. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ليس في الحديث إلا الإجزاء لا الوجوب؛ فلم يتعرض له، وبأنه يجوز أنها قد عرفت وجوب الحج على أبيها؛ كما يدل عليه قولها: (إن فريضة الله على عباده في الحج) فإنها عبارة دالة على علمها بشرط دليل الوجوب؛ وهو الاستطاعة.
واتفق القائلون بإجزاء الحج عن فريضة الغير بأنه لا يجزئ إلا عن موت، أو عدم قدرة؛ من عجز ونحوه، بخلاف النفل؛ فإنه ذهب أحمد وأبو حنيفة إلى جواز النيابة عن الغير فيه مطلقًا؛ للتوسع في النفل.
وذهب بعضهم إلى أن الحج عن فرض الغير لا يجزئ أحدًا، وأن هذا الحكم يختص بصاحبة هذه القصة، وإن كان الاختصاص خلاف الأصل، إلا أنه استدل بزيادة رواية في الحديث بلفظ: "حجي عنه، وليس لأحد بعدك"، ورد: بان هذه الزيادة رويت بسند ضعيف، وعن بعضهم أنه يختص بالولد، وأجيب عنه: بأن القياس عليه دليل شرعي، وقد نبه ﷺ على العلة بقوله في الحديث: "فدين الله أحق بالقضاء "فجعله دينًا، والدين يصح أن يقضيه غير الولد بالاتفاق. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الرجل يحج عن غيره، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت، قال: وفي الباب عن علي وبريدة وحصين بن عوف وأبي رزين العقيلي وسودة بنت زمعة وابن عباس، قال أبو عيسى: حديث الفضل بن عباس حديث حسن صحيح، روي عن ابن عباس عن حصين بن عوف المزني عن النبي ﷺ .
قال أبو عيسى: وسألت محمدًا - يعني: البخاري - عن هذه الروايات،
стр. 8157
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال: أصح شيء في هذا الباب ما روى ابن عباس عن الفضل بن عباس عن النبي ﷺ ، قال محمد: ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره عن النبي ﷺ ، ثم روى هذا عن النبي ﷺ وأرسله، ولم يذكر الذي سمعه منه.
قال أبو عيسى: وقد صح عن النبي ﷺ في هذا الباب غير حديث، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وبه يقول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ يرون أن يحج عن الميت.
وقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه .. حج عنه، وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي إذا كان كبيرًا أو بحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي.
وأخرجه النسائي في كتاب الحج، باب الحج عن الميت الذي لم يحج، وباب الحج عن الحي الذي لا يستمسك على الرحل، والدارمي ومالك وأحمد.
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، وقد أخرجه أيضًا البخاري ومسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن عباس عن الفضل بن عباس عن رسول الله ﷺ . انتهى من "الترمذي" مع زيادة من "العون".
وفي "التحفة": قال الحافظ في "الفتح": وإنما رجح البخاري الرواية عن الفضل؛ لأنه ردف النبي ﷺ حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منىً مع الضعفة، وقد سبق في باب التلبية والتكبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ أردف الفضل، فأخبر الفضل أنه لم يزل يلبي حتى
стр. 8158
(٢٧) - ٢٨٦٣ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصيْنُ بْنُ عَوْفٍ
===
رمى الجمرة، فكان الفضل حدث أخاه بما شاهده في تلك الحالة. انتهى كلام الحافظ.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي رزين العقيلي بحديث حصين بن عوف رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٢٧) - ٢٨٦٣ - (٣) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي.
(حدثنا أبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ) أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن كريب) مولى ابن عباس، ضعيف، من السادسة، مات بعد الخمسين ومئة. يروي عنه: (ق).
(عن أبيه) كريب بن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني؛ مولى ابن عباس، أبي رشدين، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثمان وتسعين (٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(قال) ابن عباس: (أخبرني حصين بن عوف) الخثعمي الصحابي الفاضل
стр. 8159
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ أَبِي أَدْرَكَهُ الْحَجُّ وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحُجَّ إِلَّا مُعْتَرِضًا، فَصَمَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: "حُجَّ عَنْ أَبِيكَ".
(٢٨) - ٢٨٦٤ - (٤) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
===
رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد في الحج وهو هذا المذكور هنا. يروي عنه: (ق).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه محمد بن كريب، وهو ضعيف اتفاقًا.
(قال) حصين: (قلت: يا رسول الله؛ إن أبي أدركه الحج) أي: وجب عليه الحج؛ لحصول المال له الآن (و) الحال أنه (لا يستطيع أن يحج) بنفسه (إلا) حال كونه (معترضًا) والاستثناء من أعم الأحوال، قيل: معناه: لا يثبت على الراحلة على الوجه المعهود، إنما يمكن أن يشد بحبل ونحوه بالراحلة؛ كجونية الطعام وكيس الدقيق (فصمت) أي: سكت رسول الله ﷺ (ساعة) أي: زمنًا قليلًا كأنه ينتظر الوحي (ثم) بعدما سكت قليلًا (قال: حج) أنت (عن أبيك) نيابةً عنه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن عباس وغيره.
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح بما قبله وبما بعده، ضعيف سنده؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي رزين المذكور أول الباب، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي رزين بحديث الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٨) - ٢٨٦٤ - (٤) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو
стр. 8160
الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَخِيهِ الْفَضْلِ أَنَّهُ كَانَ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَدَاةَ النَّحْر،
===
العثماني مولاهم (الدمشقي) ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) عبد الرحمن بن عمرو (الأوزاعي) أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب الأصبحي المدني، ثقة حجة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة، ثقة فاضل أحد الفقهاء السبعة، من كبار الثالثة، مات بعد المئة، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله (بن عباس، عن أخيه الفضل) بن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وهو أصح الأسانيد من أسانيد هذا الحديث؛ كما نقل عن الحافظ ابن حجر فيما سبق.
(أنه) أي: أن الفضل بن عباس (كان ردف رسول الله ﷺ أي: راكبًا خلفه على ناقته (غداة) يوم (النحر) في حجة الوداع من مزدلفة إلى
стр. 8161
فَأَتَتْهُ امْرَأَة مِنْ خَثْعَمٍ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ فِي الْحَجِّ عَلَى عِبَادِهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَرْكَبَ أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ قَضَيْتِهِ".
===
منىً (فأتته) ﷺ (امرأة من خثعم) قبيلة مشهورة باليمن؛ أي: جاءته لاستفتائه عن حكم من أحكام الحج (فقالت) المرأة في استفتائها لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ إن فريضة الله) سبحانه (في الحج) أي: من الحج؛ فـ (في) بمعنى (من) البيانية، أي: إن فريضة الله التي فرضها (على عباده) المؤمنين (أدركلت) أي: لزمت (أبي) ووجبت عليه، فهو مفعول أدركت؛ أي: لزمته حالة كونه (شيخًا كبيرًا) فكبيرًا صفة أولى لشيخًا؛ أي: كبير السن.
وقوله: (لا يستطيع أن يركب) الراحلة ويثبت عليها صفة ثانية له، ويحتمل أن يكون حالًا أيضًا، ويكون من الأحوال المتداخلة؛ والمعنى: أنه وجب عليه الحج؛ بأن أسلم وهو بهذه الصفة (أفأحج عنه؟ ) والهمزة فيه للاستفهام الاستخباري داخلة على محذوف، والفاء عاطفة ما بعدها على ذلك المحذوف؛ والتقدير: أيجزئ النيابة في الحج فأحج عنه؟ أو: أيجوز لي أن أنوب عنه فأحج عنه؟ كما هو مذهب الزمخشري، خلافًا للجمهور؛ كما بسطنا الكلام على أمثال هذا في تفسيرنا "حدائق الروح والريحان" في مواضع كثيرة.
(قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالها: (نعم) يجزئ عنه حجك، فحجي عنه، ثم علل هذا الجواب بقوله: (فإنه) أي: فإن الشأن والحال (لو كان) ووجب (على أبيك دين) لآدمي أفـ (قضيته) وأديته عنه، فدين الله أحق بالقضاء، فحجي عنه، ففي الحديث إثبات القياس الذي هو أحد الأدلة الشرعية عند الجمهور.
стр. 8162
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: (لا يستطيع أن يركب) هذا هو المسمى بالمعضوب عندهم؛ من العضب بمعنى القطع، وبه يسمى السيف عضبًا، وكأن من انتهى إلى هذه الحالة قطعت أعضاؤه؛ إذ لا يقدر على شيء، وفي رواية مسلم: (لا يستطيع أن يثبت على الراحلة) فمجموع الروايتين دلت على أنه لا يقدر على الاستواء على الراحلة، ولو استوى .. لم يثبت عليها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع كثيرة؛ منها: كتاب الصيد، باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، باب حج المرأة عن الرجل، ومنها: كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله، ومنها: كتاب المغازي، باب حجة الوداع إلى غير ذلك، ومسلم في كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانةٍ وهرم ونحوهما، أو للموت، وأبو داوود في كتاب الحج، باب الرجل يحج عن غيره، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت، والنسائي في كتاب الحج، باب آداب القضاة، باب حج المرأة عن الرجل، ومالك في "الموطأ" في كتاب الحج.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
مُلْحَقَةٌ بما قبلها
اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب على أن السائلة كانت امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالف يحيى بن أبي إسحاق عن سليمان، فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في إسناده ومتنه، وكذا وقع الاختلاف في سياق غيره: ففي بعض الروايات: (إن أبي مات)، وفي بعضها: (إن أمي عجوز كبيرة)، وفي بعضها: (أن امرأة سألت عن أمها)، وفي بعضها: (إن
стр. 8163
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أبي أدركه الحج) مع تسمية السائل بحصين بن عوف الخثعمي، وفي أخرى تسميته بأبي الغوث بن حصين الخثعمي.
قال الحافظ - بعد تفصيل الاختلاف الواقع بين الروايات -: والذي يظهر لي من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل، وكانت ابنته معه فسألت أيضًا، والمسؤول عنه أبو الرجل وأمه جميعًا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس قال: كنت ردف رسول الله ﷺ وأعرابي معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي ﷺ برأسي فيلويه، فكان يلبي حتى رمى جمرة العقبة.
فعلى هذا؛ فقول الشابة: (إن أبي) لعلها أرادت به جدها؛ لأن أباها كان معها، وكأنه أمرها أن تسأل النبي ﷺ فيسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها .. سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أيضًا أن يسأل عن أمه، وتحصل من هذه الروايات أن اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما ما وقع في الرواية الأخرى أنه أبو الغوث بن حصين .. فإن إسنادها ضعيف. انتهى من "فتح الملهم".
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8164
(١١) - (١٠١٨) - بَابُ حَجِّ الصَّبِيِّ
(٢٩) - ٢٨٦٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: رَفَعَتِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا لَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
===
(١١) - (١٠١٨) - (باب حج الصبي)
(٢٩) - ٢٨٦٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (ومحمد بن طريف) بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي، من صغار العاشرة، صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (م د ت ق).
(قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني محمد بن سوقة) - بضم السين المهملة - الغنوي - بفتح المعجمة والنون الخفيفة - أبو بكر الكوفي العابد، ثقة مرضي، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة. يروي عنه: (ع)، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٥ هـ)، أو بعدها.
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي المدني ﵄.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابر: (رفعت امرأة) مسلمة لم أر من ذكر اسمها؛ أي: رفعت من محفتها (صبيًّا لها) وقربته (إلى النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 8165
فِي حَجَّتِهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلِهَذَا حَجٌّ؟ قَالَ: "نَعَمْ؛ وَلَكِ أَجْرٌ".
===
في حجته) ﷺ حجة الوداع (فقالت) المرأة للنبي ﷺ : (يا رسول الله؛ أ) يصح (لهذا) الصبي (حج) ويقع له إن حججت عنه؟ فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (نعم) يصح له حج ويقع له (ولك أجر) بما حججت عنه، قال النووي: معناه: لك أجر؛ بسبب حمله وتجريده عمَّا يتجنَّبُ عنه المحرم من محرمات الإحرام، وفعله ما يفعله المحرم؛ أي: لك أجر تسببك في حجه.
قال النووي: في هذا الحديث حجة للشافعي ومالك وأحمد وجماهير من العلماء: أن حج الصبي منعقد صحيح يثاب عليه وإن كان لا يجزئه عن حجة الإسلام، بل يقع تطوعًا، وهذا الحديث صريح فيه، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: لا يصح حجه، قال أصحابه: وإنما فعلوه تمرينًا له؛ ليعتاده فيفعله إذا بلغ، وهذا الحديث يرد عليهم، قال ابن بطال: أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبي حتى يبلغ، إلا أنه إذا حج به .. كان له تطوعًا عند الجمهور، وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه ولا يلزمه شيء بفعل شيء من محظورات الإحرام، وإنما يحج به على جهة التدريب، كذا في "فتح الباري".
قلت: واحتج الجمهور بقوله ﷺ : "نعم؛ ولك أجر"، وهو حجة على أبي حنيفة. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في حج الصبي، وحديث جابر هذا لم يحكم عليه الترمذي بشيء من الصحة والحسن، والظاهر أنه حسن، ويشهد له حديث ابن عباس، رواه مسلم، وأبو داوود والنسائي وأحمد.
قلت: هذا الحديث صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، ولأن له
стр. 8166
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شاهدًا مما ذكرناه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وقال الترمذي في "جامعه": وقد أجمع أهل العلم على أن الصبي إذا حج قبل أن يبلغ .. فعليه الحج إذا بلغ، لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإسلام.
وشذ بعضهم فقال: إذا حج الصبي .. أجزأه ذلك عن حجة الإسلام؛ لظاهر قوله ﷺ : "نعم" في جواب قولها: (ألهذا حج؟ ).
وقال الطحاوي: لا حجة فيه لذلك، بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له؛ لأن ابن عباس رواي الحديث قال: أيما غلام حج به أهله، ثم بلغ .. فعليه حجة أخرى، ثم ساقه بإسناد صحيح.
وقد أخرج هذا الحديث مرفوعًا الحاكم، وقال: على شرطهما، والبيهقي وابن حزم وصححه.
وذكر الشوكاني روايات أخرى في هذا الحديث، ثم قال: فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حج الصبي، ولا يجزئه عن حجة الإسلام إذا بلغ، وهذا هو الحق، فيتعين المصير إليه جمعًا بين الأدلة. انتهى من "التحفة".
قال الترمذي: وكذلك المملوك إذا حج في رقه، ثم أعتق .. فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلًا، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 8167
(١٢) - (١٠١٩) - بَابٌ: النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ تُهِلُّ بِالْحَجِّ
(٣٠) - ٢٨٦٦ - (١) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه،
===
(١٢) - (١٠١٩) - (باب: النفساء والحائض تهل بالحج)
(٣٥) - ٢٨٦٦ - (١) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وهو أسن منه بسنتين؛ وهو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ شهير وله أوهام، وقيل: وكان لا يحفظ القرآن، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري أبي عثمان المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أبي محمد المدني، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8168
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِالشَّجَرَة،
===
(عن) عمته (عائشة) بنت أبي بكر الصديق أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (نفست) أي: ولدت؛ وهو من الأفعال التي يلازم لفظها البناء للمجهول ومعناها للمعلوم، وقيل: بكسر الفاء لا غير، وفي النون لغتان؛ المشهور منهما ضمها، والثانية فتحها، سمي الدم نفاسًا؛ لخروج النفس؛ وهو الولد بعده، قال القاضي: وتجري اللغتان في الحيض أيضًا، يقال: نفست؛ أي: حاضت بفتح النون وضمها، قال: ذكرهما صاحب الأفعال، قال: وأنكر جماعة الضم في الحيض؛ أي: ولدت (أسماء بنت عميس) - مصغرًا - زوجة الصديق رضي الله تعالى عنها بعد موت جعفر بن أبي طالب عنها، وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت الصديق، وولدت له يحيى، كذا في "المرقاة".
أي: ولدت أسماء بمحمد بن أبي بكر الصديق؛ كما هو مصرح به في رواية مسلم، قال ملا علي: وهو من أصغر الصحابة رضوان الله تعالى عنهم أجمعين قتله أصحاب معاوية بمصر سنة ثمان وثلاثين (٣٨ هـ)، وذكر أهل التاريخ إحراقهم إياه بعد قتله بالنار في جوف جيفة حمار؛ كما ذكرنا قصته في شرح مسلم "الكوكب الوهاج"، في باب الإمام العادل؛ أي: ولدت أسماء بمحمد بن أبي بكر (بالشجرة) أي: في الشجرة؛ وهي موضع بذي الحليفة، وفي رواية: بذي الحليفة، وفي أخرى: بالبيداء، هذه المواضع الثلاثة متقاربة؛ فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء .. فهي بطرف ذي الحليفة من جهة مكة قبل موضع التفتيش الآن.
قال القاضي عياض: يحتمل أنها نزلت بطرف البيداء؛ لتبعد عن الناس،
стр. 8169
فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُهِلَّ.
===
وكان منزل رسول الله ﷺ بذي الحليفة حقيقة، وهناك بات وأحرم، فسمي منزل الناس كلهم باسم منزل إمامهم (فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر أن يأمرها) أي: أمر أبا بكر بأن يأمرها؛ أي: بأن يأمر أسماء بـ (أن تغتسل) غسل الإحرام (و) بأن (تهل) أي: وبأن تحرم وترفع صوتها بالإحرام والتلبية.
قال الدهلوي: وذلك لتأتي بالميسور من سنة الإحرام، قال النووي: فيه: صحة إحرام النفساء والحائض واستحباب اغتسالهما للإحرام، وهو مجمع على الأمر به، لكن مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة والجمهور أنه مستحب.
وقال الحسن وأهل الظاهر: هو واجب، والحائض والنفساء يصح منهما جميع أفعال الحج إلا الطواف وركعتيه؛ لقوله ﷺ "اصنعي ما يصنع الحاج غير ألا تطوفي"، وفيه: أن ركعتي الإحرام سنة ليستا بشرط لصحة الحج؛ لأن أسماء لم تصلهما. انتهى.
وذكر الفقهاء أن هذا الاغتسال للنظافة لا للطهارة، ولذلك لا ينوبه التيمم، والنفساء وكذا الحائض تفعل كل ما يفعله الحاج إلا الطواف وركعتيه. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام وكذا الحائض، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الحائض تهل بالحج، والنسائي في كتاب الحيض، باب ما تفعل النساء عند الإحرام، وفي كتاب الحج وفي كتاب الطهارة، ومالك في "الموطأ".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به للترجمة.
* * *
стр. 8170
(٣١) - ٢٨٦٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي بَكْرٍ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣١) - ٢٨٦٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا خالد بن مخلد) القطواني - بفتح القاف والطاء - أبو الهيثم البجلي مولاهم الكوفي، صدوق يتشيع، وله أفراد، من كبار العاشرة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن سليمان بن بلال) التيمي مولاهم أبي محمد المدني، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وسبعين ومئة (١٧٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري أبو سعيد المدني القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أنه سمع القاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(يحدث عن أبيه) محمد بن أبي بكر الصديق أبي القاسم له رؤية، وقتل سنة ثمان وثلاثين بمصر؛ كما مر آنفًا، رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (س ق).
(عن أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه خليفة رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8171
أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَوَلَدَتْ بالشَّجَرَةِ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ.
===
(أنه) أي: أن أبا بكر (خرج) من المدينة حالة كونه (حاجًّا) أي: مريدًا الحج حجة الوداع (مع رسول الله ﷺ و) الحال أن (معه) أي: مع أبي بكر زوجته (أسماء بنت عميس، فولدت) أسماء (بالشجرة) أي: بذي الحليفة ولدها (محمد بن أبي بكر) الصديق (فأتى أبو بكر) الصديق (النبي ﷺ ، فأخبره) أي: فأخبر أبو بكر النبي ﷺ بولادة أسماء (فأمره) أي: أمر أبا بكر (رسول الله ﷺ بـ (أن يأمرها) أي: أن يأمر أبو بكر زوجته أسماء بـ (أن تغتسل) غسل الإحرام بنية النظافة لا بالطهارة.
(ثم) بعد اغتسالها أن (تهل) وتحرم (بالحج، وتصنع) بالنصب معطوف على تغتسل؛ أي: وتعمل من أعمال الحج (ما يصنع الناس) كله؛ من الوقوف والمبيت والرمي والأذكار (إلا) أي: لكن (أنها) أي: أن أسماء (لا تطوف بالبيت) لعدم صحته منها؛ لاشتراط الطهارة فيه، ولا طهارة لها؛ لأنها نفساء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المناسك، باب الغسل للإهلال.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 8172
(٣٢) - ٢٨٦٨ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نُفِسَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ،
===
(٣٢) - ٢٨٦٨ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) الثوري، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر) الصادق (ابن محمد) الباقر بن علي بن الحسين بن أبي طالب المدني، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد الباقر بن علي بن الحسين، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (نفست أسماء بنت عميس) الخثعمية الصحابية رضي الله تعالى عنها؛ أي: ولدت (بمحمد بن أبي بكر) الصديق (فأرسلت) أسماء زوجها أبا بكر الصديق (إلى النبي ﷺ تسأله عن كيفية
стр. 8173
فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتَسْتَثْفِرَ بِثَوْبٍ ثُمَّ تُهِلَّ.
===
إحرامها للحج وبها دم النفاس (فأمرها) النبي ﷺ بواسطة زوجها أبي بكر بـ (أن تغتسل) من دمها بنية النظافة (وتستثفر) أي: وتربط فرجها (بثوب) أي: بخرقة (ثم تهل) وتحرم بالحج؛ والاستثفار: أن تربط تكة كتكة السراويل على وسطها، ثم تحشو فرجها بنحو قطن، ثم تجعل فوق القطن خرقة طويلة تربط إحدى طرفيها على تلك التكة التي في وسطها من وراء، والطرف الآخر تربطه على تلك التكة من قدام؛ كما ذكره الفقهاء في كتبهم، في باب المستحاضة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام، وكذا الحائض، والنسائي في كتاب الطهارة، باب الاغتسال من النفاس.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8174
(١٣) - (١٠٢٠) - بَابُ مَوَاقِيتِ أَهْلِ الْآفَاقِ
(٣٣) - ٢٨٦٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة،
===
(١٣) - (١٠٢٠) - (باب مواقيت أهل الآفاق)
(٣٣) - ٢٨٦٩ - (١) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه، صدوق عابه أبو خيثمة؛ للفتوى بالرأي، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك بن أنس) الإمام في الفروع، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: أنه أصح الأسانيد، ويسمى عندهم سلسلة الذهب.
(أن رسول الله ﷺ قال: يهل) أي: يحرم النسك حجًّا كان أو عمرة (أهل المدينة) ومن سلك طريقهم فمر على طريقهم (من ذي الحليفة) أي: من مكان يسمى ذا الحليفة؛ وهو مكان على ثلاثة أميال من المدينة على الصحيح، وهو بضم الحاء وفتح اللام مصغرًا؛ مصغر الحلفة - بالفتح على وزن قصبة -: اسم نبت ينبت في الماء معروف، يجمع على حلفاء، سميت باسم ذلك النبات.
قال الحافظ: وذو الحليفة مكان معروف بينه وبين مكة مئتا ميل غير ميلين،
стр. 8175
وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَة،
===
قاله ابن حزم، وقال غيره: بينهما عشر مراحل، وقال النووي: بينه وبين المدينة ستة أميال. انتهى.
وقيل: سبعة، وقيل: أربعة، وفي "المهمات": الصواب المعروف بالمشاهدة أنها على ثلاثة أميال من المدينة أو تزيد قليلًا. انتهى، وقال في "الفتح": وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة، وهو خراب، وبها بئر يقال لها: بئر علي. انتهى.
وعلي هذا ليس المراد به: علي بن أبي طالب ﵁، وقال ملا علي: وهو ماء من مياه بني جشم، وقد اشتهر الآن بأبيار علي. انتهى.
أي: يهل أهل المدينة وسكانها ومن كانت في طريقهم ممن يمر عليها من ذلك الموضع الذي يسمى ذا الحليفة؛ لأنه جعل ميقاتا لهم (و) يهل (أهل الشام) وهو من العريش إلى بالس، وقيل: إلى الفرات، قاله النووي.
أي: يهل أهل الشام ومن سلك طريقهم (من الجحفة) - بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وفتح الفاء - وهي قرية خربة بينها وبين مكة خمس مراحل أو ستة، واسمها في الأصل مهيعة بوزن علقمة، وقيل: بوزن لطيفة، وسميت بالجحفة؛ لأن السيل أجحف بها.
قال ابن الكلبي: كان العماليق يسكنون يثرب، فوقع بينهم وبين بني عبيل - بفتح المهملة وكسر الموحدة - وهو أخو عاد .. حرب، فأخرجوهم من يثرب، فنزلوا مهيعة، فجاء سيل فاجتحفهم؛ أي: استأصلهم، فسميت بالجحفة، قيل: إنها قد ذهبمت أعلامها ولم يبق إلا رسوم خفية لا يكاد يعرفها إلا سكان بعض البوادي؛ فلذا - والله أعلم - اختار الناس احتياطًا الإحرام من المكان المسمى بـ (رابض) وبعضهم يجعله بالغين المعجمة؛ لأنه قبيل الجحفة بنصف مرحلة أو قريب منها، وقال القرطبي: ولقد سألت جماعة ممن لهم خبرة عربانها
стр. 8176
وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ"، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: أَمَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ .. فَقَدْ سَمِعْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ
===
عنها، فأروني أكمة بعدما دخلنا من رابغ إلى مكة على جهة اليمين على مقدار ميل من رابغ تقريبًا. انتهى من "فتح الملهم".
(و) يهل (أهل نجد) أي: نجد الحجاز أو نجد اليمن ومن سلك طريقهم في السفر، قال الحافظ: أما نجد .. فهو كل مكان مرتفع، وهو اسم لعشرة مواضع؛ والمراد منها هنا: الأرض الأريضة التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها الشام والعراق.
وقال في "المختار": ونجد من بلاد العرب، وهو خلاف الغور؛ فالغور تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العرب .. فهو نجد؛ أي: يهل أهل نجد ومن سلك طريقهم (من قرن) ويقال له: قرن المنازل أيضًا، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون؛ وهو جبل مدور أملس مشرف على عرفات. انتهى "ملا علي"، قالوا: وهو أقرب المواقيت إلى مكة.
(فقال عبد الله) بن عمر رضي الله تعالى عنهما بالسند السابق: (أما هذه) المواقيت (الثلاثة) المذكورة .. (فقد سمعتها) بأذني (من رسول الله ﷺ و) أما الرابع من المواقيت .. فقد (بلغني) فيه ممن سمع رسول الله ﷺ (أن رسول الله ﷺ قال) فيه: (ويهل أهل اليمن) أراد بهم - والله أعلم -: بعض أهل اليمن ممن يسكن تهامة؛ فإن اليمن يشمل نجدًا وتهامة.
وقوله فيما سبق آنفًا: (ولأهل نجد) يشمل نجد الحجاز ونجد اليمن، كذا في "المواهب اللطيفة" أي: ويهل أهل اليمن إذا مروا بطريق تهامة ومن
стр. 8177
مِنْ يَلَمْلَمَ".
(٣٤) - ٢٨٧٠ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم (من يلملم) - بفتح التحتانية واللام وسكون الميم وبعدها لام مفتوحة ثم ميم -: موضع على مرحلتين من مكة تقريبًا بينهما ثلاثون ميلًا، فإن مر أهل اليمن من طريق الجبال .. فميقاتهم قرن المنازل.
وقولنا: (يلملم) غير منصرف؛ للعلمية ووزن الفعل، أو للعلمية والتأنيث المعنوي، ويقال: ألملم - بالهمزة - فهذه مواقيت الحج والعمرة للآفاقيين، لم يختلف في شيء منها.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب ميقات أهل المدينة، ومسلم في كتاب الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب في المواقيت، والنسائي في كتاب الحج، باب ميقات أهل المدينة، والترمذي في كتاب الحج باب ما جاء في مواقيت الأحرام لأهل الآفاق.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث جابر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٤) - ٢٨٧٠ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
стр. 8178
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِر قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَة، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مِنَ الْجُحْفَة،
===
(حدثنا وكيع) بن الجراح، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومىة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا إبراهيم بن يزيد) الخوزي - بضم المعجمة وبالزاي - أبو إسماعيل المكي مولى بني أمية، متروك الحديث، من السابعة، مات سنة إحدى وخمسين ومىة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي الزبير) المكي الأسدي مولاهم محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومىة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري الخزرجي المدني، من أكابر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إبراهيم بن يزيد، وهو متروك الحديث، ولكن الحديث صحيح؛ لأنه تابع ابن جريج لإبراهيم بن يزيد في الرواية عن أبي الزبير المكي؛ كما في رواية مسلم.
(قال) جابر: (خطبنا) أي: وعظنا (رسول الله ﷺ ، فقال) في خطبته: (مهل أهل المدينة) - بضم الميم وفتح الهاء على صيغة اسم المفعول من الرباعي، مصدر ميمي بمعنى: الإهلال - أي: إحرام أهل المدينة (من ذي الحليفة) أي: من موضع يسمى ذا الحليفة إذا خرجوا من طريقها لا من طريق الساحل (ومهل أهل الشام) أي: إهلال أهل الشام ومن سلك طريقهم (من الجحفة) مكان معروف؛ أي: من مكان يسمى بالجحفة.
стр. 8179
وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ"، ثُمَّ أَقْبَلَ بِوَجْهِهِ لِلْأُفُقِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ أَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ".
===
(ومهل أهل اليمن) أي: أهل تهامته؛ أي: إهلال أهل تهامة اليمن وإحرامهم وكذا من سلك طريقهم (من يلملم) موضع معروف على مرحلتين من مكة (ومهل أهل نجد) حجازأ كان أو يمنًا؛ أي: إحرامهم (من قرن) أي: إحرامهم وإحرام من سلك طريقهم من قرن، وهو أقرب المواقيت إلى مكة (ومهل أهل المشرق) أي: إهلال أهل المشرق والعراق (من ذات عرق) أي: من موضع يسمى بذلك، سمي به؛ لأن به عرقًا؛ والعرق - بكسر العين وسكون الراء -: الجبل الصغير، وقيل: العرق من الأرض: السبخة تنبت الطرفاء، بينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلًا. انتهى "قسطلاني".
(ثم أقبل) رسول الله ﷺ (بوجهه) الشريف اللأفق) الشرقي (ثم قال) رسول الله ﷺ : (اللهم؛ أقبل) ووجه (بقلوبهم) وقلِّبها إلى الإسلام فيسلموا؛ لأن أهل المشرق لم يدخلوا وقتئذ في الإسلام؛ لأن فيهم مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وغيرهما ممن يدعي النبوة؛ كسجاح.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه بهذا الطريق، ولكن أصله في "الصحيحين" من حديث ابن عباس وابن عمر.
فدرجته: أنه صحيح بما قبله وبما في "الصحيحين" من حديث ابن عباس وغيره، وسنده ضعيف؛ لما مر، فالحديث: صحيح المتن، ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به.
ملحقة
قوله في الترجمة: (باب مواقيت أهل الآفاق) والمواقيت جمع ميقات
стр. 8180
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
- مفعال -: من الوقت المحدد، واستعير هنا للمكان اتساعًا، وأصله مِوْقات، قلبت الواو ياء؛ لوقوعها بعد كسرة ميقات.
والآفاق جمع أفق؛ وهو نواحي الأرض وأرجاؤها؛ والمراد به هنا: ما سوى مواطن حاضري المسجد الحرام من جميع الأرض شرقًا وغربًا جَنوبًا وشمالًا؛ وحاضر المسجد: من كان من الحرم دون مرحلتين.
واعلم: أنه قد لزم شرعًا تقديم الإحرام للآفاقي على وصوله إلى البيت؛ تعظيمًا للبيت وإجلالًا له؛ كما تراه في الشاهد من ترجل الراكب القاصد إلى عظيم من الخلق إذا قرب من ساحته؛ خضوعًا له، فلذا لزم القاصد إلى بيت الله تعالى أن يحرم قبل الحلول بحضرته؛ إجلالًا له، وإن في الإحرام تشبهًا بالأموات، وفي ضمنِ جعلِ نفسه كالميت سلبُ اختياره وإلقاء قياده متخليًا عن نفسه، فارغًا عن اعتبارها شيىًا من الأشياء. انتهى من "الإرشاد على البخاري".
قال الشيخ الدهلوي: والحكمة في شرعية المواقيت أنه لما كان الإتيان إلى مكة شعثًا تفلًا تاركًا لغلواء نفسه مطلوبًا، وكان في تكليف الإنسان أن يحرم من بلده حرج ظاهر؛ فإن منهم من يكون قطره على مسيرة شهر أو شهرين فأكثر .. وجب أن يخص أمكنة معلومة حول مكة يحرمون منها، ولا يؤخرون الإحرام بعدها، ولا بد أن تكون تلك المواضع مشهورة لا تخفى على أحد، وعليها مرور أهل الآفاق، فاسْتَقْرأَ ذلك، وحكمَ بهذه المواضع، واختار لأهل المدينة أَبْعَدَ المواقيت؛ لأنها مهبطُ الوحي، ومَأْرَزُ الإيمان، ودارُ الهجرة، وأولُ قرية آمنت بالله ورسوله، فأهلها أحق بأن يُبالِغُوا في إعلاء كلمة الله، وأن يخصُّوا بزيادة طاعة الله تعالى؛ فهي أقرب الأقطار التي آمنت في زمان
стр. 8181
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رسول الله ﷺ وأخلصت إيمانها، بخلاف جُوَاثى والطاىفِ ويمامةَ وغيرها، فلا حرج عليها. انتهى "فتح الملهم".
ثم اعلم: أن الميقات المكاني يختلف باختلاف الناس؛ فإنهم ثلاثة أصناف:
١ - آفاقيٌّ.
٢ - وحِطِّيٌّ؛ أي: من كان داخل المواقيت.
٣ - وحرَمِيٌّ؛ وهو من كان داخل الحرم المكي؛ كما هو مفصل في كتب الفروع.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8182
(١٤) - (١٠٢١) - بَابُ الْإِحْرَامِ
(٣٥) - ٢٨٧١ - (١) حَدَّثَنَا مُحْرِزُ بْنُ سَلَمَةَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ
===
(١٤) - (١٠٢١) - (باب الإحرام)
(٣٥) - ٢٨٧١ - (١) (حدثنا محرز) بسكون المهملة وكسر الراء بعدها زاي (ابن سلمة العدني) ثم المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومىتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) الجهني مولاهم المدني، صدوق، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومىة. يروي عنه: (ع).
(حدثني عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ كان إذا أدخل) وحط (رجله) أي: قدمه (في الغرز) - بفتح الغين المعجمة ثم راء ساكنة بعدها زاي - وهو ركاب كور البعير إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو الكور مطلقًا؛ كالركاب للسرج.
قال الزمخشري في المقالة الأولى من نصائحه الصغار بعدما ساق الكلام في
стр. 8183
واسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ .. أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ.
===
أُبُوَّةِ العِلْمِ وأُمومَةِ التقوى: فَأحرزْ نَفْسَك في حِرْزِهما، واشدُدْ يدَيْك بغَرْزِهما.
(واستوت) أي: قامت (به راحلته) أي: ناقته (أهل) أي: رفع صوته بالتلبية؛ أي: بدأ تلبيته (من عند مسجد ذي الحليفة) والراحلة: هي المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى.
قال العيني: في الحديث بيان وقت الإهلال، واختلف فيه: فعند البعض الأفضل أن يهل لاستقبال ذي الحجة، وعند الشافعي الأفضل أن يحرم إذا انبعثت به راحلته، وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: يحرم عقب الصلاة، وهو جالس قبل ركوب دابته، وقبل قيامه، والخلاف في الاستحباب، وكل منها جائز بالإجماع. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ (١)، ومسلم في كتاب الحج، باب الإهلال من حيث تنبعث الراحلة، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب في وقت الإحرام مطولًا، والنسائي في كتاب المناسك باب العمل في الإهلال، ومالك في "الموطأ"، في كتاب المناسك، باب العمل في الإهلال، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 8184
(٣٦) - ٢٨٧٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ قَالَا: حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ،
===
(٣٦) - ٢٨٧٢ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو الأموي العثماني مولاهم (الدمشقي) لقبه دحيم - مصغرًا - ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومىتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ دس ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(وعمر بن عبد الواحد) بن قيس السلمي الدمشقي، ثقة، من التاسعة، مات سنة مىتين (٢٠٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (د س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أيوب بن موسى) بن عمرو بن سعيد بن العاص أبي موسى المكي الأموي، ثقة، من السادسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عبيد بن عمير) - بالتصغير فيهما - الليثي المكي، ثقة، من الثالثة، استشهد غازيًا سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ثابت) بن أسلم (البناني) - بضم الموحدة ونونين - أبي محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة بضع وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8185
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنِّي عِنْدَ ثَفِنَاتِ نَاقَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ عِنْدَ الشَّجَرَة، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ قَائِمَةً .. قَالَ: "لَبَّيْكَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ مَعًا"؛ وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ.
===
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) أنس: (إني) كنت (عند ثفنات ناقة رسول الله ﷺ حالة كونه ﷺ (عند الشجرة) أي: شجرة ذي الحليفة.
والثفنات: جمع ثفنة - بمثلثة مفتوحة وفاء مكسورة ونون - وهي ما ولي الأرض من كل ذات أربع إذا بركت؛ كالركبتين؛ وهما العظمان بين الساق والفخذ، ويحصل فيه غلظ من أثر البروك.
(فلما استوت) ونهضت (به) ﷺ ناقته، حالة كونها (قاىمة) أي: مستوية مستقيمة منتصبة في القيام .. (قال) رسول الله ﷺ : (لبيك) أي: أجبت لك يا إلهي (بعمرة وحجة) حالة كونهما (معًا) أي: جميعًا؛ أي: مجتمعين متقارنين (وذلك) المذكور من تلبيته بحجة وعمرة (في حجة الوداع).
والحديث يدل على أنه ﷺ كان قارنًا، وهو الصحيح في نسكه ﷺ .
وفي رواية الشيخين: (يلبي بالحج والعمرة جميعًا، يقول: لبيك عمرة وحجًّا)، وهو من أدلة القاىلين بأن حجه ﷺ كان قرانًا، وقد رواه عن أنس جماعة من التابعين؛ منهم: الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني وعبد العزيز بن صهيب، وغيرهم، قال الترمذي: وفي الباب عن عمر بن
стр. 8186
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الخطاب قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربي، فقال: صل في هذا الوادي المبارك، وقل: عمرة في حجة" أخرجه أحمد والبخاري وأبو داوود وابن ماجه.
وفي رواية للبخاري: (وقل: عمرة وحجة) وفي الباب أيضًا عن عمران بن حصين أخرجه مسلم، وفي الباب أيضًا عن ابن عمر عند الشيخين، وعن عائشة عندهما أيضًا، وعن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. انتهى من "تحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب مختصرًا، ومسلم في كتاب الحج، باب في الإفراد والقران، باب إهلال النبي ﷺ وهديه، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب في الإقران مختصرًا، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الجمع بين الحج والعمرة، والنسائي في كتاب المناسك، ، باب القران، وأحمد في "المسند"، وابن خزيمة.
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاشهاد.
والله أعلم
стр. 8187
(١٥) - (١٠٢٢) - بَابُ التَّلْبِيَةِ
(٣٧) - ٢٨٧٣ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ
===
(١٥) - (١٠٢٢) - (باب التلبية)
والتلبية: هي مصدر لبى؛ أي: قال: لبيك، ولا يكونُ عَامِلُهُ إلا مضمرًا؛ أي: ألببت يا رب بخدمتك إلبابًا بعد إلباب؛ من ألب المقام: أقام به؛ أي: أقمت على طاعتك إقامةً بعد إقامة، وقيل: أجبت دعوتك إجابةً بعد إجابة؛ والمراد بالتثنية: التكثير؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ (١)؛ أي: كرةً بعد كرة، وحذف الزوائد؛ للتخفيف، وحذف النون؛ للإضافة، قاله القاري.
وقال الحافظ في "الفتح": وعن الفراء: هو منصوب على المصدر، وأصله لبًّا لك، فثني على التأكيد؛ أي: إلبابًا بعد إلباب، وهذه التثنية ليست حقيقيةً، بل هي للتَّكْثيرِ أو المبالغةِ؛ ومعناه: إجابة بعد إجابة، أو إجابة لازمة.
وقيل معنى لبيك: اتجاهي وقصدي إليك؛ مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك؛ أي: تواجهها، وقيل معناه: أنا مقيم على طاعتك؛ من قولهم: لب الرجل بالمكان؛ إذا أقام، وقيل معناه: قربًا منك؛ من الإلباب؛ وهو القرب، والأول أظهر وأشهر؛ لأن المحرم مستجيب لدعاء الله إياه حج بيته، ولذا من دعي، فقال: لبيك .. فقد استجاب. انتهى "تحفة" باختصار.
* * *
(٣٧) - ٢٨٧٣ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من
стр. 8188
وَأَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَلَقَّفْتُ التَّلْبِيَةَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ
===
التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو أسامة) حمادُ بن أُسَامَةَ الكوفي الهاشمي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومىتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعبد الله بن نمير) الهمداني، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
كلهم رووا (عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى بن عمر.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (تلقفت) أي: أخذت (التلبية) في النسك؛ أي: أخذت صيغتها (من) فم (رسول الله ﷺ وهو) ﷺ (يقول) أي: والحال أنه ﷺ يقول في تلبيته: البيك اللهم) أي: أجبت لك يا إلهي إجابةً بعد إجابة إلى ما دعوتنا إليه، وروى ابن أبي حاتم من طريق قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: لما فرغ إبراهيم ﵇ من بناء البيت .. قيل له: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ (١)، قال: رب؛ وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ،
стр. 8189
لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ
===
فصعد إبراهيم جبل الرحمة في عرفة؛ كما في القرطبي، فنادى: يا أيها الناس؛ كتب الله عليكم الحج إلى البيت العتيق، فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترون الناس يجيىون إليه من أقصى الأرض يلبون.
ومن طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، وفيه: فأجابوه من أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن، فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة، إلا من كان أجاب إبراهيم ﵇ يومئذ.
زاد غيره: فمن لبى مرة .. حج مرة، ومن لبى مرتين .. حج مرتين، ومن لبى أكثر .. حج أكثر بقدر تلبيته، وقد وقع في المرفوع تكرير لفظة: البيك لبيك لا شريك لك لبيك) ثلاث مرات، وكذا في الموقوف، إلا أن في المرفوع الفصل بين الأولى والثانية بقوله: (اللهم) وقد نقل اتفاق الأدباء على أن التكرير اللفظي لا يزاد على ثلاث مرات.
(إن الحمد) روي بكسر الهمزة على الاستىناف؛ كأنه لما قال: لبيك .. استأنف كلامًا آخر، فقال: إن الحمد، وبالفتح على التعليل؛ كأنه قال: أجبتك؛ لأن الحمد والنعمة لك، والكسر أجود عند الجمهور، وحكاه الزمخشري عن أبي حنيفة، وابن قدامة عن أحمد بن حنبل، وابن عبد البر عن اختيار أهل العربية؛ لأنه يقتضي أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة، فكأنه قال: إن الحمد والنعمة لك على كل حال، والفتح يقتضي التعليل، فكأنه قال: أجبتك؛ لأن الحمد والنعمة لك.
(والنعمة لك) - بكسر النون -: الإحسان والمنة، وهي بالنصب على الأشهر عطفًا على الحمد، ويجوز الرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ لدلالة خبر إن عليه؛ تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك.
стр. 8190
وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ"، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
===
(والملك) بضم الميم وبالنصب عطفًا على اسم إن، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف؛ تقديره: والملك كذلك واستحسن الوقف عليه؛ لئلا يتوهم أن ما بعده خبره، كذا في "شرح اللباب"، ونقل بعضهم: أنه مستحب عند الأئمة الأربعة.
(لا شريك لك) في الملك، يقف عليه الملبي، قال في "اللباب وشرحه": ويستحب أن يرفع صوته بالتلبية، ثم يخفضه ويصلي على النبي ﷺ ، ثم يدعو بما شاء، ومن المأثور: (اللهم؛ إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من غضبك والنار).
وفيه أيضًا: وتكرارها سنة في المجلس الأول، وكذا في غيره، وعند تغير الحالات مستحب مؤكدًا، والإكثار مطلقًا مندوب، ويستحب أن يكررها كلما شرع فيها ثلاثًا على الولاء ولا يقطعها بكلام آخر.
قال الدِّهلوي: وإنما اختار هذه الصيغة في التلبية؛ لأنها تعبيرٌ عن قيامه بطاعة مولاه وتذكر له ذلك، وكان أهل الجاهلية يعظمون شركاءهم، فأدخل النبي ﷺ : "لا شريك لك" ردًّا على هؤلاء، وتمييزاَّ للمسلمين منهم. انتهى "فتح الملهم".
(قال) نافع بالسند السابق: (وكان ابن عمر) دائمًا (يزيد فيها) أي: على هذه التلبية التي سمعها من رسول الله ﷺ كلمات أخر؛ وهي قوله: (لبيك لبيك لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل).
قوله: (وسعديك) أي: أسعدني على طاعتك إسعادًا بعد إسعاد، فهو على
стр. 8191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذا مصدر مضاف إلى فاعله، ويحتمل أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول.
والمعنى: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، وقيل المعنى: مساعدة على طاعتك بعد مساعدة، أو أطيعك إطاعةً بعد إطاعة، وفي "القاموس": (سُبحانه وسُعْدَانه) أي: أسبحه وأطيعه. انتهى.
ولا يذكر (سعديك) إلا بعد (لبيك)، فيكون له توكيدًا لفظيًّا بالمرادف، (والخير) أي: كله دينيةً أو دنيويةً ظاهريةً أو باطنية (بيديك) المقدستين عما لا يليق بهما، ويحتمل أن هذا من باب الاكتفاء، وإلا .. فالأمر كله لله بقدره وقضائه، أو من باب حسن الأدب في الإضافة والنسب؛ كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ (١)، ومن هنا ورد: (والشر ليس إليك) أي: لا ينسب إليك أدبًا، قاله القاري. انتهى "فتح الملهم".
(لبيك والرغباء إليك) بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر؛ كالعلاء والعلا، وبالفتح مع القصر؛ ومعناه: الطلب والمسألة؛ يعني: أنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه، فبيده جميع الأمور (والعمل) له ؛ لأنه المستحق للعبادة وحده، قال النووي: ومعناه هنا: الطلب والمسألة والرغبة إلى من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل المستحق للعبادة. انتهى كلامه.
وقال ملا علي: والأظهر أن التقدير: والعمل لك؛ أي: لوجهك ورضاك، أو العمل بك؛ أي: بأمرك وتوفيقك، أو المعنى: أمر العمل راجع إليك في الرد والقبول، ونسبة هذا الأثر إلى ابن عمر انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وفي رواية سالم عن أبيه عن عمر رضي الله تعالى عنه، وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله ﷺ من
стр. 8192
(٣٨) - ٢٨٧٤ - (٢) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ،
===
هؤلاء الكلمات، ويقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل) فعرف من هذا أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، ولم يقله من عند نفسه، واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك. انتهى من "العون".
فإن قلت: اللائق بورعه وكثرة اتباعه السنة ألا يزيد على تلبية رسول الله ﷺ ؟
قلت: رأى أن الزيادة على النَّقْصِ ليست نسخًا، وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره، فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية رسول الله ﷺ ، أو فهم عدم القصر على تلك الكلمات، وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل، واقتصار رسول الله ﷺ بيان لأقل ما يكفي. انتهى من "الأبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب التلبية، ومسلم في كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب كيفية التلبية، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في التلبية، والنسائي في كتاب الحج، باب كيفية التلبية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث جابر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٨) - ٢٨٧٤ - (٢) (حدثنا زيد بن أخزم) - بمعجمتين - الطائي النبهاني أبو طالب البصري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، استشهد في حادثة
стр. 8193
حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ".
===
الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومىتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا مؤمل) بهمزة على وزن محمد (ابن إسماعيل) البصري أبو عبد الرحمن نزيل مكة، صدوق سيئ الحفظ، من صغار التاسعة، مات سنة ست ومىتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر) الصادق (ابن محمد) الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مؤمل بن إسماعيل وكان سيئ الحفظ.
(قال) جابر: (كانت تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) تقدم في الحديث الذي قبله البحث عن معاني التلبية، فراجعه.
стр. 8194
(٣٩) - ٢٨٧٥ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْل، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب التلبية ومسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ، وأبو داوود في كتاب المناسك باب كيفية التلبية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
تم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٩) - ٢٨٧٥ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون المدني نزيل بغداد، ثقة فقيه مصنف، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا الحديث من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8195
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي تَلْبِيَتِهِ: "لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ".
(٤٠) - ٢٨٧٦ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ
===
(أن رسول الله ﷺ قال في تلبيته: لبيك إله الحق لبيك ... ) إلى آخرها.
والمراد: أنه أتى في هذه الرواية بدل الكلمة الثانية من كلمات التلبية الثلاث بلفظة: (إله الحق) أي: أجبت لك يا إلهأ عُبِدَ بالحق لا بالباطل، أو يا خالق الحق، أو يا مشرع الدين الحق لعباده لا الدين الباطل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النساىي في كتاب المناسك، باب كيفية التلبية.
فدرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٠) - ٢٨٧٦ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومىتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخلِّط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا عمارة بن غزية) - بفتح المعجمة وكسر الزاي بعدها تحتانية