عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.
(٢) - ٢٨٣٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ أَبُو إِسْرَائِيلَ،
===
بسوقه: بيان متابعة سهيل لسمي مولى أبي بكر في الرواية عن أبي صالح السمان، وفائدتها: بيان كثرة طرقه.
(عن النبي ﷺ وساق سهيل (بنحوه) أي: بنحو حديث سمي وقريبه لفظًا ومعنىً.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢) - ٢٨٣٨ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش - بفتح المهملة والنون بعدها معجمة - ويقال: ابن محمد بن حنش الأودي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بنُ الجَرَّاحِ الرُّؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل) بن خليفة العبسي - بالموحدة - (أبو إسرائيل) الملائي الكوفي معروف بكنيته، وقيل: اسمه عبد العزيز، صدوق سيئ الحفظ، نسب
стр. 8087
عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ أَوْ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ .. فَلْيَتَعَجَّلْ؛ فَإِنَّهُ
===
إلى الغلو في التشيع، من السابعة، مات سنة تسع وستين ومئة (١٦٩ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن فضيل بن عمرو) الفُقيمي - بالفاء والقاف مصغرًا - أبي النضر الكوفي، ثقة، من السادسة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(عن سعيد بن جبير) - مصغرًا - الأسدي أبي النضر الكوفي، ثقة ثبت، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس، عن) أخيه (الفضل) بن عباس، رضي الله تعالى عنهم (أو) قال سعيد بن جبير: حدثت هذا الحديث عن (أحدهما) أي: عن أحد ابني عباس، حالة كون ذلك الأحد راويًا (عن الآخر) منهما، شك في عن أيهما حدث؛ هل حدث عن عبد الله عن الفضل أو هل حدث عن الفضل عن عبد الله؟
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا إسرائيل الملائي، وهو مختلف فيه.
(قال) الفضل، أو قال ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : من أراد الحج) أي: من استطاع الحج وقدر على أدائه؛ باستكمال شروط الاستطاعة، وأراد أداءه في أول سني الإمكان .. (فليتعجل) أي: فليفعله معجلًا في أول سني الإمكان استحبابًا؛ مسارعةً إلى براءة الذمة من حقوق الله تعالى.
والفاء في قوله: (فإنه) علة للتعجيل؛ أي: وإنما أمر بالتعجيل؛ لأنه
стр. 8088
قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ".
===
(قد يمرض المريض) من باب طرب؛ أي: قد يأخذه المرض في السنة الثانية، فيعجز عن أدائه؛ بسبب المرض، والواو في قوله: (وتضل الضالة، وتعرض الحاجة) بمعنى (أو) في كل من الموضعين، وعرض من باب ضرب، وإنما أمر بالتعجل في أول سني الإمكان؛ لأنه قد يمرض في السنة الثانية، فيمنعه المرض من أداء الحج، أو تضل الضالة؛ أي: والراحلة التي يحج عليها، فيفوته الحج، أو تعرض له الحاجة؛ أي: أو تعرض وتأتي له الحاجة والضرورة التي تمنعه من الحج؛ كغصب ماله أو سرقته، أو منع الدولة من سفر الحج، أو كون الطريق مخوفًا من القطاع، أو غير ذلك.
قوله: "من أراد الحج .. فليتعجل" أي: استحبابًا، زاد البيهقي: (فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له من مرض أو حاجة)، وفي لفظ: (فإنه قد يمرض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة).
وفي الحديث دليل على أن الحج واجب على الفور، وإلى القول بالفور ذهب مالك وأبو حنيفة وبعض أصحاب الشافعي.
وقال الشافعي والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد: إنه على التراخي، واحتجوا أنه ﷺ حج سنة عشر، وفرض الحج كان سنة ست أو خمس.
وأجيب: بأنه قد اختلف في الوقت الذي فرض فيه الحج، ومن جملة الأقوال: إنه فرض في سنة عشر، فلا تأخير، ولو سلم أنه فرض قبل العاشرة .. فتراخيه ﷺ إنما كان لكراهة اختلاط المسلمين في الحج بأهل الشرك؛ لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عراة، فلما طهر الله البيت الحرام منهم .. حج ﷺ ، فتراخيه لعذر، ومحل النزاع: التراخي مع عدمه، ذكره في "نيل الأوطار". انتهى من "العون".
стр. 8089
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود مقتصرًا على قوله: "من أراد الحج .. فليتعجل"، وكذا رواه الحاكم مقتصرًا عليه، وقال: هذا حديث صحيح، ومن طريق الحاكم رواه البيهقي في "سننه"، وله شاهد من حديث أبي هريرة رواه الشيخان والنسائي وابن ماجه، وهو الحديث الذي ذكره ابن ماجه في أول الباب.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما قبله من حديث أبي هريرة المذكور أول الباب، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8090
(٢) - (١٠٠٩) - بَابُ فَرْضِ الْحَجِّ
(٣) - ٢٨٣٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ وَرْدَانَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيّ، عَنْ عَلِيٍّ
===
(٢)(١٠٠٩) - (باب فرض الحج)
(٣) - ٢٨٣٩ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعلي بن محمد) بن إسحاق الطَّنافِسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا منصور بن وردان) الأسدي العطار الكوفي، مقبول، من التاسعة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا علي بن عبد الأعلى) الثعلبي - بالمثلثة والمهملة - الكوفي الأحول، صدوق ربما وهم، من السادسة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) عبد الأعلي بن عامر الثعلبي - بالمثلثة والمهملة - الكوفي، صدوق يهم، من السادسة. يروي عنه: ! عم).
(عن أبي البختري) - بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة ساكنة - سعيدِ بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاهم، ثقة ثبت فيه تشيع قليل، كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة ثلاث وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه منصور بن وردان،
стр. 8091
قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ .. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ؛ فَسَكَتَ، ثُمَّ قَالُوا: أَفِي كُلِّ عَامٍ؟ فَقَالَ: "لَا، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ .. لَوَجَبَتْ"، فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.
===
وهو مقبول، ولكنه منقطع؛ لأن أبا البختري لم يلق علي بن أبي طالب، فحكمه: الضعف؛ لانقطاعه.
(قال) علي: (لما نزلت) آية قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١) .. قالوا) أي: قال الأصحاب: (يا رسول الله؛ الحج) واجب (في كل عام؟ فسكت) رسول الله ﷺ ؛ انتظارًا للوحي (ثم قالوا) مرة ثانية: (أ) يجب الحج (في كل عام) من الأعوام؟ (فقال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (لا) يجب الحج في كل عام.
وفي قوله: (لا) دليل على أن الحج لا يجب في العمر إلا مرة واحدة، وهو مجمع عليه؛ كما قال النووي والحافظ وغيرهما، وكذلك العمرة عند من قال بِوُجُوبِهَا لا تجب إلا مرةً واحدة، إلا أن ينذر بالحج أو العمرة وجب الوفاء بنذره بشرطه.
ثم قال رسول الله ﷺ : (ولو قلت) لكم: (نعم) يجب الحج كل عام .. (لوجبت) الحجة في كل عام، واستدل بهذا الكلام على أن النبي ﷺ مفوض إليه في شرع الأحكام، وفي ذلك خلاف مبسوط في الأصول.
(فـ) بسبب سؤالهم هذا (نزلت) آية قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾) أحكامها .. (﴿تَسُؤْكُمْ﴾) (٢) لكونها شاقة؛ لأنه لو
стр. 8092
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال في جواب سؤالهم: نعم، تجب كل عام .. لكانت شاقة عليهم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء كم فُرِضَ الحجُّ؟ قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، قال الحافظ في "التلخيص": سنده منقطع.
قلت: قال الخزرجي في الخلاصة": أبو البختري الكوفي تابعي جليل، روى عن عمر وعلي مرسلًا. انتهى.
وقال ابن أبي حاتم في كتاب "المراسيل": قال علي بن المديني: أبو البختري لم يلق عليًّا، وقال أبو زرعة: أبو البختري لم يسمع من علي شيئًا. انتهى.
وقال أبو عيسى أيضًا: وفي الباب عن ابن عباس قال: خطبنا رسول الله ﷺ ، فقال: "يا أيها الناس؛ كتب عليكم الحج" فقام الأقرع بن حابس، فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال: "لو قلتها .. لوجبت، ولو وجبت .. لم تعملوا بها، ولم تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة؛ فمن زاد .. فهو تطوع". رواه أحمد وأبو داوود والنسائي وابن ماجه والبيهقي والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما.
وقال أبو عيسى أيضًا: وفي الباب أيضًا عن أبي هريرة، أخرجه أحمد ومسلم والنسائي، وفي الباب أيضًا: عن أنس، أخرجه ابن ماجه، قال الحافظ في "التلخيص": رجاله ثقات. انتهى من "تحفة الأحوذي".
فهذه الأحاديث كلها صحاح؛ لصحة أسانيدها؛ كما سيذكر المؤلف بعضها فيما بعد، فتكون شواهد لحديث علي بن أبي طالب الذي استدل به المؤلف على الترجمة.
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره من الشواهد التي
стр. 8093
(٤) - ٢٨٤٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
ذكرناها، ضعيف السند؛ لانقطاعه، فغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث علي بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤) - ٢٨٤٠ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن أبي عبيدة) بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي اسم أبيه عبد الملك، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبيه) عبد الملك بن معن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي أبي عبيدة المسعودي، ثقة، من السابعة. يروي عنه: (م د س ق).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سفيان) طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي، ويقال: المكي الإسكاف. روى عن: جابر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وغيرهم، صدوق، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
стр. 8094
قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الْحَجُّ فِي كُلِّ عَامٍ؟ قَالَ: "لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ .. لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ .. لَمْ تَقُومُوا بِهَا، وَلَوْ لَمْ تَقُومُوا بِهَا .. عُذِّبْتُمْ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (قالوا) أي: قال الأصحاب: (يا رسول الله) يجب (الحج في كل عام؟ ) فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ : (لو قلت) لكم: (نعم) يجب الحج في كل عام .. (لوجبت) الحجة في كل عام (ولو وجبت) الحجة كل عام .. (لم تقوموا) أي: لم تقدروا على القيام والعمل (بها) أي: بعملها كل عام (ولو لم تقوموا) وتعملوا (بها) أي: بتلك الحجة الواجبة كل عام .. (عذبتم) أي: عوقبتم على تركها؛ كما تعاقبون بترك الصلاة.
وهذ الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد من حديث ابن عباس المذكور بعده، رواه أبو داوود والنسائي وابن ماجه ومسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، ومن حديث أبي هريرة وغيرهما، وغرضه: الاستشهاد به لحديث علي بن أبي طالب.
قوله: "لوجبت" أنث الضمير في الفعل مع أن الحج مذكر؛ نظرًا إلى كونها بمعنى العبادة، أو بمعنى الحجة.
وظاهر قوله: "لوجبت" يقتضي أن افتراض الحج كل عام كان معروضًا عليه حتى لو قال: نعم .. لحصل، وليس بمستبعد؛ إذ يجوز أن يأمره الله تعالى بالإطلاق، ويفوض أمر التقييد إلى الذي فوض إليه البيان؛ فهو إن أراد أن يقيد بكل عام .. يقيده به.
وفي الحديث إشارة إلى كراهة السؤال في النصوص المطلقة، والتفتيش عن قيودها، بل ينبغي إطلاقها حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقًا لهذه الكراهة.
стр. 8095
(٥) - ٢٨٤١ - (٣) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ،
===
قوله: "ولو لم تقوموا بها" على تقدير الوجوب .. "لعذبتم" فيه دليل على أن ترك الواجب يوجب العذاب. انتهى منه.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث علي بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥) - ٢٨٤١ - (٣) (حدثنا يعقوب بن إبراهيم) بن كثير بن زيد بن أفلح العبدي مولاهم أبو يوسف (الدورقي)، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا سفيان بن حسين) بن حسن أبو محمد الواسطي، ثقة في غير الزهري باتفاقهم، من السابعة، مات بالري مع المهدي، وقيل: في أول خلافة الرشيد. يروي عنه: (م عم).
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب المدني، ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سنان) يزيد بن أمية الدؤلي المدني والد سنان، ويقال: اسمه ربيعة. روى عن: ابن عباس، وعلي، ويروي عنه: الزهري، ونافع. مشهور بكنيته، ثقة، من الثانية، ومنهم من عده في الصحابة، قال أبو حاتم: ولد زمن أحد، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له في "السنن" حديثه عن ابن عباس في الحج. انتهى من "التهذيب". يروي عنه: (د س ق).
стр. 8096
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الْحَجُّ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَوْ مَرةً وَاحِدَةً؟ قَالَ: "بَلْ مَرَّةً وَاحِدَةً؛ فَمَنِ اسْتَطَاعَ .. فَتَطَوُّعٌ".
===
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
فإن قلت: إن في هذا السند سفيان بن حسين، وهو ضعيف في الزهري، فالسند ضعيف.
قلت: لا يقدح في السند؛ لأنه لم ينفرد في الرواية عن الزهري، بل تابعه في الرواية عنه عبد الجليل بن حميد، وسليمان بن كثير، كلهم قالوا: عن الزهري عن أبي سنان؛ كما في أبي داوود.
(أن الأقرع بن حابس) التميمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، وقد جاء ذكره في "الصحيحين" وغيرهما دون رواية له؛ لأنه ليس له حديث.
(سأل النبي ﷺ ، فقال) في سؤاله: (يا رسول الله) أفرض علينا (الحج في كل سنة أو) فرض علينا في العمر (مرة واحدة؟ ) قاله قياسًا على ما تكرر من العبادات؛ كالصوم والزكاة؛ فإن الأول عبادة بدنية، والثاني طاعة مالية، والحج مركب منهما، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (بل) فرض عليكم الحج في العمر (مرة واحدة؛ فمن استطاع) وقدر على الزيادة على مرة واحدة .. (فتطوعٌ) أي: تبرع بها، والجواب محذوف؛ تقديره: (فهو) أي: فذلك الزائد (تطوع) أي: تنفل له يثاب عليه ثواب التطوع، وفي رواية أبي داوود تصريح بهذا الجواب الذي قدرناه.
стр. 8097
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب فرض الحج، والنسائي في كتاب المناسك، باب وجوب الحج، والبيهقي في "السنن الكبرى"، والدارقطني في "سننه"، باب المواقيت.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8098
(٣) - (١٠١٠) - بَابُ فَضْلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ
(٦) - ٢٨٤٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ، عَنْ أبِيه، عَنْ عُمَرَ،
===
(٣) - (١٠١٠) - (باب فضل الحج والعمرة)
(٦) - ٢٨٤٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ضعيف، من الرابعة، مات في أول دولة بني العباس سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن عبد الله بن عامر) بن ربيعة العنزي أبي محمد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ ولأبيه صحبة، مشهور، ووثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين (٨٣ هـ). روى عن: أبيه، وعمر، وعثمان، وعائشة. ويروي عنه: (ع)، والزهري، وعاصم.
(عن أبيه) عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي - بسكون النون - حليف آل الخطاب، صحابي مشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم قديمًا وهاجر، وشهد بدرًا، مات ليالي قتل عثمان. يروي عنه: (ع)، وقوله: (عن أبيه) ليس في جميع نسخ ابن ماجه، وذكر المزي أن رواية سفيان بن عيينة ليس فيها قوله: (عن أبيه) وإنما هي مثبتة في رواية محمد بن بشر الآتية.
(عن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عاصم بن عبيد الله، وهو متفق على ضعفه.
стр. 8099
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ؛ فَإِنَّ الْمُتَابَعَةَ بَيْنَهُمَا تَنْفِي الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ؛ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ".
===
(عن النبي ﷺ قال: تابعوا بين الحج والعمرة) أي: قاربوا بينهما إما بالقران، أو بفعل أحدهما بعد الآخر.
قال الطيبي ﵀: أي: إذا اعتمرتم .. فحجوا، وإذا حججتم .. فاعتمروا (فإن المتابعة) والموالاة (بينهما) أي: بين الحج والعمرة (تنفي الفقر) أي: تزيله وتعدمه عن صاحبهما، وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد، والفقر الباطن بحصول غنى القلب (و) تنفي (الذنوب) أي: تمحوها، قيل: المراد بها: الصغائر، لكن يأباه قوله: (كما ينفي) ويزيل (الكير) والمنفاخ؛ وهو ما ينفخ فيه الحداد لاشتعال النار؛ لتصفية (خبث الحديد) أي: وسخه.
وفي الباب أحاديث كثيرة تكون شواهد لحديث عمر.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه البيهقي من هذا الوجه، وعنده زيادة: (فإن متابعة بينهما يزيدان في الأجل، وينفيان الفقر؛ كما ينفي الكير الخبث)، ورواه الحميدي في "مسنده" عن سفيان عن عاصم بن عبيد الله، فذكره كما رواه البيهقي بالزيادة، ورواه ابن أبي عمر في "مسنده" عن عامر بن ربيعة عن عمر به، وله شاهد عن حديث عبد الله بن مسعود، رواه الترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما"، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، فظهر أنَّ لهذا الحديثِ متابعاتٍ كثيرةً وشواهدَ.
فدرجته: أنه صحيح المتن بغيره، ضعيف السند، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عمر رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 8100
(٦) - ٢٨٤٢ - (م) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّاب، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
===
(٦) - ٢٨٤٢ - (م) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة العبدي أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ضعيف، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي - بسكون النون - المدني، ولد في عهد النبي ﷺ .
(عن أبيه) عامر بن ربيعة بن كعب العنزي المدني الصحابي المشهور، رضي الله تعالى عنه.
(عن عمر بن الخطاب) ﵁ (عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عاصم بن عبيد الله، وغرضه: بيان متابعة عبيد الله بن عمر بن حفص لسفيان بن عيينة في الرواية عن عاصم بن عبيد الله الضعيف، وفائدة هذه المتابعة: بيان كثرة طرقه.
وساق عبيد الله بن عمر عن عاصم (نحوه) أي: نحو حديث سفيان بن عيينة عن عاصم، والله أعلم.
стр. 8101
(٧) - ٢٨٤٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا،
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧) - ٢٨٤٣ - (٢) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك بن أنس) الأصبحي المدني إمام الفروع، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن) بن الحارث بن هشام، ثقة، من السادسة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح السمان) المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قال: العمرة) المنضمة (إلى العمرة) الأخرى (كفارة) أي: ماحية (لما بينهما) أي: لما وقع بينهما من الصغائر، وهذا ظاهر في فضيلة العمرة، وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين.
стр. 8102
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال ابن التين: قوله: (العمرة إلى العمرة) يحتمل: أن تكون (إلى) بمعنى (مع) فيكون التقدير: العمرة مع العمرة مكفرة لما بينهما.
وأشار ابن عبد البر إلى أن المراد: تكفير الصغائر دون الكبائر، قال: وذهب بعض العلماء من عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه.
واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر، فماذا تكفر العمرة؟
والجواب: أن تكفير العمرة مقيد بزمنها، وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد، قال الحافظ: وفي حديث الباب دلالة على استحباب الاستكثار من الاعتمار، خلافًا لقول من قال: يكره أن يعتمر في السنة أكثر من مرة كالمالكية، ولمن قال: مرة في الشهر من غيرهم، واستدل لهم بأنه ﷺ لم يفعلها من سنة إلى سنة وأفعاله على الوجوب أو الندب، وتعقب بأن المندوب لم ينحصر في أفعاله؛ فقد كان يترك الشيء وهو يستحب فعله؛ لرفع المشقة عن أمته، وقد ندب إلى ذلك بلفظه، فثبت الاستحباب من غير تقييد.
واتفقوا على جوازها في جميع الأيام لمن لم يكن متلبسًا بأعمال الحج، إلا ما نقل عن الحنفية أنه يكره في يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ونقل الأثرم عن أحمد: إذا اعتمر .. فلا بد أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام؛ ليمكن حلق الرأس فيها.
قال ابن قدامة: وهذا يدل على كراهة الاعتمار عنده دون عشرة أيام. انتهى، انتهى من "الكوكب".
стр. 8103
وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ".
===
(والحج المبرور) أي: المقبول المقابل بالبر؛ وهو الثواب، يقال - كما في "المصباح" -: بر الله تعالى حجه؛ أي: قبله، وبابه علم، أو الذي لم يخالطه ذنب، أو لا رياء فيه ولا سمعة ولا شهرة ولا تسمية فيه باسم الحاج، قال ابن خالويه: المبرور المقبول، وقال غيره: هو الذي لم يخالطه شيء من الذنب؛ ورجحه النووي، وقال القرطبي: الأقوال التي ذكرت في تفسيره متقاربة المعنى؛ وهي أنه هو الحج الذي توفرت أحكامه، ووقع موقعًا لما طلب من المكلف على الوجه الأكمل، والله أعلم، وقيل: إنه يظهر بآخره؛ فإن رجع خيرًا مما كان .. عرف أنه مبرور.
ولأحمد والحاكم من حديث جابر: قالوا: يا رسول الله؛ ما بر الحج؟ قال: "إطعام الطعام، وإفشاء السلام"، وفي إسناده ضعف، فلو ثبت .. لكان هو المتعين دون غيره، كذا في "الفتح".
قلت: وفي "مجمع الزوائد" للحافظ الهيثمي عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، قيل: وما بره؟ قال: "إطعام الطعام، وطيب الكلام". رواه الطبراني في "الأوسط"، وإسناده حسن. انتهى.
وقال ابن العربي: قيل: هو؛ أي: الحج المبرور الذي لا معصية بعده، قال الأبي: وهو الظاهر؛ لقوله في الحديث الآخر: "فمن حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق" إذ المعنى: حج، ثم لم يفعل شيئًا من ذلك، ولهذا عطفها بالفاء المشعرة بالتعقيب، وإذا فسر بذلك .. كان الحديثان بمعنىً واحد، وتفسير الحديث بالحديث أولى. انتهى.
قوله: (ليس له جزاء إلا الجنة) قال النووي: معناه: أنه لا يقتصر لصاحبه
стр. 8104
(٨) - ٢٨٤٤ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ
===
من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه، بل لا بد أن يدخل الجنة - والله أعلم - أي: دخولًا أوليًّا. انتهى "فتح الملهم".
قوله: "إلا الجنة" أي: دخولها ابتداءً، وإلا .. فأصل الدخول فيها يكفي فيه الإيمان، ولازمه أن يغفر له الذنوب كلها صغائرها، بل المتقدمة منها والمتأخرة. انتهى "سندي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العمرة، باب وجوب العمرة، ومسلم في كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، والترمذي في كتاب الحج، باب ما ذكر في فضل العمرة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب المناسك، باب فضل العمرة، باب فضل الحج المبرور، والإمام أحمد في "المسند"، والإمام مالك في "الموطأ" في كتاب الحج، باب جامع ما جاء في العمرة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨) - ٢٨٤٤ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح بن مليح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مسعر) - بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح المهملة بوزن منبر - ابن كِدَامٍ
стр. 8105
وَسُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ .. رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
===
- بكسر أوله وتخفيف ثانيه - ابن ظهير الهلالي أبي سلمة الكوفي، ثقة ثبت فاضل، من السابعة، مات سنة ثلاث أو خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وسفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتَّاب - بمثناة مشددة ثم موحدة على وزن ضَرَّابٍ - الكوفي، ثقة ثبت وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولى عزة الأشجعية الكوفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من حج) وقصد (هذا البيت) المكرم؛ يعني: الكعبة بالنسك الآتي بيانه.
وفي رواية مسلم: (من أتى هذا البيت) والمراد بإتيانه: قصدُه بالحج والعمرة (فلم يرفث) أي: لم يجامع في حجه (ولم يفسق) فيه؛ أي: ولم يذنب فيه .. (رجع) من ذنوبه (كما ولدته أمه) أي: مشابهًا حاله بحاله وقت ولادة أمه إياه؛ أي: نقيًّا من الذنوب.
стр. 8106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: "فلم يرفث" بتثليث الفاء في الماضي والمضارع، لكن الأفصح الضم في المضارع، والفتح في الماضي.
والرفث: الجماع، أو الفحش في القول، أو خطاب الرجل المرأة فيما يتعلق بالجماع، وقال الأزهري: الرفث: كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة، وخصه ابن عمر بما خوطب به النساء، وقال عياض: هذا من قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾، والجمهور على أن المراد به في الآية: الجماع. انتهى.
قال الحافظ: والذي يظهر أن المراد به في الحديث: ما هو أعم من ذلك، وإليه نحا القرطبي، وهو المراد بقوله في الصيام: "فإذا كان صوم أحدكم .. فلا يرفث". انتهى.
"ولم يفسق" أي: ولم يأت بسيئة ولا معصية، وهو بضم السين؛ من باب نصر. انتهى "قسطلاني"، وقال ملا علي: أي: لم يفعل فيه كبيرة، ولا أصر على صغيرة؛ ومن الكبائر: ترك التوبة من المعاصي، قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١). انتهى، وفسر ابن الملك الفسق بالخروج عن حد الاستقامة. انتهى.
وقال سعيد بن جبير في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٢): الرفث: إتيان النساء، والفسوق: السباب، والجدال: المراءُ مع الرُّفَقَاءِ والمَكَّارِينَ.
ولم يذكر في الحديث: (الجدال في الحج) اعتمادًا على الآية.
стр. 8107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويحتمل أن يكون ترك الجدال قصدًا؛ لأن وجوده لا يؤثر في ترك مغفرة ذنوب الحاج، إذا كان المراد به: المجادلة في أحكام الحج؛ لما يظهر من الأدلة، أو المجادلة بطريق التعميم، فلا تؤثر أيضًا؛ لأن الفاحش منها دخل في عموم الرفث، والحسن منها ظاهر في عدم التأثير، والمستوي الطرفين لا يؤثر أيضًا، قاله في "فتح الباري".
والفاء في قوله: "فلم يرفث" عاطفة على الشرط، وجوابه قوله: "رجع كيوم ولدته أمه" بجر يوم على الإعراب، وبفتحه على البناء، وهو المختار في مثله؛ لأن صدر الجملة المضاف إليها مبني؛ أي: رجع مشابهًا لنفسه يوم ولادته في أنه يخرج بلا ذنب؛ كما خرج بالولادة نقيًّا، وهو يشمل الصغائر والكبائر والتبعات، وقال الطبري: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز عن وفائها.
وقال الترمذي: هو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله خاصة دون العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها؛ فمن كان عليه صلاة أو كفارة أو نحوها من حقوق الله تعالى .. لا تسقط عنه؛ لأنها حقوق لا ذنوب، إنما الذنوب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي أنفسها، فلو أخرها بعده .. تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق. انتهى من "الإرشاد".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، وفي مواضع كثيرة، ومسلم في كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، والترمذي في كتاب الحج، باب فضل الحج ويوم عرفة، قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الحج، باب فضل الحج.
стр. 8108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة الأول.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8109
(٤) - (١٠١١) - بَابُ الْحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ
(٩) - ٢٨٤٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبَانَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
===
(٤) - (١٠١١) - (باب الحج على الرحل)
بفتح الراء وسكون الحاء المهملة: ما يركب عليه الراكب على البعير.
* * *
(٩) - ٢٨٤٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن الربيع بن صبيح) - بفتح الصاد المهملة - السعدي البصري، صدوق سيئ الحفظ، وكان عابدًا مجاهدًا، قال الرامهرمزي: هو أول من صنف الكتب بالبصرة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن يزيد بن أبان) الرقاشي - بتخفيف القاف ثم معجمة - أبي عمرو البصري القاصّ - بتشديد المهملة - زاهد ضعيف، من الخامسة، مات قبل العشرين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن أبان، وهو متفق على ضعفه.
стр. 8110
قَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ أَوْ لَا تُسَاوِي، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ حِجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةَ".
===
(قال) أنس: (حج النبي ﷺ راكبًا (على رحل) والرحل: ما يركب على البعير، وهو أصغر من القتب؛ كالبرذعة والإكاف مما لا مستند للظهر له (رث) أي: عتيق قديم، وفي "المختار": الرث - بالفتح -: البالي الخلق، وجمعه رثاث - بالكسر - ويقال: أرث الثوب؛ إذا أخلق؛ أي: صار خلقًا.
(وقطيفة) والقطيفة: دثار له خمل، والجمع قطائف؛ والدثار - بالكسر -: كل ما كان من الثياب فوق الشعار؛ والشعار: الثوب الذي يلي الجسد؛ والدثار: ما يلبس فوقه، يقال: تدثر؛ إذا تلفف في الدثار؛ والخمل - بفتح المعجمة وسكون الميم -: الهدب؛ والهدب: خيوط في أطراف الثياب؛ كما في أطراف ثوب الإحرام العصري؛ والمعنى: حج راكبًا على قتب قديم، ولابسًا إحرامًا قديمًا (تساوي) تلك القطيفة (أربعة دراهم) أي: قيمتها أربع هللات (أو) قال الراوي: (لا تساوي) تلك القطيفة أربعة دراهم، و (أو) هنا للشك فيما قال الراوي.
(ثم) بعدما رَكِبَ على الرَّحْلِ الرَّثِيث، ولبس القطيفة القديمة (قال: اللهم؛ حجة) بالرفع خبر لمبتدأ محذوف؛ أي: اللهم؛ حجتي هذه حجة (لا رياء فيها ولا سمعة) وبالنصب مفعول لفعل محذوف؛ تقديره: اللهم؛ اجعلها حجة مبرورة لا رياء فيها ولا سمعة، ولعل هذه الحجة هي حجة الوداع.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (١)(٢٩٩)؛ لضعف سنده، وغرضه بسوقه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
стр. 8111
(١٠) - ٢٨٤٦ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَة، فَمَرَرْنَا
===
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠) - ٢٨٤٦ - (٢) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المكي، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن داوود بن أبي هند) اسمه دينار بن عُذَافر، ويقال: بن طهمان القشيري مولاهم، أبي بكر البصري، ثقة متقن كان يهم بأخرة، من الخامسة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي العالية) رُفيع - مصغرًا - بنِ مهران الرياحي - بكسر الراء والتحتانية - ثقة كثير الإرسال، من الثانية، مات سنة تسعين (٩٠ هـ)، وقيل: ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (كنا) يومًا (مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره (بين مكة والمدينة، فمررنا) معه في ذلك السفر
стр. 8112
بِوَادٍ، فَقَالَ: "أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: وَادِي الْأَزْرَق، قَالَ:
===
(بواد) من الأودية التي كانت بين مكة والمدينة؛ أي: مررنا معه في واد منها (فقال) لمن حضره وقرب منه: (أي واد هذا) الوادي؟ أي: بأي اسم يسمى هذا الوادي؟ والأظهر في سؤاله أنه استفهام، وأنه كان لا يعلم أنه وادي الأزرق، ويحتمل: أنه استنطاق.
فإن قلت: عادتهم في الاستنطاق أن يقولوا: الله ورسوله أعلم.
قلت: إنما ذلك في الأمور العلمية، وهذا خبر عن محسوس.
فإن قلت: قد قالوا ذلك حين قال: "أي بلد هذا؟ "، "أي شهر هذا؟ " وهما محسوسان.
قلت: ذلك استجلاب لما عسى أن يخبرهم بما لا يعلمون. انتهى "أبي".
قال السنوسي: قلت: هذا جواب بما هو مشترك بين المحلين، فيحتاج إلى الفرق، وقد يفرق بأن السؤال في قوله: "أي بلد هذا؟ " سؤال عن واضح لكل أحد، فتحقق السامعون أن المقصود منه شيء آخر مما جهلوه، فحسن جوابهم بما يقتضي الأدب، ويستمطر الفائدة، وهو قولهم: (الله ورسوله أعلم).
وأما وادي الأزرق .. فلم يتحققوا علمه به، فتمسكوا بظاهر السؤال، وامتثلوا في الجواب مقتضاه، لا يقال: فيرجع هذا إلى أنه استفهام حقيقةً، لا استنطاق؛ لأنا نقول: لا يرجع إليه؛ إذ لا منافاة بين كون السؤال استنطاقًا بحسب قصد المتكلم، واستفهامًا بحسب حمل المخاطب. انتهى منه.
(قالوا) أي: فقال الحاضرون: هذا الوادي (وادي الأزرق) أي: واد يسمى بالأزرق؛ ظنًّا منهم أنه لا يعرفه، فـ (قال) رسول الله ﷺ :
стр. 8113
"كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى ﵇ ... - فَذَكَرَ مِنْ طُولِ شَعَرِهِ شَيْئًا لَا يَحْفَظُهُ دَاوُودُ - وَاضِعًا إِصبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْه، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللهِ بِالتَّلْبِيَة، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي"،
===
(كأني أنظر) الآن (إلى موسى) بن عمران ﵇ فذكر) أبو العالية لداوود (من طول شعره) أي: شعر موسى (شيئًا لا يحفظه داوود) بن أبي هند؛ أي: لم يحفظه عنه داوود، فجعل هذا الكلام بين قوسين؛ إشارة إلى أنه ليس من الحديث، بل هو من كلام بعض الرواة؛ كما هو ساقط من رواية مسلم، ثم رجع إلى الحديث، فقال: أي: فكأني أنظر الآن إلى موسى حالة كونه (واضعًا) أنملتَيْ (إصبعيه) المسبحتين (في أذنيه) وحالة كونه (له) أي: لموسى (جؤار) أي: صوت رفيع، وفي رواية: (وله جؤار) بزيادة الواو؛ أي: وحالة كونه جائرًا وصائحًا (إلى الله) تعالى (بالتلبية) أي: بقوله: لبيك اللهم لبيك.
قال الإمام: الجؤار: رفع الصوت، وهو مهموز، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ (١)؛ أي: ترفعون أصواتكم وتستغيثون به، يقال: جأر يجأر؛ من باب فتح، قال السنوسي: وفيه رفع الصوت بالتلبية، وهو سنة في شرعنا من غير إسراف إلا في المسجد، فيسمع من يليه فقط؛ خوف الرياء، إلا في مسجد مكة ومنىً، فيعلن؛ أي: فيرفع صوته فيهما عند مالك رحمه الله تعالى؛ لأن كل من بهما يلبي بلا رياء، بخلاف غيرهما من مساجد البلاد التي الحجاج فيها قليل.
(مارًّا بهذا الوادي) حال ثالثة من موسى؛ أي: وكأني أنظر إليه الآن حالة كونه مارًا في هذا الوادي ملبيًا.
стр. 8114
قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ فَقَالَ: "أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ "، قَالُوا: ثَنِيَّةُ هَرْشَى أَوْ لَفْتٍ، قَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ
===
وقوله: "كأني أنظر إلى موسى" قال القرطبي: يحتمل أن يكون هذا النظر في اليقظة على ظاهره وحقيقته ليلة الإسراء، وهو ظاهر حديث جابر وأبي هريرة الآتي، ويحتمل أن يكون ذلك كله منامًا، ورؤيا الأنبياء وحي، وهو نص حديث ابن عمر، والله أعلم. انتهى منه.
(قال) ابن عباس: (ثم) بعد مرورنا على وادي الأزرق (سرنا) مع رسول الله ﷺ (حتى أتينا) ووصلنا ومررنا (على ثنية) من ثنايا الجبال؛ والثنية: الطريق بين الجبلين (فقال) رسول الله ﷺ لمن عنده: (أي ثنية هذه) الثنية؟ أي: باي اسم تسمى هذه الثنية؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون معه: هي (ثنية هرشى) أي: ثنية تسمى باسم هرشى؛ وهو من إضافة المسمى إلى الاسم؛ والثنية: الطريق بين الجبلين؛ كما مر آنفًا.
و(هرشى) - بفتح الهاء وسكون الراء وبالشين المعجمة مقصورة الألف -: جبل من تهامة على طريق الشام والمدينة، قريب من الجحفة.
(أو) قالوا له: ثنية (لفت) بالشك من الراوي؛ أي: ثنية تسمى بلفت - بفتح اللام وسكون الفاء - فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ : (كأني أنظر) الآن (إلى يونس) - بضم الياء والنون بينهما واو ساكنة، وفيه لغات أخر - (ابن متى) كما في رواية مسلم - بفتح الميم والتاء المشددة المفتوحة بعدها ألف مقصورة - ﵇ كما في رواية مسلم، حالة كون يونس راكبًا (على ناقة حمراء) وهذا موضع الترجمة؛ والناقة: الأنثى من الإبل، وحمراء صفة لناقة، مؤنث الأحمر، وجملة قوله: (عليه) أي:
стр. 8115
جُبَّةُ صُوفٍ، وَخِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا".
===
على يونس خبر مقدم لقوله: (جبة) من (صوف) في محل النصب حال ثانية من يونس؛ أي: حالة كونه لابسًا جبة من صوف؛ والجبة - بضم الجيم وفتح الموحدة المشددة -: قباء محشو يلبس للبرد؛ والصوف: شعر الغنم ضأنًا كان أو معزًا.
وجملة قوله: (وخطام ناقته) أي: مقودها (خلبة) أي: حبل من ليف، حال ثالثة منه، ولكنها سببية، وقوله: (مارًا بهذا الوادي) حال رابعة من يونس.
وقوله: حالة كونه (ملبيًا) حال من فاعل (مارًا) فتكون حالًا متداخلة؛ أي: كأني أنظر إليه الآن، حالة كونه يمر في هذا الوادي، حالة كونه في مروره ملبيًا بالحج.
قوله: "وخطام ناقته" والخطام - بكسر الخاء المعجمة -: هو الحبل الذي يقاد به البعير، يجعل على خطمه؛ والخطم من الدابة: مقدم أنفها وفمها. انتهى "قاموس"، والخلبة - بضم الخاء المعجمة وسكون اللام وضمها -: الليف.
وفي "القاموس": والخلبة: الحبل من الليف الصلب الرقيق؛ والليف: غشاء أغصان النخل عند طلوعها، وخيوط في ثمر شجر يشبه ثمره ثمر الخيار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله ﷺ ، ورواه أبو يعلى عن ابن عباس، وإسناده صحيح، ورواه أبو يعلى أيضًا في "مسنده" عن عبد الله بن مسعود مختصرًا، وإسناده ضعيف؛ لضعف يزيد بن سنان، وأبو نعيم في "حلية الأولياء".
стр. 8116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، وموضع الترجمة منه قوله: (على ناقة حمراء).
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستئناس، والثاني للاستدلال.
والله أعلم
стр. 8117
(٥) - (١٠١٢) - بَابُ فَضْلِ دُعَاءِ الْحَاجِّ
(١١) - ٢٨٤٧ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَالِحٍ مَوْلَى بَنِي عَامِرٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّان، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللهِ؛
===
(٥) - (١٠١٢) - (باب فضل دعاء الحاج)
(١١) - ٢٨٤٧ - (١) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا صالح بن عبد الله بن صالح) العامري (مولى بني عامر) المدني، مجهول، من التاسعة. يروي عنه: (ق).
(حدثني يعقوب بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، مجهول الحال، من السادسة. يروي عنه: (ق).
(عن أبي صالح) ذكوان (السمان) ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه صالح بن عبد الله بن صالح، وهو متفق على ضعفه، قال البخاري فيه: منكر الحديث.
(عن رسول الله ﷺ أنه قال: الحجاج) أي: حجاج بيت الله تعالى (والعمار) أي: والمعتمرون لبيت الله (وفد الله) قال السندي: الوفد:
стр. 8118
إِنْ دَعَوْهُ .. أَجَابَهُمْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ .. غَفَرَ لَهُمْ".
(١٢) - ٢٨٤٨ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِب،
===
هم القوم الذين يجتمعون ويردون البلد، أحدهم وفد، وكذلك يقصدون الأمراء لزيارة واسترفاد وانتجاع وغير ذلك؛ أي: أنهم بسفرهم قاصدون التقرب إلى الله تعالى (إن دعوه) أي: إن دعا الحجاج والمعتمرون الله أي حاجة كانت؛ من جلب المسرة، أو دفع المضرة .. (أجابهم) أي: أجاب الله لهم إلى دعائهم، أي حاجة كانت، (وإن استغفروه) أي: وإن طلبوا من ربهم غفران ذنوبهم .. (غفر لهم) الله تعالى ببركة عبادتهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه البيهقي في "سننه الكبرى" من طريق إبراهيم ابن المنذر الحزامي، فذكره بتمامه، ورواه ابن أبي حاتم في "العلل" من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: حديث منكر.
فدرجته: أنه ضعيف (٢)(٣٠٠)؛ لضعف سنده لما مر، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استدل المؤلف للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢) - ٢٨٤٨ - (٢) (حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي، من صغار العاشرة، صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا عمران بن عيينة) بن أبي عمران الهلالي أبو الحسن الكوفي أخو سفيان، صدوق له أوهام، من الثامنة. يروي عنه: (عم).
(عن عطاء بن السائب) أبي محمد، ويقال: أبي السائب الثقفي الكوفي،
стр. 8119
عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللهِ؛ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ".
===
صدوق اختلط، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن مجاهد) بن جبر - بفتح الجيم وسكون الموحدة - أبي الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقة عالم في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمران بن عيينة، وهو مختلف فيه؛ لأنه كانت له أوهام.
(عن النبي ﷺ قال: الغازي في سبيل الله) وطاعته؛ لإعلاء كلمته (والحاج) لبيت الله تعالى؛ إجابة لدعوة إبراهيم وندائه (والمعتمر) لبيت الله تعالى خالصًا مخلصًا .. كلهم (وفد الله) تعالى وفدوا إليه؛ أي: وفد الغازي إلى معركة الكفار؛ إجابة لقوله ﷺ : "وإذا استنفرتم .. فانفروا".
ووفد الحاج والمعتمر؛ إجابة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١)، (دعاهم) الله تعالى إلى الغزو والحج والعمرة بما ذكرناه آنفًا (فأجابوه) أي: فأجاب كل من الثلاثة دعوة الله تعالى إلى ما ذكر (وسألوه) تعالى حوائجهم (فأعطاهم) الله تعالى إياها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا،
стр. 8120
(١٣) - ٢٨٤٩ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ ﷺ فِي الْعُمْرَةِ
===
وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثانيًا للترجمة بحديث عمر رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٣) - ٢٨٤٩ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ضعيف، من الرابعة، مات في أول دولة بني العباس سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (د ت ق)، وسفيان الثوري. روى عن: سالم بن عمر ابن عَمِّ أبيه.
(عن سالم) بن عبد الله بن عمر العدوي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر، عن) والده (عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو متفق على ضعفه.
(أنه) أي: أن عمر بن الخطاب (استأذن النبي ﷺ أي: طلب الإذن منه ﷺ (في) عمل (العمرة) التي نذرها في
стр. 8121
فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ لَهُ: "يَا أُخَيَّ؛ أَشْرِكْنَا فِي شَيءٌ مِنْ دُعَائِكَ وَلَا تَنْسَنَا".
===
الجاهلية (فأذن له) رسول الله ﷺ فيها (وقال) رسول الله ﷺ : (له) أي: لعمر حين أذن له في الاعتمار: (يا أُخَيَّ) تصغير شفقة؛ والمراد: أخوة الدين (أشركنا في شيء من دعائك، ولا تنسنا) من الإشراك معك في الدعاء.
قوله: (في العمرة) أي: من المدينة في قضاء عمرة نذرها في الجاهلية. انتهى من "العون".
وقوله: "يا أخي" بصيغة التصغير؛ وهو تصغير تلطف وتعطف لا تحقير، ويروى بلفظ التكبير.
وقوله: "أشركنا في شيء من دعائك" فيه إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية؛ بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية، وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة، وتنبيه لهم على ألا يخصوا أنفسهم بالدعاء، ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم، لا سيما في مظان الإجابة، وتفخيم لشأن عمر وإرشاد له إلى ما يحمي دعاءه من الرد. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، رقم الحديث (١٤٩٥)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب (١١٠).
فدرجته: أنه ضعيف (٣)(٣٠١)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، ولكن قال الترمذي: حديث حسن صحيح، فلينظر.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 8122
(١٤) - ٢٨٥٠ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: وَكَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي الدَّرْدَاء، فَأَتَاهَا
===
(١٤) - ٢٨٥٠ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة العرزمي - بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المفتوحة - صدوق له أوهام، من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الزبير) المكي الأسدي مولاهم محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن صفوان بن عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف القرشي الجمحي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م س ق).
(قال) صفوان: (وكانت تحته) أي: تحت صفوان (ابنة أبي الدرداء) زوجة له، واسمها الدرداء، واسم أبيها عويمر بن زيد بن عبد الله بن قيس الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(فأتاها) أي: فأتى صفوان دار أبي الدرداء لزيارة صهره، والضمير في (أتاها) عائد إلى دار أبي الدرداء المعلومة من السياق، وفي لفظ مسلم: (وكانت تحته الدرداء) بنت أبي الدرداء (قال) صفوان: (قدمت الشام) لزيارة صهري أبي الدرداء (فأتيت أبا الدرداء في منزله، فلم أجده) في البيت (ووجدت
стр. 8123
فَوَجَدَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ وَلَمْ يَجِدْ أَبَا الدَّرْدَاء، فَقَالَتْ لَهُ: تُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ لَنَا بخَيْرٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "دَعْوَةُ الْمَرْءِ مُسْتَجَابَةٌ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ؛ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِه، كُلَّمَا دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ
===
أم الدرداء) في البيت (فقالت: أتريد الحج العام ... ) إلى آخره، فالسياق يدل على أن الضمير في (أتاها) يعود على دار أبي الدرداء. انتهى من الفهم السقيم.
أي: فأتى صفوان دار أبي الدرداء لزيارتهم (فوجد أم الدرداء) الصغرى التابعية هجيمة بنت يحيى زوجته في البيت (ولم يجد أبا الدرداء) في البيت (فقالت) أم الدرداء (له) أي: لصفوان: أ (تريد الحج العام؟ ) أي: في هذا العام، والكلام على تقدير همزة الاستفهام؛ كما قدرناه (قال) صفوان: فقلت لها: (نعم) أريد الحج في العام، فـ (قالت) لي أم الدرداء: (فادع الله لنا) في حجك (بخير) الدنيا والآخرة؛ (فإن النبي ﷺ كان يقول: دعوة المرء مستجابة لأخيه) المسلم (بظهر الغيب).
وقوله: (دعوة) مبتدأ، خبره (مستجابة)، والجار والمجرور في قوله: (لأخيه) متعلق بالمبتدأ، وكذا قوله: (بظهر الغيب) متعلق بالمبتدأ، والباء بمعنى في، ولفظ (ظهر) مقحم؛ أي: دعوته له في حالة غيبه عنه مستجابة له، أو من إضافة المشبه به إلى المشبه.
وجملة قوله: (عند رأسه) أي: عند رأس المرء الداعي (ملك يؤمن على دعائه) أي: يقول: آمين عند دعاء المرء لأخيه، فعلى بمعنى عند، وإنما قلت: مستجابة؛ لكون ملك يؤمن عند دعائه عند رأسه؛ أي: عند رأس المرء، وتأمين الملائكة مستجاب عند الله تعالى.
(كلما دعا) المرء (له) أي: لأخيه المسلم (بخير) من خيري الدنيا
стр. 8124
قَالَ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ"، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاء، فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
===
والآخرة .. (قال) الملك الموكل به: (آمين) له؛ أي: أجاب الله دعاءك له بما دعوته (ولك بمثله) أي: وجزاك الله على دعائك له بمثل ما دعوته له.
وقوله: (ولك بمثله) رواه أكثر الرواة بكسر الميم وسكون المثلثة، ورواه بعضهم بفتحها، ومعناهما واحد.
وفي الحديث فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب؛ أي: في الغيب المشبه بالظهر؛ بجامع الخفاء في كل؛ لأن الشخص لا يرى ما خلف ظهره، فهو من إضافة المشبه به إلى المشبه، هذا على أن الظهر غير مقحم، ولو دعا لجماعة معينة من المسلمين .. حصلت هذه الفضيلة، ولو دعا لجملة المسلمين .. فالظاهر حصولها أيضًا، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه دعوة .. دعا لأخيه المسلم أولًا بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها. انتهى "نووي".
وسند هذا الحديث من سداسياته؛ كما مر آنفًا، ولكنه أرسلته أم الدرداء، فأخبرته عن النبي ﷺ مع أنها تابعية، ثم أسند صفوان بن عبد الله هذا الحديث، فـ (قال) صفوان بالسند السابق: (ثم خرجت) من عند أم الدرداء (إلى السوق) أي: إلى سوق دمشق (فلقيت أبا الدرداء) في السوق (فحدثني) أبو الدرداء (عن النبي ﷺ بمثل ذلك) أي: بمثل ما حدثتني أم الدرداء أولًا مرسلة عن النبي ﷺ .
قال القرطبي: (قوله: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه ... ) إلى آخره، المسلم هنا: هو الذي سلم المسلمون من يده ولسانه الذي يُحِب للناس ما يحبه لنفسه؛ لأن هذا هو الذي يحمله حاله وشفقته على أخيه المسلم أَنْ يَدْعوَ له بظهر
стр. 8125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الغيب؛ أي: في حال غيبته عنه، وإنما خص حالة الغيبة بالذكر؛ لبعدها عن الرياء والأغراض المفسدة أو المنقصة؛ فإنه في حال الغيبة يتمحض الإخلاص ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك، فيوافقه الملك في الدعاء، ويبشر على لسان رسوله ﷺ بأن له مثل ما دعا به لأخيه.
والأخوة هنا: هي الأخوة الدينية تكون معها صداقة ومعرفة، وقد لا يكون، وقد يتعين وقد لا يتعين؛ فإن الإنسان إذا دعا لإخوانه المسلمين حيث كانوا وصَدَقَ اللهَ في دعائه، وأخلص فيه في حال الغيبة عنهم، أو عن بعضهم .. قال الملك له ذلك القول، بل قد يكون ثوابه أعظم؛ لأنه دعا بالخير وقصده للإسلام ولكل المسلمين، والله تعالى أعلم. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الدعاء بظهر الغيب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
اثنان للاستئناس، وواحد للاستدلال، وواحد للاستشهاد؛ كما فصلناه فيما سبق.
والله أعلم