. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
هذا مصدر مضاف إلى فاعله، ويحتمل أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول.
والمعنى: أسعدك بالإجابة إسعادًا بعد إسعاد، وقيل المعنى: مساعدة على طاعتك بعد مساعدة، أو أطيعك إطاعةً بعد إطاعة، وفي "القاموس": (سُبحانه وسُعْدَانه) أي: أسبحه وأطيعه. انتهى.
ولا يذكر (سعديك) إلا بعد (لبيك)، فيكون له توكيدًا لفظيًّا بالمرادف، (والخير) أي: كله دينيةً أو دنيويةً ظاهريةً أو باطنية (بيديك) المقدستين عما لا يليق بهما، ويحتمل أن هذا من باب الاكتفاء، وإلا .. فالأمر كله لله بقدره وقضائه، أو من باب حسن الأدب في الإضافة والنسب؛ كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ (١)، ومن هنا ورد: (والشر ليس إليك) أي: لا ينسب إليك أدبًا، قاله القاري. انتهى "فتح الملهم".
(لبيك والرغباء إليك) بفتح الراء والمد وبضمها مع القصر؛ كالعلاء والعلا، وبالفتح مع القصر؛ ومعناه: الطلب والمسألة؛ يعني: أنه تعالى هو المطلوب المسؤول منه، فبيده جميع الأمور (والعمل) له ؛ لأنه المستحق للعبادة وحده، قال النووي: ومعناه هنا: الطلب والمسألة والرغبة إلى من بيده الخير، وهو المقصود بالعمل المستحق للعبادة. انتهى كلامه.
وقال ملا علي: والأظهر أن التقدير: والعمل لك؛ أي: لوجهك ورضاك، أو العمل بك؛ أي: بأمرك وتوفيقك، أو المعنى: أمر العمل راجع إليك في الرد والقبول، ونسبة هذا الأثر إلى ابن عمر انفرد به الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وفي رواية سالم عن أبيه عن عمر رضي الله تعالى عنه، وكان عبد الله بن عمر يقول: كان عمر بن الخطاب يهل بإهلال رسول الله ﷺ من
стр. 8192
(٣٨) - ٢٨٧٤ - (٢) حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَخْزَمَ،
===
هؤلاء الكلمات، ويقول: (لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك، لبيك والرغباء إليك والعمل) فعرف من هذا أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه، ولم يقله من عند نفسه، واستدل به على استحباب الزيادة على ما ورد عن النبي ﷺ في ذلك. انتهى من "العون".
فإن قلت: اللائق بورعه وكثرة اتباعه السنة ألا يزيد على تلبية رسول الله ﷺ ؟
قلت: رأى أن الزيادة على النَّقْصِ ليست نسخًا، وأن الشيء وحده كذلك هو مع غيره، فزيادته لا تمنع من إتيانه بتلبية رسول الله ﷺ ، أو فهم عدم القصر على تلك الكلمات، وأن الثواب يتضاعف بكثرة العمل، واقتصار رسول الله ﷺ بيان لأقل ما يكفي. انتهى من "الأبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب التلبية، ومسلم في كتاب الحج، باب التلبية وصفتها ووقتها، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب كيفية التلبية، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في التلبية، والنسائي في كتاب الحج، باب كيفية التلبية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث جابر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٨) - ٢٨٧٤ - (٢) (حدثنا زيد بن أخزم) - بمعجمتين - الطائي النبهاني أبو طالب البصري، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، استشهد في حادثة
стр. 8193
حَدَّثَنَا مُؤَمَّلُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَتْ تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ".
===
الزنج بالبصرة سنة سبع وخمسين ومىتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا مؤمل) بهمزة على وزن محمد (ابن إسماعيل) البصري أبو عبد الرحمن نزيل مكة، صدوق سيئ الحفظ، من صغار التاسعة، مات سنة ست ومىتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر) الصادق (ابن محمد) الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مؤمل بن إسماعيل وكان سيئ الحفظ.
(قال) جابر: (كانت تلبية رسول الله ﷺ : لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) تقدم في الحديث الذي قبله البحث عن معاني التلبية، فراجعه.
стр. 8194
(٣٩) - ٢٨٧٥ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْل، عَنِ الْأَعْرَج، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب التلبية ومسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ، وأبو داوود في كتاب المناسك باب كيفية التلبية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
تم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٩) - ٢٨٧٥ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالا: حدثنا وكيع، حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة) الماجشون المدني نزيل بغداد، ثقة فقيه مصنف، من السابعة، مات سنة أربع وستين ومئة (١٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن الفضل) بن العباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز الهاشمي مولاهم المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا الحديث من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8195
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ فِي تَلْبِيَتِهِ: "لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ".
(٤٠) - ٢٨٧٦ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ
===
(أن رسول الله ﷺ قال في تلبيته: لبيك إله الحق لبيك ... ) إلى آخرها.
والمراد: أنه أتى في هذه الرواية بدل الكلمة الثانية من كلمات التلبية الثلاث بلفظة: (إله الحق) أي: أجبت لك يا إلهأ عُبِدَ بالحق لا بالباطل، أو يا خالق الحق، أو يا مشرع الدين الحق لعباده لا الدين الباطل.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النساىي في كتاب المناسك، باب كيفية التلبية.
فدرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٠) - ٢٨٧٦ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومىتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مُخلِّط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا عمارة بن غزية) - بفتح المعجمة وكسر الزاي بعدها تحتانية
стр. 8196
الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ مُلَبٍّ يُلَبِّي .. إِلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ؛ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ؛
===
مشددة - ابن الحارث (الأنصاري) المازني المدني، لا بأس به، ورِوَايَتُهُ عن أنس مرسلة، من السادسة، مات سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي حازم) سلمة بن دينار الأعرج التمار المدني القاصّ مولى الأسود بن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور. يروي عنه: (ع).
(عن سهل بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي (الساعدي) أبي العباس، له ولأبيه صحبة رضي الله تعالى عنهما، مشهور، مات سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ)، وقيل بعدها، وقد جاوز المئة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه إسماعيل بن عياش، وهو مخلط فيما روى عن غير أهل بلده، وشيخه هنا وهو عمارة مدني، وعمارة أيضًا لا بأس به؛ فليس من أهل الصدق والحفظ، ولكن وَثَّقَ عُمارةَ محمدُ بن سعد وابن حبان والعجلي، وأما إسماعيل بن عياش .. فقد تابعه في الرواية عن عمارة عبيد - مكبرًا - بن حميد - مصغرًا - فحكم السند حينئذ: الصحة.
(عن رسول الله ﷺ أنه (قال: ما من ملب يلبي) أيًّا كان .. (إلا لبى ما عن يمينه وشماله) وقدامه وورائه، وجميع جهاته، و (ما) هنا موصولة، وقوله: (من حجر أو شجر أو مدر) (من) فيه بيانية ر (ما) الموصولة، ولفظ الترمذي: (إلا لبى من عن يمينه) بـ (من) التي للعاقل.
وقال الطيبي فيه: لما نسبت التلبية إلى هذه الأشياء مع أنها غير عاقلة ..
стр. 8197
حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا".
===
عبر عنها بما يعبر به عن العقلاء؛ وهو (من) الموصولة، وحقها أن يعبر عنها بـ (ما) الموصولة؛ لأنها من غير العقلاء؛ والمدر: هو الطين المتحجر.
(حتى تنقطع الأرض من ها هنا) أي: من جهة المشرق (و) من (ها هنا) أي: من جهة المغرب، والغاية محذوفة؛ أي: إلى منتهى الأرض، كذا في "اللمعات". انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ كما مرآنفًا مع التفصيل فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
قال السندي: فإن قلت: أي فائدة للمسلم في تلبية الأحجار وغيره مع تلبيته؟
قلت: اتباعها إياه في هذا الذكر دليل على فضيلته وشرفه ومكانته عند الله؛ إذ ليس اتباعها له في هذا الذكر إلا لذلك، على أنه يجوز أن يكتب له أجر بذكر هذه الأشياء؛ لما أن هذه الأشياء صدر منها الذكر تبعًا .. صار المؤمن بالذكر كأنه دال على الخير، والدال على الشيء؛ كفاعله في الأجر والوزر. انتهى منه، والله أعلم.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8198
(١٦) - (١٠٢٣) - بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ
(٤١) - ٢٨٧٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، حَدَّثَهُ عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِب، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي
===
(١٦) - (١٠٢٣) - (باب رفع الصوت بالتلبية)
(٤١) - ٢٨٧٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الله بن أبي بكر) بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، صدوق، من السادسة. يروي عنه: (س ق).
(عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام) المخزومي المدني، ثقة، من الخامسة، مات في أول خلافة هشام. يروي عنه: (ع).
(حدثه) أي: حدث عبدُ الملك عبدَ الله بن أبي بكر (عن خلاد بن السائب) بن خلاد بن سويد الأنصاري الخزرجي، ثقة، من الثالثة، ووهم من قال: إنه صحابي. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) الساىب بن خلاد بن سويد الخزرجي أبي سهلة المدني، له صحبة رضي الله تعالى عنه، وعمل لعمر على اليمن، ومات سنة إحدى وسبعين (٧١ هـ). يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن النبي ﷺ قال: أتاني جبريل) الأمين ﵇ (فأمرني) أمر إيجاب؛ لأن تبليغ الشرائع واجب عليه؛ أي: أمرني جبريل أمر
стр. 8199
أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ".
===
إيجاب بـ (أن آمر أصحابي) أمر ندب عند الجمهور، وأمر وجوب عند الظاهرية بـ (أن يرفعوا أصواتهم) إظهارًا لشعار الإحرام وتعليمًا للجاهل ما يستحب له في ذلك المقام (بالإهلال) أريد به التلبية على سبيل التجريد البياني وأصله رفع الصوت بالتلبية. انتهى من "سندي"
والحديث استدل به على استحباب رفع الصوت بالتلبية للرجل؛ بحيث لا يضر نفسه، وبه قال ابن رسلان.
وخرج بقوله: "أصحابي" النساء؛ فإن المرأة لا تجهر بها، بل تقتصر على إسماع نفسها، وذهب داوود إلى أن رفع الصوت واجب، قال الشوكاني: وهو ظاهر قوله "فأمرني أن آمر أصحابي" لا سيما وأفعال الحج وأقواله بيان لمجمل واجب هو قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١).
وقوله ﷺ : (خذوا عني مناسككم).
قال الخطابي: يحتج به من يرى أن التلبية واجبة، وهو قول أبي حنيفة، وقال: من لم يلب .. لزمه دم، ولا شيء عند الشافعي على من لم يلب. انتهى من "العون".
وفي "التحفة": والحديث يدل على استحباب رفع الصوت بالتلبية، وهو قول الجمهور، وروى البخاري في "صحيحه" عن أنس قال: صلى النبي ﷺ بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا.
وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن بكر بن عبد الله المزني قال: كنت مع ابن عمر، فلبى حتى أسمع ما بين الجبلين.
стр. 8200
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأخرج ايضًا بإسناد صحيح من طريق المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم، كذا في "فتح الباري".
قال ابن الهمام: رفع الصوت بالتلبية سنة، فإن تركه .. كان مسيىًا، ولا شيء عليه ولا يبالغ فيه فيجهد نفسه كيلا يتضرر، ثم قال: ولا يخفى أنه لا منافاة بين قولنا: (ولا يجهد نفسه بالمبالغة في رفع الصوت) وبين الأدلة الدالة على استحباب رفع الصوت بشدة؛ إذ لا تلازم بين ذلك وبين الإجهاد؛ إذ قد يكون الرجل جهوري الصوت عاليةً طبعًا، فيحصل الرفع العالي مع عدم تعبه به. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحج المناسك، باب كيفية التلبية، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في رفع الصوت بالتلبية، قال: وفي الباب عن زيد بن خالد وأبي هريرة وابن عباس، قال أبو عيسى: حديث خلاد بن السائب عن أبيه حديث حسن صحيح، وروى بعضهم هذا الحديث عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد عن النبي ﷺ ولا يصح، والصحيح: هو عن خلاد بن السائب عن أبيه؛ وهو خلاد بن السائب بن خلاد بن سويد الأنصاري عن أبيه، والنسائي في كتاب الحج، باب رفع الصوت بالإهلال، والدارمي ومالك.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 8201
(٤٢) - ٢٨٧٨ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ، عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْطَبٍ، عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِب، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ؛ مُرْ أَصْحَابَكَ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث السائب بن خلاد بحديث زيد بن خالد رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٢) - ٢٨٧٨ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومىتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع، حدثنا سفيان) الثوري.
(عن عبد الله بن أبي لبيد) - بفتح اللام - المدني أبي المغيرة نزيل الكوفة، ثقة رمي بالقدر، من السادسة، مات في أول خلافة أبي جعفر سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب) بن الحارث المخزومي، صدوق كثير التدليس والإرسال، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(عن خلاد بن السائب) بن خلاد الأنصاري الخزرجي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن زيد بن خالد الجهني) المدني الصحابي المشهور، مات بالمدينة، وقيل: بالكوفة سنة ثمان وستين أو وسبعين (٧٨ هـ) رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) زيد: (قال رسول الله ﷺ : جاءني جبريل) الأمين ﵇ (فقال: يا محمد؛ مر أصحابك) برفع الصوت في التلبية
стр. 8202
فَلْيَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ".
(٤٣) - ٢٨٧٩ - (٣) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَيَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ
===
(فليرفعوا أصواتهم بالتلبية؛ فإنها) أي: فإن التلبية (من شعار الحج) وعلاماته، فينبغي رفعها؛ ليظهر الحج بين الناس؛ كما أن التكبير من شعار العيد، فينبغي رفعه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه البيهقي في "سننه الكبرى" عن الحاكم في "المستدرك" في كتاب المناسك، وابن خزيمة وابن حبان في "صحيحيهما" من هذا الوجه.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شاهدًا؛ كما ذكرناه آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث السائب بن خلاد، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث الساىب بن خلاد بحديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٣) - ٢٨٧٩ - (٣) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي (الحزامي) - بالزاي - صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومئتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(ويعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومىتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 8203
قَالَا: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَرْبُوعٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ
===
كلاهما (قالا: حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) - بالفاء مصغرًا - واسمه: دينار الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن الضحاك بن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي - بكسر أوله وبالزاي - أبي عثمان المدني، صدوق يهم، من السابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن يربوع) المخزومي (كذا وقع عندهما) قال الدارقطني: صوابه: عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي أبي محمد المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (دت ق).
(عن أبي بكر الصديق) عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي، خليفة رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنه، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة (١٣ هـ)، وله ثلاث وستون سنة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، ولكن اختلف في هذا السند هل هو متصل أو منقطع؟ لأن محمد بن المنكدر لم يسمع من عبد الرحمن، بل إنما روى عن سعيد بن عبد الرحمن بن يربوع عن أبيه عن النبي ﷺ ، وقد أسقط
стр. 8204
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ".
===
سعيدًا من بين عبد الرحمن وابن المنكدر، والصحيح أنه متصل.
(أن رسول الله ﷺ سىل) - بضم السين - ولم أر من ذكر اسم هذا السائل: (أي الأعمال) الصالحة بدنيتها وعمليتها وماليتها (أفضل؟ ) أي: أكثر ثوابًا وأجرًا.
وفي رواية الترمذي: (أي الحج) أي: أي أعماله، أو أي خصاله بعد أركانه (أفضل؟ ) أي: أكثر أجرًا وثوابًا (قال) رسول الله ﷺ أفضلها: (العج) أي: رفع الصوت بالتلبية (والثج) أي: إراقة دماء الهدي، وقيل: دماء الأضاحي، وقد مر تفسيره مبسوطًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في فضل التلبية والنحر.
فدرجة الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8205
(١٧) - (١٠٢٤) - بَابُ الظِّلَالِ لِلْمُحْرِمِ
(٤٤) - ٢٨٨٠ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحِ قَالُوا: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُبَيْدِ الله،
===
(١٧) - (١٠٢٤) - (باب الظلال للمحرم)
(٤٤) - ٢٨٨٠ - (١) (حدثنا إبراهيم بن المنذر) بن عبد الله الأسدي (الحزامي) صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وثلاثين ومىتين (٢٣٦ هـ). يروي عنه: (خ ت س ق).
(حدثنا عبد الله بن نافع) الصائغ المخزومي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة صحيح الكتاب، في حفظه لين، من كبار العاشرة، مات سنة ست ومىتين (٢٠٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(وعبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن فليح) - مُصغّرًا - ابن سليمان الأسلمي أو الخزاعي المدني، صدوق يهم، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (خ س ق).
كلهم (قالوا: حدثنا عاصم بن عمر بن حفص) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري أبو عمر المدني، ضعيف، من السابعة، وهو أخو عبيد الله العمري. يروي عنه: (ت ق).
(عن عاصم بن عبيد الله) بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، ضعيف، من الرابعة، مات في أول دولة بني العباس سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (عم).
стр. 8206
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا مِنْ مُحْرِمٍ يَضْحَى لِلَّهِ يَوْمَهُ يُلَبِّي حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ .. إِلَّا غَابَتْ بِذُنُوبِهِ فَعَادَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
===
(عن عبد الله بن عامر بن ربيعة) العنزي حليف بني عدي أبي محمد المدني، ولد على عهد النبي ﷺ ولأبيه صحبة، مشهور، وثقه العجلي، مات سنة بضع وثمانين (٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لضعف عاصم بن عمر وعاصم بن عبيد الله.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : ما من محرم) ومحرمة (يضحى) بفتح الياء والحاء؛ أي: يبرز للشمس الله) أي: لأجل التقرب إلى الله تعالى، يقال: ضحيت - بالفتح والكسر - أضحى؛ إذا برز للشمس، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (١)؛ أي: يبرز للشمس طول (يومه) حالة كونه (يلبي) أي: يذكر الله تعالى بصيغة التلبية؛ أي: يضحى للشمس (حتى تغيب الشمس) وتغرب .. (إلا غابت) وغربت تلك الشمس التي برز لها ملتبسة (بذنوبه) كلها، ماحية مقيلةً لها عنه (فعاد) معطوف على (غابت) أي: فصار طاهرًا نقيًّا من الذنوب (كما ولدته أمه) أي: كما كان ظاهرًا منها حين ولدته أمه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه أحمد في "مسنده" من حديث جابر بن عبد الله أيضًا، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" من طريق عاصم في كتاب الحج، باب من استحب للمحرم أن يَضْحَى للشمس.
стр. 8207
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (٤)(٣٠٢)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 8208
(١٨) - (١٠٢٥) - بَابُ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ
(٤٥) - ٢٨٨١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعًا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِم، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ
===
(١٨) - (١٠٢٥) - (باب الطيب عند الإحرام)
(٤٥) - ٢٨٨١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومىتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري، ثقة ثبت إمام، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
روى كل من سفيان وليث بن سعد، حالة كونهما (جميعًا) أي: مجتمعين على الرواية (عن عبد الرحمن بن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي أبي محمد المدني، ثقة فاضل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن) عمته (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
стр. 8209
أَنَّهَا قَالَتْ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ
===
(أنها قالت) عائشة: (طيبت رسول الله ﷺ أي: جعلت جسده لا ثوبه - كما سيأتي - طيبًا بالطيب الصناعي، زيادةً على طيبه الخِلْقِي (لإحرامه) أي: عند إرادة إحرامه بالنسك (قبل أن يحرم).
فاللام في قوله: (لإحرامه) للتوقيت؛ كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ (١)؛ أي: دلوك الشمس وزوالها، أو للتعليل؛ أي: طيبته لأجل إحرامه؛ أي: لأجل إرادته الإحرام قبل أن يحرم؛ لأنه لا يمكن أن يراد بالإحرام هنا: فعل الإحرام؛ فإن التطيب بالإحرام ممتنع بلا خلاف، وإنما المراد هنا: إرادة الإحرام، وقد دل على ذلك رواية النسائي: (حين أراد الإحرام).
والمراد بقولها: (طيبت): تطييب بدنه، ولا يتناول ذلك تطييب ثيابه، وقد دل على اختصاصه ببدنه الرواية الأخرى التي فيها قولها: (كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله ﷺ .
قال الحافظ: واستدل به على استحباب التطيب عند إرادة الإحرام، وجواز استدامته بعد الإحرام، وأنه لا يضر بقاء لونه وراىحته، وإنما يحرم ابتداؤه في الإحرام، وهو قول الجمهور، وعن مالك يحرم، ولكن لا فدية، وفي رواية عنه تجب، وقال محمد بن الحسن: يكره أن يتطيب قبل الإحرام بما يبقى عينه بعده.
وقوله: (ولحله) - بكسر الحاء - معطوف على قوله: (لإحرامه) أي: وطيبت رسول الله ﷺ لحله؛ أي: بعد تحلله التحلل الأول
стр. 8210
قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ - قَالَ سُفْيَانُ -: بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ.
===
بالرمي والحلق (قبل أن يفيض) أي: قبل أن يطوف طواف الإفاضة، والظرف متعلق بـ (حله).
وفيه دليل على أن التطيب يحل بالتحلل الأول، خلافًا لمن ألحقه بالجماع لاستدعاىه الجماع.
قال السندي: والجمهور قد أخذوا بهذا الحديث، فقالوا باستحباب التطيب قبل الإحرام وإن بَقِي له جِرْمٌ، وكذا قبل الإفاضة. انتهى.
(قال سفيان) بن عيينة؛ أي: زاد في روايته بعد قولها: (طيبت) لفظة: (بيدي هاتين) بتشديد الياء على صيغة المثنى المضاف إلى ياء المتكلم؛ أي: طيبته بيدي هاتين لا بواسطة غيري، ففيه إشعار بتيقنها لتطييبها لرسول الله ﷺ .
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام، باب الطيب بعد رمي الجمار، وفي كتاب اللباس، ومسلم في كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام، وأبو داوود في كتاب المناسك باب الطيب عند الإحرام، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الطيب عند الإحلال قبل الزيَارةِ، والنسائي في كتاب المناسك، باب إباحة الطيب عن الإحلال، والدارمي، ومالك، وأحمد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
стр. 8211
(٤٦) - ٢٨٨٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَاىِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ
===
(٤٦) - ٢٨٨٢ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومىتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، ثقة عارف قارى، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح - مصغرًا - الهمداني الكوفي العطار، مشهور بكنيته، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة مىة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مسروق) بن مالك الهمداني الوادعي أبي عائشة الكوفي، ثقة فقيه عابد مخضرم، من الثانية، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وستين (٦٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (كأني أنظر) الآن (إلى وبيص الطيب) - بفتح الواو وكسر الموحدة بعدها ياء تحتانية ساكنة ثم صاد مهملة - هو البريق واللمعان، وقال الإسماعيلي: وبيص الطيب: تلألؤه؛ وذلك لعين قاىمة لا للريح فقط. انتهى.
وقال في "المصباح": الوبيص مثل البريق وزنًا ومعنىً؛ وهو اللمعان.
стр. 8212
فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُلَبِّي.
===
انتهى، وهذا الطيب الذي ذكرته عائشة كان دهنًا له أثر فيه مسك، وبهذا يجتمع اختلاف الروايات في ذلك. انتهى من "المفهم".
قال الحافظ: قولها: (كأني أنظر) أرادت بذلك قوة تحققها لذلك؛ بحيث إنها لشدة استحضارها كأنها ناظرة إليه الآن. انتهى.
أي: كأني أنظر الآن إلى لمعان الطيب (في مفارق) وأوساط رأس (رسول الله ﷺ وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يلبي) أي: يرفع صوته بالتلبية.
والمفارق: جمع مفرق؛ كمساجد ومسجد، وإنما ذكره بلفظ الجمع مع أن المفرق واحد؛ تعميمًا لساىر جوانب الرأس التي يفرق فيها؛ كأنهم سموا كل موضع منها مفرقًا، والله أعلم.
والمفرق - بفتح الميم وكسر الراء ويجوز فتحها؛ كما بسطنا الكلام عليه في شرحنا "مناهل الرجال على لامية الأفعال" في باب المفعل والمفعل - وهو مكان انقسام الشعر من الجبين إلى دَارةِ وَسَطِ الرَّأْسِ.
وفي "المصباح": المفرق وزان مسجد: وسط الرأس حيث يفرق فيه الشعر. انتهى.
قال السندي: مفرق الرأس: وسطه؛ والمراد به هنا: المواضع التي يفرق منها بعض الشعر عن بعض. انتهى.
وذلك الوبيص من أثر الطيب الذي طيبته قبل الإحرام، وفي رواية مسلم زيادة: (وذلك) الوبيص (طيب إحرامه) أي: أثر طيب طيبته به قبل إحرامه؛ لأن الاستدامة ليست كالبداية؛ لقولهم: يغتفر في الاستدامة ما لا يغتفر في البداية.
стр. 8213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال في "سبل السلام": وفي الحديث دلالة على جواز استدامة الطيب بعد الإحرام، وأنه لا يضر بقاء لونه وريحه، وإنما يحرم ابتداؤه في حال الإحرام، وإلى هذا ذهب جماهير الأمة من الصحابة والتابعين.
وذهب جماعة منهم إلى خلافه، وتكلفوا لهذه الرواية ونحوها بما لا يتم به مدعاهم؛ فإنهم قالوا: إنه ﷺ تطيب ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب، ومنهم من زعم أن ذلك خاص بالنبي ﷺ ، ولا يتم ثبوت الخصوصية إلا بدليل عليها، بل الدليل قائم على خلافها؛ وهو ما ثبت من حديث عائشة: (وكنا ننضح وجوهنا بالطيب المسك قبل أن نحرم فنعرق، فنغسل وجوهنا ونحن مع رسول الله ﷺ ، فلا ينهانا). رواه أبو داوود، وأحمد بلفظ: (وكنا نخرج مع رسول الله ﷺ إلى مكة فنضمخ جِبَاهَنا بالمسك الطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا .. سال على وجهها، فيراه النبي ﷺ فلا ينهانا).
ولا يقال هذا خاص بالنساء؛ لأن الرجال والنساء في الطيب سواء بالإجماع، والطيب يحرم بعد الإحرام لا قبله، وإن دام حاله؛ فإنه كالنكاح؛ لأنه من دواعيه، والنكاح إنما يمنع المحرم من ابتدائه لا من استدامته، فكذلك الطيب، ولأن الطيب من النظافة؛ حيث إنه يقصد به دفع الرائحة الكريهة؛ كما يقصد بالنظافة إزالة ما يجمعه الشعر والظفر من الوسخ، ولذا استحب أن يأخذ قبل الإحرام من شعره وأظفاره؛ لكونه ممنوعًا منه بعد الإحرام وإن بقي أثره بعده.
وأما حديث مسلم في الرجل الذي جاء النبي ﷺ يسأله كيف يصنع في عمرته، وكان الرجل قد أحرم وهو متضمخ بالطيب، فقال صلى الله
стр. 8214
(٤٧) - ٢٨٨٣ - (٣) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ،
===
عليه وسلم: "أما الطيب الذي بك .. فاغسله ثلاث مرات ... " الحديث .. فقد أجيب عنه: بأن هذا السؤال والجواب كانا بالجعرانة في ذي القعدة سنة ثمان، وقد حج النبي ﷺ سنة عشر، واستدام الطيب، وإنما يؤخذ بالآخر من أمره ﷺ ؛ لأنه يكون ناسخًا للأول. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام، وأبو داوود في كتاب المناسك الحج، باب الطيب عند الإحرام.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة الأول بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٤٧) - ٢٨٨٣ - (٣) (حدثنا إسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي، نسيب السدي أو ابن بنته، صدوق يخطئ رمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (دت ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم بالكوفة، صدوق يخطى كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي إسحاق) السبيعي عمرو بن عبد الله بن عبيد الكوفي، ثقة مكثر
стр. 8215
عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفْرِقِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ.
===
عابد من الثالثة، اختلط بأخرة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمرو الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين (٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات بعضهم، وليس فيهم ضعيف لا يكتب حديثه ولا يحتج به.
(قالت) عائشة: (كأني أنظر) الآن (إلى وبيص الطيب) وبريقه ولمعانه (في مفرق) ووسط رأس (رسول الله ﷺ بعد) مضي (ثلاثة) أيام من تطيبه (وهو) أي: والحال أنه (محرم) يلبي لم يتحلل من إحرامه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المناسك، باب موضع الطيب.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8216
(١٩) - (١٠٢٦) - بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ
(٤٨) - ٢٨٨٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : مَا يَلبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟
===
(١٩) - (١٠٢٦) - (باب ما يلبس المحرم من الثياب) وما لا يلبسه منها
* * *
(٤٨) - ٢٨٨٤ - (١) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني الفقيه، صدوق، عابه أبو خيثمة؛ للفتوى بالرأي، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومىتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك بن أنس) الأصبحي المدني إمام الفروع، ثقة ثبت إمام حافظ، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن نافع) مولى ابن عمر أبي عبد الله المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة، ويسمى عندهم بسلسلة الذهب، وهو من أصح الأسانيد.
(أن رجلًا) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه؛ أي: أن رجلًا من المسلمين (سأل النبي ﷺ عن أحكام الحج والعمرة، فقال له في سؤاله: (ما يلبس المحرم) قارنًا كان أو مفردًا أو متمتعًا (من الثياب؟ ) وعند البيهقي أن ذلك وقع والنبي ﷺ يخطب في مقدم مسجد
стр. 8217
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ،
===
المدينة، وفي حديث ابن عباس عند البخاري في أواخر الحج أنه ﷺ خطب بذلك في عرفات، فيحمل على التعدد، ويؤيده أن حديث ابن عمر أجاب به السائل، وحديث ابن عباس ابتدأ به في الخطبة، قاله في "الفتح".
والمحرم - بضم الميم وكسر الراء - اسم فاعل من أحرم الرباعي، والإحرام لغةً: مصدر أحرم الرجل؛ إذا دخل في حرمة لا تنتهك، ورجل حرام؛ أي محرم، كذا في "الصحاح".
وشرعًا: الدخول في حرمات مخصوصة؛ أي: التزامها غير أنه لا يتحقق شرعًا إلا بالنية مع الذكر والخصوصية.
والمراد بالذكر: التلبية ونحوها، وبالخصوصية: ما يقوم مقامها؛ من سوق الهدي وتقليد القلائد، فلا بد من التلبية أو ما يقوم مقامها، فلو نوى ولم يلب أو بالعكس .. لا يصير محرمًا.
وهل يصير محرمًا بالنية والتلبية، أو بأحدهما بشرط الآخر؟
المعتمد ما ذكره الحسام الشهيد أنه بالنية، لكن عند التلبية؛ كما يصير شارعًا في الصلاة بالنية، لكن بشرط التكبير، لا بالتكبير فقط؛ كما في "شرح اللباب" كذا في "رد المحتار". انتهى "فتح الملهم".
(فقال رسول الله ﷺ في جواب السائل: (لا يلبس) المحرم حجًّا كان أو عمرةً (القمص) - بضمتين - جمع قميص؛ كسبيل وسبل، وطريق وطرق؛ وهو الدرع، وذكر ابن الهمام أنهما سواء، إلا أن القميص يكون مجيبًا من قبل الكتف، والدرع من الصدر، قال العيني: في الحديث تحريم لبس القميص على المحرم، ونبه به على كل مخيط من كل معمول على قدرِ البدن أو العضوِ منه؛ وذلك مثلُ الجبة والقفازين. انتهى.
стр. 8218
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي "البحر": أنَّ ضابطَه لُبْسُ كُلِّ شيءٍ معمولٍ على قدرِ البَدَنِ أو بعضِه؛ بحيث يُحيط به خياطةً، أو بِتَلْزيقِ بعضهِ ببعض، أو عَقْدِ خيوطِه بعضِها ببعض؛ كالطاقية والشراريب، ويستمسك عليه بنفس لبسه، فخُصوصُ الخياطةِ غيرُ معتبر، بل لا فرق بين المخيطِ والمنسوجِ؛ كالدروع، والمعقودِ؛ كالشراريب، والمُلزقِ بَعْضُه ببعضٍ؛ كاللبد قطنًا كان أو صوفًا أو شعرًا أو كتانًا أو جلدًا أو حشيشًا منسوجًا أو غير ذلك. انتهى.
قال النووي: قال العلماء: وهذا الجواب الذي أجاب به النبي ﷺ السائل من بديع الكلام وبليغه؛ لأن ما لا يلبس منحصر، فحصل التصريح به في الجواب، وأما الملبوس الجائز .. فغير منحصر، فقال: لا تلبسوا كذا وكذا، وتلبسون ما سواه؛ إذ الأصل الإباحة، ولو عدد له ما يلبس .. لطال به الكلام، بل كان لا يؤمن أن يتمسك بعض السامعين بمفهومه، فيظن اختصاصه بالمحرم، وأيضًا أن المقصود من السؤال: بيان ما يحرم لبسه، لا بيان ما يحل له لبسه؛ لأنه لا يجب له لباس مخصوص، بل عليه أن يتجنب شيئًا مخصوصًا، وفيه إشارة إلى أن حق السؤال أن يكون عما لا يلبس؛ لأنه الحكم العارض في الإحرام المحتاج لبيانه، فالجواز ثابت بالأصل معلوم بالاستصحاب، فكان الأليق السؤال عما لا يلبس.
وقال غيره: وهذا يشبه الأسلوب الحكيم المعلوم عند البلغاء، ويقرب منه قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ الآية (١)، فعدل في الجواب عن بيان جنس المنفق؛ وهو المسؤول عنه، إلى ذكر المنفق عليه؛ لأنه أهم.
قال الدهلوي: والفرق بين المخيط وما في معناه حيث حرم عليه، وبين
стр. 8219
وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَات،
===
غيره حيث أحل له: أن الأول ارتفاق وتجمل وزينة، والثاني ستر عورة.
وترك الأول تواضع له تعالى، وترك الثاني سوء أدب.
(ولا العمائم) - جمع عمامة بكسر العين - وهو ما يكور ويلف على الرأس، سواء كانت له عذبة أم لا، سميت بذلك؛ لأنها تعم جميع الرأس بالتغطية.
قال النووي: ونبه ﷺ بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطًا كان أو غيره، حتى العصابة؛ فإنها حرام، فإن احتاج إليها لجراحة أو صداع أو غيرهما .. شدها، ولزمته الفدية.
قال الخطابي: ذكر العمامة والبرانس معًا؛ ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بالمعتاد ولا بالنادر، قال: ومن النادر المكتل يحمله على رأسه.
قلت: مراده: أن يجعله على رأسه؛ كلبس القبع، ولا يلزم بمجرد وضعه على رأسه؛ كهيئة الحامل لحاجته، ولو انغمس في الماء .. لا يضره؛ فإنه لا يسمى لابسًا، وكذا لو ستر رأسه بيده. انتهى "فتح الملهم".
(ولا السراويلات) جمع سراويل؛ وهو لباس يستر النصف الأسفل من الجسم، قال القاري: قوله: "السراويلات" جمع، أو جمع الجمع. انتهى.
وفي "القاموس": السراويل فارسية معربة، جمعها سراويلات؛ وهي جمع سروال وسروالة، فالسراويلات تكون جمع الجمع حينئذ؛ والسراويل: هو ما يقال في الهندية: (شلوار).
قال الحافظ: وصح أنه ﷺ اشترى رِجْلَ سراويلَ من سويد بن قيس، أخرجه الأربعة وأحمد، وصححه ابن حبان من حديثه، وأخرجه أحمد أيضًا من حديث مالك بن عميرة الأسدي، قال: قدمت قبل مهاجر النبي ﷺ ، فاشترى مني سراويل، فأرجح لي.
стр. 8220
وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ
===
وقال ابن القيم في "الهدي": اشترى رسول الله ﷺ ، والظاهر أنه إنما اشتراه ليلبسه، ثم قال: وروي في حديث أنه لبس السراويل، وكانوا يلبسونه في زمانه وبإذنه. انتهى.
(ولا البرانس) جمع برنس؛ وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به؛ من دراعة أو جبة أو ممطرة أو غيره، وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة كان النساك يلبسونها في صدر الإسلام، وهو من البرس - بكسر الباء - وهو القطن، والنون زائدة، وقيل: إنه غير عربي، كذا في "عمدة القاري".
قال الحافظ: وقد كره بعض السلف لبس البرنس؛ لأنه كان من لباس الرهبان، وقد سئل مالك عنه، فقال: لا بأس به، قيل: فإنه من لبوس النصارى، قال: كان يلبس ها هنا، وقال عبد الله بن أبي بكر: ما كان أحد من القراء إلا له برنس.
وأخرج الطبراني من حديث أبي قرصافة قال: كساني رسول الله ﷺ برنسًا، فقال: "البسه"، وفي سنده من لا يعرف، ولعل من كرهه .. أخذ بعموم حديث علي رفعه: "إياكم ولبوس الرهبان؛ فإنه من تزيا بهم أو تشبه .. فليس مني" أخرجه الطبراني في "الأوسط" بسند لا بأس به.
(ولا الخفاف) - بكسر الخاء المعجمة - جمع الخف الملبوس، وخف البعير جمعه أخفاف، قال النووي: نبه ﷺ بالخفاف على كل ساتر للرجل؛ من مداس وجمجم وجورب وغيرها، وهذا وما قبله كله حكم الرجال.
أما المرأة .. فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر من مخيط وغيره، إلا ستر وجهها؛ فإنه حرام بكل ساتر، وفي ستر يديها بالقفازين خلاف للعلماء، وهما قولان للشافعي، أصحهما تحريمه.
стр. 8221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الغزالي في "الإحياء": وللمرأة أن تلبس كل مخيط، بشرط ألا تستر وجهها بما يُماسُّه؛ فإن إحرامها في وجهها.
قال الزبيدي في "شرحه": أي: إن الوجه في حق المرأة كالرأس في حق الرجل، ويعبر عن ذلك بأن إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها، والأصل في ذلك ما روى البخاري من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين".
قوله: "ولا تنتقب المرأة، ولا تلبس القفازين" والانتقاب: لبس غطاء للوجه، فيه نقبان على العينين، تنظر المرأة منهما.
قال في "الفتح": النقاب: الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المَحَاجِرِ. انتهى قاله الشوكاني.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن المرأة تلبس المخيط والخفاف، ولها أن تغطي رأسها، لا وجهها، فتسدل الثوب سدلًا خفيفًا، تستتر به عن نظر الرجال. انتهى.
قوله: "ولا تلبس القفازين": تثنية القفاز؛ بوزن رمان.
قال في "القاموس": القفاز شيء يعمل لليدين، يحشى بقطن تلبسهما المرأة للبرد، أو ضرب من الحلي لليدين والرجلين.
قال في "الفتح": القفاز - بضم القاف وتشديد الفاء وبعد الألف زاي -: ما تلبسه المرأة في يدها، فيغطي أصابعها وكفيها عند معاناة الشيء؛ كغزل ونحوه، وهو لليد كالخف للرجل.
والنقاب: الخمار الذي يشد على الأنف أو تحت المحاجر؛ والمحاجر: جمع محجر بوزن مجلس؛ ومحجر العين: ما يبدو من النقاب. انتهى من "العون".
стр. 8222
إِلَّا أَلَّا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْن، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْن،
===
ونقل البيهقي عن الحاكم عن أبي علي الحافظ: أن (لا تنتقب المرأة) من قول ابن عمر أدرج في الخبر، وقال صاحب الإمام: هذا يحتاج إلى دليل، وقد حكى ابن المنذر أيضًا: هل هو من قول ابن عمر أو من حديثه، وقد رواه مالك في "الموطأ" عن نافع عن ابن عمر موقوفًا، وله طرق في "البخاري" موصولة ومعلقة. انتهى "فتح الملهم".
قال القاضي عياض: وأجمعوا على المنع من لبس ما ذكر، ونبه بالقميص والسراويل على كل مخيط، وبالعمامة والبرانس على ما يغطي الرأس مخيطًا أو غيره، وبالخفاف على ما يستر الرجل، وهذا المنع في حق الرجال والخطاب لهم، وحكمة المنع ليبعدوا عن الترفه ويتصفوا بصفة الخاشع، وليتذكروا بذلك أنهم محرمون، فيكثروا الذكر، ويبعدوا عن المذام، ويتذكروا الموت بلبسهم شبه الكفن والقيام من القبور حفاة، ولهذا المعنى منع الحاج من النساء والطيب؛ لأن المطلوب البعد عن عرض الدنيا؛ لتخلص نيته فيما خرج إليه لعل الله سبحانه يناله برحمته.
وأما المرأة .. فيباح لها ستر جميع بدنها بمخيط أو غيره، إلا وجهها وكفيها، فيحرم عليها سترهما على ما يأتي. انتهى من "الأبي".
(إلا ألا يجد نعلين) وفي "القسطلاني": والمستثنى منه محذوف، ذكره معمر في روايته عن الزهري عن سالم بلفظ: (ليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين إلا ألا يجد نعلين) أي: فليحرم فيها في حال وجدانها، إلا في حال عدم وجدان نعلين (فليلبس خفين وليقطعهما) أي: وليقطع فاقد النعلين الخفين (أسفل من الكعبين) أي: فيلبسهما بشرط أن يقطعهما أسفل من الكعبين، ولا فدية عليه؛ لأنها لو وجبت .. لبينها النبي ﷺ ، والمقام مقام بيانها.
وأفاد بقوله: "إلا ألا يجد النعلين" أنه لو وجدهما .. لا يقطعه؛ لما فيه من
стр. 8223
وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ
===
إتلاف المال بغير حاجة، أفاده في "البحر".
قال الحافظ: والمراد بعدم الوجدان: ألا يقدر على تحصيله؛ إما لفقده أصلًا أو تَرْكِ بَذْلِ المَالك له بلا عوض؛ خوفًا من المنة، أو عجزِه عن الثمن إن وجد من يبيعه أو عن الأجرة، ولو بيع بغبن .. لم يلزمه شراؤه، أو وهب له .. لم يجب قبوله، إلا أن أعير له. انتهى منه.
قال الأبي: قال ابن حبيب: لا رخصة اليوم في لبسهما مقطوعين؛ لكثرة النعال، ومن فعله .. افتدى، وينزل منزلة عدم النعلين الرفعُ في ثمنهما الرَّفْعَ المتفاحِشَ. انتهى منه.
قوله: "من الكعبين" الكعب هنا: العظم المثلث المبطن على ظهر القدم، لا العظمان الناتئان عند مفصل القَدَمِ والساقِ؛ لأن الأحوط فيما كان أكثر كشفًا وهو فيما قلنا، قاله محمد بن الحسن ومن تبعه من الحنفية، خلافًا للشافعي؛ فإن المراد بالكعبين: ما هو المراد بهما في الوضوء. انتهى من بعض الهوامش.
والمراد: قطعهما بحيث يصير الكعبان وما فوقهما من الساق مكشوفًا، لا قطع موضع الكعبين فقط؛ كما لا يخفى، وقال الأزهري: الكعبان: هما العظمان الناتئان في منتهى الساق مع القدم، وهما ناتئان عن يمنة القدم ويسرتها. انتهى.
(ولا تلبسوا) بفتح أوله وثالثه؛ لأنه من باب سمع (من الثياب) وهذا الحكم يشترك فيه النساء مع الرجال، بخلاف ما سبق؛ فإنه خاص بالرجال، والدليل على هذا العموم ما أخرجه الحاكم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، وما مسه الورس والزعفران انتهى "فتح الملهم".
(شيئًا مسه الزعفران) بالتعريف، وفي الرواية الآتية: (زعفران) بالتنكير.
стр. 8224
أَوِ الْوَرْسُ".
===
قال الزركشي: بالتنوين؛ لأنه ليس فيه من موانع الصرف إلا الألف والنون فقط، فهما لا يستقلان بمنع الصرف، فلو سميت به .. امتنع صرفه، وهو اسم أعجمي، وقد صرفته العرب، فقالوا: ثوب مزعفر؛ أي: مصبوغ بالزعفران، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرة، ويجمع على زعافر؛ وهو اسم شجر يتخذ منه الصبغ الأحمر له رائحة طيبة.
(أو) شيئًا مسه (الورس) - بفتح الواو وسكون الراء بعدها سين مهملة - وهو نبت أصفر مثل نبات السمسم طيب الريح، يصبغ به، لونه بين الصفرة والحمرة، وهو أشهر طيب في بلاد اليمن، لكن قال ابن العربي: الورس: وإن لم يكن طيبًا .. فله رائحة طيبة، فأراد النبي ﷺ أن ينبه به وبالزعفران على اجتناب الطيب وما يشبهه في ملاءمة الشم. انتهى.
وفي معناه: العصفر؛ وهو نبت يتخذ من زهره الصبغ الأصفر، له حب يؤكل بعد قليه مع البن، كثير في بلاد الحبشة، يزرع مع الطيف، في الأرميا (صوفى)، والمانع للإحرام في الورس والزعفران: الطيب؛ وهو الرائحة؛ لكو نه داعيًا إلى الجماع، لا اللون، وهو موجود فيه وفي الزعفران، لا في غيرهما من أنواع الصبغ، وإنما فيه الزينة، والمحرم ليس بممنوع منها؛ كما حقق في محله. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصلاة، باب الصلاة في القميص والسراويل، وفي كتاب الحج، باب لبس الخفين للمحرم إذا لم يجد النعلين، وفي كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس السروايل، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب ما يباح للمحرم بحج وعمرة، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في لبس السراويل عن ابن عباس، قال: وفي الباب عن ابن عمر وجابر، والنسائي في
стр. 8225
(٤٩) - ٢٨٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ
===
كتاب الحج، باب الرخصة في لبس السراويل لمن لم يجد الإزار، باب الرخصة في لبس الخفين في الإحرام لمن لم يجد النعلين، والدارمي وأحمد وابن حبان.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٩) - ٢٨٨٥ - (٢) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك بن أنس) الإمام في الفروع، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم؛ مولى ابن عمر أبي عبد الرحمن المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن ابن عمر (قال: نهى رسول الله ﷺ أن يلبس المحرم) وكذا المحرمة (ثوبًا مصبوغًا بورس أو زعفران) لما فيهما من الطيب،
стр. 8226
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا مما أجمعت عليه الأمة؛ لأن الورس والزعفران من الطيب، واستعمالهما ينافي بذاذة الحاج وشعثه المطلوب منه.
وأيضًا فإنهما من مقدمات الوطء ومهيجاته، والمحرم ممنوع من الوطء ومقدماته، ويستوي في المنع منهما الرجال والنساء، وعلى لابس ذلك الفدية عند مالك وأبي حنيفة، ولم يرها الثوري ولا الشافعي وإسحاق وأحمد إذا لبس ذلك ناسيًا، فأما المعصفر .. فرآه الثوري وأبو حنيفة طيبًا كالمزعفر، ولم يره مالك ولا الشافعي طيبًا، وكره مالك المفدم منه؛ أي: المشبع بالصبغ، واختلف عنه؛ هل على لَابِسِه فديةٌ أم لا؛ وأجاز مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذه المذكورات، وكرهها بعضهم لمن يقتدى به.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب السراويل، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح له، وبيان تحريم الطيب، أوبو داوود في كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم، والنسائي في كتاب المناسك، باب الرخصة في لبس السراويل، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في لبس السراويل والخفين للمحرم، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8227
(٢٠) - (١٠٢٧) - بَابُ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا أَوْ نَعْلَيْنِ
(٥٠) - ٢٨٨٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٢٠) - (١٠٢٧) - (باب السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد إزارًا أو نعلين)
(٥٠) - ٢٨٨٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن زيد أبي الشعثاء) الأزدي ثم الجوفي - بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء - البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، وقيل: ثلاث ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8228
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، قَالَ هِشَامٌ: عَلَى الْمِنْبَر، فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا .. فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ .. فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ" وَقَالَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ: "فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ إِلَّا أَنْ يَفْقِدَ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع، حالة كونه (يخطب) ويعظ الناس (قال هشام) أي: زاد هشام في روايته على ابن الصباح لفظة: (على المنبر) أي: سمعته حالة كونه يخطب على المنبر، وهذا اللفظ منكر، والصواب ما في "الصحيحين" بدل هذا اللفظ من قوله: سمعته يخطب بعرفات؛ لأن المنبر ليس بعرفات (فقال) في خطبته: (من لم يجد إزارًا .. فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين .. فليلبس خفين، وقال هشام) بن عمار (في حديثه) أي: في روايته: ومن لم يجد إزارًا .. (فليلبس سراويل) إلى أن يجد إزارًا، فإن وجده .. خلع السراويل ولبس الإزار (إلا أن يفقد) الإزار أصلًا ولم يجده مرة فيديم لبس السراويل، فزاد هشام على ابن الصباح لفظة: (إلا أن يفقد) فهذه أيضًا زيادة منكرة لا حاجة إليها؛ لأن استدامة لبس السراويل إذا لم يجد الإزار معلوم من خارج.
وظاهر هذا الحديث: جواز لبس السراويل للمحرم الفاقد الإزار على حاله بلا فتق؛ كما هو مذهب الشافعي وأحمد، وأما عند الأحناف ومالك .. فلا يلبسه على حاله، وإنما يشقه ويأتزر به عند الضرورة، ولو لبسه من غير فتق .. فعليه دم وكذلك الخفاف، فلا يلبسهما المحرم إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين.
قال الفارسي: قوله: "من لم يجد الإزار .. فليلبس سراويل ... " إلى آخره؛ أي: وليس عليه فدية، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له
стр. 8229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لبس السراويل على حاله، بل يشقه ويأتزر به، ولو لبسه من غير فتق .. فعليه دم.
وقال الرازي: يجوز لبس السراويل من غير فتق عند عدم الإزار، ولا يلزم منه عدم لزوم الدم؛ لأنه قد يجوز ارتكاب المحظور للضرورة مع وجوب الفدية؛ كالحلق للأذى، ولبس المخيط للعذر، وقد صرح في الآثار بإباحة ذلك مع وجوب الفدية، وليس في الحديث أنه يلزمه فتق السراويل حتى يصيرَ غير مخيطٍ؛ كما قال به أبو حنيفة؛ قياسًا على الخفين.
وأما الاعتراض بأن فيه إضاعة مال .. فمردود بما تقدم، نعم؛ لو فرض أنه بعد الفتق لا يستر العورة .. يجوز له لبسه من غير فتق، بل هو متعين واجب، إلا أنه يفدي.
وأما قول ابن حجر: وعن أبي حنيفة ومالك امتناع لبس السروايل على هيئته مطلقًا .. فغير صحيح عنهما. انتهى "فتح الملهم".
وكأنه لم يبلغهما حديث ابن عباس؛ ففي "الموطأ": أنه سئل مالك عنه، فقال: لم أسمع بهذا الحديث. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، وفي كتاب اللباس، باب لبس السراويل، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في لبس السروايل، والنسائي في كتاب الحج باب الرخصة في لبس السراويل.
فهذا الحديث في أعلي درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 8230
(٥١) - ٢٨٨٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ .. فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ".
===
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥١) - ٢٨٨٧ - (٢) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك بن أنس، عن نافع وعن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني مولى ابن عمر، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: من لم يجد نعلين) حسًّا أو شرعًا .. (فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين) فيه دليل: على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه؛ والمراد بالوجدان: القدرة على التحصيل بثمن المثل.
واستدل به على أن القطع شرط لجواز لبس الخفين، خلافًا للمشهور عن أحمد؛ فإنه أجاز لبسهما من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عباس المذكور قبل هذا الحديث.
وأجاب عنه الجمهور بأن حمل المطلق - الذي هو هنا حديث ابن عباس -