(٩٥) - ٢٩٣١ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ ح وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَم،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز التمتع.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
ثم استشهد المؤلف لحديث عمران بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٥) - ٢٩٣١ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار) العبدي البصري.
(قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي ربيب شعبة المعروف بغندر البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثني أبي) علي بن نصر بن علي الجهضمي البصري، ثقة، من كبار التاسعة. يروي عنه: (ع). مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ).
(قالا) أي: قال محمد بن جعفر ونصر بن علي: (حدثنا شعبة، عن الحكم) بن عتيبة - بالمثناة ثم بالموحدة مصغرًا - أبي محمد الكندي الكوفي،
стр. 8367
عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِالْمُتْعَةِ،
===
ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمارة بن عمير) التيمي الكوفي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات بعد المئة، وَقِيلَ: قَبْلَها بسنتين. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم بن أبي موسى) الأشعري عبد الله بن قيس، ولد في حياة رسول الله ﷺ ، فسماه وحنكه بتمرة، ودعا له بالبركة، عداده في أهل الكوفة. روى عن: أبيه، والمغيرة بن شعبة، ويروي عنه: الشعبي، وعمارة بن عمير، وهو كوفي ثقة، مات في حدود السبعين (٧٠ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(عن أبي موسى الأشعري) رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من سباعياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن أبا موسى (كان يفتي) ويخبر الناس (بالمتعة) أي: بجواز المتعة؛ أي: بجواز فسخ الحج إلى العمرة والتحلل منه بها، ثم إحرام الحج يوم التروية؛ كالمكيين، ويكون متمتعًا؛ أي: يخبر بجوازها لمن سألة من الناس؛ أي: يخبرهم بجواز الفسخ، ومستنده في فتياه: اعتقاده عموم مشروعية الفسخ وعدم قصره على الصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ كما اعتقده ذلك غيره، قاله الأبي.
وقال عياض: قوله: (يفتي بالمتعة) أي: يفتي بجواز التمتع بالعمرة إلى الحج؛ كما جاء مفسرًا كذلك بعد. انتهى.
стр. 8368
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: رُوَيْدَكَ بَعْضَ فُتْيَاكَ؛ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي النُّسُكِ بَعْدَكَ، حَتَّى لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَعَلَهُ وَأَصْحَابُهُ،
===
وعبارة القرطبي: يعني: أنه أفتى الناس بجواز التحلل لمن أحرم بالحج بعمل العمرة، وكأنَّ أبا موسى رضي الله تعالى عنه اعتقد عموم مشروعية ما أمر به النبي ﷺ من التحلل بعمل العمرة وتعديه لغير الصحابة، ولم ير أن ذلك خاص بالصحابة رضي الله تعالى عنهم؛ كما اعتقده غيره منهم. انتهى من "المفهم".
أي: أفتى بذلك أبو موسى للناس في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر (فقال له) أي: لأبي موسى (رجل) من المسلمين - لم أر من ذكر اسمه -: يا أبا موسى (رويدك) أي: تمهل (بعض فتياك) قليلًا وأمسك عنه واتركه، قال النووي: أي: ارفق قليلًا وأمسك عن فتياك، ويقال: فتيا وفتوى لغتان، وقال القرطبي: أي: ارفق رفقك، أو كف بعض فتياك، فيصح أن يكون مصدرًا أو مفعولًا.
(فإنك) يا أبا موسى (لا تدري) ولا تعلم (ما أحدث) وأظهر (أمير المؤمنين في) حكم (النسك بعدك) أي: بعد فتواك، قال أبو موسى: فأمسكت عن إفتائي للناس جواز فسخ الحج إلى العمرة والتحلل بعملها (حتى لقيته) أي: حتى لقيت عمر ورأيته (بعد) أي: بعد إمساكي عن فتواي (فسألته) أي: فسألت عمر عن سبب نهيه الناس عن فسخ الحج إلى العمرة والتحلل بعملها (فقال عمر) لأبي موسى اعتذارًا عن نهيه الناس عن الفسخ: (قد علمت) أنا (أن رسول الله ﷺ فعله) هو؛ أي: فعل هو فسخ الحج إلى العمرة إلا من ساق الهدي؛ أي: أمر هو به (و) فعله (أصحابه) إلا من ساق
стр. 8369
وَلكِنِّي كَرِهْتُ أَنْ يَظَلُّوا بِهِنَّ مُعْرِسِينَ تَحْتَ الْأَرَاكِ،
===
الهدي منهم، وإلا .. فالنبي ﷺ لم يفعل الفسخ، بل أدخل العمرة على الحج، وكذلك كل من ساق الهدي لم يفعله؛ لأنه لا يحل من إحرامه حتى يبلغ الهدي محله.
قال الأبي: قوله: (قد فعله وأصحابه) إن كان المراد به الفسخ .. فنسبته إلى النبي ﷺ إنما هو من حيث إنه أمر به؛ لأنه لم يفعله، واعتذار عمر عن النهي بقوله: (ولكني كرهت أن يظلوا) ويكونوا في النهار (بهن معرسين) أي: واطئين بالنساء (تحت الأراك) أي: تحت أشجار عرفة، بين تحللهم من العمرة وإحرامهم بالحج؛ معناه: أن يحلوا من حجهم بالفسخ فيطؤوا النساء قبل تمام حجهم الذي كانوا أحرموا به أولًا، ولا يُظَنُّ بمثل عمر رضي الله تعالى عنه الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه أنه منع ما جوزه رسول الله ﷺ بالرأي والمصلحة؛ فإن ذلك ظن من لا يعرف عمر، ولا فهم استدلاله المذكور في الحديث، وإنما تمسك عمر رضي الله تعالى عنه بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (١).
وظن أن ما أمر به النبي ﷺ أصحابه رضي الله تعالى عنهم إنما كان لعلة، وقد ارتفعت، ثم إنه أطلق الكراهة وأراد التحريم، وقد فعل ذلك كثير، يطلقون الكراهة وهم يريدون التحريم؛ حذرًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ (٢)؛ لأنه مما أدى إليه اجتهاده، وهذا طريقة كبراء الأئمة؛ كمالك والشافعي. انتهى من "المفهم" بتصرف.
стр. 8370
ثُمَّ يَرُوحُونَ بِالْحَجِّ تَقْطُرُ رُؤُوسُهُمْ.
===
وقوله: (أن يظلوا مُعْرِسِينَ) -بضم الميم وسكون العين وكسر الراء- جمع معرس؛ وهو الذي يخلو بعُرسه؛ أي: بزوجته؛ ولا يصح أن يكون من التعريس؛ لأن الرواية بسكون العين وتخفيف الراء، ولأن التعريس إنما هو النزول من آخر الليل، ويناقضه: (يظلون ويروحون) فإنهما إنما يقالان على عمل النهار، والله تعالى أعلم، يقال: أعرس الرجل؛ إذا صار ذا عروس ودخل بامرأته عند بنائها.
والمراد هنا: الوطء، والضمير في: (بهن) للنساء وإن لم يذكر؛ لعلمه من المقام؛ أي: كرهت أن يكونوا أول النهار واطئين بالنساء (في الأراك) أي: في موضع يسمى بالأراك، بقرب نمرة؛ لتحللهم من الحج بالفسخ.
(ثم يروحون) أي: يكونون في الرواح؛ أي: في آخر النهار متلبسين (بالحج) أي: في أعمال الحج حالة كونهم (تَقْطُر) وتُمطر (رؤوسُهم) من مياه الاغتسال المسببة من الوقاع بعهد قريب، فبيَّن عمر رضي الله تعالى عنه العلة التي لأجلها كره التمتع، وكان من رأيه كما قال الزرقاني عدم الترفه للحاج بكل طريق، فكره قرب عهدهم بالنساء؛ لئلا يستمر البلل إلى ذلك الحين، بخلاف من بعد عهده بهن، ومن تفطم ينفطم. انتهى.
والأراك كسحاب: القطعة من الأرض فيها أراك؛ وهو شجر معروف يستاك بأغصانه؛ والمراد به هنا: موضع بعرنة كثير الأراك. كذا في "القاموس وشرحه".
والمعنى: أني أكره التمتع؛ لأن التحلل الذي فيه يفضي إلى مواقعة النساء إلى حين الخروج إلى عرفات. انتهى من "الكوكب".
стр. 8371
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الأبي: فإن قلت: كيف رجع أبو موسى عن اجتهاده، والمجتهد لا يحل له أَنْ يَرجِعَ إلى اجتهادِ غيره؟
قلتُ: يحتمل أنه قال ذلك تقية من أمير المؤمنين، فليس برجوع حقيقة، والمجتهد له أن يفعل ذلك، فإذا زالت التقية .. رجع إلى قول نفسه، وبالجملة: فهو رجوع في الظاهر لا في الباطن، ويحتمل أنه رجوع حقيقة؛ لأجل أنه ظهر له دليل الغير، لا أنه تقليد له، لأن المجتهد لا يقلد غيره. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام، والنسائي في كتاب الحج، باب التمتع.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمران بن حصين.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأولان منها: حقهما أن يذكرا في باب القارن؛ لأنهما ليسا من أحاديث التمتع؛ كما ذكرناه في موضعهما.
والثالث: للاستدلال به على هذه الترجمة.
والرابع: للاستشهاد به للحديث الثالث.
والله أعلم
стр. 8372
(٤١) - (١٠٤٨) - بَابُ فَسْخِ الْحَجِّ
(٩٦) - ٢٩٣٢ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ
===
(٤١) - (١٠٤٨) - (باب فسخ الحج)
(٩٦) - ٢٩٣٢ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم مصغرًا ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الدمشقي أبو عمرو الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عطاء) بن أبي رباح؛ اسمه أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنهما، مات بالمدينة بعد السبعين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8373
قَالَ: أَهْلَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَجِّ خَالِصًا لَا نَخْلِطُهُ بِعُمْرَةٍ، فَقَدِمْنَا مَكَّةَ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّة، فَلَمَّا طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَسَعَيْنَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .. أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نَجْعَلَهَا عُمْرَةً وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى النِّسَاء، فَقُلْنَا مَا بَيْنَنَا: لَيْسَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ فَنَخْرُجُ إِلَيْهَا وَمَذَاكِيرُنَا تَقْطُرُ مَنِيًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّي لَأَبَرُّكُمْ
===
(قال) جابر: (أهللنا) أي: أحرمنا (مع رسول الله ﷺ بالحج) حالة كونه (خالصًا) أي: مفردًا مجردًا عن العمرة في أول أمره، وقوله: (لا نخلطه) من باب ضرب .. صفة كاشفة لخالصًا؛ أي: لم نخلطه (بـ) شيء من الـ (عمرة) ولا القران ولا غيرهما.
قال السندي: قوله: (بالحج خالصًا) حكاية عن حال غالب من كان معه ﷺ في حجة الوداع، وإلا .. فقد جاء فيهم من كان قارنًا أو معتمرًا (فقدمنا مكة) أي: دخلناها (لأربع ليال خلون) أي: مضين (من ذي الحجة) بكسر الحاء على الأفصح (فلما طفنا بالبيت) سبعًا (وسعينا بين الصفا والمروة) سبعًا .. (أمرنا رسول الله ﷺ أن نجعلها) أي: أن نجعل أعمالنا هذه من أشواط الطواف السبع ومن أشواط السعي السبع (عمرة، وأن نحل) جميع محرمات الإحرام ونفعلها (إلى النساء) أي: حتى النساء بجماعها، إلا من ساق الهدي منا؛ فإنه لا يحل من إحرامه حتى يبلغ الهدي محله.
(فقلنا) معاشر المُحِلّين بعمل عمرة (ما بيننا) أي: تذاكرنا وتحدثنا فيما بيننا وقلنا: (ليس بيننا وبين) يوم (عرفة إلا خمس) ليال، (فـ) هل (نخرج إليها ومذاكيرنا تقطر) وتصب (منيًّا)؟ ! يريدون قرب العهد إلى الجماع (فقال رسول الله ﷺ : إني لأبركم) أي: لأكثركم برًا وخيرًا؛ أي:
стр. 8374
وَأَصْدَقُكُمْ، وَلَوْلَا الْهَدْيُ .. لَأَحْلَلْتُ"، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ: أَمُتْعَتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: "لَا، بَلْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ".
===
فعلًا له (وأصدقكم) أي: ولأكثركم صدقًا في المقال، (ولولا الهدي) موجود معي. . (لأحللت) من إحرام الحج بعمل عمرة؛ كما فعلتم، وهذا الكلام يفيد أن الهدي يمنع الإحلال قبل تمام الحج.
(فقال سراقة بن مالك) بن جعشم الكناني المدلجي صحابي مشهور، من مسلمة الفتح: (أَمُتْعَتُنَا هذه) أي: التي هي فَسْخُ الحج إلى العمرة؛ أي: أخبرني عن فسخنا الحج إلى عمرتنا هذه التي تمتعنا فيها بالجماع والطيب واللبس (لعامنا هذا) أي: مخصوصة به لا تجوز في غيره (أم) هي باقية لنا ولغيرنا (لأبد) أي: إلى أبد؛ أي: في جميع الأعصار؟ (فقال) رسول الله ﷺ لسراقة: (لا) أي: ليست خاصة بهذا العام ولا خاصة بكم (بل) هذه المتعة باقية (لأبد الأبد) أي: إلى أبد الأبد، وهذا صريح في أن المتعة التي فسخوا إليها حجهم لم تكن مختصة بهم، وأنها مشروعة للأمة إلى يوم القيامة.
وقول من قال: إن المراد به: السؤال عن المتعة في أشهر الحج لا عن عمرة الفسخ .. باطل من وجوه:
أحدها: أنه لم يقع السؤال عن ذلك ولا في اللفظ ما يدل عليه، وإنما سأله عن تلك العمرة المعينة التي أمروا بالفسخ إليها، ولهذا أشار إليها بعينها، فقال: (متعتنا هذه) ولم يقل: (العمرة في أشهر الحج).
الثاني: لو قدر أن السائل أراد ذلك .. فالنبي ﷺ أطلق الجواب؛ بأن تلك العمرة مشروعة إلى الأبد، ومعلوم أنها مشتملة على وصفين: كونها عمرة فُسِخَ الحج إليها، وكونها في أشهر الحج، فلو كان المراد أحد
стр. 8375
(٩٧) - ٢٩٣٣ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ،
===
الأمرين؛ وهو كونها في أشهر الحج .. لبينه للسائل، لا سيما إذا كان الفسخ حرامًا باطلًا، فكيف يطلق الجواب عما يجوز ويشرع، وما لا يحل ولا يصح إطلاقًا واحدًا؟ ! هذا مما ينزه عنه آحاد أمته ﷺ فضلًا عنه ﷺ ، ومعلوم أن من سأل عن أمر يشتمل على جائز ومحرم .. وجب عليه أن يبين للسائل جائزه من حرامه، ولا يطلق الجواز والمشروعية عليه إطلاقًا واحدًا، وقد ذكر ابن القيم من تلك الأوجه نحو عشرين في "شرح السنن"، فراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحج، باب في إفراد الحج.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٩٧) - ٢٩٣٣ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت
стр. 8376
عَنْ عَائِشةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَا نُرَى إِلَّا الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا قَدِمْنَا وَدَنَوْنَا أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ .. أَنْ يَحِلَّ فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ
===
عن عائشة، ثقة، من الثالثة، ماتت قبل المئة، ويقال بعدها. يروي عنها: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة الوداع من المدينة إلى مكة (لخمس) ليال (بقين من) شهر (ذي القعدة لا نرى) -بفتح النون- أي: لا نعتقد، وقيل: بضم النون؛ أي: لا ننوي (إلا الحج) لأننا كنا نعتقد امتناع العمرة في أشهر الحج على عادة الجاهلية.
وفي "البخاري": بالضم؛ أي: لا نظن؛ بمعنى: لا نعتقد؛ والمراد: لا ننوي إلا الحج؛ لكونه المقصود الأصلي لنا من الخروج، أو لأن الغالبين فيهم ما نووا إلا الحج. انتهى "سندي"، وفي "صحيح البخاري": كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برا الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر .. حلت العمرة لمن اعتمر. انتهى.
وقوله: (حتى إذا قدمنا) غاية لمحذوف؛ تقديره: أي: خرجنا من المدينة، فذهبنا إلى مكة (حتى إذا قدمنا) سرف موضع قريب إلى التنعيم .. حضت (و) لما (دنونا) وقربنا من مكة .. (أمر رسول الله ﷺ من لم يكن معه هدي أن يحل) من إحرامه بعمل عمرة (فحل الناس كلهم)
стр. 8377
إِلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ؛ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ .. دُخِلَ عَلَيْنَا بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقِيلَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَزْوَاجِهِ.
===
بعمل عمرة (إلا من كان معه هدي، فلما كان يوم النحر .. دُخل علينا) بالبناء للمفعول (بلحم بقر، فقيل: ذبح رسول الله ﷺ عن أزواجه) قولُه: (دُخل علينا) معاشر أزواج النبي ﷺ بضم الدالِ على البناء على المجهول؛ كما مر آنفًا (بلحم بقر) قال ابن بطال: أخذ بظاهره جماعة، فأجازوا الاشتراك في الهدي والأضحية، ولا حجة فيه؛ لأنه يحتمل أن يكون عن كل واحدة بقرة.
وأما روايةُ يونس عن الزهري عن عمرة عن عائشة أن رسول الله ﷺ نَحرَ عن أزواجه بقرةً واحدةَّ .. فقد قال إسماعيل القاضي: تفرد يونس بذلك، وقد خالفه غيره. انتهى.
ورواية يونس أخرجها النسائي وأبو داوود وغيرهما، ويونس ثقة حافظ، وقد تابعه معمر عند النسائي أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونس، قال: (ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة)، وروى النسائي أيضًا من طريق يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: (ذبح رسول الله ﷺ عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرةً بينهن)، صححه الحاكم، وهو شاهد قوي لرواية الزهري. انتهى من "الفتح".
قال القاضي عياض: كانت هذه الهدايا تطوعًا؛ ففيه تطوع الرجل بالهدي عن أهله وعمن يمونه، وتطوعه عن الغير بالصدقة والعتق وما يكون من باب الأموال وبالكفارة الواجبة وإن لم يأمره، وقيل: إنها كانت عن قِرانهن أو تمتعهن وليست أضحيةً؛ إذ لا أضحية على الحاج لعدمِ الإقامة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب
стр. 8378
(٩٨) - ٢٩٣٤ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
===
ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهنَّ، ومسلم في كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران ... إلى آخره، والنسائي في كتاب المناسك، باب الوقت الذي خرج فيه النبي ﷺ من المدينة للحج، باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث جابر بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٨) - ٢٩٣٤ - (٣) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا أبو بكر بن عياش) -بتحتانية ومعجمة- ابن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناط، والأصح أن كنيته اسمه، وقيل: اسمه محمد أو عبد الله إلى عشرة أقوال، ثقة عابد إلا أنه لما كبر .. ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (١٩٤ هـ)، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي، ثقة مكثر عابد، اختلط بأخرة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة (١٢٩ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي
стр. 8379
قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ فَأَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ .. قَالَ: "اجْعَلُوا حَجَّكُمْ عُمْرَةً"، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ قَدْ أَحْرَمْنَا بِالْحَجِّ فَكَيْفَ نَجْعَلُهَا عُمْرَةً؟ قَالَ: "انْظُرُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا"، فَرَدُّوا عَلَيْهِ الْقَوْلَ
===
ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما، نزل الكوفة، مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) البراء: (خرج) علينا (رسول الله ﷺ في ذي الحليفة من قبته عند الشجرة في حجة الوداع (وأصحابه) أي: الملازمون له من الصحابة (فأحرمنا) جميعًا عند انبعاث الراحلة بنا (بالحج) في ذي الحليفة (فلما قدمنا مكة .. قال) رسول الله ﷺ لمن لم يسق الهدي: ("اجعلوا حجكم عمرة") أي: افسخوا إلى عمرة وتحللوا من إحرامكم بعمل العمرة (فقال الناس) الذين أمروا بالفسخ: (يا رسول الله؛ قد أحرمنا بالحج) في شهره (فكيف نجعلها) أي: كيف نجعل حجتنا (عمرة) ونفسخها إليها؟ ! لعلة اعتقادهم أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور على اعتقاد الجاهلية.
(قال) لهم رسول الله ﷺ : (انظروا) أي: فكروا في (ما آمركم به) من الفسخ (فافعلوا) ما أمرتكم به من الفسخ؛ لأن طاعتي واجبة عليكم (فردوا عليه) ﷺ (القول) الذي قالوه له أولًا؛ يعني: قولهم: (قد أحرمنا بالحج، فكيف نجعلها عمرة؟ ! ) كأنه غلب عليهم حب الموافقة لرسول الله ﷺ ، ورأوه أنه على إحرامه، فذكروا له ذلك؛ رجاء أن يبقيهم على الإحرام، وما أرادوا بذلك الرد عليه، حاشاهم عن
стр. 8380
فَغَضِبَ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ غَضْبَانَ، فَرَأَتِ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضبَكَ أَغْضبَهُ اللهُ؟ قَالَ: "وَمَا لِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آمُرُ أَمْرًا فَلَا أُتَّبَعُ".
===
ذلك (فغضب) رسول الله ﷺ لردهم عليه القول (فانطلق) أي: ذهب من عندهم.
(ثم دخل) رسول الله ﷺ (على عائشة) في خيمتها، حالة كونه (غضبان) أي: ذا غضب عليهم (فرأت) عائشة (الغضَب) أي: أثرَه (في وجهه) الشريف ﷺ ؛ وهو تغير الوجه من البياض إلى الحمرة؛ كما هو أثر غضبه (فقالت) عائشة رضي الله تعالى عنها: (من أغضبك) يا رسول الله، أي: تسبب في غضبك (أغضبه الله) أي: أوقع الله به ما يغضبه؛ جزاء وفاقًا؟ ثم (قال) رسول الله ﷺ : (وما لي) أي: وأي شيء ثبت لي (لا أغضب) عليهم (وأنا آمر) هم (أمرًا) فيه صلاحهم وسعادتهم، والجملة الاسمية في محل النصب حالٌ من فاعل (أغضب)، و (آمر) مضارع مسند إلى ضمير المتكلم، وكذا قوله: (فلا أُتَّبعُ) بالبناء للمجهول؛ من الاتباع؛ أي: فلا يُبادرون في اتباعي وأنا ناصح لهم.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش به، وأحمد في "مسنده".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وأما اختلاط أبي إسحاق في آخره .. فلا يضر في رواية أبي بكر بن عياش عنه، ما لم يتيقن أنه روى عنه بعد اختلاطه، ولأن له شاهدًا من حَدِيثَي البابِ المذكورَيْنِ قبله، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
стр. 8381
(٩٩) - ٢٩٣٥ - (٤) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ أُمِّهِ صَفِيَّةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ
===
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث جابر بحديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٩٩) - ٢٩٣٥ - (٤) (حدثنا بكر بن خلف أبو بشر) البصري، ختن المقرئ عبد الله بن يزيد المكي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا) الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني (أبو عاصم) النبيل البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أنبأنا) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أخبرني منصور بن عبد الرحمن) بن طلحة بن الحارث العبدري الحجبي المكي؛ وهو ابن صفية بنت شيبة، ثقة، من الخامسة، أخطأ ابن حزم في تضعيفه، مات سنة سبع أو ثمان وثلاثين ومئة (١٣٨ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(عن أمه صفية) بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي "البخاري" التصريح بسماعها من النبي ﷺ ، وأنكر الدارقطني إدراكها. يروي عنه: (ع).
(عن أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8382
قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحْرِمِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ .. فَلْيُقِمْ عَلَى إِحْرَامِه، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ .. فَلْيَحْلِلْ"، قَالَتْ: فَلَمْ يَكُنْ مَعِي هَدْيٌ فَأَحْلَلْتُ، وَكَانَ مَعَ الزُّبَيْرِ هَدْيٌ فَلَمْ يَحِلَّ، فَلَبِسْتُ ثِيَابِي وَجِئْتُ إِلَى الزُّبَيْر، فَقَالَ: قُومِي عَنِّي، فَقُلْتُ: أَتَخْشَى أَنْ أَثِبَ عَلَيْكَ؟ !
===
(قالت) أسماء: (خرجنا) من المدينة (مع رسول الله ﷺ إلى مكة، حالة كوننا (محرمين) بالحج (فـ) لما قدمنا مكة .. (قال النبي ﷺ : من كان معه هدي .. فليقم) -بضم الياء- من الإقامة؛ أي: فليستمر (على إحرامه) بالحج، فلا يفسخه إلى عمرة (ومن لم يكن معه هدي .. فليحلل) من إحرامه الحج بعمل عمرة (قالت) أسماء: (فلم يكن معي هدي، فأحللت) من إحرامي بعمل عمرة (وكان مع) زوجي (الزبير) بن العوام (هدي) ساقه من المدينة (فلم يحل) الزبير من إحرامه؛ لمكان الهدي معه (فلبست) أنا بعد تحللي من إحرامي (ثيابي) أي: ثياب الزينة وتطيبت (وجئت إلى الزبير) أي: عند الزبير وجلست جنبه (فقال) لي الزبير: (قومي عني) أي: من عندي حتى لا يقع مني ما يحرك شهوتي، وهذا احتياط منه ﵁ لنفسه بمباعدتها من حيث إنها زوجة متحللة تطمع فيها النفس.
قال النووي: إنما أمرها بالقيام؛ مخافةً من عارض قد يندر منه؛ كلمس بشهوة أو نحوه؛ فإن اللمس بشهوة حرام في الإحرام، فاحتاط لنفسه بمباعدتها عنه.
قالت أسماء: (فقلت) له (أتخشى) وتخاف مني (أن أثب) وأهجم (عليك؟ ! ) مضارع مسند للمتكلم؛ من الوثب: وهو الظفر والهجوم، والهمزة
стр. 8383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيه: للاستفهام الإنكاري؛ أي: هل تخاف أن أهجم وأقع عليك؟ ! وهذا كناية عن إيقاعها الملامسة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب ما يلزم من طاف بالبيت وسعى من البقاء على الإحرام وترك التحلل، والنسائي في كتاب المناسك، باب ما يفعل من أهل بالحج وأهدى، والبيهقي، وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8384
(٤٢) - (١٠٤٩) - بَابُ مَنْ قَالَ: كانَ فَسْخُ الْحَجِّ لَهُمْ خَاصَّةً
(١٠٠) - ٢٩٣٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو مُصعَبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ بِلَالِ بْنِ الْحَارِث، عَنْ أَبِيهِ
===
(٤٢) - (١٠٤٩) - (باب من قال: كان فسخ الحج لهم خاصة)
(١٠٠) - ٢٩٣٦ - (١) (حدثنا أبو مصعب) أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة الزهري المدني، الفقيه، صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد (الدراوردي) الجهني مولاهم المدني، صدوق، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن) التيمي مولاهم أبي عثمان المدني المعروف بربيعة الرأي، واسم أبيه فروخ، ثقة فقيه مشهور، قال ابن سعد: كانوا يتقونه؛ لموضع الرأي، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة على الصحيح (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الحارث بن بلال بن الحارث) المزني المدني، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبيه) بلال بن الحارث المزني أبي عبد الرحمن المدني الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، مات سنة ستين (٦٠ هـ). يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه الحارث بن بلال، وهو مجهول، قال الإمام أَحْمَدُ بن حَنْبَل: حديثُ بلال بن الحارث عندي ليس بثبت ولا أقول به، وقال ابن القيم: حديث بلال بن الحارث لا يصح
стр. 8385
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَرَأَيْتَ فَسْخَ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ لَنَا خَاصَّةً أَمْ لِلنَّاسِ عَامَّةً؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَلْ لَنَا خَاصَّةً".
===
عن رسول الله ﷺ ، وهو غلط عليه.
(قال) بلال بن الحارث: (قلت: يا رسول الله؛ أرأيت) أي: أخبرني (فسخ الحج في العمرة) بالرفع مبتدأ، خبره (لنا).
وقوله: (خاصة) -بالنصب- حال من الضمير المستكن في الخبر، وهو مصدر على وزن فاعلةٍ؛ كعافية وعاقبة وخاتمة، مؤول باسم مفعول، والجار والمجرور في قوله: (في العمرة) متعلق بالمبتدأ على رأي سيبويه.
ولفظ (في) بمعنى: (إلى)؛ أي: أخبرني؛ هل فسخ الحج إلى العمرة والتحلل عنه بعمل العمرة جائز لنا، حالة كونه مخصوصًا بنا، لإبطال اعتقادنا ما عليه الجاهلية، من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور (أم) هو جائز اللناس) أي: لسائر الأمة المحمدية إلى يوم القيامة، حالة كونه (عامة) أي: عامًّا لنا ولهم؟
(فقال رسول الله ﷺ في جواب سؤال بلال بن الحارث: (بل) هو جائز (لنا) حالة كونه (خاصةً) بنا؛ أي: مخصوصًا بنا معاشر الصحابة؛ لتلك العلة المذكورة آنفًا.
قال الخطابي: قد قيل: إن الفسخ إنما وقع إلى العمرة، لأنهم كانوا يحرِّمون العمرة في أشهر الحج ولا يستبيحونها فيها، ففسخ رسول الله ﷺ الحج عليهم وأمرهم بالعمرة في زمان الحج، ليزولوا عن شبه الجاهلية، وليتمسكوا بما سَنَّ لهم في الإسلام، وقد بين أنه ليس لمن بعدهم ممن أحرم بالحج أن يفسخه إلى العمرة، وقد اتفق أهل العلم على أنه إذا فسد حجه .. مضى فيه مع الفساد.
стр. 8386
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
واختلفوا فيمن أهل بحجتين: فقال الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه: لا يلزمه إلا حجة واحدة، ومِن حُجَّتِهم في ذلك أنَّ المضي فيها لا يلزم، وأن فعلَه لم يصح بالإجماع.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: يرفض أحدهما إلى قابل؛ لأنه يكون في معنى الفسخ، وقد أخبر ﷺ أن فسخ الحج كان لهم خاصًّا دون من بعدهم، وقال سفيان الثوري: يلزمه حجة وعمرة من عامه ويهريق دمًا، ويحج من قابل.
وحكي عن مالك أنه قال: يصير قارنًا وعليه دم، ولا يلزمه على مذهب الشافعي شيء من عمرة ولا دم ولا قضاء من قابل. انتهى كلام الخطابي.
وقال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن حديث بلال بن الحارث المزني في فسخ الحج، فقال: لا أقول به، وليس إسناده بالمعروف، ولم يروه إلا الدراوردي وحده.
وقال عبد الحق: هو الصحيح في حديث بلال بن الحارث، وأما حديث أبي ذر الآتي .. فهو غير مرفوع إلى النبي ﷺ .
وقال ابن القطان: فيه الحارث بن بلال عن أبيه بلال بن الحارث، والحارث بن بلال لا يعرف حاله، فالحديث ضعيف؛ لضعف سنده.
قلت: قال المنذري: حديث بلال أخرجه النسائي وابن ماجه، قال الدارقطني: تفرد به ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن الحارث عن أبيه، وتفرد به عبد العزيز الدراوردي عنه. هذا آخر كلامه.
وقال ابن القيم في "زاد المعاد": نحن نشهد بالله أن حديث بلال بن الحارث لا يصح عن رسول الله ﷺ ، وهو غلط عليه، قال: ثم
стр. 8387
(١٠١) - ٢٩٣٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَش،
===
كيف يكون هذا ثابتًا عن رسول الله، وابن عباس يفتي بخلافه، ويناظر عليه طول عمره بمشهد من الخاص والعام وأصحاب رسول الله ﷺ متوافرون، ولا يقول له رجل واحد: هذا كان مختصًّا بنا ليس لغيرنا؟ ! انتهى.
وقد روي عن عثمان مثل قول أبي ذر في اختصاص ذلك بالصحابة، ولكنهما جميعًا مخالفان للمروي عن النبي ﷺ أن ذلك للأبد بمحض الرأي، قاله الشوكاني.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الرجل يهل بالحج ثم يجعلها عمرة، والنسائي في "المجتبى" في كتاب الحج، باب إباحة فسخ الحج، والدارمي في كتاب الحج.
فدرجته: أنه ضعيف (٩)(٣٠٧)؛ لضعف سنده؛ كما قد علمت آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠١) - ٢٩٣٧ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الأسدي الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 8388
عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي الْحَجِّ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَاصَّةً.
===
(عن إبراهيم) بن يزيد بن شريك (التيمي) أبي أسماء الكوفي العابد، ثقة، من الخامسة، إلا أنه يرسل ويدلس، مات دون المئة سنة اثنتين وتسعين (٩٢ هـ)، وله أربعون سنة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) يزيد بن شريك بن طارق التيمي الكوفي، ثقة، يقال: إنه أدرك الجاهلية، من الثانية، مات في خلافة عبد الملك بن مروان الأموي المدني. يروي عنه: (ع).
(عن أبي ذر) الغفاري المدني الربذي جندب بن جنادة رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، ورجاله ثقات أثبات، ولكنه غير مرفوع إلى النبي ﷺ ، فحكم السند: الصحة، والحديث: ضعيف؛ لكونه غير مرفوع، بل هو موقوف على أبي ذر.
(قال) أبو ذر: (كانت المتعة) أي: فسخ الحج إلى العمرة والتحلل عن الإحرام بعمل العمرة؛ أي: كانت المتعة وفسخ الإحرام (في الحج) أي: عن الحج إلى العمرة جائزة (لأصحاب محمد ﷺ حالة كونها (خاصةً) أي: مخصوصةً لأصحاب محمد ﷺ دون غيرهم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أما حديث أبي ذر هذا؛ من أن المتعة في الحج كانت لهم خاصة .. فيرده إجماع المسلمين على جوازها إلى يوم القيامة، ومن جملة ما احتج به المانعون من الفسخ أن مثل ما قاله عثمان وأبو ذر لا يقال بالرأي، ويجاب بأن هذا من مواطن الاجتهاد، ومما للرأي فيه مدخل، على أنه قد ثبت في "الصحيحين" عن عمران بن حصين أنه قال: تمتعنا مع
стр. 8389
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
رسول الله ﷺ ، ونزل القرآن، فقال رجل برأيه ما شاء، فهذا تصريح من عمران أن المنع من التمتع بالعمرة إلى الحج من بعض الصحابة من قبيل الرأي، كذلك من الرأي دعوى اختصاص التمتع الخاص؛ أعني به: الفسخ بجماعة مخصوصة، وقد أطال ابن القيم الكلام على ذلك، رحمه الله تعالى. انتهى من "العون".
قال السندي: قوله: (كانت المتعة) ظاهره موافقة نهي عمر عن المتعة، والجمهور على خلافه، وأن المتعة غير مخصوصة بهم، فلذلك حملوا المتعة بالفسخ. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب جواز التمتع، والنسائي في كتاب المناسك، باب إباحة فسخ الحج بعمرة لمن لم يسق الهدي.
فدرجته: أنه صحيح السند، ضعيف المتن (١٠)(٣٠٨)؛ لأنه موقوف غير مرفوع، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين، كلاهما: للاستئناس، فكلاهما ضعيفان، فلا يصلحان لمعارضة حديث جابر وعمران وأسماء رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
والله أعلم
стр. 8390
(٤٣) - (١٠٥٠) - بَابُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ
(١٠٢) - ٢٩٣٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا أَرَى عَلَيَّ جُنَاحًا أَلَّا أَطَّوَّفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة،
===
(٤٣) - (١٠٥٠) - (باب السعي بين الصفا والمروة)
(١٠٢) - ٢٩٣٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت ربما دلس، من كبار التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(قال: أخبرني أبي) عروة بن الزبير، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(قال) أبي عروة: (قلت لعائشة) أم المؤمنين؛ رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: قلت لها: (ما أرى) ولا أظن أن (عليَّ جناحًا) وذنبًا في (ألا أطوف) ولا أسعى؛ أي: في عدم سعيي (بين الصفا والمروة) في حجتي ولا في عمرتي؛ لأنهما يَتِمَّانِ بلا سعي بينهما؛ وهما جبلا المسعى اللذان يُسعى من أحدهما إلى الآخر؛ والصفا في الأصل: جمع صفاة؛ وهي الصخرة والحجر الأملس، والمروة في الأصل: حجر أبيض براق، والصفا طرف جبل أبي قبيس، والمروة من جهة جبل الأخشبين، فنفي الجناح في ترك الطواف بينهما يدل على أن الطواف بينهما ليس ركنًا من أركان الحج والعمرة.
стр. 8391
قَالَتْ: إِنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وَلَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ .. لَكَانَ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا؛ إِنَّمَا أُنْزِلَ هَذَا فِي نَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا إِذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ،
===
(قالت) في جواب سؤال عروة: (إن الله) (يقول) في كتابه العزيز: (﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾) أي: إن السعي بينهما (﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) أي: من أحكام دين الله التي ندب إليها عباده وأمرهم بالقيام بها، ومن أعمال الحج والعمرة التي أوجبها عليهم فيهما (﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾) أي: قصده بأعمال الحج (﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾) أي: أو زاره بأعمال العمرة .. (﴿فَلَا جُنَاحَ﴾) أي: فلا حرج ولا ذنب (﴿عَلَيْهِ﴾) أي: على ذلك الحاج أو المعتمر في (﴿أَنْ يَطَّوَّفَ﴾) ويسعى (﴿بِهِمَا﴾) (١)؛ أي: بين الصفا والمروة.
(ولو كان) المقصود من معنى الآية (كما تقول) وتظن .. (لكان) النظم القرآني وتركيبه: (فلا جناح عليه ألا يطوف بهما) بزيادة لا النافية في قوله: (أن يطوف) أي: لا جناح عليه في ترك الطواف بينهما، وكانت الآية تدل على رفع الإثم عن التارك، فتكون نصًّا في سقوط الوجوب، أما بدون لا .. فهي ساكتة عن الوجوب وعدمه، مصرحة بعدم الإثم عن الفاعل، ولا يلزم من نفي الإثم عن الفاعل نفي الإثم عن التارك، فلو كان المراد مطلق الاباحة .. لنفى الإثم عن التارك (إنما أنزل هذا) أي: إنما نزول هذه الآية (في ناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا) أي: أرادوا إهلال الحج وإحرامه في الجاهلية .. (أهلوا) أي: أحرموا (لمناة) ولبوا لها -وهي بفتح الميم وتخفيف النون وبعد الألف تاء مثناة من فوق-: اسم صنم كانت لهم في الجاهلية.
стр. 8392
فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة، فَلَمَّا قَدِمُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَجِّ .. ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَأَنْزَلَهَا اللهُ، فَلَعَمْرِي؛ مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
===
قال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي بجهة البحر، كانوا يعبدونها، وقيل: هي صخرة لهذيل بقديد، وسميت مناة؛ لأن النسائك كانت تمنى بها؛ أي: تراق، وقال الحازمي: هي على سبعة أميال من المدينة، وإليها نسبوا زيد مناةَ. انتهى "فتح الملهم".
(فـ) من أحرم لها .. فـ (لا يحل لهم) في اعتقادهم في جاهليتهم (أن يطوفوا بين الصفا والمروة) تعظيمًا لصنمهم؛ حيث لم يكن في المسعى، وكان فيه صنمان لغيرهم؛ وهما: إساف ونائلة؛ وكان ذلك سنة في آبائهم من أحرم لمناة .. لم يطف بين الصفا والمروة.
(فلما قدموا) أي: الأنصار (مع النبي ﷺ في الحج) أي: في حجة الوداع .. (ذكروا ذلك) الذي يفعلونه في الجاهلية؛ من عدم طوافهم بين الصفا والمروة (له) أي: للنبي ﷺ وأخبروه له (فأنزلها الله) أي: فأَنْزَلَ الله تعالى هذه الآية المذكورة في شأنهم؛ إبطالًا لما عليهم في الجاهلية، ثم قالت عائشة رضي الله تعالى عنها تأكيدًا لكلامها: (فلعمري) أي: فلحياتي قسمي (ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة) ولا عمرته؛ لأن السعي ركن من أركانهما.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج ولا العمرة إلا به، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب أمر الصفا والمروة، والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة البقرة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في
стр. 8393
(١٠٣) - ٢٩٣٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْن مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ الدَّسْتَوَائِيُّ، عَنْ بُدَيْلِ بْنِ مَيْسَرَةَ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ،
===
كتاب الحج، باب ذكر الصفا والمروة، ومالك في "الموطأ" في كتاب الحج، باب جامع السعي.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث أم ولد لشيبة ﵄، فقال:
(١٠٣) - ٢٩٣٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعلي بن محمد) الطنافسي، (قالا: حدثنا وكيع، حدثنا هشام) بن أبي عبد الله سنبر (الدستوائي) بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة فوق ثم مد ثقة ثبت، من كبار السابعة، وقد رمي بالقدر، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بديل) مصغرًا (ابن ميسرة) العقيلي -مصغرًا- البصري، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس وعشرين أو ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية، لها رؤية، وقال الدارقطني: لا تصح لها رؤية. روت عن النبي ﷺ ، وعن أم ولد لشيبة بن عثمان، وعائشة، وأم سلمة، وأم حبيبة، ثقة، من الثالثة على قول. يروي عنها: (ع).
стр. 8394
عَنْ أُمِّ وَلَدٍ لِشَيْبَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ يَقُولُ: "لَا يُقْطَعُ الْأَبْطَحُ إِلَّا شَدًّا".
(١٠٤) - ٢٩٤٠ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ
===
(عن أم ولد لشيبة) بن عثمان، لم أر من ذكر اسمها ﵂.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أم ولد لشيبة: (رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة وهو) أي: والحال أنه (يقول: لا يقطع) ولا يمر (الأبطح) أي: المسيل الذي في وسط المسعئ بين الميلين الأخضرين (إلا) قطعًا (شدًا) أي: عدوًا وإسراعًا وإجراء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب المناسك، باب السعي في بطن المسيل.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث ابن عمر ﵃، فقال:
(١٠٤) - ٢٩٤٠ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش بفتح المهملة والنون بعدها معجمة ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
стр. 8395
قَالَا: حَدَّثَنَا وكِيعٌ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ جُمْهَانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ أَسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ .. فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْعَى، وَإِنْ أَمْشِ .. فَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَمْشِي وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
===
(قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبي) الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي -بضم الراء بعدها واو بهمزة وبعدها ألف وبعد الألف مهملة- والد وكيع، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة خمس، ويقال: ست وسبعين ومئة (١٧٦ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن عطاء بن السائب) أبي محمد، ويقال: أبي السائب الثقفي الكوفي، صدوق اختلط، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن كثير بن جمهان) -بضم الجيم وسكون الميم السلمي- أو الأسلمي، أبو جعفر، مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (إن أَسْعَ) وأَجْرِ وأَعْدُ (بين الصفا والمروة) أي: في مكان العدو منه؛ وهو ما بين الميلين الأخضرين من المسعى .. (فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى) ويعدو فيما بين الميلين، فلي أسوة به (وإن أمش) على هنيتي بلا عدو فيما سوى ما بين الميلين (فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي) على هينته، فلي قدوة به في ذلك (و) الحال (أنا) معذور في مشيتي ولو في مكان العدو؛ لأني (شيخ كبير) بلغت سن الكبر.
стр. 8396
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الترمذي: والذي يستحبه أهل العلم أن يسعى بين الصفا والمروة؛ فإن لم يسع ومشى بين الصفا والمروة .. رأوه جائزًا. انتهى.
والمراد من السعي بين الصفا والمروة: السعي في بطن الوادي الذي بين الصفا والمروة.
قال الشوكاني في شرح حديث جابر المذكور تحت قوله: (حتى انصبت قدماه في بطن الوادي) ما لفظه: وفي "الموطأ": حتى إِذا انْصَبَّتْ قدماه في بطن الوادي .. سعى.
وفي هذا الحديث استحباب السعي في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو سعى في الجميع أو مشى في الجميع .. أجزأه وفاتته الفضيلة، وبه قال الشافعي ومن وافقه، وقال مالك -فيمن ترك السعي الشديد في موضعه-: تجب عليه الإعادة، وله رواية أخرى موافقة للشافعي. انتهى، وحديث ابن عمر هذا يدل على ما قاله الشافعي وموافقوه. انتهى "تحفة الأحوذي".
وجاء في "مسند أحمد" من رواية حبيبة بنت أبي تَجْراةَ قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى وهو يقول: "اسعوا؛ فإن الله كتب عليكم السعي".
وأخرج أحمد أيضًا من رواية صفية بنت شيبة أن امرأة أخبرتها أنها سمعت رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي، فاسعوا"، واستدل به من قال بأن السعي فرض؛ وهم الجمهور.
وعند الحنفية أنه واجب يجبر بالدم، وبه قال الثوري في الناسي، بخلاف
стр. 8397
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
العَامِد، وبه قال عطاء، وعنه أنه سنة لا يجب بتركه شيء، وبه قال أنس فيما نقله عنه ابن المنذر، واختلف عن أحمد.
وقال الطحاوي: أجمع العلماء على أنه لو حج ولم يطف بالصفا والمروة .. أن حجه قد تم وعليه دم، لكن الذي حكاه الحافظ ابن حجر وغيره عن الجمهور أنه ركن لا يجبر بالدم، ولا يتم الحج بدونه. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحج، باب أمر الصفا والمروة، والترمذي في كتاب الحج، باب في السعي بين الصفا والمروة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الحج، باب المشي بينهما.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8398
(٤٤) - (١٠٥١) - بَابُ الْعُمْرَةِ
(١٠٥) - ٢٩٤١ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْخُشَنِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ، أَخْبَرَنِي طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى،
===
(٤٤) - (١٠٥١) - (باب العمرة)
(١٠٥) - ٢٩٤١ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا الحسن بن يحيى الخشني) بضم المعجمة الأول وفتح الثانية ثم نون الدمشقي البَلَاطي، أصله من خراسان، صدوق كثير الغلط، من الثامنة، مات بعد التسعين ومئة. يروي عنه: (ق).
وفي "التهذيب": قال عباس الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ثقة خراساني، وقال دحيم: لا بأس به، وقال ابن عدي: هو ممن يحتمل حديثه، قال أبو داوود: حدثنا سليمان بن عبد الرحمن، حدثنا الحسن بن يحيى الخشني، وكان ثقة، وقد سمعت ابن جَوْصَاءَ يوثقه.
قلت: هو مختلف فيه.
(حدثنا عمر بن قيس) المكي المعروف بسندل -بفتح المهملة وسكون النون وآخره لام- متروك، من السابعة. يروي عنه: (ق).
قلت: هو ضعيف متفق على ضعفه.
(أخبرني طلحة بن يحيى) بن طلحة بن عبيد الله التيمي المدني نزيل الكوفة، صدوق يخطئ، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 8399
عَنْ عَمِّهِ إِسْحَاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْحَجُّ جِهَاد وَالْعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ".
===
(عن عمه إسحاق بن طلحة) بن عبيد الله التيمي، مقبول، من الثالثة، مات دون المئة سنة ست وخمسين (٥٦ هـ)، وذكره ابن حبان في "الثقات". يروي عنه: (ت ق).
(عن طلحة بن عبيد الله) بن عثمان التيمي المدني أحد العشرة الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمر بن قيس، وهو متفق على ضعفه؛ وكذا الحسن بن يحيى الخشني مختلف فيه.
(أنه) أي: أن طلحة بن عبيد الله (سمع رسول الله ﷺ يقول: الحج جهاد) مبتدأ وخبر، فيه تشبيه بليغ؛ أي: واجب وجوب عين، يلزم كل مكلف مستطيع؛ كالجهاد الذي هو فرض على كل مسلم قادر عليه فيما إذا دخل العدو بلاد المسلمين (والعمرة تطوع) فيه: تشبيه بليغ أيضًا؛ أي: أن العمرة نفل؛ كنفل الصلاة مثلًا غير واجب فرض كفاية ولا فرض عين، اكتفاءً عنها بالحج؛ بجامع الزيارة، قال السندي: أي: غير واجب؛ كما هو مذهب علمائنا الحنفية.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه البيهقي في كتاب الحج، باب من قال: العمرة تطوع، والطبراني في "المعجم الكبير".
فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث ضعيف متنًا وسندًا (١١)(٣٠٩).
стр. 8400
(١٠٦) - ٢٩٤٢ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى يَقُولُ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ اعْتَمَرَ فَطَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ،
===
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٠٦) - ٢٩٤٢ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يعلى) بن عبيد بن أبي أمية الكوفي أبو يوسف الطنافسي، ثقة إلا في حديثه عن الثوري ففيه لين، من كبار التاسعة، مات سنة بضع ومئتين (٢٠٣ هـ)، وله تسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل) بن أبي خالد، اسمه فيروز أو سعيد الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(سمعت عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، شهد الحديبية، وعمر بعد النبي ﷺ ، مات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
حالة كونه (يقول).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(كنا مع النبي ﷺ حين اعتمر) عمرة القضاء سنة سبع (فطاف) رسول الله ﷺ (وطفنا معه) ﷺ سبعة أشواط الطواف (وصلى) ركعتي سنة الطواف عند المقام (وصلينا معه)
стр. 8401
وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ لَا يُصِيبُهُ أَحَدٌ بِشَيْءٍ.
===
أي: كما صلى لا جماعةً، وسعى سعي العمرة سبعة أشواط بين الصفا والمروة (وكنا) معاشر الصحابة الحاضرين معه (نستره) ونحفظه ونحجبه (من) مشركي (أهل مكة) كي (لا يصيبه) ولا يناله (أحد) منهم (بشيء) من الضرر؛ لأنهم أعداؤه، وأعداء المسلمين كلهم لا يريدون بهم خيرًا، والظاهر أن هذه العمرة عمرة القضاء في سنة سبع من الهجرة، وفي رواية أبي داوود في "سننه" زيادة: (فقيل لعبد الله) بن أبي أوفى راوي الحديث: (أدخل رسول الله ﷺ يومئذ (الكعبة؟ ) والهمزة للاستفهام الاستخباري (قال) عبد الله لسائله: (لا) أي: ما دخل في عمرة القضاء، بل دخل في حجة الوداع.
قال النووي: سبب ترك دخوله الكعبة يومئذ ما كان في الكعبة من الأصنام والصور، ولم يكن المشركون يتركونه ليغيرها، فَلَمَّا كان في الفتح .. أمر بإزالة الصور ثم دخلها؛ يعني: كما في حديث ابن عباس الذي عند مسلم وغيره. انتهى.
ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط، فلو أراد دخوله .. لمنعوه؛ كما منع من الإقامة بمكة زيادة على الثلاث، فلم يقصد دخوله؛ لئلا يمنعوه، قاله الحافظ.
قال المنذري: وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم مختصرًا، قال إسماعيل بن أبي خالد: (قلت لعبد الله بن أبي أوفى صاحب النبي ﷺ : أدخل النبي ﷺ البيت في عمرته؟ قال: لا)، فقد بين ابن أبي أوفى أن ذلك كان في عمرته، وقد صح أن رسول الله ﷺ دخل البيت في حجته. انتهى من "العون".
стр. 8402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب من لم يدخل الكعبة، وفي كتاب العمرة، باب متى يحل المعتمر، وأبو داوود في كتاب الحج، باب أمر الصفا والمروة.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستئناس، والثاني للاستدلال.
والله أعلم
стр. 8403
(٤٥) - (١٠٥٢) - بَابُ العُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ
(١٠٧) - ٢٩٤٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ بَيَانٍ وَجَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَهْبِ بْنِ خَنْبَشٍ
===
(٤٥) - (١٠٥٢) - (باب العمرة في رمضان)
(١٠٧) - ٢٩٤٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، عن سفيان) بن سعيد الثوري، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بيان) بن بشر الأحمسي -بمهملتين- أبي بشر الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(و) عن (جابر) بن يزيد بن الحارث الجعفي أبي عبد الله الكوفي، ضعيف رافضي، من الخامسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، وقيل: سنة اثنتين وثلاثين. يروي عنه: (د ت ق)، وجابر هذا لا يضر السند؛ لأنه إنما ذكره على سبيل المقارنة.
كلاهما (عن) عامر بن شراحيل الحميري (الشعبي) -بفتح المعجمة وسكون المهملة- أبي عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة، وله نحو من ثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن وَهْبِ بن خَنْبَشٍ) -بمعجمة ونون وموحدة ومعجمة على وزن جعفر- الطائي الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة، ويقال: اسمه: هَرِمٌ؛ كما سيأتي في الرواية التالية، والأصح أن اسمه وهب لا غَيْرُ. يروي عنه: (س ق).
стр. 8404
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حِجَّةً".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) وهب: (قال رسول الله ﷺ : عمرةٌ) مفعولةٌ (في) شهر (رمضان تَعْدِلُ) وتُساوي (حجةً) واحدةً أجرًا وثوابًا؛ أي: في الثواب لا في الإِجْزَاء عن حجة الإسلام. انتهى "سندي"، كذا قاله القاضي عياض، وقال ملا علي: أي: تعادل وتماثل في الثواب، وفي بعض الروايات: (تعدل حجةً معي) وهو مبالغة في إلحاق الناقص بالكامل ترغيبًا فيه، وفيه دلالة على أن فضيلة العبادة تزيد بفضيلة الوقت، فيشمل يومه وليله أو بزيادة المشقة فيختص بنهاره. انتهى من "الدهني".
قال الحافظ رحمه الله تعالى: والحاصل أنه ﷺ أعلم أن العمرة في رمضان تعدل حجة في الثواب، لا أنها تقوم مقامها في إسقاط الفرض؛ للإجماع على أن الاعتمار لا يجزئ عن حج الفرض، ونقل الترمذي عن إسحاق بن راهويه أن معنى الحديث نظير ما جاء أن (قل هو الله أحد) تعدل ثلث القرآن.
وقال ابن العربي في حديث العمرة هذا: إنه صحيح، وهو فضل من الله ونعمة منه؛ فقد أدركت العمرة منزلة الحج بانضمام رمضان إليها.
وقال ابن الجزري: فيه أن ثواب العمل يزيد بزيادة شرف الوقت؛ كما يزيد بحضور القلب وبخلوص القصد.
وقال غيره: ويحتمل أن يكون مراده: عمرة فريضة في رمضان كحجة فريضة، وعمرة نافلة في رمضان كحجة نافلة، وقال ابن التين: قوله: (كحجة) يحتمل أن يكون على بابه، ويحتمل أن يكون لبركةِ رمضان، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بالمرأة السائلة؛ كما في رواية مسلم، والظاهر العموم. انتهى من "الكوكب".
стр. 8405
(١٠٧) - ٢٩٤٣ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ جَمِيعًا، عَنْ دَاوُودَ بْنِ يَزِيدَ الزَّعَافِرِيِّ، عَنِ الشَّعْبِيِّ،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن أخرجه ابن الأعرابي في "معجمه".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث وهب بن خنبش رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٠٧) - ٢٩٤٣ - (م) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(حدثنا سفيان) بن عيينة.
(ح وحدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش الأودي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا وكيع جميعًا) أي: كل من سفيان ووكيع رويا (عن داوود بن يزيد) بن عبد الرحمن الأودي (الزعافري) -بزاي مفتوحة ومهملة وكسر الفاء- أبي يزيد الكوفي الأعرج عم عبد الله بن إدريس، ضعيف، من السادسة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن الشعبي) عامر بن شراحيل.