شَهَادَةٌ، وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهَادَةٌ - يَعْنِي: الْحَامِلَ -، وَالْغَرِقُ، وَالْحَرِقُ، وَالْمَجْنُوبُ - يَعْنِي: ذَاتَ الْجَنْبِ - شَهَادَةٌ".
===
أي: الميت بالطاعون (شهادة) أي: شهيد (والمرأة) التي (تموت بجمع) بضم الجيم وسكون الميم، قاله القاري (شهادة، يعني) النبي ﷺ بتلك المرأة (الحامل) التي تموت بولادة حملها شهادة؛ أي: شهيد (والغرق) - بفتح فكسر - أي: والغريق في الماء شهادة؛ أي: شهيد (والحرق) - بفتح وكسر أيضًا - أي: والحريق بالنار شهيد (والمجنوب؛ يعني) النبي ﷺ بالمجنوب: الذي مات بمرض يسمى إذات الجنب .. شهادة) أي: شهيد.
قال الخطابي: قوله: "والمرأة تموت بجمع" معناه: أن تموت وفي بطنها ولد. انتهي، وقال في "النهاية": أي: تموت وفي بطنها ولد، وقيل: التي تموت بكرًا.
والجمع - بالضم - بمعنى المجموع؛ كالذخر بمعنى المذخور، وكسر الكسائي الجيم، والمعنى: أنَّها ماتت مع شيء مجموع فيها غير منفصل عنها؛ من حمل أو بكارة. انتهى.
قوله: (يعني: ذات الجنب): وهي قرحة أو قروح تصيب الإنسان داخل جنبه، ثم تفتح ويسكن الوجع؛ وذلك وقت الهلاك.
ومن علاماتها: الوجع تحت الأضلاع، وضيق النفس مع ملازمة الحمى والسعال، وهي في النساء أكثر، قاله القاري. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجنائز، باب فضل من مات بالطاعون، والنسائي في كتاب الجنائز، باب النهي عن البكاء على الميت، وفي كتاب الجهاد، باب مَن خَان غازيًا في أهله.
стр. 7842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
قال المنذري: والحديث أخرجه النسائي وابن ماجة، وقال النمري: رواه جماعة عن مالك - فيما علمت - لَمْ يختلفوا في إسناده ومتنه، وقال غيره: صحيح من مسند حديث مالك، وقد أخرج مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله"، وفي رواية: "من قتل في سبيل الله .. فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله .. فهو شهيد". انتهى كلام المنذري.
ولفظ أحمد في "مسنده" من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا: "إن في القتل شهادةً، وفي الطاعون شهادةً، وفي البطن شهادةً، وفي الغرق شهادةً، وفي النفساء يقتلها ولدها جمعًا شهادةً"، قال في "الترغيب": رواته ثقات.
وقوله: (جمعًا) - مثلثةَ الجيمِ ساكنةَ الميم - أي: ماتت وولدُها في بطنها، يقال: ماتت المرأة بجُمْع؛ إذا ماتت وولدها في بطنها، وقيل: إذا ماتت عذراء أيضًا. انتهى من "العون".
وعن أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني جبريل ﵇ بالحمى والطاعون، فأمسكت الحمى بالمدينة، وأرسلت الطاعون إلى الشام، فالطاعون شهادة لأمتي، ورِجْزٌ على الكافر". رواه أحمد، ورواته ثقات مشهورون، قاله المنذري.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تفنى أمتي إلَّا بالطعن والطاعون" قلت: يا رسول الله؛ هذا الطعن
стр. 7843
(٨٥) - ٢٧٦١ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِب، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَار، حَدَّثَنَا سُهَيْلٌ،
===
قد عرفناه، في الطاعون؟ قال: "غدة كغدة البعير، والمقيم بها كالشهيد، والفار منه كالفار من الزحف". رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني.
ولفظ البزار: قلت: يا رسول الله؛ هذا الطعن قد عرفناه، في الطاعون؟ قال: "يشبه الدمل يخرج من الآباط والمراق، وفيه تزكية أعمالهم، وهو لكل مسلم شهادة"، قال المنذري: أسانيد الكل حسان.
وعن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في الطاعون: "والفار منه كالفار من الزحف، ومن صبر فيه .. كان له أجر شهيد" أخرجه أحمد بإسناد حسن، قاله المنذري. انتهى من "العون".
فحديث الباب؛ يعني: حديث جابر بن عتيك في أعلى درجات الصحة؛ لأن له شواهد صحيحة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بن عتيك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٥) - ٢٧٦١ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) الأموي البصري واسم أبي الشوارب محمد بن عبد الرَّحمن بن أبي عثمان، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا عبد العزيز بن المختار) الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين، ثقةٌ، من السابعة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سهيل) بن أبي صالح السمان المدني أبو يزيد القيسي مولاهم،
стр. 7844
عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "مَا تَقُولُونَ فِي الشَّهِيدِ فِيكُمْ؟ "، قَالُوا: الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ الله، قَالَ: "إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ؛ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ .. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللهِ .. فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَالْمَطْعُونُ شَهِيدٌ".
قَالَ سُهَيْلٌ:
===
صدوق تغير حفظه بأخرة، روى له البخاري مقرونًا وتعليقًا، من السادسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي صالح ذكوان السمان المدني، ثقةٌ ثبت، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(عن النبي ﷺ أنه قال: ما تقولون) وتظنون وتعتقدون (في) سبب شهادة (الشهيد) الواقع (فيكم) أيَّتُها الأمة المحمدية؟ (قالوا) له ﷺ : سبب شهادته (القتل في سبيل الله) أي: القتل في الجهاد؛ لإعلاء كلمة الإيمان، وإبطال كلمة البهتان، فـ (قال) رسول الله ﷺ : (إن شهداء أمتي إذًا) أي: إذا كان الشهيد المقتول في سبيل الله فقط (لقليل) بلى (من قتل في سبيل الله .. فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله) بنحو مرض بلا مقاتلة الكفار وحربهم .. (فهو شهيد، والمبطون) أي: الذي مات بمرض البطن؛ كإسهال وَاسْتِقَاءٍ وزَحِيرٍ .. فهو (شهيد، والمطعون) أي: الذي مات بمرض الطاعون .. فهو (شهيد) فذكر في هذه الرواية أربعة فقط.
(قال سهيل) بالسند السابق: أخبرني والدي أبو صالح بلا واسطة هذه
стр. 7845
وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مِقْسَمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَزَادَ فِيهِ: "وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ".
===
الأربعة المذكورة (وأخبرني) أيضًا (عبيد الله بن مقسم) المدني، ثقةٌ مشهور، من الرابعة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أبي صالح) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
فالسند على هذه الرواية من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات أيضًا. (و) لكن (زاد) عبيد الله بن مقسم (فيه) أي: في الحديث؛ أي: في روايته لي على الأربعة السابقة واحدًا بقوله: (والغَرِقُ شهيد) أي: والغريق في الماء شهيد، فتكون جملة الشهداء على هذه الرواية خمسة.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث جابر بن عتيك.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7846
(٣٦) - (٩٧٩) - بَابُ السِّلَاحِ
(٨٦) - ٢٧٦٢ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَسُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ
===
(٣٦) - (٩٧٩) - (باب السلاح)
أي: في بيان تحليته بالذهب والفضة وغيرهما، هل يجوز أم لا؟
* * *
(٨٦) - ٢٧٦٢ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(وسويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل أبو محمد الحدثاني، صدوق في نفسه إلَّا أنه عمي، فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(قالا: حدثنا مالك بن أنس) الأَصْبَحِي المدني، ثقةٌ ثبت حجة إمامُ الفروع، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني) محمد بن مسلم ابن شهاب (الزهري) المدني إمام الأئمة، ثقةٌ متقن حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح) أي: يوم فتح مكة
стр. 7847
وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ.
===
(و) الحال أن (على رأسه المغفر) وإنما سَتَر رأسَه بالمغفر؛ وقاية لرأسه عن سلاح العدو، ولأنه إنما دخلها مُحاربًا مجاهدًا لا مُحْرِمًا.
و(المغفر) - بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الفاء - هو المنسوج من الزرد على قدر الرأس؛ وقايةً للرأس من سلاح العدو؛ كالسيف والسهم والرماح، ولا تعارض بين هذا الحديث وبين حديث: (دخل مكة وعليه عمامة سوداء) إذ يحتمل أن تكون العمامة فوق المغفر أو بالعكس، أو أنه كان أول دخوله على رأسه المغفر، ثم أزاله ولبس العمامة بعد ذلك. انتهى "سندي".
قال القرطبي: وهو ما يلبس على الرأس من دروع الحَدِيد، وأَصْلُه من الغفر؛ وهو الستر، وهو دليل على أن النبي ﷺ دخل مكة عَنْوَةً، وهو الصحيح من الأحاديث، والمعلوم من السير، لكنه عندما دخلها أَمَّنَ أَهْلَها، وإنما اغْترَّ من قال: إنها فُتحت صلحًا؛ لِمَا سَمِعَ أنَّ النبي ﷺ لَمْ يُعرِّض لأهلها بقَتْلٍ ولا سَبْيٍ، فظنَّ وقَدَّر أن هنالك صلحًا في الخفاءِ مع أبي سفيان أو غيرِه، وهذا كلُّه وَهْمٌ، والصحيح الأول. انتهى من "المفهم".
قال الطيبي: وفي الحديث دلالة على جواز دخول مكة بغير إحرام لمن لا يريد النسك، وهذا أصح قولي الشافعي.
وقال الشُمَّنِيُّ: ولنا ما روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبي ﷺ قال: "لا تُجاوزوا الميقات بغير إحرام"، وأيضًا الإحرامُ لتعظيم البقعة، فيستوي فيه الحاجُّ والمعتمر وغيرُهما، ودخوله ﷺ عام الفتح بغير إحرام حكم مخصوص بذلك الوقت، ولهذا قال ﷺ في ذلك اليوم: "إنها لَمْ تَحِلَّ لأحد قَبْلِي، ولا
стр. 7848
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تحل لأحد بعدي، وإنما أُحلِّتْ لي ساعة من نهار، ثم عادت حرامًا" كذا في "المرقاة".
قال الحافظ: وفي الحديث مشروعية لبس المغفر وغيره، من آلات السلاح حال الخوف من العدو، وأنه لا ينافي التوكل.
وفي حديث عبد الله بن أبي أوفى: (اعتمر رسول الله ﷺ ، فلما دخل مكة .. طاف وطفنا معه، ومعه من يستره من أهل مكة أن يرميه أحد ... ) الحديث.
وإنما احتاج إلى ذلك؛ لأنه كان حينئذ محرمًا، فخشي الصحابة أن يرميه بعضُ سفهاء المشركين بشيء يؤذيه، فكانوا حوله يسترون رأسه ويحفظونه من ذلك. انتهى من "الفتح".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب قتل الأسير وقتل العبد، وفي كتاب جزاء الصيد، باب لبس السلاح للمحرم، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داوود في كتاب الجهاد، باب قتل الأسير ولا يَعْرِضُ عليه الإسلامَ، والترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في المغفرة، والنسائي في كتاب المناسك، باب دخول مكة بغير إحرام، ومالك في كتاب الحج، باب جامع الحج، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث السائب بن يزيد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 7849
(٨٧) - ٢٧٦٣ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أَخَذَ دِرْعَيْنِ كَأَنَّهُ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا.
===
(٨٧) - ٢٧٦٣ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نُصير السلمي الخطيب الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقةٌ حجة، من الثامنة، ولكنه يدلس، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد) بن عبد الله (بن خُصيفة) - بمعجمة ثم مهملة مصغرًا - ابن عبد الله بن يزيد الكندي المدني، وقد ينسب لجده، ثقةٌ، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن السائب بن يزيد) بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل غير ذلك في نسبه، ويعرف بابن أخت النمر، صحابي صغير رضي الله تعالى عنه، له أحاديث قليلة، وحج به في حجة الوداع وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة، مات سنة إحدى وتسعين (٩١ هـ)، وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات على شرط البخاري.
وأتى الراوي بقوله: (إن شاء الله تعالى) للتبركِ لا للتعليق، فلا يضر السند.
(أن النبي ﷺ يوم) غزوة (أحد أخذ) معه (درعين) من حديد، حالة كونه (كأنه ظاهر بينهما) أي: جمعهما على جسده الشريف بلبسهما معًا؛ أي: جمع بينهما ولبس إحداهما فوق الأخري، وكأنه من التظاهر
стр. 7850
(٨٨) - ٢٧٦٤ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ
===
بمعنى التعاون والتساعد؛ كأن جَعَلَ إحداهما ظهارةً، والأخرى بطانة، ومنه يُعْلم أن مباشرة الأسباب لا تنافي التوكل. انتهى من السندي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس بن مالك.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٨) - ٢٧٦٤ - (٣) (حدثنا عبد الرَّحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم - بمهملتين مصغرًا - ثقةٌ حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقةٌ لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: حدثنا) عبد الرَّحمن بن عمرو بن أبي عمرو (الأوزاعي) أبو عمرو الفقيه، ثقةٌ فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: حدثني سليمان بن حبيب) المحاربي أبو أيوب الداراني القاضي بدمشق، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (خ د ق).
стр. 7851
قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي أُمَامَةَ فَرَأَى فِي سُيُوفِنَا شَيْئًا مِنْ حِلْيَةِ فِضَّةٍ فَغَضِبَ وَقَالَ: "لَقَدْ فَتَحَ الْفُتُوحَ قَوْمٌ مَا كَانَ حِلْيَةُ سُيُوفِهِمْ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّة، وَلكِنِ الْآنُكُ وَالْحَدِيدُ وَالْعَلَابِيُّ"، قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ: الْعَلَابِيُّ: الْعَصَبُ.
===
(قال) سليمان بن حبيب: (دخلنا على أبي أمامة) صدي بن عجلان بن وهب الباهلي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ست وثمانين (٨٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: دخلنا على أبي أمامة (فرأى في سيوفنا شيئًا من حلية فضة) وزينتها (فغضب) منها (وقال) أبو أمامة: والله (لقد فتح الفتوح) والبلاد الكثيرة (قوم) كرام من الصحابة ومع ذلك (ما كان حلية سيوفهم) وزينتها (من المذهب والفضة، ولكن) حلية سيوفهم وزينتها (الآنك) أي: الرصاص (والحديد والعلابي) أي: الأعصاب الرطب، المأخوذ من أعناق الذبيحة (قال أبو الحسن القطان) تلميذ المؤلف: (العلابي: العصب) تفسير منه، لا من المؤلف.
قوله: (فرأى في سيوفنا شيئًا من حلية ذهب وفضة) والحلية - بكسر الحاء وسكون اللام لا غير - وجمعها: حلى - بضم الحاء وكسرها - (فغضب) أبو أمامة لما رأى من حلية سيوفنا وتزيينها بالذهب والفضة (وقال) أبو أمامة معطوف على غضب: والله (لقد فتح) وقهر وأخذ (الفتوح) أي: البلاد المغلوبة لهم قهرًا من بلاد الكفرة من كلّ جانب (قوم) كرام من الصحابة (ما كانت حلية سيوفهم من المذهب والفضة، ولكن) حلية سيوفهم (الآنك) - بمد الهمزة وضم النون بعدها كشاف مخففة -: الرصا ع، وهو واحد لا جمع له.
(والحديد): معدن معروف يتخذ منه السيوف والرماح والفؤوس والمناجل.
стр. 7852
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(والعلابي) - بفتح العين المهملة واللام المخففة وتخفيف الموحدة وتشديد التحتية - جمع علباء - بكسر العين -: عصب في عنق البعير يشقق ثم يشد به أسفل جفن السيف وأعلاه، ويجعل في موضع الحلية منه، وفسره الأوزاعي في رواية أبي نعيم في "المستخرج" فقال: العلابي: الجلود الخام التي ليست بمدبوغة، وقال الداوودي: هي ضربة من الرصاص، ولذلك قرن بالآنك، وخطأه في "الفتح".
ولا يلزم من كون حلية سيوفهم ما ذكر عدم جواز غيره؛ فيجوز للرجل تحلية السيف وغيره من آلات الحرب بالفضة؛ كالسيف والرمح وأطراف السهام والدرع والمنطقة، والرانين - بالراء الفهملة والنون -: خف يلبس في الساق ليس له قدم، بل يكون فيما بين المركبة والكعبين، وكذا الخف؛ لأنه يغيظ الكفار، وقد كان للصحابة رضي الله تعالى عنهم غنية عن ذلك؛ لشدتهم في أنفسهم وقوتهم في إيمانهم، ولا يجوز تحلية شيء مما ذكر بالذهب قطعًا، ويحرم على النساء تحلية آلات الحرب بالذهب والفضة جميعًا؛ لأن في استعمالهن ذلك تشبهًا بالرجال، وليس لهن التشبه بالرجال، كذا قاله الجمهور فيما حكاه في "الروضة" وصوبه. انتهى من "إرشاد الساري على البخاري".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب ما جاء في حلية السيوف.
* * *
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أنس بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 7853
(٨٩) - ٢٧٦٥ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ الصَّلْت، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ أَبِيه، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفِقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ.
===
(٨٩) - ٢٧٦٥ - (٤) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) محمد (بن الصلت) بن الحجاج الأسدي أبو جعفر الكوفي الأصم، ثقةٌ، من كبار العاشرة، مات في حدود العشرين ومئتين (٢٢٠ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(عن) عبد الرَّحمن (بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيهًا، من السابعة، ولي خراج المدينة فحمد، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المدني، ثقةٌ فقيه ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الرَّحمن بن أبي الزناد، وهو مختلف فيه؛ لأنه ضعفه ابن معين وغيره، ووثقه يعقوب بن شيبة وغيره.
(أن رسول الله ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر) أي: أخذه
стр. 7854
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
من النفل - وهو بفتحتين على المشهور، وقد تسكن الفاء - واحد الأنفال؛ وهي زيادة يزادها الغازي على نصيبه من الغنيمة، وقد يطلق على الغنيمة، (ذا الفقار) - بفتح الفاء وقد تكسر وبعدها قاف وبالراء المهملة - جمع فقرة، سمي بذلك؛ لفقرات كانت فيه؛ والفقار: العظام التي هي سلسلة الظهر؛ لأنه صنع على سورة عظام الظهر، وفي "التحفة": قوله: (تنفل سيفه) من باب تفعل الخماسي؛ أي: أخذه زيادةً على سهمه.
(ذا الفقار) - بفتح الفاء، والعامة يكسرونها - كذا في "الفائق"، وهو بدل من سيفه بدل كلّ؛ أي: تنفل سيفه ذا الفقار (يوم) غزوة (بدر) وفي رواية الترمذي زيادة؛ وهي قوله: (وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد).
قال التوربشتي: والرؤيا التي رأى فيه أنه رأى في منامه يوم أحد أنه هز ذا الفقار، فانقطع من وسطه، ثم هزه هزةً أخرى، فعاد أحسن مما كان.
وقيل: الرؤيا: هي ما قال فيه: "رأيت في ذباب سيفي ثلمًا، فأولته هزيمة، ورأيت كأني أدخلت يدي في درع حصينة؛ فأولتها المدينة ... " الحديث. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب السير، باب في النفل، وقال: هذا حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث ابن أبي الزناد.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس بن مالك المذكور أول الباب.
* * *
стр. 7855
(٩٠) - ٢٧٦٦ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، أَنْبَأَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْخَلِيل، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
===
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أنس بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٠) - ٢٧٦٦ - (٥) (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة) الأحمسي - بمهملتين - أبو جعفر السراج، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ) وقيل قبلها. يروي عنه: (ت س ق).
(أنبأنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقةٌ حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله بن عبيد الهمداني السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة - ثقةٌ مكثر عابد، من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الخليل) عبد الله بن الخليل، أو ابن أبي الخليل الحضرمي الكوفي، مقبول، من الثانية، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وفَرَّق البخاريُّ وابنُ حبان بين الراوي عن عليٍّ، فقالا فيه: ابنُ أبي الخليل، والراوي عن زيد بن أرقم، فقالا فيه: ابنُ الخليل. يروي عنه: (عم).
(عن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا الخليل، وهو مختلف فيه.
стр. 7856
قَالَ: كَانَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إِذَا غَزَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .. حَمَلَ مَعَهُ رُمْحًا، فَإِذَا رَجَعَ .. طَرَحَ رُمْحَهُ حَتَّى يُحْمَلَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: لَأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّكَ إِنْ فَعَلْتَ .. لَمْ تُرْفَعْ ضَالَّةً".
===
(قال) علي: (كان المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه (إذا غزا) وجاهد (مع النبي ﷺ .. حمل معه رمحًا) ليجاهد به، (فإذا رجع) من الغزو .. (طرح رمحه) في الطريق (حتى يحمل له) ذلك الرمح، (فقال له) أي: للمغيرة (علي) بن أبي طالب حين رمى رمحه: والله؛ (لأذكرن ذلك) الرمي الذي فعلته برمحك (لرسول الله ﷺ فذكر علي بن أبي طالب ذلك الرمي الذي فعله المغيرة بن شعبة لرسول الله ﷺ ، (فقال) رسول الله ﷺ للمغيرة بن شعبة: (لا تفعل) ذلك الرمي يا مغيرة، واحمل رمحك معك؛ (فإنك) يا مغيرة (إن فعلت) ذلك الرمي .. (لَمْ ترفع) بالبناء للمفعول؛ أي: لَمْ ترفع رمحك من الأرض ويحملها رافعها، حالة كونها (ضالةً) ولقطةً، بل يحملها متملكًا لها؛ لأنك رميتها عمدًا مستغنيًا عنها؛ وهو أخذها بنية التملك لها؛ لأنه رآك مستغنيًا عنها.
والمعنى: كلّ من يرفع الشي من الأرض، ويرى صاحبه تركه عمدًا .. لا يرده لصاحبه ضالة، بل يتملكه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
стр. 7857
(٩١) - ٢٧٦٧ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ سَمُرَةَ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث آخر لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩١) - ٢٧٦٧ - (٦) (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة) الأحمسي أبو جعفر السراج، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ستين ومئتين، وقيل قبلها. يروي عنه: (ت س ق).
(أنبأنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، كان يتشيع، قال أبو حاتم: كان أثبت الناس في إسرائيل من أبي نعيم، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أشعث بن سعيد) البصري أبي الربيع السمان، متروك متفق على ضعفه؛ لسوء حفظه، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عبد الله بن بسر) السكسكسي الحبراني - بضم المهملة وسكون الموحدة - أبي سعيد الحمصي، سكن البصرة، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي راشد) الحبراني - بضم المهملة وسكون الموحدة - الشامي، قيل: اسمه أخضر، وقيل: النعمان، ثقةٌ، من الثانية. يروي عنه: (د ت ق).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه أشعث بن سعيد، وهو متروك؛ لسوء حفظه، وفيه أيضًا عبد الله بن بسر الحبراني، وهو ضعيف أيضًا؛ كما مر آنفًا.
(قال) علي بن أبي طالب: (كانت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 7858
قَوْسٌ عَرَبِيَّةٌ، فَرَأَى رَجُلًا بِيَدِهِ قَوْسٌ فَارِسِيَّة فَقَالَ: "مَا هَذِهِ؟ أَلْقِهَا وَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ وَأَشْبَاهِهَا وَرِمَاحِ الْقَنَا؛ فَإِنَّهُمَا يَزِيدُ اللهُ لَكُمْ بِهِمَا فِي الدِّين، وَيُمَكِّنُ لَكُمْ فِي الْبِلَادِ".
===
قوس عربية) وهو المسمى بالنبل (فرأى) رسول الله ﷺ (رجلًا) لَمْ أر من ذكر اسمه (بيده قوس فارسية) وهو المسمى بقوس الجُلاهق، قال السندي: القوس العربي: هو ما يرمى به النبل؛ وهو السهام العربية، والفارسي: هو ما يرمى به نحو البندق؛ كالرشاشة.
(فقال) رسول الله ﷺ للرجل: (ما هذه) القوس الفارسي؟ (ألقها) أي: ألق هذه القوس الفارسي؛ فإنها لا تنفع في مدافعة العدو؛ لأنَّها لا تقتل (وعليكم) أي: والزموا (بهذه) القوس العربي؛ لأنَّها قاتلة دافعة للعدو (و) عليكم بـ (أشباهها) أي: بأشباه هذه القوس العربي مما يقتل العدو؛ كالمسدس والمسبع والمعشر (و) الزموا بـ (رماح القنا) جمع قناة؛ وهو الرمح؛ أي: والزموا بالرماح المركبة مع القناة؛ والقناة: عصا الرمح (فإنهما) أي: فإن القوس العربي ورماح القنا (يزيد الله) (لكم) أيها المسلمون (بهما) أي: بالقوس العربي وبالرماح نصرة (في الدين) الإسلامي، وقوة في الإيمان، وغلبة على أعداء الإسلام (ويمكن) الله (لكم) أيها المسلمون؛ أي: يزيد الله لكم بهما التمكن (في) كلّ (البلاد) وأرَاضِي أهلِ الشرك والغلبةَ عليهم، ونَشْرَ كلمة الإيمان فيهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (١٠)(٢٩٣)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
стр. 7859
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، وأربعة للاستشهاد، والسادس للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7860
(٣٧) - (٩٨٠) - بَابُ الرَّمْيِ فِي سَبِيلِ اللهِ
(٩٢) - ٢٧٦٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا هِشَامٌ الدَّستَوَائِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَّامٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْأَزْرَق،
===
(٣٧) - (٩٨٠) - (باب الرمي في سبيل الله)
(٩٢) - ٢٧٦٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي الكوفي، ثقةٌ متقن مصنف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) - بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة ثم مد - أبو بكر البصري، ثقةٌ ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبي نصر اليمامي، ثقةٌ ثبت، لكنَّهُ يُدلِّس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلام) الأسود الحبشي ممطور الشامي، ثقةٌ يرسل، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الله) بن زيد (بن الأزرق) - بتقديم الزاي على الراء - قال في "الخلاصة": عبد الله بن زيد بن الأزرق عن عقبة بن عامر، يروي عنه:
стр. 7861
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ اللهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ الثَّلَاثَةَ الْجَنَّةَ؛ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِه، وَالْمُمِدَّ بِهِ"،
===
أبو سلام، وثقه ابن حبان، وقال في "التقريب": مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن عقبة بن عامر الجهني) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات في قرب الستين. يروي عنه (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: إن الله) (ليدخل بالسهم الواحد) أي: بسبب رميه إلى الكفار (الثلاثة) من الأنفار؛ وهو بالنصب على أنه مفعول به لأدخل الرباعي، وفي رواية: (ثلاثة نفر)، (الجَنَّة) مفعول فيه لأدخل.
وقوله: (صانعه) بالنصب بدل من ثلاثة؛ بدل تفصيل من مجمل؛ أي: صانع ذلك السهم، حالة كون ذلك الصانع (يحتسب) أي: يطلب (في صنعته) أي: في صنعة ذلك السهم - بفتح الصاد وسكون النون - أي: ينوي بعمله وصنعته إياه (الخير) أي: الثواب (والرامي به) أي: بذلك السهم الكفار؛ وهو بالنصب معطوف على صانعه على أنه بدل من ثلاث؛ أي: الرامي، حالة كونه محتسبًا أجر رميه على الله سبحانه، وكذا قوله: (والمُمِدَّ به) معطوف على صانعه أيضًا، وهو اسم فاعل؛ من أمدد الرباعي.
قال في "المجمع": الممد به: أي: المناول للسهم للرامي واحدًا بعد واحد؛ أي: فهو من يقوم جنب الرامي فيناوله سهمًا بعد سهم، أو يرد عليه النبل؛ أي: السهم من الهدف؛ من أمددته بكذا؛ إذا أعطيته إياه.
стр. 7862
وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ، إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِه،
===
والمراد به: من يقوم جنبَ الرامي أو خلْفَه فيناوله النبل واحدًا بعد واحد، أو يرد عليه النبلَ المرميَّ به.
ويحتمل أن يكون المراد به: من يعطي النبلَ مِن ماله ويَشْتَرِيهِ؛ تجهيزًا واستعدادًا للغازي وإمدادًا له بسلاحِ الغَزْوِ.
(وقال رسول الله ﷺ : ارموا) الكفار بالسهام (واركبوا) الفرسان والدواب؛ لطعنهم بالرماح؛ أي: لا تقتصروا على الرمي ماشيًا، واجمعوا بين الرمي والركوب، أو المعنى: اعلموا هذه الفضيلة؛ أي: فضيلة الجمع بينهما، وتعلموا الرمي والركوب بتأديب الفرس والتمرين عليه؛ كما يشير إليه آخر الحديث، وقال الطيبي: عطف (واركبوا) يدلُّ على المغايرة، وأن الرامي يكون راجلًا والراكب رامحًا، فيكون معنى قوله: (و) لَـ (أن ترموا أحب إلي من أن تركبوا) أن الرمي بالسهم أحب إلي من الطعن بالرمح. انتهى كلام الطيبي.
وقال القاري: والأظهر أن معناه: أن معالجة الرمي ومحاولته وتعلمه أفضل من تأديب الفرس وتمرين ركوبه؛ لما فيه من الخيلاء والكبرياء، ولما في الرمي من النفع العام، ولذا قدمه تعالى في قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (١)، مع أنه لا دلالة في الحديث على الرمح أصلًا. انتهى كلام القاري.
(وكل ما يلهو) ويلعب (به المرء المسلم) ويشتغل به (باطل) لا ثواب له فيه (إلَّا رميه بقوسه) احتراس عن رميه بالحجر والخشب والكرة
стр. 7863
وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ".
====
(و) إلَّا (تأديبَه) ورياضتَه (فرسَه) أي: تعليمَه إياه بالرَّكْضِ والجوَلَانِ على نية الغَزْوِ به (و) إلَّا (ملاعبتَه امرأتَه) وحليلتَه (فإنهن) أي: فإن هذه الخصالَ الثلاثة كلها (من الحق) أي: من الأمر الحق الذي له فائدة ومنفعة؛ أي: ليست من اللهو الباطل الذي لا منفعة فيه عاجلًا وآجلًا، بل هي من الحق الذي يترتب عليه الثواب الكامل.
قال القاري: وفي معنى هذه الثلاثة كلّ ما يعين على الحق من العلم والعمل إذا كان من الأمور المباحة؛ كالمسابقةِ بالرجل والخيل والإبل، والتمشيةِ لِلتَّنَزُّهِ علَى قصد تقوية البدن وتطرية الدماغ؛ ومنها: السماع إذا لَمْ يكن بالآلات المطربة المحرمة. انتهى كلام القاري.
قلت: في قوله: "ومنها السماع ... " إلى آخره .. نظر؛ فإن السماع ليس مما يعين على الحق، والسماع الذي هو فاشٍ في هذا الزمان بين المتصوفة الجهلة، لا شك في أنه معين على الفساد والبطالة.
وأما الدليل على أن السماع ليس مما يعين على الحق .. فقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ (١)، قال الحافظ في "التلخيص": روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أن عبد الله سئل عن قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾، قال: الغناء، والذي لا إله غيره، وأخرجه الحاكم، وصححه والبيهقي. انتهي، وعبد الله هذا؛ هو ابن مسعود، وقد صرح الحافظ به فيه. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب في الرمي، والترمذي في كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في
стр. 7864
(٩٣) - ٢٧٦٩ - (٢) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن،
====
سبيل الله، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الجهاد، باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله ، باب تأديب الرجل فرسه.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عقبة بن عامر بحديث عمرو بن عبسة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٣) - ٢٧٦٩ - (٢) (حدثنا يونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى المصري، ثقةٌ، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري أبو أمية، ثقةٌ حافظ فقيه، من السابعة، مات قديمًا قبل الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن عبد الرَّحمن) بن عيسى (القرشي) الأسدي مولاهم.
روى عن: القاسم بن عبد الرَّحمن، ويروي عنه: (عم)، وعمرو بن الحارث، ثقةٌ، من السادسة.
(عن القاسم بن عبد الرَّحمن) الأموي الدمشقي. روى عن: عمرو بن عبسة، ويروي عنه: سليمان بن عبد الرَّحمن القرشي، صدوق يغرب كثيرًا،
стр. 7865
عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ رَمَى الْعَدُوَّ بِسَهْمٍ فَبَلَغَ سَهْمُهُ الْعَدُوَّ أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ .. فَعَدْلُ رَقَبَةٍ".
(٩٤) - ٢٧٧٠ - (٣) حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى،
===
من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عمرو بن عبسة) - بموحدة ومهملتين مفتوحات - ابن عامر الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم قديمًا، وهاجر بعد أحد، ثم نزل الشام. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عمرو: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رمى العدو) أي: الكافر (بسهم فبلغ) أي: وصل (سهمه) الذي رمى به (العدو) سواء (أصاب) ذلك السهم العدو (أو أخطأ) العدو؛ بأن سقط على الأرض.
قوله: "فبلغ سهمه العدو" قال السندي: من التبليغ، وينصب السهم والعدو على أنهما مفعولان للتبليغ، أو من البلوغ، ورفع السهم على الفاعلية.
قوله: (فعدل رقبة) مبتدأ، خبره محذوف؛ تقديره: فله من الأجر والثواب عدل رقبة - بفتح العين - أي: مثل أجر عتق رقبة مؤمنة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عقبة بن عامر.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عقبة بن عامر بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٤) - ٢٧٧٠ - (٣) (حدثنا يونس بن عبد الأعلى) الصدفي المصري،
стр. 7866
أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِث، عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْهَمْدَانِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أَلَا وَإِنَّ الْقُوَّةَ
===
ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(أخبرنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري المصري، ثقةٌ، من السابعة، مات قبل الخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي علي الهمداني) الأصبحي ثمامة بن شفي - بمعجمة وفاء مصغرًا - نزيل الإسكندرية، ثقةٌ، من الثالثة، مات في خلافة هشام بن عبد الملك قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (م د س ق).
(أنه سمع عقبة بن عامر الجهني) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(يقول) أي: قال عقبة بن عامر: (سمعت رسول الله ﷺ يقرأ) ويتلو حالة كونه قائمًا (على المنبر) قوله تعالى: (﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ﴾) أي: هيئوا لقتال الكفار (﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾) أي: ما قدرتم عليه (﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾) (١)؛ أي: من أسباب غلبة عليهم.
ثم قال رسول الله ﷺ : (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم في تفسير هذه الآية (وإن القوة) الواو فيه زائدة؛ كما هي ساقطة
стр. 7867
الرَمْيُ"، ثَلَاثَ مَرَاتٍ.
===
في رواية مسلم، أو لتأكيد معنى الاستفتاح المفهوم من ألا؛ أي: إن القوة التي أمرنا الله بالاستعداد بها للكفار هي (الرمي) بالسهام والرماح؛ أي: تَعلَّمُ الرميِ بالسهام والرمي بالرماح، وكرره (ثلاث مرات) أي: كرر قوله: "ألا إن القوة الرمي" ثلاث مرات؛ مبالغة في التأكيد، وإلا .. فالتأكيد يحصل بمرة ثانية.
قال القرطبي: القوة: التقوي بما يحتاج إليه؛ من الدروع والمجان والسيوف والرماح والسهام وسائر آلات الحرب، إلَّا أنه لما كان الرمي أنكاها في العدو وأنفعها .. فسرها به، وخصصها بالذكر، وأكدها بذكرها ثلاثًا، ولم يرد أنه كلّ العدة، بل أنفعها، ووجه أنفعيتها: أن النكاية بالسهام تبلغ الأعداء من الشجاع وغيره، بخلاف السيف والرمح؛ فإنه لا تحصل النكاية بهما إلَّا من الشجعان الممارسين للكر والفر، وليس كلّ أحد كذلك، ثم إنها، أي: إن السهام أقلّ مؤنة، وأيسر محاولةً وإنكاءً، إلا تَرى أنه قَدْ يَرْمي رَأْسَ التيبة، فينهزمُ أصحابُه؟ ! إلى غير ذلك مما يحصل منه من الفوائد، والله تعالى أعلم. انتهى من "المفهم".
قال النووي: وفي هذا الحديث والأحاديث التي بعده فضيلة الرمي والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله تعالى، وكذلك المثاقفة وسائر أنواع استعمال السلاح، وكذلك المسابقة بالخيل وغيره، والمراد بهذا كله: التمرن على القتال، والتدرب والتحذق فيه، وفي رياضة الأعضاء بذلك. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإمارة، في باب فضل الرمي والحث عليه وذم من تعلمه ثم نسيه، وأبو داوود في كتاب الجهاد، باب في الرمي، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن تفسير سورة الأنفال.
стр. 7868
(٩٥) - ٢٧٧١ - (٤) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى الْمِصْرِيُّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ نُعَيْمٍ الرُّعَيْنِيِّ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ نَهِيكٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ:
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عقبة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٥) - ٢٧٧١ - (٤) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن حرملة بن عمران أبو حفص التجيبي (المصري) صاحب الشافعي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(أنبأنا عبد الله بن وهب) القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري، ثقةٌ، من السابعة؛ لأنه روى عنه أحد العبادلة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن عثمان بن نعيم) - مصغرًا - ابن قيس (الرعيني) الذبحاني - بضم المعجمة وسكون الموحدة - نسبة إلى ذبحان؛ بطن من رعين، المصري، مجهول، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن المغيرة بن نهيك) - مكبرًا - الحجري - بفتح المهملة وسكون الجيم - المصري، مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(أنه سمع عقبة بن عامر الجهني يقول) رضي الله تعالى عنه.
стр. 7869
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ تَعَلَّمَ الرَّمْيَ ثُمَّ تَرَكَهُ .. فَقَدْ عَصَانِي".
====
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه عثمان بن نعيم، وهو مجهول، وفيه شيخه المغيرة بن نهيك، وهو أيضًا مجهوله.
(سمعت رسول الله ﷺ يقول: من تعلم الرمي) بالسهام أو الرماح استعدادًا للجهاد (ثم تركه) ونسيه .. (فقد عصاني) أي: خالفني وترك سنتي ورغب عن سنتي؛ لأن ترك الطاعة معصية؛ أي: أثم وأذنب؛ ففيه تشديد عظيم على من نسي الرمي بعد تعلمه، وهو مكروه كراهةً شديدةً لمن تركه بلا عذر.
وبالجملة: فهو مكروه، فالحديث ظاهر في ذم من ترك الرمي بعد أن تعلمه، وسبب هذا الذم أن هذا الذي تعلم الرمي حصلت له أهلية الدفاع عن دين الله تعالى، والغناء فيه، والنكاية في العدو، فقد تعين عليه أن يقوم بوظيفة الجهاد، فإذا ترك ذلك حتى يعجز عنه .. فقد فرط في القيام بما تعين عليه، فذم على ذلك، وأما قوله: "فقد عصاني" .. فهو نص في الوجوب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، وأحمد في "المسند".
فدرجته: أنه صحيح المتن بغيره، ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عقبة بن عامر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 7870
(٩٦) - ٢٧٧٢ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ زِيَادِ بْنِ الْحُصَيْن، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِنَفَرٍ
===
(٩٦) - ٢٧٧٢ - (٥) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقةٌ ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقةٌ حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زياد بن الحصين) بن قيس الحنظلي، أو الرياحي، أبي جهمة البصري، ثقةٌ يرسل، من الرابعة. يروي عنه: (م س ق).
(عن أبي العالية) رفيع - مصغرًا - ابن مهران الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقةٌ كثير الإرسال، من الثانية، مات سنة تسعين (٩٠ هـ)، وقيل: ثلاث وتسعين، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (مر النبي ﷺ بنفر) أي: بجماعة من
стр. 7871
يَرْمُونَ فَقَالَ: "رَمْيًا بَنِي إِسْمَاعِيلَ؛ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا".
===
الناس؛ والنفر: - بفتحتين -: عدة رجال من ثلاث إلى عشرة، وكذا النفير والنفر والنفرة - بسكون الفاء فيهما - انتهى من "المختار".
(يرمون) السهام إلى الهدف للتدرب (فقال) لهم رسول الله ﷺ حثًّا لهم على الرمي: (رميًا) أي: ارموا رميًا، أو الزموا رميًا يا (بني إسماعيل) بن إبراهيم الخليل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ فرميًا إما منصوب بعامل محذوف وجوبًا؛ لنيابته عنه؛ تقديره: ارموا رميًا، أو منصوب على الإغراء بعامل محذوف وجوبًا؛ تقديره: الزموا رميًا؛ (فإن أباكم) وجدكم الأعلى (كان راميًا) أي: ملازمًا رمي السهام؛ لأنه كان يصيد بها.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث سلمة ابن الأكوع رواه البخاري.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عقبة بن عامر الأول.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7872
(٣٨) - (٩٨١) - بَابُ الرَّايَاتِ وَالْأَلْوِيَةِ
(٩٧) - ٢٧٧٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ عَاصِمٍ،
===
(٣٨) - (٩٨١) - (باب الرايات والألوية)
والرايات جمع راية، وكذا الألوية جمع لواء، قيل: هما مترادفان لا فرق بينهما، وقيل: بينهما فرق؛ بأن اللواء: هو العلم الصغير، والراية: هي الكبير، ومقتضى حديث الترمذي وأحمد عن ابن عباس: (كانت راية رسول الله ﷺ سوداء، ولواؤه أبيض) .. ثبوت الفرق بينهما.
وذكر ابن إسحاق عن عروة أن أول ما حدث الرايات يوم خيبر، وما كانوا يعرفون قبل ذلك إلَّا الألوية، وبالجملة: فكلام المصنِّف مبني على الفرق بينهما، والله أعلم.
* * *
(٩٧) - ٢٧٧٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو بكر) محمد (بن عياش) بن سالم الأسدي الكوفي مشهور بكنيته، وفي اسمه عشرة أقوال، ثقةٌ عابد، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) ابن بهدلة، اسم أمه؛ وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقةٌ مخضرم، من الثانية،
стр. 7873
عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَائِمًا عَلَى الْمِنْبَرِ وَبِلَالٌ قَائِمٌ بَيْنَ يَدَيْهِ مُتَقَلِّدٌ سَيْفًا، وَإِذَا رَايَةٌ سَوْدَاءُ فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ قَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ.
===
مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع). هكذا هو الصواب بإثبات هذه الترجمة، ولعل الناسخ أسقط هنا أبا وائل، والصواب إثباته؛ لأنَّ عاصمًا لم يدرك الحارث بن حسان.
(عن الحارث بن حسان) بن كلدة البكري الذهلي الربعي، ويقال: العامري، ويقال: اسمه حريث، ويقال: الحارث بن يزيد، وفد على النبي ﷺ ، ونزل البادية، وكان يقدم الكوفة، روى عن النبي ﷺ ، ويروي عنه: أبو وائل في السنن حديثًا واحدًا، وهو هذا الحديث، راجع "التهذيب"، وهو صحابي فاضل رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ت س ق).
وهذا السند من خماسياته على الصواب لا على ما في المتن، والذي في المتن بإسقاط راوٍ؛ كما أوضحناه في ترجمة أبي وائل، وحكمه: الحسن؛ لأنَّ في رجاله عاصم بن بهدلة سيئ الحفظ، له أوهام، ليس حجة في الحديث.
(قال) الحارث بن حسان: (قدمت المدينة) المنورة (فرأيت النبي ﷺ قائمًا على المنبر) خطيبًا (وبلال) بن رباح الحبشي (قائم بين يديه) ﷺ ؛ أي: قدامه والحال أن بلالًا (متقلد) أي: جاعل (سيفًا) له؛ كالقلادة على عنقه حراسةً له ﷺ (وإذا راية سوداء) تخفق وتتحرك بين يديه ﷺ في يد رجل قائم بها فاجأتني، قال الحارث: (فقلت) لمن هناك: (من هذا) القائم بالراية؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون هناك: (هذا) القائم بالراية (عمرو بن العاص) بن وائل السهمي (قدم) الآن (من غزاة) مع سريته، وموضع الترجمة قوله: (وإذا راية سوداء).
стр. 7874
(٩٨) - ٢٧٧٤ - (٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ وَعَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن تفسير سورة الذاريات، ولفظ الترمذي: أخبرنا عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن الحارث بن يزيد البكري قال: (قدمت المدينة، فدخلت المسجد؛ فإذا هو) أي: المسجد (غاص) أي: ممتلئ (بالناس، وإذا رايات) جمع راية؛ وهي العلم (سود) جمع سوداء (تخفق) من بابي ضرب ونصر (وجهًا) أي: جانبًا (وإذا بلال متقلد السيف بين يدي رسول الله ﷺ ، قلت: ما شأن الناس؟ قالوا: يريد أن يبعث عمرو بن العاص وجهًا) أي: جانبًا. . . فذكر الحديث بطوله، وأخرجه النسائي وأحمد.
فدرجة هذا الحديث: أنَّه حسن؛ لما تقدم، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثمَّ استشهد المؤلف لحديث الحارث بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٨) - ٢٧٧٤ - (٢) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمَّد الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني - بضم الحاء المهملة - نزيل مكة، ثقة حافظ له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(وعبدة بن عبد الله) الصفار الخزاعي أبو سهل البصري كوفي الأصل، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ)، وقيل في التي قبلها. يروي عنه: (خ عم).
كلاهما (قالا: حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا الأموي
стр. 7875
حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَمَّارٍ الدُّهْنِيّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ.
===
مولاهم، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثمَّ بالكوفة، صدوق يخطئ كثيرًا تغير حفظه بعدما ولي القضاء، وكان عادلًا فاضلًا، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عمار) بن معاوية (الدهني) - بضم المهملة وسكون الهاء بعدها نون - أبي معاوية البجلي الكوفي، صدوق يتشيع، من الخامسة، مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الزبير) محمَّد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي، صدوق، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأنَّ فيه شريك بن عبد الله، وهو كثير الخطأ.
(أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح ولواؤه أبيض) قوله: (ولواؤه أبيض) واللواء - بكسر اللام والمد - قال في "المغرب": اللواء: علم الجيش، وهو دون الراية؛ لأنه شقة ثوب يلوى ويشد إلى عود الرمح؛ والراية: علم الجيش، ويكنى أم الحرب؛ وهو فوق اللواء.
وقال أبو بكر بن العربي: اللواء غير الراية؛ فاللواء: ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح.
وقال التوربشتي: الراية: هي التي يتولاها صاحب الحرب ويقاتل عليها
стр. 7876
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتميل المقاتلة إليها، واللواء: علامة، كبكبة الأمير تدور معه حيث دار.
وفي "شرح مسلم": الراية: العلم الصغير، واللواء: العلم الكبير، كذا في "المرقاة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب في الرايات والألوية، والترمذي في كتاب الجهاد، باب في الألوية، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك، وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك، وقال: حدثنا غير واحد عن شريك عن عمار عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، قال محمَّد: وهذا هو الحديث المحفوظ.
وأما حديث يحيى بن آدم عن شريك بلفظ: (دخل مكة ولواؤه أبيض). . فليس بمحفوظ؛ لتفرد يحيى بن آدم به، ومخالفته لغير واحد من أصحاب شريك.
وقوله: (عن عمار الدهني) نسبة إلى الدهن؛ والدهن - بضم أوله وسكون ثانيه آخره نون - بطن من بجيلة، وعمار هذا؛ هو عمار بن معاوية الدهني، ويكنى أبا معاوية، وهو كوفي ثقة عند أهل الحديث، وأخرجه النسائي أيضًا في كتاب مناسك الحج، باب دخول مكة باللواء.
فدرجة هذا الحديث: أنَّه حسن؛ لكون سنده حسنًا، ولتفرد يحيى بن آدم بلفظ: دخل مكة ولواؤه أبيض، ومخالفته لغير واحد من أصحاب شريك، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 7877
(٩٩) - ٢٧٧٥ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْوَاسِطِيُّ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَايَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَتْ سَوْدَاءَ
===
ثمَّ استشهد المؤلف ثانيًا لحديث الحارث بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٩) - ٢٧٧٥ - (٣) (حدثنا عبد الله بن إسحاق) أبو جعفر (الواسطي الناقد)، نزيل بغداد صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى بن إسحاق) السيلحيني - بفتح السين المهملة ثمَّ ياء ساكنة ثمَّ لام مفتوحة وكسر حاء مهملة ثمَّ تحتانية ساكنة ثمَّ نون - أبو زكريا نزيل بغداد، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة عشر ومئتين (٢١٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن يزيد بن حيان) النبطي - بفتح النون والموحدة - البلخي نزيل المدائن أخي مقاتل، صدوق يخطئ. يروي عنه: (ت ق).
قال يزيد: (سمعت أبا مجلز) - بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي - لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ست، وقيل: تسع ومئة (١٠٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(يحدث عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأنَّ فيه يزيد بن حيان، قال البخاري: عنده غلط كثير، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
قوله: (أن راية رسول الله ﷺ ) أي: أن لونها وكيفيتها (كانت سوداء).
стр. 7878
وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ.
===
قال القاضي: أراد بالسوداء: ما غالب لونه سواد؛ بحيث يرى من البعيد أسود لا ما لونه سواد خالص؛ لأنه قال في بعض الرواية: (سوداء مربعة من نمرة) والنمرة - بفتح فكسر - وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب، فيها تخطيط من سواد وبياض، ولذلك سميت نمرة؛ تشبيهًا لها بالنمر، ذكره القاري.
قوله: (ولواؤه أبيض) بالنصب على أنَّه خبر كان، ويجوز رفعه على الخبرية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب الرايات والألوية، والترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الألوية.
قال السندي: اللواء: هو العلم الكبير للجيش كله، ولكل فرقة منه راية، وراية الرسول ﷺ كانت سوداء؛ أي: راية كتيبة المهاجرين التي كانت حول الرسول ﷺ ومعه، أما اللواء. . فكان لجيش الفتح كله، ولا يجتمع اللواء والراية إلا لقائد الجيش كله؛ إذ تكون له كتيبة قيادةٍ وحمايةٍ لها راية، إضافة لكون لواء الجيش بجانبه. انتهى منه.
فدرجة هذا الحديث: أنَّه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأوّل للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7879
(٣٩) - (٩٨٢) - بَابُ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ
(١٠٠) - ٢٧٧٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ مَوْلَى أَسْمَاءَ،
===
(٣٩) - (٩٨٢) - (باب لبس الحرير والديباج في الحرب)
والحرير معروف؛ وهو من القز؛ لأنه ما قطعته الدودة وخرجت منه حيةً.
وأما الإبريسم. . فهو ما ماتت فيه الدودة، وهو كمد اللون، وهو المسمى بالحرير المكي، والحرير يعمهما.
والديباج - بكسر الدال وفتحها - فارسي معرب؛ من التدبيج؛ وهو النقش والتزيين، وجمعه دبائج؛ وهو ما غلظ من ثياب الحرير مطلقًا، ويقابله الإستبرق: وهو ما رق منها. انتهى "ب ج" بزيادة، قيل: أول من لبسه أيوب ﵇.
(١٠٠) - ٢٧٧٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حجاج) بن أرطاة بن ثور بن هبيرة النخعي أبي أرطاة الكوفي - بفتح الهمزة - الكوفي القاضي أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس لا يحتج به، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي عمر مولى أسماء) بنت أبي بكر الصديق، اسمه عبد الله بن
стр. 7880
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةً مُزَرَّرَةً بِالدِّيبَاجِ فَقَالَتْ:
===
كيسان التيمي مولاهم؛ مولى أسماء بنت أبي بكر المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن) مولاته (أسماء بنت أبي بكر) الصديق التيمية أم عبد الله المدنية ذات النطاقين، زوج الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم، من كبار الصحابيات، عاشت مئة سنة، وماتت سنة ثلاث أو أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنها: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه حجاج بن أرطاة، وهو متفق على ضعفه.
(أنها) أي: أن أسماء (أخرجت) إلى من صندوقها (جبةً) وهو قميص محشو يلبس للبرد من أي نوع كان، سواء كان من قطن أو كتان أو صوف أو غيرها (مزررة) بصيغة اسم المفعول منصوب على أنَّه صفة لجبة؛ أي: مكفوفة طرفي شقيها اللذين كانا من قدام ووراء؛ أي: مكفوفًا طرفا شقيها (بـ) كفة (الديباج) والحرير؛ أي: مخيطًا طرفاهما بخرقة حرير.
وفي "النووي": ومعنى المكفوفة: أنَّه جعل لها كفة - بضم الكاف وتشديد الفاء - وهي: ما يكف به جوانبها ويعطف عليها، ويكون ذلك في الذيل وفي الفرجين وفي الكمين. انتهى.
وإنما أخرجت أسماء جبة النبي ﷺ وهي مكفوفة أطرافها بالحرير؛ لتري أن الثوب والجبة والعمامة ونحوها إذا كان مكفوف الأطراف بالحرير. . جاز لبسه ما لم تزد كفته على قدر أربع أصابع؛ فإن زادت. . فهو حرام؛ لما سيأتي في حديث عمر الآتي.
قوله: (فقالت) معطوف على أخرجت؛ أي: أخرجت إلى من خزانتها،