← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.

стр. 8576

عَمَّنْ قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ إِلَّا يُلْقِي بِيَدَيْهِ كِلْتَيْهِمَا: "لَا حَرَجَ". === (عمن قدم شيئًا) من أسباب التحلل الثلاثة: الرمي والحلق والذبح (قبل) فعل (شيء) آخر منها (إلا يلقي) ويرمي ويشير (بيديه كلتيهما) بأن (لا حرج) أي: بأن لا ذنب ولا دم عليه. وفي رواية: (إلا ألقى) وأشار بيده الشريفة بأن (لا حرج) ولا كلفة عليه، ولفظ البخاري: (حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل في حجته؛ فقال) السائل: (ذبحت قبل أن أرمي) فهل علي شيء؟ (فأومأ) أي: أشار له النبي ﷺ (بيده) الشريفة (فقال: لا حرج) عليك؛ أي: لا ذنب ولا دم عليك. وقوله: (فقال): يحتمل أن يكون بيانًا لقوله: (أومأ) ويكون من إطلاق القول على الفعل، ويحتمل أن يكون حالًا؛ والتقدير: فأومأ بيده قائلًا: لا حرج، فجمع بين الإشارة والنطق (وقال: حلقت) يحتمل أن يكون السائل هو الأول، ويحتمل أن يكون غيره، ويكون التقدير: فقال سائل كذا، وقال آخر كذا، وهو الأظهر؛ ليوافق الرواية التي بعده؛ حيث قال: فجاء آخر، فقال: (حلقت قبل أن أذبح، فأومأ بيده) بأن (لا حرج) أي: لا ذنب ولا دم عليك، هكذا لفظ البخاري مع "الفتح". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس، فروايته أوضح وأرجح من رواية المؤلف حيث قال: (إلا يلقي بيديه كلتيهما). ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * *

стр. 8577

(٥) - ٢٩٩٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاء، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسْأَلُ يَوْمَ مِنىً === ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث آخر له رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٥) - ٢٩٩٩ - (٢) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق). (حدثنا يزيد بن زريع) - بتقديم الزاي مصغرًا - أبو معاوية البصري، ثقة ثبت، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ع). (عن خالد) بن مهران - بكسر الميم - المجاشعي أبي المنازل - بضم الميم وكسر الزاي - البصري الحافظ (الحذاء) - بفتح الحاء وتشديد الذال المعجمة - قيل له ذلك؛ لأنه كان يجلس بينهم، وقيل: لأنه كان يقول: احْذُ علَى هذا النَّحْوِ، ثقة يرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة (١٤٢ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عكرمة) البربري الهاشمي، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات. (قال) ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ يسأل) بالبناء للمفعول (يوم) اجتماع الناس بـ (منىً) وهو يوم النحر؛ أي: كان الناس يسألونه عن تقديم ما قدم وتأخير ما أخر في أسباب التحلل الثلاثة: الحلق

стр. 8578

فَيَقُولُ: "لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ"، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ، قَالَ: "لَا حَرَجَ"، قَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: "لَا حَرَجَ". === والرمي والذبح (فيقول) ﷺ لمن سأله عن ذلك: (لا حرج) أي: لا ذنب ولا دم عليك في التقديم والتأخير فيها، وقوله ثانيًا: (لا حرج) تأكيد للأول. (فأتاه) ﷺ (رجل) لم أقف على اسمه (فقال) له ﷺ : (حلقت) شعري يا رسول الله (قبل أن أذبح) الهدي، و (قال: لا حرج) عليك و (قال) آخر: (رميت بعدما أمسيت) أي: بعدما دخلت في المساء؛ والمساء: من بعد الزوال إلى الغروب، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : (لا حرج) أي: لا ذنب ولا دم عليك، وخرج بالغروب ما بعده، فلا يكفي الرمي بعده؛ لعدم وروده، كذا صرح به في "الروضة". واعترض بأنهم قالوا: إذا أخر رمي أي يوم إلى ما بعده من أيام الرمي .. يقع أداءً، وقضيته: أن وقته لا يخرج بالغروب، وأجيب بحمل ما هنا على وقت الاختيار، وهناك على وقت الجواز. وقد صرح الرافعي بأن وقت الفضيلة لرمي يوم النحر ينتهي بالزوال، فيكون لرميه ثلاثة أوقات: وقت فضيلة، ووقت اختيار، ووقت جواز. ويبقى وقت الذبح للهدي إلى عصر آخر أيام التشريق؛ كالأضحية، وأما الحلق أو التقصير والطواف .. فلا يؤقتان؛ لأن الأصل عدم التأقيت. نعم؛ يكره تأخيرهما عن يوم النحر، وتأخيرهما عن أيام التشريق أشد كراهة، وخروجه من مكة قبل فعلهما أشد. انتهى من "إرشاد الساري".

стр. 8579

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واعلم: أن الرجل السائل عن التقديم والتأخير في النحر والحلق ونحوهما لم يسم، ويحتمل تعدده. ثم إن أعمال يوم النحر في الحج أربعة: ١ - رمي جمرة العقبة. ٢ - والذبح. ٣ - والحلق أو التقصير. ٤ - والطواف. وترتيبها على ما ذكر سنة؛ فلو حلق أو قصر قَبْلَ الثلاثةِ الأُخَرِ .. فلا فدية عليه، وإنما لم يجب ترتيبها؛ لما ذكر آنفًا؛ أي: لعدم وروده، ولحديث عبد الله بن عمرو بن العاص في "الصحيحين": سمعت النبي ﷺ يوم النحر في حجة الوداع وهم يسألونه، فقال رجل: لم أشعر، فحلقت قبل أن أذبح، فقال: "اذبح ولا حرج"، فجاء آخر فقال: لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج". ولمسلم بن الحجاج أيضًا عنه: سمعت رسول الله، وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله؛ إني حلقت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج"، وأتاه آخر، فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج"، فأتاه آخر، فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، فقال: "ارم ولا حرج"، قال: فما سئل يومئذ عن شيء قدم ولا أخر .. إلا قال: "افعل ولا حرج". وقالت المالكية: يجب الدم إذا قدم الحلق على الرمي؛ لأنه وقع قبل حصول شيء من التحلل، وروى ابن القاسم عن مالك، ومنه أخذ أن في تقديم الإفاضة على الرمي الدم، وحجه مجزئ.

стр. 8580

(٦) - ٣٠٠٠ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، === وعن مالك: لا يجزئه، وهو كمن لم يفض، وقال أَصْبَغُ: أَحَبُّ إلي أن يُعيد، وذلك في يوم النحر آكد، ولو حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي .. فلا شيء عليه على الأصح. انتهى منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب الذبح قبل الحلق، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الحلق والتقصير، والدارقطني في كتاب الحج، باب المواقيت، والنسائي في "المجتبى" في كتاب المناسك، باب الرمي بعد المساء. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن عباس الأول بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٦) - ٣٠٠٠ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي. (حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب المدني، ثقة إمام الأئمة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).

стр. 8581

عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍ وأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ قَالَ: "لَا حَرَجَ". === (عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي أبي محمد المدني، ثقة فاضل، من كبار الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن عمرو) بن العاص بن وائل بن هاشم السهمي المدني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (أن النبي ﷺ سئل) أي: سأله سائل، ولم أقف على اسم هذا السائل (عمن ذبح) الهدي؛ أي: عن حُكْمِ عَملِ مَنْ ذبح هديه (قبل أن يحلق) رأسه (أو حلق) رأسه (قبل أن يذبح) هديه، فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤال السائل: (لا حرج) أي: لا ذنب ولا دم عليك في تقديم ما قدمت وتأخير ما أخرت. قال الحافظ: حديث عبد الله بن عمرو هذا مِنْ مَخْرجٍ واحدٍ لا يُعرف له طريق إلا طريق الزهري هذه عن عيسى عنه، والاختلاف فيه من أصحاب الزهري، وغايته أن بعضهم ذكر ما لم يذكره الآخر، واجتمع من مرويهم ورواية ابن عباس: أن ذلك كان يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند الجمرة. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب العلم، باب الفتيا وهو واقف على الدابة، وفي كتاب الحج، باب الفتيا على الدابة عند الجمرة، ومسلم في كتاب الحج، باب من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حَجِّه، والترمذي في كتاب الحج، باب فيمن حلق قبل أن يذبح، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

стр. 8582

(٧) - ٣٠٠١ - (٤) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: === فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس الأول. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث ابن عباس الأول بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٧) - ٣٠٠١ - (٤) (حدثنا هارون بن سعيد) الأيلي - بفتح الهمزة وسكون التحتية - السعدي مولاهم أبو جعفر (المصري) أي: نزيل مصر، ثقة فاضل، من العاشرة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئتين (٢٥٣ هـ). يروي عنه: (م د س ق). (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع). (أخبرني أسامة بن زيد) الليثي مولاهم المدني، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثني عطاء بن أبي رباح) أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع). (أنه) أي: أن عطاء (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنهما (يقول). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

стр. 8583

قَعَدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمِنىً يَوْمَ النَّحْرِ لِلنَّاس، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ قَالَ: "لَا حَرَجَ"، ثُمَّ جَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنِّي نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ، قَالَ: "لَا حَرَجَ"، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ قَبْلَ شَيْءٍ .. إِلَّا قَالَ: "لَا حَرَجَ". === قال جابر: (قعد رسول الله ﷺ بمنىً يوم النحر للناس) أي: لأجل أن يسأله الناس عن أمر دينهم وأحكام حجهم؛ أي: قعد على راحلته عند الجمرة بمنىً لأجل أن يساله الناس (فجاءه) ﷺ (رجل) لم أر من ذكر اسمه بعد البحث الشديد (فقال) ذلك الرجل: (يا رسول الله؛ إني حلقت) شعري (قبل أن أذبح) الهدي، فـ (قال) له رسول الله ﷺ : اذبح الآن (لا حرج) عليك؛ أي: لا ذنب عليك في تقديم ما قدمت وتأخير ما أخرت. (ثم جاءه) رجل (آخر، فقال) في سؤاله: (يا رسول الله؛ إني نحرت) أي: ذبحت الهدي (قبل أن أرمي) الجمرة، فـ (قال) له: ارم الآن (لا حرج) عليك في تقديم النحر على الرمي. قال جابر بن عبد الله: (فما سئل) رسول الله ﷺ (يومئذ) أي: يوم إذ قعد عند الجمرة (عن شيء) من أسباب التحلل الثلاثة ما (قدم) منها (قبل شيء) آخر منها .. (إلا قال) لسائله: افعل ما لم تفعل منها الا حرج) عليك؛ أي: لا ذنب عليك في التقديم ولا في التأخير. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. واعلم: أن أعمال يوم النحر في الحج أربعة: ١ - رمي جمرة العقبة.

стр. 8584

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ٢ - والذبح. ٣ - والحلق أو التقصير. ٤ - وطواف الإفاضة. وترتيبها على ما ذكر سنة؛ فلو حلق أو قصر قبل الثلاثة الأخر .. فلا فدية، وإنما لم يجب ترتيبها؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص هذا المذكور في "الصحيحين" وغيرهما، وبهذا قال جماعة من السلف وهو مذهبنا، وللشافعي قول ضعيف: إنه إذا قدم الحلق على الرمي والطواف .. لزمه الدم؛ بناء على قوله الضعيف: إن الحلق ليس بنسك، وبهذا القول هنا قال أبو حنيفة ومالك، واتفقوا على أنه لا فرق بين العامد والساهي في ذلك في وجوب الفدية وعدمه، وإنما يختلفان في الإثم في التقديم، والله أعلم، كذا قال النووي. قال صاحب "المغني": قال الأثرم عن أحمد: إن كان المرء في التقديم والتأخير ناسيًا أو جاهلًا .. فلا شيء عليه، وإن كان عالمًا .. فلا؛ لقوله في الحديث: (لم أشعر)، وأجاب بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان واجبًا .. لما سقط بالسهو؛ كالترتيب بين السعي والطواف؛ فإنه لو سعى قبل أن يطوف .. وجب إعادة السعي. وقال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول ﷺ في الحج بقوله: "خذوا عني مناسككم"، وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل: (لم أشعر) فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج. وأيضًا فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرًا .. لم يجز اطِّراحه،

стр. 8585

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحكم، فلا يمكن اطِّراحه بإلحاق العمد به؛ إذ لا يساويه، وأما التمسك بقول الراوي: (فما سئل عن شيء) فإنه يشعر بان الترتيب مطلقًا غير مراعىً .. فجوابه: أن هذا الإخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه، وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه، فلا حجة في حال العمد. انتهى "فتح الملهم". وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث: الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 8586

(٤) - (١٠٨٢) - بَابُ رَمْيِ الْجِمَارِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ (٨) - ٣٠٠٢ - (١) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ضُحىً، === (٤) - (١٠٨٢) - (باب رمي الجمار أيام التشريق) (٨) - ٣٠٠٢ - (١) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن حرملة بن عمران أبو حفص التجيبي (المصري) صاحب الشافعي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق). (حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (عن أبي الزبير) الأسدي مولاهم المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق مدلس، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن جابر) بن عبد الله الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) جابر: (رأيت رسول الله ﷺ رمى جمرة العقبة ضحىً) أي: قبل الزوال، قال الشوكاني: لا خلاف في أن هذا الوقت هو الأحسن لرميها.

стр. 8587

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === واختلف فيمن رماها قبل الفجر: فقال الشافعي: يجوز تقديمه من نصف الليل، وبه قال عطاء وطاووس، وقالت الحنفية وأحمد وإسحاق والجمهور: إنه لا يرمي جمرة العقبة إلا بعد طلوع الشمس، ومن رمى قبل طلوع الشمس وبعد طلوع الفجر .. جاز، وإن رماها قبل طلوع الفجر .. أعاد إلا لعذر. قال ابن المنذر: السنة: ألا يرمي إلا بعد طلوع الشمس؛ كما فعل النبي ﷺ ، ولا يجوز الرمي قبل طلوع الفجر؛ لأن فاعله مخالف للسنة، ومن رماها حينئذ .. فلا إعادة؛ إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه. انتهى. والأدلة تدل على أن وقت الرمي من بعد طلوع الشمس لمن كان لا رخصة له، ومن كان له رخصة؛ كالنساء وغيرهن من الضعفة؛ كالصبيان والعجائز .. جاز له الرمي قبل ذلك، ولكنه لا يجزئ في أول ليلة النحر إجماعًا. واعلم: أنه قد قيل: إن الرمي واجب بالإجماع؛ كما حكى ذلك بعضهم، واقتصر صاحب "الفتح" على حكاية الوجوب عن الجمهور، وقال: إنه عند المالكية سنة. وحكى ابن جرير عن عائشة وغيرها أن الرمي إنما شرع؛ حفظًا للتكبير، فإن تركه وكبر .. أجزأه. والحق: أنه واجب؛ لأن أفعاله ﷺ بيان لمجمل واجب؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (١)، وقوله ﷺ : "خذوا عني مناسككم". انتهى من "العون".

стр. 8588

وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ. === (وأما) الرمي الواقع (بعد ذلك) أي: بعد يوم النحر، سواء كان رمي جمرة العقبة، أو رمي غيرها من الأولى والوسطى .. (فـ) يكون (بعد زوال الشمس) يعني: في أيام التشريق الثلاثة للاتباع. وعبارة "البذل" مع المتن: (فأما) الرمي الواقع (بعد ذلك) أي: بعد يوم النحر .. (فـ) يكون (بعد زوال الشمس) أي: فرمي الجمار الثلاث بعد زوال الشمس، وهذه المسألة مجمع عليها. انتهى منه. وفي هذا الحديث فوائد كثيرة؛ منها: إثبات رمي جمرة العقبة يوم النحر، وهو مجمع عليه، وهو واجب، وهو أحد أسباب التحلل؛ وهي ثلاثة: الأول: رمي جمرة العقبة يوم النحر. والثاني: طواف الإفاضة مع سعيه إن لم يكن سعى بعد القدوم. والثالث: الحلق عند من يقول: إنه نسك، وهو الصحيح. فلو ترك جمرة العقبة حتى فاتت أيام التشريق .. فحجه صحيح، وعليه دم، هذا قول الشافعي والجمهور، وقال أصحاب مالك: الرمي ركن لا يصح الحج إلا به، والصحيح الأول. ومن فوائده: كون الرمي بسبع حصيات، وهو مجمع عليه، ومنها: استحباب التكبير مع كل حصاة، وهو مذهبنا ومذهب مالك ومذهب العلماء كافة، ومنها: استحباب كون الرمي من بطن الوادي على الكيفية السابقة، وأما رمي باقي الجمرات في أيام التشريق .. فيستحب من فوقها. انتهى "نووي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب بيان وقت استحباب الرمي، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب في رمي الجمار،

стр. 8589

(٩) - ٣٠٠٣ - (٢) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّس، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ === والترمذي في كتاب الحج، باب في رمي يوم النحر، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم؛ أنه لا يرمي بعد يوم النحر إلا بعد الزوال، والنسائي في كتاب الحج، باب وقت رمي جمرة العقبة. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٩) - ٣٠٠٣ - (٢) (حدثنا جبارة) بضم الجيم وفتح الموحدة المخففة (ابن المغلس) بصيغة اسم الفاعل - أي: بمعجمة بعدها لام مشددة مكسورة ثم مهملة - الحماني - بكسر المهملة وتشديد الميم - أبو محمد الكوفي، ضعيف، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق)، وفي "التهذيب": قال مسلمة بن قاسم: يروي عنه من أهل بلدنا: بقي بن مخلد، وجبارة ثقة إن شاء الله، وقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل، وقال صالح بن جزرة: كان رجلًا صالحًا، وقال محمد بن عبيد: جبارة عندي أحلى وأوثق. انتهى منه. قلت: فهو مختلف فيه. (حدثنا إبراهيم بن عثمان بن أبي شيبة) جد إبراهيم؛ اسمه خواستي.

стр. 8590

أَبُو شَيْبَةَ، عَنِ الْحَكَم، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَرْمِي الْجِمَارَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَدْرَ مَا إِذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيهِ .. صَلَّى الظُّهْرَ. === وقوله: (أبو شيبة) كنية إبراهيم، وهو عطف بيان له، العبسي مولاهم الكوفي قاضي واسط مشهور بكنيته، متروك الحديث، من السابعة، مات سنة تسع وستين ومئة (١٦٩ هـ). يروي عنه: (ت ق). (عن الحكم) بن عتيبة الكندي مولاهم أبي محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع). (عن مقسم) بن بجرة - بضم الموحدة وسكون الجيم - أبي القاسم الهاشمي مولاهم؛ مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل بن عبد المطلب الهاشمي المدني، ويقال له: مولى ابن عباس؛ للزومه له، صدوق، من الرابعة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ) وكان يرسل. يروي عنه: (خ عم)، وما له في "البخاري" سوى حديث واحد. (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه جبارة المغلس وأبا شيبة إبراهيم بن عثمان جد أبي بكر بن أبي شيبة، وهما ضعيفان. (أن رسول الله ﷺ كان يرمي الجمار) كلها في أيام التشريق (إذا زالت الشمس) في زمن (قدر ما إذا فرغ من رميه .. صلى الظهر). والحديث يدل على أن السنة: أن يرمي الجمرات في غير يوم الأضحى بعد

стр. 8591

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === الزوال، وبه قال الجمهور، وخالف فيه عطاء وطاووس؛ فقالا: يجوز الرمي قبل الزوال مطلقًا، ورخصت الحنفية في الرمي في يوم النفر قبل الزوال، وقال إسحاق: إن رمى قبل الزوال .. أعاد، إلا في اليوم الثالث .. فيجزئه. انتهى، كذا في "فتح الباري". قلت: احتج الحنفية بما رواه البيهقي عن ابن عباس: (إذا انتفخ النهار من يوم النفر .. فقد حل الرمي والصدر). قال الزيلعي في "نصب الراية": في سنده طلحة بن عمرو، ضعفه البيهقي، قال: والانتفاخ: الارتفاع. انتهى. والحق: ما ذهب إليه الجمهور، وفي الباب عن ابن عمر: (كنا نتحين، فإذا زالت الشمس .. رمينا). رواه البخاري وأبو داوود. وعن عائشة قالت: (أفاض رسول الله ﷺ من آخر يوم، حين صلى الظهر، ثم رجع إلى منىً، فمكث بها ليالي أيام التشريق؛ يرمي الجمرة إذا زالت الشمس ... ) الحديث، رواه أحمد وأبو داوود، وأحاديث الباب كلها ترد على من قال بجواز الرمي قبل الزوال في غير يوم النحر. انتهى من "تحفة الأحوذي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الرمي بعد زوال الشمس، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن. ودرجته: أنه صحيح المتن بما قبله، ضعيف السند؛ لما مر آنفًا، وله شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث جابر.

стр. 8592

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 8593

(٥) - (١٠٨٣) - بَابُ الْخُطْبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ (١٠) - ٣٠٠٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَص، عَنْ شَبِيبِ بْنِ غَرْقَدَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَص، عَنْ أَبيهِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَلَا === (٥) - (١٠٨٣) - (باب الخطبة يوم النحر) (١٠) - ٣٠٠٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهناد بن السري) بن مصعب التميمي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (قالا: حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي، ثقة متقن صاحب حديث، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع). (عن شبيب بن غرقدة) - بمعجمة وقاف مفتوحتين بينهما راء ساكنة - السلمي الكوفي، ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع). (عن سليمان بن عمرو بن الأحوص) الجشمي - بضم الجيم وفتح المعجمة - الكوفي مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (عم). (عن أبيه) عمرو بن الأحوص الجشمي الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد وهو هذا الحديث في حجة الوداع. يروي عنه: (عم). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) عمرو بن الأحوص: (سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع: يا أيها الناس؛ ألا) - بفتح الهمزة - حرف استفتاح وتنبيه؛ أي:

стр. 8594

أَيُّ يَوْمٍ أَحْرَمُ؟ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَر، قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ === انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (أي يوم) من أيام الدنيا (أحرم؟ ) أي: أشد حرمة وأكثر، وعبارة "التحفة": أي: أعظم حرمة؟ كما في حديث جابر عند أحمد. انتهى. قال هذا السؤال (ثلاث مرات، قالوا) أي: قال الناس في جواب سؤاله ﷺ : هو؛ أي: أحرم الأيام وأعظمها حرمة (يوم الحج الأكبر) قيل: هو يوم عرفة، وقيل: يوم النحر؛ كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: (سألت رسول الله ﷺ عن يوم الحج الأكبر، فقال: يوم النحر)، وفيه دليل لمن يقول: إن يوم الحج الأكبر هو يوم النحر، ولحديث علي هذا شاهد من حديث ابن عمر عند أبي داوود وابن ماجه، وذكره البخاري تعليقًا، وقد وردت في ذلك أحاديث أخرى ذكرها الحافظ ابن كثير وغيره، واختاره ابن جرير، وهو قول مالك والشافعي والجمهور. وقال آخرون - منهم عمر وابن عباس وطاووس -: إنه يوم عرفة، والأول أرجح، وحديث علي هذا .. قد تقدم مرفوعًا وموقوفًا في أواخر أبواب الحج من الترمذي، وأخرجه أيضًا ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. انتهى من "تحفة الأحوذي". فـ (قال) رسول الله ﷺ : (فإن دماءكم) أيها المسلمون؛ أي: إراقتها بلا استحقاق (وأموالكم) أي: أخذها بظلم (وأعراضكم) أي: طعنها بلا استحقاق، جمع عرض؛ وهو موضع الذم والمدح من الإنسان؛ أي: تعرضها (بينكم) أي: عليكم؛ كما في رواية الترمذي، وهذا احتراز عن الحقوق الشرعية؛ كما في "التحفة".

стр. 8595

حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِه، === (حرام) أي: محرم ليس لبعضكم أن يتعرض لبعض آخر، فيريق دمه أو يسلب ماله أو ينال من عرضه. انتهى من "التحفة". وعبارة السندي: قوله: (ألا) بالتخفيف استفتاحية (أي يوم أحرم؟ ) أي: أي يوم أشد حرمة وأكثر احترامًا؟ (فإن دماءكم) أراد أن دم كل واحد حرام عليه وعلى غيره، وأما في المال .. فالمراد أن مال كل واحد حرام على غيره لا عليه إلا في الباطل؛ فقد يصير حرامًا عليه أن يصرفه فيه. انتهى منه. (كحرمة يومكم هذا) أي: يوم النحر؛ يعني: تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله وأعراضه في غير هذا اليوم .. كحرمة التعرض لها في هذا اليوم (في شهركم هذا) أي: ذي الحجة (في بلدكم هذا) أي: مكة أو الحرم المحترم (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول (لا يجني جان إلا على نفسه) أي: لا يرجع وبال جنايته وعقوبتها؛ من الإثم والقصاص إلا إلى نفسه. قال في "التحفة": قوله في أول الحديث: (سمعت النبي ﷺ يقول في حجة الوداع) أي: في يوم النحر، والوداع - بفتح الواو - اسم مصدر لودَّعَ الرباعي؛ يقال: ودعَّ توديعًا ووداعًا؛ كسلَّم تسليمًا وسلامًا، وكلم تكليمًا وكلامًا، وقيل: بكسر الواو، فيكون مصدرَ وَادَع وِداعًا وموادعة؛ كقاتل قتالًا ومقاتلة، سمي بذالك؛ إِما لوداعه الناسَ، أو الحرمَ في تلك الحجة؛ وهي بفتح الحاء وكسرها، قال الشمني: لم يسمع في حاء (ذي الحجة) إلا الكسر، قال صاحب "الصحاح": الحجة: المرة الواحدة، وهو من الشواذ؛ لأن القياس الفتح. انتهى.

стр. 8596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قوله: (قالوا: يوم الحج الأكبر) أي: يوم العيد؛ لأن فيه تمام الحج ومعظم أفعاله، ولأن فيه إعلامًا من الله إلى الناس ببراءته وبراءة رسوله من المشركين، ولما روي أنه ﷺ وقف يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع، فقال: "هذا يوم الحج الأكبر"، وقيل: يوم عرفة؛ لقوله ﷺ : "الحج عرفة". ووصف الحج بالأكبر؛ لأن العمرة هي الحج الأصغر، أو لأن المراد بالحج: ما يقع في ذلك اليوم من أعماله؛ لأنه أكبر من باقي الأعمال، أو لأن ذلك الحج اجتمع فيه المسلمون والمشركون ووافق عيده أعياد أهل الكتاب، أو لأنه ظهر فيه عز المسلمين وذل المشركين. انتهى. وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو يوم عرفة؛ إذ من أدرك عرفة .. فقد أدرك الحج، ثم قولهم: (يوم الحج الأكبر) بظاهره ينافي جوابهم السابق في حديث أبي بكرة بقولهم: (الله ورسوله أعلم)، ولعل هذا في يوم آخر من أيام النحر، أو أحد الجوابين صدر من بعضهم، كذا في "المرقاة". قوله: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم) أي: تعرضكم لبعضكم في دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ والعرض - بالكسر -: موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه. وقوله: (بينكم) احتراز عن الحقوق الشرعية (حرام) أي: محرم ممنوع (كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) يعني: تعرض بعضكم دماء بعض وأمواله وأعراضه في غير هذه الأيام .. كحرمة التعرض لها في هذا اليوم.

стр. 8597

وَلَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِه، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِه، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ === وإنما شبهها في الحرمة بهذه الأشياء؛ لأنهم كانوا لا يرون استباحة تلك الأشياء وانتهاك حرمتها بحال. قوله: (ألا) للتنبيه (لا يجني جان إلا على نفسه) قال في "النهاية": الجناية: الذنب والجرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب أو القصاص في الدنيا والآخرة؛ والمعنى: أنه لا يطالب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية .. لا يعاقب بها الآخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (١). انتهى. (ولا يجني والد على ولده، ولا مولود على والده) يحتمل أن يكون المراد: النهي عن الجناية؛ لاختصاصها بمزيد قبح، وأن يكون المراد تأكيد قوله: "لا يجني جان إلا على نفسه" فإن عادتهم جرت بأنهم يأخذون أقارب الشخص بجنايته. والحاصل: أن هذا ظلم يؤدي إلى ظلم آخر، والأظهر أن هذا نفي، فيوافق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، وإنما خص الولد والوالد؛ لأنهما أقرب الأقارب، فإذا لم يؤاخذ بفعله .. فغيرهما أولى، وفي رواية: "لا يؤاخذ الرجل بجريمة أبيه" وضبط بالوجهين. (ألا إن الشيطان) وهو إبليس الرئيس، أو الجنس الخسيس (قد أيس) أي: قنط من (أن يعبد) قال القاري: أي: من أن يطاع في عبادة غير الله تعالى؛ لأنه لم يُعْرَف أنه عبده أحد من الكفار. انتهى، وقيل معناه: إن

стр. 8598

فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلكِنْ سَيَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِي بَعْضِ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَيَرْضَى بِهَا، === الشيطان أيس أن يعود أحد من المؤمنين إلى عبادة الصنم، ولا يرد على هذا؛ مثل أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتد؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم. ويحتمل معنى آخر: وهو أنه أشار ﷺ إلى أن المصلين من أمتي لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان؛ كما فعلته اليهود والنصارى. ولك أن تقول: معنى الحديث: إن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام، ويظهر الإشراك ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عبد الأصنام أيضًا .. لم يضر في المقصود، فافهم، كذا في "اللمعات" مع زيادة؛ أي: أيس أن يعبد (في بلدكم هذا أبدًا) أي: في الأزمنة المستقبلة، وفي رواية الترمذي: (في بلدكم هذه) أي: مكة وما حولها من جزيرة العرب (ولكن سيكون له) أي: للشيطان (طاعة) أي: امتثال وموافقة (في بعض ما تحتقرون) أي: في بعض ما تعدونه حقيرًا وخفيفًا ويسيرًا (من أعمالكم) أي: دون الكفر؛ من القتل والنهب ونحوهما من الكبائر وتحقير الصغائر. (فيرضى) الشيطان بالبناء للفاعل (بها) أي: بطاعتكم له في بعض أعمالكم مما تعدونه حقيرًا؛ حيث لم يحصل له منكم الذنب الأكبر، ولهذا ترى المعاصي - من الكذب والخيانة ونحوهما - توجد كثيرًا في المسلمين، وقليلًا في الكافرين؛ لأنه قد رضي من الكفار بالكفر، فلا يوسوس لهم في الجزئيات، وحيث لا يرضى من المسلمين بالكفر، فيرميهم في المعاصي،

стр. 8599

أَلَا وَكُلُّ دَمٍ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ مَا أَضَعُ مِنْهَا دَمُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ === وروي عن علي ﵁: (الصلاة التي ليس لها وسوسة .. إنما هي صلاة اليهود والنصارى)، ومن الأمثال: (لا يدخل اللص في بيت إلا وفيه متاع نفيس). قال الطيبي ﵀: (قوله: فيما تحتقرون) أي: يتهجس في خواطركم وتتفوهون عن هناتكم وصغائر ذنوبكم، فيؤدي ذلك إلى هيج الفتن والحروب؛ كقوله ﷺ : "إن الشيطان قد يئس من أن يعبده المسلمون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم". (ألا) حرف تنبيه (وكل دم من دماء الجاهلية) أي: أريق في زمن الجاهلية قبل الإسلام (موضوع) أي: متروك باطل هدر لا يطالب بدية ولا قصاص؛ أي: كالشيء الموضوع تحت القدم؛ لأن الإسلام يجب ما قبله. قال النووي: المراد بالوضع: الرد والإبطال (وأول ما أضع) وأبطل وأهدر (منها) أي: من دماء الجاهلية (دم الحارث بن عبد المطلب) قال الخطابي: هكذا روى أبو داوود وكذا ابن ماجه، وإنما هو في سائر الروايات: (دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب)، وحدثني عبد الله بن محمد المكي قال: حدثنا علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد قال: أخبرني ابن الكلبي أن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب لم يقتل، وقد عاش بعد رسول الله ﷺ إلى زمن عمر، وإنما قتل ابن له صغير في الجاهلية، فأهدر النبي ﷺ دمه فيما أهدر، ونسب الدم إليه؛ لأنه ولي الدم. انتهى. وفي الحديث: أن ما أدركه الإسلام من أحكام الجاهلية .. فإنه يلقاه بالرد

стр. 8600

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === والنكير، وأن الكافر إذا أربى في كفره، ثم لم يقبض المال حتى أسلم .. فإنه يأخذ رأس ماله، ويضع الربا، فأما ما كان قد مضى من أحكامهم .. فإن الإسلام يلقاه بالعفو، فلا يعترض لهم في ذلك. قاله الخطابي. انتهى من "العون". ولفظ "مسلم" مع "الكوكب": (ألا) - بالفتح والتخفيف - للتنبيه؛ أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (كل شيء من أمر الجاهلية) يعني به: الأمور التي أحدثوها، والشرائع التي كانوا شرعوها في الحج وغيره (تحت قدميَّ) - بتشديد الياء - مثنى قدم؛ أي: تحت قدمي هاتين (موضوع) أي: مردود وباطل حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين؛ أي: لا اعتبار له ولا حكم؛ قد أبطلته (ودماء الجاهلية موضوعة) أي: متروكة هدرة لا قصاص ولا دية ولا كفارة فيها، قال القاري: أعادها مع دخولها فيما قبلها؛ للاهتمام بها، أو ليبني عليه ما بعده من الكلام. وقال الولي العراقي: يمكن أنه من عطف الخاص على العام؛ لاندراج دمائها في أمرها، ويمكن أنه لا يندرج؛ لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، وما يثبت وما لا يثبت. انتهى. (وإن أول دم أضعـ) ـه وأهدره (من دمائنا) يا أهل الإسلام؛ أي: أبدأ في وضع الدماء التي يستحق المسلمون ولايتها بدم أهل بيتي. قال النووي: فيه أن الإمام وغيره ممن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله؛ فهو أقرب إلى قبوله وإلى طيب نفس من قرب

стр. 8601

كَانَ مُسْتَرْضِعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، === عهده بالإسلام (دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) واسم هذا الابن إياس، قاله الجمهور والمحققون، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: تمام، وقيل: آدم. قال القرطبي: هو تصحيف، ولبعض رواة مسلم وأبي داوود: (دم ربيعة) ولابن ماجه: (دم الحارث بن عبد المطلب) وكلاهما وهم؛ لأن ربيعة بن الحارث عاش حتى توفي زمن عمر سنة ثلاث وعشرين، وتأوله: أبو عبيد بأنه نسبه إلى ربيعة؛ لأنه ولي دم ابنه (كان) ذلك الابن (مسترضعًا) - بالفتح على صيغة اسم المفعول ويجوز الكسر على صيغة اسم الفاعل؛ من الاسترضاع، وفي "القاموس": الاسترضاع: طلب المرضعة، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ﴾ (١)؛ أي: تطلبوا مراضع لأولادكم. انتهى. وربيعة بن الحارث هو ابن عم النبي ﷺ ؛ الحارث بن عبد المطلب، فاهدر ﷺ دم ابن عمه، وأبطل الطلب به في الإسلام، ولم يجعل لربيعة في تلك تبعة. انتهى من هامش "مسلم". أي: كان لهذا الابن ظئر ترضعه (في) نساء (بني ليث) وفي رواية مسلم: (في بني سعد) (فقتلته) أي: ذلك الابن (هذيل) - مصغرًا - قال الولي العراقي: ظاهره أنها تعمدت قتله، وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرًا يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنووي وغيرهما ساكتين عليه، فهو مناف لقوله: (فقتلته هذيل) لأنهم غير بني ليث؛ إذ هذيل ابن مدركة بن إلياس بن مضر، وليث هو ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة؛ كما

стр. 8602

أَلَا وَإنَّ كُلَّ رِبًا مِنْ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ، أَلَا يَا أُمَّتَاهْ هَلْ بَلَّغْتُ؟ " ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. === بينه أبو عبيد القاسم بن سلام في أنسابه. انتهى، كذا في "شرح المواهب"، والله أعلم. (ألا وإن كل ربًا من ربا الجاهلية) وهو الزائد على رأس المال .. (موضوع) أي: متروك لا يؤخذ بعد اليوم إلا رأس المال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)، وهذا إيضاح؛ إذ المقصود مفهوم من لفظ (ربا) فإن وضع الربا معناه: وضع الزيادة، قاله النووي. قال الولي العراقي: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهلية من عطف الخاص على العام؛ لأنه من إحداثاتهم الفاسدة. انتهى. (لكم) أيها المربون (رؤوس أموالكم) أي: أصولها حالة كونكم الا تظلمون) الناس بأخذ زيادة على رؤوس أموالكم، وهو بالبناء للفاعل. قوله: (ولا تظلمون) بالبناء للمفعول؛ أي: لا تظلمون بنقص عن رؤوس أموالكم (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا (يا أمتاه) أي: يا أمتي ما أقول لكم من أمر ربي، ثم قال: ألا (هل بلغت) إليكم أمر ربي (ثلاث مرات) كرره للتأكيد (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده: (نعم) بلغت إلينا يا رسول الله ثلاث مرات، ثم (قال) رسول الله ﷺ : (اللهم؛ اشهد) لي على اعترافهم لي بالتبليغ إليهم أمرك، قالها وكررها (ثلاث مرات) أي: قال: اللهم؛ اشهد لي ثلاث مرات.

стр. 8603

(١١) - ٣٠٠٥ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، === وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع، باب في وضع الربا، والترمذي في كتاب التفسير، باب ومن سورة التوبة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. فائدة ملحقة في إعراب: (يا أمتاه) أصله: (يا أمتي)، وإعرابه: (يا) حرف نداء مبني على السكون (أمتاه) منادى مضاف منصوب، وعلامة نصبه فتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المنقلبة ألفًا للتخفيف، الممنوعة تلك الفتحة بالفتح المجلوب لمناسبة الألف؛ لأن ما قبل الألف لا يكون إلا مفتوحًا (أمة) مضاف و (ياء المتكلم) المنقلبة ألفا للتخفيف في محل الجر مضاف إليه مبني على السكون و (الهاء) حرف سكت مبني على السكون، وضمه غلط، أو تشبيه له بهاء الضمير ولا يجوز إلا للضرورة. ثم استشهد المؤلف لحديث عمرو بن الأحوص بحديث جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١١) - ٣٠٠٥ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا أبي) عبد الله بن نمير الهمداني، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 8604

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ السَّلَام، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ === (عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، صدوق، بل ثقة عارف بالعلوم، من الخامسة، مات سنة خمسين ومئة، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم). (عن عبد السلام) بن حرب بن سلم النهدي الملائي - بضم الميم وتخفيف اللام - أبي بكر الكوفي، أصله بصري. روى عن: يحيى بن سعيد الأنصاري، والزهري، ويروي عنه: (ع)، وابن إسحاق وهو أكبر منه، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وله ست وتسعون (٩٦) سنة، وولد سنة إحدى وتسعين (٩١ هـ)، ويحتمل أنه عبد السلام بن أبي الجنوب - بفتح الجيم وتخفيف النون آخره موحدة - المدني، ضعيف، من الثامنة أيضًا. يروي عنه: (ق)، كما ذكرناه في مقدمة المؤلف، وما قلناه أولًا أولى. راجع "التهذيب". (عن الزهري) محمد بن مسلم ابن شهاب، ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن محمد بن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي المدني، ثقة عارف بالنسب، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبيه) جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، عارف بالأنساب، مات سنة ثمان أو تسع وخمسين (٥٩ هـ). يروي عنه: (ع). وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

стр. 8605

قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْخَيْفِ مِنْ مِنىً فَقَالَ: "نَضَّرَ اللهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا؛ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيهٍ، === (قال) جبير بن مطعم: (قام) فينا (رسول الله ﷺ خطيبًا (بالخيف من منىً) والخيف - بفتح فسكون -: الموضع المرتفع من مجرى السيل المنحدر من غلظ الجبل، ومسجد منىً يسمى مسجد الخيف؛ لأنه في سفح جبلها. (فقال) رسول الله ﷺ في خطبته: (نضر الله) سبحانه، قال التوربشتي: النضرة: الحسن والرونق، يتعدى ولا يتعدى، وروي مخففًا ومشددًا، وقال النووي: التشديد أكثر، وقال الأبهري: روى أبو عبيدة بالتخفيف، قال: هو لازم ومتعد، ورواه الأصمعي، وقال: المخفف لازم والتشديد للتعدية، وعلى الأول للتكثير والمبالغة. انتهى. أي: خص الله بالبهجة والسرور (امرأً سمع مقالتي) فحفظها؛ كما في بعض الرواية؛ أي: بالقلب أو بالكتابة (فبلغها) كما سمعها؛ كما في بعض الرواية؛ أي: من غير زيادة ولا نقصان؛ لما رزق بعلمه ومعرفته من القدر والمنزلة بين الناس في الدنيا، ونعَّمه في الآخرة، حتى يرى عليه رونق الرخاء والنعمة. ثم قيل: إنه إخبار؛ يعني: جعله ذا نضرة، وقيل: دعاء له بالنضرة؛ وهي البهجة والبهاء في الوجه من أثر النعمة (فرب حامل فقه) أي: حامل علم وحافظه، والفاء فيه معللة لما يفهم من الحديث؛ أي: أن التبليغ مطلوب؛ لأنه رب حامل فقه وحديث غير فقيه معناه، فيبلغه إلى من يعلمه. (غير فقيه) بالرفع على المحل والجر على اللفظ؛ أي: غير عالم معناه،

стр. 8606

وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: === فيبلغه إلى فقيه (ورب حامل فقه) فقيه، فيبلغه (إلى من هو أفقه منه) أي: فرب حامل قد يكون فقيهًا ولم يكن أفقه، فيحفظه ويبلغه إلى من هو أفقه منه، فيستنبط منه ما لا يفهمه الحامل، أو إلى من يصير أفقه منه، وهذا إشارة إلى فائدة النقل والداعي إليه. قال الطيبي: قوله: "فرب حامل ... " إلى آخره .. هو صفة لمدخول (رب)، استغني بها عن جوابها؛ أي: رب امرئ حامل فقه أداه إلى من هو أفقه منه. قوله: "فرب حامل فقه غير فقيه" بين به أن راوي الحديث ليس الفقه من شرطه، إنما شرطه: الحفظ، وعلى الفقيه: التفهم والتدبر، قاله المناوي. (ثلاث) خصال، سوغ الابتداء بالنكرة إضافته إلى مقدر؛ كما قدرناه، أو الوصف به؛ أي: ثلاث من الخصال. والخبر جملة قوله: (لا يغل) - بكسر الغين المعجمة واللام المشددة - على المشهور، وضم الياء؛ من أغل الرباعي؛ إذا خان، أو فتحها؛ من غل الثلاثي؛ إذا صار ذا حقد وعداوة. و(عليهن) حال مقدمة على صاحبها؛ وهو قوله: (قلب مؤمن) وهو فاعل يغل؛ أي: ثلاث خصال لا يوصف قلمب امرئ مؤمن بالغل والغش والخيانة والحقد والعداوة، حالة كونه كائنًا عليهن؛ أي: ما دام مستمرًا على تلك الثلاث؛ أي: لا يدخل في قلبه خيانة أو حقد يمنعه من تبليغ العلم، فينبغي له الثبات على تلك الثلاث؛ حتى لا يمنعه شيء من الغل والحقد من التبليغ، وبهذا ظهر مناسبة هذه الجملة لما قبلها. انتهى "سندي". أو (على) بمعنى (مع) أي: معهن.

стр. 8607

إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لله، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ؛ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ". === أحدها: (إخلاص العمل لله) أي: جعْل العمل من التبليغ وغيره مخلصًا لله تعالى لا لغرض دنيوي؛ كالمال والمحمدة والسمعة والرياء. ومعنى الإخلاص: تصفية العمل للخالق عن ملاحظة المخلوق. (و) الثاني: (النصيحة لولاة المسلمين) وأمرائهم وملوكهم بالسمع والطاعة ما لم يأمروا بمعصية تعالى؛ والنصح: هو إرادة الخير للغير. والمعنى: والنصح للمسلمين حتى لولاتهم، ويكفي في إرادة النصح للولاة إرادته لكل أحد من الرعية؛ لأن فساد الرعية يتعدى آثاره إليهم، ويؤخذ من هذا أن رئيس الأئمة هو النبي ﷺ ، ونصحه مطلوب بهذا الحديث أولًا، ويتضمن نصحه بالتبليغ النصح لتمام أمته ﷺ . انتهى "سندي". (و) الثالث: (لزوم جماعتهم) أي: موافقتهم في أمور الدين؛ بترك الابتداع من التشيع والاعتزال وغيرهما، وترك المخالفة في شؤون الدنيا؛ بشهر السلاح عليهم؛ لقطع الطريق وأخذ الأموال ونهبها. والفاء في قوله: (فإن دعوتهم) للتعليل؛ أي: وإنما أمر بلزوم الجماعة؛ لأن دعوة المسلمين لربهم (تحيط) بهم (من ورائهم) وتحفظهم من شرور الدنيا والآخرة؛ كإحاطة السور بالبلدة، فيكون أهل البلدة محفوظًا من شر الأعداء ومن شر السباع، ومن كل طارق بالليل. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وقد سبق في أول الكتاب مشروحًا في المقدمة، في باب من بلغ علمًا رقم (١٨) حديث رقم (٢٢٨ - ٢٢٩).

стр. 8608

(١٢) - ٣٠٠٦ - (٣) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ تَوْبَةَ، حَدَّثَنَا زَافِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ، === ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، أو ضعيف السند، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث زيد بن ثابت؛ كما مر هناك، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث عمرو بن الأحوص. وقد ذكرنا هناك تحت حديث زيد بن ثابت عند قوله: (رب حامل فقه غير فقيه) والمراد بحامل الفقه: حافظ الأدلة التي يستنبط منها الفقه (غير فقيه) أي: غير قادر على استنباط الفقه من تلك الأدلة، فيبلغها إلى قادر الاستنباط منها (ورب حامل فقه) أي: حامل أدلتها قادر على الاستنباط منها شيئًا يسيرًا، فيبلغها (إلى من هو أفقه منه) أي: إلى من هو أعلم من الحامل، وأقدر على الاستنباط منها أحكامًا كثيرة؛ بأن كان الذي يسمع منه أفقه منه وأقدر على الاستنباط منها أحكامًا كثيرة. انتهى من "المرشد". ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمرو بن الأحوص بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٢) - ٣٠٠٦ - (٣) (حدثنا إسماعيل بن توبة) بن سليمان بن زيد الثقفي أبو سليمان الرازي، أصله من الطائف، ثم نزل قزوين، صدوق، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ق). (حدثنا زافر) بالفاء (ابن سليمان) الإيادي أبو سليمان القهستاني - بضم القاف والهاء وسكون المهملة - سكن الري، ثم بغداد، وولي قضاء سجستان، صدوق كثير الأوهام، من التاسعة. يروي عنه: (ت س ق). (عن أبي سنان) الشيباني الأصغر الكوفي سعيد بن سنان البرجمي - بضم

стр. 8609

عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْمُخَضْرَمَةِ بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: === الموحدة والجيم بينهما راء ساكنة - نزيل الري، صدوق له أوهام، من السادسة. يروي عنه: (م د ت س ق)، وزافر بن سليمان. وروى (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتح الجيم والميم - المرادي أبي عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع). (عن مرة) بن شراحيل الهمداني، أبي إسماعيل الكوفي، ثقة عابد، من الثانية، مات سنة ست وسبعين (٧٦)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع)، وقوله: عن مرة سقط من بعض النسخ، والصواب إثباته كما في تحفة الأشراف، ومصباح الزجاجة. (عن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (قال) ابن مسعود: (قال رسول الله ﷺ وهو) راكب (على ناقته المخضرمة) بصيغة اسم المفعول؛ أي: المقطوعة الأذن؛ من خضرم؛ من باب دحرج، يقال: خضرمت الناقة؛ إذا قطعت طرف أذنها، والجملة الاسمية حال من الرسول. وقوله: (بعرفات) متعلق بقال، وقوله: (فقال) توكيد لفظي لقال الأول، والفاء فيه زائدة.

стр. 8610

"أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ وَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ وَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: هَذَا بَلَدٌ حَرَامٌ، وَشَهْرٌ حَرَامٌ، وَيَوْمٌ حَرَامٌ، === (أتدرون) أي: هل تعلمون أيها المسلمون (أي يوم هذا) اليوم؟ وهو يوم عرفة (وأي شهر هذا) الشهر؟ وهو شهر ذي الحجة (وأي بلد هذا) البلد؟ وهو مكة (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده في جواب سؤاله: (هذا) البلد (بلد حرام) أي: محترم بحرمة الله تعالى، (و) هذا الشهر (شهر حرام، و) هذا اليوم (يوم حرام) أجابوه على طريق اللف والنشر غير المرتب، فـ (قال) رسول الله ﷺ ؛ والمعنى: قال ابن مسعود: (قال رسول الله ﷺ أي: خطب (وهو على ناقته المخضرمة بـ) عرنة (يوم عرفات) أي: وعظ الناس قبل الصلاة؛ أي: صلاة الظهر (فقال) في خطبته: (أتدرون) وتعلمون (أي: يوم) خبر مقدم (هذا) مبتدأ مؤخر، وقدم الخبر على المبتدأ؛ للزومه الصدارة؛ لأنه اسم استفهام؛ أي: هذا اليوم أي يوم هو من بين الأيام؛ هل هو محترم أم لا؟ ... إلى آخره، فأجابوه بما قالوا على سبيل اللف والنشر غير المرتب. قال الزرقاني: فيه أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع؛ يعني: عرنة، وبهذا قال الجمهور والمد نيون والمغاربة من المالكية، وهو المشهور وعليه عمل الناس إلى الآن. قال النووي: ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة؛ إحداها: يوم السابع من ذي الحجة، يخطب بها عند الكعبة، بعد صلاة الظهر، والثانية: هذه التي في بطن عرنة يوم عرفات، والثالثة: يوم النحر بمنىً، والرابعة: يوم النفر الأول؛ وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قال أصحابنا: وكل هذه الخطب أفراد، وبعد صلاة الظهر، إلا التي يوم عرفات؛ فإنها خطبتان، وقبل صلاة

стр. 8611

قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، === الظهر، قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه الخطب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم. انتهى كلام النووي. وعند الحنفية: في الحج ثلاث خطب: أولها وثانيها: ما ذكره النووي، وثالثها: بمنىً في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كل خطبتين بيوم، وكلها سنة. ولما أجابوه بما ذكر .. (قال) رسول الله ﷺ في تلك الخطبة؛ يعني: في خطبة يوم عرفة التي كانت في عرنة: (ألا وإن أموالكم ودماءكم). قال الحافظ: وهذا الكلام على حذف مضاف؛ تقديره: وإن أخْذَ أموالكم وسفك دمائكم، وزاد في بعض الطرق: (وأعراضكم) أي: وثلب أعراضكم، جمع عرض؛ والعرض - بكسر العين وسكون الراء -: موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه. وقال الزرقاني: معناه: إن دماء بعضكم على بعض حرام، وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه، ومال كل واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن الخطاب للمجموع؛ والمعنى فيه مفهوم بقرينة الحال، ولا تبعد إرادة المعنى الثاني. أما الدم .. فواضح، وأما المال .. فمعنى تحريمه عليه: تحريم تصرفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله الولي العراقي. (عليكم حرام؛ كحرمة شهركم هذا) يعني: ذا الحجة (في بلدكم هذا) يعني: مكة (في يومكم هذا) يعني: يوم عرفة؛ معناه: متأكدة التحريم شديدته

стр. 8612

أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأُكَاثِرُ بِكُمُ الْأُمَمَ فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، أَلَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ أُنَاسًا وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي أُنَاسٌ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أُصَيْحَابِي فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ". === (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا (وإني فرطكم) - بفتحتين - أي: سابقكم إلى الآخرة موتًا منتظركم (على الحوض) والفرط: هو السابق على الرفقة؛ ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه في محل النزول. (وأكاثر بكم) أي: أفاخر بكثرتكم على (الأمم) السابقة يوم القيامة (فلا تسودوا وجهي) أي: فلا تؤثروا في وجهي السواد بسبب كثرة معاصيكم؛ والمعنى: فلا تكثروا، فلا تصلحوا لأن يفتخر بمثلكم. (ألا وإني مستنقذ) بصيغة اسم الفاعل؛ أي: ألا وإني منقذ ومخرج (أناسًا) من أمتي من العذاب بشفاعتي، ألا (و) إني (مستنقذ مني) بصيغة اسم المفعول؛ أي: مدفوع عني عند الحوض (أناس) وهم المرتدون بعده (فأقول) لربي: (يا رب) هؤلاء (أُصَيْحَابي) - تصغير الأصحاب - فَلِمَ رُدُّوا عَن حوضي؟ (فيقول) الربُّ ﷻ : (إنك) يا محمد (لا تدري) ولا تعلم (ما أحدثوا) وابتدعوا (بعدك) أي: بعد وفاتك، فليسوا من أصحابك؛ لأنهم بدلوا دينك، وأشركوا بالله، وفي بعض الرواية زيادة: (فأقول: سحقًا لهم) أي: بعدًا لهم عن رحمة الله تعالى، قال الزرقاني: وفي تقديم اليوم على الشهر وهو على البلد الترقي؛ فالشهر أقوى من اليوم، وهو ظاهر في الشهر؛ لاشتماله على اليوم، فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد .. فلأنه محرم في جميع الشهور، لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختص به، فهو أقوى منه. قال الحافظ: وفيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون

стр. 8613

(١٣) - ٣٠٠٧ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، === أوضح للسامع، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا يرون تلك الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب. وقال في موضع آخر: ومناط التشبيه في قوله: "كحرمة يومكم" وما بعده .. ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم، بخلاف الأنفس والأموال والأعراض؛ فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بان تحريم دم المسلم وماله وعرضه .. أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه؛ لأن الخطاب بها وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. انتهى "فتح الملهم". وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن أخرجه أحمد (٥/ ٤١٢) عن مرة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، والبيهقي في باب تحريم القتل من السنة. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عمرو بن الأحوص بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٣) - ٣٠٠٧ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا صدقة بن خالد) الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، من

стр. 8614

حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: يَوْمُ النَّحْر، قَالَ: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، === الثامنة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل: ثمانين، أو بعدها. يروي عنه: (خ د س ق). (حدثنا هشام بن الغاز) - بمعجمتين بينهما ألف - من الغزو - بحذف الياء وإثباتها. انتهى " قسطلاني " - ابن ربيعة الجرشي - بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة - الدمشقي نزيل بغداد، ثقة، من كبار السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (عم). (قال) هشام بن الغاز: (سمعت نافعًا يحدث عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر) أي: يوم العيد (بين الجمرات) - بفتح الجيم والميم - جمع جمرة؛ وفيه بيان موضع وقوفه ﷺ ؛ كتعيين الوقت منه في رواية رافع بن عمرو المزني عند أبي داوود والنسائي، ولفظه: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس بمنىً حين ارتفع الضحى. انتهى "قسطلاني". وقوله: (في الحجة) متعلق بوقف؛ كالظرف الذي قبله؛ أي: وقف في الحجة (التي حج فيها) أي: بها؛ أي: وقف خطيبًا للناس (فقال النبي ﷺ في خطبته تلك: (أي يوم هذا) اليوم؟ أي: بأي اسم يسمى؟ (قالوا): هو (يوم النحر، قال: فأي بلد هذا) البلد؟ بالتذكير

стр. 8615

قَالُوا: هَذَا بَلَدُ اللهِ الْحَرَامُ، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: شَهْرُ اللهِ الْحَرَامُ، قَالَ: "هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَر، وَدِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَدِ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ"، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ"، ثُمَّ وَدَّعَ النَّاسَ فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ. === (قالوا: هذا بلد الله الحرام) أي: المحترم المعظم (قال: فأي شهر هذا) الشهر؟ (قالوا): هذا (شهر الله الحرام، قال: هذا) اليوم (يوم الحج الأكبر) يعني: يوم النحر. واختلف في المراد بالحج الأصغر: فالجمهور على أنه العمرة، وقيل: يوم الحج الأصغر: يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر: يوم النحر؛ لأن فيه تستكمل بقية المناسك، وعن مجاهد: الأكبر: القران، والأصغر: الإفراد، وقيل: أيام الحج كلها، قاله الثوري. ثم قال: (و) انتهاك حرمة (دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد) أي: كانتهاك حرمة بلدكم هذا (في هذا الشهر) يعني: ذا الحجة (في هذا اليوم) يعني: يوم النحر (ثم قال: هل بلغت) ما أمرني ربي بتبليغه إليكم؟ (قالوا: نعم) بلغت إلينا، وإنما قال ذلك؛ لأنه ﷺ كان التبليغ فرضًا عليه (فطفق) أي: شرع (النبي ﷺ يقول: اللهم؛ اشهد) لي على تبليغي إليهم وعلى شهادتهم لي، وجملة القول خبر لطفق (ثم ودع الناس) من التوديع عند الرحيل؛ أي: ودعهم بأمرهم بالمأمورات ونهيهم عن المنكرات (فقالوا) أي: قال الناس؛ أخذًا من توديعه: (هذه) الحجة (حجة الوداع).
следующие страницы →