← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 8611–8650 · переход к 8616.

стр. 8611

قَالَ: "أَلَا وَإِنَّ أَمْوَالَكُمْ وَدِمَاءَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي يَوْمِكُمْ هَذَا، === الظهر، قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه الخطب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم. انتهى كلام النووي. وعند الحنفية: في الحج ثلاث خطب: أولها وثانيها: ما ذكره النووي، وثالثها: بمنىً في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كل خطبتين بيوم، وكلها سنة. ولما أجابوه بما ذكر .. (قال) رسول الله ﷺ في تلك الخطبة؛ يعني: في خطبة يوم عرفة التي كانت في عرنة: (ألا وإن أموالكم ودماءكم). قال الحافظ: وهذا الكلام على حذف مضاف؛ تقديره: وإن أخْذَ أموالكم وسفك دمائكم، وزاد في بعض الطرق: (وأعراضكم) أي: وثلب أعراضكم، جمع عرض؛ والعرض - بكسر العين وسكون الراء -: موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو في سلفه. وقال الزرقاني: معناه: إن دماء بعضكم على بعض حرام، وأموال بعضكم على بعض حرام، وإن كان ظاهر اللفظ أن دم كل واحد حرام عليه نفسه، ومال كل واحد حرام عليه نفسه، فليس بمراد؛ لأن الخطاب للمجموع؛ والمعنى فيه مفهوم بقرينة الحال، ولا تبعد إرادة المعنى الثاني. أما الدم .. فواضح، وأما المال .. فمعنى تحريمه عليه: تحريم تصرفه فيه على غير الوجه المأذون فيه شرعًا، قاله الولي العراقي. (عليكم حرام؛ كحرمة شهركم هذا) يعني: ذا الحجة (في بلدكم هذا) يعني: مكة (في يومكم هذا) يعني: يوم عرفة؛ معناه: متأكدة التحريم شديدته

стр. 8612

أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ وَأُكَاثِرُ بِكُمُ الْأُمَمَ فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، أَلَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ أُنَاسًا وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي أُنَاسٌ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ؛ أُصَيْحَابِي فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ". === (ألا) أي: انتبهوا واستمعوا (وإني فرطكم) - بفتحتين - أي: سابقكم إلى الآخرة موتًا منتظركم (على الحوض) والفرط: هو السابق على الرفقة؛ ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه في محل النزول. (وأكاثر بكم) أي: أفاخر بكثرتكم على (الأمم) السابقة يوم القيامة (فلا تسودوا وجهي) أي: فلا تؤثروا في وجهي السواد بسبب كثرة معاصيكم؛ والمعنى: فلا تكثروا، فلا تصلحوا لأن يفتخر بمثلكم. (ألا وإني مستنقذ) بصيغة اسم الفاعل؛ أي: ألا وإني منقذ ومخرج (أناسًا) من أمتي من العذاب بشفاعتي، ألا (و) إني (مستنقذ مني) بصيغة اسم المفعول؛ أي: مدفوع عني عند الحوض (أناس) وهم المرتدون بعده (فأقول) لربي: (يا رب) هؤلاء (أُصَيْحَابي) - تصغير الأصحاب - فَلِمَ رُدُّوا عَن حوضي؟ (فيقول) الربُّ ﷻ : (إنك) يا محمد (لا تدري) ولا تعلم (ما أحدثوا) وابتدعوا (بعدك) أي: بعد وفاتك، فليسوا من أصحابك؛ لأنهم بدلوا دينك، وأشركوا بالله، وفي بعض الرواية زيادة: (فأقول: سحقًا لهم) أي: بعدًا لهم عن رحمة الله تعالى، قال الزرقاني: وفي تقديم اليوم على الشهر وهو على البلد الترقي؛ فالشهر أقوى من اليوم، وهو ظاهر في الشهر؛ لاشتماله على اليوم، فاحترامه أقوى من احترام جزئه، وأما زيادة حرمة البلد .. فلأنه محرم في جميع الشهور، لا في هذا الشهر وحده، فحرمته لا تختص به، فهو أقوى منه. قال الحافظ: وفيه مشروعية ضرب المثل وإلحاق النظير بالنظير؛ ليكون

стр. 8613

(١٣) - ٣٠٠٧ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ، === أوضح للسامع، وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن المخاطبين بذلك كانوا يرون تلك الأشياء، ولا يرون هتك حرمتها، ويعيبون على من فعل ذلك أشد العيب. وقال في موضع آخر: ومناط التشبيه في قوله: "كحرمة يومكم" وما بعده .. ظهوره عند السامعين؛ لأن تحريم البلد والشهر واليوم كان ثابتًا في نفوسهم مقررًا عندهم، بخلاف الأنفس والأموال والأعراض؛ فكانوا في الجاهلية يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بان تحريم دم المسلم وماله وعرضه .. أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم، فلا يرد كون المشبه به أخفض رتبة من المشبه؛ لأن الخطاب بها وقع بالنسبة لما اعتاده المخاطبون قبل تقرير الشرع. انتهى "فتح الملهم". وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن أخرجه أحمد (٥/ ٤١٢) عن مرة عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، والبيهقي في باب تحريم القتل من السنة. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عمرو بن الأحوص بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٣) - ٣٠٠٧ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا صدقة بن خالد) الأموي مولاهم أبو العباس الدمشقي، ثقة، من

стр. 8614

حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ الْغَازِ قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَقَفَ يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي حَجَّ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: يَوْمُ النَّحْر، قَالَ: "فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ "، === الثامنة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة (١٧١ هـ)، وقيل: ثمانين، أو بعدها. يروي عنه: (خ د س ق). (حدثنا هشام بن الغاز) - بمعجمتين بينهما ألف - من الغزو - بحذف الياء وإثباتها. انتهى " قسطلاني " - ابن ربيعة الجرشي - بضم الجيم وفتح الراء بعدها معجمة - الدمشقي نزيل بغداد، ثقة، من كبار السابعة، مات سنة بضع وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (عم). (قال) هشام بن الغاز: (سمعت نافعًا يحدث عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (أن رسول الله ﷺ وقف يوم النحر) أي: يوم العيد (بين الجمرات) - بفتح الجيم والميم - جمع جمرة؛ وفيه بيان موضع وقوفه ﷺ ؛ كتعيين الوقت منه في رواية رافع بن عمرو المزني عند أبي داوود والنسائي، ولفظه: رأيت النبي ﷺ يخطب الناس بمنىً حين ارتفع الضحى. انتهى "قسطلاني". وقوله: (في الحجة) متعلق بوقف؛ كالظرف الذي قبله؛ أي: وقف في الحجة (التي حج فيها) أي: بها؛ أي: وقف خطيبًا للناس (فقال النبي ﷺ في خطبته تلك: (أي يوم هذا) اليوم؟ أي: بأي اسم يسمى؟ (قالوا): هو (يوم النحر، قال: فأي بلد هذا) البلد؟ بالتذكير

стр. 8615

قَالُوا: هَذَا بَلَدُ اللهِ الْحَرَامُ، قَالَ: "فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ "، قَالُوا: شَهْرُ اللهِ الْحَرَامُ، قَالَ: "هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَر، وَدِمَاؤُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ وَأَعْرَاضُكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ هَذَا الْبَلَدِ فِي هَذَا الشَّهْرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ"، ثُمَّ قَالَ: "هَلْ بَلَّغْتُ؟ "، قَالُوا: نَعَمْ، فَطَفِقَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ"، ثُمَّ وَدَّعَ النَّاسَ فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ. === (قالوا: هذا بلد الله الحرام) أي: المحترم المعظم (قال: فأي شهر هذا) الشهر؟ (قالوا): هذا (شهر الله الحرام، قال: هذا) اليوم (يوم الحج الأكبر) يعني: يوم النحر. واختلف في المراد بالحج الأصغر: فالجمهور على أنه العمرة، وقيل: يوم الحج الأصغر: يوم عرفة، ويوم الحج الأكبر: يوم النحر؛ لأن فيه تستكمل بقية المناسك، وعن مجاهد: الأكبر: القران، والأصغر: الإفراد، وقيل: أيام الحج كلها، قاله الثوري. ثم قال: (و) انتهاك حرمة (دمائكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة هذا البلد) أي: كانتهاك حرمة بلدكم هذا (في هذا الشهر) يعني: ذا الحجة (في هذا اليوم) يعني: يوم النحر (ثم قال: هل بلغت) ما أمرني ربي بتبليغه إليكم؟ (قالوا: نعم) بلغت إلينا، وإنما قال ذلك؛ لأنه ﷺ كان التبليغ فرضًا عليه (فطفق) أي: شرع (النبي ﷺ يقول: اللهم؛ اشهد) لي على تبليغي إليهم وعلى شهادتهم لي، وجملة القول خبر لطفق (ثم ودع الناس) من التوديع عند الرحيل؛ أي: ودعهم بأمرهم بالمأمورات ونهيهم عن المنكرات (فقالوا) أي: قال الناس؛ أخذًا من توديعه: (هذه) الحجة (حجة الوداع).

стр. 8616

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وإنما ودعهم رسول الله ﷺ ؛ لأنه علم أنه لا يتفق له بعد هذا وقفة أخرى، ولا اجتماع آخر مثل ذلك. وسبب علمه ذلك أنه أنزلت عليه سورة: (إذا جاء نصر الله والفتح)، في وسط أيام التشريق، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء، فرحلت له وركب عليها ووقف بالعقبة، واجتمع الناس إليه ... الحديث، ورواه البيهقي بسند فيه ضعف. انتهى "قسطلاني". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب الخطبة أيام منىً تعليقًا، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب يوم الحج الأكبر، والدارقطني وأحمد. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به للحديث الأول. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث: الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد. والله أعلم

стр. 8617

(٦) - (١٠٨٤) - بَابُ زِيَارَةِ الْبَيْتِ (١٤) - ٣٠٠٨ - (١) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ طَارِقٍ، عَنْ طَاوُوسٍ وَأَبُو الزُّبَيْر، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ. === (٦) - (١٠٨٤) - (باب زيارة البيت) (١٤) - ٣٠٠٨ - (١) (حدثنا بكر بن خلف) البصري (أبو بشر) ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق). (حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي البصري، ثقة إمام في الجرح والتعديل، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثني محمد بن طارق) المكي، ثقة عابد، من الرابعة. يروي عنه: (ق). (عن طاووس) بن كيسان اليماني أبي عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (وأبو الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عائشة وابن عباس) رضي الله تعالى عنهم.

стр. 8618

أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ. === وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله من الثقات. (أن النبي ﷺ آخر طواف الزيارة) أي: طواف الإفاضة من يوم النحر (إلى الليل) أي: إلى الليل الأول من أيام التشريق، فطاف في الليل، وهذا ظاهر معنى هذا الحديث، وهو بهذا المعنى شاذ ضعيف، وإن كان سنده صحيحًا. قال ابن القطان الفاسي: هذا الحديث مخالف لما رواه ابن عمر وجابر عن النبي ﷺ أنه طاف يوم النحر نهارًا. انتهى. قلت: روى الشيخان عن ابن عمر أن رسول الله أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنىً، وروى مسلم عن جابر أن النبي ﷺ انصرف فنحر، ثم ركب فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر. وقد أشار الإمام البخاري في "صحيحه" إلى الجمع بين الأحاديث بأن يحمل حديث ابن عمر وجابر على اليوم الأول، وحديث ابن عباس وعائشة هذا على بقية الأيام، قال البخاري في "صحيحه": باب الزيارة يوم النحر. وقال أبو الزبير عن عائشة وابن عباس: آخر النبي ﷺ الزيارة إلى الليل، ويذكر عن أبي حسان عن ابن عباس: أن النبي ﷺ كان يزور البيت أيام منىً، وقال لنا أبو نعيم: حدثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه طاف طوافًا واحدًا، ثم أتى منىً؛ يعني: يوم النحر، ورفعه عبد الرزاق قال: حدثنا عبيد الله، ثم ذكر البخاري حديث أبي سلمة أن عائشة قالت: حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر ... الحديث، قال الحافظ في "الفتح": ولرواية أبي حسان شاهد مرسل، أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عيينة، حدثنا ابن طاووس عن أبيه أن

стр. 8619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === النبي ﷺ كان يفيض كل ليلة. انتهى. قلت: حديث ابن عباس وعائشة المذكور في هذا الباب ضعيف - كما ستعرف - فلا حاجة إلى الجمع الذي أشار إليه البخاري، وأما على تقدير الصحة لصحة سنده .. فهذا الجمع متعين. انتهى من "تحفة الأحوذي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب الخطبة أيام منىً، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الإفاضة في الحج، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في طواف الزيارة بالليل. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقد رخص بعض أهل العلم في أن يؤخر طواف الزيارة بالليل، واستحب بعضهم أن يزور يوم النحر، ووسع بعضهم أن يؤخر ولو إلى آخر أيام منىً. انتهى من "الترمذي". ولفظ أبي داوود: (أن النبي ﷺ آخر طواف يوم النحر إلى الليل)، وفي "العون": معناه: أنه رخص للناس أن يؤخروا طواف الزيارة إلى الليل؛ لأن النبي ﷺ لم يطف طواف الإفاضة في الليل. وفي "زاد المعاد": أفاض النبي ﷺ إلى مكة قبل الظهر راكبًا، فطاف طواف الإفاضة، وهو يسمى طواف الزيارة وطواف الصدر، ولم يطف غيره، ولم يسع معه، هذا هو الصواب. وزعمت طائفة أنه لم يطف في ذلك اليوم، وإنما أخر طواف الزيارة إلى الليل؛ وهو قول طاووس ومجاهد وعروة، واستدلوا على ذلك بحديث أبي الزبير المكي عن عائشة المخرج في "سنن أبي داوود" و "الترمذي" و "ابن ماجه". قال الترمذي: هذا حديث حسن، وكيف حسنه وهذا الحديث غلط بَيِّنٌ،

стр. 8620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === خلاف المعلوم من فعله ﷺ الذي لا يشك فيه أهل العلم بحجته ﷺ ؟ ! وقال أبو الحسن القطان - تلميذ ابن ماجه -: عندي أن هذا الحديث ليس بصحيح، إنما طاف النبي ﷺ يومئذ نهارًا، وإنما اختلفوا هل هو صلى الظهر بمكة، أو رجع إلى منىً فصلى الظهر بها بعد أن فرغ من طوافه؟ فابن عمر يقول: إنه رجع إلى منىً، فصلى الظهر بها، وجابر يقول: إنه صلى الظهر بمكة، وهو ظاهر حديث عائشة من غير رواية أبي الزبير هذه التي فيها: أنه آخر الطواف إلى الليل، وهذا شيء لم يرو إلا من هذا الطريق، وأبو الزبير مدلس لم يذكر ها هنا سماعًا عن عائشة. انتهى. وقال السندي: المعلوم الثابت من فعله ﷺ هو أنه طواف الإفاضة، وهو الطواف الفرض قبل الليل، فلعل المراد بهذا الحديث: أنه رخص للناس في تأخيره إلى الليل، أو المراد بطواف الزيارة: غير طواف الإفاضة؛ أي: أنه كان يقصد زيارة البيت أيام منى بعد طواف الإفاضة، فإذا زار .. طاف أيضًا، وكان يؤخر طواف تلك الزيارة إلى الليل بتأخير تلك الزيارة إلى الليل، ولا يذهب إلى مكة لأجل تلك الزيارة في النهار بعد العصر مثلًا. قال الحافظ شمس الدين ابن القيم رحمه الله تعالى: ويمكن أن يحمل قولها: (أخر طواف يوم النحر إلى الليل) على أنه أذن في ذلك، فنسب إليه، وله نظائر. انتهى من "العون". قلت: ودرجة هذا الحديث: أنه شاذ غلط ضعيف (١) (٣١١)؛ كما مر، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.

стр. 8621

(١٥) - ٣٠٠٩ - (٢) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَنْبَأَنَا ابْن جرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيه، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَا رَمَلَ فِيهِ. === ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: (١٥) - ٣٠٠٩ - (٢) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن حرملة بن عمران أبو حفص التجيبي المصري صاحب الشافعي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق). (حدثنا) عبد الله (بن وهب) القرشي المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع). (أنبأنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة أو بعدها. يروي عنه: (ع). (عن عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبد الله بن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (أن النبي ﷺ لم يرمل) من باب نصر (في) الأشواط (السبع الذي أفاض فيه) أي: لأجله إلى مكة من منىً (قال عطاء: ولا رمل فيه) أي: ولم يرمل النبي ﷺ فيه؛ لأن الرمل إنما يشرع في طواف يعقبه سعي، ولم يسع النبي ﷺ بعده؛ لأنه سعى بعد طواف القدوم، والسعي لا يكرر في نسك واحد، وكذا لا يكرر في القِران؛ لاندراج أعمال العمرة تحت أعمال الحج.

стр. 8622

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الحج، باب الإفاضة في الحج. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستئناس، والثاني للاستدلال به على الترجمة. والله أعلم

стр. 8623

(٧) - (١٠٨٥) - بَابُ الشُّرْبِ مِنْ زَمْزَمَ (١٦) - ٣٠١٠ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْأَسْوَد، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَالِسًا فَجَاءَهُ رَجُل فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ قَالَ: مِنْ زَمْزَمَ، === (٧) - (١٠٨٥) - (باب الشرب من زمزم) (١٦) - ٣٠١٠ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا عبيد الله بن موسى) بن أبي المختار باذام - بالذال المعجمة - العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عثمان بن الأسود) بن موسى المكي، مولى بني جمح، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع). (عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر) الجمحي أبي الثورين - بفتح المثلثة - على صيغة التثنية، مقبول، من الرابعة. يروي عنه: (ق). (قال) محمد: (كنت عند ابن عباس جالسًا فجاءه رجل) من المسلمين، ولم أر من ذكر اسمه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات. (فقال) له ابن عباس: (من أين جئت) يا رجل؟ أي: من أي مكان جئت إلينا؟ (قال) الرجل: جئت (من) بئر (زمزم) بغير صرف؛ للعلمية والتأنيث

стр. 8624

قَالَ: فَشَرِبْتَ مِنْهَا كَمَا يَنْبَغِي؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَ: إِذَا شَرِبْتَ مِنْهَا .. فَاسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَاذْكُرِ اسْمَ الله، وَتَنَفَّسْ ثَلَاثًا وَتَضَلَّعْ مِنْهَا، فَإِذَا فَرَغْتَ .. فَاحْمَدِ اللهَ ؛ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ آيَةَ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ أَنَّهُمْ لَا يَتَضَلَّعُونَ مِنْ زَمْزَمَ". === المعنوي (قال) ابن عباس للرجل: (فـ) هل (شربت) - بفتح التاء المثناة فوق - خطابًا له (منها) أي: من زمزم (كما ينبغي) أي: على الكيفية التي ينبغي الشرب منها؟ (قال) الرجل لابن عباس: (وكيف) الشرب منها؟ أي: وعلى أي كيفية ينبغي الشرب منها؟ (قال) ابن عباس للرجل: والكيفية التي ينبغي الشرب عليها منها: أنك (إذا شربت منها) أي: إذا أردت الشرب منها .. (فاستقبل) بوجهك جهة (القبلة، واذكر اسم الله) تعالى عليها؛ أي: وقل قبل الشرب منها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (وتنفس ثلاثًا) أي: وأخرج نفسك خارج الإناء في أثناء الشرب ثلاث مرات، مع رفع الإناء عن الفم في كل مرة (وتضلع) أي: واشبع (منها) أي: من شربها؛ أي: أكثر الشرب منها حتى يمتلئ جنبك وأضلاعك؛ أي: حتى ترتفع عظام جنبك عن بطنك؛ لكثرة ما شربت منها (فإذا فرغت) من شربها .. (فاحمد الله واشكره على رزقك إياها. والفاء في قوله: (فإن رسول الله ﷺ قال) تعليلية لما قبلها، وإنما قلت لك: وتضلع منها؛ لأن رسول الله ﷺ قال: (إن آية) وعلامة (ما بيننا) أي: ما بين المؤمنين (وبين المنافقين) أي: إن الآية الفارقة بيننا وبينهم (أنهم) أي: أن المنافقين (لا يتضلعون) أي: لا يقدرون التضلع والشبع (من) شرب ماء (زمزم) حتى ترتفع الأضلاع والعظام من الجنب؛ لمبالغة شربه.

стр. 8625

(١٧) - ٣٠١١ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ === قال السندي: قوله: "إن آية ما بيننا" أي: إن علامة الفرق الذي هو بين الفريقين في القلب من الإيمان والنفاق: عدم قدرة المنافقين على التضلع من شرب ماء زمزم. والهمزة في "أنهم لا يتضلعون" مفتوحة، وجملتها في تأويل مصدر مرفوع على الخبرية لإن في قوله: "إن آية". وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه؛ لكن رواه الدارقطني في "سننه"، والحاكم في "المستدرك" من طريق عبد الله ابن أبي مليكة عن ابن عباس به، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" في كتاب الحج، باب سقاية الحاج والشرب من ماء زمزم عن الحاكم فذكره، والبخاري في "التاريخ الصغير"، والحاكم في "المستدرك" في كتاب المناسك، باب الشرب من زمزم، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٧) - ٣٠١١ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).

стр. 8626

قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ: إِنَّهُ سَمِعَ أَبَا الزُّبَيْرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "ماءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ". === (قال: قال عبد الله بن المؤملِ) - بصيغة اسم المفعول - ابنِ وَهْبِ الله، ويقال: هبةِ الله، القرشي المخزومي العابدي المدني، ويقال: المكي، ضعيف الحديث، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ت ق). انتهى من "التقريب". وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن سعد: مات بمكة سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وكان ثقة قليل الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال أبو عبد الله: هو سيئ الحفظ، ما علمنا له جرحة تسقط عدالته، وقال عباس الدوري عن ابن معين: صالح الحديث. انتهى من "التهذيب". يروي عن أبي الزبير، ويروي عنه: الوليد بن مسلم. (إنه) أي: إن عبد الله بن المؤمل (سمع أبا الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع). (يقول: سمعت جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما (يقول). وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن المؤمل، وهو مختلف فيه. (سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ماء زمزم لما شرب له") من الحوائج، قال السندي: قوله: "لما شرب له" قال السيوطي في "حاشية الكتاب": هذا الحديث مشهور على الألسنة كثيرًا، واختلف الحفاظ فيه:

стр. 8627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === فمنهم من صححه، ومنهم من حسنه، ومنهم من ضعفه، والمعتمد الأول، وجار من قال: إِن حديثَ: (الباذنجانُ لِما أكِلَ له) أصحُّ منه؛ فإن حديثَ الباذنجان موضوعٌ كَذِبٌ. انتهى. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه؛ لكن رواه أحمد في "مسنده" من حديث جابر بن عبد الله، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن زيد بن الحباب وسعيد بن زكرياء عن عبد الله بن المؤمل به، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق عبد الله بن المؤمل به. لكن لم ينفرد ابن ماجه بإخراج هذا المتن؛ فقد رواه الحاكم في "المستدرك"، في كتاب المناسك كذلك من طريق سعيد بن سليمان عن ابن عباس، وقال: هذا صحيح الإسناد، وكذا رواه الدارقطني في "سننه" من حديث ابن عباس، ولم يضعفه، ورواه البيهقي في "سننه" عن الحاكم، فذكره بإسناده ومتنه، وقال: انفرد به عبد الله بن المؤمل، وقال: وله شاهد من حديث أبي ذر، رواه مسلم في "صحيحه" والبيهقي في "الكبرى" وغيرهما. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن؛ لأن له شواهد، حسن السند؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن عباس. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 8628

(٨) - (١٠٨٦) - بَابُ دُخُولِ الْكَعْبَةِ (١٨) - ٣٠١٢ - (١) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِد، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، حَدَّثَنِي حَسَّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، حَدَّثَنِي نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: دَخَلَ رَسُول اللهِ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ === (٨) - (١٠٨٦) - (باب دخول الكعبة) (١٨) - ٣٠١٢ - (١) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم (الدمشقي) أبو سعيد، لقبه دحيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق). (حدثنا عمر بن عبد الواحد) بن قيس السلمي الدمشقي، ثقة، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (د س ق). (عن الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الأوزاعي الفقيه، ثقة فاضل، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثني حسان بن عطية) المحاربي مولاهم أبو بكر الدمشقي، ثقة فقيه عابد، من الرابعة، مات بعد العشرين ومئة. يروي عنه: (ع). (حدثني نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) ابن عمر: (دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح) وفي

стр. 8629

الْكَعْبَةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَعُثْمَانُ بْنُ شَيْبَةَ فَأَغْلَقُوهَا عَلَيْهِمْ مِنْ دَاخِلٍ، === رواية مسلم: (عام الفتح) وليس محرمًا، وأما في حجة الوداع .. فلم يدخلها؛ لأن دخول البيت ليس من الحج؛ أي: دخل (الكعبة) المشرفة - شرفها الله تعالى بكثرة زوارها - (و) الحال أن (معه) ﷺ (بلالَ) بن رباح المؤذِّن (وعثمان بن شيبة) بن أبي طلحة، وفي رواية مسلم: (ومعه عثمان بن طلحة) بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عبد الدار بن قصي بن كلاب، فالعثمانان ابنا عم، وشيبة وطلحة أخوان، وبنوه يعرفون الآن بالشيبيين؛ نسبة إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده، وله أيضًا صحبة، وفي رواية مسلم زيادة: (أسامة بن زيد) مولى رسول الله ﷺ . ورواية حديث ابن ماجه: (فأَغْلَقُوها) أي: أَغْلَقُوا بابَ الكعبة (عليهم) أي: على أنفسهم (مِن دَاخلٍ) لئلا يَدْخُلَ النَّاسُ عليهم فيزدحموا عليه ﷺ . وفي رواية مسلم: (فأَغْلَقَها عليه) أي: فأَغْلَقَ الكعبةَ مِن داخلِها عثمانُ بن شيبة على النبيِّ ﷺ ؛ لئلَّا يَزْدَحِمَ النَّاسُ عليه. وفي "الموطأ": (فأَغْلَقَاهَا علَيْهِ) والضميرُ يعودُ إلى عثمان وبلال، وفي رواية ابن ماجه: (فأغلقوها عليهم) كما مرَّ، قال الحافظ: والجمع بين هذه الروايات: أن عثمان هو المباشر لذلك؛ لأنه من وظيفته؛ كما في رواية مسلم، ولعلَّ بلالًا ساعَدَه في ذلك؛ كما في رواية "الموطأ". وأما روايةُ ابن ماجه .. فأُدْخِلَتْ فيها الآمرُ؛ وهو النبيُّ ﷺ ، والمباشِرُ؛ وهو عثمان، والرَّاضِي بذلك؛ وهو بلال. وأما الحكمة في إغلاق الباب .. فقال بعض العلماء: يحتمل أن يكون

стр. 8630

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ذلك؛ لئلا يزدحموا عليه ﷺ ؛ لتوفر دواعيهم إلى مراعاة أفعاله ﷺ ؛ ليأخذوها عنه، أو ليكون ذلك أسكن بقلبه، وأجمع لخشوعه. وإنما أدْخَلَ معه عثمانَ؛ لئلا يُظَنَ أنه عُزِلَ من ولايَةِ الكعبة، وبلالًا؛ لملازمتِه خِدْمتَه. وفيه أن الفاضل من الصحابة قد يغيب عن النبي ﷺ في بعض المشاهد الفاضلة ويحضره من هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع عليه الفاضل؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من بلال ومَنْ ذُكِرَ معه .. لم يشاركوهم في ذلك. قال القرطبي: قوله: (فأغلقها) فيه دليل على اختصاص السابق للمنفعة المشتركة بها، ومنعِها مِمن يَخاف تَشْوِيشَهَا عليه. وقال الشافعي: فائدة أمره ﷺ بإغلاقها وجوب الصلاة إلى جدار من جدرها، وأنَّه لو صلى إلى الباب وهو مفتوح .. لم يجزه؛ لأنه لم يستقبل منها بشيء، وأُلْزِمَ مِن مذهبه إبطالُ هذا؛ لأنه يُجِيز الصلاة إلى أرضها لو تهدَّمَتْ مِن الجُدُر لاستقباله أرضها. وقيل: إنما أغلقها دونهم؛ لئلا يتأذى بزحامهم، وقيل: لئلا يُصلَّى بصلاته، فتتخذ الصلاة فيها سنة، ولا يلتفت لقول من قال: إنما فعل ذلك؛ لئلا يستدبر شيئًا من غير البيت؛ كما وقع في زيادة البخاري عن بعض الرواة؛ لأن الباب إذا أغلق .. صار كأنه جدار البيت. انتهى من "المفهم". وفيه استحباب دخول الكعبة، وروى ابن خزيمة والبيهقي من حديث ابن عباس مرفوعًا: "من دخل البيت .. دخل في حسنة، وخرج مغفورًا له"،

стр. 8631

فَلَمَّا خَرَجُوا .. سَأَلْتُ بِلَالًا أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ ؟ فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ صَلَّى عَلَى وَجْهِهِ حِينَ دَخَلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِه، === قال البيهقي: تفرد به عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، ومحل استحبابه: ما لم يؤذ أحدًا بدخوله، قال بعض العلماء: وليجتنب داخله الزحمة والمزاحمة ما أمكن؛ فإن أكثر داخليها في هذا الزمان ربحهم أقل من خسرانهم، وطاعتهم أقل من عصيانهم. قال: قال ابن العربي: الحمد لله الذي أغنانا عن منة الشيبة؛ بإخراج الحجر من الكعبة المشرفة، وقد ثبت عنه ﷺ أنه قال لعائشة حين سألت دخول الكعبة: "صلي فيه؛ فإنه منها". قال الحافظ: وروى ابن أبي شيبة من قول ابن عباس: (إن دخول البيت ليس من مناسك الحج في شيء)، وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخول البيت من مناسك الحج، ورده: بأن النبي ﷺ إنما دخله عام الفتح، ولم يكن حينئذ محرمًا. انتهى من "فتح الملهم". وفي رواية مسلم زيادة: (ثم مكث) النبي ﷺ مع من معه (فيها) أي: في جوف الكعبة (قال) ابن عمر؛ كما في مسلم: (فلما خرجوا) أي: خرج النبي ﷺ مع من معه من البيت .. (سألت بلالًا) بن رباح حين خرج (أين) أي: في أي محل (صلى رسول الله ﷺ ؟ فأخبرني) بلال (أنه) ﷺ (صلى على وجهه) أي: صلى متوجهًا إلى جهته التي توجه إليها (حين دخل) الكعبة وكانت صلاته (بين) أعمدة السطر الأول الثلاثة، فجعل (العمودين) منها (عن يمينه) والعمود الآخر منها عن يساره، وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة؛ ثلاثة سطر، وثلاثة سطر، فصلى بين أعمدة السطر الأول، فجعل عمودين منها

стр. 8632

ثُمَّ لُمْتُ نَفْسِي أَلَّا أَكُونَ سَأَلْتُهُ كَمْ صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ . (١٩) - ٣٠١٣ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، === عن يمينه، وعمودًا على يساره، وجعل ثلاثة أعمدة من السطر الأخير وراءه. وفي رواية لمسلم: جعل عمودين عن يساره، وعمودًا عن يمينه، وجزم البيهقي بترجيح الرواية الأولى. (ثم) بعد زمان قال ابن عمر: (لمت نفسي) من اللوم على (ألا أكونَ سألته) أي: سألت بلالًا (كم صلى رسول الله ﷺ في البيت يومئذ؛ أي: كم من الركعات صلى فيه؟ أي: في البيت؛ هل صلى ركعتين أم أكثر؟ وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في مواضع؛ منها: كتاب الصلاة، باب الأبواب والغلق للكعبة والمساجد، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاج وغيره، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الصلاة في الكعبة، والنسائي في كتاب الصلاة، باب الصلاة في الكعبة. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال: (١٩) - ٣٠١٣ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي. (حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي.

стр. 8633

حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِك، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيِّبُ النَّفْس، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ وَهُوَ حَزِينٌ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي وَأَنْتَ قَرِيرُ الْعَيْن، وَرَجَعْتَ وَأَنْتَ حَزِينٌ! فَقَالَ: "إِنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ === (حدثنا إسماعيل بن عبد الملك) بن أبي الصفير - بالمهملة والفاء مصغرًا - صدوق كثير الوهم، من السادسة. يروي عنه: (د ت ق). (عن) عبد الله بن عبيد الله (ابن أبي مليكة) - مصغرًا - ابن عبد الله بن جدعان، واسم أبي مليكة زهير التيمي المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة (١١٧ هـ). يروي عنه: (ع)، أدرك ثلاثين من الصحابة. (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قالت) عائشة: (خرج النبي ﷺ من عندي وهو) أي: والحال أنه ﷺ (قرير العين) كناية عن السرور والفرح، قال في "النهاية": وفي حديث الاستسقاء: "لو رآك .. لقرت عيناه" أي: لسر بذلك وفرح؛ وحقيقته: أبرد الله دمعة عينيه؛ لأن دمعة الفرح والسرور باردة. وقيل: معنى: "أقر الله عينك": بلَّغك أمنيتك حتى ترضى نفسك وتسكن عينك، فلا تستشرف إلى غيره. انتهى. (طيب النفس) أي: منشرح النفس فرحانها منبسطها، وهو بمعنى ما قبله (ثم رجع إلي وهو) أي: والحال أنه (حزين) منكسر القلب (فقلت) له: (يا رسول الله) أنت (خرجت من عندي وأنت قرير العين) أي: مبسوط النفس منشرحها (ورجعْتَ وأنت حزين) أي: اسْتَفْسَرْتُ عن وَجْهِ حُزْنِه (فقال) لي في جواب سؤالي: (إني دخلت الكعبة ووددت) أي: أحببت بعدما دخلت

стр. 8634

أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْتُ؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْتُ أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي". === وتمنيت (أني لم أكن فعلت) دخولها، وإنما وددت عدم دخولها؛ لـ (أني أخاف) وأخشى (أن أكون أتعبتُ أمتي) بدخول الكعبة (من بعدي) أي: من بعد وفاتي. قال السندي: قوله: "أتعبت أمتي" أي: فعلت ما صار سببًا لوقوعهم في المشقة والتعب؛ لقصدهم الأتباع لي في دخولهم الكعبة، وذاك لا يتيسر لغالبهم إلا بتعب. انتهى منه. ولفظ رواية أبي داوود: (ولو استقبلت من أمري ما استدبرت .. ما دخلتها؛ إني أخاف أن أكون قد شققت على أمتي). قال الشوكاني في "النيل": في هذا الحديث دليل على أن النبي ﷺ دخل الكعبة في غير عام الفتح؛ لأن عائشة لم تكن معه فيه، إنما كانت معه في غيره، وقد جزم جمع من أهل العلم أنه لم يدخل فيه إلا عام الفتح، وهذا الحديث يرد عليهم، وقد تقرر أن النبي ﷺ لم يدخل البيت في عمرته، فتعين أن يكون دخله في حجته، وبذلك جزم البيهقي. وقد أجاب البعض عن هذا الحديث: بأنه يحتمل أن يكون النبي ﷺ قد قال ذلك لعائشة بالمدينة بعد رجوعه من غزوة الفتح، وهو بعيد جدًّا. وفيه أيضًا دليل على أن دخول الكعبة ليس من مناسك الحج، وهو مذهب الجمهور، وحكى القرطبي عن بعض العلماء أن دخولها من المناسك، وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن دخولها مستحب، ويدل على ذلك ما أخرج ابن خزيمة والبيهقي من حديث ابن عباس: "من دخل الكعبة .. دخل في

стр. 8635

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حسنة، وخرج مغفورًا له"، وفي إسناده: عبد الله بن المؤمل، وهو ضعيف، ومحل استحبابه: ما لم يؤذ أحدًا بدخوله. انتهى. قلت: ويدل على استحبابه: حديث ابن عمر المذكور قبل هذا الحديث. انتهى. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الحجر، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في دخول الكعبة، وأحمد في "المسند"، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله. ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 8636

(٩) - (١٠٨٧) - بَابُ الْبَيْتُوتَةِ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنىً (٢٠) - ٣٠١٤ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ أَيَّامَ مِنى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ === (٩) - (١٠٨٧) - (باب البيتوتة بمكة ليالي منىً) (٢٠) - ٣٠١٤ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) ابن عمر: (استأذن العباس بن عبد المطلب) عَمُّ رسولِ الله ﷺ رضي الله تعالى عنه (رسولَ الله ﷺ أي: طلب الإذن من رسول الله ﷺ والترخيصَ له في (أن يبيت بمكة أيام منى) أي: ليالي وجوب المبيت بمنىً فيها؛ وهي ليلة الحادي عشر والليلتان بعدها (من أجل سقايته) متعلق بيبيت؛ أي: طلب الإذن منه في البيتوتة بمكة؛ لأجل استعداد ما يَسْقِيهِ الحُجَّاج من ماء زمزم؛ أي: لأجل

стр. 8637

فَأَذِنَ لَهُ. === استعداد سقايته التي بالمسجد الحرام، المملوءةِ من ماء زمزم، والمندوبِ الشربِ منها عقبَ طواف الإفاضة وغيره، إذا لم يتيسَّر الشربُ من البئر؛ لشدةِ الزحام (فأذن له) رسول الله ﷺ في البيتوتة بمكة في أيام التشريق الثلاثة. وفيه استئذانُ الأمراء والكبراءِ فِيمَا يطرأُ من المصالحِ والأَحْكام، ومبادرةُ من استُؤمر إلى الإذن عند ظهور المصلحة. وقوله: (من أجلِ سقايتِه) وهي الآنَ بِرْكَةٌ، وكانَت أولًا حياضًا في يَدِ قُصَيٍّ، ثم منه لابنِه عبد مناف، ثم منه لابنِه هاشم، ثم منه لابنِه عبد المطلب، ثم منه لابنِه العباس، ثم منه لابنِه عبد الله، ثم منه لابنِه علي، وهكذا إلى الآن، لكن لهن نُوَّابٌ يقومون بها، قالوا: وهي لآل عباسٍ أَبَدًا. وقال الأزرقي: كان عبد مناف يحمل الماء في الروايا والقِرَبِ إلى مكة، ويَسْكُبُه في حياض من آدم بفناء الكعبة للحُجاج، ثم فعله بعده ابنه هاشم، ثم منه عبد المطلب، فلما حفر زمزم .. كان يشتري الزبيب فينبذه في ماء زمزم، ويسقي الناس. انتهى منه. قوله: (فأذن له) قال القاري: قال بعض علمائنا: يجوز لمن هو مشغول بالاستقاء من سقاية العباس لأجل الناس أن يترك المبيت بمنىً ليالي منىً ويبيت بمكة، ولمن له عذر شديد أيضًا. انتهى. فأشار إلى أنه لا يجوز ترك السنة إلا بعذر، ومع العذر ترتفع عنه الإساءة، وأما عند الشافعي .. فيجب المبيت في أكثر الليل، ومن الأعذار: الخوف على نفس أو مال أو ضياع مريض، أو حصول مرض له يشق معه المبيت مشقةً لا تحتمل. انتهى.

стр. 8638

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال الحافظ: وجزم الجمهور بإلحاق رِعاء الإبل خاصةً بأصحاب السقاية في الترخيص. قال الزرقاني: لكنهم لم يجزموا بذلك بالإلحاق، إنما هو بالنص الذي رواه مالك وأصحاب السنن الأربع، وقال الترمذي: حسن صحيح، عن عاصم بن عدي أن رسول الله ﷺ أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة بمنىً؛ يرمون يوم النحر، ثم يرمون لغد ولما بعد الغد رمي يومين في ثاني التشريق، ثم يرمون رمي يوم النفر الكبير، وفي لفظ لأبي داوود: أن النبي ﷺ رخص للرعاء أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا، وهو قول أحمد واختيار ابن المنذر. انتهى. والمعروف عن أحمد اختصاص العباس بذلك، وعليه اقتصر صاحب "المغني"، قالوا: ومن ترك المبيت بغير عذر .. وجب عليه دم عن كل ليلة. وقال الشافعي: عن كل ليلة إطعام مسكين، وقيل عنه: التصدق بدرهم، وعن الثلاث: دم، وهي رواية عن أحمد، والمشهور عنه وعن الحنفية: لا شيء عليه. انتهى "فتح الملهم". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، بابٌ يَبِيتُ أصحابُ السقاية أو غيرُهم بمكة ليالي منىً، ومسلم في كتاب الحج، باب وجوبِ المبيت بمنىً ليالي أيام التشريق والترخيصِ في تركه لأهل السقاية، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب يبيت بمنىً ليالي منىً، والدارمي في كتاب المناسك، باب في من يبيت بمكة ليالي منى من علة، وأحمد.

стр. 8639

(٢١) - ٣٠١٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ === فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال (٢١) - ٣٠١٥ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق). (وهناد بن السري) بن مصعب التميمي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضَّرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن إسماعيل بن مسلم) المكي أبي إسحاق، كان من البصرة، ثم سكن مكة، وكان فقيهًا متفقًا على ضعفه في الحديث، من الخامسة. يروي عنه: (ت ق). (عن عطاء) بن أبي رباح أسلم المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه (ع). (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إسماعيل بن مسلم، وهو متفق على ضعفه.

стр. 8640

قَالَ: لَمْ يُرَخِّصِ النَّبِيُّ ﷺ لِأَحَدٍ يَبِيتُ بِمَكَّةَ إِلَّا لِلْعَبَّاسِ مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ. === (قال) ابن عباس: (لم يرخص النبي ﷺ ولم يأذن (لأحد) من الناس أن (يبيت بمكة) ليالي منىً (إلا للعباس) بن عبد المطلب والدي؛ رخص له النبي ﷺ في المبيت بمكة فيها (من أجل السقاية) التي يسقيها الحاج في أيام التشريق. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ابن عمر المذكور قبله، رواه الشيخان وأبو داوود وابن ماجه. فدرجته: أنه صحيح المتن بما قبله، ضعيف السند؛ لما تقدم، وغرضه: الاستشهاد به. قال القرطبي: وفي هذا الحديث من الفقه: ما يدل على أن سقاية الحاج ولاية ثابتة لولد العباس، لا ينازعون فيها. وقال بعض أهل العلم: وفيه إشارة إلى أن الخلافة تكون في ولد العباس، وأنَّه لا ينبغي أن ينازعوا فيها، وأن ذلك يدوم لهم. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى على متأمل، ومشروعية هذه السقاية من باب إكرام الضيف واصطناع المعروف. انتهى من "المفهم". ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد. والله أعلم

стр. 8641

(١٠) - (١٠٨٨) - بَابُ نُزُولِ الْمُحَصَّبِ (٢٢) - ٣٠١٦ - (١) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ وَعَبْدَةُ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، === (١٠) - (١٠٨٨) - (باب نزول المحصب) (٢٢) - ٣٠١٦ - (١) (حدثنا هناد بن السري) بن مصعب التميمي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا) يحيى (بن) زكريا بن (أبي زائدة) خالد بن ميمون، أو هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني - بسكون الميم - الوادعي أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (ع). (وعبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، قيل: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (ووكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). (وأبو معاوية) محمد بن خازم الضَّرير الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (ح وحدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه (ق).

стр. 8642

حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاث كُلُّهُمْ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ نُزُولَ الْأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ؛ === (حدثنا وكيع وأبو معاوية ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص بن غياث) بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي القاضي، ثقة فقيه تغير حفظه قليلًا في الآخر، من الثامنة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). والضمير في (كلهم) راجع إلى ما قبل حاء التحويل، وإلى الشيخ الأخير من السند الأخير؛ أي: روى كل من المشايخ المذكورين (عن هشام بن عروة) بن الزبير، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها. وهذه الأسانيد كلُّها من خماسياته، وحكمها: الصحة؛ لأن رجالها كلهم ثقات أثبات. (قالت) عائشة: (إن نزول الأبطح) أي: نزول الحجاج الأبطح بعد خروجهم من منىً يوم النفر الثاني؛ وهو اليوم الثالث من أيام التشريق (ليس) ذلك النزول فيه (بسنة) من سنن الحج، فعله وتركه سواء، بل فرغوا من أعمال الحج برمي يوم النفر الثاني؛ والأبطح: هو البطحاء التي بين مكة ومنى، والأبطح والبطحاء والمحصب والحصبة كل منها اسم لشيء واحد، وكذا خيف بني كنانة. وقد أجمع أهل العلم على أن النزول فيه مستحب ليس من المناسك التي

стр. 8643

إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ؛ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. === تلزم، وإنما فيه اقتداء بالنبي ﷺ وعلى هذا؛ فقول عائشة ليس نزول الأبطح بسنة، وقول ابن عباس: ليس التحصيب بشيء .. إنما يعنيان: أنه ليس من المناسك التي يلزم بتركها دم ولا غيره. قالت عائشة: (إنما نزله) أي: إنما نزل المحصب (رسول الله ﷺ ؛ ليكون) نزوله فيه (أسمح) وأسهل (لخروجه) من مكة إلى المدينة إذا أراد الخروج راجعًا إلى المدينة، وتوجهه إليها؛ ليستوي في ذلك البطيء والمعتدل، ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة. وقال الطيبي: لأنه كان يترك فيه ثقله ومتاعه؛ أي: كان نزوله بالأبطح؛ ليترك ثقله ومتاعه هناك، ويدخل مكة فيكون خروجه منها إلى المدينة أسهل. قال القاري: وفيه أنه لا ينافيه قصد النزول به للمعنى الذي نواه من تذكر نعمه سبحانه عليه عند مقايسة نزوله به الآن إلى حاله قبل ذلك؛ أعني: حال انحصاره من الكفار في ذات الله تعالى، وهذا أمر يرجع إلى معنى العبادة، ثم هذه النعمة التي شملته من النصر والاقتدار على إقامة التوحيد، وتقرير قواعد الوضع الإلهي الذي دعا الله تعالى إليه عباده؛ لينتفعوا به في دنياهم ومعادهم .. لا شك في أنها النعمة العظمى على أمته؛ لأنهم مظاهر بالمقصود من ذلك المؤيد، وكل واحد منهم جدير بتفكرها والشكر عليها، فكان سنةً في حقهم، ولهذا حصب الخلفاء الراشدون فيه. كذا في "شرح المشكاة". وشارك المؤلف في حديث أبي بكر بن أبي شيبة: مسلم؛ أخرجه في كتاب الحج، باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة.

стр. 8644

(٢٣) - ٣٠١٧ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ رُزَيْقٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ === وباقي الإسناد انفرد به ابن ماجه، فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة أسانيده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال: (٢٣) - ٣٠١٧ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا معاوية بن هشام) القصار أبو الحسن الكوفي مولى بني أسد، صدوق له أوهام، من صغار التاسعة، مات سنة أربع ومئتين (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن عمار بن رزيق) - بتقديم الراء مصغرًا - الضبي أو التميمي أبي الأحوص الكوفي، لا بأس به، من الثامنة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ). يروي عنه: (م د س ق). (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة مدلس، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن إبراهيم) بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي، ثقة فقيه إلا أنه يرسل كثيرًا، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع). (عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمرو الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين (٧٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.

стр. 8645

قَالَتِ: ادَّلَجَ النَّبِيُّ ﷺ لَيْلَةَ النَّفْرِ مِنَ الْبَطْحَاءِ ادِّلَاجًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا الْحَدِيثُ غَرِيبٌ لَمْ يَرْوِه إِلَّا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ. (٢٤) - ٣٠١٨ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، === وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قالت) عائشة: (ادلج) - بتشديد الدال - من الادتلاج؛ لأنه من افتعل الخماسي قلبت التاء دالًا، ثم أدغمت في الدال؛ وهو السير آخر الليل، وبلا تشديد؛ من أدلج الرباعي؛ وهو السير أول الليل، وخروجه من البطحاء كان في آخر الليل، فتعين التشديد، والله أعلم. انتهى "سندي". أي: سار (النبي ﷺ ليلة النفر) وهو ليلة أربع عشرة (من البطحاء) إلى مكة للتوديع، وقوله: (ادلاجًا) مصدر مؤكد لعامله؛ أي: سار سيرًا إلى مكة. (قال أبو عبد الله: هذا الحديث غريب لم يروه إلا عمار بن رزيق). وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة الأول بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٢٤) - ٣٠١٨ - (٣) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة

стр. 8646

أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ. === إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع). (أخبرنا عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع). (عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر) الصديق (وعمر) بن الخطاب الفاروق (وعثمان) بن عفان ذو النورين رضي الله تعالى عنهم أجمعين (ينزلون) إذا نفروا من منى في يوم النفر الأكبر الثالث من التشريق (بالأبطح) أي: في الوادي الذي بين مكة ومنىً، وهو المسمى بالمحصب؛ فموافقة الخلفاء على ذلك يدل على أنهم رأوه من النسك، فبينوا للناس ذلك انتهى "سندي". وقالت الأحناف: التحصب سنة، ويصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة، ثم يدخل مكة للوداع، وهو مفاد ما رواه البخاري عن أنس، ويدل عليه قوله ﷺ : "نحن نَنْزِلُ غدا"، وفي حديث آخر: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة"، وكان نزوله ﷺ قصدًا. وقال ابن عمر: النزول به سنة، فقيل له: إن رجلًا يقول: ليس بسنة، فقال: كذب؛ أناخ به رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان. رواه البخاري ومسلم، وأي سنة أقوى من هذا؟ ! فإن فعله ﷺ قصدًا وفعل الخلفاء من بعده قد ثبت فيه، وكان قول عائشة وابن عباس ظنًّا

стр. 8647

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === منهما، فلا يعارض المرفوع، والمثبت يقدم أيضًا على النافي، وهذا الخلاف في الآفاقي، وأما المكي .. فلا يسن له، بل يعود إلى منزله في مكة مواطنًا كان أو مقيمًا، والله أعلم. انتهى. قوله: (كانوا ينزلون بالأبطح) أي: البطحاء التي بين مكة ومنىً؛ وهي ما انبطح من الوادي واتسع؛ وهي التي يقال لها: المحصب والمعرس، وحدها: ما بين الجبلين إلى المقبرة، قاله الحافظ. وقال النووي: المحصب والحصبة، والأبطح والبطحاء، وخيف بني كنانة: اسم لشيء واحد. انتهى. وقد روي عن ابن عباس ﵄ في هذا أنه قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، وعن عائشة: إنما نزل رسول الله ﷺ الأبطح؛ لأنه كان أسمح لخروجه. قال النووي: فحصل خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه؛ اقتداء برسول الله ﷺ وبالخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه، ويستحب أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل أو كله؛ اقتداءً برسول الله ﷺ . قال الحافظ: ويجمع بين هذا الخلاف بأنه من قال: ليس بسنة؛ كعائشة وابن عباس .. أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء. ومن قال: إنه سنة؛ كابن عمر .. أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب

стр. 8648

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === ما جاء في نزول الأبطح، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر العمري. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث: الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد. والله أعلم

стр. 8649

(١١) - (١٠٨٩) - بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ (٢٥) - ٣٠١٩ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ === (١١) - (١٠٨٩) - (باب طواف الوداع) (٢٥) - ٣٠١٩ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي، ثقة حجة، من الثامنة. يروي عنه: (ع). (عن سليمان) بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن طاووس) بن كيسان اليماني أبي عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع). (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) ابن عباس: (كان الناس) إذا فرغوا من حجهم (ينصرفون) أي: يذهبون من مكة، ويتفرقون في (كل وجه) أي: في كل جهة من الجهات المتفرقة؛ يعني: إلى جهة وطنهم وقصدهم في طرق مختلفة، طائفًا وغير طائف؛ رجوعًا إلى أوطانهم من غير أن يودعوا البيت (فقال رسول الله

стр. 8650

صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ". === ﷺ : لا ينفرن أحد) منكم؛ أي: لا يذهبن أحد منكم النفر الأول ولا النفر الثاني، أو: لا يخرجن أحد منكم من مكة؛ والمراد به: الآفاقي؛ والمراد بالنفر هنا: الإسراع للعود إلى بلادهم (حتى يكون آخر عهده) ولقائه وعمله الطواف (بالبيت) كما في رواية أبي داوود. فظاهر هذا الحديث وجوب طواف الوداع على كل حاج غير مكي، وإليه ذهب أبو حنيفة في أحد قوليه؛ فإذا تركه .. وجب الدم، كذا في "المبارق". ووجوبه على غير المكي؛ كما هو المبين في الفقه على غير الحائض من الآفاقي؛ فإنه خفف عنها؛ كما في الرواية التالية في "مسلم"، وفي "الموطأ": أن عمر بن الخطاب رد رجلًا من مر الظهران لم يكن ودع البيت حتى ودع البيت. انتهى. قال النووي: في هذا الحديث دلالة لوجوب طواف الوداع، وأنَّه إذا تركه .. لزمه دم، وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء؛ منهم: الحسن البصري والحكم بن عتيبة وحَمَّاد والثوريُّ وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور. وقال مالك وداوود ابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان؛ كالمذهبين. انتهى. قال الحافظ: والذي رأيته في "الأوسط" لابن المنذر أنه واجب للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء. قال الشيخ الدهلوي: والسر في إيجاب طواف الوداع: تعظيم البيت؛ بأن يكون هو الأول وهو الآخر؛ تصويرًا لكونه هو المقصود من السفر، وموافقةً لعادتهم في توديع الوفد ملوكهم عند السفر، والله أعلم.
следующие страницы →