. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا مما أجمعت عليه الأمة؛ لأن الورس والزعفران من الطيب، واستعمالهما ينافي بذاذة الحاج وشعثه المطلوب منه.
وأيضًا فإنهما من مقدمات الوطء ومهيجاته، والمحرم ممنوع من الوطء ومقدماته، ويستوي في المنع منهما الرجال والنساء، وعلى لابس ذلك الفدية عند مالك وأبي حنيفة، ولم يرها الثوري ولا الشافعي وإسحاق وأحمد إذا لبس ذلك ناسيًا، فأما المعصفر .. فرآه الثوري وأبو حنيفة طيبًا كالمزعفر، ولم يره مالك ولا الشافعي طيبًا، وكره مالك المفدم منه؛ أي: المشبع بالصبغ، واختلف عنه؛ هل على لَابِسِه فديةٌ أم لا؛ وأجاز مالك سائر الثياب المصبغة بغير هذه المذكورات، وكرهها بعضهم لمن يقتدى به.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب السراويل، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح له، وبيان تحريم الطيب، أوبو داوود في كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم، والنسائي في كتاب المناسك، باب الرخصة في لبس السراويل، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في لبس السراويل والخفين للمحرم، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8227
(٢٠) - (١٠٢٧) - بَابُ السَّرَاوِيلِ وَالْخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدْ إِزَارًا أَوْ نَعْلَيْنِ
(٥٠) - ٢٨٨٦ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ أَبِي الشَّعْثَاء، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٢٠) - (١٠٢٧) - (باب السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد إزارًا أو نعلين)
(٥٠) - ٢٨٨٦ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(ومحمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، من رؤوس الطبقة الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن زيد أبي الشعثاء) الأزدي ثم الجوفي - بفتح الجيم وسكون الواو بعدها فاء - البصري، مشهور بكنيته، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، وقيل: ثلاث ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8228
قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ، قَالَ هِشَامٌ: عَلَى الْمِنْبَر، فَقَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا .. فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ .. فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ" وَقَالَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ: "فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ إِلَّا أَنْ يَفْقِدَ".
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (سمعت النبي ﷺ في حجة الوداع، حالة كونه (يخطب) ويعظ الناس (قال هشام) أي: زاد هشام في روايته على ابن الصباح لفظة: (على المنبر) أي: سمعته حالة كونه يخطب على المنبر، وهذا اللفظ منكر، والصواب ما في "الصحيحين" بدل هذا اللفظ من قوله: سمعته يخطب بعرفات؛ لأن المنبر ليس بعرفات (فقال) في خطبته: (من لم يجد إزارًا .. فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين .. فليلبس خفين، وقال هشام) بن عمار (في حديثه) أي: في روايته: ومن لم يجد إزارًا .. (فليلبس سراويل) إلى أن يجد إزارًا، فإن وجده .. خلع السراويل ولبس الإزار (إلا أن يفقد) الإزار أصلًا ولم يجده مرة فيديم لبس السراويل، فزاد هشام على ابن الصباح لفظة: (إلا أن يفقد) فهذه أيضًا زيادة منكرة لا حاجة إليها؛ لأن استدامة لبس السراويل إذا لم يجد الإزار معلوم من خارج.
وظاهر هذا الحديث: جواز لبس السراويل للمحرم الفاقد الإزار على حاله بلا فتق؛ كما هو مذهب الشافعي وأحمد، وأما عند الأحناف ومالك .. فلا يلبسه على حاله، وإنما يشقه ويأتزر به عند الضرورة، ولو لبسه من غير فتق .. فعليه دم وكذلك الخفاف، فلا يلبسهما المحرم إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين.
قال الفارسي: قوله: "من لم يجد الإزار .. فليلبس سراويل ... " إلى آخره؛ أي: وليس عليه فدية، وهو مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة ومالك: ليس له
стр. 8229
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لبس السراويل على حاله، بل يشقه ويأتزر به، ولو لبسه من غير فتق .. فعليه دم.
وقال الرازي: يجوز لبس السراويل من غير فتق عند عدم الإزار، ولا يلزم منه عدم لزوم الدم؛ لأنه قد يجوز ارتكاب المحظور للضرورة مع وجوب الفدية؛ كالحلق للأذى، ولبس المخيط للعذر، وقد صرح في الآثار بإباحة ذلك مع وجوب الفدية، وليس في الحديث أنه يلزمه فتق السراويل حتى يصيرَ غير مخيطٍ؛ كما قال به أبو حنيفة؛ قياسًا على الخفين.
وأما الاعتراض بأن فيه إضاعة مال .. فمردود بما تقدم، نعم؛ لو فرض أنه بعد الفتق لا يستر العورة .. يجوز له لبسه من غير فتق، بل هو متعين واجب، إلا أنه يفدي.
وأما قول ابن حجر: وعن أبي حنيفة ومالك امتناع لبس السروايل على هيئته مطلقًا .. فغير صحيح عنهما. انتهى "فتح الملهم".
وكأنه لم يبلغهما حديث ابن عباس؛ ففي "الموطأ": أنه سئل مالك عنه، فقال: لم أسمع بهذا الحديث. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، وفي كتاب اللباس، باب لبس السراويل، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب ما يلبس المحرم، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في لبس السروايل، والنسائي في كتاب الحج باب الرخصة في لبس السراويل.
فهذا الحديث في أعلي درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 8230
(٥١) - ٢٨٨٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ نَافِعٍ وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ .. فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ".
===
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥١) - ٢٨٨٧ - (٢) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك بن أنس، عن نافع وعن عبد الله بن دينار) العدوي مولاهم المدني مولى ابن عمر، ثقة، من الرابعة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ قال: من لم يجد نعلين) حسًّا أو شرعًا .. (فليلبس خفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين) فيه دليل: على أن واجد النعلين لا يلبس الخفين المقطوعين، وهو قول الجمهور، وعن بعض الشافعية جوازه؛ والمراد بالوجدان: القدرة على التحصيل بثمن المثل.
واستدل به على أن القطع شرط لجواز لبس الخفين، خلافًا للمشهور عن أحمد؛ فإنه أجاز لبسهما من غير قطع؛ لإطلاق حديث ابن عباس المذكور قبل هذا الحديث.
وأجاب عنه الجمهور بأن حمل المطلق - الذي هو هنا حديث ابن عباس -
стр. 8231
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على المقيد - الذي هو حديث ابن عمر هذا - واجب عندهم؛ لدفع تعارض الأحاديث، وهو - أي: أحمد - من القائلين به؛ أي: بالحمل المذكور.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب اللباس، باب النعال السبتية، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم، والنسائي في كتاب المناسك، باب النهي عن الثياب المصبوغة بالورس والزعفران في الإحرام.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8232
(٢١) - (١٠٢٨) - بَابُ التَّوَقِّي فِي الْإِحْرَامِ
(٥٢) - ٢٨٨٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: خَرَجْنَا
===
(٢١) - (١٥٢٨) - (باب التوقي في الإحرام)
أي: التحفظ فيه من محظوراته.
(٥٢) - ٢٨٨٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي - بسكون الواو - أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، ثقة عارف إمامُ المَغازِي؛ كما في "التهذيب"، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير) بن العوام المدني، ثقة، من الخامسة، مات بعد المئة. يروي عنه: (عم).
(عن أبيه) عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام، كان قاضيَ مكَّةَ زمنَ أبيه وخليفته إذا حج، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن) جدته (أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أسماء: (خرجنا) من المدينة حاجين؛ كما في "البذل"
стр. 8233
مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ .. نَزَلْنَا، فَجَلَسَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَائِشَةُ إِلَي جَنْبِهِ وَأَنَا إِلَي جَنْبِ أَبِي، فَكَانَتْ زِمَالَتُنَا وَزِمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً مَعَ غُلَامِ أَبِي بَكْرٍ
===
(مع رسول الله ﷺ قاصدين مكة للنسك وذهبنا إلى جهة مكة (حتى إذا كنا) معاشر رفقتنا (بالعرج .. نزلنا) فيه للمبيت؛ والعرج - بفتح العين وسكون الراء وبعدها جيم -: قرية جامعة بين الحرمين، من أعمال الفرع على أيام ومراحل من المدينة (فجلس رسول الله ﷺ وعائشة إلى جنبه) أي: والحال أن عائشة جالسة إلى جانبه ﷺ (وأنا) جالسة (إلى جنب أبي) الصديق والدي (فكانت زمالتنا) أي: راحلتنا (وزمالة أبي بكر واحدة) والزمالة - بكسر الزاي -: المركوب مع ما معه من أدوات السفر من زاد ومزادة وغيرهما من حوائج السفر؛ أي: قالت أسماء: فكانت زمالتنا؛ أي: راحلتنا وما نرتفق به في السفر من المواعين (وزمالة أبي بكر) الصديق (واحدة) أي: متحدة مع زمالة رسول الله ﷺ ، وكانت زمالتنا كلها (مع غلام أبي بكر) أي: تحت رعايته وحفظه، ويشكل على كون زمالتهم واحدة ما في "البخاري" في كتاب الحج؛ أن زاملته ﷺ كانت ناقته. انتهى من هامش "البذل".
ولفظ "أبي داوود" مع "البذل": (قالت) أسماء: (خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة في حجة الوداع (حجاجًا حتى إذا كنا بالعرج) قال في "القاموس": منزل بطريق مكة، كان منه عبد الله بن عمرو بن عثمان العرجي الشاعر المشهور، وقال في "المجمع": والعرج - بفتح فسكون - قرية جامعة من عمل الفرع على أيام من المدينة .. (نزل رسول الله
стр. 8234
قَالَ: فَطَلَعَ الْغُلَامُ وَلَيْسَ مَعَهُ بَعِيرُهُ، فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟ قَالَ: أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ، قَالَ: مَعَكَ بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ؟ ! قَالَ: فَطَفِقَ يَضْرِبُهُ
===
ﷺ فيه (ونزلنا، فجلست عائشة إلى جنب رسول الله ﷺ وجلست) أنا (إلى جنب أبي) أي: جنب والدي أبي بكر (وكانت زمالة أبي بكر ﵁ وزمالة رسول الله ﷺ واحدة) أي: مركوبهما وأدواتهما وما كان معهما من أدوات السفر، ويشكل على كونها واحدة ما في "البخاري" في باب الحج أن زاملته ﷺ كانت ناقته؛ إلا أن يقال: الزاملة: بعير مشترك بين الرفقة، يحمل عليه كل منهم طعامه ومتاعه؛ والراحلة: بعير خاص بكل واحد منهم معد لركوبه لا لحمل متاعه؛ فالمشترك هنا بعير المتاع، لا بعير الركوب.
وقوله: (مع غلام أبي بكر) صفة لواحدة؛ أي: زاملة كل واحد منهم ناقة واحدة، كائنة مع غلام أبي بكر، ولم أر من ذكر اسم ذلك الغلام. انتهت عبارة "البذل" مع المتن.
(قال) الراوي: وهو أسماء بنت أبي بكر؛ أي: قالت أسماء: (فطلع الغلام) أي: جاء غلام أبي بكر بعدما تأخر في طلب بعيره الذي ضل عنه؛ أي: جاء الغلام (و) الحال أنه اليس معه بعيره) المختص بركوبه (فقال) أبو بكر (له) لغلامه: (أين بعيرك) الذي تركبه وعليك حفظه ورعايته؟ (قال) الغلام في جواب سؤال أبي بكر: (أضللته) أي: أضللت بعيري (البارحة) أي: في الليلة القريبة التي نحن في يومها.
فـ (قال) له أبو بكر: أ (معك بعير واحد تضله) وتُضَيِّعُهُ حتى ضاع عنك؟ ! بحذف حرف الاستفهام؛ كما قدرناه (قال) الراوي: يعني: أسماء بنت أبي بكر (فطفق) أي: شرع أبو بكر (يضربه) أي: يضرب الغلام ضرب تأديب
стр. 8235
وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "انْظُرُوا إِلَي هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ".
===
(ورسول الله ﷺ أي: والحال أن رسول الله ﷺ يتبسم؛ أي: يضحك ضحك تبسم؛ تعجبًا من ضربه، فالفرق بينهما: أن التبسم: انكشار الشفتين عن اللثات بلا إظهار صوت، والضحك: انكشارهما مع إظهار الصوت، والقهقهة: مع رفع الصوت.
و(يقول) لمن عنده: (انظروا إلى هذا المحرم) الذي يضرب عبده ولا يحتاط لإحرامه (ما يصنع) من ضربه الغلام؛ يعني: أبا بكر؛ أي: انظروا إلى صنعه وضربه العبد مع تركه التوقي والاحتياط لإحرامه حيث فعل ما لا ينبغي للمحرم.
وهذا الحديث يدل على أن تأديب غلامه ليس بداخل في قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (١)، وإلا .. فلم يجترئ عليه أبو بكر رضي الله تعالى عنه، ونهاه ﷺ عنه، لكن قوله ﷺ : "انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع" يومئ إلى أنه لا ينبغي للمحرم ذلك أيضًا. انتهى من "بذل المجهود".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحج، باب المحرم يؤدب غلامه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الصحيح.
والله أعلم
стр. 8236
(٢٢) - (١٠٢٩) - بَابُ الْمُحْرِمِ يَغْسِلُ رَأْسَهُ
(٥٣) - ٢٨٨٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ
===
(٢٢) - (١٠٢٩) - (باب المحرم يغسل رأسه)
(٥٣) - ٢٨٨٩ - (١) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث الزهري المدني، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مالك) بن أنس الأصبحي المدني، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر أبي عبد الله المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين) الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس المدني أبي إسحاق، ثقة، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن حنين الهاشمي مولاهم المدني، ثقة، من الثالثة، مات في أول خلافة يزيد بن عبد الملك في أوائل المئة الثانية. يروي عنه: (ع).
(أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة) بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري أبا عبد الرحمن المدني رضي الله تعالى عنهم، مات سنة أربع وستين (٦٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8237
اخْتَلَفَا بِالْأَبْوَاء، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَي أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ
===
(اختلفا) في جواز غسل المحرم رأسه وبدنه والحال أنهما (بالأبواء) موضع بين الحرمين معروف.
وعبارة "البذل": قوله: (بالأبواء) - بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة - سميت بها: لتبوؤ السيول بها، وقيل: لأنهم تبوءوا بها منزلًا؛ وهي قرية من أعمال الفرع من المدينة، بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، وقيل: الأبواء على يَمينِ آرَةَ، ويمينِ الطريقِ لِلمُصْعِدِ إلى مكة من المدينة، وقد ذكره في حديث الصعب بن جثامة وغيره.
وبالأبواء قبر آمنة بنت وهب أم النبي ﷺ ، وكان السبب في دفنها هناك أن عبد الله والد رسول الله ﷺ قد خرج إلى المدينة يمتار تمرًا، فمات بالمدينة، فكانت زوجته آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة تخرج في كل عام إلى المدينة تزور قبره، فلما أتى على رسول الله ﷺ ست سنين .. خرجت زائرةً لقبره ومعها عبد المطلب وأم أيمن حاضنة رسول الله ﷺ ، فلما صارت بالأبواء منصرفةً إلى مكة .. ماتت بها.
ويقال: إن أبا طالب زار أخواله بني النجار بالمدينة، وحمل معه آمنة أم رسول الله ﷺ ، فلما رجع منصرفًا إلى مكة .. ماتت آمنة بالأبواء. انتهى من "بذل المجهود".
(فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه) قال عبد الله بن حنين: (فأرسلني ابن عباس إلى أبي أيوب) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة (الأنصاري) النجاري المدني، نزل عليه
стр. 8238
أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، قَالَ:
===
رسول الله ﷺ حين دخل المدينة مهاجرًا إليها رضي الله تعالى عنه حالة كوني (أسأله) أي: أسأل أبا أيوب (عن ذلك) الحكم الذي اختلفا فيه؛ أي: عن حكم غسل المحرم رأسه هل يجوز أم لا؟ ولعله عنده علم من رسول الله ﷺ ، أو لعله سمعه منه قبل ذلك.
قال عبد الله بن حنين: (فوجدته) أي: ذهبت إلى أبي أيوب فوجدته (يغتسل بين القرنين) من البئر، وفي بعض رواية "الموطأ": (بين قرني البئر) وكذا في رواية ابن عيينة؛ والقرنان: هما العمودان المنتصبان لأجل وضع عود البكرة عليهما، وقال النووي: القرنان: هما الخشبتان القائمتان على جانبي رأس البئر وشبههما من البناء، وتمد بينهما خشبة يجر عليها الحبل المستقى به، أَوْ لِتُعلَّق عليها البكرة. انتهى منه.
وفي "المختار": وبكرة البئر - بفتحتين -: ما يستقى عليها، وجمعها بكر - بفتحتين أيضًا - وهو من شواذ الجمع؛ لأن فعلة لا يجمع على فعل إلا أحرفًا مثل حلقة وحلق، وحمأةٍ وحمإٍ، وبكرة وبكر، وتجمع على بكرات أيضًا.
(وهو) أي: والحال أن أبا أيوب (يستتر) عن الناس (بثوب) قال عبد الله بن حنين: (فسلمت عليه) أي: على أبي أيوب (فقال) لي أبو أيوب بعد رد السلام علي: (من هذا) المسلم علي؟ (فقلت) له: (أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن عباس) حالة كوني (أسألك كيف كان رسول الله ﷺ يغسل رأسه وهو محرم، قال) عبد الله بن حنين:
стр. 8239
فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ، ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ؛ فَصَبَّ عَلَي رَأْسِه، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: هكَذَا رَأَيْتُهُ ﷺ يَفْعَلُ.
===
(فوضع أبو أيوب يده على الثوب) أي: على الأعلى من الثوب الذي استتر به (فطأطأه) أي: فطأطأ الثوب وخفضه وكشفه عن رأسه (حتى بدا) وظهر (لي رأسه) أي: رأس أبي أيوب (ثم قال) أبو أيوب (لإنسان يصب عليه) الماء، لم أقف على تسمية هذا الإنسان: (اصبب) على رأسي ماءً (فصب) الإنسان (على رأسه) ماءً، فيه جواز الاستعانة بالصاحب والخادم في الطهارة.
(ثم) بعدما صب ذلك الإنسان على رأسه الماء (حرك) أبو أيوب (رأسه) أي: شعر رأسه (بيديه) أي: بكفيه (فأقبل بهما) أي: باليدين؛ أي: وضع بهما على قبالة رأسه ومقدمه (وأدبر) بهما؛ أي: أذهب بهما إلى دبر رأسه ومؤخره (ثم) بعدما فرغ أبو أيوب من غسل رأسه (قال) أبو أيوب: (هكذا) أي: مثل ما فعلته (رأيته ﷺ يفعل) أي: رأيته يفعل مثل ما فعلته في تحريك الشعر باليدين، والله أعلم.
قال القرطبي: اختلاف ابن عباس والمسور لم يكن في جواز أصل غسل الرأس؛ لأنه من المعلوم عندهما وعند غيرهما أنه يغتسل من الجنابة إن أصابته، ويغتسل لدخول مكة وللوقوف بعرفة، وإنما كان الاختلاف بينهما في كيفيته؛ هل يدلكه أو لا يدلكه؟ لأنه يخاف منه قتل الهوام أو إِنْقَاؤُهَا عن رأسِه وجسدِه وإزالة الشعث، ولإمكان هذه الأمور منه منع المسور، ولم يلتفت ابن عباس إلى إمكان تلك الأمور؛ لأنه إذا ترفق في ذلك .. سلم مما يتقى من تلك الأمور، وقد كان ابن عباس علم ذلك من حديث أبي أيوب، ولذلك أحال عليه وأرسل إليه، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
стр. 8240
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال القاري في "شرح المشكاة": يجوز للمحرم غسل رأسه بحيث لا ينتف شعرًا بلا خلاف، أما لو غسل رأسه بالخطمي .. فعليه دم عند أبي حنيفة، وبه قال مالك، وقال: لا صدقة، ولو غسل بأشنان فيه طيب .. فإن كان من رآه سماه أشنانًا .. فعليه الصدقة، وإن سماه طيبًا .. فعليه الدم، كذا في "قاضيخان".
ولو غسل رأسه بالحرض والصابون والسدر ونحوه .. لا شيء عليه بالإجماع، وجاء عن ابن عباس بسند ضعيف أنه دخل حمامًا بالجحفة وهو محرم، وقال: ما يعبأ الله بأوساخنا؛ يعني: فليس فيه من فدية، ففيه رد على مالك أن في إزالة الوسخ صدقة، والتحقيق أنه لا ينبغي للمحرم أن يقصد بغسله إزالة الوسخ؛ لقوله ﷺ : "المحرم أشعث أغبر". انتهى.
وفي هذا الحديث فوائد؛ منها: جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعرًا، ومنها: قبول خبر الواحد، وأن قبوله كان مشهورًا عند الصحابة، ومنها: الرجوع إلى النص عند الاختلاف، وترك الاجتهاد والقياس عند وجود النص، ومنها: السلام على المتطهر في وضوء وغسل، بخلاف الجالس على الحدث، ومنها: جواز الاستعانة في الطهارة، ولكن الأولى تركها إلا لحاجة.
واتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وجسده عن الجنابة، بل هو واجب عليه، وأما غسله لتبرد .. فمذهبنا ومذهب الجمهور جوازه بلا كراهة، ويجوز عندنا غسل رأسه بالسدر والخطمي بحيث لا ينتف شعرًا، وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرام موجب الفدية، قاله النووي. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المحصن وجزاء الصيد، باب الاغتسال للمحرم، ومسلم في كتاب الحج، باب يجوز غسل
стр. 8241
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المحرم بدنه ورأسه، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب المحرم يغتسل مطولًا، والنسائي في كتاب المناسك، باب غسل المحرم، ومالك في "الموطأ" في كتاب الحج، باب غسل المحرم، والإمام أحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 8242
(٢٣) - (١٠٣٠) - بَابُ الْمُحْرِمَةِ تَسْدِلُ الثَّوْبَ عَلَي وَجْهِهَا
(٥٤) - ٢٨٩٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ
===
(٢٣) - (١٠٣٠) - (باب المحرمة تسدل الثوب على وجهها)
(٥٤) - ٢٨٩٠ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) - مصغرًا - ابن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي زياد) الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف، كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًّا، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
قال ابن حبان: كان صدوقًا إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: يزيد بن أبي زياد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلم فيه، وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنه اختلط في آخر عمره، فجاء بالعجائب. انتهى من "التهذيب" فهو مختلف فيه.
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع)، قال علي بن المديني: وقد سمع من عائشة.
قلت: وقع التصريح بسماعه منها عند أبي عبد الله البخاري في "صحيحه"، فبطل قول من قال: إن روايته عن عائشة مرسلة. انتهى "تهذيب".
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
стр. 8243
قَالَتْ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، فَإِذَا لَقِيَنَا الرَّاكِبُ .. أَسْدَلْنَا ثِيَابَنَا مِنْ فَوْقِ رُؤُوسِنَا، فَإِذَا جَاوَزَنَا .. رَفَعْنَاهَا.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو مختلف فيه.
(قالت) عائشة: (كنا) معاشر أزواج النبي ﷺ (مع النبي ﷺ ونحن محرمون) وفي رواية أبي داوود: (ونحن محرمات) ولعله هو الصواب؛ مرفوع على أنه خبر لنحن؛ أي: مكشوفات الوجوه لأجل الإحرام (فإذا لقينا الراكب) وفي "أبي داوود": (الركبان) بدل الراكب، وهو جمع راكب؛ أي: إذا استقبلنا في الطريق الركبان .. (أسدلنا) أي: أرخينا وأرسلنا (ثيابنا) وخمارنا (من فوق رؤوسنا) على وجوهنا؛ لئلا يقع نظره علينا (فإذا جاوزنا) الراكب ومر علينا .. (رفعناها) أي: رفعنا ثيابنا عن وجوهنا ورجعناها على الرأس لكشف وجوهنا؛ لأجل الإحرام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب المحرمة تغطي وجهها.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن، لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وفي "نيل الأوطار": واستدل بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة إذا احتاجت إلى ستر وجهها لمرور الرجال قريبًا منها .. أن تسدل الثوب من فوق رأسها على وجهها، لأن المرأة تحتاج إلى ستر وجهها، فلم يحرم عليها ستره مطلقًا كالعورة، لكن إذا سدلت .. يكون الثوب متجافيًا عن وجهها؛ بحيث لا يصيب البشرة، هكذا قال أصحاب الشافعي وغيرهم.
стр. 8244
(٥٤) - ٢٨٩٠ - (م) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
قال في "اللباب وشرحه": وتغطي رأسها؛ أي: لا وجهها إلا إن غطت وجهها بشيء مجاف .. جاز.
قال في "النهاية": إن سدل الشيء على وجهها واجب عليها، وفي "الفتح": قالوا: والمستحب أن تسدل على وجهها شيئًا وتجافيه. انتهى.
قلت: قول الشوكاني: (فلو كان التجافي شرطًا .. لبينه ﷺ وقع منه من غير روية وتدبر؛ فإنه ﷺ نهى المرأة عن الانتقاب، وقال: "لا تنتقب المرأة المحرمة" فلو تعارضت الروايتان .. جمعنا بينهما؛ بأنها لا تنتقب متصلًا بوجهها، وتسدل متجافيًا عنها، فتكون كالرجل المستظل بالبيت وبالشمسية.
وأما قوله: (لأن الثوب المذكور لا يكاد يسلم من إصابة البشرة) كلام سخيف؛ فإنه ليس بمحال ولا مشكل، خصوصًا في قليل من الزمان عند مرور الرجال، وروى البيهقي والدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا: "إن إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها"، فلو جاز لها أن تغطي وجهها .. للغا حديث النهي عن الانتقاب وهذا الحديث، فجمعنا بينهما وعملنا بهما، والله تعالى أعلم. انتهى من "بذل المجهود".
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٥٤) - ٢٨٩٠ - (م) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
стр. 8245
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ.
===
(حدثنا عبد الله بن إدريس) بن يزيد الأودي الكوفي ثقة، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي زياد) الهاشمي مولاهم الكوفي، مختلف فيه، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مجاهد) بن جبر.
(عن عائشة عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ كما مر آنفًا، غرضه بسوقه: بيان متابعة عبد الله بن إدريس لمحمد بن فضيل، وفائدتها: تقوية السند الأول، وساق عبد الله بن إدريس (بنحوه) أي: بنحو حديث محمد بن فضيل؛ أي: قريبه لفظًا ومعنىً.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 8246
(٢٤) - (١٠٣١) - بَابُ الشَّرْطِ فِي الْحَجِّ
(٥٥) - ٢٨٩١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ جَدَّتِهِ - قَالَ: لَا أَدْرِي: أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ أَوْ سُعْدَى بِنْتُ عَوْفٍ؟ -
===
(٢٤) - (١٠٣١) - (باب الشرط في الحج)
(٥٥) - ٢٨٩١ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) عبد الله بن نمير، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عثمان بن حكيم) بن عباد بن حنيف - بالمهملة والنون مصغرًا - الأنصاري الأوسي أبو سهل المدني ثم الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات قبل الأربعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي بكر بن عبد الله بن الزبير) بن العوام، مستور، مات شابًا، من الثالثة. يروي عنه: (ق). -
(عن جدته) أي: عن جدة أبي بكر (قال) عثمان بن حكيم: (لا أدري) ولا أعلم هل تلك الجدة التي روى عنها (أسماء بنت أبي بكر) الصديق التي هي جدته من جهة الأب. يروي عنها: (ع) رضي الله تعالى عنها (أو) كانت (سعدى بنت عوف) المُرّية امرأة طلحة بن عبيد الله التي هي جدته من جهة
стр. 8247
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَي ضُبَاعَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: "مَا يَمْنَعُكِ يَا عَمَّتَاهُ مِنَ الْحَجِّ؟ "، فَقَالَتْ: أَنَا امْرَأَةٌ سَقِيمَةٌ وَأَنَا أَخَافُ الْحَبْسَ، قَالَ: "فَأَحْرِمِي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلَّكِ حَيْثُ حُبِسْتِ".
===
الأم، لها صحبة. يروي عنها: (ق)، رضي الله تعالى عنها، وليس لسعدى بنت عوف عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس لها رواية في شيء من الكتب الخمسة، ولها رواية عند النسائي في السنن الكبرى؛ ولذلك رمز لها ابن حجر في التقريب بـ (س ق).
وهذان الإسنادان حكمهما: الحسن؛ لأن أبا بكر بن عبد الله بن الزبير، لم أر من جرحه ولا من وثقه، وباقي رجال الإسناد ثقات، والحديث صحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث ابن عباس رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجه؛ كما سيأتي للمؤلف برقم (٢٨٩٣).
(أن رسول الله ﷺ دخل على ضباعة) بضم المعجمة وتخفيف الموحدة (بنت عبد المطلب) عمته، رضي الله تعالى عنها (فقال) لها رسول الله ﷺ : (ما يمنعك يا عمتاه) أي: أي شيء يمنعك يا عمتي (من الحج) معنا في هذه السنة؛ (فقالت) ضباعة: (أنا) يا رسول الله (امرأة سقيمة) أَيْ: مَرِيضَةٌ (وأنا أخاف) إن خرجت معك (الحبس) والعجز في الطريق عن الوصول إلى مكة، فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (فأحرمي) يا عمتي بالحج (واشترطي) في إحرامك (أن محلك) يا عمتي؛
أي: موضع تحللي من الإحرام يا ربي (حيث حبست) أي: موضع تحللي هو موضع منعني فيه المرض عن الوصول إلى مكة لإتمام نسكي.
قولها: (دخل على ضباعة بنت عبد المطلب) هذا تحريف من النساخ، أو خطأ من المؤلف، والصواب: (دخل على ضباعة بنت الزبير) وفي هامش
стр. 8248
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
"البذل": ضبَطَه في هامش "روضة المحتاجين" بفتح الزاي وكسر الباء على وزن أمير (ابن عبد المطلب) بنت عم النبي ﷺ ؛ لأنه ليس في عماته ﷺ من اسمها ضباعة؛ كما يشهد لما قلناه رواية الشيخين في "صحيحيهما" ورواية أبي داوود في "سننه"، قال الشافعي: وهي بنت عم النبي ﷺ ، أبوها الزبير بن عبد المطلب بن هاشم، كنيتها أم حكيم. انتهى.
ويقال لها: أم الحكم أيضًا، وهي زوجة المقداد بن الأسود، فولدت له عبد الله وكريمة.
وقوله: "يا عمتاه" الصواب أيضًا: (يا ابنة عماه)، راجع في إعراب هذا المنادى رسالتنا "هدية أولي العلم والإنصاف في إعراب المنادى المضاف".
وفي "البذل": قصة ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب بن هاشم .. ذكرها البخاري ومسلم من حديث عائشة، قالت: دخل رسول الله ﷺ على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب وهي في المدينة، فقال لها: "لعلك أردت الحج" قالت: والله؛ ما أجدني إلا وجعة، فقال لها: "حجي واشترطي وقولي: اللهم، محلي حيث حبستني".
قال القاري: قال بعض علمائنا: وهذا تفسير الاشتراط؛ يعني: اشترطي أن أخرج من الإحرام حيث مرضت وعجزت عن إتمام الحج، فمن لم ير الإحصار بالمرض .. يستدل بهذا الحديث بأن يقول: لو كان يُبِيحُ التحللَ .. لم يأمرها بالاشتراط؛ لعدم الإفادة.
ومن يرى الإحصار بالمرض - وهو مذهب أبي حنيفة - يستدل بحديث الحجاج بن عمرو المذكور في "سنن أبي داوود"، وبما صح عن ابن عمرو أنه
стр. 8249
(٥٦) - ٢٨٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ
===
كان ينكر الاشتراط، ويقول: أليس حبسكم سنة نبيكم؟ ! فعندنا اشتراط ذلك كعدمه ولا يفيد شيئًا، هذا هو المذكور في كتب المذهب.
وقال الطيبي: دل على أنه لا يجوز التحلل بإحصار المرض بدون الشرط، ومع الشرط قيل أيضًا: لا يجوز التحلل، وجعل هذا الحكم مخصوصًا بضباعة؛ كما أذن النبي ﷺ لأصحابه في رفض الحج، وليس يضرهم ذلك انتهى.
قلت: ما حكى الطيبي من أن حكم الاشتراط مخصوص بضباعة .. موجه؛ فإنها واقعة خاصة لا عموم لها، ويدل عليه الروايات الأخر التي فيها حكم التحلل من غير الاشتراط، أو يقال: إن رسول الله ﷺ قال لضباعة بالاشتراط تطييبًا لقلبها وتسكينها، والله أعلم. انتهى من "بذل المجهود".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح بغيره، وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شاهدًا من حديث ابن عباس المذكور في "أبي داوود" و"الترمذي" و"ابن ماجه"، ومن حديث عائشة المذكور في "الصحيحين"، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أسماء بنت أبي بكر، أو لحديث سعدى بنت عوف بحديث ضباعة نفسها رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٦) - ٢٨٩٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8250
وَوَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ ضُبَاعَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا شَاكِيَةٌ فَقَالَ: "أَمَا تُرِيدِينَ الْحَجَّ الْعَامَ؟ "، قُلْتُ: إِنِّي لَعَلِيلَةٌ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "حُجِّي وَقُولِي: مَحِلِّي
===
(ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ضباعة) بنت الزبير بن عبد المطلب بنت عم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) ضباعة: (دخل علي) في بيتي (رسول الله ﷺ وهي في المدينة تحت المقداد بن الأسود (وأنا) أي: والحال أني (شاكية) أي: مريضة (فقال) لي: (أما) حرف تنبيه واستفتاح؛ أي: انتبهي واستمعي ما أقول لك: هل (تريدين الحج) معنا (العام؟ ) أي: في هذا العام الذي نحن فيه، قال ذلك لها وهي في المدينة؛ لحبه توجهها معه في حجته؛ كما في "المرقاة".
قالت ضباعة: (قلت) له: (إني لعليلة) أي: مريضة (يا رسول الله) أي: ما أجد نفسي إلا ذات مرض وعلة، ولا أدري هل أقدر على إتمام الحج أم لا؟
فـ (قال) لها رسول الله ﷺ : (حجي) أي: أحرمي بالحج واشترطي في إحرامك (وقولي) في الاشتراط فيه: اللهم (محلي) بفتح الميم
стр. 8251
حَيْثُ تَحْبِسُنِي".
===
وكسر الحاء؛ أي: موضع تحللي من الإحرام وخروجي من الحج؛ تعني: مكانه أو زمانه (حيث تحبسني) أي: المكان الذي تمنعني فيه يا إلهي عن إتمام حجي، وعجزت فيه عن الإتيان بالنسك بسبب قوة المرض؛ فإن لك على ربك ما استثنيت.
قال في "المبارق": وفائدة هذا الاشتراط أن تصير حلالًا بدون دم الإحصار، استدل به الإمام الشافعي وأحمد على أن المحرم إذا اشترط في إحرامه أن يتحلل بعذر .. فله ذلك، وليس له ذلك عند أبي حنيفة ومالك؛ لأن الحديث رخصة خاصة بضباعة. انتهى منه.
قال الخطابي: وفي الحديث دليل على أن المحصر يحل حيث حبس، وينحر هديه هناك؛ حرمًا كان أو حِلًّا، وكذلك فعل رسول الله ﷺ عام الحديبية حين أحصر نحر هديه وحل.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: دم الإحصار لا يراق إلا في الحرم، يقيم المحصر على إحرامه، ويبعث بالهدي إلى الحرم ويواعدهم يوم يقدر فيه بلوغ الهدي المنسك، فإذا كان ذلك الوقت .. حل من إحرامه بالحلق أو التقصير. انتهى من "العون".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وفي "الزوائد": إسناد هذا الحديث رجاله رجال الصحيح ثقات، وغرضه: الاسشهاد به لحديث أسماء بنت أبي بكر أو لحديث سعدى بنت عوف.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أسماء أو لحديث سعدى بنت عوف بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 8252
(٥٧) - ٢٨٩٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْج، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَهُ سَمِعَ طَاوُوسًا وَعِكْرِمَةَ يُحَدِّثَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٥٧) - ٢٨٩٣ - (٣) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري، ختن المقرئ عبد الله بن يزيد المكي، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا أبو عاصم) النبيل البصري الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أخبرني أبو الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنه) أي: أن أبا الزبير المكي (سمع طاووس) بن كيسان الحميري مولاهم الفارسي، اسمه ذكوان، وطاووس لقبه، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(وعكرمة) البربري أبا عبد الله الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، ثقة، من الثالثة، عالم بالتفسير، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
حالة كونهما (يحدثان عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8253
قَالَ: جَاءَتْ ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: إِنِّي امْرَأَةٌ لا ثَقِيلَةٌ وَإِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ فَكَيْفَ أُهِلُّ؟ قَالَ: "أَهِلِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي".
===
(قال) ابن عباس: (جاءت ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب) بن هاشم بنت عم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنها، صحابية هاشمية مشهورة، لها ثلاثة أحاديث في الكتب الستة.
أي: جاءت إلى (رسول الله ﷺ وهي في المدينة تحت المقداد بن الأسود (فقالت) له ﷺ : (إني امرأة ثقيلة) أي: ضعيفة أثقلني المرض وأضعفني (وإني أريد الحج) معك في هذا العام (فكيف أهل) الحج وأحرم به يا رسول الله؟ فسكت عنها فلم يجبها عقب سؤالها؛ انتظارًا للوحي، فرجعت إلى بيتها، ثم دخل رسول الله ﷺ عليها في بيتها، فـ (قال) لها: (أهلي) أي: أحرمي بالحج (واشترطى) على ربك في إحرامك، فقولي في الاشتراط عليه: اللهم (أن محلي) أي: أن موضع تحللي (حيث حبستني) أي: مكان حبستني فيه بالمرض ومنعتني فيه عن أداء المناسك؛ فبهذا التقدير الذي قدرناه يحصل الجمع بين حديث أسماء؛ حيث قالت: إن رسول الله ﷺ دخل على ضباعة، وحديث ضباعة حيث قالت: دخل علي رسول الله ﷺ ؛ أي: يدفع التعارض بين حديثيهما، وكذا حديث عائشة المذكور في "الصحيحين" وبين حديث ابن عباس؛ حيث قال: جاءت ضباعة إلى رسول الله ﷺ ، وفي حديث ابن عباس من رواية مسلم زيادة: (فأدركت) أي: ضباعة الحج، ولم تتحلل حتى فرغت منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز
стр. 8254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
اشتراط المحرم التحلل لمرض، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الاشتراط في الحج، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الاشتراط في الحج، والنسائي في كتاب الحج، باب الاشتراط.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8255
(٢٥) - (١٠٣٢) - بَابُ دُخُولِ الْحَرَمِ
(٥٨) - ٢٨٩٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ صَبِيحٍ، حَدّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ حَسَّانَ أَبُو عَبْدِ الله، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ
===
(٢٥) - (١٠٣٢) - (باب دخول الحرم)
(٥٨) - ٢٨٩٤ - (١) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل بن صبيح) - مكبرًا - اليشكري الكوفي، صدوق، من التاسعة، مات سنة سبع عشرة ومئتين (٢١٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا مبارك بن حسان) السلمي (أبو عبد الله) البصري نزيل مكة، لين الحديث، من السابعة. يروي عنه: (ق). انتهى "تقريب".
وقال في "التهذيب": قال أبو خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو داوود: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
(عن عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مبارك بن حسان، وهو مختلف فيه.
стр. 8256
قَالَ: كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَدْخُلُ الْحَرَمَ مُشَاةً حُفَاةً، وَيَطُوفُونَ بالْبَيْتِ وَيَقْضُونَ الْمَنَاسِكَ حُفَاةً مُشَاةً.
===
(قال) ابن عباس: (كانت الأنبياء) الأولون؛ فلا يقال: إن رسول الله ﷺ قد ثبت أنه طاف راكبًا (تدخل الحرم) المكي، حالة كونهم (مشاة) بالأرجل لا راكبين، وحالة كونهم (حفاة) من النعال؛ أي: غير لابسين النعال (ويطوفون بالبيت) حالة كونهم مشاةً حفاةً (ويقضون) أي: يؤدون ويفعلون (المناسك) أي: أعمال الحج كلها، حالة كونهم (حفاةً مشاةً).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولا شاهد له ولا متابع، فدرجته: أنه ضعيف (٥)(٣٠٣)؛ لكونه موقوفًا، وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد الضعيف.
والله أعلم
стр. 8257
(٢٦) - (١٠٣٣) - بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ
(٥٩) - ٢٨٩٥ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْخُلُ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا،
===
(٢٦) - (١٠٣٣) - (باب دخول مكة)
(٥٩) - ٢٨٩٥ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ كان) دائمًا (يدخل مكة) المكرمة (من الثنية العليا) - بفتح الثاء المثلثة وكَسْرِ النونِ وتشديدِ الياءِ آخرِ الحروف - وكلُّ عقبة في جبل أو طريق عال فيه تسمى ثنية؛ والثنية العليا هنا: هي التي ينزل منها إلى المَعلَاةِ؛ وهي مقبرة أهل مكة المكرمة، وهذه الثنية كانت صعبة المُرْتَقى، فسَهّلَها معاويةُ بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص الأموي، ثم المهدي، ثم سُهِّل منها سنةَ إحدى عشرة وثمان مئة موضعٌ، ثم سُهِّلَتْ كلها في زمن سلطان مصر الملك المؤيد في
стр. 8258
وَإِذَا خَرَجَ خَرَجَ مِنَ الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى.
===
حدود العشرين وثمان مئة. انتهى من "القسطلاني".
(و) كان دائمًا (إذا خرج) من مكة (خرج من) طريق (الثنية السفلى) وهي التي بأسفل مكة، عند باب الشبيكة، وكان بناء هذا الباب عليه في القرن السابع انتهى "قسطلاني".
قيل: إنما فعل ﷺ هذه المخالفة في الطريق داخلًا وخارجًا؛ للفأل بتغيير الحال إلى أكمل منه؛ كما فعل في العيد، وليشهد له الطريقان، وليتبرك به أهلهما. انتهى "ملا علي".
وقيل: الحكمة في الدخول من العليا والخروج من السفلى: أن نداء أبينا إبراهيم الخليل ﵇ كان من جهة العلو، وأيضًا فالعلو يناسب المكان الذي قصده، والسفلى تناسب المكان الذي يذهب إليه، وقيل: إن من جاء من هذه الجهة .. كان مستقبلًا للبيت، وقيل: لأنه ﷺ لما خرج من العليا .. أراد أن يدخلها ظاهرًا، وقيل: ليتبرك به كل من في الطريقين ويدعو لهم، وقيل: ليغيظ المنافقين بظهور الدين وعز الإسلام، وقيل: غير ذلك؛ كما بسطناه في "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب الاغتسال عند دخول مكة، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى، واستحباب دخول بلدة من طريق غير التي خرج منها، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب دخول مكة، والنسائي في كتاب المناسك، باب من أين يدخل مكة، والدارمي في كتاب المناسك، باب من أي الطريق يدخل مكة، وأحمد في "المسند"، ومالك في "الموطأ".
стр. 8259
(٦٠) - ٢٨٩٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْعُمَرِيُّ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ نَهَارًا.
===
فهذا الحديث في أعلي درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر هذا بحديث آخر له أيضًا رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٠) - ٢٨٩٦ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي.
(حدثنا) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم (العمري) المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ دخل مكة) المكرمة (نهارًا) لا ليلًا، وفي رواية ابن ماجه اختصار بالمرَّة، ولفظ "مسلم مع شرحه الكوكب": (أن رسول الله ﷺ بات) عام حجة الوداع قبل دخول مكة (بذي طوىً) أي: بموضع فيه بئر مطوية بالحجارة واستمر فيه حتى أصبح فيه، وفي بعض النسخ زيادة: (حتى يصلي الصبح) هناك وطوىً - بتثليث الطاء المهملة، والفتح أفصح وأشهر، ثم الضم أكثر، وعليه جمهور القراء، ويصرف ولا يصرف - هو موضع بمكة داخل الحرم، وقيل: اسم بئر قرب مكة في طريق أهل المدينة، كذا في "المرقاة".
стр. 8260
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال الحافظ: ويعرف اليوم ببئر الزاهر. انتهى.
وهو الآن موضع جنب مستشفى الولادة، وليس ذلك الموضع من بلدة مكة في ذلك الوقت، وإن كان من الحرم (ثم) بعد صلاته الصبح هناك (دخل مكة) نهارًا، قال ابن الملك: الأفضل أن يدخلها نهارًا؛ ليرى البيت من بعد. انتهى، وقيل: ليسلم من الحرامية بمكة، والأظهر أنه كان ينزل للاستراحة والاغتسال والنظافة، كذا في "المرقاة".
وقال الدهلوي: وذلك ليكون دخول مكة في حال اطمئنان القلب دون التعب؛ ليتمكن من استشعار جلال الله وعظمته، وأيضأ ليكون طوافه بالبيت على أعين الناس؛ فإنه أنوه بطاعة الله تعالى، وأيضًا فكان ﷺ يريد أن يعلمهم سنة المناسك، فأمهلم حتى يجتمعوا له جامّين متهيئين. انتهى.
قال الحافظ: وأما الدخول ليلًا .. فلم يقع منه ﷺ إلا في عمرة الجعرانة؛ فإنه ﷺ أحرم من الجعرانة ودخل مكة ليلًا، فقضى عمل العمرة ثم رجع ليلًا، فأصبح بالجعرانة كبائت بها؛ كما رواه أصحاب الثلاثة من حديث محرش الكعبي، فترجم له النسائي بباب دخول مكة ليلًا، وروى سعيد بن منصور عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يستحبون أن يدخلوا مكة نهارًا ويخرجوا منها ليلًا، وأخرج عن عطاء: إن شئتم .. فادخلوا ليلًا؛ إنكم لستم كرسول الله ﷺ ؛ إنه كان إمامًا، فأحب أن يدخلها نهارًا؛ ليراه الناس. انتهى.
وقضية هذا أن من كان إمامًا يقتدى به .. يستحب له أن يدخلها نهارًا. انتهى "فتح الملهم".
قال القرطبي: ولا خلاف في أن المبيت بذي طوىً ودخول مكة نهارًا ليس
стр. 8261
(٦١) - ٢٨٩٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن،
===
من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبي ﷺ وتتبعًا لمواضعه .. كان له في ذلك ثواب كثير وخير جزيل، وقد اشتهر الكلام على أفعال الحج، فليس هذا منها. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذي طوىً عند إرادة دخول مكة والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارًا، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في دخول النبي ﷺ مكة نهارًا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر الأول بحديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦١) - ٢٨٩٧ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري، عن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي
стр. 8262
عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِي حَجَّتِه، قَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيل مَنْزِلًا؟ ! "، ثُمَّ قَالَ: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ" يَعْنِي: الْمُحَصَّبَ،
===
المدني الملقب بزين العابدين، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن عثمان) بن عفان الأموي المدني، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أسامة بن زيد) بن حارثة الكلبي حب رسول الله ﷺ ومولاه رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أسامة: (قلت: يا رسول الله؛ أين تنزل غدًا؟ ) ويعلم من بعض الروايات أنه قال ذلك له وهم في منىً (وذلك) القول (في حجته) ﷺ حجة الوداع، فـ (قال) النبي ﷺ لأسامة: (وهل ترك لنا عقيل) بن أبي طالب (منزلًا) من منازل عبد المطلب ننزل فيه؟ ! (ثم قال) ﷺ : (نحن نازلون غدًا) ويعلم من بعض الروايات أنه قال ذلك غداة يوم النحر؛ والمراد بالغد هنا: ثالث عشر ذي الحجة؛ لأنه يوم النزول بالمحصب، فهو مجاز في إطلاقه عليه؛ كما يطلق أمس على الماضي مطلقًا، وإلا .. فثاني العيد هو الغد حقيقةً، وليس مرادًا، قاله الكرماني، كذا في "شرح المواهب".
(بخيف بني كنانة؛ يعني) النبي ﷺ ، أو الراوي بذلك الخيف: (المحصب) أي: الموضع المسمى بالمحصب، سمي بذلك؛ لكثرة الحصباء والحصى فيه، وحد المحصب: ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة
стр. 8263
حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَلَّا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالْخَيْفُ: الْوَادِي.
===
والجبل الذي يقابله مصعدًا. انتهى من "البذل"، ويسمى أيضًا: بالأبطح، وبخيف بني كنانة؛ لأنهم نازلون فيه، وورد في بعض الروايات أنه قال ذلك زمن الفتح، وفي بعضها حين أراد حنينًا؛ أي: بعد غزوة الفتح؛ لأن غزوة حنين كانت عقب غزوة الفتح، ويحتمل التعدد؛ أي: وقوعه مرة في حنين عقب غزوة الفتح وأخرى في حجة الوداع، والله أعلم. انتهى من "فتح الملهم".
والظرف في قوله: (حيث قاسمت) وتعاهدت (قريش على) استمرارهم على (الكفر) بمحمد ﷺ بدل من الجار والمجرور في قوله: بخيف بني كنانة (وذلك) التقاسم (أن بني كنانة حالفت) أي: تعاهدت (قريشًا) أي: توافقت مع قريش غير بني هاشم (على) قطيعة (بني هاشم) وبني المطلب؛ أي: على (ألا يناكحوهم) أي: على ألا يزوجوهم بناتهم ولا يتزوجوا منهم بناتهم (ولا) على أن (يبايعوهم) أموالهم ولا يشتروا منهم حتى يسلموا إليهم محمدًا؛ ليقتلوه.
(قال معمر) بن راشد في روايته: (قال) لنا شيخنا (الزهري: والخيف: الوادي) المشهور عندهم؛ كما بينا حده آنفًا؛ والمراد: تحالفهم على إخراج النبي ﷺ وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى هذا الشعب؛ وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، وكتبوا فيها أنواعًا من الضلال وعلقوها في جوف الكعبة، فأرسل الله تعالى عليها الأرضة، فأكلت كل ما فيها من كفر وقطيعة رحم وباطل وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك، فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 8264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عمه أبا طالب، فجاء إليهم أبو طالب، فأخبرهم عن النبي ﷺ بذلك، فوجدوه كما أخبر، والقصة مشهورة؛ كما سيأتي بيانها قريبًا، قال بعض العلماء: وكان نزوله ﷺ هناك شكرًا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء، وعلى إظهار دين الله تعالى. انتهى "نووي".
والدار التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: "وهل ترك لنا عقيل منزلًا؟ ! " هي دار كانت لهاشم بن عبد مناف، ثم صارت لابنه عبد المطلب، فقسمها بين أولاده حين عُمِّرَ وفَقَدَ بَصَرَهُ، فَمِن ثَمَّ صار للنبي ﷺ حق أبيه عبد الله، وفيها ولد النبي ﷺ .
ومحصل هذا: أن النبي ﷺ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثا من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة .. ففقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها.
وحكى الفاكهي: أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمئة ألف دينار. انتهى من " البذل".
وعبارة "العون": قوله: "هل ترك لنا عقيل منزلًا في مكة؟ ! " وذلك أنه كان عقيل ورث أباه أبا طالب هو وأخوه طالب، ولم يرثه ابناه جعفر وعلي شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين حين موته، ولو كانا وارثين .. لنزل النبي ﷺ في دورهما، وكان قد استولى طالب وعقيل على الدار كلها، باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها، قاله القسطلاني. انتهى منه.
стр. 8265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحاصل قصة التحالف: ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي من أنه لما رأت قريش أن الصحابة قد نزلوا أرضًا أصابوا بها أمانًا - أرض الحبشة - وأن عمر أسلم، وأن الإسلام قد فشا في القبائل .. أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله ﷺ في شعبهم، ومنعوه ممن أراد قتله، فاجابوا إلى ذلك، حتى كفارهم فعلوا ذلك؛ حميةً على عادة الجاهلية، فلما رأت ذلك قريش .. أجمعوا أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم وبني المطلب كتابًا على ألا يعاملوهم ولا يناكحوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، ففعلوا ذلك، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فشلت أصابعه، ويقال: إن الذي كتبها النضر بن الحارث، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري.
قال ابن إسحاق: فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فكانوا معه كلهم، إلا أبا لهب فكان مع قريش، قيل: وكان ابتداء حصرهم في المحرم سنة سبع من المبعث.
قال ابن إسحاق: فأقاموا سنتين أو ثلاثًا، وجزم موسى بن عقبة بأنها ثلاث سنين، حتى جهدوا، ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلا خفيةً، حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصلات، إلى أن قام في نقض الصحيفة نفر خمسة، من أشدهم في ذلك صنيعًا: هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جده، فكان يصلهم وهم في الشعب، ثم ذهب إلى زهير بن أبي أمية،