Полный текст (12 442 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.
стр. 8261
(٦١) - ٢٨٩٧ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن،
===
من المناسك، لكن إن فعل ذلك اقتداءً بالنبي ﷺ وتتبعًا لمواضعه .. كان له في ذلك ثواب كثير وخير جزيل، وقد اشتهر الكلام على أفعال الحج، فليس هذا منها. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب استحباب المبيت بذي طوىً عند إرادة دخول مكة والاغتسال لدخولها، ودخولها نهارًا، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في دخول النبي ﷺ مكة نهارًا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر الأول بحديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦١) - ٢٨٩٧ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) الذهلي النيسابوري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الزهري، عن علي بن الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمي
стр. 8262
عَنْ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟ وَذَلِكَ فِي حَجَّتِه، قَالَ: "وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيل مَنْزِلًا؟ ! "، ثُمَّ قَالَ: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ" يَعْنِي: الْمُحَصَّبَ،
===
المدني الملقب بزين العابدين، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن عثمان) بن عفان الأموي المدني، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أسامة بن زيد) بن حارثة الكلبي حب رسول الله ﷺ ومولاه رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أسامة: (قلت: يا رسول الله؛ أين تنزل غدًا؟ ) ويعلم من بعض الروايات أنه قال ذلك له وهم في منىً (وذلك) القول (في حجته) ﷺ حجة الوداع، فـ (قال) النبي ﷺ لأسامة: (وهل ترك لنا عقيل) بن أبي طالب (منزلًا) من منازل عبد المطلب ننزل فيه؟ ! (ثم قال) ﷺ : (نحن نازلون غدًا) ويعلم من بعض الروايات أنه قال ذلك غداة يوم النحر؛ والمراد بالغد هنا: ثالث عشر ذي الحجة؛ لأنه يوم النزول بالمحصب، فهو مجاز في إطلاقه عليه؛ كما يطلق أمس على الماضي مطلقًا، وإلا .. فثاني العيد هو الغد حقيقةً، وليس مرادًا، قاله الكرماني، كذا في "شرح المواهب".
(بخيف بني كنانة؛ يعني) النبي ﷺ ، أو الراوي بذلك الخيف: (المحصب) أي: الموضع المسمى بالمحصب، سمي بذلك؛ لكثرة الحصباء والحصى فيه، وحد المحصب: ما بين الجبل الذي عند مقابر مكة
стр. 8263
حَيْثُ قَاسَمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى الْكُفْرِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ بَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ قُرَيْشًا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَلَّا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، قَالَ مَعْمَرٌ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَالْخَيْفُ: الْوَادِي.
===
والجبل الذي يقابله مصعدًا. انتهى من "البذل"، ويسمى أيضًا: بالأبطح، وبخيف بني كنانة؛ لأنهم نازلون فيه، وورد في بعض الروايات أنه قال ذلك زمن الفتح، وفي بعضها حين أراد حنينًا؛ أي: بعد غزوة الفتح؛ لأن غزوة حنين كانت عقب غزوة الفتح، ويحتمل التعدد؛ أي: وقوعه مرة في حنين عقب غزوة الفتح وأخرى في حجة الوداع، والله أعلم. انتهى من "فتح الملهم".
والظرف في قوله: (حيث قاسمت) وتعاهدت (قريش على) استمرارهم على (الكفر) بمحمد ﷺ بدل من الجار والمجرور في قوله: بخيف بني كنانة (وذلك) التقاسم (أن بني كنانة حالفت) أي: تعاهدت (قريشًا) أي: توافقت مع قريش غير بني هاشم (على) قطيعة (بني هاشم) وبني المطلب؛ أي: على (ألا يناكحوهم) أي: على ألا يزوجوهم بناتهم ولا يتزوجوا منهم بناتهم (ولا) على أن (يبايعوهم) أموالهم ولا يشتروا منهم حتى يسلموا إليهم محمدًا؛ ليقتلوه.
(قال معمر) بن راشد في روايته: (قال) لنا شيخنا (الزهري: والخيف: الوادي) المشهور عندهم؛ كما بينا حده آنفًا؛ والمراد: تحالفهم على إخراج النبي ﷺ وبني هاشم وبني المطلب من مكة إلى هذا الشعب؛ وهو خيف بني كنانة، وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة، وكتبوا فيها أنواعًا من الضلال وعلقوها في جوف الكعبة، فأرسل الله تعالى عليها الأرضة، فأكلت كل ما فيها من كفر وقطيعة رحم وباطل وتركت ما فيها من ذكر الله تعالى، فأخبر جبريل النبي ﷺ بذلك، فأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 8264
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عمه أبا طالب، فجاء إليهم أبو طالب، فأخبرهم عن النبي ﷺ بذلك، فوجدوه كما أخبر، والقصة مشهورة؛ كما سيأتي بيانها قريبًا، قال بعض العلماء: وكان نزوله ﷺ هناك شكرًا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء، وعلى إظهار دين الله تعالى. انتهى "نووي".
والدار التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله: "وهل ترك لنا عقيل منزلًا؟ ! " هي دار كانت لهاشم بن عبد مناف، ثم صارت لابنه عبد المطلب، فقسمها بين أولاده حين عُمِّرَ وفَقَدَ بَصَرَهُ، فَمِن ثَمَّ صار للنبي ﷺ حق أبيه عبد الله، وفيها ولد النبي ﷺ .
ومحصل هذا: أن النبي ﷺ لما هاجر استولى عقيل وطالب على الدار كلها باعتبار ما ورثا من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة .. ففقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها.
وحكى الفاكهي: أن الدار لم تزل بأولاد عقيل إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمئة ألف دينار. انتهى من " البذل".
وعبارة "العون": قوله: "هل ترك لنا عقيل منزلًا في مكة؟ ! " وذلك أنه كان عقيل ورث أباه أبا طالب هو وأخوه طالب، ولم يرثه ابناه جعفر وعلي شيئًا؛ لأنهما كانا مسلمين حين موته، ولو كانا وارثين .. لنزل النبي ﷺ في دورهما، وكان قد استولى طالب وعقيل على الدار كلها، باعتبار ما ورثاه من أبيهما؛ لكونهما كانا لم يسلما، وباعتبار ترك النبي ﷺ لحقه منها بالهجرة، وفقد طالب ببدر، فباع عقيل الدار كلها، قاله القسطلاني. انتهى منه.
стр. 8265
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وحاصل قصة التحالف: ما ذكره ابن إسحاق وموسى بن عقبة وغيرهما من أصحاب المغازي من أنه لما رأت قريش أن الصحابة قد نزلوا أرضًا أصابوا بها أمانًا - أرض الحبشة - وأن عمر أسلم، وأن الإسلام قد فشا في القبائل .. أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني المطلب، فأدخلوا رسول الله ﷺ في شعبهم، ومنعوه ممن أراد قتله، فاجابوا إلى ذلك، حتى كفارهم فعلوا ذلك؛ حميةً على عادة الجاهلية، فلما رأت ذلك قريش .. أجمعوا أن يكتبوا بينهم وبين بني هاشم وبني المطلب كتابًا على ألا يعاملوهم ولا يناكحوهم، حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ ، ففعلوا ذلك، وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، وكان كاتبها منصور بن عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، فشلت أصابعه، ويقال: إن الذي كتبها النضر بن الحارث، وقيل: طلحة بن أبي طلحة العبدري.
قال ابن إسحاق: فانحازت بنو هاشم وبنو المطلب إلى أبي طالب، فكانوا معه كلهم، إلا أبا لهب فكان مع قريش، قيل: وكان ابتداء حصرهم في المحرم سنة سبع من المبعث.
قال ابن إسحاق: فأقاموا سنتين أو ثلاثًا، وجزم موسى بن عقبة بأنها ثلاث سنين، حتى جهدوا، ولم يكن يأتيهم شيء من الأقوات إلا خفيةً، حتى كانوا يؤذون من اطلعوا على أنه أرسل إلى بعض أقاربه شيئًا من الصلات، إلى أن قام في نقض الصحيفة نفر خمسة، من أشدهم في ذلك صنيعًا: هشام بن عمرو بن الحارث العامري، وكانت أم أبيه تحت هاشم بن عبد مناف قبل أن يتزوجها جده، فكان يصلهم وهم في الشعب، ثم ذهب إلى زهير بن أبي أمية،
стр. 8266
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فكلمه في ذلك، فوافقه، ومشيا جميعًا إلى المطعم بن عدي وإلى زمعة بن الأسود، فاجتمعوا على ذلك، فلما جلسوا في الحجر .. تكلموا في ذلك، وأنكروه، وتواطؤوا عليه، فقال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، وفي آخر الأمر أخرجوا الصحيفة، فمزقوها وأبطلوا حكمها.
وذكر ابن هشام أنهم وجدوا الأرضة قد أكلت جميع ما فيها إلا اسم الله تعالى، وأما ابن إسحاق، وموسى بن عقبة، وعروة .. فذكروا عكس ذلك؛ أن الأرضة لم تضع اسمًا لله تعالى إلا أكلته، وبقي ما فيها من الظلم والقطيعة، والله تعالى أعلم، كذا في "الفتح".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب التحصيب، وأحمد في "المسند"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وابن خزيمة في "صحيحه"، وعبد الرزاق.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر الأول.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8267
(٢٧) - (١٠٣٤) - بَابُ اسْتِلَامِ الْحَجَرِ
(٦٢) - ٢٨٩٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا عَاصِم الْأَحْوَلُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: رَأَيْتُ الْأُصَيْلِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ
===
(٢٧) - (١٠٣٤) - (باب استلام الحجر)
(٦٢) - ٢٨٩٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عاصم) بن سليمان (الأحول) أبو عبد الرحمن البصري، ثقة، من الرابعة، لم يتكلم فيه إلا القطان، وكأنه بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن سرجس) - بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة - المزني حليف بني مخزوم الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه سكن البصرة. يروي عنه: (م عم).
(قال) ابن سرجس: (رأيت الأصيلع) تصغير الأصلع؛ لأنه كان به صلع قليل (عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
وفي رواية مسلم: (رأيت الأصلع) بلا تصغير؛ والأصلع: هو الذي انحسر
стр. 8268
يُقَبِّلُ الْحَجَرَ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأُقَبِّلُكَ وَإِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ،
===
شعر مقدم رأسه لطبيعة، وكان سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه كذلك، ولأنه نعته في الكتب المتقدمة، يقال: إنهم كانوا يقولون - أعني نصارى الشام -: إن الذي يفتح بيت المقدس الأصلع، والله أعلم. انتهى من "المفهم".
ولا يكره ذلك في الرجال، بل العرب تمدح به وبالنزع؛ وهو - بفتحتين -: انحسار شعر الرأس من جانبي الجبهة؛ لأنه آية الذكاء والسخاء.
وتذم بالغمم؛ وهو أيضًا - بفتحتين -: سيلان شعر الرأس حتى تضيق منه الجبهة أو القفا؛ لأنه علامة الغباوة والبخل، قال الشاعر:
ولا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا
وفي قوله: (رأيت الأصلع) أنه لا بأس بلقبه ووصفه الذي لا يكرهه، وإن كان قد يكره غيره مثله؛ أي: قال عبد الله بن سرجس: (رأيت الأصلع عمر بن الخطاب) حالة كونه (يقبل الحجر) الأسود في الطواف (ويقول) للحجر: والله (إني لأقبلك) اقتداءً بمحمد ﷺ (وإني لأعلم) وأعتقد (أنك حجر) من الأحجار وأنك (لا تضر) من لا يقبلك بجلب مضرة له (ولا تنفع) من قبلك بذاتك بجلب منفعة له، وإن كان امتثال ما شرع فيك ينفع بالجزاء والثواب.
والمعنى: أنك لا قدرة لك على جلب نفع ولا دفع ضر، وأنك حجر مخلوق كسائر المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع.
وإنما قال ذلك: لئلا يغتر بعض قريبي العهد بالإسلام ممن ألفوا عبادة الأحجار، فيعتقدون نفعه وضره بالذات، فبين عمر رضي الله تعالى عنه أنه لا يضر ولا ينفع لذاته، وإن كان امتثال ما شرع فيه ينفع، باعتبار الجزاء، وليشيع في الموسم فيشتهر ذلك في البلدان المختلفة. أفاده النووي.
стр. 8269
وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُكَ .. مَا قَبَّلْتُكَ.
===
ونقله ملا علي عن الطيبي شارح "المشكاة" ثم تعقبه بقوله فيه: إنه لا يظن بأرباب العقول ولو كانوا كفارًا أن يعتقدوا أن الحجر ينفع ويضر بالذات، وإنما هم يعبدون الأحجار، معللين بأن هؤلاء شفعاؤنا عند الله تعالى، والفرق بيننا وبينهم: أنهم كانوا يفعلون من تلقاء أنفسهم ما أنزل الله بها من سلطان، بخلاف المسلمين؛ فإنهم يصلون إلى الكعبة بناءً على ما أمر الله تعالى به، ويقبلون الحجر بناء على متابعة رسول الله ﷺ ، وإلا .. فلا فرق في حد الذات، ولا في نظر العارف بالموجودات، بين بيتٍ وبيتٍ، ولا بين حجر وحجر، فسبحان من عظم ما شاء من مخلوقاته من الأفراد الإنسانية؛ كرسل الله تعالى، والحيوانية؛ كناقة الله، والجمادية؛ كبيت الله، والمكانية؛ كحرم الله، والزمانية؛ كليلة القدر وساعة الإجابة يوم الجمعة. انتهى ببعض اختصار.
(ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك .. ما قبلتك).
وقوله: (رأيت الأصيلع) بالتصغير، وفي رواية: (رأيت الأصلع) بالتكبير، وليس في هذا التصغير معنىً يناسب هنا التوقير والتعظيم، وقد قال الجوهري في "صحاحه": والأصيلع من الحيات: الدقيق العنق؛ كأن رأسه بندقة، وزاد عليه المجد معنىً، وهو أسوأ منه.
وقال القرطبي: وتصغيره في هذا الموضع للتهويل والتوقير؛ كما قالوا للجبل العظيم: جبيل، وكقول الشاعر:
وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرُّ منها الأنامل
انتهى منه.
قال السندي: قوله: (رأيت الأصيلع) هو تصغير الأصلع؛ وهو الذي انحسر
стр. 8270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الشعر عن رأسه، وعمر كان كذلك، وفي حديث عمر رضي الله تعالى عنه أنه قيل عنه: القرعان، فقيل له: فأنت أصلع، فقال: كان رسول الله ﷺ أنزع. ذكره الدميري.
قوله: (ويقول) أي: للحجر مخاطبًا إياه ليسمع الحاضرين ويعلموا أن المقصود الاتباع، لا تعظيم الحجر؛ كما كان عليه عبدة الأوثان؛ فالمقصود: تعظيم أمره تعالى، واتباع نبيه ﷺ . انتهى منه.
قوله: (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك .. ما قبلتك) ظاهره أنه خاطب الحجر بذلك؛ ليسمع الحاضرين فينتبهوا على أنه حجر لا ينفع ولا يضر بذاته، وأن امتثال ما شرع فيه ينفع بالجزاء والثواب؛ فمعناه: أنه لا قدرة لك على جلب نفع، ولا على دفع ضر؛ إنك حجر مخلوق كسائر المخلوقات، التي لا تضر ولا تنفع، وأشاع عمر هذا في الموسم؛ لينتشر في البلدان، ويحفظه أهل الموسم المختلفو الأوطان.
وأراد عمر بقوله: (ولولا أني رأيت ... ) إلي آخره: بيان الحث على الاقتداء برسول الله ﷺ ، وفيه كما في "المرقاة" إشارة منه رضي الله تعالى عنه إلى أن هذا أمر تعبدي فنفعل، وعن علته لا نسأل. انتهى.
فائدة
قد ورد في فضل الحجر حديث ابن عباس مرفوعًا: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن، فسودته خطايا بني آدم"، أخرجه الترمذي وصححه، وفيه عطاء بن السائب وهو صدوق، لكنه اختلط، وجرير ممن سمع منه بعد اختلاطه، لكن له طريق أخرى في "صحيح ابن خزيمة"، فيقوى بها، وقد رواه النسائي من طريق حماد بن سلمة عن عطاء مختصرًا، ولفظه: "الحجر الأسود من الجنة، وحماد ممن سمع عن عطاء قبل الاختلاط.
стр. 8271
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي "صحيح ابن خزيمة" أيضًا عن ابن عباس مرفوع: "إن لهذا الحجر لسانًا وشفتين يشهدان لمن استلمه يوم القيامة بحق" وصححه أيضًا ابن حبان والحاكم، وله شاهد من حديث أنس عند الحاكم أيضًا. كذا في "الفتح".
قال الحافظ: واعترض بعض الملحدين على الحديث السابق: فكيف سودته خطايا بعض المشركين، ولم تبيضه طاعات أهل التوحيد؟ !
وأجيب: بما قال ابن قتيبة: لو شاء الله تعالى .. لكان ذلك، وإنما أجرى العادة، بأن السواد يصبغ ولا ينصبغ، على العكس من البياض.
وقال المحب الطبري: في بقائه أسود عبرة لمن له بصيرة؛ فإن الخطايا إذا أثرت في الحجر الصلد، فتأثيرها في القلب أشد، قال: وروي عن ابن عباس: إنما غيره بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلي زينة الجنة، فإن ثبت .. فهذا هو الجواب.
قال القاضي عياض: قوله: (ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ ... ) إلي آخره، فيه: الاقتداء وترك الاعتراض على السنن بالعقل، وفيه أن تقبيل الحجر ليس عبادةً له، بل لله تعالى، وامتثالًا لأمره؛ كأمر الملائكة ﵈ بالسجود لآدم ﵇.
وشرع التكبير مع ذلك؛ إشعارًا بأن القصد به لله تعالى لا لغيره، والتحسين والتقبيح عندنا شرعيان لا عقليان، والعبادة منها ما عقل معناه ومصلحته، ومنها ما لا، فوضع الحجر لمجرد التعبدية وامتثال الأمر به، واطراح استعمال العقل، وأكثر أفعال الحج من هذا الباب، ولهذا جاء في بعض التلبية: (لبيك بحجةٍ حقًّا، تعبدًا ورقًا). انتهى من "إكمال المعلم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب استحباب تقبيل الحجر، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب تقبيل الحجر،
стр. 8272
(٦٣) - ٢٨٩٩ - (٢) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ
===
والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في تقبيل الحجر، قال أبو عيسى: حديث عمر حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب تقبيل الحجر، ومالك والدارمي وأحمد.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦٣) - ٢٨٩٩ - (٢) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل، صدوق في نفسه، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا عبد الرحيم) بن سليمان الكناني أبو علي (الرازي) الأشل، سكن الكوفة، ثقةٌ له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله بن عثمان (بن خثيم) - بالمعجمة والمثلثة مصغرًا - القارئ المكي، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) سعيد: (سمعت ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8273
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَيَأْتِيَنَّ هَذَا الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَان يَنْطِقُ بِهِ؛ يَشْهَدُ عَلَى مَنْ يَسْتَلِمُهُ بِحَقٍّ".
(٦٤) - ٢٩٠٠ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا خَالِي يَعْلَى
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
حالة كونه: (يقول: قال رسول الله ﷺ : والله؛ أي: أقسمت بالله (ليأتين هذا الحجر) الأسود (يوم القيامة وله عينان يبصر بهما ولسان ينطق به، يشهد) بالإيمان (على من يستلمه) أي: لمن يستلمه بيده، حالة كون ذلك المستلم ملتبسًا (بـ) دين (حق)؛ وهو دين الإسلام، ومات عليه، فعلى بمعنى: اللام.
واستلامه بحق: هو طاعة الله واتباع سنة نبيه ﷺ ، لا تعظيم الحجر نفسه، والشهادة عليه: هي الشهادة له على أدائه حق الله المتعلق به، وليست على هنا للضرر. انتهى "سندي".
وهذا الحديث مما انفرد به ابن ماجه، وليس الأمر كما قال في هامش المتن من رواية الترمذي له، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن عمر الأول رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٦٤) - ٢٩٠٠ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(حدثنا خالي يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي أبو يوسف الطنافسي، ثقة، إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومئتين (٢٠٣ هـ)، وله تسعون سنة. يروي عنه: (ع).
стр. 8274
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَوْنٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْحَجَرَ ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ؛ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَبْكِي فَقَالَ: "يَا عُمَرُ؛ هَا هُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ".
===
(عن محمد بن عون) - آخره نون - الخراساني، متروك، من السادسة، مات بعد الأربعين ومئة. يروي عنه: (ق)، وقال الدولابي والأزدي: متروك الحديث.
روى له ابن ماجه حديثًا وهو هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر: (قبل رسول الله ﷺ الحجر، ثم وضع شفته عليه يبكي طويلًا ... ) الحديث، وهذا حديث منكر، ليس له أصل. انتهى من "التهذيب".
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه محمد بن عوف، وهو متروك.
(قال) ابن عمر: (استقبل) أي: قبل (رسول الله ﷺ الحجر) الأسود بفمه؛ كما في بعض النسخ، والسين والتاء فيه في هذه النسخة زائدتان (ثم) بعدما قبله (وضع) أي: ترك (شفتيه عليه) أي: على الحجر لم يرفعهما عنه، حالة كونه ﷺ (يبكي) على الحجر بكاءً (طويلًا) زمنه (ثم) بعدما بكى عليه بكاءً طويلًا (التفت) النبي ﷺ إلى جوانبه؛ (فإذا هو) ﷺ راء (بعمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه، حالة كون عمر (يبكي) أيضًا (فقال) النبي ﷺ لعمر: ابك (يا عمر) بكاءً كثيرًا؛ (ها هنا) أي: في هذا المكان؛ يعني: عند الحجر الأسود، ينبغي أن (تسكب) وتصب (العبرات) أي: الدموع؛ أي: شوقًا إلى الله تعالى، أو خوفًا وحياءً منه.
стр. 8275
(٦٥) - ٢٩٠١ - (٤) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف موضوع (٦) (٣٠٤)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بحديث ابن عمر الأخير رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٦٥) - ٢٩٠١ - (٤) (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح) الأموي أبو الطاهر (المصري) ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس) بن يزيد "الأصل" الأموي، ثقةٌ، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهريّ المدني، ثقةٌ إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب، ثقةٌ، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8276
قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ وَالَّذِي يَلِيهِ مِنْ نَحْوِ دُورِ الْجُمَحِيِّينَ.
===
(قال) عبد الله بن عمر: (لم يكن رسول الله ﷺ يستلم) بيده شيئًا (من أركان البيت) الأربعة (إلا الركن الأسود) أي: إلا ركن الحجر الأسود؛ والمراد باستلام الركن: استلام الحجر نفسه؛ وهو الذي جنب الملتزم (و) إلا (الذي يليه) أي: وإلا الركن الذي يلي الركن الأسود (من نحو) أي: من جهة (دور الجمحيين) أي: دور بني جمح؛ والمراد بهما: اليمانيان؛ أحدهما: الركن الأسود، والثاني: الذي يليه من جهة دور بني جمح، وكلاهما من جهة اليمن، ولذلك نسبا إليه.
وقيل: إنما قيل لهما: اليمانيان؛ لِلتَّغْلِيبِ؛ كما في الأبوين والقمرين والعمرين وأمثالها، قال النووي: وقد أجمعت الأمة على استحباب استلام الركنين اليمانيين، واتفق الجماهير على ألا يمسح الركنان الآخران؛ وهما: الشامي والعراقي، وكان معاوية وكذا ابن الزبير يستلم الأركان كلها.
قال الحافظ: وقد تقدم قول ابن عمر: إنما ترك رسول الله ﷺ استلام الركنين الشاميين؛ لأن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم، وعلى هذا المعني حمل ابن التين تبعًا لابن القصار استلام ابن الزبير لهما؛ لأنه لما عمر الكعبة .. أتم البيت على قواعد إبراهيم ﵇؛ فقد أخرج الأزرقي في كتاب "مكة" فقال: إن ابن الزبير لما فرغ من بناء البيت، وأدخل فيه من الحجر ما أخرج منه، ورد الركنين على قواعد إبراهيم .. خرج إلى التنعيم واعتمر، وطاف بالبيت، واستلم الأركان الأربعة كلها، فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير؛ إذا طاف الطائف استلم الأركان كلها، حتى قتل ابن الزبير.
وقال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة الأمصار والفقهاء على أن الشاميين لا
стр. 8277
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يستلمان، قال: وإنما فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين، وانقرض الخلاف وأجمعوا على أنهما لا يستلمان، والله أعلم. انتهى "فتح الملهم".
قوله: (إلا الركن الأسود) وهو المسمى بالحجر الأسود؛ وهو في ركن الكعبة الذي يلي الباب من جهة المشرق.
قال النووي: يحتج به الجمهور في أنه يقتصر بالاستلام في الحجر الأسود عليه دون الركن الذي هو فيه، خلافًا للقاضي أبي الطيب من الشافعية.
قوله: (والذي يليه) أي: يلي ركن الحجر؛ وهو الركن اليماني الذي يلي الركن الأسود (من نحو دور الجمحيين) أي: من ناحية ديارهم وبيوتهم.
فائدة
واستلام الركن: هو أن يتناول الركن بفيه أو بيده أو بعصًا، ويأتي تفصيل ذلك، ولكن استلام الركنين يختلف، فاستلام الركن الذي فيه الحجر بتقبيل الحجر لمن قدر عليه، فإن لم يقدر .. وضع عليه يده ثم يقبلها، فإن لم يقدر .. قام بإزائه وكبر، فإن لم يقدر .. فلا شيء.
وأما اليماني الآخر .. فاستلامه: أن يلمسه بيده، واختلف هل يقبلها؟ واستحب بعض السلف أن يكون لمس الركنين في وتر طوافه لا في في شفعه، ومال إليه الشافعي، وهذا كله في أول شوط، ولا يلزم في بقيتها إلا أن يشاء، ولا يلزم النساء شيء من ذلك.
واختص هذان الركنان بالاستلام دون الباقيين؛ لأنهما على أساس إبراهيم ﵇، بخلاف الباقيين؛ لأنهما ليسا بركنين حقيقةً؛ لأن الحجر - بكسر الحاء - من ورائهما.
стр. 8278
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: لما بنت قريش البيت على ما يأتي، وأعجزتهم النفقة .. أسقطوا من البيت من جهة الركنين، وجعلت الحجر من ورائهما، فهما من البيت، لكن ليسا على أساس إبراهيم ﵇، ولما زاد الركن الذي فيه الحجر - بفتح الحاء - بفضيلة أن فيه الحجر .. اختص بالتقبيل. انتهى من "شرح الأبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب استلام الركنين اليمانيين في الطواف دون الركنين الآخرين، والنسائي في كتاب المناسك، باب ترك استلام الركنين الآخرين.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر بن الخطاب.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب من الأحاديث: أربعة:
الأول منها للاستدلال، والثالث منها للاستئناس، والثاني والرابع للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8279
(٢٨) - (١٠٣٥) - بَابُ مَنِ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ
(٦٦) - ٢٩٠٢ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْر، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ
===
(٢٨) - (١٠٣٥) - (باب من استلم الركن بمحجنه)
(٦٦) - ٢٩٠٢ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يونس بن بكير) بن واصل الشيباني الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(حدثنا محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، ثقةٌ عارف إمام، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوام الأسدي المدني، ثقةٌ، من السادسة. يروي عنه: (ع)، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ).
(عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) المدني، مولي بني نوفل، ثقةٌ، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي ﷺ ، وأنكر الدارقطني إدراكها. يروي عنها: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، وأما
стр. 8280
قَالَتْ: لَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ .. طَافَ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ بِيَدِه،
===
ابن إسحاق .. فهو ثقةٌ إمام المغازي، فلا يضر السند؛ كما في "التهذيب".
وقال المنذري: وصفية هذه أخرج لها البخاري في "صحيحه" حديثًا، وقيل: إنها ليست بصحابية، وإن الحديث مرسل، حكي ذلك عن أبي عبد الرحمن النسائي وأبي بكر البرقاني، وذكرها ابن السكن في كتابه في "الصحابة"، وكذلك أبو عمر بن عبد البر، وقال بعضهم: ولها رواية، ويدل عليها قولها في الحديث: (وأنا أنظره) وأخرج ابن ماجه عنها، وذكر أنها سمعت النبي ﷺ يخطب في عام الفتح غير أن هذين الحديثين من رواية محمد بن إسحاق بن يسار، وقد تقدم الكلام عليه. انتهى، انتهى من "العون".
وقد ذكرنا آنفًا أن محمد بن إسحاق، ثقةٌ إمام عارف؛ فالحديث صحيح موصول؛ كما يدل عليه رواية البخاري عنها.
(قالت) صفية: (لما اطمأن رسول الله ﷺ عام الفتح) بفراغه من شواغل الحرب وصار مطمئنًا .. (طاف) طواف القدوم بالبيت راكبًا (على بعير) حالة كونه (يستلم الركن) أي: الحجر الأسود (بمحجن) كائن (بيده) أي: في يده الشريفة؛ أي: يشير إليه بالمحجن.
قال الخطابي: معنى طوافه على البعير: أن يكون بحيث يراه الناس وأن يشاهدوه، فيسألوه عن أمر دينهم، ويأخذوا عنه مناسكهم، فاحتاج إلي أن يشرف عليهم، وقد روي هذا المعني عن جابر بن عبد الله.
وفيه من الفقه جواز الطواف عن المحمول وإن كان مطيقًا للمشي، وقد يستدل بهذا الحديث من يرى بول ما يؤكل لحمه طاهرًا؛ لأن البعير إذا بقي في المسجد المدة التي يقضى فيها الطواف .. لم يكد يخلو من أن يبول؛ فلو كان بوله ينجس
стр. 8281
ثُمَّ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَوَجَدَ فِيهَا حَمَامَةَ عَيْدَانٍ فَكَسَرَهَا، ثُمَّ قَامَ عَلَى بَابِ الْكَعْبَةِ فَرَمَى بِهَا وَأَنَا أَنْظُرُهُ.
===
المكان .. لنزه المسجد عن إدخاله فيه، والله أعلم. انتهى من "العون".
والمحجن: عصا معوجة الرأس يتناول به الراكب ما سقط عنه، ويحول بطرفها بعيره ويحركه للمشي. انتهى "سندي".
(ثم) بعد فراغه من الطواف (دخل الكعبة) المشرفة زادها الله شرفًا (فوجد فيها) أي: فرأى في جوف الكعبة (حمامة) بالنصب على أنه مفعول وجد؛ لأنه بمعنى الرؤية البصرية (عيدانٍ) بالجر والتنوين؛ لأنه مضاف إليه لحمامة؛ أي: فرأى في جوفها صورة حمامة نحتت من عيدان - بفتح العين وسكون الياء - والعيدان - جمع عيدانة -: وهي الطويل من النخل؛ أي: رأى صورة كصورة حمامة، صنعت تلك الصورة من عيدان النخل.
(فـ) أخذ تلك الصورة من جوف الكعبة فـ (كسرها) وهو في الداخل (ثم قام على باب الكعبة فرمى بها) أي: بتلك الصورة المكسرة في الخارج (و) الحال (أنا أنظره) أي: أنظر إليه ﷺ حالة رميه إياها.
قال في "سبل السلام": والحديث دليل على أنه يجزئ عن استلامه باليد استلامه بآلة، ويقبل الآلة؛ كالمحجن والعصا، وكذلك إذا استلمه بيده قبل يده؛ فقد روى الشافعي أنه قال ابن جريج لعطاء: هل رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا استلموا .. قبلوا أيديهم؟ قال: نعم، رأيت جابر بن عبد الله وابن عمر وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة إذا استلموا .. قبلوا أيديهم.
فإِنْ لَمْ يُمْكِن استلامهُ لزحمةٍ .. قام حياله، ورفع يده وكبر؛ لما روي أنه ﷺ قال: "يا عمر؛ إنك رجل قوي، لا تزاحم على الحجر
стр. 8282
(٦٧) - ٢٩٠٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْح، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
===
فتؤذي الضعفاء، إن وجدت خلوةً .. فاستلمه، وإلا .. فاستقبله، وهلل وكبر". رواه أحمد والأزرقي.
وإذا أشار بيده .. فلا يقبلها، لأنه لا يقبل إلا الحجر، أو ما مس الحجر. انتهى، انتهى من " العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الطواف الواجب، والبيهقي في "دلائل النبوة".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث صفيةَ بِنْتِ شَيبةَ بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٦٧) - ٢٩٠٣ - (٢) (حدثنا أحمد بن عمرو بن السرح) الأموي المصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(أنبأنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يونس) بن يزيد الأيلي الأموي، ثقةٌ، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهريّ المدني، ثقةٌ، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
стр. 8283
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ
===
(عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أَبِي عبدِ الله المدني، ثقة فقيه ثبت، من الثالثة، مات دون المئة سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ)، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ طاف) طواف الإفاضة (في حجة الوداع) قال النووي: فيه جواز أن يقال: حجة الوداع، وكرهه بعضهم. انتهى.
(على بعير) له؛ والبعير: يطلق على الذكر والأنثى، والذكر منه يسمى جملًا، والأنثى تسمى ناقة.
وهذا - أي: طوافه على بعير - كان في طواف الإفاضة؛ لعذر به؛ لما جاء في بعض الروايات من ذكر مرضه ﷺ ؛ فإن المشي في الطواف، وكذا في السعي واجب عندنا - يعني: عند الأحناف - على من لا عذر له، وليس ذلك من خصوصياته ﷺ ؛ لما سيأتي من أمره لأم سلمة بالطواف حالة الركوب بسبب مرضها، نعم؛ فيه خصوصية زحام الناس وسؤالهم عن الأحكام، وكون ناقته محفوظة من الروث. انتهى من "المرقاة".
وقال الحافظ: إن البخاري حمل سبب طوافه ﷺ راكبًا أنه كان من شكوى، وأشار بذلك إلى ما أخرجه أبو داوود من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ: (قدم النبي ﷺ مكة وهو يشتكي، فطاف على راحلته).
ووقع في حديث جابر عند مسلم: أن النبي ﷺ طاف راكبًا؛ ليراه الناس وليسألوه.
стр. 8284
يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ.
===
ويحتمل أن يكون فعل ذلك للأمرين، وحينئذ: لا دلالة فيه على جواز الطواف راكبًا لغير عذر؛ وكلام الفقهاء يقتضي الجواز، إلا أن المشي أولى، والركوب مكروه تنزيهًا.
حالة كونه (يستلم الركن) أي: الحجر؛ كما في بعض روايات مسلم (بمحجن) والمحجن - بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الجيم بعدها نون -: هو عصًا معوجة الرأس؛ يتناول الراكب بها ما سقط منه، ويحول بعيره بطرفها، ويحركه للمشي؛ من الحجن؛ وهو الاعوجاج، وبذلك سمي الحجون؛ والمعنى: أنه يوميء بعصاه إلى الركن حتى يصيبه.
قال ابن التين: وهذا يدل على قربه من البيت، لكن من طاف راكبًا .. يستحب له أن يبعد إن خاف أن يؤذي أحدًا، فيحمل فعله ﷺ على الأمن من ذلك. انتهى، ويحتمل: أن يكون في حال استلامه قريبًا حيث أمن من ذلك، وأن يكون في إشارته بعيدًا حيث خاف من ذلك. كذا في "الفتح".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب استلام الركن بالمحجن، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز الطواف على بعير، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الطواف الواجب، والنسائي في كتاب المساجد، باب إدخال البعير المساجد، وفي كتاب الحج، باب استلام الركن بمحجن، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث صفية بحديث أبي الطفيل رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 8285
(٦٨) -٢٩٠٤ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا هَدِيَّةُ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّاب، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى قَالَا: حَدَّثَنَا مَعْرُوفُ بْنُ خَرَّبُوذَ الْمَكِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الطُّفَيْلِ عَامِرَ بْنَ وَاثِلَةَ
===
(٦٨) - ٢٩٠٤ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع ح وحدثنا هدية) بفتح أوله وكسر ثانيه وتشديد التحتانية (ابن عبد الوهاب) المروزي أبو صالح، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا الفضل بن موسى) السيناني - بمهملة مكسورة ونونين - أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت وربما أغرب، من كبار التاسعة، مات سنة اثنتين وتسعين ومئة (١٩٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال كل من وكيع والفضل بن موسى: (حدثنا معروف بن خربوذ) بفتح المعجمة وتشديد الراء وسكونها ثم موحدة مضمومة وواو ساكنة وذال معجمة (المكي) مولي آل عثمان، صدوق ربما وهم، وكان أخباريًّا علامة، من الخامسة. يروي عنه: (خ م د ق).
(قال) معروف: (سمعت أبا الطفيل عامر بن واثلة) بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، وربما سمي عمرًا، ولد عام أحد، ورأى النبي ﷺ ، وروى عن أبي بكر فمن بعده، وعمِّر إلي أن مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ) على الصحيح، وهو آخِرُ من مات من الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، قاله مسلم وغيره. يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من رباعياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
стр. 8286
قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى رَاحِلَتِه، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ.
===
(قال) أبو الطفيل: (رأيت النبي ﷺ حالة كونه (يطوف بالبيت) المكرم، حالة كونه راكبًا (على راحلته) أي: ناقته، حالة كونه (يستلم الركن) أي: الحجر الأسود (بمحجنه) أي: بعصاه المعوجة الرأس (ويقبل المحجن) بعد الاستلام به، قال الجمهور: إن السنة أن يستلم الركن بيده ويقبل يده؛ فإن لم يستطع أن يستلمه بيده .. استلمه بشيء في يده، وقبَّل ذلك الشيءَ، فإن لم يستطع .. أشار إليه واكتفى بذلك.
وعن مالك في رواية: لا يقبل يده، وكذلك القاسم بن محمد، وفي رواية عند المالكية: يضع يده على فيه من غير تقبيل. انتهى "فتح الملهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز الطواف على البعير، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الطواف الواجب، وأحمد بن حنبل.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث صفية.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8287
(٢٩) - (١٠٣٦) - بَابُ الرَّمَلِ حَوْلَ الْبَيْتِ
(٦٩) - ٢٩٠٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ بَشِيرٍ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
(٢٩) - (١٠٣٦) - (باب الرمل حول البيت)
وهو إسراع المشي في الطواف مع تقارب الخُطَى.
(٦٩) - ٢٩٠٥ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ).
(حدثنا أحمد بن بشير) المخزومي مولي عمرو بن حريث، أبو بكر الكوفي، صدوق له أوهام، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (خ ت ق).
(ح وحدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا محمد بن عبيد) - بغير إضافة - ابن أبي أمية الطنافسي الكوفي الأحدب، ثقةٌ حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ)، روى عن عبيد الله بن عمر، ويروي عنه: (ع)، وعلي بن محمد الطنافسي.
(قالا) أي: قال كل من أحمد بن بشير ومحمد بن عبيد: (حدثنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري، ثقةٌ ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8288
أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ الطَّوَافَ الْأَوَّلَ .. رَمَلَ ثَلَاثَةً وَمَشَى أَرْبَعَةً مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَر، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ.
===
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(أن رسول الله ﷺ كان إذا طاف بالبيت) أي: إذا أراد الطواف بالبيت (الطواف الأول) أي: الطواف الذي يقع أول ما قدم مكة، سواء للعمرة، أو للقدوم في الحج، لكن بشرط أن يسعى بعده، فإن أراد تأخير السعي إلى ما بعد طواف الإفاضة .. أخر الرمل إلى طواف الإفاضة.
وفي "شرح الأبي": ولا يخاطب بالرمل النساء، قال القرطبي: لمشقته عليهن، ولأنه يظهر منهن ما يجب ستره من الأرداف والنهود. انتهى.
والأرداف جمع ردف؛ وهو العجز، والنهود جمع نهد، وهو الصدر.
(رمل) أي: أسرع في مشيه؛ أي: مشى بسرعة مع تقارب الخطا وهز كتفيه.
(ثلاثة) من الأشواطِ الأُولِ من الحَجَرِ إلى الحَجَرِ من الأشواط السبعة (ومشى) على عادته (أربعة) الأشواط الأخيرة من الأشواط السبعة (من الحجر) بفتح الحاء المهملة والجيم (إلى الحجر) أي: رمل من الحجر إلى الحجر في جميع الأشواط الثلاثة الأول، ومشى من الحجر إلى الحجر في جميع الأشواط الأربعة الأخيرة.
قال نافع بالسند السابق: (وكان ابن عمر يفعله) أي: يفعل ما ذكر من الرمل في الثلاثة الأولى، والمشي في الأربعة الأخيرة، اجتهادًا في اتباع السنة.
وكان الحكمة في مشروعية الرمل أنه ﷺ أراد أن يري المشركين قوة أصحابه، وكانوا يزعمون أن أصحاب محمد قد أوهنتهم حمى يثرب، قاله الخطابي.
стр. 8289
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولو تركه أو نسيه ولو في الثلاثة .. لم يرمل في الأربعة؛ لأن ترك الرمل في الأربعة سنة، فلو رمل فيها .. كان تاركًا للسنتين، وترك إحداهما أسهل، ولو رمل في الكل .. لم يلزمه شيء، وينبغي أن يكره تنزيهًا لمخالفة السنة؛ كما في "البحر".
ولو زحمه الناس؛ فإن كانت الزحمة قبل الشروع .. وقف، وإن حصلت في الأثناء .. فلا يقف؛ لئلا تفوت الموالاة، بل يمشي حتى يجد فرجة فيرمل.
قال النووي: ولو لم يمكنه الرمل بقرب الكعبة، وأمكنه إذا تباعد عنها .. فالأولى أن يتباعد ويرمل؛ لأن الرمل هيئة للعبادة في نفسها، والقرب من البيت هيئة في موضع العبادة، لا في نفسها، فكان تقديم ما تعلق بنفسها أولى، والله أعلم، واتفق العلماء على أن الرمل لا يشرع للنساء؛ كما لا يشرع لهن شدة السعي بين الصفا والمروة، ولو ترك الرجل الرمل حيث شرع له .. فهو تارك سنة ولا شيء عليه، هذا مذهبنا، واختلف أصحاب مالك: فقال بعضهم: يلزمه دم، وقال بعضهم: لا دم؛ كمذهبنا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب الرمل، ومسلم في كتاب الحج، باب الرمل في الطواف، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الرمل، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الرمل من الحجر إلى الحجر، والنسائي في كتاب مناسك الحج، باب الرمل من الحجر إلى الحجر.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 8290
(٧٠) - ٢٩٠٦ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعُكْلِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا.
===
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث جابر رضي الله تعالى عنهم فقال:
(٧٠) - ٢٩٠٦ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي.
(حدثنا أبو الحسين العكلي) - بضم المهملة وسكون الكاف - زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين - الكوفي، وكان أصله من خراسان، صدوق يخطيء في حديث الثوري من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مالك بن أنس) الأصبحي المدني إمام الفروع، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جعفر) الصادق (ابن محمد) الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ رمل من الحجر) بفتح الحاء والجيم (إلى الحجر ثلاثًا) من الأشواط الأول (ومشى) على عادته (أربعًا) من الأشواط الأخر، وقد مر ما فيه من المعني في الحديث الذي قبله.
стр. 8291
(٧١) - ٢٩٠٧ - (٣) حَدَّثَنَا أبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب كيف كان بدء الرمل، وباب في الحج والعمرة، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الرمل من الحجر إلى الحجر، والنسائي في كتاب المناسك، باب من رمل ثلاثًا.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عمر بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧١) -٢٩٠٧ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي، صدوق، من التاسعة، مات سنة ست، وقيل: سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن سعد) المدني أبي عباد، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع، من كبار السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (م عم).
(عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم؛ مولي عمر أبي عبد الله المدني، ثقة عالم وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8292
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: فِيمَ الرَّمَلَانُ الْآنَ وَقَدْ أَطَّأَ اللهُ الْإِسْلَامَ
===
(عن أبيه) أسلم العدوي مولاهم؛ مولي عمر، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة ثمانين (٨٠ هـ)، وقيل: بعد سنة ستين، وهو ابن أربع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(قال) أسلم: (سمعت عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
حالة كون عمر (يقول: فيم الرملان الآن) وفي نسخة: (فيما) بإثبات ألف ما الاستفهامية، وهي لغة، والأكثر يحذفونها، وفي نسخة "البذل": (فيم) على الأكثر (الرملان؟ ) - بفتحتين - مصد ر رمل؛ كالنزوان، وفي رواية البخاري: (ما لنا وللرمل) فهذا يؤيد أن الرملان مصدر، لا تثنية، واختاره في "البحر العميق" وبسطه، وحكى قولًا آخر: أنه تثنية رمل، وحينئذ فالمراد به: رمل الطواف والسعي، وحكي عن محب الدين الطبري أنه لا يصح؛ لأن السعي سنة قديمة من عهد هاجر.
وفي رواية أبي داوود: (اليوم) بدلَ (الآنَ) والمعنى: في أي سبب كان الرمل (الآن؟ ) أي: عَصْرَنا هذا؛ لأن سببه - وهو إِراءة المشركين قوة الصحابة - قد زال (و) لأي شيء نفعلُ الرمل؛ لأنه (قَدْ أَطَّأَ اللهُ) أي: أَثْبَتَ وأَسَّسَ وأَحْكَمَ (الإسلامَ) والإيمانَ ونشَرَه، فلله الحمد، وهو بتشديد الطاء المهملة، أصله وطأ، فأبدلت الواو همزة؛ كما في (وَقَّت) و (أَقَّت).
قال الخطابي: إنما هو وطأ؛ أي: ثبته وأرساه، بالواو، وقد تبدل ألفًا، قال في "المجمع": أطأ الله الإسلام؛ أي: ثَبَّته وأرساه؛ وهمزته بدلٌ من واو وطأ، وفي رواية أبي داوود زيادةُ: (فيم الرملان والكَشْفُ عن المناكب؟ ) وهو الاضطباع في السعي (و) الحال أنه (قد أطأ الله الإسلام) وأسسه وأثبته
стр. 8293
وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ؟ وَايْمُ الله، مَا نَدَعُ شَيْئًا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
===
(ونفى الكفر) والشرك ومَحقَه (و) أهلك (أهلَه) أي: أهلك أهل الكفر وأصحابَه (و) لكن (ايم الله) واسمهُ قسمي، أي: أقسمتُ باسمه تعالى إما ندَعُ) ولا نَتْركُ (شيئًا كنَّا نفعلُه على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته لأجل زوال سببه؛ يعني: الرمل، زاد الإسماعيلي في روايته: (ثم رمل) عمر بعدما قال ذلك.
قال الحافظ: مُحصَّلُه: أنَّ عمر رضي الله تعالى عنه كان هَمَّ بترك الرمل في الطواف؛ لأنه عُرف سببه، وقد انقضى، فهمَّ أن يتركه لِفُقدان سَبَبِه، ثم رجع عن ذلك؛ لاحتمال أن يكون له حكمةٌ مَا اطلع عليها، فرأى أن الاتباع أولى من طريق المعنى.
وأيضًا أن فاعل ذلك إذا فعله .. تذكر السبب الباعث على ذلك، فيتذكر إعزاز الإسلام وأهله، فيشكر الله على ذلك. انتهى من "بذل المجهود" مع زيادة من "العون".
ويؤيد مشروعية الرمل على الإطلاق ما ثبت في حديث ابن عباس أنهم رملوا في حجة الوداع مع رسول الله ﷺ ، وقد نَفَى الله في ذالكَ الوقتِ الكفرَ وأهلَه عن مكة.
والرمل في حجة الوداع ثابت أيضًا في حديث جابر الطويل عند مسلم وغيره، قال الخطابي: وفيه دليل على أن النبي ﷺ قد يَسُنُّ الشيءَ لمعنىً، فيزول وتبقى السنة على حالها.
وممن كان يرى الرمل سنةً مؤكدةً، ويرى على من تركه دمًا .. سفيان الثوري، وقال عامة أهل العلم: ليس على تاركه شيء. انتهى، انتهى من "العون".
стр. 8294
(٧٢) - ٢٩٠٨ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الرمل، والنسائي في "المجتبى" في كتاب المناسك، باب الرمل في الحج والعمرة، والدارمي في كتاب المناسك، باب من رمل ثلاثًا.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عمر.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عمر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقال:
(٧٢) - ٢٩٠٨ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الله بن عثمان (بن خثيم) بالمعجمة والمثلثة - مصغرًا - القاري المكي، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الطفيل) عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو الليثي، ولد عام
стр. 8295
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأَصْحَابِهِ حِينَ أَرَادُوا دُخُولَ مَكَّةَ فِي عُمْرَتِهِ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ: "إِنَّ قَوْمَكُمْ غَدًا سَيَرَوْنَكُمْ فَلْيَرَوُنَّكُمْ جُلْدًا"، فَلَمَّا دَخَلُوا الْمَسْجِدَ .. اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ وَرَمَلُوا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ .. مَشَوْا إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَد، ثُمَّ رَمَلُوا حَتَّى بَلَغُوا الرُّكْنَ الْيَمَانِيَّ، ثُمَّ مَشَوْا
===
أحد، ورأى النبي ﷺ ، وروى عن أبي بكر فمن بعده، ومات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (قال النبي ﷺ لأصحابه حين أرادوا دخول مكة في عمرته) ﷺ ؛ أي: عمرته في سنة سبع، الواقعة قضاءً (بعد) عمرة (الحديبية) أي: بعد عمرة صُدُّوا عنها بالحديبية سنة ست: (إن قومكم) قريشًا (غدًا سيرونكم) أي: ينظرون إليكم هل بكم قوة أو ضعف من حمى يثرب (فـ) ليترملوا في طوافكم و (لْيروُنَّكم جُلْدًا) أي: أقوياء - بضم الجيم وسكون اللام - جمع أجلد؛ نظير حمر وأحمر؛ من الجلادة؛ وهي الصلابة.
قوله: "فَلْيَرُونَّكُم" الظاهرُ أنه صيغة أمر؛ فالوجه: أن النون فيه نون التوكيد الثقيلة.
(فلما دخلوا المسجد .. استلموا الركن) أي: الحجر الأسود (ورملوا) أي: أسرعوا في طوافهم (والنبي) والحال أن النبي ﷺ معهم) في الطواف (حتى إذا بلغوا الركن اليماني .. مشوا) على عادتهم (إلى) أن وصلوا (الركن الأسود، ثم) بعدما وصلوا الحجر الأسود (رملوا) أسرعوا (حتى بلغوا الركن اليماني) في الشرط الثاني (ثم) بعدما وصلوا الركن اليماني (مشوا)
стр. 8296
إِلَى الرُّكْنِ الْأَسْوَد، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَشَى الْأَرْبَعَ.
===
على عادتهم (إلى) أن وصلوا إلى (الركن الأسود، ففعل) النبي ﷺ مع أصحابه (ذلك) أي: الرمل من الحجر الأسود إلى الركن اليماني، ثم المشي إلى الركن الأسود (ثلاث مرات) أي: في الثلاثة الأول من الأشواط السبعة (ثم مشى) النبي ﷺ مع أصحابه (الأربع) أي: في الأشواط الأربع الأخيرة.
قوله: (حتى إذا بلغوا ... ) إلى آخره؛ أي: رملوا من الحجر الأسود إلى الركن اليماني لا في تمام الدورة، لأن المشركين كانوا في الجهات الثلاث فقط من جهات البيت الأربع، وما كان أحد منهم فيما بين الركن اليماني إلى الحجر الأسود، لكن قد صح أنهم رملوا في تمام الدورة؛ كما تقدم في حديث ابن عمر وحديث جابر، والإثبات مقدم على النفي؛ لما فيه من زيادة علم، فلذالك أخذ العلماء بذلك؛ أي: بالرمل في تمام الدورة. انتهى.
قال النووي: وقد تقدم في حديث ابن عمر وحديث جابر أن الرمل شرع في جميع المطاف من الحَجَر إلى الحَجَر، وأما ما روى ابن عباس في هذا الحديث أنه أمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين .. فمنسوخ بما في حديث ابن عمر وحديث جابر؛ كما تقدما، لأن حديث ابن عباس كان في عمرة القضاء سنة سبع قبل فتح مكة، وكان في المسلمين ضعف في أبدانهم، وإنما رملوا إظهارًا للقوة، واحتاجوا إلي ذلك في غير ما بين الركنين اليمانين، لأن المشركين كانوا جلوسًا في الحجر وكانوا لا يرونهم بين هذين الركنين، ويرونهم فيما سوى ذلك، فلما حج النبي ﷺ حجة الوداع سنة عشر .. رمل من الحَجَر إلى الحَجَر، فوجب الأخذ بهذا المتأخر. انتهى.
стр. 8297
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فلا معارضة بين حديثي ابن عمر وجابر، وبين حديث ابن عباس؛ فإنهما قضيتان، فالرمل في جميع الأشواط الثلاثة كان في حجة الوداع، والمشي بين الركنين كان في عمرة القضاء؛ لأنهم إذا كانوا بين الركنين .. لا تقع عليهم أعين المشركين، وفعل ذلك رفقًا بهم؛ لما كان بهم من المرض، وأمرهم بالتجلد في الجهات التي تقع عليهم فيها أعين المشركين، حين جلسوا لهم؛ ليضحكوا بهم. انتهى من "العون" بنوع تصرف.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحج، باب في الرمل، وأحمد في "المسند".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8298
(٣٠) - (١٠٣٧) - بَابُ الاضْطِبَاعِ
(٧٣) - ٢٩٠٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ وَقَبِيصَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيد،
===
(٣٠) - (١٠٣٧) - (باب الاضطباع)
وهو إعراء منكبه الأيمن، وجمع الرداء على الأيسرِ. انتهى "س".
(٧٣) - ٢٩٠٩ - (١) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله الذهلي النيسابوري، ثقةٌ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا محمد بن يوسف) بن واقد بن عثمان الضبي مولاهم الفريابي، نزيل قيسارية، من ساحل الشام، ثقة فاضل، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(وقبيصة) بن عقبة بن محمد بن سفيان السوائي - بضم المهملة وتخفيف الواو والمد - أبو عامر الكوفي، صدوق ربما خالف، من التاسعة، مات سنة خمس عشرة ومئتين (٢١٥ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الحميد) بن جبير بن شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي المكي، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
стр. 8299
عَنِ ابْنِ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِيهِ يَعْلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ طَافَ مُضْطَبِعًا، قَالَ قَبِيصَةُ: وَعَلَيْهِ بُرْدٌ.
===
(عن) صفوان (بن يعلى بن أمية) التميمي المكي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه يعلى) بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي، حليف قريش، وهو يعلى ابن منية - بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة - وهي أمه، الصحابيِّ المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة بضع وأربعين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا) في طواف يُسن فيه رمل؛ وهو طواف يعقُبه سعي؛ مأخوذ من الضبع - بفتح المعجمة وسكون الموحدة - وهو وسط العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط، قال الطيبي: والاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت الإبط الأيمن، ويُلْقِي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، سمي بذلك؛ لإبداء الضبعين، قيل: إنما فعله؛ إظهارًا للتشجيع؛ كالرمل. انتهى، انتهى " تحفة الأحوذي".
وقال النووي في "شرح مسلم": قوله: (مضطبعًا) هو افتعال من الضبع - بإسكان الباء الموحدة - وهو العضد؛ وهو أن يدخل إزاره تحت إبطه الأيمن، ويرد طرفه على منكبه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا، وهذه الهيئة هي المذكورة في حديث ابن عباس، والحكمة في فعله أنه يعين على إسراع المشي، وقد ذهب إلى استحبابه الجمهور سوى مالك.
(قال قبيصة): أي: زاد في روايته: (وعليه) ﷺ في حال طوافه (برد) وهو ثوب مخطط تلبسه الأعراب، كذا في رواية الترمذي.
стр. 8300
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي رواية أبي داوود: (ببرد أخضر) وفي رواية أحمد في "مسنده": (وَهُوَ مضطبِعٌ ببرد له حضرمي) وليس في حديث الترمذي وابن ماجه لفظ: (أخضر).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الاضطباع في الطواف، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أن النبي ﷺ طاف مضطبعًا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
следующие страницы →