. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
(والثالثة: عمرة الجعرانة) فيها لغتان؛ إحداهما: بكسر الجيم وسكون العين المهملة وفتح الراء مخففة وبعد الألف نون، والثانية: بكسر العين وتشديد الراء؛ وهي بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب، فهي في ذي القعدة أيضًا سنة ثمان، وهي بعد الفتح.
(والرابعة: التي) قرنها (مع حجته) وهي في سنة عشر، وكانت أفعالها في ذي الحجة بلا خلاف، وأما إحرامها .. فالصحيح: أنه كان في ذي القعدة، كذا في "عمدة القاري".
وفي حديث أنس: وعُمَرُه ﷺ كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته؛ فإنها كانت في ذي الحجة، قاله الحافظ.
وقال ابن القيم: ولا تناقض بين حديث أنس: أنهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته، وبين قول عائشة وابن عباس: لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا في ذي القعدة؛ لأن مبدأ عمرة القران كان في ذي القعدة، ونهايتها كان في ذي الحجة مع انقضاء الحج؛ فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها، والله أعلم. من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب في العمرة، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء كم اعتمر النبي ﷺ ، قال: وفي الباب عن أنس وعبد الله بن عمرو وابن عمر.
قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن غريب، وروى ابن عيينة هذا الحديث عن عمرو بن دينار عن عكرمة أن النبي ﷺ اعتمر أربع عمر، ولم يذكر فيه عن ابن عباس، قال: حدثنا بذلك سعيد بن
стр. 8437
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عبد الرحمن المخزومي، حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة أن النبي ﷺ ... فذكر نحوه.
والدارمي في كتاب المناسك، باب كم اعتمر النبي ﷺ .
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 8438
(٥١) - (١٠٥٨) - بَابُ الْخُرُوجِ إِلَى مِنًى
(١١٨) - ٢٩٥٤ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى بِمِنًى
===
(٥١) - (١٠٥٨) - (باب الخروج إلى منًى)
(١١٨) - ٢٩٥٤ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن إسماعيل) بن مسلم المكي أبي إسحاق، كان من البصرة، ثم سكن مكة، وكان فقيهًا، ضعيف الحديث، من الخامسة، روى عن عطاء، ويروي عنه: (ت ق)، وأبو معاوية.
(عن عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة على الصحيح (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إسماعيل بن مسلم، وهو متفق على ضعفه.
(أن رسول الله ﷺ صلى بمنًى) ومنًى: اسم موضع بين مكة ومزدلفة؛ حدها من جهة المشرق: بطن المسيل إذا هبطت من وادي
стр. 8439
يَوْمَ التَّرْوِيَةِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ والْفَجْرَ ثُمَّ غَدَا إِلَى عَرَفَةَ.
===
محسر، ومن جهة المغرب: جمرة العقبة، ذكره النووي في "التهذيب"، وقال في "المجمع": سمي به؛ لما يمنى فيه من الدماء؛ أي: يراق، وهي لا تنصرف وتكتب بالياء إن قصد بها البقعة، ويصرف ويكتب بالألف بتأويله بموضع. انتهى.
(يوم التروية): وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي بذلك؛ لأن الناس يتروون الماء فيه؛ أي: يتزودون للخروج إلى عرفة (الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) أي: صلى الخمس في ذلك اليوم بمنًى، وفيه تغليب، وإلا .. فالفجر صلاها في يوم عرفة بعد الفجر.
(ثم غدا) من الغدو؛ وهو المشي أول النهار؛ أي: سار غدوة بعد طلوع الشمس؛ لما في حديث جابر الطويل: ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس (إلى عرفة) - بفتحتين - قال النووي: اسم لموضع الوقوف، سمي به؛ لأن آدم عرف حواء هناك، وقيل: لأن جبريل عرَّف إبراهيم المناسك هناك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الخروج إلى منًى، وقال: إسماعيل بن مسلم قد تُكُلِّم فيه من قبل حفظه؛ ضعفه ابن المبارك، وقال أحمد: منكر الحديث.
ولكن درجة الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شواهد من أحاديث صحيحة؛ منها: ما أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن عبد الله بن الزبير بلفظ: قال: من سنة الحج أن يصلي الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح بمنًى، ثم يَغْدُو إلى عرفة، حتى إذا زالت الشمس .. خطب الناس، ثم صلى الظهر والعصر جميعًا، كذا في "شرح سَرَّاج أحمد".
ومنها: حديث أنس أخرجه البخاري عن عبد العزيز بن رفيع قال: سألت
стр. 8440
(١١٩) - ٢٩٥٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ،
===
أنس بن مالك، قلت: أخبرني بشيء عقلته عن رسول الله ﷺ ؛ أين صلى الظهر والعصر يوم التروية؟ قال: بمنًى ... الحديث.
وفي الباب عن جابر في الحديث الطويل في صفة الحج عند مسلم: فلما كان يوم التروية .. توجهوا إلى منًى فأهلوا بالحج، وركب رسول الله ﷺ ، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر ... الحديث.
وفي الباب أيضًا عن ابن عمر أخرجه ابن ماجه مرفوعًا، ومالك موقوفًا.
قلت: فدرجة الحديث: أنه صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما قد علمت؛ فهو ضعيف السند، صحيح المتن، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقال:
(١١٩) - ٢٩٥٥ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا عبد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
стр. 8441
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ بِمِنًى، ثُمَّ يُخْبِرُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
===
(عن نافع) مولى ابن عمر، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن عمر بن حفص، وهو متفق على ضعفه.
(أنه) أي: أن ابن عمر (كان يصلي الصلوات الخمس) المفروضة في يوم التروية (بمنًى، ثم) إن ابن عمر (يخبرهم) أي: يخبر الناس الذين صلوا معه (أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك) الفعل الذي فعلته، من أداء الصلوات الخمس في منًى يوم التروية قبل الخروج إلى عرفة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ابن عباس المذكور قبله، رواه الترمذي وابن ماجه.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما قبله، وسنده ضعيف؛ لما قد عرفت آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8442
(٥٢) - (١٠٥٩) - بَابُ النُّزُولِ بِمِنًى
(١٢٠) - ٢٩٥٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أُمِّه،
===
(٥٢) - (١٠٥٩) - (باب النزول بمنًى)
(١٢٠) - ٢٩٥٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني أبي يوسف الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن إبراهيم بن مهاجر) بن جابر البجلي الكوفي، صدوق لين الحفظ، من الخامسة. يروي عنه: (م عم).
(عن يوسف بن ماهك) - بفتح هاء وبكاف، وترك صرفه، وعند الأصيلي مصروف. انتهى "تحفة" - ابن بهزاد - بضم الموحدة وبسكون الهاء بعدها زاي - الفارسي المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أمه) مسيكة - بالتصغير - المكية، لا يعرف حالها بعدالة ولا جرح، روت عن عائشة هذا الحديث؛ وهو (منًى مناخ من سبق). ويروي عنها: (د ت ق)، وابنها يوسف بن ماهك.
стр. 8443
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتًا؟ قَالَ: "لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ".
===
قلت: قال ابن خزيمة: لا أعرف راويًا عنها إلا ابنها، من الثالثة.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مسيكة، وهي مختلف فيها.
(قالت) عائشة: (قلت: يا رسول الله؛ ألا نبني لك) من البناء؛ أي: ألا نبني نحن معاشر الصحابة لك (بمنًى بيتًا) تنزل فيه أيام الموسم؟
فـ (قال) لها: (لا) تبنوا لي فيها بيتًا؛ فإن (منًى مناخ من سبق) إليها، فلا يجوز فيها البناء؛ لأن أرضها مشتركة بين المسلمين؛ لتعلق حق المبيت فيها لكل مسلم محرم.
والمعنى: أن الاختصاص فيه بالسبق لا بالبناء.
وقال الطيبي: معناه: أتأذن لنا أن نبني لك فيها بيتًا؛ لتسكن فيه؟ فمنع من البناء فيها، وعلل المنع بأن منًى موضع لأداء النسك؛ من النحر ورمي الجمار والحلق، يشترك فيه الناس، فلو بني فيها بناء .. لأدى إلى كثرة الأبنية تأسيًا به، فتضيق على الناس، وكذلك حكم الشوارع ومقاعد الأسواق.
وعند أبي حنيفة أرض الحرم موقوفة؛ لأن رسول الله ﷺ فتح مكة قهرًا، وجعل أرض الحرم موقوفة على المسلمين، فلا يجوز أن يتملكها أحد منهم. انتهى من "العون".
قوله: (ألا نبني لك بناءً) وفي رواية لابن ماجه: (بيتًا)، (قال: لا) أي: لا تبنوا لي بيتًا بمنًى؛ لأنه ليس مختصًّا بأحد؛ إنما هو موضع العبادة؛ من الرمي وذبح الهدي والحلق ونحوها، فلو أجيز البناء فيه .. لكثرت الأبنية، وتَضَيَّق
стр. 8444
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المكان على الناس، وهذا مثل الشوارع ومقاعد الأسواق، وعند أبي حنيفة أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يملكها أحد (منًى) مبتدأ (مناخ من سبق) خبر المبتدأ؛ والمناخ - بضم الميم -: موضع إناخة الإبل. انتهى من "تحفة الأحوذي".
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وأخرجه ابن ماجه والحاكم أيضًا، ومدار هذا الحديث على مسيكة، وهي مجهولة؛ كما عرفت. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب تحريم حرم مكة، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أن منًى مناخ من سبق، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والدارمي في كتاب الحج، باب كراهية البناية في منًى، وأحمد والحاكم في "المستدرك".
قال شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: قال ابن القطان: وعندي أنه ضعيف؛ لأنه من رواية يوسف بن ماهك عن أمه مسيكة، وهي مجهولة لا نعرف رَوَى عنها غَيْرُ ابنِها، والصواب: تحسين الحديث؛ فإن يوسف بن ماهك من التابعين، وقد سمع أم هانئ وابن عمر وابن عباس وعبد الله بن عمرو، وقد رُوي عنه، ولم يعلم فيها جرح، ومثل هذا الحديث حسن عند أهل العلم بالحديث، وأمه تابعية قد سمعت عائشة.
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، فقال:
стр. 8445
(١٢٠) - ٢٩٥٦ - (م) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ أُمِّهِ مُسَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَلَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتًا يُظلُّكَ؟ قَالَ: "لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ".
===
(١٢٠) - ٢٩٥٦ - (م) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش - بفتح المهملة والنون بعدها معجمة - الأودي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن يوسف بن ماهك) - بفتح الهاء - يصرف ولا يصرف، كذا في "المغني"، ثقة، من الثالثة، مات سنة ست ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أمه مسيكة) لم يُسْمَعْ فيها جرحٌ ولا تعديل، فهي مستورة، ترد السند من الصحة إلى الحسن.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
فهذا السند من سباعياته أيضًا، وحكمه: الحسن؛ كما مر آنفًا، وغرضه: بيان متابعة علي بن محمد وعمرو بن عبد الله لأبي بكر بن أبي شيبة.
(قالت) عائشة: (قلنا) معاشر الصحابة: (يا رسول الله؛ ألا نبني لك بمنًى بيتًا يظلك) من حر الشمس؟ (قال: لا) تبنوا؛ (منًى مناخ من سبق) إليها، فالسابق أحق بها من اللاحق.
стр. 8446
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وإنما كرر متن الحديث فيها؛ لما في الرواية الثانية من الزيادة على الرواية الأولى.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 8447
(٥٣) - (١٠٦٠) - بَابُ الْغُدُوِّ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ
(١٢١) - ٢٩٥٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذَا الْيَوْمِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ؛ فَمِنَّا
===
(٥٣) - (١٠٦٠) - (باب الغدو من منًى إلى عرفات)
(١٢١) - ٢٩٥٧ - (١) (حدثنا محمد بن) يحيى بن (أبي عمر العدني) المكي، وقيل: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق، صنف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع)
(عن محمد بن عقبة) بن أبي عياش الأسدي مولاهم؛ مولى آل الزبير المدني، أخي موسى بن عقبة، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (م س ق).
(عن محمد بن أبي بكر) بن عوف بن رباح، الثقفي حجازي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (خ م س ق).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (غدونا) أي: بكرنا (مع رسول الله ﷺ في هذا اليوم) العظيم البركة؛ لأنه يوم تقال فيه العثرات وتستجاب فيه الدعوات؛ أي: سرنا صباحًا (من منًى إلى عرفة) أرض البركة (فمنا) معاشر الصحابة
стр. 8448
مَنْ يُكَبِّرُ، وَمِنَّا مَنْ يُهِلُّ، فَلَمْ يَعِبْ هَذَا عَلَى هَذَا، وَلَا هَذَا عَلَى هَذَا، وَرُبَّمَا قَالَ: هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاء، وَلَا هَؤُلَاءِ عَلَى هَؤُلَاءِ.
===
(من يكبر) أي: يقول: (الله أكبر) بصيغتها المعروفة في يوم العيد (ومنا من يهل) أي: يلبي بصيغتها المعروفة (فلم يعب) أي: لا يعيب (هذا) المكبر (على هذا) الملبي تلبيته (ولا) يعيب (هذا) الملبي (على هذا) المكبر تكبيره (وربما قال) أنس بدل قوله: (فلم يعب هذا على هذا، ولا هذا على هذا): ولا يعب (هؤلاء) المكبرون (على هؤلاء) الملبين تلبيتهم (ولا) يعب (هؤلاء) الملبون (على هؤلاء) المكبرين تكبيرهم.
قوله: (فلم يعب) من عاب يعيب؛ من باب باع؛ أي: لا يعيب أحدنا على صاحبه ما أتى به من الذكر؛ أي: لا يعيب الملبي على المكبر، ولا المكبر على الملبي، قال القرطبي: ظاهر هذا الحديث - بل وأحاديث هذا الباب - جواز التلبية والتكبير والتهليل في الغدو إلى عرفات وفي الإفاضة منها، وبذلك قال مالك وغيره، ولا نعلم خلافًا في جواز ذلك، مع أن التلبية أفضل في الحج والعمرة إلى وقت قطعها.
ووقت قطعها في الحج: الشروع في رمي جمرة العقبة يوم النحر، ووقت قطعها في العمرة: الشروع في الطواف، وقال بعضهم: أما المعتمر .. فعند مالك إن أحرم من التنعيم .. فيقطعها إذا رأى الحرم، وعنه: إن أحرم من الجعرانة .. قطع إذا دخل مكة، وعند أبي حنيفة والشافعي يقطعها المعتمر إذا ابتدأ الطواف، ولم يفرقا بين القرب والبعد. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب التلبية والتكبير إذا غدا من منًى على عرفة، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب إدامة الحاج التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة يوم النحر، والنسائي في
стр. 8449
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كتاب المناسك، باب التكبير في المسير إلى عرفة، وفي باب التلبية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ملحقة
قال السندي: قوله: (فمنا من يكبر ... ) إلى آخره، الظاهر أنهم كانوا يجمعون بين التلبية والتكبير؛ فمرةً يكبر هؤلاء ويلبي آخرون، ومرة بالعكس، لا أن بعضهم يلبي فقط، وبعضهم يكبر فقط.
والظاهر أنهم ما فعلوا كذلك إلا أنهم وجدوه ﷺ جمع؛ إذ يبتعد أنهم يخالفون النبي ﷺ ، ويكون النبي ﷺ على ذكر واحد وهم يأتون بذكر آخر، فالأقرب أنهم كانوا يجمعون، والنبي ﷺ كان يجمع، وعلى هذا؛ فالأقرب للعامل أن يجمع.
ثم رأيت أن الحافظ ابن حجر نقل في "شرح صحيح البخاري" في باب التلبية والتكبير غداة النحر ما هو صريح في ذلك، قال: فعند أحمد وابن أبي شيبة والطحاوي من طريق مجاهد عن معمر عن عبد الله: خرجت مع رسول الله ﷺ ، فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أن يخالطها تكبير. انتهى منه.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 8450
(٥٤) - (١٠٦١) - بَابُ الْمَنْزَلِ بِعَرَفَةَ
(١٢٢) - ٢٩٥٨ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعَمْرُو بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، أَنْبَأَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ الْجُمَحِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْزِلُ بِعَرَفَةَ فِي وَادِي نَمِرَةَ
===
(٥٤) - (١٠٦١) - (باب المنزل بعرفة)
(١٢٢) - ٢٩٥٨ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(وعمرو بن عبد الله) بن حنش - بفتحتين بعدهما شين معجمة - الأودي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع، أنبأنا نافع بن عمر) بن عبد الله بن جميل (الجمحي) المكي، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة تسع وستين ومئة (١٦٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن حسان) حجازي، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (د ق).
انتهى "تقريب"، وفي "التهذيب": روى عن ابن عمر وابن الزبير، ويروي عنه نافع بن عمر الجمحي، وإبراهيم بن نافع الصائغ، ذكره ابن حبان في "الثقات"، له في "أبي داوود" و"ابن ماجه" حديث واحد في وقت الرواح إلى عرفة. انتهى.
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ كان ينزل بعرفة في وادي نمرة) - بفتح النون وكسر الميم - جار ومجرور بدل من الجار والمجرور قبله؛ أي: كان إذا
стр. 8451
قَالَ: فَلَمَّا قَتَلَ الْحَجَّاجُ بْنَ الزُّبَيْرِ .. أَرْسَلَ إِلَى ابْنِ عُمَرَ: أَيَّ سَاعَةٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرُوحُ فِي هَذَا الْيَوْمِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ ذَلِكَ .. رُحْنَا، فَأَرْسَلَ الْحَجَّاجُ رَجُلًا يَنْظُرُ أَيَّ سَاعَةٍ يَرْتَحِلُ، فَلَمَّا أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ أَنْ يَرْتَحِلَ .. قَالَ: أَزَاغَتِ الشَّمْسُ؟ قَالُوا: لَمْ تَزِغْ بَعْدُ، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَزَاغَتِ الشَّمْسُ؟
===
وصل من منًى إلى عرفة .. ينزل في وادي نمرة إلى أن زالت الشمس، فإذا زالت الشمس .. صلى الظهر والعصر جمعًا، ثم نزل إلى عرفة تحت جبل الرحمة إلى أن تغرب شمس يوم عرفة.
(قال) سعيد بن حسان: (فلما قتل الحجاج) عبد الله (بن الزبير .. أرسل) الحجاج (إلى ابن عمر) حالة كون الحجاج يسأل ابن عمر بقوله: (أي ساعة) وأي وقت (كان النبي ﷺ يروح) ويذهب بعد الزوال (في هذا اليوم؟ ) أي: في يوم عرفة من وادي نمرة إلى الموقف في عرفة.
(قال) ابن عمر للحجاج: (إذا كان) ووجد (ذلك) أي: زوال الشمس - كما يفهم من السياق - (رحنا) وذهبنا إلى الموقف في عرفة (فأرسل الحجاج رجلًا) من أعوانه إلى ابن عمر حالة كون الرجل (ينظر أي ساعة يرتحل) ابن عمر ويذهب إلى الموقف من عرفة (فلما أراد) وقصد (ابن عمر أن يرتحل) ويذهب إلى الموقف من عرفة .. (قال) ابن عمر لمن عنده: (أزاغت) أي: هل زاغت ومالت (الشمس) من جانب الشرق إلى جانب الغرب؟ (قالوا) أي: قال الذين عند ابن عمر: (لم تزغ) من باب باع؛ أي: لم تزغ الشمس ولم تمل إلى جانب الغرب (بعد) أي: الآن في هذا الوقت الحاضر.
(فجلس) ابن عمر، ولم يذهب إلى الموقف؛ انتظارًا لزوالها (ثم قال) ابن عمر للناس الذين عنده: (أزاغت) أي: هل زاغت وزالت (الشمس) الآن
стр. 8452
قَالُوا: لَمْ تَزِغْ بَعْدُ، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَزَاغَتِ الشَّمْسُ؟ قَالُوا: لَمْ تَزِغْ بَعْدُ، فَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: أَزَاغَتِ الشَّمْسُ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَلَمَّا قَالُوا: قَدْ زَاغَتِ .. ارْتَحَلَ، قَالَ وَكِيعٌ: يَعْنِي: رَاحَ.
===
إلى جانب الغرب؟ (قالوا) له: (لم تزغ) ولم تمل الشمس (بعد) أي: في هذا الوقت الحاضر (فجلس) ابن عمر؛ انتظارًا للزوال (ثم قال) ابن عمر لمن عنده: (أزاغت) أي: هل زاغت ومالت (الشمس) إلى جانب الغرب؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده: (لم تزغ) أي: لم تمل إلى جانب الغرب (بعد) أي: الآن في هذا الوقت الحاضر.
(فجلس) ابن عمر انتظارًا للزوال (ثم قال) ابن عمر: (أزاغت) أي: هل مالت (الشمس) إلى جانب الغرب للزوال؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون لابن عمر: (نعم) الآن زاغت ومالت إلى جهة المغرب (فلما قالوا) أي: قال الحاضرون لابن عمر الآن: (قد زاغت) ومالت عن وسط السماء إلى جهة الغرب .. (ارتحل) ابن عمر وذهب إلى موقف عرفة.
(قال وكيع: يعني) شيخي: نافع بن عمر الجمحي بقوله: (ارتحل) ابن عمر: (راح) أي: ذهب بعد الزوال إلى موقف عرفة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الرواح إلى عرفة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 8453
(٥٥) - (١٠٦٢) - بَابُ الْمَوْقِفِ بِعَرَفَاتٍ
(١٢٣) - ٢٩٥٩ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيه،
===
(٥٥) - (١٠٦٢) - (باب الموقف بعرفات)
(١٢٣) - ٢٩٥٩ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى بن آدم) بن سليمان الكوفي أبو زكريا الأموي مولاهم، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن) بن الحارث بن عبد الله (بن عياش) - بتحتانية مشددة ومعجمة - ابن أبي ربيعة المخزومي أبي الحارث المدني. روى عن: زيد بن علي بن الحسين، والحسن البصري، ويروي عنه: (عم)، والثوري، صدوق له أوهام، من السابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن زيد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي الحسين المدني، ثقة، من الرابعة، وهو الذي ينسب إليه الزيدية، خرج في خلافة هشام بن عبد الملك، فقتل بالكوفة سنة اثنتين وعشرين ومئة (١٢٢ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبيه) علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، ثقة ثبت فقيه فاضل
стр. 8454
عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِعَرَفَةَ فَقَالَ: "هَذَا الْمَوْقِفُ وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ".
===
مشهور، قال ابن عيينة عن الزهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، من الثالثة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن أبي رافع) المدني مولى رسول الله ﷺ ، كان كاتب علي، وهو ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) علي: (وقف رسول الله ﷺ بعرفة) وهي اسم لبقعة معروفة (فقال) رسول الله ﷺ : (هذا) أي: هذا الموقف الذي أنا واقف فيه، وهو مبتدأ، خبره (الموقف) أي: الموضع المشروع وقوفه في الحج (وعرفة) أي: بقعتها (كلها موقف) أي: جائزٌ الوُقُوفُ فيه مجزئٌ؛ أي: إلا بطن عرنة.
وروى المؤلف هذا الحديث مختصرًا، وفي رواية الترمذي زيادة: (ثم أفاض) أي: دفع من عرفة (وأردف أسامة بن زيد) أي: جعله رديفه.
وفيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطيقةً، وقد تظاهرت به الأحاديث الصحيحة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الصلاة بجمع، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء أن عرفة كلها موقف، وقال: حسن صحيح، وأحمد في "المسند".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
стр. 8455
(١٢٤) - ٢٩٦٠ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا فِي مَكَانٍ تُبَاعِدُهُ مِنَ الْمَوْقِف، فَأَتَانَا ابْنُ مِرْبَعٍ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عليٍّ بحديثِ ابنِ مِرْبَعٍ رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٤) - ٢٩٦٠ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي المكي، صدوق شريف، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(عن يزيد بن شيبان) الأزدي، صحابي له حديث واحد. يروي عنه: (عم)، وهو خال عمرو بن عبد الله.
(قال) يزيد بن شيبان: (كنا) نحن معاشر قومنا (وقوفًا) أي: واقفين في عرفة (في مكان تباعده) - بضم التاء وكسر العين - على صيغة المعلوم؛ من باعد بمعنى بعَّد - مشددًا - مسندًا إلى ضمير المخاطب العائد على عمرو بن عبد الله بن صفوان، أي: كنا نحن معاشر رفقتنا واقفين في عرفة في مكان تَعُدُّهُ أنت يا عمرو بعيدًا (من الموقف) أي: موقف الإمام؛ أي: تَحْسَبُه أنت يا عمرو بعيدًا من موقف الإمام في ظنك، ويحتمل أن يكون هذا من كلام الراوي عن عمرو بن عبد الله، بمنزلة قال عمرو بن دينار: قال عمرو بن عبد الله: كان ذلك المكان بعيدًا عن موقف الإمام، أو من كلام عمرو بن عبد الله.
قال يزيد بن شيبان: (فأتانا) زيدُ (بنُ مِرْبَعٍ) - بكسر الميم وسكون الراء
стр. 8456
فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَيْكُمْ يَقُولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ؛ فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ".
===
بعدها موحدة مفتوحة - ابن قيظي - بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها ظاء مشالة - صحابي أكثر ما يجيء مبهمًا رضي الله تعالى عنه، وقيل: اسمه يزيد، وقيل: عبد الله.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فقال) لنا ابن مربع: (إني رسولُ رسولِ الله ﷺ إليكم) أيها الواقفون ها هنا حالة كون رسول الله (يقول) لكم: (كونوا) واقفين (على مشاعركم) ومواقفكم التي وقفتم فيها الآن، مواظبين على وقوفكم فيها، لا تتحولوا عنها (فإنكم) في هذا (اليوم) يعني: يوم عرفة .. واقفون (على إرث) أي: على موقف موروث لكم (من إرث) أي: من تركة أبيكم (إبراهيم) الخليل ﵇؛ أي: واقفون في الموقف الذي شَرَعَ لكم الوقوفَ فيه أبوكم إبراهيمُ، فلم تخرجوا عن الموقف المشروع في سنة إبراهيم ﵇.
فإرساله ﷺ الرسول بذلك؛ لتطييب قلوبهم؛ لئلا يَتَحَزَّنُوا ببُعْدِهم عن موقف رسول الله ﷺ ويَرَوْا ذلك نقصًا في الحج، أَو يَظُنُّوا ذلك المكانَ الذي هم فيه ليس بموقف.
ويحتمل أنَّ المراد: بيانُ أن هذا خير مما كانت عليه قريش من الوقوف بمزدلفة، وأنه شيء اخترعوه من أنفسهم، والذي أورثه إبراهيم هو الوقوف بعرفة، والله أعلم. انتهى من "السندي" بنوع تصرف.
ولفظ أبي داوود: (قال) يزيد: (أتانا ابن مربع الأنصاري ونحن بعرفة في مكان يباعده عمرو) بن عبد الله؛ أي: يصفه بالبعد عن موقف الإمام، وهذا مُدْرَج في الحديث، أدرجه عمرو بن دينار؛ من أن عمرو بن عبد الله بن صفوان
стр. 8457
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يصف مكانًا كنا فيه؛ بأن هذا المكان الذي كان يزيد بن شيبان وغيره فيه بعيدًا عن الإمام.
يعني: قال عمرو بن دينار: قال عمرو بن عبد الله: وكان بين ذلك الموقف وبين موقف إمام الحاج مسافة. انتهى من "العون".
قوله: "كونوا على مشاعركم" أي: مواضع نسككم ومواقفكم القديمة؛ فإنها جاءتكم من إرث إبراهيم، ولا تحقروا شأن موقفكم بسبب بعده عن موقف الإمام، والمشاعر جمع المشعر؛ وهو العلم؛ أي: موضع النسك والعبادة.
قال الطيبي: والمقصود: دَفْعُ أَنْ يُتوهم أنَّ الموقف ما اختاره النبي ﷺ ، وتطييبُ خاطرهم بأنهم على إرث أبيهم وسُنَنِهِ. انتهى، انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب موضع الوقوف بعرفة، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها، قال: وفي الباب عن علي وعائشةَ وجُبيرِ بن مطعم والشَّرِيد - بالشين المعجمة - ابن سُويد الثقفي، قال أبو عيسى: حديث ابن مربع هذا: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، واسم ابن مربع: يزيد بن مربع الأنصاري، وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد فقط.
وأحمد في "المسند"، والنسائي في كتاب الحج، باب رفع اليدين في الدعاء بعرفة. انتهى.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث علي.
стр. 8458
(١٢٥) - ٢٩٦١ - (٣) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْعُمَرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ،
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث علي بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٢٥) - ٢٩٦١ - (٣) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا القاسم بن عبد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب (العمري) المدني، متروك رماه أحمد بالكذب، من الثامنة، مات بعد الستين ومئة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير التيمي أبو عبد الله المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني ﵄.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه القاسم العمري، وهو متفق على تركه وضعفه.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : كل) بقاع (عرفة موقف) يصح الوقوف فيها (و) لكن (ارتفعوا) في الوقوف (عن بطن عرنة) - بالنون وهو الصواب - إلى جهة جبل الرحمة؛ لأن وادي عرنة ليس من الموقف (وكل) بقاع (المزدلفة موقف) أي: يصح الوقوف في كل بقعة منها. قال
стр. 8459
وَارْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ إِلَّا مَا وَرَاءَ الْعَقَبَةِ".
===
الفيومي: ويقال لمزدلفة: جمع؛ إما لأن الناس يجتمعون بها، وإما لأن آدم اجتمع هناك بحواء. انتهى منه.
(و) لكن (ارتفعوا عن بطن محسر) وواديه إلى جهة المشعر الحرام (وكل منًى منحر) أي: كل بقاعها موضع نحر الهدي، فيجوز النحر في أي بقعة منها، فلا يختص النحر بموضع نحره ﷺ ، وهو قريب من مسجد الخيف (إلا ما وراء) جمرة (العقبة) وخلفها إلى جهة مكة، فلا يجزئ النحر فيه؛ لأنه لا يسمى منًى.
ومعنى الحديث: منًى كل بقاعها منحر يجوز النحر فيها؛ فلا تتكلفوا النحر في موضع نحري، بل يجوز لكم النحر في منازلكم من منًى.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن أخرجه مسلم في حديث جابر الطويل، في كتاب الحج، في باب أن عرفة كلها موقف، وله شاهد من حديث علي بن أبي طالب، رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجه ومالك في "الموطأ"، في كتاب الحج، باب الوقوف بعرفة والمزدلفة، رواه بلاغًا.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بغيره؛ لأن له شاهدًا، وسنده ضعيف؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8460
(٥٦) - (١٠٦٣) - بَابُ الدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ
(١٢٦) - ٢٩٦٢ - (١) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ السَّرِيِّ السُّلَمِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ السُّلَمِيُّ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَة، فَأُجِيبَ:
===
(٥٦) - (١٠٦٣) - (باب الدعاء بعرفة)
(١٢٦) - ٢٩٦٢ - (١) (حدثنا أيوب بن محمد) بن أيوب (الهاشمي) الصَّالِحِيُّ مِن ولد صالح بن علي بن عبد الله بن عباس البصري المعروف بالقُلْبِ - بضم القاف وسكون اللام بعدها موحدة - ثقة، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي) أبو رفاعة البصري، مقبول، من السابعة. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي) أبو كنانة، مختلف فيه، من السابعة. يروي عنه: (د ق).
(أن أباه) كنانة (أخبره) أي: أخبر عبد الله (عن أبيه) أي: أبي كنانة؛ وهو عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أسلم بعد يوم الأحزاب، وسكن البصرة بعد ذلك. يروي عنه: (د ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مختلفًا فيهما؛ وهما عبد الله بن كنانة، وهو مختلف في توثيقه، وأبوه مختلف في صحبته، والله أعلم.
(أن النبي ﷺ دعا لأمته عشية) يوم (عرفة) أي: فيما بعد الزوال؛ أي: دعا الله لهم (بالمغفرة) لذنوبهم (فأجيب) دعاؤه من جهة الله
стр. 8461
"إِنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلَا الظَّالِمَ؛ فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ"، قَالَ: "أَيْ رَبِّ؛ إِنْ شِئْتَ .. أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّة، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ"، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بالْمُزْدَلِفَةِ .. أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، أَوْ قَالَ: تَبَسَّمَ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؛ إِنَّ هَذِهِ
===
تعالى؛ أي: أجاب الله دعاءه لأمته، فقال الله سبحانه لنبيه: (إني قد غفرت لهم) أي: لأمتك ذنوبهم صغائرها وكبائرها (ما خلا الظالم) أي: ما عدا ظلم الظالم لغيره (فإني آخذ للمظلوم منه) أي: من الظالم حقوقه.
(قال) النبي ﷺ لربه: (أي رب) أي: يا رب؛ (إن شئت) مغفرة الظالم .. (أعطيت المظلوم) بدل حقوقه (من الجنة، وغفرت للظالم) ظلامته؛ فلا يصعب عليك الغفران للظالم (فلم يجب) النبي ﷺ دعاءه مغفرة الظالم (عشيته) أي: عشية نهار عرفة (فلما أصبح) النبي ﷺ (بالمزدلفة) أي: دخلها في صباح يوم النحر .. (أعاد الدعاء) النبي ﷺ ، أي: دعوته للظالم التي لم يجب في الأمس في عرفة (فأجيب) النبي ﷺ في المزدلفة (إلى ما سأل) من دعوته مغفرة الظالم.
(قال) الراوي عباس بن المرداس: (فـ) لما أجيب دعاؤه للظالم .. (ضحك رسول الله ﷺ بإظهار الصوت القليل، (أو قال) الرواي: فـ (تبسم) رسول الله ﷺ بإظهار لِثَاتِه بلا صوت، والشك من الراوي؛ أي: ضحك أو تبسم فرحًا بإجابته دعاءه (فقال له) ﷺ (أبو بكر وعمر) رضي الله تعالى عنهما، أي: قال كل منهما له: (بأبي أنت وأمي) أي: أنت يا رسول الله مفدي من كل مكروه بأبي وأمي (إن هذه)
стр. 8462
لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ؟ ! قَالَ: "إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللهَ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي وَغَفَرَ لِأُمَّتِي .. أَخَذَ التُّرَابَ فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُور، فَأَضحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ".
===
الساعة (لساعة ما كنت تضحك فيها) في عادتك؛ لتضرعك إلى الله تعالى بالدعاء والاجتهاد فيه (فما الذي أضحكك) اليوم فيها؛ أي: في هذه الساعة؛ أي: فما الأمر الذي أضحكك اليوم في هذه الساعة (أضحك الله سنك) أي: أدام الله ضحكك برؤية ما يسرك؟ !
فـ (قال) النبي ﷺ في جواب سؤالهما: سبب ضحكي (إن عدو الله إبليس) اللعين (لما علم أن الله قد استجاب دعائي) لأمتي (وغفر لأمتي) كلهم ظالمها ومظلومها .. (أخذ التراب) من الأرض (فجعل يحثوه) أي: شرع يحثو التراب ويحفنه (على رأسه ويدعو) على نفسه (بالويل والثبور) أي: بالهلاك والعطف فيه؛ من عطف الرديف (فأضحكني ما رأيتـ) ـه منه (من جزعه) وقلة صبره على ما علمه من غفران الله لأمتي.
قال السندي: قوله: (لأمته) أي: لمن معه في حجه ذلك، أو لمن حج من أمته إلى يوم القيامة، أو لأمته مطلقًا مَنْ حَجَّ أو لم يَحُجَّ (فأجيب أني) بفتح الهمزة؛ أي: أجابه الله بأني قد غفرت، أو بكسرها؛ أي: أجابه قائلًا: إني قد غفرت (أعطيت المظلوم من الجنة) ظاهره أنه سأل مغفرة مظالم المؤمنين، بخلاف مظالم أهل الذمة، إلا أن يقال: قوله: (من الجنة) أي: مثلًا، أو تخفيف العذاب، والله تعالى أعلم بالصواب.
وفي "الزوائد": في إسناده عبد الله بن كنانة، قال البخاري: لم يصح حديثه. انتهى، ولم أر من تكلم فيه بجرح ولا تعديل. انتهى، وهو مختلف
стр. 8463
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيه، وأبو كنانة بن عباس مجهول أيضًا، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قلت: وقال في كتاب "الضعفاء": حديثه منكر جدًّا، لا أَدْرِي التخليطُ منه أو من ابنه عبد الله، ومن أيهما كان .. فهو ساقط الاحتجاج به، وقال ابن مَنْدَه في "تاريخه": يقال: إن لكنانة صحبةً. انتهى.
ولم أر من ذكره في الصحابة على قاعدتهم في ذلك، وقد ذكرته في "الإصابة"، وأورده ابن عدي تبعًا للبخاري. انتهى من "التهذيب".
وقال السيوطي في "حاشية الكتاب": هذا الحديث أورده ابن الجوزي في "الموضوعات"، وأعلَّه بكنانة؛ فإنه منكر الحديث جدًّا، أورده عليه الحافظ ابن حجر بمؤلَّف سمَّاه: "فَذَّةَ الحِجَاجِ في عموم المغفرة للحُجاج"، قال فيه: حكَمَ ابن الجوزي على هذا الحديث بأنه موضوع مردود؛ فإن الذي ذكره لا ينتهض دليلًا على كونه موضوعًا، وقد اختلف قول ابن حبان في كنانة: فذكره في "الثقات"، وذكره من "الضعفاء".
وذكره ابن منده أنه قيل: إِنَّ له روايةً عن النبي ﷺ ، وولده عبد الله مختلف فيه في كلام ابن حبان أيضًا، وكل ذلك لا يقتضي الحكم على الحديث بالوضع، بل غايته أن يكون ضعيفًا، ويعتضد بكثرة طرقه، وهو بمفرده يدخل في حد الحسن على رأي الترمذي، ولا سيما بالنظر إلى مجموع طرقه، وقد أخرج أبو داوود في "سننه" طرفًا منه، وسكت عليه، فهو صالح عنده، وأخرجه الحافظ ضياء الدين المقدسي في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين".
وقال البيهقي بعد أن أخرجه في "شعب الإيمان": هذا الحديث له شواهد كثيرة، فذكرناها في كتاب البعث، فإن صحت شواهده .. ففيه الحجة، وإن لم
стр. 8464
(١٢٧) - ٢٩٦٣ - (٢) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ أَبُو جَعْفَرٍ،
===
تصح .. فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وظلم بعضهم بعضًا دون الشرك، وقد جاء هذا الحديث أيضًا من حديث أنس بن مالك وابن عمر وعبادة بن الصامت وزيدٍ جَدِّ عبدِ الرحمن بن عبد الله بن زيد، وكثرة الطرق إن اخْتَلَفَتِ المخارجُ .. تزيدُ المتنَ قوة، وبعض ما في هذا الحديث له شواهد من أحاديث صحاح. انتهى من "السندي".
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ فإن عبد الله بن كنانة قال البخاري: لم يصح حديثه، وقال غيره: لم أر من تكلم فيه بجرح ولا توثيق، فهو مختلف في توثيقه، وأبوه كنانة قال فيه ابن منده: إن له رواية عن النبي ﷺ ، فهو مختلف في صحبته، وله طرق كثيرة، وله شواهد من حديث عائشة رواه مسلم وغيره، ورواه أحمد في "مسنده" من حديث العباس، فهذا الحديث: حسن متنًا وسندًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عباس بن مرداس بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٧) - ٢٩٦٣ - (٢) (حدثنا هارون بن سعيد) الأيلي - بفتح الهمزة وسكون التحتانية - السعدي مولاهم (المصري أبو جعفر) ثقة فاضل، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
стр. 8465
أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ يُونُسَ بْنَ يُوسُفَ يَقُولُ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فِيهِ
===
(أنبأنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني مخرمة بن بكير) - مصغرًا - ابن عبد الله بن الأشج أبو المسور المدني، صدوق، سمع من أبيه قليلًا، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(عن أبيه) بكير بن عبد الله بن الأشج المخزومي مولاهم نزيل مصر، ثقة، من الخامسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(قال) أبوه بكير: (سمعت يونس بن يوسف) بن حماس - بكسر المهملة وتخفيف الميم آخره مهملة - الليثي، ثقة عابد، من السادسة، وقال ابن حبان: هو يوسف بن يونس، ووَهِمَ مَنْ قَلَبَهُ، والله أعلم. يروي عنه: (م س ق).
حالة كون يونس (يقول) ويحدث (عن) سعيد (بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(قال) سعيد: (قالت عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(إن رسول الله ﷺ قال: ما) حجازية (من) زائدة (يوم) اسم ما الحجازية مرفوع بضمة مقدرة (أكثر) خبرها منصوب (من) زائدة في تمييز اسم التفضيل (أن يعتق الله فيه) أي: في ذلك اليوم
стр. 8466
عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ".
===
(عبدًا من النار) متعلق بالإعتاق (من يوم عرفة) متعلق بأكثر؛ والتقدير: ما يوم أكثر عتقًا من النار من يوم عرفة.
وفي "المبارق": (من) الأولى والثانية زائدتان، و (من يوم عرفة) متعلق بأكثر.
وتَبْيِينُهُ: أن (ما) بمعنى: ليس، و (يوم) اسمها، فهو في محل الرفع، وإنَّ لفظَهُ مجرورٌ بـ (من) الزائدة الاستغراقية، وخبرها: (أكثر) فهو منصوب على لغة الحجاز، ومرفوع على لغة تميم، و (من) الثانية أيضًا زائدة، و (أن يعتق الله) مؤول بالمصدر في موضع التمييز، و (من) الثالثة متعلقة بـ (يعتق)، و (من) الرابعة متعلقة بـ (أكثر).
والمعنى: ليس يومٌ أكثرَ إعتاقًا فيه من النار من يوم عرفة.
وفي "المشكاة": فما من يوم أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة.
(وإنه) (ليدنو ويقرب من أهل الموقف في ذلك اليوم دنوًّا وقربًا يليق به، نثبته ونعتقده، لا نكيفه ولا نمثله، ونصرف حقيقة اللفظ عن ظاهره؛ أي: يقرب إليهم (ثم يباهي) الله ؛ أي: يفاخر (بهم) أي: بأهل الموقف (الملائكة) أي: الملائكة الكرام مباهاةً تليق به، نثبتها ونعتقدها، لا نكيفها، ولا نمثلها، ولا نؤولها، ونصرف حقيقة اللفظ عن ظاهره، وقال بعضهم: المعنى أنه يُظِهر على الملائكة فضل الحجاج وشرفهم.
(فيقول) لملائكته الكرام: (ما أراد هؤلاء) المجتمعون في عرفات؟ أي: أي شيء أراد هؤلاء الواقفون بعرفة؟
стр. 8467
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال النووي: قوله: "وإنه ليدنو" أي: تدنو رحمته وكرامته، لا دنو مسافة ومماسة. انتهى.
قوله: "ثم يباهي بهم الملائكة" المراد بمباهاته بالحجاج: رضاؤه عنهم، وثناؤه عليهم؛ كما في حديث "المشكاة": "انظروا إلى عبادي، أتوني شُعْثًا غُبْرًا ضاحين من كل فج عميق، أشهدكم أني غفرت لهم".
قوله: "فيقول: ما أراد هؤلاء؟ " إشارة إلى الواقفين بعرفات؛ أي: أي شيء أراد هؤلاء حيث تركوا أهلهم وأوطانهم، وصرفوا أموالهم، وأتعبوا أبدانهم؟ أي: ما أرادوا إلا المغفرة والرضا والقرب واللقاء، ومن جاء هذا الباب .. لا يخشى الرد، أو التقدير: ما أراد هؤلاء .. فهو حاصل لهم، ودرجاتهم على قدر مراداتهم ونياتهم، أو: أي شيء أراد هؤلاء؛ أي: شيئًا يسيرًا سهلًا عندنا؛ إذ مغفرة كفٍّ من التراب، لا يتعاظم عند رب الأرباب. كذا في "المرقاة".
قال الأبي: لما كان الاستفهام محالًا على الله تعالى .. تأولوه بذلك، ويحتمل أنه استفهام استنطاق. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم؛ أخرجه في كتاب الحج، باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة، والنسائي في كتاب المناسك، باب ما ذكر في يوم عرفة، والحاكم في كتاب المناسك، باب ما من يوم أكثر أن يعتق، وقال: صحيح، وقال: لم يخرجاه.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 8468
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8469
(٥٧) - (١٠٦٤) - بَابُ مَنْ أَتَى عَرَفَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ
(١٢٨) - ٢٩٦٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَعْمَرَ الدِّيلِيَّ قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ
===
(٥٧) - (١٠٦٤) - (باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع)
(١٢٨) - ٢٩٦٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بكير بن عطاء) الليثي الكوفي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(سمعت عبد الرحمن بن يعمر) بفتح التحتانية وسكون المهملة وفتح الميم (الديلي) - بكسر الدال وسكون التحتانية - الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، نزل الكوفة، ويقال: مات بخراسان. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الرحمن بن يعمر: (شهدت رسول الله ﷺ وهو) أي: والحال أنه (واقف بعرفة) في حجة الوداع (و) الحال أنه قد (أتاه)
стр. 8470
نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ الْحَجُّ؟ قَالَ: "الْحَجُّ عَرَفَةُ؛ فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ .. فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ،
===
ﷺ (ناس من أهل نجد) أي: من تميم (فقالوا) أي: فقال أولئك القوم: (يا رسول الله؛ كيف) عمل (الحج) وما أركانه وما واجباته؟
قال عبد الرحمن: فـ (قال) لهم رسول الله ﷺ : (الحج) أي: معظم أركان الحج الذي يحصل الحج بحصوله، ويفوت بفواته .. وقوف (عرفة) فيما بين زوال شمس يوم التاسع وبين طلوع فجر ليلة النحر، فمن لم يقف ولو لحظة في هذا الزمن .. فقد فاته الحج.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: تقديره: إدراك الحج وقوف عرفة.
وفي "المرقاة": أي: ملاك الحج ومعظم أركانه وقوف عرفة؛ لأنه يفوت بفواته.
(فمن جاء) عرفة (قبل صلاة الفجر ليلة جمع) أي: ليلة العيد، سمي ليلة جمع؛ لأن الناس يفيضون فيها إلى جمع؛ أي: إلى مزدلفة .. (فقد تم حجه) أي: أدرك الحج تامًّا وإن وجب عليه الدم؛ لفوات الجمع بين الليل والنهار في الوقوف عند من أوجبه.
وقوله: "قبل صلاة الفجر" فيه رد على من زعم أن الوقوف يفوت بغروب الشمس يوم عرفة، ومن زعم أن وقته يمتد إلى ما بعد الفجر إلى طلوع الشمس.
قوله: "من ليلة جمع" أي: ولو من ليلة المزدلفة؛ وهي ليلة العيد، ولفظ الترمذي: (الحج عرفة، من أدرك عرفة ليلة جمع قبل طلوع الفجر).
стр. 8471
وَأَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ .. فَلَا إِثْمَ عَلَيْه، وَمَنْ تَأَخَّرَ .. فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ"،
===
قوله: "فقد تم حجه" أي: لم يفته وأمن من الفساد إذا لم يجامع قبل الوقوف، وأما إذا فاته الوقوف حتى أدركه الفجر .. وجب أن يتحلل بأفعال العمرة، ويحرم عليه استدامة إحرامه إلى قابل؛ كما نقل الإجماع على ذلك، إلا رواية عن مالك، فإن استدام إحرامه إلى قابل .. لم يجزئه الحج. انتهى من "العون".
(وأيام منًى) مبتدأ، خبره: قوله: (ثلاثة) وهي الأيام المعدودات وأيام التشريق وأيام رمي الجمار؛ وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها لإجماع الناس على أنه لا يجوز النفر يوم ثاني النحر، ولو كان يوم النحر من الثلاث .. لجاز أن ينفر من شاء في ثانيه، قاله الشوكاني.
كما ذكرها بقوله: (فمن تعجل) أي: استعجل بالنفر؛ أي: بالخروج (في) ثاني (يومين) من الأيام الثلاثة التي هي أيام التشريق، فنفر في اليوم الثاني منها بعد رمي جماره .. (فلا إثم عليه) بالتعجل، وسقط عنه مبيت الليلة الثالثة ورمي الثالث، ولا دم عليه (ومن تأخر) عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى بات ليلة اليوم الثالث ورمى في اليوم الثالث جماره.
وقيل: المعنى: ومن تأخر عن الثالث إلى الرابع ولم ينفر مع العامة، قاله الشوكاني، و (تعجل) جاء لازمًا ومتعديًّا، وهنا لازم؛ لمقابلة قوله: (ومن تأخر).
(فلا إثم عليه) أي: على المتأخر، وهو أفضل؛ لكون العمل فيه أكمل، ولعمله ﷺ ، وقد ذكر أهل التفسير أن أهل الجاهلية كانوا
стр. 8472
ثُمَّ أَرْدَفَ رَجُلًا خَلْفَهُ فَجَعَلَ يُنَادِي بِهِنَّ.
===
فئتين؛ إحداهما ترى المستعجل آثمًا، والأخرى ترى المتأخر آثمًا، فورد التنزيل بنفي الحرج عنهما، ودل فعله ﷺ على بيان الأفضل منهما، كذا في "المرقاة".
وقال الزرقاني في "شرح الموطأ": أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر؛ أولها اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، وهو قول ابن عمر وابن عباس والحسن وعطاء ومجاهد وقتادة، وهو مذهب الشافعي، وقيل: إن الأيام المعدودات يوم النحر ويومان بعده، وهو قول علي بن أبي طالب، ويروى عن ابن عمر أيضًا، وهو مذهب أبي حنيفة، وقال المنذري: أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه من حديثِ سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري، وذكر أن سفيان بن عيينة قال: وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري. انتهى من "العون".
(ثم أردف) أي: أركب رسول الله ﷺ وراءه (رجلًا) من الصحابة؛ وهو أسامة بن زيد (خلفه) أي: وراءه إلى أن وصل مزدلفة (فجعل) أي: شرع الرديف بأمر رسول الله ﷺ (ينادي) الناسَ وهو راكب، (بهنَّ) أي: بهذه الكلمات المذكورة؛ يعني: من قوله: "الحج عرفة ... " إلى قوله: "فمن تأخر .. فلا إثم عليه".
فائدة
فإن قلت: قوله: (﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾) (١) فيه إشكال؛ وهو أن الذي أتى بأفعال الحج كاملةً تامّةً .. فقد أتى بما يلزمه، فما معنى قوله: (فلا
стр. 8473
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إثم عليه) إنما يخاف من الإثم هو الذي قصر فيما يلزمه؟
قلت: فيه أجوبة:
أولها: أنه تعالى لما أذن في التعجيل على سبيل الرخصة .. احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة .. فإنه يأثم، فأزال الله تعالى هذه الشبهة، وبين أنه لا إثم عليه في الأمرين؛ فإن شاء .. عجل، وإن شاء .. أخر.
وثانيها: أن من الناس من كان يتعجل، ومنهم من كان يتأخر، وكل فريق يصوب فعله على فعل الآخر، فبين الله تعالى أن كل واحد من الفريقين مصيب في فعله، وأنه لا إثم عليه.
وثالثها: إنما قال: "ومن تأخر فلا إثم عليه" لمشاكلة اللفظة الأولى؛ فهو كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (١)، ومعلوم أن جزاء السيئة ليست سيئة.
ورابعها: أن فيه دلالة على جواز الأمرين، فكأنه تعالى قال: فتعجلوا أو تأخروا، فلا إثم في التعجل ولا في التأخر. انتهى من "الخازن". انتهى من "الحدائق".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب من لم يدرك عرفة، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام في جمع .. فقد أدرك الحج، وفي كتاب التفسير، باب تفسير سورة البقرة فمن تعجل في يومين، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في
стр. 8474
(١٢٨) - ٢٩٦٤ - (م) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطَاءٍ اللَّيْثِيّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِعَرَفَةَ، فَجَاءَهُ نَفَرٌ
===
"المجتبى" في كتاب مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٢٨) - ٢٩٦٤ - (م) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا الثوري) سفيان بن سعيد بن مسروق الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بكير بن عطاء الليثي) الكوفي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (عم).
(عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، غرضه: بيان متابعة عبد الرزاق لوكيع في الرواية عن الثوري.
(قال) الديلي: (أتيت رسول الله ﷺ بعرفة، فجاءه نفر
стр. 8475
مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: مَا أُرَى لِلثَّوْرِيِّ حَدِيثًا أَشْرَفَ مِنْهُ.
(١٢٩) - ٢٩٦٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ عَامِرٍ - يَعْنِي: الشَّعْبِيَّ - عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ
===
من أهل نجد، فذكر) عبد الرزاق (نحوه) أي: نحو حديث وكيع.
(قال محمد بن يحيى) شيخ المؤلف: (ما أرى) مضارع مسند للمتكلم على صيغة المبني للمجهول، أي: ما أظن أنا (للثوري حديثًا أشرف) وأكثر فائدة (منه) أي: من هذا الحديث؛ لاشتماله على أحكام كثيرة من أحكام المناسك.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الرحمن بن يعمر بحديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٢٩) - ٢٩٦٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد، قالا: حدثنا وكيع، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد) الأحمسي مولاهم البجلي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عامر) بن شراحيل الحميري؛ (يعني: الشعبي) ثقة فقيه، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن عروة بن مضرس) - بمعجمة ثم راء مشددة مكسورة ثم مهملة - على صيغة اسم الفاعل، (الطائي) الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه.