. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا مما ذكرناه ومن أحاديث الباب، وغرضه: الاستشهاد به ثانيًا لحديث أبي سعيد الخدري.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال به على الترجمة، والأخيران للاستشهاد له.
والله أعلم
стр. 8017
(٥٩) - (١٠٠٢) - بَابُ الْبَيْعَةِ
(١٤٦) - ٢٨٢٢ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَجْلَانَ،
===
(٥٩) - (١٠٠٢) - (باب البيعة)
(١٤٦) - ٢٨٢٢ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق إمام المغازي، صدوق، بل ثقة صاحب علم كثير؛ كما في "التهذيب"، لكن يدلس، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(ويحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(وعبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري أبو عثمان المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(و) محمد (بن عجلان) المدني، صدوق، من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 8018
عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، عَنْ أَبِيه، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَالْأَثَرَةِ عَلَيْنَا،
===
(عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت) الأنصاري، ويقال له: عبد الله، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أبيه) الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري المدني أبي عبادة، ولد في عهد النبي ﷺ ، وهو ثقة، من كبار الثانية، مات بعد السبعين في خلافة عبد الملك بن مروان، وكان ثقة قليل الحديث، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ)، وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. يروي. عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبادة بن الصامت: (بايعنا رسول الله ﷺ معاشر الصحابة (على السمع) للأمير فيما يقول (والطاعة) له فيما أمر (في العسر) أي: فيما يعسر علينا ويشق وتكرهه أنفسنا ويصعب عليها؛ كالجهاد (و) في (اليسر) أي: وفيما يسهل علينا وتحبه أنفسنا؛ كالرخص بعد العزيمة (و) في (المنشط) أي: وفي حال نشاطنا وفرحنا (و) في (المكره) أي: وفي حال كراهتنا وتعبنا، وهما مصدران أو ظرفان ميميان؛ من النشاط والكراهة؛ والمراد: وجوب السمع والطاعة في كل ما يأمر به الأمير؛ رضيه المأمور أو سخطه، ما لم يكن معصيةً.
(و) في حال (الأثرة علينا) - بفتحتين وضم الهمزة وفتحها مع سكون المثلثة
стр. 8019
وَأَلَّا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ الْحَقَّ حَيْثُمَا كُنَّا
===
فيهما - وهي أن يؤثر غيرك عليك في العطايا والهبات ونحوها؛ كالمناصب، أو يستبد بالمنافع والدنيا بنفسه؛ والمراد: أن السمع والطاعة في غير المعصية لا يسقطان بعذر أن الأمير لا يعدل مع المأمور، أو يفضل فيها البعض على البعض، أو يختار نفسه بها.
والأثرة في جميع ضبطها: اسم من الاستئثار؛ وهو الاختصاص والاستبداد؛ والمعنى: بايعناه على السمع والطاعة في حالتي الشدة والرخاء، والضراء والسراء، وفي حال استئثار الولاة علينا بالمنافع واختصاصهم بها دوننا، أو إيثارهم غيرنا بها وتقديمه علينا فيها؛ لكونه ذا قرابة له. انتهى "دهني".
والحاصل: أننا بايعناه (على السمع والطاعة) للأمير (في) حالة (العسر) والشدة والضيق (و) في حالة (اليسر) والرخاء والسعة (و) في حالتي (المنشط والمكره) أي: في حالتي السراء والضراء (و) في حالة (الأثرة علينا) أي: وفي حالة أثرة الأمراء أنفسهم واختيارهم علينا بالمنافع والمصالح والدنيا واختصاصهم بها؛ يعني: بايعنا على السمع والطاعة للأمير وإن آثر نفسه أو غيرنا علينا في العطايا والهبات والمناصب.
(و) بايعناه على (ألا ننارع الأمر أهله) أي: وعلى ألا نخاصم من كان أهلًا للإمارة في إمارتهم، ولا نطلب نزعها منهم، وهو تقرير وبيان لقوله: (وعلى أثرة علينا) لأن ترك المنازعة معناه: الصبر على الأثرة.
(و) بايعناه على (أن نقول الحق حيثما كنا) وفي أي شخص كان، ولو أميرًا أو قريبًا لنا، وهذا بمثابة الاستدراك على ما عساه يفهم من الصبر على الأثرة وترك المنازعة؛ فكأنه يقول: إن ترك منازعة الأمراء والصبر على استئثارهم لا يبلغ أن يوجب السكوت على المنكر، أو الكف عن القول بالحق، بل يجب مع
стр. 8020
لَا نَخَافُ فِي اللهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.
(١٤٧) - ٢٨٢٣ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ،
===
ذلك قول الحق من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للأمراء وغيرهم بلا ملامة لائم، أو جزع من إذاية ظالم له. انتهى "دهني".
وهذا بمعنى قوله: (لا نخاف) من قول الحق (في) حقوق (الله، لومة لائم) ولا عذل عاذل، ولا إذاية ظالم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، والنسائي في كتاب البيعة، باب البيعة على السمع والطاعة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عبادة بن الصامت بحديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٧) - ٢٨٢٣ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 8021
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ التَّنُوخِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الْحَبِيبُ الْأَمِينُ؛ أَمَّا هُوَ إِلَيَّ. . فَحَبِيبٌ، وَأَمَّا هُوَ عِنْدِي. . فَأَمِينٌ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ
===
(حدثنا سعيد بن عبد العزيز التنوخي) الدمشقي، ثقة إمام، سواه أحمد بالأوزاعي، وقدمه أبو مسهر، لكنه اختلط في آخر أمره، من السابعة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ)، وقيل بعدها، وله بضع وسبعون سنة. يروي عنه: (م عم).
(عن ربيعة بن يزيد) الدمشقي أبي شعيب الإيادي القصير، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة إحدى أو ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إدريس الخولاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي ﷺ يوم غزوة حنين، وسمع من كبار الصحابة، ومات سنة ثمانين (٨٠ هـ) قال سعيد بن عبد العزيز: كان عالم الشام بعد أبي الدرداء. يروي عنه: (ع).
(عن أبي مسلم) الخولاني الزاهد الشامي، اسمه عبد الله بن ثوب - بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة - ثقة عابد، من الثانية، رحل إلى النبي ﷺ فلم يدركه، وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية. يروي عنه: (م عم).
(قال) أبو مسلم: (حدثني الحبيب الأمين أما هو) أي: أما هذا الشيخ المحدث لي. . فهو (إلي فحبيب) أي: محبوب عندي محبة صادقة (وأما هو) أي: هذا الشيخ المحدث لي فهو (عندي. . فأمين) حق أمانة على ما حدث وغيره.
وقوله: (عوف بن مالك) عطف بيان، أو بدل من الحبيب.
وقوله: (الأشجعي) صفة ثانية لعوف الصحابي المشهور رضي الله تعالى
стр. 8022
قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَةً أَوْ ثَمَانِيَة أَوْ تِسْعَةً فَقَالَ: "أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ؟ "، فَبَسَطْنَا أَيْدِيَنَا، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَعَلَامَ نُبَايِعُكَ؟ فَقَالَ: "أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُوا
===
عنه، من مسلمة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة ثلاث وسبعين (٧٣ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عوف بن مالك: (كنا) مجتمعين (عند النبي ﷺ حالة كوننا (سبعة) أنفار (أو) قال الراوي: حالة كوننا (ثمانية) أنفار (أو) قال: حالة كوننا (تسعة) أنفار، و (أو) تحتمل أن تكون للشك؛ كما فسرناه، أو للإضراب (فقال) لنا رسول الله ﷺ : (ألا تبايعون) أيها الأنفار (رسول الله) ﷺ على الإسلام؛ ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة، وكان مقتضى الظاهر: ألا تبايعوني؟ قال عوف بن مالك: (وكنا حديث) وقريب (عهد) وزمن (ببيعة) معه ﷺ ؛ كما في رواية مسلم.
قال عوف بن مالك: (فبسطنا) أي: مددنا (أيدينا) إلى رسول الله صلى ﷺ (فقال قائل) منا: (يا رسول الله؛ إنا قد بايعناك) أولًا على الإسلام (فعلام) أي: فعلى أي شيء (نبايعك) الآن؟ بحذف ألف (ما) الاستفهامية؛ لدخول حرف الجر عليها؛ فرقًا بينها وبين (ما) الموصولة؛ نظير ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ (١).
(فقال) رسول الله ﷺ : تبايعوني على (أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا) من المخلوق (و (تبايعوني على أن (تقيموا) وتؤدوا
стр. 8023
الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَتَسْمَعُوا وَتُطِيعُوا - وَأَسَرَّ كَلِمَةً خُفْيَةً - وَلَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا"، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ أُولئكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُهُ فَلَا يَسْأَلُ أَحَدًا يُنَاوِلُهُ إِيَّاهُ.
===
(الصلوات الخمس) المفروضة في أوقاتها المحددة (و) تبايعوني على أن (تسمعوا) الأمراء فيما يقولون (و) على أن (تطيعو) هم فيما يأمرونكم به.
قال عوف بن مالك: (وأسر) النبي ﷺ ؛ أي: أخفى منا ولم يجهر (كلمة خفيةً) لَمْ نسمعها؛ لعدم تعلق تكليف بها (و) تبايعوني أيضًا على أن (لا تسألوا الناس شيئًا) أي: من السؤال قليلًا ولا كثيرًا، أو شيئًا من الأشياء والأموال. انتهى "عون".
(قال) عوف بن مالك أيضًا: (فـ) والله (لقد رأيت بعض أولئك النفر) الذين بايعوا الرسول ﷺ على ألا يسألوا الناس شيئًا (يسقط سوطه) من يده على الأرض وهو راكب على دابته (فلا يسأل أحدًا) من الناس أن (يناوله) أي: أن يأخذ سوطه من الأرض ويناول له (إياه) أي: ذلك السوط الساقط من يده، بل ينزل من الدابة ويأخذه بنفسه.
قال النووي: فيه التمسك بالعموم؛ لأنهم نهوا عن السؤال، فحملوه على عمومه، وفيه الحث على التنزه عن جميع ما يسمى سؤالا وإن كان حقيرًا، والله أعلم.
وفي "المشكاة": عن أبي ذر قال: دعاني رسول الله ﷺ وهو يشترط علي ألا تسأل الناس شيئًا، قلت: نعم، قال: "ولا سوطك إن سقط منك حتى تنزل إليه وتأخذه". رواه أحمد.
قال القرطبي: وأخذه ﷺ على أصحابه في البيعة ألا يسألوا أحدًا شيئًا .. حمل لهم على مكارم الأخلاق، والترفع عن تحمل منن الخلق،
стр. 8024
(١٤٨) - ٢٨٢٤ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَتَّابٍ مَوْلَى هُرْمُزَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ
===
وتعليم الصبر على مضض الحاجات، والاستغناء عن الناس، وعزة النفوس، ولما أخذهم بذلك .. التزموه في جميع الأشياء وفي كلّ الأحوال، حتى فيما لا تلحق فيه منةً؛ طردًا للباب، وحسمًا للذرائع. انتهى "مفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الزكاة، باب كراهية المسألة للناس، وأبو داوود في كتاب الزكاة، باب كراهية المسألة مطولًا، والنسائي في كتاب الصلاة، باب البيعة على الصلوات الخمس.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ كما مر، وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبادة بن الصامت بحديث أنس بن مالك ﵄، فقال:
(١٤٨) - ٢٨٢٤ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح.
(حدثنا شعبة) بن الحجاج.
(عن عتاب) بفتح المهملة وتشديد التاء (مولى هرمز) - بضم الهاء والميم بينهما راء ساكنة - أو ابن هرمز، بصري، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(قال) عتاب: (سمعت أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 8025
يَقُولُ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فَقَالَ: "فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سمعت أنسًا حالة كونه (يقول: بايعنا رسول الله ﷺ على السمع) للأمير (والطاعة) له (فقال) لنا رسول الله ﷺ : بايعتكم (فيما استطعتم) وقدرتم عليه من التكاليف الشرعية، وهذا من كمال رأفته ﷺ بأمته؛ حيث قيد مبايعته إياهم باستطاعتهم، فلا يدخل في عموم مبايعته ما لا يطيقون.
وفيه أنه إذا رأى الإنسان يلتزم ما لا يطيقه .. ينبغي أن يقول له: لا تلتزم ما لا تطيق، قال القرطبي: وهذا رفع لما يخاف من التحرج بسبب مخالفة تقع غلطًا أو غلبة؛ فإن ذلك كله غير مؤاخذ به.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن له شاهد من حديث ابن عمر أخرجه البخاري في كتاب الإحكام، باب كيف يبايع الإمام الناس، ومسلم في كتاب الإمارة، باب البيعة على السمع والطاعة فيما استطاع، ومالك في "الموطأ" في كتاب البيعة، وأبو داوود في كتاب الخراج والإمارة، باب ما جاء في البيعة، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث الذي ذكره المؤلف: حديث حسن صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا من حديث ابن عمر، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عبادة بن الصامت بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 8026
(١٤٩) - ٢٨٢٥ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبيَّ ﷺ عَلَى الْهِجْرَةِ وَلَمْ يَشْعُرِ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّهُ عَبْدٌ،
===
(١٤٩) - ٢٨٢٥ - (٤) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرَّحمن الفهمي المصري، ثقةٌ متقن إمام، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي الأسدي مولاهم، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (جاء) إلى النبي ﷺ (عبد) مملوك لمسلم ولا يعلمه النبي ﷺ (فبايع) أي: عاهد ذلك العبد (النبي ﷺ أي: عاقده (على الهجرة) والانتقال من بلده إلى المدينة (ولم يشعر) أي: ولم يعلم (النبي ﷺ أنه) أي: أن ذلك الشخص الذي بايعه على الهجرة (عبد) مملوك لإنسان، وفيه دليل على أن الأصل في الإنسان الحرية، ولذلك لَمْ يسأله عن حاله؛ إذ حمله على ذلك الأصل؛ حيث لَمْ يظهر له ما يخرجه عن ذلك الأصل، ولو لَمْ يكن الأمر كذلك .. لتعين أن يساله، وهذا أصلُ مالكٍ في هذا الباب؛ فكُلُّ من ادَّعى ملكَ إنسان من بني آدم .. كان مدفوعًا إلى بيان ذلك الأصل، لكن إذا أَنْكَره المُدعَى رقه وادعى الحريةَ، سواء كان ذلك المُدعَى رقه ممن كَثُر مِلْكُ نوعِه، أو
стр. 8027
فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "بِعْنِيهِ"، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْن،
===
لَمْ يكن، فإِن كان في حوزِ المدعي لرقه .. كان القولُ قولَه، إذا كان حَوْزَ رق؛ فإن لَمْ يكن .. فالقولُ قولُ المدعى عليه. انتهى من "المفهم".
(فجاء سيده) أي: جاء سيدُ ذلك الإنسان الذي بايَع النبي ﷺ إلى النبي ﷺ حالة كونه (يريده) أي: يريد أَخْذَ ذلك العبد (فقال النبي ﷺ لذلك السيد: (بِعْنِيهِ) أي: بِعْني هذا العبدَ المبايِعَ معي، ولم يرد في شيء من طرق هذا الحديث أن النبي ﷺ طالب سيدَه بإقامةِ بينة، فيحتمل أن يكون النبي ﷺ اكْتَفَى بدعواه وتصديق العبد له؛ فإن العبد بالغٌ عاقل يُقْبَل إقرارُه على نفسه، ولم يكن للسيد مَنْ ينازعه ولا يستحلَف السيدُ؛ كما إذا ادعى اللقطةَ وعرفَ عفاصَها ووكاءَها .. أَخذَها ولم يُستحلَف؛ لعدم المنازِع. انتهى من "المفهم".
(فاشتراه) النبي ﷺ ؛ أي: اشترى ذلك العبدَ المبايِعَ معه على الهجرة من سيده الذي يَدَّعي مِلكيَّتَه (بعبدين أسودين) قال القاضي عياض: هذا من كرم أخلاقه ﷺ ؛ فإنه كره أن يرد ما عقد له من الهجرة ويبطلها، ويدل الحديث على أن سيده مسلم؛ كما أشرنا إليه أول الحديث، وإلا .. فقد بايع النبي ﷺ من نزل من عبيد أهل الطائف وغيرهم، ولم يردهم إلى ساداتهم. انتهى.
وعبارة القرطبي هنا: إنما فعل النبي ﷺ هذا الشراء منه؛ جريًا على مقتضى مكارم أخلاقه، ورغبةً في تحصيل ثواب العتق، وكراهية أن يفسخ له عقد الهجرة، فحصل له العتق، وثبت له الولاء، فهذا المعتق مولىً للنبي ﷺ غير أنه لا يعرف اسمه، وفيه دليل: على جواز بيع
стр. 8028
ثُمَّ لَمْ يُبَايِعْ أَحَدًا بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ.
===
الحيوان بالحيوان متفاضلًا نقدًا، وهذا ما اتفق عليه الفقهاء، ولكنهم اختلفوا في النسيئة في بيع الحيوان: فقال الشافعي: هو جائز، وقال أبو حنيفة: هو ممنوع، استدل الشافعي بما أخرجه أبو داوود وغيره عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله ﷺ أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ من قلاص الصدقة، فجعل يأخذ منها البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة، واستدل أبو حنيفة بما أخرجه أصحاب السنن عن سمرة رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
وقال الحنفية: إنه ناسخ لحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، وفي الحديثين كلام ليس هذا موضع بسطه، فليراجع "إعلاء السنن" (٢٨٠ - ٢٨٧) فإنه قد أتى في هذه المسألة بما لا مزيد عليه.
(ثم) بعد ذلك العبد (لم يبايع) النبي ﷺ (أحدًا) من الناس، وقوله: (بعد ذلك) اليوم تأكيد لمعنى (ثم)، وتصريح بما يفهم منها (حتى يسأله) أي: حتى يسأل من يريد بيعته (أعبد) أي: هل (هو) عبد أم لا؟ يعني: أنه لما وقعت له هذه الواقعة .. أخذ بالحزم والحذر، فكان يسأل من يرتاب فيه.
وفيه من الفقه الأخذ بالأحوط.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب المساقاة، باب جواز بيع الحيوان بالحيوان من جنس متفاضلًا، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في ذلك إذا كان يدًا بيد، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في شراء العبد بالعبدين، قال أبو عيسى: حديث جابر هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أنه لا بأس ببيع عبد بعبدين
стр. 8029
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يدًا بيد، واختلفوا فيه إذا كان نسيئًا، والنسائي في كتاب البيعة، باب بيعة المماليك، وفي كتاب البيوع، باب بيع الحيوان بالحيوان يدًا بيد متفاضلًا.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8030
(٦٠) - (١٠٠٣) - بَابُ الْوَفَاءِ بِالْبَيْعَةِ
(١٥٠) - ٢٨٢٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ
===
(٦٠) - (١٠٠٣) - (باب الوفاء بالبيعة)
(١٥٠) - ٢٨٢٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد وأحمد بن سنان) بن أسد بن حبان - بكسر المهملة بعدها موحدة - أبو جعفر القطان الواسطي، ثقةٌ حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة تسع وخمسين ومئتين (٢٥٩ هـ)، وقيل: قبلها. يروي عنه: (خ م د س ق).
(قالوا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقةٌ حافظ عارف بالقراءة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي المدني، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : ثلاثة) أنفار (لا يكلمهم الله) تعالى يوم القيامة تكليم رضًا عنهم، بل يكلمهم تكليم سخط
стр. 8031
وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ؛ رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ
===
وغضب عليهم؛ كما جاء في "صحيح البخاري": (يقول الله لمانع الماء؛ اليوم أمنعك فضلي؛ كما منعت فضل ما لَمْ تعمل يداك) رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رقم (٢٣٦٩)، وكما حكى الله تعالى أنه يقول للكافرين: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ (١)، وقيل معناه: لا يكلمهم إلَّا بواسطة استهانة بهم، وقيل معنى ذلك: الإعراض عنهم والغضب عليهم.
(وَلَا ينظر إليهم يوم القيامة) نظر رحمة ورضًا، بل ينظر إليهم نظر سخط وغضب، ونظر الله تعالى إلى عباده رحمته لهم، وعطفه عليهم، وإحسانه إليهم، وهذا النظر هو المنفي في هذا الحديث، فمعنى لا ينظر إليهم: لا يرحمهم؛ من إطلاق السبب وإرادة المسبب، وإلا .. فالله يرى كلّ موجود، (وَلَا يزكيهم) أي: لا يطهرهم من ذنوبهم؛ لعظم جرمهم، وقيل: لا يثني عليهم، ومن لا يثني عليه سبحانه .. يعذبه.
(ولهم) أي: ولأولئك الثلاثة (عذاب اليم) أي: عذاب شديد الألم الموجع؛ أي: لهم عذاب أليم مؤبد لا ينقطع على كفرهم إن استحلوا ذلك، فلا إيمان لهم، أو عذاب شديد على جرمهم؛ مجازاةً عليه إن لَمْ يستحلوا ذلك، فإيمانهم باقي صحيح.
قال بعض الحاضرين من الصحابة: من هم يا رسول الله؟ أي: من هؤلاء الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم ولا يكلمهم ولا يزكيهم؟ قال رسول الله ﷺ تفصيلًا لأولئك الثلاثة؛ كما في رواية مسلم من حديث أبي ذر: أحدهم: (رجل) أي: شخص جالس (على فضل ماء) أي: على ماء فاضل عن
стр. 8032
بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيل،
===
حاجته وكفايته كائن ذلك الماء (بالفلاة) أي: بالمفازة؛ والفلاة - بفتح الفاء -: الصحراء التي لا ماء فيها ولا أنيس، والفلاة اسم جنس يجمع على فلًا وفلوات، وهي في الأصل مصدر فلا الشعر يفلي؛ من باب رمى؛ إذا سرحه وأخرج منه الهوام؛ مثل القمل، أصله: فلية؛ نظير رمى السهم رماة - بالفتح - أصله: رميةً (يمنعه) أي: يمنع ذلك الماء (من) شرب (ابن السبيل) أي: من المُسافِر المارِّ على ذلك الماء؛ أي: يمنع ابن السبيل من شرب ذلك الماء الفاضل عن حاجته.
قال النووي: ولا شك في غلظ تحريم ما فعل وشدة قبحه، فإذا كان من يمنع فضل الماء الماشية عاصيًا .. فكيف بمن يمنعه الآدمي المحترم؛ فإن الكلام فيه، فلو كان ابن السبيل غير محترم؛ كالحربي والمرتد .. لَمْ يجب بذل الماء له. انتهى.
قال القرطبي: قوله: "رجل على فضل ماء بالفلاة ... " إلى آخره؛ يعني بفضل الماء: ما فضل عن كفاية السابق إلى الماء وأخذ حاجته منه، فمن كان كذلك، فمنع ما زاد على ذلك .. تعلق به هذا الوعيد، (وابن السبيل): هو المسافر؛ والسبيل: هو الطريق، وسمي المسافر بذلك؛ لأن الطريق تبرزه وتظهره، فكأنها ولدته.
وقيل سمي بذلك؛ لملازمته إياها؛ كما يقال في الغراب: ابن دأبة؛ لملازمته دأبة البعير؛ أي: دبره لينقرها؛ والبعير المدبر: هو الذي تقرحت دأبته من البعير؛ والدأبة من البعير: هو الموضع الذي تقع عليه ظلفة الرحل فيعقره.
وقد أجمع المسلمون على تحريم ذلك؛ لأنه منع ما لا حق له فيه من مستحقه، وربما أتلفه أو أتلف ماله وبهيمته؛ فلو منعه هذا الماء حتى مات عطشًا .. اقتص منه عند مالك؛ لأنه قتله؛ كما لو قتله بالجوع أو بالسلاح.
стр. 8033
وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللهِ لَأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ،
===
(و) ثانيهم: (رجل بايع) أي: ساوم (رجلًا) آخر وباع له (بسلعة) أي: ببضاعة معروضة للبيع (بعد (صلاة (العصر، فحلف) أي: حلف وأقسم الرجل الأول؛ وهو البائع (بالله) أي: بذاته أو باسم من أسمائه أو بصفته؛ ليغره على أنه (لأخذها) أي: لأخذ تلك السلعة واشتراها (ب) ثمن قدره (كذا) أي: ألف ريال (وكذا) أي: وخمس مئة، مع أنه أخذها بألف ريال فقط (فصدقه) أي: فصدق المشترى البائع على أنه أخذها بألف وخمس مئة، فأعطاه ألفين بزيادة خمس مئة؛ أي: ألف ريال (وهو) أي: والحال أنه أخذ تلك السلعة (على غير ذلك) المذكور من الذي أشار إليه بقوله: كذا وكذا؛ وهو ألف وخمس مئة؛ والمعنى: أنه اشتراه بألف فقط، وزعم أنه اشتراها بألف وخمس مئة ويبيعها بألفين.
ومعنى الكلام: أي: حلف له بعد صلاة العصر على أعين الناس، فالتقييد بذلك؛ لأنه وقت اجتماعهم وتكاثرهم، ولأنه وقت تلاقي ملائكة الليل والنهار، وفي ذلك تكثير للشهود منهم على كذب الحالف أو صدقه، فيكون أخوف، ذكره المفسرون عند تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ (١) في سورة المائدة. انتهى من بعض هوامش المتون.
وقال القاضي عياض: وقوله: "بعد العصر" قيده بذلك؛ لشدة الأمر فيها وحضور ملائكة الليل والنهار عندها، وشهادتهم على مجاهرته ربه بيمينه، واستخفافه عظيم حقه. انتهى.
وعبارة "المفهم" هنا: (ورجل بايع رجلًا سلعة) رويناه سلعة بغير باء،
стр. 8034
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ورويناه بالباء؛ فعلى الباء: بايع بمعنى ساوم؛ كما جاء في الرواية الأخرى: (ساوم) مكان بايع، فتكون الباء بمعنى عن؛ كما قال الشاعر:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب
أي: عن النساء.
وعلى إسقاطها: يكون معنى بايع: باع، فيتعدى بنفسه، وسلعة مفعول به.
وقوله: "فحلف له بالله لأخذها بكذا وكذا" يعني: أنه كذب، فزاد في الثمن الذي به اشتري، فكذب واستخف باسم الله تعالى حتى حلف به على الكذب، وأخذ مال غيره ظلمًا، فقد جمع بين كبائر، فاستحق هذا الوعيد الشديد، وتخصيصه بما بعد العصر يدلُّ على أن لهذا الوقت من الفضل والحرمة ما ليس لغيره من ساعات اليوم.
وقال أيضًا: ويظهر لي أن يقال: إنما كان ذلك؛ لأنه عقب الصلاة الوسطى؛ كما يأتي النص عليه، ولما كانت هذه الصلاة لها من الفضل وعظيم القدر أكثر مما لغيرها .. كان ينبغي لمصليها أن يظهر عليه عقبها من التحفظ على دينه، والتحرز على إيمانه أكثر مما ينبغي له عقب غيرها؛ لأن الصلاة حقها أن تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١)؛ أي: تحمل على الامتناع عن ذلك مما يحدث في قلب المصلي بسببها؛ من النور والانشراح والخوف من الله تعالى والحياء منه، ولهذا أشار النبي ﷺ بقوله: "من لَمْ تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر .. لَمْ يزد من الله إلَّا بعدًا" رواه الطبراني في "الكبير" من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8035
وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا .. وَفَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا .. لَمْ يَفِ لَهُ".
===
وإذا كان هذا في الصلوات كلها .. كانت الوسطى بذلك أولي، وحقها في ذلك أكثر وأوفى؛ فمن اجترأ بعدها على اليمين الغموس التي يأكل بها مال الغير .. كان إثمه أشد، وقلبه أفسد، والله أعلم.
(و) ثالثهم: (رجل بايع) وعاهد (إمامًا) وسلطانًا على الإمامة حالة كونه (لا يبايعه) أي: لا يريد مبايعته (إلَّا لدنيا) أي: إلَّا لأجل نيل حظوظ الدنيا منه من المال والجاه وغيرهما لا لاتفاق الكلمة (فإن أعطاه) أي: فإن أعطاه الإمام (منها) أي: من الدنيا .. (وفى له) وبَرَّ ونفذ تلك البيعة، فلا ينقضها ولا يخدعه (وإن لَمْ يعطه) أي: وإن لَمْ يعط الإمام ذلك الرجل مراده (منها) أي: من الدنيا ... (لَمْ يف له) ذلك الرجل بيعة الإمام، بل ينقضه ويسعى في إبطالها.
وقال القاضي: استحق ذلك؛ لغشه الإمام والمسلمين؛ لأنه يُظن أنه إنما بايعه ديانة، وهو قصد ذلك مع ما يشير من الفتن لا سيما إن كان متبوعًا. انتهى.
قال القرطبي: (ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلَّا لدنيا) إنما استحق هذا الوعيد الشديد؛ لأنه لَمْ يقم لله تعالى بما وجب عليه من البيعة الدينية؛ فإنها من العبادات التي تجب فيها النية والإخلاص، فإذا فعلها لغير الله تعالى من دنيا يقصدها، أو غرض عاجل يقصده .. بقيت عهدتها عليه؛ لأنه منافق مراء غاش للإمام والمسلمين غير ناصح في شيء من ذلك، ومن كان هذا حاله .. كان مثيرًا للفتن بين المسلمين؛ بحيث يسفك دماءهم، ويستبيح أموالهم، ويهتك بلادهم، ويسعى في إهلاكهم؛ لأنه إنما يكون مع من بلغه إلى أغراضه، فيبايعه لذلك وينصره، ويغضب له، ويقاتل مخالفه، فينشأ من ذلك تلك المفاسد،
стр. 8036
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد تكون هذه المخالفة في بعض أغراضه، فينكث مبايعته، ويطلب هلكته؛ كما هو حال أهل هذه الأزمان؛ فإنهم قد عمهم الغدر والخذلان.
قوله: "فإن أعطاه منها .. وفي ... " إلى آخره، هكذا الرواية: (وفي) بتخفيف الفاء.
وقوله: "لَمْ يف" محذوف الواو والياء مخففًا، وهو الصحيح هنا روايةً ومعنًى؛ لأنه يقال: وفي بعهده يفي وفاء؛ والوفاء ممدودًا؛ ضد الغدر، ويقال: أوفى بمعنى: وفى، وأما وفى المشدد الفاء .. فهو بمعنى: توفية الحق وإعطائه، يقال: وفاه حقه يوفيه توفيةً، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (١)؛ أي: قام بما كلفه من الأعمال؛ كخصال الفطرة وغيرها؛ كما قال: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ (٢).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المساقاة، باب إثم من منع ابن السبيل من الماء، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية وتنفيق السلعة بالحلف.
وهذا الحديث قد سبق من المؤلف تخريجه في كتاب التجارات، باب ما جاء في كراهية الإيمان في الشراء والبيع، رقم (٢١٧١)، وهو مكرر مع ما سبق منه.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، فغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 8037
(١٥١) - ٢٨٢٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ حَسَنِ بْنِ فُرَاتٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ تَسُوسُهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ؛
===
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة المذكور بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٥١) - ٢٨٢٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، صاحب تصانيف، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرَّحمن الأودي الكوفي، ثقةٌ فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حسن بن فرات) بن أبي عبد الرَّحمن القزاز التميمي الكوفي، صدوق يهم، من السابعة. يروي عنه: (م ت ق).
(عن أبيه) فرات بن أبي عبد الرَّحمن القزاز الكوفي، ثقةٌ، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي حازم) سلمان الأشجعي الكوفي، ثقةٌ، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم) أي: تقوم بسياستهم وتدبير أمورهم وتحصيل
стр. 8038
كُلَّمَا ذَهَبَ نَبِيٌّ .. خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإنَّهُ لَيْسَ كَائِنٌ بَعْدِي نَبِيٌّ فِيكُمْ"، قَالُوا: فَمَا يَكُونُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "تَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُوا"، قَالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: "أَوْفُوا
===
مصالحهم أنبياؤهم؛ كما تتولى الأمراء والوزراء بسياسة الرعية وتدبير مصالحهم؛ والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه. انتهى "نهاية".
(كلما ذهب) ومات وهلك (نبي) من أنبيائهم .. (خلفه) أي: استخلف عن الذي مات (نبي) آخر في سياستهم وتدبير أمورهم (و) أما أنا .. فـ (إنه) أي: إن الشأن والحال (ليس كائن) أي: موجود (بعدي نبي فيكم) يكون خليفة عني في النبوة والسياسة، فلفظ: (كائن) زائدة هنا؛ والتقدير: فإنه ليس بعدي نبي؛ كما تزاد: (كان) بلفظ الماضي (قالوا) أي: قال الحاضرون من الصحابة: (فما يكون) ويوجد بعدك (يا رسول الله؟ ).
فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (تكون) وتوجد بعدي (خلفاء) يقومون بسياسة أمتي (فيكثروا) هكذا في الرواية بحذف النون من غير جازم أو ناصب، والمعنى: فتكثر الخلفاء بعدي؛ يعني: أنه لا نبي بعدي، فيفعل ما كان يفعله أنبياء بني إسرائيل، وهذا من أوضح الأدلة على أن النبوة قد انتهت بعد النبي ﷺ ، ونفي جنس النبوة بعده ﷺ يعم كلّ نوع من أنواع النبوة، سواء كانت بشريعة جديدةٍ أو لا، وقد أجمعت الأمة على أن من ادعى النبوة بعده ﷺ .. فإنه كافر كذاب.
(قالوا) أي: قال الحاضرون من الأصحاب: فماذا تأمرنا به حينئذ؛ أي: حين إذ كثرت الخلفاء (فكيف نصنع؟ ) فيهم، فهل نطيع الكل ونسمعهم أو نترك الكل؟ فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (أوفوا) أمر من أوفى الرباعي، وفي رواية مسلم: (فوا) أمر من وفى الثلاثي؛
стр. 8039
بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ؛ أَدُّوا الَّذِي عَلَيْكُمْ فَسَيَسْأَلُهُمُ اللهُ عَنِ الَّذِي عَلَيْهِمْ".
===
والمعنى واحد؛ أي: أتموا (ببيعة الأول فالأول) أي: أتموا ببيعة الخليفة الأول؛ والمعنى: أنه إذا بويع الخليفة بعد خليفة .. فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها بالسمع والطاعة له، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، سواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره.
قال النووي: هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء، وقيل: تكون لمن عقدت له في بلد الإمام الأول، وقيل: يقرع بينهما، وهذان القولان فاسدان؛ لمعارضتهما الحديث ولمخالفتهما ما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث، والله أعلم.
(أدوا) أيَّتُها الأمة وأتموا الحق (الذي) وجب لهم (عليكم) أي: وأعطوا الخلفاء بعدي وأدوهم حقهم؛ من السمع والطاعة والذب عنهم عرضًا ونفسًا والاحترام والنصرة لهم على من بغى عليهم (فسيسألهم الله يوم القيامة (عن) الحق (الذي) وجب لكم (عليهم) من الأموال ورعاية المصالح لكم، والنصيحة لكم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه الجملة جواب لشرط محذوف؛ تقديره: وأعطوهم حقهم من الطاعة وعدم الخروج عليهم، وإن لَمْ يعطوكم حقكم؛ فإن الله سائلهم عما استرعاهم من حقوقكم، والله أعلم.
وفي هذا الحديث إشارة إلى أن كلّ مسلم يجب عليه أن يهتم بأداء ما عليه من الحقوق دون أن يهمل واجبه، ويتصدى للآخرين في أداء ما عليهم، فيجب على الشعب أن يهتموا بأداء ما عليهم من حق أميرهم، ويجب على الأمير أن يهتم بما عليه من حقوقهم، لا أن يطالب كلّ أحد الآخر بما له عليه من الحق،
стр. 8040
(١٥٢) - ٢٨٢٨ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ،
===
ويغفل عما يجب عليه من حق الآخر، وهكذا يؤكد الإسلام على أداء الواجب قبل مطالبة الحقوق؛ فلو أبي كلّ واحد واجبه .. سلمت حقوق الجميع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخليفة الأول فالأول، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٢) - ٢٨٢٨ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو الوليد) الطيالسي هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري، ثقةٌ ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وعشرين ومئتين (٢٢٧ هـ)، وله أربع وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج ﵀، ثقةٌ إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8041
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَيُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ".
===
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) أبو عمرو البصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شعبة عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، ثقةٌ من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي وائل) الكوفي شقيق بن سلمة الأسدي، ثقةٌ مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : ينصب) بالبناء للمفعول؛ وهو من باب ضرب؛ أي: يرفع ويركز (لكل غادر) وخائن وناقض للعهد؛ والغادر: الخائن؛ من الغدر: وهو نقض العهد، أو عدم الوفاء به (لواء) يعرف به؛ أي: راية؛ واللواء: الراية العظيمة، لا يمسكها إلَّا صاحب جيش الحرب، أو صاحب دعوة الجيش، ويكون الناس تبعًا له؛ أي: ينصب الله لكل غادر وناقض للعهد (يوم القيامة) لواء وراية يعرف بها من بين الناس؛ فضيحة له على رؤوس الأشهاد (فيقال: هذه) الراية (غدرة فلان) أي: علامة غدرته وخيانته للناس، والقول إما من الله أو من الملائكة بأمر الله تعالى؛ فمعنى: "لكل غادر لواء": أي: علامة يشهر بها في الناس.
стр. 8042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: وهذا خطاب منه ﷺ للعرب بنحو ما يفعلون؛ لأنهم كانوا يرفعون؛ يعني: في احتفالات الأسواق للوفاء رايةً بيضاء، وللغدر رايةً سوداء؛ أي: له لواء؛ ليشتهر بصفته يوم القيامة فيذمه أهل الموقف، وأما الوفاء .. فلم يرد فيه شيء، ولا يبعد أن يقع كذلك، وقد ثبت لواء الحمد لرسول الله ﷺ ، كذا في "فتح الباري" (٦/ ٢٨٤).
(فيقال) في عرصات القيامة: (هذه) الراية (غدرة) أي: خيانة (فلان) بن فلان - كما في رواية مسلم - لقومه أو لرعيته مثلًا؛ فالغادر: هو الذي يواعد على أمر ولا يفي به.
والمراد برفع اللواء للغادر: ركز العلامة بقدر غدرته؛ ليشتهر بها في الناس فيفتضح، وتأنيث اسم الإشارة باعتبار معنى العلامة، أو لكون اللواء بمعنى الراية؛ كما أشرنا إليه في الحل، أو مراعاةً لخبره؛ وهو غدرة. انتهى من بعض الهوامش.
قال النووي: وفي هذه الأحاديث بيان غلظ تحريم الغدر، لا سيما من صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير.
وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على الوفاء بما أراد مجاهرة؛ كما جاء في الحديث الصحيح في تعظيم كذب الملك، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الإمام الغادر، وذكر القاضي عياض احتمالين، أحدهما: هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهده لرعيته وللكفار وغيرهم، أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها، ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم، أو الرفق بهم .. فقد غدر بعهده.
والاحتمال الثاني: أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام؛ فلا يشقوا
стр. 8043
(١٥٣) - ٢٨٢٩ - (٤) حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى اللَّيْثِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، أَنْبَأَنَا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ،
===
عليه العصا، ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه، والصحيح: الأول، والله أعلم. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب إثم الغادر للبر والفاجر، ومسلم في كتاب الجهاد، باب تحريم الغدر، وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٣) - ٢٨٢٩ - (٤) (حدثنا عمران بن موسى) القزاز (الليثي) أبو عمرو البصري، صدوق، من العاشرة، مات بعد الأربعين ومئتين. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي البصري ثقةٌ ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا علي بن زيد بن جدعان) وهو علي بن زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري، أصله حجازي، فنسب أبوه إلى جد جده، فقالوا: علي بن زيد بن جدعان، ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي نضرة) المنذر بن مالك بن قطعة - بضم القاف وفتح المهملة -
стр. 8044
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَلَا إِنَّهُ يُنْصَبُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ".
===
العبدي العَوَقيُّ - بفتح المهملة والواو ثم قاف - البصري مشهور بكنيته، من الثالثة، مات سنة ثمان أو تسع ومئة (١٠٩ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري (الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن زيد، وهو متفق على ضعفه، ولكن تابعه خُلَيْدُ بن جعفر، وهو ثقةٌ ثبت، والمستمر بن الريان، وهو ثقةٌ عابد في الرواية عن أبي نضرة؛ كما في رواية مسلم، فالسند صحيح بغيره.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : ألا إنه ينصب) وكلمة (ألا) للاستفتاح والضمير في (إنه) للشأن و (ينصب) مبني للمفعول (لكل غادر) أي: ناقض للعهد (لواء) أي: راية يعرف بها (يوم القيامة) فضيحةً له على غدره على رؤوس الأشهاد، يرفع له ذلك اللواء (بقدر غدرته) وخيانته كمًا وكيفًا؛ أي: يرفع له لواء أكبر إن كان غدره أشد، ويرفع له مرات إن كان غدره أكثر؛ يعني: كلما كان الغدر أعظم .. كان اللواء أرفع، وفي رواية مسلم زيادة: (وَلَا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة) الناس؛ أي: من غدر صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، ولكونه من أكثر الناس قدرة على الوفاء، والآمال معقودة عليه بذلك، فكما خيب هذه الآمال بغير عذر .. استحق وزرًا أكثر من غيره، والله تعالى أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجزية والموادعة، باب إثم الغادر، ومسلم في كتاب الجهاد، باب تحريم الغدر.
стр. 8045
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولكن سند المؤلف ضعيف، لأن فيه علي ابن جدعان، كما مر آنفًا، وأما مسلم .. فقد روى في أصل الحديث عن خليد - مصغرًا - ابن جعفر بن طريف الحنفي البصري عن أبي نضرة، وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق، من السادسة، وفي المتابعة روى عن المستمر بن الريان الزهراني البصري عن أبي نضرة، وثقه النسائي وأحمد ويحيى بن سعد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم: ثقةٌ، وقال أبو بكر البزار: مشهور، وقال في "التقريب": ثقةٌ، عابد، من السادسة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8046
(٦١) - (١٠٠٤) - بَابُ بَيْعَةِ النِّسَاءِ
(١٥٤) - ٢٨٣٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ رُقَيْقَةَ تَقُولُ: جِئْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نِسْوَةٍ نُبَايِعُهُ
===
(٦١) - (١٠٠٤) - (باب بيعة النساء)
(١٥٤) - ٢٨٣٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة أنه سمع محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - بالتصغير - التيمي المدني ثقةٌ فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(قال) ابن المكدر: (سمعت أميمة بنت رقيقة) - بالتصغير فيهما - وهي أميمة بنت عبد الله بن بجاد - بضم الموحدة - ابن عمير بن الحارث بن حارثة بن سعد بن تيم بن مرّة، ورقيقة اسم أمها، ويقال: أميمة بنت أبي البجاد، ويقال: إنهما اثنتان. روت عن: النبي ﷺ ، وعن أزواج النبي ﷺ . وروت عنها: بنتها حكيمة، ومحمد بن المنكدر، قلت: اسم أبيها بجاد - بموحدة ثم جيم - ابن عبد الله بن عمير بن الحارث بن حازم بن تيم بن مرّة. انتهى من "التهذيب"، وهي صحابية رضي الله تعالى عنها لها حديثان. يروي عنها: (عم).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
أي: سمعت أميمة حالة كونها (تقول: جئت النبي ﷺ أي: عنده (في نسوة) أي: مع نسوة من المسلمات، ولم أر من ذكر أسماءهن، حالة كوننا نريد أن (نبايعه) على الإسلام، فقلنا له: نريد أن نبايعك على
стр. 8047
فَقَالَ لَنَا: "فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ؛ إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ".
===
الإسلام يا رسول الله بالمصافحة؛ كالرجال (فقال لنا) رسول الله ﷺ : بايعتكن مبايعةً لسانيةً لا يدويةً على أمور الإسلام (فيما استطعتن) واخترتن وارتضيتن مما ليس واجبًا عليكن؛ كالخروج مع المجاهدين لخدمتهم، ومداواة الجرحي، وحفظ أمتعتهم في حال القتال (و) فيما (أطقتن) وقدرتن عليه مما هو واجب عليكن؛ كالصلاة والصيام من التكاليف الشرعية الواجبة على الرجال والنساء.
وإنما قلت: لكن مبايعةً قوليةً؛ لـ (أني لا أصافح) ولا أمس بيدي يد (النساء) الأجنبيات، فبايعناه بالكلام لا باليد.
وقوله: "فيما استطعتن" من الاستطاعة بمعنى التطوع والتبرع فيما لا يلزم.
وقوله: "وأطقتن" من الإطاقة بمعنى القدرة على ما يلزم.
وفي "المختار": الاستطاعة هي الإطاقة، فجعلهما مترادفين، ولكن الأولى هنا تخالفهما؛ كما فسرناه؛ لأن العطف يقتضي التغاير، والله أعلم.
وفي رواية النسائي: (أو أطقن) بالشك، وهي أوضح.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء، أخرجه مختصرًا، وقال: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلَّا من حديث محمد بن المنكدر، وروى سفيان الثوري ومالك بن أنس وغير واحد هذا الحديث عن محمد بن المنكدر نحوه، وأخرجه النسائي في كتاب البيعة، باب بيعة النساء، وأخرجه الطبري أنَّها دخلت في نسوة تبايع، فقلن: يا رسول الله؛ ابسط يدك .. نصافحك، فقال: "إني لا أصافح النساء، ولكن سآخذ عليكن"، فأخذ علينا حتى بلغ قوله تعالى:
стр. 8048
(١٥٥) - ٢٨٣١ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ،
====
﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ (١)، وقال: "فيما أطقتن واستطعتن ... " إلى آخره. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
واعلم: أن السنة أن تكون بيعة الرجال بالمصافحة، والسنة في المصافحة أن تكون باليد اليمنى؛ فقد روى مسلم في "صحيحه" عن عمرو بن العاص، قال: أتيت النبي ﷺ ، فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه ... الحديث.
قال القاري في شرح هذا الحديث؛ أي: افتح يمينك ومدها؛ لأضع يميني عليها؛ كما هو العادة في البيعة. انتهى.
وكذلك السنة: أن تكون المصافحة باليد اليمنى عند اللقاء أيضًا، وأما المصافحة باليدين عند اللقاء، أو عند المبايعة .. فلم تثبت بحديث مرفوع صحيح صريح، وقد حققنا هذه المسألة في رسالتنا المسماة بـ: "المقالة الحسنى في سنية المصافحة باليد اليمنى". انتهى من "تحفة الأحوذي".
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أميمة بنت رقيقة بحديث عائشة ﵄، فقال:
(١٥٥) - ٢٨٣١ - (٢) (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح) الأموي مولاهم أبو الطاهر (المصري) ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
стр. 8049
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَتِ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ... ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ"،
===
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) ابن وهب: (أخبرني يونس) بن يزيد الأموي مولاهم الأيلي، ثقةٌ، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن ابن شهاب، أخبرني عروة بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(أن عائشة) رضي الله تعالى عنها (زوج النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (كانت) النساء (المؤمنات إذا هاجرن) وارتحلن من مكة إلى المدينة (إلى رسول الله ﷺ قبل الفتح (يمتحن) بالبناء للمفعول؛ أي: يختبرن ويبتلى صدقهن في الهجرة (بـ) ما تضمنه (قول الله) : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ .... ﴾) اقرأ الممتحنة (إلى آخر الآية) يعني: قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ ... ﴾ اقرأ إلى آخر الآية من سورة الممتحنة (١)؛ أي: يختبرن بما تضمنته هذه الآية؛ من نفي الشرك وما بعده، وهذا مذهب عائشة وفريق من العلماء، وقيل: بل كانت
стр. 8050
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَا مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ .. فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَة، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ
===
المهاجرة تمتحن بأن تستحلف أنَّها ما هاجرت بغضًا لزوج ولا لأدنى حظ من الدنيا، وإنما هاجرت حبًّا لله ولرسوله والدار الآخرة.
(قالت عائشة: فمن أقر) واعترف (بها) أي: بما تضمنته هذه الآية من الشروط وعاهد على قبوله (من المؤمنات .. فقد أقر) وقبل (بالمحنة) أي: فقد قبل بالاختبار وبايع البيعة الشرعية ونجح في الامتحان؛ وحاصله: أن من عرف منها الإيمان انتهت محنتها.
قال الحافظ: وأوضح من هذه ما أخرجه الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس قال: (كان امتحانهن أن يشهد أن لا إله إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله)، وظاهره أن امتحانهن كان مجرد النطق بالشهادتين، وهذا يعارض بظاهره ما أخرجه الطبري والبزار وغيرهما عن ابن عباس قال: (كان يمتحنهن بالله؛ ما خرجت من بغض زوج، والله؛ ما خرجت رغبة من أرض إلى أرض، وبالله؛ ما خرجت التماس دنيا، وبالله؛ ما خرجت إلَّا حبًّا لله ورسوله)، ذكره ابن كثير في "تفسيره" (٤/ ٣٥٠)، والحافظ في طلاق الفتح (٩/ ٤٢٥)، وذكر في التفسير (٨/ ٦٣٧) أن عبد بن حميد أخرج عن مجاهد نحوه، وزاد: (وَلَا خرج بك عشق رجل منا، ولا فرار من زوجك)، ولكن الجمع بينهما سهل؛ لأن مقصود عائشة وابن عباس في رواية العوفي أن الامتحان كان لحصول الطمأنينة بصدقهن في الإسلام، والحلف بالأشياء الكثيرة إنما كان للتثبت في معرفة إيمانهن وصدقهن في الهجرة لله ولرسوله ﷺ ؛ لأنه لو ظهر من امرأة منهن أنَّها إنما خرجت لغرض دنيوي .. ظهر أنَّها ليست صادقة في هجرتها، والله أعلم.
قالت عائشة: (فكان رسول الله ﷺ إذا أقررن) وقبلن
стр. 8051
بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ"، لَا وَاللهِ؛ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلَام، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللهِ؛ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ إِلَّا مَا أَمَرَهُ اللهُ ، وَلَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: "قَدْ بَايَعْتُكُنَّ" كَلَامًا.
===
(بذلك) المذكور في الآية (من قولهن) أي: بقولهن ذلك ونطقهن به .. (قال لهن رسول الله ﷺ : انطلقن) أي: اذهبن إلى منازلكن (فقد بايعتكن) على ذلك المذكور في الآية.
وقوله: (لا) عاطفة لمحذوف على ما قبلها؛ تقديره: قال لهن: انطلقن؛ فقد بايعتكن بالقول لا بالمصافحة، وجملة قولها: (والله؛ ما مست) ولمست (يد رسول الله ﷺ يد امرأة قط) أجنبية بمنزلة التعليل لذلك المحذوف.
ولفظة: (غير) في قوله: (غير أنه يبايعهن بالكلام) والقول لا بالمصافحة بمعنى: إلَّا التعليلية لما قبلها، وإنما قلت: والله؛ ما مست يده يد امرأة؛ لأنه إنما يبايعهن بالكلام لا بالمصافحة.
(قالت عائشة) أيضًا: (والله؛ ما أخذ رسول الله ﷺ البيعة وما جعلها (على النساء إلَّا) بـ (ما أمره الله به في هذه الآية المذكورة (وَلَا مست كف رسول الله ﷺ كف امرأة قط، وكان يقول لهن إذا أخذ عليهن) البيعة: انطلقن؛ فـ (قد بايعتكن كلامًا) لا مصافحةً؛ كالرجال.
وقولها: (وَلَا والله؛ ما مست يد رسول الله ﷺ يد امرأة
стр. 8052
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قط) قالوا: إن فيه: إن بيعة النساء إنما كانت بالكلام من غير أخذ كف، وإن بيعة الرجال كانت بأخذ الكف مع الكلام.
ولفظة: (قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان مختص بالنفي، تقول: ما فعلت هذا قط؛ أي: فيما مضى من عمري، أو فيما انقضى من الزمان، قال النووي: فيها خمس لغات: فتح القاف وتشديد الطاء مضمومة ومكسورة، وضمهما والطاء مشددة، وفتح القاف مع تخفيف الطاء ساكنة ومكسورة، وقولها: (ما أخذ رسول الله ﷺ على النساء) مفعول أخذ محذوف؛ أي: ما أخذ عليهن البيعة؛ كما قررناه في الحل.
وقوله: (إلَّا ما أمره الله) وفي رواية مسلم: (إلَّا بما أمره الله) به في الآية المذكورة، بزيادة الباء الجارة، وهي أوضح من نسخة المؤلف؛ تعني بما أمره الله به: آية المبايعة المذكورة في هذه السورة يتلوها عليهن، ولا يزيد شيئًا آخر من قبله. انتهى من "المفهم".
ويوافق قولها ما أخرجه الترمذي في السير، والنسائي وغيره عن أميمة بنت رقيقة، قالت: بايعت رسول الله ﷺ في نسوة، فقال لنا: "فيما استطعتن أو أطقتن" بأو المفيدة للشك في أي اللفظين، قال: قلت له: الله ورسوله أرحم بنا منا بأنفسنا، فقلت: يا رسول الله؛ بايعنا، قال سفيان: تعني: صافحنا، فقال رسول الله ﷺ : "إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة"، ويعارضه في الظاهر ما أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والبزار وغيرهم؛ كما نقل عنهم الحافظ في "الفتح" عن أم عطية في قصة المبايعة، وفيها: فمد يده من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: "اللهم؛ اشهد".
стр. 8053
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكذا الحديث الذي بعده حيث قالت فيه: (قبضت امرأة منا يدها) فإنه يشعر بأنهن كن بايعنه بأيديهن.
ويمكن الجواب عنه بوجهين؛ الأول: أن مد الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لَمْ تقع مصافحة؛ والمراد بقبض اليد في الحديث الثاني: المتأخر عن القبول.
الثاني: أن مبايعة النساء كانت تقع بحائل، ويؤيده: ما أخرجه أبو داوود في "المراسيل" عن الشعبي أن النبي ﷺ حين بايع النساء أتى ببرد قطري، فوضعه على يده، وقال: "لا أصافح النساء"، وأخرج عبد الرزاق نحوه مرسلًا عن إبراهيم النخعي. انتهى من "الفتح".
وسبب هذا الامتحان: أن النبي ﷺ صالح المشركين يوم الحديبية؛ على ألا يأتيه منهم أحد إلَّا رده عليهم، فوفى رسول الله ﷺ بعهده في الرجال، ثم جاءته عدة من نساء مكة، وطالب المشركون بردهن أيضًا، فأنزل الله قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ ..... ﴾ الآية (١)، وكان هذا الحكم مقصورًا على النساء اللاتي لَمْ يهاجرن إلَّا لله ولرسوله ﷺ ، فأمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يمتحنهن في ذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة، ومسلم في كتاب الإمارة، باب كيفية بيعة النساء، وأبو داوود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب ما جاء في البيعة، وأحمد في "المسند".
стр. 8054
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8055
(٦٢) - (١٠٠٥) - بَابُ السَّبَقِ وَالرِّهَانِ
(١٥٦) - ٢٨٣٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
===
(٦٢) - (١٠٠٥) - (باب السبق والرهان)
قوله: (باب السبق) والسبق - بفتح الباء -: ما يجعل للسابق من المتسابقين على سبقه مِن جُعْلٍ ونَوْلٍ، فأما السبق - بسكون الباء - فهو مصدر سبقت الرجل أسبقه سبقًا؛ إذا كنت سابقًا له.
(والرهان) - بكسر الراء - وكذا المراهنة: المسابقة على الخيل وغيرها، ومنه قولهم: جاءا فرسَيْ رِهَانٍ؛ أي: متساويين. انتهى "قاموس مع الشارح".
* * *
(١٥٦) - ٢٨٣٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقةٌ متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(قالا: حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي الواسطي، ثقةٌ متقن، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا سفيان بن حسين) بن حسن أبو محمد الواسطي، ثقةٌ في غير الزهري باتفاقهم، من السابعة، مات بالري مع المهدي، وقيل: في أول خلافة الرشيد. يروي عنه: (م عم).
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).