدة - ضد العُقوق، وكذا المبرة، تقول: برِرْتُ والدي - بكسر عين الكلمة - أبره - بفتحها - من باب سمع، فأنا بر به وبار، وجمع البر: أَبْرار، وجمع البار: بَرَرَةٌ؛ وفلان يَبَرُّ خالقَه؛ أي: يطيعه، والأم برة بولدها، وبر في يمينه: صدق. انتهى منه باختصار.
стр. 7773
ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ: "وَيْحَكَ" أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "فَارْجِعْ إِلَيْهَا فَبَرَّهَا"، ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ أَمَامِهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي كُنْتُ أَرَدْتُ الْجِهَادَ مَعَكَ أَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، قَالَ:
===
قال معاوية: (ثم أتيته) ﷺ ثانيًا (من الجانب الآخر) أي: من جهة أخرى؛ بحيث لا يعرفني (فقلت) له ﷺ : (يا رسول الله؛ إني كنت أردت) وقصدت (الجهاد معك) في سبيل الله، حالة كوني (أبتغي) وأطلب (بذلك) الجهاد (وجهَ الله) تعالى (و) نَعِيمَ (الدارِ الآخرة) أي: الباقية التي لا فناء لها، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ في المرة الثانية أيضًا: (ويحك! ).
وفي "المختار": ويح: كلمة رحمة، وويل: كلمة عذاب، وقيل: هما بمعنىً واحد، تقول: ويح لزيد، وويل لعمرو، فترفعهما على الابتداء، ولك أن تنصبهما بفعل مضمر؛ تقديره: ألزمه الله تعالى ويحًا وويلًا، ونحو ذلك، وكذا: ويحك وويلك، وويح زيد، وويل زيد، منصوب بفعل مضمر. انتهى منه.
(أحية أمك؟ ) أي: هل أمك حية؟ قال معاوية: (قلت) له ﷺ : (نعم) أمي حية (يا رسول الله)، فـ (قال) لي رسول الله ﷺ في هذه المرة الثانية أيضًا: (فارجع إليها) أي: إلى أمك في بيتها (فبرها) أي: فافعل برها وخيرها بخدمتها بما تحب وترضى (ثم أتيته) ﷺ مرةً ثالثة (من أمامه) أي: من قدامه (فقلت) له: (يا رسول الله؛ إني كنت أردت الجهاد معك أبتغي بذلك) الجهاد (وجه الله) تعالى ورضاه لا الغنيمة (والدار الآخرة) أي نعيمها، فـ (قال) لي في هذه المرة
стр. 7774
"وَيْحَكَ! أَحَيَّةٌ أُمُّكَ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "وَيْحَكَ" الْزَمْ رِجْلَهَا فَثَمَّ الْجَنَّةُ".
===
الثالثة أيضًا: (ويحك! أحية أمك؟ ) أي: هل أمك حية أم متوفاة؟
(قلت) في جواب سؤاله: (نعم) هي حية (يا رسول الله) فـ (قال) لي في هذه المرة الثالثة أيضًا: (ويحك! ) أي: ألزمك الله الرحمة (الزم رجلها) وقدمها حتى تغسل رجلها إن كانت محتاجةً إلى ذلك؛ لكبر سنها، وهذا كناية عن ملازمتها بالخدمة والبر ليلًا ونهارًا حتى تموت (فثم) أي: فعند رجلها (الجنة) التي تريدها بالجهاد.
قوله: "الزم رجلها فثم الجنة" قال الدميري: هو بالحاء المهملة (رحلها) يعني: دارها ومسكنها، ومنه حديث: "إذا ابتلت النعال .. فالصلاة في الرحال" أي: في الدور والمساكن والمنازل، ويقال لمنزل الإنسان ومسكنه: رحله. انتهى كلامه.
قلت: المشهور: أنه بالجيم؛ بمعنى: القدم، وهو الموافق لرواية النسائي وغيره، وعليه مشى السخاوي في "المقاصد الحسنة"؛ فقد أورد الحديث بلفظ: "الجنة تحت أقدام الأمهات"، قال: رواه أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم، ثم ذكر ابن ماجه هذه الرواية التي بالجيم، قال السخاوي: إن التواضع للأمهات سبب لدخول الجنة.
قلت: ويحتمل أن المعنى: أن الجنة؛ أي: نصيبك منها لا يصل إليك إلا برضاها؛ بحيث كأنه لها وهي قاعدة عليه، فلا يصل إليك إلا من جهتها؛ فإن الشيء إذا صار تحت رجل أحد .. فقد تمكن منه واستولى عليه؛ بحيث لا يصل إلى آخر إلا من جهته. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الجهاد، باب
стр. 7775
(٦٢) - ٢٧٣٨ - (م) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْحَمَّالُ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق، عَنْ أَبِيهِ طَلْحَةَ،
===
الرخصة في التخلف من له والدة، وأحمد في "المسند"، والحاكم في "المستدرك".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث معاوية رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٦٢) - ٢٧٣٨ - (م) (حدثنا هارون بن عبد الله) بن مروان البغدادي أبو موسى (الحمال) - بالمهملة - البزاز، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ) وقد ناهز الثمانين. يروي عنه: (م عم).
(حدثنا حجاج بن محمد) المصيصي الأعور أبو محمد، ترمذي الأصل، نزل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الرؤاسي الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
قال ابن جريج: (أخبرني محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق) الخليفة الأول لرسول الله ﷺ التيمي المدني، صدوق، من السادسة، مات بعد المئة. يروي عنه: (س ق).
(عن أبيه طلحة) بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، مقبول من الثالثة. يروي عنه: (س ق).