فَأَذِنَ لَهُ وَقَالَ لَهُ: "يَا أُخَيَّ؛ أَشْرِكْنَا فِي شَيءٌ مِنْ دُعَائِكَ وَلَا تَنْسَنَا".
===
الجاهلية (فأذن له) رسول الله ﷺ فيها (وقال) رسول الله ﷺ : (له) أي: لعمر حين أذن له في الاعتمار: (يا أُخَيَّ) تصغير شفقة؛ والمراد: أخوة الدين (أشركنا في شيء من دعائك، ولا تنسنا) من الإشراك معك في الدعاء.
قوله: (في العمرة) أي: من المدينة في قضاء عمرة نذرها في الجاهلية. انتهى من "العون".
وقوله: "يا أخي" بصيغة التصغير؛ وهو تصغير تلطف وتعطف لا تحقير، ويروى بلفظ التكبير.
وقوله: "أشركنا في شيء من دعائك" فيه إظهار الخضوع والمسكنة في مقام العبودية؛ بالتماس الدعاء ممن عرف له الهداية، وحث للأمة على الرغبة في دعاء الصالحين وأهل العبادة، وتنبيه لهم على ألا يخصوا أنفسهم بالدعاء، ولا يشاركوا فيه أقاربهم وأحباءهم، لا سيما في مظان الإجابة، وتفخيم لشأن عمر وإرشاد له إلى ما يحمي دعاءه من الرد. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الصلاة، باب في الاستغفار، رقم الحديث (١٤٩٥)، والترمذي في كتاب الدعوات، باب (١١٠).
فدرجته: أنه ضعيف (٣)(٣٠١)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، ولكن قال الترمذي: حديث حسن صحيح، فلينظر.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 8122
(١٤) - ٢٨٥٠ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ: وَكَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي الدَّرْدَاء، فَأَتَاهَا
===
(١٤) - ٢٨٥٠ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن أبي سليمان) ميسرة العرزمي - بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المفتوحة - صدوق له أوهام، من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الزبير) المكي الأسدي مولاهم محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن صفوان بن عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف القرشي الجمحي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م س ق).
(قال) صفوان: (وكانت تحته) أي: تحت صفوان (ابنة أبي الدرداء) زوجة له، واسمها الدرداء، واسم أبيها عويمر بن زيد بن عبد الله بن قيس الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(فأتاها) أي: فأتى صفوان دار أبي الدرداء لزيارة صهره، والضمير في (أتاها) عائد إلى دار أبي الدرداء المعلومة من السياق، وفي لفظ مسلم: (وكانت تحته الدرداء) بنت أبي الدرداء (قال) صفوان: (قدمت الشام) لزيارة صهري أبي الدرداء (فأتيت أبا الدرداء في منزله، فلم أجده) في البيت (ووجدت
стр. 8123
فَوَجَدَ أُمَّ الدَّرْدَاءِ وَلَمْ يَجِدْ أَبَا الدَّرْدَاء، فَقَالَتْ لَهُ: تُرِيدُ الْحَجَّ الْعَامَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: فَادْعُ اللهَ لَنَا بخَيْرٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ: "دَعْوَةُ الْمَرْءِ مُسْتَجَابَةٌ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ؛ عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ يُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِه، كُلَّمَا دَعَا لَهُ بِخَيْرٍ
===
أم الدرداء) في البيت (فقالت: أتريد الحج العام ... ) إلى آخره، فالسياق يدل على أن الضمير في (أتاها) يعود على دار أبي الدرداء. انتهى من الفهم السقيم.
أي: فأتى صفوان دار أبي الدرداء لزيارتهم (فوجد أم الدرداء) الصغرى التابعية هجيمة بنت يحيى زوجته في البيت (ولم يجد أبا الدرداء) في البيت (فقالت) أم الدرداء (له) أي: لصفوان: أ (تريد الحج العام؟ ) أي: في هذا العام، والكلام على تقدير همزة الاستفهام؛ كما قدرناه (قال) صفوان: فقلت لها: (نعم) أريد الحج في العام، فـ (قالت) لي أم الدرداء: (فادع الله لنا) في حجك (بخير) الدنيا والآخرة؛ (فإن النبي ﷺ كان يقول: دعوة المرء مستجابة لأخيه) المسلم (بظهر الغيب).
وقوله: (دعوة) مبتدأ، خبره (مستجابة)، والجار والمجرور في قوله: (لأخيه) متعلق بالمبتدأ، وكذا قوله: (بظهر الغيب) متعلق بالمبتدأ، والباء بمعنى في، ولفظ (ظهر) مقحم؛ أي: دعوته له في حالة غيبه عنه مستجابة له، أو من إضافة المشبه به إلى المشبه.
وجملة قوله: (عند رأسه) أي: عند رأس المرء الداعي (ملك يؤمن على دعائه) أي: يقول: آمين عند دعاء المرء لأخيه، فعلى بمعنى عند، وإنما قلت: مستجابة؛ لكون ملك يؤمن عند دعائه عند رأسه؛ أي: عند رأس المرء، وتأمين الملائكة مستجاب عند الله تعالى.
(كلما دعا) المرء (له) أي: لأخيه المسلم (بخير) من خيري الدنيا
стр. 8124
قَالَ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلِهِ"، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ فَلَقِيتُ أَبَا الدَّرْدَاء، فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
===
والآخرة .. (قال) الملك الموكل به: (آمين) له؛ أي: أجاب الله دعاءك له بما دعوته (ولك بمثله) أي: وجزاك الله على دعائك له بمثل ما دعوته له.
وقوله: (ولك بمثله) رواه أكثر الرواة بكسر الميم وسكون المثلثة، ورواه بعضهم بفتحها، ومعناهما واحد.
وفي الحديث فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب؛ أي: في الغيب المشبه بالظهر؛ بجامع الخفاء في كل؛ لأن الشخص لا يرى ما خلف ظهره، فهو من إضافة المشبه به إلى المشبه، هذا على أن الظهر غير مقحم، ولو دعا لجماعة معينة من المسلمين .. حصلت هذه الفضيلة، ولو دعا لجملة المسلمين .. فالظاهر حصولها أيضًا، وكان بعض السلف إذا أراد أن يدعو لنفسه دعوة .. دعا لأخيه المسلم أولًا بتلك الدعوة؛ لأنها تستجاب ويحصل له مثلها. انتهى "نووي".
وسند هذا الحديث من سداسياته؛ كما مر آنفًا، ولكنه أرسلته أم الدرداء، فأخبرته عن النبي ﷺ مع أنها تابعية، ثم أسند صفوان بن عبد الله هذا الحديث، فـ (قال) صفوان بالسند السابق: (ثم خرجت) من عند أم الدرداء (إلى السوق) أي: إلى سوق دمشق (فلقيت أبا الدرداء) في السوق (فحدثني) أبو الدرداء (عن النبي ﷺ بمثل ذلك) أي: بمثل ما حدثتني أم الدرداء أولًا مرسلة عن النبي ﷺ .
قال القرطبي: (قوله: ما من عبد مسلم يدعو لأخيه ... ) إلى آخره، المسلم هنا: هو الذي سلم المسلمون من يده ولسانه الذي يُحِب للناس ما يحبه لنفسه؛ لأن هذا هو الذي يحمله حاله وشفقته على أخيه المسلم أَنْ يَدْعوَ له بظهر
стр. 8125
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الغيب؛ أي: في حال غيبته عنه، وإنما خص حالة الغيبة بالذكر؛ لبعدها عن الرياء والأغراض المفسدة أو المنقصة؛ فإنه في حال الغيبة يتمحض الإخلاص ويصح قصد وجه الله تعالى بذلك، فيوافقه الملك في الدعاء، ويبشر على لسان رسوله ﷺ بأن له مثل ما دعا به لأخيه.
والأخوة هنا: هي الأخوة الدينية تكون معها صداقة ومعرفة، وقد لا يكون، وقد يتعين وقد لا يتعين؛ فإن الإنسان إذا دعا لإخوانه المسلمين حيث كانوا وصَدَقَ اللهَ في دعائه، وأخلص فيه في حال الغيبة عنهم، أو عن بعضهم .. قال الملك له ذلك القول، بل قد يكون ثوابه أعظم؛ لأنه دعا بالخير وقصده للإسلام ولكل المسلمين، والله تعالى أعلم. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار، باب فضل الدعاء لأخيه المسلم بظهر الغيب، وأبو داوود في كتاب الصلاة، باب الدعاء بظهر الغيب.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
اثنان للاستئناس، وواحد للاستدلال، وواحد للاستشهاد؛ كما فصلناه فيما سبق.
والله أعلم
стр. 8126
(٦) - (١٠١٣) - بَابُ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ
(١٥) - ٢٨٥١ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْمَكِّيُّ،
===
(٦) - (١٠١٣) - (باب ما يوجب الحج)
(١٥) - ٢٨٥١ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزاري أبو عبد الله الكوفي نزيل مكة ودمشق، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش - بفتح المهملة والنون بعدها معجمة - ويقال: عمرو بن محمد بن حنش الأودي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح.
قالا أي: قال كل من مروان ووكيع: (حدثنا إبراهيم بن يزيد) الخوزي - بضم المعجمة وبالزاي - أبو إسماعيل (المكي) مولى بني أمية، متروك الحديث، من السابعة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ت ق).
стр. 8127
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ الْمَخْزُومِيّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"، قَالَ: يَا رَسُولَ الله، فَمَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: "الشَّعِثُ
===
(عن محمد بن عباد بن جعفر) بن رفاعة بن أمية بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم (المخزومي) المكي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الضعف؛ لأن مدارهما على إبراهيم بن يزيد المكي، وهو متروك.
(قال) ابن عمر: (قام رجل) لم أر من ذكر اسمه (إلى النبي ﷺ ، فقال) له: (يا رسول الله؛ ما يوجب الحج؟ ) أي: ما السبب الذي يوجب الحج على المرء المسلم إذا قام به ذلك السبب وحصل له؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال الرجل: (الزاد والراحلة) أي: وجدانهما له ذهابًا وإيابًا في سفره.
والزاد: ما يأكله ويشربه في سفره وما يتعلق به، والراحلة: الدابة التي يركبها في سفره ذهابًا وإيابًا إن كان سفره طويلًا؛ من إبل وفرس وبغل وبرذون إن كان سفره بريًّا، وسفينة وباخرة إن كان بحريًّا، أو طائرة إن كان جويًّا؛ أي: وجدان مصارفهما ذهابًا وإيابًا، كما هو مبسوط في كتب الفروع.
ثم (قال) الرجل لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ فما الحاج؟ ) أي: فما الصفة التي ينبغي أن يكون الحاج عليها شرعًا؛ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جوابه: الحاج هو (الشعث) - بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة - اسم فاعل من شعث رأسه؛ من باب طرب؛ إذا اغبر شعره وانتشر؛ لعدم تدهينه وتعهده بالتسريح، وفي "المختار":
стр. 8128
التَّفِلُ"، وَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا الْحَجُّ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ"،
===
الشعث - بفتحتين -: انتشار الأمر، يقال: ألمَّ الله شعثك؛ أي: جمع أمرك المتفرق، والشَّعَثُ أيضًا مصْدَر الأَشْعَث؛ وهو المُغْبرُّ الرأس، وبابه طرب. انتهى.
والحاج أيضًا: هو (التفث) - بفتح أوله وكسر ثانيه آخره ثاء مثلثة - اسمُ فاعل من تفث؛ من باب طرب؛ إذا ترك تقليم أظفاره وحلق عانته ونتف إبطه، وفي "القاموس": التفث - محركة - في المناسك: هو الشَعَثُ وتَرْكُ ما كان من نحو قص الأظفار والشارب وحلق العانة وغير ذلك، وككَتِف هو الشعثُ والمُغْبرُّ. انتهى.
فظاهر عبارته: ترادف الشعث والتفث، ولكن يفرق بينهما؛ بأن الشَّعِث هو الذي لا يحلق شعر رأسه، والتَّفِث هو الذي لا يقلم أظفاره ولا يقص شاربه ولا يحلق عانته ولا ينتف إبطه، وفي أغلب النسخ: (التَّفِل) بدل (التَّفِث)؛ وهو الذي قد ترك استعمال الطِّيب، من التَّفَل؛ وهي الريح الكريهة.
(وقام) رجلٌ (آخرُ) أي: غَيْرُ الأوَّل، لم أر مَنْ بيَّن اسمه أيضًا (فقال: يا رسول الله؛ ما الحج؟ ) أي: ما أعمال الحج أو خصاله، ولفظ رواية الترمذي: (سئل أي الحج أفضل؟ ) أي: أي أعماله أو أي خصاله بعد أركانه أفضل؟ أي: أكثر أجرًا وثوابًا، ولفظ ابن ماجه لا بد من تأويله بلفظ الترمذي، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : أفضل أعمال الحج وأكثره أجرًا بعد أركانه .. (العج والثج) بتشديد الجيم فيهما؛ فالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة دماء الهدي وسيلانه، وقيل: دماء الأضاحي.
قال الطيبي رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يكون السؤال عن نَفْسِ الحج، ويكون المعنى: الحج هو ما فيه العج والثج، وقيل: على هذا يراد بهما
стр. 8129
قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي بِالْعَجِّ: الْعَجِيجَ بِالتَّلْبِيَة، وَالثَّجِّ: نَحْرَ الْبُدْنِ.
===
الاستيعاب والتعميم؛ لأن ذكر أوله الذي هو الإحرام بالتلبية بالعج، وذكر آخره الذي هو التحلل بذكر الثج؛ الذي هو إراقة الدم؛ اقتصارًا بذكر المبتدأ والمنتهى عن ذكر سائر الأفعال الذي استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات، كذا في "المرقاة"، وسيأتي تفسير العج والثج عن ابن ماجه أيضًا؛ حيث قال: (قال) لنا (وكيع: يعني) النبي ﷺ (بالعج: العجيج) هو مصدر سماعي لعج، يقال: عج عجًّا وعجيجًا؛ كمده مدًّا ومديدًا؛ وهو رفع الصوت (بالتلبية؛ والثج: نحر البُدْنِ) وإراقة دمها - بضم الموحدة وسكون الدال المهملة - جمعُ البدنة.
قال في "مجمع البحار": البدنة عند جمهور اللغة وبعض الفقهاء: الواحدة من الإبل والبقرة والغنم؛ وخصها جماعة منهم بالإبل، وهو المراد في حديث تبكير الجمعة. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر، قال أبو عيسى: هذا حديث لا نعرفه من حديث ابن عمر إلا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي المكي، وقد تكلم بعض أهل الحديث في إبراهيم بن يزيد من قِبَل حفظه.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به، وقيل: هذا الحديث حسن بما بعده وإن كان سنده ضعيفًا، وللمشاركة فيه، فغرضه حينئذ: الاستدلال به.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقال:
стр. 8130
(١٦) - ٢٨٥٢ - (٢) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْقُرَشِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِيهِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(١٦) - ٢٨٥٢ - (٢) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل الحدثاني، صدوق في نفسه إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا هشام بن سليمان) بن عكرمة بن خالد (القرشي) المخزومي المكي، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (م ق).
(عن) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(قال) هشام بن سليمان: (وأخبرنيه) أي: أخبرني هذا الحديث الآتي ابن جريج (أيضًا) أي: كما أخبرني عن غير ابن عطاء، ولفظة: (أيضًا) مقدمة على محلها، وحق التركيب أن يقال: (قال هشام: وأخبرني ابن جريج هذا الحديث الآتي عن ابن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس أيضًا) أي: كما أخبرني ابن جريج عن غير ابن عطاء؛ أي: قال هشام: وأخبرنيه ابن جريج أيضًا:
(عن) عمر (بن عطاء) بن وَرَازٍ - بفتح الواو والراء الخفيفة آخره زاي - وفي "الخلاصة": بالمهملة الثقيلة، ويقال فيه: ورازة. روى عن: عكرمة مولى ابن عباس، ويروي عنه: ابن جريج، قال في "التقريب": حجازي ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (د ق)، قال أبو زرعة: ثقة لين، وقال النسائي: ليس بثقة.
(عن عكرمة) أبي عبد الله الهاشمي مولاهم ابن عباس، ثقة عالم بالتفسير والعلم، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8131
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ"؛ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمر بن عطاء، وهو مختلف فيه.
(أن رسول الله ﷺ قال): شرط الحج (الزاد والراحلة) أي: وُجْدَانُهما والاستطاعةُ عليهما؛ كما ذكر الله الاستطاعة الحاصلة بهما في الآية الكريمة من كتابه العزيز، قال ابن عباس: (يعني) النبي ﷺ بتلك الآية التي تدل على الاستطاعة الحاصلة بهما: (قوله) : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾) (١)؛ بوجدان الزاد والراحلة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ابن عمر المذكور قبله رواه الترمذي في "الجامع" في كتاب الحج، باب ما جاء في إيجاب الحج بالزاد والراحلة، وقال: هذا حديث حسن. انتهى.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، أو حسن بما قبله على ما قاله الترمذي، أو ضعيف؛ لكون سنده ضعيفًا على ما قاله في "التقريب"، والأولى: أن يكون الحديثان حسنين؛ لأن عليهما عمل أهل العلم، ولأن المثبت مقدم على النافي وإن قل؛ لما عنده من زيادة علم، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8132
(٧) - (١٠١٤) - بَابُ الْمَرْأَةِ تَحُجُّ بِغَيْرِ وَلِيٍّ
(١٧) - ٢٨٥٣ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ سَفَرَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَصَاعِدًا
===
(٧) - (١٠١٤) - (باب المرأة تحج بغير ولي) ومحرم أو زوج
* * *
(١٧) - ٢٨٥٣ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان القيسي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو سعيد: (قال رسول الله ﷺ : لا تسافر المرأة) البالغة العاقلة، والجملة خبرية اللفظ إنشائية المعنى؛ والمراد بها: النهي (سفرًا) تبلغ مسافته (ثلاثة أيام) مع لياليها (فصاعدًا) أي: فما فوقها كأربعة
стр. 8133
إِلَّا مَعَ أَبِيهَا أَوْ أَخِيهَا أَوِ ابْنِهَا أَوْ زَوْجِهَا أَوْ ذِي مَحْرَمٍ".
===
أيام (إلا مع أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها أو) مع (ذي محرم) لها.
قوله: "أو زوجها" ذكر الزوج ورد في هذه الرواية، فلا بد من إلحاقه بالمحرم في جواز السفر معه؛ كما في "المبارق"، فالروايات التي لم يذكر فيها الزوج محمولة على التي ذكر فيها.
قوله: "أو ذي محرم" والمراد بالمحرم: من حرم عليه نكاحها على التأبيد بسبب قرابة أو رضاع أو مصاهرة؛ بشرط أن يكون الرجل مكلفًا ليس بمجوسي ولا غير مأمون، ويشترط مع المرأة أيضًا ألا تكون معتدة؛ كما في "المرقاة".
وفي "المبارق": قوله: "ذي محرم" وهو من لا يحل له نكاحها؛ لحرمتها على التأبيد، وقولنا: (لحرمتها) احتراز عن الملاعنة؛ فإن تحريمها ليس لحرمتها، بل للتغليظ، وقولنا: (على التأبيد) احتراز عن أخت الزوجة. انتهى منه.
واختلفت الروايات في مدة المسير: ففي بعضها: مسيرة يوم؛ كما في حديث أبي هريرة الآتي، وفي بعضها: مسيرة ليلة، وفي بعضها: مسيرة يوم وليلة، وفي بعضها: مسيرة يومين، وفي بعضها؛ مسيرة ثلاثة أيام.
قال النووي: الروايات كلها صحيحة، لكن لم يُرِدِ النبي ﷺ تحديد المدة، بل المراد: حرمة السفر عليها بغير محرم، والاختلاف وقع لاختلاف السائلين، ويؤيده إطلاق رواية ابن عباس: "لا تسافر امرأة إلا مع ذي رحم محرم".
قوله: "فصاعدًا" أي: فما فوقها، وهو من الحال التي بُيِّن بها ازديادٌ في المقدار شيئًا فشيئًا، فحذف عاملها وجوبًا؛ لقيام الحال مقامه، ويشترط لنصب هذه الحال كونها مصحوبة بالفاء أو بثم دون الواو، لفوات معنى التدريج معها؛
стр. 8134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نظير قولهم: بعته بدرهم فصاعدًا، والفاء عاطفة للعامل المحذوف على ما قبلها؛ والتقدير: لا تسافر سفرًا يكون مقداره ثلاثة أيام، فزاد مقداره أو ذهب مقداره صاعدًا إلى فوق؛ كما هو مبين في محله. انتهى من "رفع الحجاب".
وقوله: "إلا مع أبيها ... " إلى آخره، والاستثناء فيه من أعم الأحوال؛ أي: لا يحل لها أن تسافر سفرًا يكون مقداره ثلاثة أيام فأكثر في حال من الأحوال إلا في حال كون أبيها معها "أو أخيها" الكبير أو المميز، لا الصغير الذي لا يُستحيا منه؛ كابن سنتين أو ثلاث أو أربع مثلًا "أو ابنِها" كذالك "أو زوجها" الكبير أو المميز "أو ذي محرم" وقرابة "منها" كعمها وخالها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب حج النساء، ومسلم في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب في المرأة تخرج بغير محرم، والترمذي في كتاب الرضاع، باب كراهية أن تسافر المرأة وحدها، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم"، والعمل على هذا عند أهل العلم؛ يكرهون للمرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم.
واختلف أهل العلم في المرأة إذا كانت موسرة ولم يكن لها محرم، هل تحج؟
فقال بعض أهل العلم: لا يجب عليها الحج؛ لأن المحرم من السبيل؛ لقوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، فإذا لم يكن لها محرم .. فلا تستطيع إليه سبيلًا، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة، وقال بعض أهل العلم: إذا
стр. 8135
(١٨) - ٢٨٥٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
كان الطريق آمنًا .. فإنها تخرج مع الناس في الحج، وهو قول مالك والشافعي. انتهى.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي سعيد الخدري بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٨) - ٢٨٥٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا شبابة) بن سوار المدائني، أصله من خراسان، يقال: كان اسمه مروان مولى بني فزارة، ثقة حافظ رمي بالإرجاء، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس أو ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث (بن أبي ذئب) القرشي العامري أبي الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، من السابعة، مات سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: سنة تسع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد) بن أبي سعيد كيسان (المقبري) أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 8136
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُسَافِرَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ لَيْسَ لَهَا ذُو حُرْمَةٍ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر) سفرًا يكون قدره (مسيرة يوم واحد ليس لها) أي: حالة كونها ليس معها (ذو حرمة) أي: صاحب قرابة أو نحوه؛ كزوج.
قال في هذه الطريق: (مسيرة يوم واحد)، وفي أخرى: (ليلة واحدة)، ويقال فيه: لما كان ذكر أحدهما يدل على الآخر ويستلزمه .. اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر، وقد جمعهما في رواية أخرى؛ حيث قال: مسيرة يوم وليلة، والروايات يفسر بعضها بعضًا، وقد وقع في بعض الروايات: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم)، ولم يذكر مدة، فيقتضي بحكم إطلاقه منع السفر قصيره وطويله عليها إلا مع ذي محرم. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب تقصير الصلاة، باب في كم يقصر الصلاة، ومسلم في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب في المرأة تحج بغير محرم، والترمذي في كتاب الرضاع، باب كراهية أن تسافر المرأة وحدها، ومالك في "الموطأ"، وأحمد في "المسند".
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي سعيد الخدري بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 8137
(١٩) - ٢٨٥٥ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مَعْبَدٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: إِنِّي اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا
===
(١٩) - ٢٨٥٥ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا شعيب بن إسحاق) بن عبد الرحمن الأموي مولاهم البصري ثم الدمشقي، ثقة، رمي بالإرجاء، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه (خ م د س ق).
(حدثنا) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثني عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنه سمع أبا معبد) نافذًا - بفاء ومعجمة - (مولى ابن عباس) المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة، لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (جاء أعرابي) أي: رجل من سكان البادية، لم أر من ذكر اسمه (إلى النبي ﷺ فـ (قال) ذلك الرجل للنبي ﷺ : (إني اكتتبت) - بالبناء للمجهول المسند إلى المتكلم؛ من باب الافتعال - أي: كتب اسمي (في) أسماء من عين لـ (غزوة كذا وكذا)
стр. 8138
وَامْرَأَتِي حَاجَّةٌ قَالَ: "فَارْجِعْ مَعَهَا".
===
أي: أثبت اسمي في أسماء من يخرج فيها، قال القرطبي: أي: ألزمت وأثبت اسمي في ديوان ذلك البعث. انتهى "مفهم".
ولم أر من عين تلك الغزوة (وامرأتي حاجة) أي: زوجتي مريدة الخروج للسفر قاصدة للحج، وليس معها أحد من محارمها، وفي بعض روايات مسلم: (وامرأتي تريد الحج) فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (فارجع) عن الخروج للجهاد، واذهب (معها) إلى الحج، فيه تقديم الأهم، إذ في الجهاد يقوم غيره مقامه، بخلاف الحج معها. انتهى "نووي".
قال الحافظ: أخذ بظاهره بعض أهل العلم؛ فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والمشهور أنه لا يلزمه الخروج معها؛ كالولي في الحج عن المريض، فلو امتنع إلا بأجرة .. لزمتها؛ لأنها من سبيل حجها، فصارت في حقها كالمؤنة، واستدل به على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض، وبه قال أحمد، وهو وجه للشافعية، والأصح عندهم أن له منعها؛ لكون الحج على التراخي، وأما ما رواه الدارقطني من طريق الصائغ عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا في امرأة لها زوج ولها مال، ولا يأذن لها في الحج، فليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها .. فأجيب عنه بأنه محمول على حج التطوع؛ عملًا بالحديثين، ونقل ابن المنذر الإجماع على أن للرجل منع زوجته في الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبًا. انتهى "فتح الملهم".
قال القرطبي: قوله: "فارجع معها" هو فسخ لما كان التزم من المضي للجهاد، ويدل على تأكد أمر صيانة النساء في الأسفار، وعلى أن الزوج أحق بالسفر مع زوجته من ذوي رحمها؛ ألا ترى أنه لم يسأله هل لها محرم أم لا؟ !
стр. 8139
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولأن الزوج يطلع من الزوجة على ما لا يطلع منها ذو المحرم، فكان أحق بالسفر معها من غيره، فإذًا قوله ﷺ في الأحاديث: "إلا ومعها محرم" إنما خرج خطابًا لمن لا زوج لها، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب كتابة الإمام الناس، ومسلم في كتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي سعيد الخدري.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد، وكلها من المتفق عليه.
والله أعلم
стр. 8140
(٨) - (١٠١٥) - بَابٌ: الْحَجُّ جِهَادُ النِّسَاءِ
(٢٠) - ٢٨٥٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: "نَعَمْ؛ عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ".
===
(٨) - (١٠١٥) - (باب: الحج جهاد النساء)
(٢٠) - ٢٨٥٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن حبيب بن أبي عمرة) القصاب أبي عبد الله الحماني - بكسر المهملة - الكوفي ثقة، من السادسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (١٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن عائشة بنت طلحة) بن عبيد الله التيمية أم عمران، كانت فائقة الجمال، وهي ثقة، من الثالثة، وكانت أمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين خالة لها. انتهى "قسطلاني". يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (قلت) لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله) هل (على النساء جهاد) لأعداء الله الكفار؟ بتقدير الاستفهام (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالها: (نعم؛ عليهن جهاد لا قتال) أي: لا قتل (فيه) لأعداء الله؛ وذلك الجهاد الذي عليهن هو (الحج والعمرة) سميا
стр. 8141
(٢١) - ٢٨٥٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيِّ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
===
جهادًا؛ لأنهما يشبهان الجهاد الحقيقي في السفر والخروج من البلاد والتعب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الحج، باب فضل الحج المبرور، وفي كتاب الجهاد، وفي مواضع كثيرة، والنسائي في كتاب المناسك، باب فضل الحج.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أم سلمة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢١) - ٢٨٥٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن القاسم بن الفضل) بن معدان (الحداني) - بضم المهملة وتشديد الدال - أبي المغيرة البصري، ثقة، من السابعة، رمي بالإرجاء، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي جعفر) محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب الباقر السجاد، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أم سلمة) أم المؤمنين هند بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية رضي الله تعالى عنها الصحابية الفاضلة المدنية، ماتت سنة اثنتين وستين (٦٢ هـ) على الأصح. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة من حيث الرجال؛ لأن رجاله
стр. 8142
قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْحَجُّ جِهَادُ كُلِّ ضَعِيفٍ".
===
ثقات أثبات؛ ولكنه ضعيف من جهة الانقطاع، قال أحمد وأبو حاتم: لم يسمع أبو جعفر من أم سلمة، فحكمه: الضعف.
(قالت) أم سلمة: (قال رسول الله ﷺ : "الحج جهاد كل ضعيف") أي: غير مستطيع على الجهاد؛ لفقدان مؤنة الجهاد، أو لمانع في جسده؛ ككونه أقطع، أو زمنًا وكان مستطيعًا على الحج؛ لاستطاعته السبيل إليه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: ولكن رواه أبو داوود الطيالسي في "مسنده" عن القاسم بن الفضل به، ورواه الإمام أحمد في "مسنده"من حديث أم سلمة أيضًا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" هكذا، ورواه أحمد بن منيع في "مسنده": حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا القاسم بن الفضل فذكره، ورواه أبو يعلى الموصلي حدثنا شيبان وهدبة قالا: حدثنا القاسم بن الفضل فذكره، ورواه الدارقطني في "سننه" من حديث ابن عباس أيضًا، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" من طريق هشام بن سليمان وعبد المجيد عن ابن جريج عن عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس فذكره، ومن حديث عائشة رواه البخاري وغيره، ورواه الترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة، فكثرة هذه الطرق والشواهد تجبر ضعف هذا السند، فيرتقي إلى درجة الحسن، وكذلك يرتقي الحديث لكثرة شواهده إلى درجة الحسن، فنقول حكم هذا السند: الحسن، لكثرة طرقه.
ودرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكثرة شواهده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
стр. 8143
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8144
(٩) - (١٠١٦) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْمَيِّتِ
(٢٢) - ٢٨٥٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٩) - (١٠١٦) - (باب الحج عن الميت)
(٢٢) - ٢٨٥٨ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري، ثقة مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عزرة) بن يحيى، عن سعيد بن جبير في قصة شبرمة. يروي عنه: قتادة، فنسب في رواية البيهقي، وبذلك جزم أبو علي النيسابوري، وهو مقبول، من السادسة. يروي عنه: (د ق).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج الجائر سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8145
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شُبْرُمَةُ؟ "، قَالَ: قَرِيبٌ لِي، قَالَ: "هَلْ حَجَجْتَ قَطُّ؟ "، قَالَ: لَا، قَالَ: "فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ".
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات إلا عزرة، قيل: إنه ثقة أيضًا، وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه. انتهى من "العون".
(أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا) من المسلمين، لم أر من ذكر اسمه (يقول: لبيك) بالحج (عن شبرمة) - بضم الشين المعجمة وضم الراء بينهما موحدة ساكنة - هو صحابي توفي في حياته ﷺ ، قاله السندي، ولم أر من ذكر ترجمته؛ لأنه ليس من رجال الحديث (فقال) له (رسول الله ﷺ : من شبرمة؟ ) مبتدأ وخبر، والاستفهام فيه استخباري؛ أي: من شبرمة الذي أحرمت عنه؟ فـ (قال) الرجل في جواب سؤال الرسول ﷺ : هو (قريب لي) وفي رواية أبي داوود: (أخ لي، أو قريب لي) بالشك من الراوي، فـ (قال) رسول الله ﷺ للرجل: (هل حججت) أنت عن نفسك (قط؟ ) أي: فيما مضى من عمرك، ولفظ قط ظرف مستغرق لما مضى من الزمان، فـ (قال) الرجل لرسول الله ﷺ : (لا) أي: ما حججت عن نفسي قط، فـ (قال) رسول الله ﷺ للرجل: (فاجعل هذه) الحجة التي أحرمت عن شبرمة واقعًا (عن نفسك) أي: قاصدًا ناويًا وقوعها عن نفسك؛ لأن في ذمتك فرض الإسلام، فلا تصلح للنيابة عن غيرك (ثم) بعدما حججت عن نفسك (حج عن شبرمة) الذي ذكرت.
стр. 8146
(٢٣) - ٢٨٥٩ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيُّ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، وأخرجه أيضًا ابن حبان وصححه، والبيهقي وقال: إسناده صحيح، وليس في هذا الباب أصح منه، وقد روي موقوفًا، والرفع زيادة يتعين قبولها إذا جاءت من طريق ثقة، وهي ها هنا كذلك؛ لأن الذي رفعه عبدة بن سليمان.
قال الحافظ: هو ثقة محتج به في "الصحيحين"، وتابعه على رفعه محمد بن بشر ومحمد بن عبيد الله الأنصاري، وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه، وقد رجح الطحاوي أنه موقوف، وقال أحمد: رفعه خطأ، وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه، وقد أطال الكلام الحافظ في "التلخيص"، ومال إلى صحته.
وظاهر الحديث أنه لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره، وسواء كان مستطيعًا أو غير مستطيع، لأن النبي ﷺ لم يستفصل هذا الرجل الذي سمعه يلبي عن شبرمة، وهو ينزل منزلة العموم، وإلى ذلك ذهب الشافعي، وقال الثوري: إنه يجزئ حج من لم يحج عن نفسه ما لم يتضيق عليه. انتهى من "العون".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٣) - ٢٨٥٩ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني) البصري،
стр. 8147
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: أَحُجُّ عَنْ أَبِي؟ قَالَ: "نَعَمْ؛ حُجَّ عَنْ أَبِيكَ،
===
ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة متقن، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا سفيان) بن سعيد (الثوري) الكوفي، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سليمان) بن أبي سليمان فيروز أبي إسحاق (الشيباني) الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات في حدود الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن الأصم) اسمه عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي - بفتح الموحدة وتشديد الكاف - أبي عوف الكوفي نزيل الرقة، وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال: له رؤية ولا تثبت، وهو ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (١٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (جاء رجل) من المسلمين، لم أر من ذكر اسم هذا الرجل (إلى النبي ﷺ ، فقال) ذلك الرجل لرسول الله ﷺ : هل (أحج عن أبي) ووالدي يا رسول الله؟ أي: هل يصح حجي عنه أم لا يا رسول الله؟ فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال الرجل: (نعم؛ حج عن أبيك) فإنه يقع عنه، ولم يسأله عن حج نفسه،
стр. 8148
فَإِنْ لَمْ تَزِدْهُ خَيْرًا .. لَمْ تَزِدْهُ شَرًّا".
(٢٤) - ٢٨٦٠ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ،
===
ولكن هذا الحديث محمول على الحديث المذكور قبله فيقيد بما قيد به؛ والمعنى: نعم؛ حج عنه إن حججت عن نفسك أولًا، وإلا .. فالحج واقع عنك.
(فإن لم تزده خيرًا) أي: أجرًا وثوابًا؛ لعدم وقوع حجك له؛ بأن وقع حجك لنفسك؛ لعدم حجك أولًا عن نفسك .. (لم تزده) بحجك عنه (شرًا) أي: عقوبةً؛ لأن حجك عنه وإن لم يقع له لا يعاقب عليه؛ لأن حجك عنه والحال أنك لم تحج عن نفسك ملغي باطل، فالمؤاخذة بالعمل الباطل على عامله لا على المعمول له؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، والجملة الأولى منه رواها الترمذي في "جامعه"من حديث أبي رزين، وقال: حديث حسن صحيح، فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس الأول بحديث أبي الغوث رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٤) - ٢٨٦٠ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
стр. 8149
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي الْغَوْثِ بْنِ حُصَيْنٍ - رَجُلٌ مِنَ الْفُرْعِ -
===
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا عثمان بن عطاء) بن أبي مسلم الخراساني أبو مسعود المقدسي، ضعيف، من السابعة، مات سنة خمس وخمسين ومئة (١٥٥ هـ)، وقيل: سنة إحدى وخمسين. يروي عنه: (ق) وقال أبو حاتم: سألت دحيمًا عنه، فقال: لا بأس به، فقلت: إن أصحابنا يضعفونه، قال: وأي شيء حدث عثمان من الحديث واستحسن حديثه؟ ! قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. انتهى من "التهذيب".
(عن أبيه) عطاء بن أبي مسلم أبي عثمان الخراساني، واسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله، صدوق يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، من الخامسة، مات سثة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الغوث بن حصين) الخثعمي رضي الله تعالى عنه (رجل من الفرع) - بضم الفاء وسكون الراء - اسم موضع بين مكة والمدينة. انتهى من "العون"، له صحبة.
روى عنه عطاء الخراساني أنه استفتى النبي ﷺ في حجة كانت على أبيه، قلت: عطاء الخراساني لم يسمع من هذا الصحابي، ولعله حمل الحديث عن بعض أصحاب ابن عباس عن أبي الغوث بن حصين بن عوف، قال: قلت: يا رسول الله؛ إن أبي أدركه الحج ولم يحج ... الحديث.
وأبو الغوث هذا لم يسمع له اسم إلا هذه الكنية. يروي عنه: (ق).
стр. 8150
أَنَّهُ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ ﷺ عَنْ حِجَّةٍ كَانَتْ عَلَى أَبِيهِ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ"، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ فِي النَّذْرِ يُقْضى عَنْهُ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عثمان بن عطاء، وهو متفق على ضعفه، وأيضًا عطاء بن أبي مسلم لم يسمع من أبي الغوث.
(أنه) أي: أن أبا الغوث (استفتى) وسأل (النبي ﷺ عن) حكم (حجة كانت) ووجبت (على أبيه) في حياته؛ لاستطاعته و (مات) أبوه (و) الحال أنه (لم يحج) تلك الحجة الواجبة عليه؛ لكونه مستطيعًا، أتقضى عنه تلك الحجة يا رسول الله أم لا، فما حكمها؟ فـ (قال) له (النبي ﷺ في جواب فتواه: (حج عن أبيك، وقال النبي ﷺ بعدما أمره بالحج عنه: (وكذلك) أي: وكالحج في وجوب القضاء عنه (الصيام في النذر) أي: الصيام الواجب عليه بسبب النذر إذا نذر على نفسه ومات قبل أن يصوم مع تمكنه منه (يقضى عنه) أي: يصام ذلك الصوم الذي نذر على نفسه ومات قبل صومه؛ لتقصيره، والفرض الأصلي - أعني: رمضان - يقضى عنه من باب أولى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما قبله، وسنده ضعيف؛ لما تقدم، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8151
(١٠) - (١٠١٧) - بَابُ الْحَجِّ عَنِ الْحَيِّ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ
(٢٥) - ٢٨٦١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا
===
(١٠) - (١٠١٧) - (باب الحج عن الحي إذا لم يستطع)
(٢٥) - ٢٨٦١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا وكيع، عن شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، إمام أئمة الجرح والتعديل، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن النعمان بن سالم) الطائفي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه (م عم).
(عن عمرو بن أوس) بن أبي أوس الثقفي الطائفي تابعي كبير، من الثانية، وهم من ذكره في الصحابة، مات بعد التسعين من الهجرة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي رزين العُقَيلِي) - مصغرًا - لقيط بن عامر، ويقال له: لقيط بن صبرة - بفتح المهملة وكسر الموحدة - ويقال: إنه جده، واسم أبيه عامر، فهو لقيط بن عامر بن صبرة، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، والأكثر على أنهما اثنان. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن أبا رزين (أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله؛ إن أبي شيخ كبير) السن (لا يستطيع الحج ولا العمرة) بنفسه (ولا) يستطيع
стр. 8152
الظَّعَنَ، قَالَ: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ".
===
(الظَّعَنَ) والركوب على الراحلة، فكيف الحج عنه؟ فهل يسقط عنه أو يحج عنه؟ والظَّعَن - بكسر الظاء وبفتح العين وسكونها -: مصدر ظعن يظعن؛ من باب قطع؛ إذا سار ومشى، قاله السيوطي؛ ومعناه: ولا يقدر على السير والمشي برجله؛ لكبر سنه.
وقال السندي: الظعن بفتحتين أو سكون الثاني، وفي "المجمع": الظعن: الراحلة؛ أي: لا يقدر على السير بالرجل، ولا على الركوب من كبر السن.
فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (حج عن أبيك واعتمر) عنه.
والحديث يدل على جواز حج الولد عن أبيه العاجز عن المشي، واستدل به على وجوب الحج والعمرة، وقد جزم بوجوب العمرة جماعة من أهل الحديث، وهو المشهور عن الشافعي وأحمد، وبه قال إسحاق والثوري والمزني.
والمشهور عن المالكية أن العمرة ليست واجبة، وهو قول الحنفية، ولا خلاف في المشروعية.
وقال الإمام أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أقوى وأجود من هذا، ولا أصح منه. انتهى من "العون".
واستدل الكوفيون بعموم هذا الحديث على جواز حج من لم يحج عن نفسه نيابةً عن غيره وصحته، وخالفهم الجمهور، وخصوا ذلك بمن حج عن نفسه، واستدلوا بما في "السنن" و"صحيح ابن خزيمة" وغيره من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ رأى رجلًا يلبي عن شبرمة، فقال: "أحججت عن نفسك؟ " فقال: لا، قال: "حج عن نفسك، ثم احجج عن شبرمة"، كذا في "الفتح".
قلت: الظاهر الراجح هو قول الجمهور.
стр. 8153
(٢٦) - ٢٨٦٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ،
===
قوله: "واعتمر" استدل به من قال بوجوب العمرة. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "المجتبى" في كتاب المناسك، باب في العمرة عن الرجل الذي لا يستطيع، وأحمد في "المسند"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب المناسك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في "التلخيص"، وابن حبان في "موارد الظمآن" في كتاب الحج، باب الحج عن العاجز والاعتمار عنه، والخطيب في "تاريخ بغداد"، والطحاوي في "مشكل الآثار"، وابن خزيمة في "صحيحه".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي رزين بحديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٦) - ٢٨٦٢ - (٢) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد الأموي (العثماني) المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا عبد العزيز) بن محمد بن عبيد (الدراوردي) أبو محمد الجهني
стр. 8154
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيّ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَفْنَدَ،
===
مولاهم المدني، صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ، قال النسائي: حديثه عن عبيد الله العمري منكر، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن الحارث) بن عبد الله (بن عياش) بتحتانية مشددة ومعجمة (ابن أبي ربيعة المخزومي) أبي الحارث المدني، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن حكيم بن حكيم بن عباد) بتشديد الموحدة المفتوحة (ابن حنيف) مصغرًا (الأنصاري) الأوسي، صدوق، من الخامسة. يروي عنه: (عم).
(عن نافع بن جبير) بن مطعم النوفلي أبي محمد المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة تسع وتسعين (٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن امرأة) لم أر من ذكر اسمها (من خثعم) - بالخاء المعجمة المفتوحة فالمثلثة الساكنة فعين مهملة - غير منصرف؛ للعلمية والتأنيث المعنوي؛ لأنه علم لقبيلة مشهورة، ويجوز صرفه إذا كان بمعنى الحي. انتهى من "العون".
وعبارة "التحفة": هو أبو قبيلة من اليمن سموا به، ويجوز صرفه ومنعه (جاءت النبي ﷺ للاستفتاء في شأن أبيها (فقالت: يا رسول الله؛ إن أبي شيخ كبير) السن (قد أفند) من الإفعال، أي: خرف
стр. 8155
وَأَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَدَاءَهَا، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ أَنْ أُؤَدِّيَهَا عَنْهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "نَعَمْ".
===
ونقص عقله؛ والفند - بفتحتين -: ضعف الرأي من الهرم والكذب، والفعل منهما: أفند؛ إذا خرف وضعف رأيه، والجملة صفة ثانية لشيخ (وأدركته) أي: لزمته (فريضة الله على عباده في الحج) أي: من الحج؛ فـ (في) بمعنى (من) البيانية.
قال الطيبي: بأن أسلم شيخًا وله المال، أو حصل له المال في هذا الحال، لا يستطيع أن يستوي على ظهر البعير (ولا يستطيع أداءها) وفعلَها، استئناف بياني (فهل يجزئ) ويسقط (عنه) الواجب والفرض (أن أؤديها) وأفعلها نيابةً (عنه؟ ) فـ (قال رسول الله ﷺ للمرأة المستفتية: (نعم) يجزئ عنه فعلك لتلك الفريضة نيابة عنه، فحجي عنه بنية النيابة عنه.
قال في "سبل السلام": في الحديث روايات أخر؛ ففي بعضها: أن السائل رجل، وأنه سأل هل يحج عن أمه، فيجوز تعدد القضية، فلا معارضة.
وفي الحديث دليل على أنه يجزئ الحج عن المكلف إذا كان ميئوسًا منه القدرةُ على الحج بنفسه؛ مثل الشيخوخة؛ فإنه ميئوس زوالها، وأما إذا كان عدم القدرة لأجل مرض أو جنون يرجى برؤهما .. فلا يصح.
وظاهر الحديث مع الزيادة أنه لا بد في صحة التحجيج عنه من الأمرين: عدم ثباته على الراحلة، والخشية من الضرر عليه من شدِّه، فمن لا يضره الشد؛ كالذي يقدر على المحفة .. لا يجزئه حج الغير عنه.
ويؤخذ من الحديث أنه إذا تبرع أحد بالحج عن غيره .. لزمه الحج عن ذلك الغير وإن كان لا يجب عليه الحج؛ ووجهه أن المرأة لم تبين أن أباها مستطيع بالزاد والراحلة، ولم يستفصل ﷺ عن ذلك، ورد هذا: بأنه
стр. 8156
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ليس في الحديث إلا الإجزاء لا الوجوب؛ فلم يتعرض له، وبأنه يجوز أنها قد عرفت وجوب الحج على أبيها؛ كما يدل عليه قولها: (إن فريضة الله على عباده في الحج) فإنها عبارة دالة على علمها بشرط دليل الوجوب؛ وهو الاستطاعة.
واتفق القائلون بإجزاء الحج عن فريضة الغير بأنه لا يجزئ إلا عن موت، أو عدم قدرة؛ من عجز ونحوه، بخلاف النفل؛ فإنه ذهب أحمد وأبو حنيفة إلى جواز النيابة عن الغير فيه مطلقًا؛ للتوسع في النفل.
وذهب بعضهم إلى أن الحج عن فرض الغير لا يجزئ أحدًا، وأن هذا الحكم يختص بصاحبة هذه القصة، وإن كان الاختصاص خلاف الأصل، إلا أنه استدل بزيادة رواية في الحديث بلفظ: "حجي عنه، وليس لأحد بعدك"، ورد: بان هذه الزيادة رويت بسند ضعيف، وعن بعضهم أنه يختص بالولد، وأجيب عنه: بأن القياس عليه دليل شرعي، وقد نبه ﷺ على العلة بقوله في الحديث: "فدين الله أحق بالقضاء "فجعله دينًا، والدين يصح أن يقضيه غير الولد بالاتفاق. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت، قال: وفي الباب عن علي وبريدة وحصين بن عوف وأبي رزين العقيلي وسودة بنت زمعة وابن عباس، قال أبو عيسى: حديث الفضل بن عباس حديث حسن صحيح، روي عن ابن عباس عن حصين بن عوف المزني عن النبي ﷺ .
قال أبو عيسى: وسألت محمدًا - يعني: البخاري - عن هذه الروايات،
стр. 8157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال: أصح شيء في هذا الباب ما روى ابن عباس عن الفضل بن عباس عن النبي ﷺ ، قال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره عن النبي ﷺ ، ثم روى هذا عن النبي ﷺ وأرسله، ولم يذكر الذي سمعه منه.
قال أبو عيسى: وقد صح عن النبي ﷺ في هذا الباب غير حديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ يرون أن يحج عن الميت.
وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه .. حج عنه، وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي إذا كان كبيرًا أو بحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي.
وأخرجه النسائي في كتاب الحج، باب الحج عن الميت الذي لم يحج، وباب الحج عن الحي الذي لا يستمسك على الرحل، والدارمي ومالك وأحمد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وقد أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس عن رسول الله ﷺ . انتهى من "الترمذي" مع زيادة من "العون".
وفي "التحفة": قال الحافظ في "الفتح": وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل؛ لأنه ردف النبي ﷺ حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منىً مع الضعفة، وقد سبق في باب التلبية والتكبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبي حتى
стр. 8158
(٢٧) - ٢٨٦٣ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصيْنُ بْنُ عَوْفٍ
===
رمى الجمرة، فكان الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة. انتهى كلام الحافظ.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي رزين العقيلي بحديث حصين بن عوف رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٧) - ٢٨٦٣ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي.
(حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ) أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن كريب) مولى ابن عباس، ضعيف، من السادسة، مات بعد الخمسين ومئة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني؛ مولى ابن عباس، أبي رشدين، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(قال) ابن عباس: (أخبرني حصين بن عوف) الخثعمي الصحابي الفاضل
стр. 8159
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجُّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحُجَّ إِلَّا مُعْتَرِضًا، فَصَمَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ".
(٢٨) - ٢٨٦٤ - (٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
===
رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد في الحج وهو هذا المذكور هنا. يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه محمد بن كريب، وهو ضعيف اتفاقًا.
(قال) حصين: (قلت: يا رسول الله؛ إن أبي أدركه الحج) أي: وجب عليه الحج؛ لحصول المال له الآن (و) الحال أنه (لا يستطيع أن يحج) بنفسه (إلا) حال كونه (معترضًا) والاستثناء من أعم الأحوال، قيل: معناه: لا يثبت على الراحلة على الوجه المعهود، إنما يمكن أن يشد بحبل ونحوه بالراحلة؛ كجونية الطعام وكيس الدقيق (فصمت) أي: سكت رسول الله ﷺ (ساعة) أي: زمنًا قليلًا كأنه ينتظر الوحي (ثم) بعدما سكت قليلًا (قال: حج) أنت (عن أبيك) نيابةً عنه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن عباس وغيره.
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح بما قبله وبما بعده، ضعيف سنده؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي رزين المذكور أول الباب، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي رزين بحديث الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٨) - ٢٨٦٤ - (٤) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو
стр. 8160
الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ أَنَّهُ كَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَدَاةَ النَّحْر،
===
العثماني مولاهم (الدمشقي) ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب الأصبحي المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة، مات بعد المئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عباس، عن أخيه الفضل) بن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وهو أصح الأسانيد من أسانيد هذا الحديث؛ كما نقل عن الحافظ ابن حجر فيما سبق.
(أنه) أي: أن الفضل بن عباس (كان ردف رسول الله ﷺ أي: راكبًا خلفه على ناقته (غداة) يوم (النحر) في حجة الوداع من مزدلفة إلى