. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وتميل المقاتلة إليها، واللواء: علامة، كبكبة الأمير تدور معه حيث دار.
وفي "شرح مسلم": الراية: العلم الصغير، واللواء: العلم الكبير، كذا في "المرقاة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب في الرايات والألوية، والترمذي في كتاب الجهاد، باب في الألوية، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك، وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث يحيى بن آدم عن شريك، وقال: حدثنا غير واحد عن شريك عن عمار عن أبي الزبير عن جابر أن النبي ﷺ دخل مكة وعليه عمامة سوداء، قال محمَّد: وهذا هو الحديث المحفوظ.
وأما حديث يحيى بن آدم عن شريك بلفظ: (دخل مكة ولواؤه أبيض). . فليس بمحفوظ؛ لتفرد يحيى بن آدم به، ومخالفته لغير واحد من أصحاب شريك.
وقوله: (عن عمار الدهني) نسبة إلى الدهن؛ والدهن - بضم أوله وسكون ثانيه آخره نون - بطن من بجيلة، وعمار هذا؛ هو عمار بن معاوية الدهني، ويكنى أبا معاوية، وهو كوفي ثقة عند أهل الحديث، وأخرجه النسائي أيضًا في كتاب مناسك الحج، باب دخول مكة باللواء.
فدرجة هذا الحديث: أنَّه حسن؛ لكون سنده حسنًا، ولتفرد يحيى بن آدم بلفظ: دخل مكة ولواؤه أبيض، ومخالفته لغير واحد من أصحاب شريك، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 7877
(٩٩) - ٢٧٧٥ - (٣) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِسْحَاقَ الْوَاسِطِيُّ النَّاقِدُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ حَيَّانَ، سَمِعْتُ أَبَا مِجْلَزٍ يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَايَةَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانَتْ سَوْدَاءَ
===
ثمَّ استشهد المؤلف ثانيًا لحديث الحارث بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٩) - ٢٧٧٥ - (٣) (حدثنا عبد الله بن إسحاق) أبو جعفر (الواسطي الناقد)، نزيل بغداد صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى بن إسحاق) السيلحيني - بفتح السين المهملة ثمَّ ياء ساكنة ثمَّ لام مفتوحة وكسر حاء مهملة ثمَّ تحتانية ساكنة ثمَّ نون - أبو زكريا نزيل بغداد، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة عشر ومئتين (٢١٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن يزيد بن حيان) النبطي - بفتح النون والموحدة - البلخي نزيل المدائن أخي مقاتل، صدوق يخطئ. يروي عنه: (ت ق).
قال يزيد: (سمعت أبا مجلز) - بكسر الميم وسكون الجيم وفتح اللام بعدها زاي - لاحق بن حميد بن سعيد السدوسي البصري مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الثالثة، مات سنة ست، وقيل: تسع ومئة (١٠٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(يحدث عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأنَّ فيه يزيد بن حيان، قال البخاري: عنده غلط كثير، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
قوله: (أن راية رسول الله ﷺ ) أي: أن لونها وكيفيتها (كانت سوداء).
стр. 7878
وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ.
===
قال القاضي: أراد بالسوداء: ما غالب لونه سواد؛ بحيث يرى من البعيد أسود لا ما لونه سواد خالص؛ لأنه قال في بعض الرواية: (سوداء مربعة من نمرة) والنمرة - بفتح فكسر - وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب، فيها تخطيط من سواد وبياض، ولذلك سميت نمرة؛ تشبيهًا لها بالنمر، ذكره القاري.
قوله: (ولواؤه أبيض) بالنصب على أنَّه خبر كان، ويجوز رفعه على الخبرية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الجهاد، باب الرايات والألوية، والترمذي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الألوية.
قال السندي: اللواء: هو العلم الكبير للجيش كله، ولكل فرقة منه راية، وراية الرسول ﷺ كانت سوداء؛ أي: راية كتيبة المهاجرين التي كانت حول الرسول ﷺ ومعه، أما اللواء. . فكان لجيش الفتح كله، ولا يجتمع اللواء والراية إلا لقائد الجيش كله؛ إذ تكون له كتيبة قيادةٍ وحمايةٍ لها راية، إضافة لكون لواء الجيش بجانبه. انتهى منه.
فدرجة هذا الحديث: أنَّه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأوّل للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7879
(٣٩) - (٩٨٢) - بَابُ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ فِي الْحَرْبِ
(١٠٠) - ٢٧٧٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي عُمَرَ مَوْلَى أَسْمَاءَ،
===
(٣٩) - (٩٨٢) - (باب لبس الحرير والديباج في الحرب)
والحرير معروف؛ وهو من القز؛ لأنه ما قطعته الدودة وخرجت منه حيةً.
وأما الإبريسم. . فهو ما ماتت فيه الدودة، وهو كمد اللون، وهو المسمى بالحرير المكي، والحرير يعمهما.
والديباج - بكسر الدال وفتحها - فارسي معرب؛ من التدبيج؛ وهو النقش والتزيين، وجمعه دبائج؛ وهو ما غلظ من ثياب الحرير مطلقًا، ويقابله الإستبرق: وهو ما رق منها. انتهى "ب ج" بزيادة، قيل: أول من لبسه أيوب ﵇.
(١٠٠) - ٢٧٧٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حجاج) بن أرطاة بن ثور بن هبيرة النخعي أبي أرطاة الكوفي - بفتح الهمزة - الكوفي القاضي أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس لا يحتج به، من السابعة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي عمر مولى أسماء) بنت أبي بكر الصديق، اسمه عبد الله بن
стр. 7880
عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةً مُزَرَّرَةً بِالدِّيبَاجِ فَقَالَتْ:
===
كيسان التيمي مولاهم؛ مولى أسماء بنت أبي بكر المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن) مولاته (أسماء بنت أبي بكر) الصديق التيمية أم عبد الله المدنية ذات النطاقين، زوج الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهم، من كبار الصحابيات، عاشت مئة سنة، وماتت سنة ثلاث أو أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنها: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه حجاج بن أرطاة، وهو متفق على ضعفه.
(أنها) أي: أن أسماء (أخرجت) إلى من صندوقها (جبةً) وهو قميص محشو يلبس للبرد من أي نوع كان، سواء كان من قطن أو كتان أو صوف أو غيرها (مزررة) بصيغة اسم المفعول منصوب على أنَّه صفة لجبة؛ أي: مكفوفة طرفي شقيها اللذين كانا من قدام ووراء؛ أي: مكفوفًا طرفا شقيها (بـ) كفة (الديباج) والحرير؛ أي: مخيطًا طرفاهما بخرقة حرير.
وفي "النووي": ومعنى المكفوفة: أنَّه جعل لها كفة - بضم الكاف وتشديد الفاء - وهي: ما يكف به جوانبها ويعطف عليها، ويكون ذلك في الذيل وفي الفرجين وفي الكمين. انتهى.
وإنما أخرجت أسماء جبة النبي ﷺ وهي مكفوفة أطرافها بالحرير؛ لتري أن الثوب والجبة والعمامة ونحوها إذا كان مكفوف الأطراف بالحرير. . جاز لبسه ما لم تزد كفته على قدر أربع أصابع؛ فإن زادت. . فهو حرام؛ لما سيأتي في حديث عمر الآتي.
قوله: (فقالت) معطوف على أخرجت؛ أي: أخرجت إلى من خزانتها،
стр. 7881
كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْبَسُ هَذِهِ إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ.
===
فقالت: (كان النبي ﷺ ) في حياته (يلبس هذه) الجبة التي أخرجتها إليك (إذا لقي العدو) والكفار وقابلهم؛ إغاظةً لهم.
قال القرطبي: قول أسماء: (هذه جبة رسول الله التي يلبسها إذا قابل العدو) تحتج به على جواز العلم من الحرير؛ فإن الجبة كانت فيها لبنة من الحرير؛ أي: رقعة منه؛ واللبنة - بكسر اللام وسكون الموحدة فنون -: رقعة توضع في جيب القميص والجبة وتخاط عليه على ما في "النهاية"، وكانت تلك الجبة أيضًا مكفوفةً أطرافها بالحرير.
ووجه الاحتجاج بذلك: أنَّه إذا كان القليل من الحرير المصمت؛ أي: المخيط في الثوب جائزًا. . كان العلم بالجواز أولى، ولا يلتفت إلى قول من قال: إن ذلك الحرير وضع في الجبة بعد موت النبي ﷺ ؛ لأنه لو كان كذلك. . لما احتجت به أسماء، ولكان الواضع معروفًا عندهم؛ فإن الاعتناء بتلك الجبة كان شديدًا، وتحفظهم بها كان عظيمًا؛ لأنها من آثار رسول الله ﷺ المتداولة عندهم للتذكر والتبرك والاستشفاء، فيبعد ذلك الاحتمال؛ بدليل قولها: (هذه الجبة كانت عند عائشة حتى قبضت، فلما قبضت. . قبضتها، وكان النبي ﷺ يلبسها، فنحن نغسلها للمرضى يستشفى بها) كما في رواية مسلم، فتأمله؛ فإنَّه يدلّ على ذلك دلالةً واضحة. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال الحرير على الرجال وإباحته للنساء وإباحة العلم منه للرجل، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب الرخصة في العلم وخيط الحرير.
فدرجته: أنَّه صحيح المتن؛ لما فيه من المشاركة المذكورة، وغرضه:
стр. 7882
(١٠١) - ٢٧٧٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ، عَنْ عَاصِمٍ الْأَحْوَل، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَنْهَى عَنِ الْحَرِيرِ
===
الاستدلال به على الترجمة، وضعيف السند؛ لما تقدم من أن حجاج بن أرطاة متفق على ضعفه.
ثمَّ استشهد المؤلف لحديث أسماء بحديث عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠١) - ٢٧٧٧ - (٢) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث) - بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة - ابن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن سليمان (الأحول) أبي عبد الرحمن البصري، ثقة، من الرابعة، لم يتكلم فيه أحد إلا القطان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه (ع).
(عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل - بتثليث الميم ولام مشددة - النهدي - بفتح النون وسكونها - مشهور بكنيته، ثقةٌ ثَبْتٌ عابد مخضرم، من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها، وعاش مئة وثلاثين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات.
(أنَّه) أن عمر (كان ينهى) الرجال (عن) لبس (الحرير) عامة لما رق
стр. 7883
وَالدِّيبَاجِ إِلَّا مَا كَانَ هَكَذَا، ثُمَّ أَشَارَ بِإِصْبَعِه، ثُمَّ الثَّانِيَةِ ثُمَّ الثَّالِثَةِ ثُمَّ الرَّابِعَةِ وَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَنْهَانَا عَنْهُ.
===
ولما غلظ (و) لبس (الديباج) خاصة بما غلظ (إلا ما كان) منهما (هكذا) أي: قدر أربع أصابع أو ما دونه (ثمَّ) بعدما أجمل القدر الجائز (أشار) إليه بالتفصيل (بإصبعه) الأولى؛ يعني: المسبحة (ثمَّ) بـ (الثانية) يعني: الوسطى (ثمَّ) بـ (الثالثة) يعني: بالبنصر (ثمَّ) بـ (الرابعة) يعني: الخنصر (وقال) عمر بعدما نهى عنه بنفسه؛ بيانًا بأن النهي مرفوع لا موقوف عليه: (كان رسول الله ﷺ ينهانا) معاشر الصحابة (عنه) أي: عن لبس الحرير والديباج إلا القدر المذكور؛ يعني: قدر أربع أصابع.
قال النوويّ: وفي هذا الحديث إباحة العلم من الحرير في الثوب إذا لم يزد على قدر أربع أصابع، وذلك كالذي يجعلونه على عضد قمص العسكر والشرطة، وقال: هذا مذهبنا ومذهب الجمهور. انتهى بزيادة فيه.
وقال قاضيخان: روى بشر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنَّه لا بأس بالعلم من الحرير في الثوب إذا كان أربع أصابع أو دونها، ولم يحك فيها خلافًا. انتهى "مرقاة".
وقد استدرك الدارقطني هذا الحديث على مسلم؛ بأن الصواب أنَّه موقوف على عمر؛ كما رواه الثقات، ولم يرفعه إلا قتادة، وهو مدلس، ولكن رد عليه النوويّ بأن الرفع زيادة علم، وهي من الثقة مقبولة. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب اللباس، باب لبس الحرير وقدر ما يجوز منه، ومسلم في كتاب اللباس والزينة، باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء والحرير على الرجال وإباحته للنساء، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب ما
стр. 7884
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
جاء في لبس الحرير، والنسائيُّ في كتاب الزينة، باب الرخصة في لبس الحرير.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأوّل للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7885
(٤٠) - (٩٨٣) - بَابُ لُبْسِ الْعَمَائِمِ فِي الْحَرْبِ
(١٠٢) - ٢٧٧٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ مُسَاوِرٍ، حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ.
===
(٤٠) - (٩٨٣) - (باب لبس العمائم في الحرب)
(١٠٢) - ٢٧٧٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مساور) الوراق الكوفي الشاعر، اسم أبيه سوار بن عبد الحميد، قاله أسلم الواسطي، صدوق، من السابعة. يروي عنه: (م عم).
(حدثني جعفر بن عمرو بن حريث) المخزومي، مقبول، من الثالثة، وذكره ابن حبَّان في "الثقات". يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبيه) عمرو بن حريث بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، صحابي صغير رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات.
(قال) عمرو بن حريث: (كأني أنظر) الآن (إلى رسول الله ﷺ و) الحال أن (عليه عمامة سوداء قد أرخى) وأرسل وأسدل (طرفيها) على ظهره (بين كتفيه) الشريفتين، وفي بعض النسخ: (طرفها) بالإفراد؛
стр. 7886
(١٠٣) - ٢٧٧٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ،
===
كما في "أبي داوود"، والحديث يدلّ على استحباب إرخاء طرف العمامة بين الكتفين، ويدل أيضًا على استحباب لبس العمامة السوداء.
قوله: (قد أرخى طرفيها) أي: طرفي العمامة (بين كتفيه) قال النوويّ: هكذا هو في جميع نسخ بلادنا وغيرها: (طرفيها) بالتثنية، وكذا هو في "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وذكر القاضي عياض أن الصواب المعروف: (طرفها) بالإفراد، وأن بعضهم رواه: (طرفيها) بالتثنية، والله أعلم.
وقوله: (وعليه عمامة) بكسر العين، قال القاري: وقول العصام بفتحها على وزن غمامة. . هو سهو قلم من العلامة. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في العمائم، والنسائيُّ في كتاب الحج، باب دخول مكة بغير إحرام، وفي كتاب الزينة، باب لبس الغمائم الحرقانية، وباب إرخاء العمامة بين الكتفين، والترمذي في "جامعه" كتاب اللباس، باب في العمامة السوداء.
فدرجة هذا الحديث: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة، وغرضه: الاستدلال به.
ثمَّ استشهد المؤلف لحديث عمرو بن حريث بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٣) - ٢٧٧٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح، (حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة عابد أثبت الناس
стр. 7887
عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ.
===
في حديث ثابت، وتغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الزبير) محمَّد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم المكي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ دخل مكة) يوم الفتح؛ كما في رواية أبي داوود (وعليه عمامة سوداء) قال الحافظ شمس الدين ابن القيم في "زاد المعاد": لم يذكر في حديث جابر؛ يعني: هذا الحديث (ذؤابة) فدلّ على أن الذؤابة لم يكن يرخيها دائمًا بين كتفيه. انتهى.
وفيه نظر؛ إذ لا يلزم من عدم ذكر الذؤابة في هذا الحديث. . عدمها في الواقع حتى يستدل به على أنَّه ﷺ لم يكن يرخي الذؤابة دائمًا.
والحديث يدلّ على استحباب لبس العمامة السوداء؛ كما مر. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز دخول مكة بغير إحرام، وأبو داوود في كتاب اللباس، باب في العمائم، والترمذي في كتاب اللباس، باب ما جاء في العمامة السوداء، وقال: حديث جابر حديث صحيح حسن، والنسائيُّ في كتاب المناسك، باب دخول مكة بغير إحرام.
стр. 7888
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأوّل للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7889
(٤١) - (٩٨٤) - بَابُ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ فِي الْغَزْوِ
(١٠٤) - ٢٧٨٠ - (١) حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيم، حَدَّثَنَا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُودَ، عَنْ خَالِدِ بْنِ حَيَّانَ الرَّقِّيِّ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ عُرْوَةَ الْبَارِقِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ،
===
(٤١) - (٩٨٤) - (باب الشراء والبيع في الغزو)
(١٠٤) - ٢٧٨٠ - (١) (حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم) بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (٢٦٤ هـ)، وله أربع وستون سنة. يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا سنيد) بنون ثمَّ دال مصغرًا (ابن داوود) المصيصي المحتسب، واسمه حسين، ضعيف مع إمامته ومعرفته؛ لكونه كان يلقن حجاج بن محمَّد شيخه، من العاشرة، مات سنة ست وعشرين ومئتين (٢٢٦ هـ). يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبَّان في "الثقات" كما في "التهذيب".
(عن خالد بن حيان الرقي) أبي زيد الكندي مولاهم الخراز - بالمعجمة والراء وآخره زاي - صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ). يروي عنه: (ق).
(أنبأنا علي بن عروة البارقي) الصواب: القرشي الدمشقي. روى عن: يونس بن يزيد، ويروي عنه: (ق)، وخالد بن حيان الرقي، متروك، من الثامنة.
(حدثنا يونس بن يزيد) الأيلي الأموي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
стр. 7890
عَنْ أَبِي الزِّنَاد، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا يَسْأَلُ أَبِي عَنِ الرَّجُلِ يَغْزُو فَيَشْتَرِي وَيَبِيعُ وَيَتَّجِرُ فِي غَزْوَتِه، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِتَبُوكَ نَشْتَرِي وَنَبِيعُ وَهُوَ يَرَانَا وَلَا يَنْهَانَا.
===
(عن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان الأموي مولاهم المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة ثلاثين ومئة، وقيل: بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن خارجة بن زيد) بن ثابت الأنصاري أبي زيد المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ) وقيل: قبلها. يروي عنه: (ع).
(قال) خارجة: (رأيت رجلًا) لم أر من ذكر اسمه من المسلمين (يسأل أبي) ووالدي زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري أبا خارجة الصحابي المشهور كاتب الوحي رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين (٤٨ هـ)، وقيل: بعد الخمسين. يروي عنه: (ع).
أي: يسأله (عن) حكم (الرجل) الذي (يغزو) أي: يخرج للغزو مع المجاهدين (فيشتري) في غزوه بضاعة (ويبيعـ) ها (ويتجر) أي: يطلب الربح بالشراء والبيع (في غزوته) هل يجوز له ذلك الاتجار؟
وعبارة السندي: هل يبطل أجر خروجه للغزو أم لا؟
(فقال له) أي: لذلك السائل (أبي: كنا مع رسول الله ﷺ بتبوك) أي: في غزوتها، حالة كوننا (نشتري ونبيع) للتجارة (وهو يرانا ولا ينهانا) عن ذلك الاتجار؛ فالتجارة في سفر العبادة جائزة؛ كما أذن الله تعالى فيها في سفر الحج.
وسند هذا الحديث من ثمانياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأنَّ فيه علي بن عروة، وهو ضعيف، وسنيد بن داوود، وهو متروك.
стр. 7891
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأما متنه. . فقد انفرد به ابن ماجه، فلا شاهد له ولا متابع، فدرجته: أنَّه ضعيف (١١)(٢٩٤)؛ لضعف سنده، ولا مشارك ولا متابع، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ولم يذكر في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 7892
(٤٢) - (٩٨٥) - بَابُ تَشْيِيعِ الْغُزَاةِ وَوَدَاعِهِمْ
(١٠٥) - ٢٧٨١ - (١) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَسْوَد، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِيه،
===
(٤٢) - (٩٨٥) - (باب تشييع الغزاة ووداعهم)
(١٠٥) - ٢٧٨١ - (١) (حدثنا جعفر بن مسافر) بن راشد التنيسي أبو صالح الهذلي، صدوق ربما أخطأ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وخمسين ومئتين (٢٥٤ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو الأسود) النضر بن عبد الجبار المرادي مولاهم المصري، مشهور بكنيته، ثقة، من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري القاضي، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه فترك، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن زبان بن فائد) بالفاء، المصري أبي جوين - بالجيم مصغرًا - الحمراوي - بالمهملة - ضعيف الحديث مع صلاحه وعبادته، من السادسة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن سهل بن معاذ بن أنس) الجهني نزيل مصر، لا بأس به إلا في روايات زبان عنه، من الرابعة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبيه) معاذ بن أنس الجهني الأنصاري الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، نزل مصر، وبقي إلى خلافة عبد الملك. يروي عنه: (د ت ق).
стр. 7893
عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَأَنْ أُشَيِّعَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللهِ فَأَكُفَّهُ عَلَى رَحْلِهِ غَدْوَةً أَوْ رَوْحَةً. . أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه ابن لهيعة، وشيخه زبان بن فائد، وهما ضعيفان.
(عن رسول الله ﷺ قال: لأن أشيع) وأجهز وأهيئ بزاده وسلاحه (مجاهدًا) أي: غازيًا واحدًا يجاهد (في سبيل الله) تعالى وطاعته وإعلاء كلمة الإيمان وإبطال كلمة البهتان (فأكفه) أي: فأحمله بكفي (على رحله) ومركوبه عند خروجه من منزله لسفر الجهاد، هو من الكفاية، قال الدميري: هو أن يحرس له متاعه إذا غدا وبكر (غدوة) أي: بكرة للجهاد (أو) إذا راح وذهب آخر النهار (روحةً) أي: مرةً من الرواح للجهاد.
وقوله: "أحب" خبر المبتدأ؛ أي: لكفايتي إياه وخدمتي إياه وقيامي بمؤنته في غدوته وذهابه إلى الجهاد أول النهار، أو في روحته إلى الجهاد آخر النهار؛ أي: لتحصيل أجر خدمتي إياه في هاتين الوقتين. . (أحب إلي) أي: أرغب عندي (من) تحصيل أجر تصدقي بـ (الدنيا وما فيها) من النعيم؛ لكون أجر خدمتي إياه أفضل وأكثر من أجر تصدقي بالدنيا وما فيها من زخارفها.
قال السندي: أراد النبي ﷺ بهذا الحديث ترغيب الناس في خدمة المجاهدين ومعونتهم؛ كما في الحديث الآخر: "والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الإمام أحمد من حديث معاذ بن أنس، ورواه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الجهاد من طريق يحيى بن أيوب عن زبان بن فائد، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، والبيهقيُّ في "السنن الكبرى".
стр. 7894
(١٠٦) - ٢٧٨٢ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ مُوسَى بْنِ وَرْدَانَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
فدرجته: أنَّه ضعيف (١٢)(٢٩٥)؛ لضعف سنده؛ كما تقدم، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ثمَّ استدل المؤلف على الترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠٦) - ٢٧٨٢ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري قاضيها، صدوق مخلط بعد احتراق كتبه. يروي عنه: (م د ت ق).
(عن الحسن بن ثوبان) بن عامر الهوزني - بفتح الهاء وسكون الواو بعدها زاي ثمَّ نون - أبي ثوبان المصري، صدوق فاضل ولي إمرة رشيد، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن موسى بن وردان) العامري مولاهم أبي عمر المصري مدني الأصل، صدوق ربما أخطأ، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ)، وله أربع وسبعون سنة. يروي عنه: (عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 7895
قَالَ: وَدَّعَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَسْتَوْدِعُكَ اللهَ الَّذِي لَا تَضِيعُ وَدَائِعُهُ".
(١٠٧) - ٢٧٨٣ - (٣) حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ الْوَلِيد،
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف، لكن لم ينفرد ابن لهيعة؛ فقد رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة"، في باب ما يقول عند الوداع عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن الليث وسعيد بن أبي سعيد، كلاهما عن الحسن بن ثوبان، والحسن قال فيه أبو حاتم: لا بأس به، فيكون حكم السند الصحة؛ لأنَّ ليث بن سعد وسعيد بن أبي سعيد المقبري تابعا ابن لهيعة في الرواية عن الحسن بن ثوبان، فكان رجال السند ثقات أثباتًا، فحكمه: الصحة.
(قال) أبو هريرة: (ودعني رسول الله ﷺ ) من التوديع حين خرجت (فقال) لي في توديعي: (أستودعك الله) أي: أَطْلُبُ من الله (الذي لا تَضِيعُ ودائعهُ) حِفْظَك من كل سوء ومكروه في سفرك؛ أَي: الإله الذي لا تكون وديعتُه ضائعةً مُعطَّلة عن الحفظ، بل تكون وديعته محفوظةً في كل مكان وفي كل زمان.
وفي الحديث مشروعية التوديع بالقول الوارد في الحديث.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له متابع، فدرجته: أنَّه صحيح بسند آخر، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثمَّ استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٠٧) - ٢٧٨٣ - (٣) (حدثنا عباد بن الوليد) بن خالد الغبري - بضم
стр. 7896
حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مِحْصَنٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
المعجمة وفتح الموحدة المخففة - أبو بدر المؤدب، سكن بغداد، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ)، وقيل: سنة اثنتين وستين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا حبَّان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (ابن هلال) أبو حبيب البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ست عشرة ومئتين (٢١٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو محصن) الضرير حصين بن نمير الهمداني مولاهم كوفي الأصل.
روى عن: محمَّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى؛ ويروي عنه: حبَّان بن هلال البصري قال ابن معين: صالح، وقال العجلي وأبو زرعة: ثقة، وذكره ابن حبَّان في "الثقات"، وفي أكثر النسخ: (عن ابن محصن)، وهو تحريف من النساخ، والصواب ما قلناه؛ أعني: (حدثنا أبو مِحْصَنٍ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد آخره نون (حُصَينُ بن نُمير) - بالتصغير فيهما - الواسطي الضرير كوفي الأصل، لا بأس به، رمي بالنصب، من الثامنة. يروي عنه: (خ د ت س ق).
قلت: شغلتني وعطلتني ترجمة هذا الراوي شغل يوم، ثمَّ حصَلْتُ على الصواب، فلله الحمد.
(عن) محمَّد بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي القاضي أبي عبد الرحمن، صدوق سيئ الحفظ جدًّا، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 7897
قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَشْخَصَ السَّرَايَا. . يَقُولُ لِلشَّاخِصِ: "أَسْتَوْدِعُ اللهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه ابن أبي ليلى، وهو ضعيف سيئ الحفظ جدًّا.
قلت: وحكم هذا السند: الحسن؛ لكثرة طرقه؛ لأنَّ كثرة الطرق تجبر ضعفه فيرتقي إلى درجة الحسن، والله أعلم.
(قال) ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ إذا أشخص السرايا) جمع سرية؛ أي: إذا أرسلهم وبعثهم للغزو. . (يقول للشاخص) أي: للذاهب منهم إلى الغزو؛ لأنَّ الشخوص يأتي بمعنى الحضور وبمعنى الذهاب: (أستودع الله) أي: أطلب من الله تعالى (دينك) أي: حفظ دينك عليك؛ بتوفيق امتثال المأمورات، واجتناب المنهيات (و) أستودع الله (أمانتك) أي: وأطلب من الله حفظ أمانتك عليك، سواء كان لله أو لغيره (و) أستودع الله حسن (خواتيم عملك) أي: أطلب منه تعالى أن يحسن أواخر أعمالك وأواخر عمرك بتوفيقك حسن الختام في كل أمورك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه؛ ولكن له متابعات كثيرة؛ فقد رواه أبو داوود في "سننه" في كتاب الجهاد، باب في الدعاء عند الوداع من طريق قَزَعة بن يحيى عن ابن عمر به دون قوله: (إذا أشخص السرايا)، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" في كتاب السير، باب تشييع الغازي وتوديعه من طريق مجاهد عن ابن عمر؛ كما رواه أبو داوود في كتاب الحج، باب التوديع، والنسائيُّ في "عمل اليوم والليلة" عن يحيى بن محمَّد بن السكن عن حبَّان بن هلال به، والنسائيُّ في "الكبرى" في كتاب السير، باب ما يقول إذا ودع إنسانًا، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وروي هذا الحديث من غير وجه
стр. 7898
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عن ابن عمر، وأحمد في "مسنده"، وأبو يعلى في "مسنده"، وقال: إسناده حسن.
وهذا الحديث له طرق كثيرة تجبر ضعف سنده، وله شاهد من حديث أبي هريرة المذكور قبله، فهذا الحديث: حسن السند، صحيح المتن، فغرضه: الاستشهاد به لما قبله.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأوّل للاستئناس، والثاني للاستدلال، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 7899
(٤٣) - (٩٨٦) - بَابُ السَّرَايَا
(١٠٨) - ٢٧٨٤ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّنْعَانِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ الْعَامِلِيُّ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
(٤٣) - (٩٨٦) - (باب السرايا)
(١٠٨) - ٢٧٨٤ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الملك بن محمَّد) الحميري البرسمي - بفتح الموحدة والمهملة بينهما راء ساكنة - (الصنعاني) من أهل صنعاء دمشق، لين الحديث، من التاسعة. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا أبو سلمة العاملي) الأزدي الشامي، اسمه الحكم بن عبد الله بن خطَّاف - بضم المعجمة وتشديد الطاء المهملة - وقيل: اسمه عبد الله بن سعد، متروك، ورماه أبو حاتم بالكذب، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن) محمَّد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة حافظ مشهور، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأنَّ فيه أبا سلمة العاملي وعبد الملك الصنعاني، وهما ضعيفان.
стр. 7900
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: "يَا أَكْثَمُ؛ اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ. . يَحْسُنْ خُلُقُكَ، وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ، يَا أَكْثَمُ؛ خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ".
===
(أن رسول الله ﷺ قال لأكثم بن الجون الخزاعي: يا أكثم؛ اغز مع غير قومك) وكأن وجهه أن الإنسان يراعي التحفظ مع غير قومه، ما لا يراعيه معهم من الأخلاق الحسنة. . (يحسن خلقك، وتكرم على رفقائك) أي: أحسن إليهم وجد عليهم ما عندك؛ أي: كن كريمًا عليهم محسنًا إليهم (يا أكثم؛ خير الرفقاء أربعة) خيرية هذه الأعداد بالنسبة إلى ما دونها (وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب) بالبناء للمفعول (اثنا عشر ألفًا من قلة) قاله ترغيبًا لهم في التعب، وأنه ليس لهم أن يروا أنفسهم قليلين، فيفروا لذلك.
قال الحافظ ابن حجر في "الإصابة": قد أخرجه ابن منده من طريق أخرى عن أكثم بن الجون الخزاعي نفسه، وأشار إليها ابن عبد البر، وفي بعض روايات ابن عساكر: "يا أكثم؛ اغز مع قومك. . يحسن خلقك" قال ابن عساكر: المحفوظ: "مع غير قومك". انتهى.
قلت: وكأن وجهه أن الإنسان يراعي التحفظ على الأخلاق الحسنة مع غير قومه ما لا يراعيه مع قومه من هذا النمط، أخرجه ابن عساكر عن أبي أيوب قال "من أراد أن يكثر علمه، وأن يعظم حلمه. . فليجالس مع غير عشيرته". انتهى كلام السيوطي.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه ابن أبي عاصم وابن فاختة من طريق النهري عن أنس، وله شاهد من حديث ابن عباس، رواه ابن حبَّان في
стр. 7901
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"صحيحه موارد الظمآن" (١٦٦٣)، ورواه أيضًا أبو داوود في كتاب الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا، ولفظه في "أبي داوود": حدثنا زهير بن حرب، أخبرنا وهب بن جرير، أخبرنا أبي قال: سمع يونس عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربع مئة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفًا من قلة"، قال أبو داوود: والصحيح أنَّه مرسل.
وقول أبي داوود في الترجمة: (والرفقاء) جمع رفيق؛ أي: ما يستحب من الرفقاء والصحبة في السفر، ورواه الترمذي أيضًا في كتاب السير، باب ما جاء في السرايا، وقال: حسن غريب، وأحمد في "المسند"، وابن خزيمة في "صحيحه"، وعبد بن حميد في "مسنده"، والمتن أورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" من طريق ابن ماجه، وضعفه بأبي سلمة العاملي، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" عن أكثم بن الجون عن النبي ﷺ ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الجهاد عن ابن عباس من أول قوله: "خير الصحابة. . ." إلى آخره، وقال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لخلاف بين الناقلين عن الزهري.
والحاصل: أن أسانيد هذا الحديث؛ لكثرة طرقها تجبر بعضها بعضًا، فترقى إلى درجة الحسن.
ودرجته: أنَّه صحيح؛ لكثرة شواهده، فيكون هذا الحديث: حسن السند، صحيح المتن، وغرضه: الاستدلال به، والله أعلم.
стр. 7902
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تتمة
قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "الاستيعاب": شرط كتابنا هذا أن نذكر فيه كل من كان مسلمًا في عهد رسول الله ﷺ في حياته، ولم نذكر فيه أكثم بن صيفي الخزاعي المعروف بابن الجون؛ لأنه لم يصح إسلامه في حياة رسول الله ﷺ ، وقد ذكره أبو علي ابن السكن في كتاب "الصحابة"، فلم يصنع شيئًا، والحديث الذي ذكره له في ذلك هو أن قال: (لما بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ . . أراد أن يأتيه، فأبى قومه أن يدعوه، قالوا: أنت كبيرنا لم تك لتخف إليه، قال: فليأت من يبلغه عني ويبلغني عنه، قال: فانتدب رجلان، فأتيا النبي ﷺ ، فقالا: نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت وما أنت وبم جئت؟ فقال النبي ﷺ : "أنا محمَّد بن عبد الله، وأنا عبد الله ورسوله"، ثمَّ تلا عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى. . .﴾ الآية (١).
فأتيا أكثم بن صيفي، فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه، فوجدناه زاكي النسب واسط في مضر، وقد رمى إلينا بكلمات قد حفظناهن، فلما سمعهن أكثم. . قال: أي قوم؛ أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رؤوسًا، ولا تكونوا فيه أذنابًا، وكونوا فيه أولًا، ولا تكونوا فيه آخرًا، فلم يلبث أن حضرته الوفاة، فقال: أوصيكم بتقوى الله تعالى، وصلةِ الرَّحمِ؛ فإنَّه لا يَبْلَى عَليْها أصل. . . وذكر الحديث إلى آخره.
стр. 7903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال ابن السكن: والحديث حدثناه يحيى بن محمَّد بن صاعد إملاءً، قال حدثنا الحسن بن داوود بن محمَّد بن المنكدر، قال: حدثنا عمر بن علي المقدمي عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال: لما بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي ﷺ . . . فذكر الخبر على حسب ما أوردناه، وليس في ذلك الخبر شيء يدلّ على إسلامه، بل فيه بيان واضح أنَّه إذ أتاه الرجلان اللذان بعثهما إلى النبي ﷺ وأخبراه بما قال: لم يلبث أن مات، ومثل هذا لا يجوز إدخاله في الصحابة، وبالله تعالى التوفيق. انتهى من "الاستيعاب" (ج ١/ ص ١٢٨).
قوله في حديث ابن عباس: "خير الصحابة" - بالفتح - جمع صاحب، ولم يجمع فاعل على فاعلة غير هذا اللفظ، كذا في "النهاية" أي: خير الرفقاء والأصحاب في السفر "أربعة" قال الغزالي: المسافر لا يخلو من رحل يحتاج إلى حفظه، وعن حاجة يحتاج إلى التردد فيها، ولو كانوا ثلاثة. . لكان المتردد في الحاجة واحدًا، فيتردد في السفر واحد بلا رفيق، فلا يخلو عن ضيق القلب؛ لفقد الأنيس، ولو تردد اثنان. . كان الحافظ للرحل وحده، فلا يخلو عن الخطر وعن ضيق القلب، فإذًا ما دون الأربعة لا يفي بالمقصود، والخامس زيادة بعد الحاجة.
وفيه دليل على أن خير الصحابة والرفقة أربعة أنفار، وظاهره أن ما دون الأربعة من الصحابة والرفقة موجود فيها أصل الخير من غير فرق بين السفر والحضر، ولكن حديث عمرو بن شعيب المذكور في "أبي داوود" ظاهره أن ما دون الثلاثة عصاة؛ لأنَّ معنى قوله: "شيطان" أي: عاص.
وقال الطبري: هذا الزجر زجر أدب وإرشاد؛ لما يخشى على الواحد من الوحشة والوحدة، وليس بحرام، والحق أن الناس يتباينون في ذلك، فيحتمل أن
стр. 7904
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يكون الزجر فيه لحسم المادة، فلا يتناول ما إذا وقعت الحاجة لذلك؛ كإرسال الجاسوس والطليعة، كذا في "النيل".
قوله: "وخير السرايا" جمع سرية؛ وهي القطعة من الجيش؛ تخرج منه تغير وترجع إليه، قاله النوويّ.
قال ابن رسلان: قال إبراهيم الحربي: السرية: هي الخيل تبلغ أربع مئة ونحوها، قالوا: سميت بذلك؛ لأنها تسري في الليل وتخفي ذهابها، فهي فعيلة بمعنى فاعلة؛ من سرى وأسرى؛ إذا ذهب ليلًا.
وضعف ابن الأثير ذلك؛ وعبارته: وهي الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربع مئة، تبعث إلى العدو، والجمع سرايا، سموا بذلك؛ لأنهم خلاصة العسكر وخيارهم؛ من الشيء السري النفيس، سموا بذالك؛ لأنهم ينفذون سرًّا وخفية.
قال ابن رسلان: ولعل السرية إنما خصت بأربع مئة - كما تقدم عن الحربي - لأنَّ خير السرايا هي عدة أهل بدر ثلاث مئة وبضعة عشر، فعلى هذا: خير السرايا من ثلاث مئة إلى الأربع مئة، ومن أربع مئة إلى خمس مئة، قاله العليمي.
قوله: "ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" بصيغة المجهول؛ أي: لن يصير مغلوبًا من قلة؛ معناه: أنهم لو صاروا مغلوبين. . لم يكن للقلة، بل لأمر آخر؛ كالعجب بكثرة العَدد والعُدد وغيره.
قال العلقمي: أي: إذا بلغ الجيش اثني عشر ألفًا لن يغلب من جهة قلة العدد.
قال ابن رسلان: زاد أبو يعلى الموصلي: (إذا صبروا واتقوا)، وكذا زاد ابن عساكر وزاد العسكري: (وخير الطلائع أربعون) بل يكون الغلب من سبب؛ كالعجب بكثرة العدد، وبما زين لهم الشيطان من أنفسهم؛ من قدرتهم على
стр. 7905
(١٠٩) - ٢٧٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
===
الحرب وشجاعتهم وقوتهم ونحو ذلك؛ ألا ترى وقعة حنين؛ فإن المسلمين كان عدتهم فيها اثني عشر ألفًا أو قريبًا منها، فأعجبهم كثرتهم واعتمدوا عليها، وقالوا: لن نغلب اليوم عن قلة، فغلبوا عند ذلك؟ !
واستدل بهذا الحديث على أن عدد المسلمين إذا بلغ اثني عشر ألفًا. . أنَّه يحرم الانصراف، وإن زاد الكفار على مثليهم.
قال القرطبي: وهو مذهب جمهور العلماء؛ لأنهم جعلوا هذا مخصصًا للآية الكريمة. انتهى كلام ابن رسلان.
ثمَّ استشهد المؤلف لحديث أنس بن مالك بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٠٩) - ٢٧٨٥ - (٢) (حدثنا محمَّد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عامر) العقدي - بفتحتين - عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي
стр. 7906
قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلَاثَ مِئَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ مَنْ جَازَ مَعَهُ النَّهَرَ وَمَا جَازَ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِنٌ.
===
ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنَّ رجاله ثقات أثبات.
(قال) البراء: (كنا) معاشر الصحابة (نتحدث) فيما بيننا (أن أصحاب رسول الله ﷺ ) الذين شهدوا الوقعة معه ﷺ ومن ألحق بهم و (كانوا يوم بدر ثلاث مئة وبضعة) أي: ثلاثة (عشر) أو أربعة عشر، حالة كونهم كائنين (على) قدر (عدة) أي: عدد (أصحاب) وقوم (طالوت) و (من) في قوله: (من جاز) بدل من أصحاب؛ أي: على قدر عدد من جاوز (معه) أي: مع طالوت (النهر، و) الحال أنَّه (ما جاز معه) النهر (إلا مؤمن) من قومه.
قوله: (كعدة أصحاب طالوت) هو ابن قيس؛ من ذرية بنيامين بن يعقوب شقيق يوسف ﵉، يقال: إنه كان سقاء، ويقال: إنه كان دباغًا، والمراد بأصحاب طالوت: الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا مؤمن؛ كما في رواية البخاري.
وقد ذكر الله سبحانه قصة طالوت وجالوت في القرآن في سورة البقرة، وقد ذكر أهل العلم بالأخبار أن المراد بالنهر: نهر الأردن، وأن جالوت كان رأس الجبارين، وأن طالوت وعد من قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويقاسمه الملك، فقتله داوود، وكان أصغر القوم، فوفى له طالوت الوعد، وعظم قدر داوود في بني إسرائيل حتى استقل بالمملكة بعد أن كانت نية طالوت تغيرت لداوود،
стр. 7907
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهم بقتله ولم يقدر عليه، فتاب وانخلع من الملك، وخرج مجاهدًا هو ومن معه من ولده حتى ماتوا كلهم شهداء، وقد ذكر محمَّد بن إسحاق قصته مطولة في المبدأ، كذا في "فتح الباري".
قوله: (ثلاث مئة وثلاثة عشر) كذا وقع ثلاثة عشر في حديث البراء، هذا عند الترمذي، وكذا وقع في حديث ابن عباس، قال الحافظ: ولأحمد والبزار والطبراني من حديث ابن عباس: كان أهل بدر ثلاث مئة وثلاثة عشر، وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقيُّ من رواية عبيدة بن عمرو السلماني، أحد كبار التابعين، ومنهم من وصله بذكر علي، وهذا هو المشهور عند ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي. انتهى.
وقد وقع في بعض الروايات: (أربعة عشر) مكان (ثلاثة عشر)، وفي بعضها: (خمسة عشر)، وفي بعضها: (سبعة عشر)، وفي بعضها: (تسعة عشر).
وقد جمع الحافظ في "الفتح" بين هذه الروايات المختلفة جمعًا حسنًا، من شاء الوقوف عليه. . فليراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب عدة أصحاب بدر، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في عدة أصحاب بدر، قال: وفي الباب عن ابن عباس، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد رواه الثوري وغيره عن أبي إسحاق، وأحمد في "المسند". انتهى من "تحفة الأحوذي".
فدرجة هذا الحديث: أنَّه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 7908
(١١٠) - ٢٧٨٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، أَخْبَرَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ لَهِيعَةَ بْنِ عُقْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْوَرْدِ صَاحِبَ النَّبِيِّ ﷺ
===
ثمَّ استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي الورد رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١١٠) - ٢٧٨٦ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسين العكلي - بضم العين المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فأكثر منه، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري قاضيها، صدوق، من السابعة خلط بعد احتراق كتبه، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(أخبرني يزيد بن أبي حبيب) المصري، اسم أبيه سويد، واختلف في ولائه، ثقة فقيه وكان يرسل، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه (ع).
(عن لهيعة بن عقبة) المصري والد عبد الله، يكنى أبا عكرمة، مستور، من الرابعة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قال) لهيعة: (سمعت أبا الورد) المازني الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، سكن مصر، اسمه حرب، وقيل: عبيد بن قيس، وقيل: ثمامة بن نهيك، له حديث واحد، وهو هذا الحديث. يروي عنه: (ق).
(صاحب النبي ﷺ ).
стр. 7909
يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ وَالسَّرِيَّةَ الَّتِي إِنْ لَقِيَتْ فَرَّتْ، وَإِنْ غَنِمَتْ غَلَّتْ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف مختلط، وأبوه لهيعة أيضًا مستور.
أي: قال لهيعة: سمعت أبا الورد حالة كونه (يقول: إياكم والسرية) إياكم منصوب على التحذير بعامل محذوف وجوبًا؛ لقيام المعطوف مقامه؛ تقديره: احذروا وباعدوا أيها المسلمون أنفسكم عن السرية (التي إن لقيت) العدو. . (فرت) منه وهربت وشردت (وإن غنمت) - بكسر النون - من باب سمع؛ بأن حصلت لها الغنيمة بلا لقاء العدو ومحاربتهم. . (غلت) - بتشديد اللام - من الغلول؛ أي: خانت في الغنيمة وسرقت؛ لأنهم لا خير فيهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنَّه ضعيف؛ لضعف سنده، ولعدم المشاركة فيه، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فهو ضعيف سندًا ومتنًا (١٣)(٢٩٦).
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأوّل للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستئناس.
والله أعلم
стр. 7910
(٤٤) - (٩٨٧) - بَابُ الْأَكْلِ فِي قُدُورِ الْمُشْرِكِينَ
(١١١) - ٢٧٨٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ طَعَامِ النَّصَارَى
===
(٤٤) - (٩٨٧) - (باب الأكل في قدور المشركين)
(١١١) - ٢٧٨٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمَّد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سماك بن حرب) بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة، وكان ربما يلقن، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن قبيصة بن هلب) - بضم الهاء وسكون اللام بعدها موحدة - الطائي الكوفي، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبيه) هلب الطائي الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة، وقيل: اسمه يزيد، وهلب لقبه. يروي عنه: (د ت ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأنَّ فيه قبيصة بن هلب، وهو مقبول.
(قال) هلب الطائي: (سألت رسول الله ﷺ عن) حكم أكل (طعام النصارى) لأنهم كثيرًا ما يتحفظون ولا يتحرزون من النجاسات ولا
стр. 7911
فَقَالَ: "لَا يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ طَعَامٌ ضَارَعْتَ فِيهِ نَصْرَانِيَّةً".
===
من المسكرات في مآكلهم ولا مشاربهم ولا في أوانيهم وقدورهم؛ لأنهم غالبًا يشربون في كاساتهم الخمور، ويطبخون في قدورهم لحوم الخنازير والميتة، فهل يجوز لي الأكل في أوانيهم والشرب في كاساتهم؟
(فقال) لي رسول الله ﷺ : (لا يختلجن) لا يدخلن ولا يتحركن (في صدرك) وقلبك (طعام) أي: شك في حلِّية طعام لهم؛ فإنَّه طعام نظيف مباح لك؛ لأنهم أهل كتاب؛ لأنك إن امتنعت من أكل طعامهم وتركته وتحرزت وتباعدت منه؛ لأجل ما تلجلج وتحرك في صدرك من الشك في طعامهم. . (ضارعت) - بفتح التاء للمخاطب - أي: شابهت (فيه) أي: في ترك طعامهم؛ أي: شابهت ملتك ملة (نصرانية) من حيث امتناعهم إذا وقع في قلب أحدهم أنَّه حرام ومكروه، وهذه الجملة الفعلية تعليل للنهي.
والمعنى: لا يتحرك في صدرك شك من طعامهم؛ فإنك إن فعلت ذلك. . ضارعت وشابهت فيه الملة النصرانية الرهبانية؛ فإنَّه من دأب النصارى وعادتهم وترهيبهم.
وقال الطيبي: هذه الجملة جواب شرط محذوف، والجملة الشرطية المحذوفة مع جوابها مستأنفة لبيان الموجب؛ والتقدير: أي: لا يدخلن في قلبك ضيق وشك من طعامهم؛ لأنك على الحنيفية السهلة السمحة؛ فإنك إذا شددت على نفسك بمثل هذا الامتناع. . شَابَهْتَ فيه النصرانيةَ الرهبانيةَ؛ فإن ذلك دأبهم وعادتهم، قال تعالى ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ. . .﴾ الآية (١). انتهى من "تحفة الأحوذي".
وعبارة "العون": وهذه الجملة جواب لشرط محذوف؛ تقديره: إن
стр. 7912
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شككت. . شابهت فيه النصرانية الرهبانية، والجملة الشرطية مستأنفة لبيان سبب النهي.
والمعنى: لا يدخل في قلبك ضيق وحرج؛ لأنك على الحنيفية السهلة، فإذا شككت وشددت على نفسك بمثل هذا. . شابهت فيه الرهبانية، كذا في "فتح الودود". انتهى منه.
قال الترمذي: والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم؛ من الرخصة في طعام أهل الكتاب.
فإن قلت: قد ذكر المؤلف في الترجمة قدور المشركين، وليس في الحديث ذكر المشركين؟
قلت: فالظاهر أنَّه حمل المشركين في الترجمة على أهل الكتاب، لا المشركين عبدة الأوثان والأحجار وآكلي الميتة والدم؛ لأنه لا ترخيص في طعامهم.
وقوله: "لا يختلجن" من الاختلاج، وروي: (يتخلجن) من التخلج - بالخاء المعجمة فيهما - والاختلاج وكذا التخلج: الاضطراب والتحرك؛ والمعنى: لا يتحركن في صدرك شيء من الشك، وروي: (لا يتحلجن) - بالحاء المهملة - والمعنى: لا يدخلن في قلبك منه شيء؛ فإنَّه مباح نظيف، وفي "المجمع": أصل الاختلاج: الحركة والاضطراب.
وقوله: (هلب) - بضم الهاء وسكون اللام وبموحدة - ويقال: هلب - بفتح الهاء وكسر اللام - وصوبه بعضهم، وهو لقب له، واسمه يزيد بن قناعة، وقيل: يزيد بن عدي بن قناعة، طائي نزل الكوفة، وقيل: بل هو هلب بن يزيد، وذكر أبو القاسم البغوي رحمه الله تعالى أنَّه وفد على النبي ﷺ وهو
стр. 7913
(١١٢) - ٢٧٨٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنِي أَبُو فَرْوَةَ يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ رُوَيْمٍ اللَّخْمِيُّ،
===
أقرع، فمسح رأسه، فنبت شعره، فسمي الهلب الطائي، قاله المنذري.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأطعمة، باب كراهية التقذر بالطعام، والترمذي في كتاب السير، باب طعام المشركين، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنَّه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثمَّ استشهد المؤلف لحديث هلب الطائي بحديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١١٢) - ٢٧٨٨ - (٢) (حدثنا علي بن محمَّد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني أبو فروة يزيد بن سنان) بن يزيد التميمي الجزري الرهاوي، ضعيف، من كبار السابعة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثني عروة بن رويم) بالراء مصغرًا (اللخمي) أبو القاسم، صدوق، يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (د س ق).
стр. 7914
عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: وَلَقِيَهُ وَكَلَّمَهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قُدُورُ الْمُشْرِكِينَ نَطْبُخُ فِيهَا؟ قَالَ: "لَا تَطْبُخُوا فِيهَا"، قُلْتُ: فَإِنِ احْتَجْنَا إِلَيْهَا فَلَمْ نَجِدْ مِنْهَا بُدًّا؟
===
(عن أبي ثعلبة الخشني) - بضم المعجمة وفتح الشين المعجمة بعدها - الصحابي المشهور بكنيته رضي الله تعالى عنه، قيل: اسمه جرثوم - بضمتين بينهما راء ساكنة - أو جرثومة - بزيادة تاء التأنيث - أو جرثم أو جرهم، إلى غير ذلك، واختلف في اسم أبيه أيضًا، مات سنة خمس وسبعين (٧٥ هـ)، وقيل: قبل ذلك في أول خلافة معاوية. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنَّ فيه أبا فروة يزيد بن سنان التميمي، فهو متفق على ضعفه.
(قال) عروة بن رويم: سمعت أبا ثعلبة (و) الحال أنَّه؛ أي: أن عروة (لقيه) أي: لقي أبا ثعلبة ورآه (وكلمه) أي: وكلم أبا ثعلبة؛ وهذا كناية عن لقاء عروة لأبي ثعلبة وسماعه منه مشافهة (قال) أبو ثعلبة: (أتيت رسول الله ﷺ ، فسألته) ﷺ عن حكم الطبخ في آنية المشركين (فقلت) في سؤاله عن ذلك: (يا رسول الله) ما حكم (قدور المشركين) يعني: أهل الكتاب؛ كما مر (نطبخ فيها) لحومنا، هل يجوز لنا الطبخ في آنيتهم وهم يطبخون في قدورهم الخنزير ويشربون في آنيتهم الخمر؟
فـ (قال) رسول الله في جواب سؤالي: (لا تطبخوا) أنتم أيها المسلمون لحومكم (فيها) أي: في قدورهم؛ فإنها متنجسة بلحوم الخنزير، قال أبو ثعلبة: فـ (قلت) لرسول الله ﷺ : (فإن احتجنا) معاشر المسلمين (إليها) أي: إلى الطبخ في قدورهم حاجةً ضرورية (فلم نجد منها) أي: من الطبخ في قدورهم (بدًا) أي: غنًى؛ لفقدان غيرها؟
стр. 7915
قَالَ: "فَارْحَضُوهَا رَحْضًا حَسَنًا ثُمَّ اطْبُخُوا وَكُلُوا".
===
فـ (قال) لي رسول الله ﷺ : (فارحضوها) - بفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة - من رحضه؛ كمنعه.
وقوله: (رحضًا حسنًا) مصدر مؤكد لعامله، والجملة جواب لشرط محذوف؛ تقديره: فإن احتجتم إلى قدورهم حاجة ضرورية، ولم تجدوا غيرها. . فارحضوها رحضًا؛ أي: فاغسلوا قدورهم غسلًا حسنًا؛ أي: بالغًا الغاية في إنقائها من أوساخهم ودسوماتهم (ثمَّ اطبخوا) فيها لحومكم (وكلو) ها؛ والقدور: جمع قدر؛ وهي آلة يطبخ فيها اللحم وغيره، سواء كانت من حجر أو طين مشوي أو نحاس أو حديد أو غيرها.
وكان سبب سؤاله لرسول الله ﷺ عن ذلك أن الخشنيين قوم أبي ثعلبة كانوا يسكنون بالشام بأرض قوم من أهل الكتاب، وكان جماعة من قبائل العرب قد سكنوا الشام وتنصروا؛ منهم: آل غسان وتنوخ وبهز، وبطون من قضاعة؛ منهم: بنو خشين قوم أبي ثعلبة، كذا في "فتح الباري".
فإن قلت: والظاهر المستفاد من الحديث: إذا وجدوا غير قدورهم. . لا يجوز الطبخ في قدورهم وإن غسلت مع أن الفقهاء قالوا: يجوز الطبخ في قدورهم والأكل في آنيتهم إذا غسلت، فكيف الجمع بين الحديث وبين قول الفقهاء؟
قلت: الجمع بينهما: المستفاد من الحديث على طريق الاحتياط والتنزه من استعمال ظروفهم المستعملة في أيديهم ولو بعد الغسل، والتنفير عن مخالطتهم بطريق المبالغة، وهذا هو التقوى، وما قاله الفقهاء هو الفتوى. انتهى من "المرقاة" باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الذبائح، باب صيد القوس بنحوه، ومسلم في كتاب الصيد، باب الصيد بالكلاب المعلمة بنحوه،