أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْزِلُونَ بِالْأَبْطَحِ.
===
إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرنا عبيد الله) بن عمر بن حفص العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (كان رسول الله ﷺ وأبو بكر) الصديق (وعمر) بن الخطاب الفاروق (وعثمان) بن عفان ذو النورين رضي الله تعالى عنهم أجمعين (ينزلون) إذا نفروا من منى في يوم النفر الأكبر الثالث من التشريق (بالأبطح) أي: في الوادي الذي بين مكة ومنىً، وهو المسمى بالمحصب؛ فموافقة الخلفاء على ذلك يدل على أنهم رأوه من النسك، فبينوا للناس ذلك انتهى "سندي".
وقالت الأحناف: التحصب سنة، ويصلي فيه الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ويهجع هجعة، ثم يدخل مكة للوداع، وهو مفاد ما رواه البخاري عن أنس، ويدل عليه قوله ﷺ : "نحن نَنْزِلُ غدا"، وفي حديث آخر: "نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة"، وكان نزوله ﷺ قصدًا.
وقال ابن عمر: النزول به سنة، فقيل له: إن رجلًا يقول: ليس بسنة، فقال: كذب؛ أناخ به رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان. رواه البخاري ومسلم، وأي سنة أقوى من هذا؟ ! فإن فعله ﷺ قصدًا وفعل الخلفاء من بعده قد ثبت فيه، وكان قول عائشة وابن عباس ظنًّا
стр. 8647
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
منهما، فلا يعارض المرفوع، والمثبت يقدم أيضًا على النافي، وهذا الخلاف في الآفاقي، وأما المكي .. فلا يسن له، بل يعود إلى منزله في مكة مواطنًا كان أو مقيمًا، والله أعلم. انتهى.
قوله: (كانوا ينزلون بالأبطح) أي: البطحاء التي بين مكة ومنىً؛ وهي ما انبطح من الوادي واتسع؛ وهي التي يقال لها: المحصب والمعرس، وحدها: ما بين الجبلين إلى المقبرة، قاله الحافظ.
وقال النووي: المحصب والحصبة، والأبطح والبطحاء، وخيف بني كنانة: اسم لشيء واحد. انتهى.
وقد روي عن ابن عباس ﵄ في هذا أنه قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ ، وعن عائشة: إنما نزل رسول الله ﷺ الأبطح؛ لأنه كان أسمح لخروجه.
قال النووي: فحصل خلاف بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين، ومذهب الشافعي ومالك والجمهور استحبابه؛ اقتداء برسول الله ﷺ وبالخلفاء الراشدين وغيرهم، وأجمعوا على أن من تركه لا شيء عليه، ويستحب أن يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويبيت به بعض الليل أو كله؛ اقتداءً برسول الله ﷺ .
قال الحافظ: ويجمع بين هذا الخلاف بأنه من قال: ليس بسنة؛ كعائشة وابن عباس .. أراد أنه ليس من المناسك، فلا يلزم بتركه شيء.
ومن قال: إنه سنة؛ كابن عمر .. أراد دخوله في عموم التأسي بأفعاله ﷺ لا الإلزام بذلك. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج، باب
стр. 8648
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ما جاء في نزول الأبطح، قال أبو عيسى: حديث ابن عمر هذا حديث حسن صحيح غريب، إنما نعرفه من حديث عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر العمري.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8649
(١١) - (١٠٨٩) - بَابُ طَوَافِ الْوَدَاعِ
(٢٥) - ٣٠١٩ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ كُلَّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
===
(١١) - (١٠٨٩) - (باب طواف الوداع)
(٢٥) - ٣٠١٩ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي، ثقة حجة، من الثامنة. يروي عنه: (ع).
(عن سليمان) بن طرخان التيمي أبي المعتمر البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طاووس) بن كيسان اليماني أبي عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، ثقة فقيه فاضل، من الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (كان الناس) إذا فرغوا من حجهم (ينصرفون) أي: يذهبون من مكة، ويتفرقون في (كل وجه) أي: في كل جهة من الجهات المتفرقة؛ يعني: إلى جهة وطنهم وقصدهم في طرق مختلفة، طائفًا وغير طائف؛ رجوعًا إلى أوطانهم من غير أن يودعوا البيت (فقال رسول الله
стр. 8650
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ".
===
ﷺ : لا ينفرن أحد) منكم؛ أي: لا يذهبن أحد منكم النفر الأول ولا النفر الثاني، أو: لا يخرجن أحد منكم من مكة؛ والمراد به: الآفاقي؛ والمراد بالنفر هنا: الإسراع للعود إلى بلادهم (حتى يكون آخر عهده) ولقائه وعمله الطواف (بالبيت) كما في رواية أبي داوود.
فظاهر هذا الحديث وجوب طواف الوداع على كل حاج غير مكي، وإليه ذهب أبو حنيفة في أحد قوليه؛ فإذا تركه .. وجب الدم، كذا في "المبارق".
ووجوبه على غير المكي؛ كما هو المبين في الفقه على غير الحائض من الآفاقي؛ فإنه خفف عنها؛ كما في الرواية التالية في "مسلم"، وفي "الموطأ": أن عمر بن الخطاب رد رجلًا من مر الظهران لم يكن ودع البيت حتى ودع البيت. انتهى.
قال النووي: في هذا الحديث دلالة لوجوب طواف الوداع، وأنَّه إذا تركه .. لزمه دم، وهو الصحيح في مذهبنا، وبه قال أكثر العلماء؛ منهم: الحسن البصري والحكم بن عتيبة وحَمَّاد والثوريُّ وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وقال مالك وداوود ابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه، وعن مجاهد روايتان؛ كالمذهبين. انتهى.
قال الحافظ: والذي رأيته في "الأوسط" لابن المنذر أنه واجب للأمر به، إلا أنه لا يجب بتركه شيء.
قال الشيخ الدهلوي: والسر في إيجاب طواف الوداع: تعظيم البيت؛ بأن يكون هو الأول وهو الآخر؛ تصويرًا لكونه هو المقصود من السفر، وموافقةً لعادتهم في توديع الوفد ملوكهم عند السفر، والله أعلم.
стр. 8651
(٢٦) - ٣٠٢٠ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ،
===
وليس طواف الوداع على من في مكة، وعلى من كان داخل الميقات؛ وهو من كان دون مسافة القصر من مكة؛ لأنهم حاضرو الحرم، وكذا من اتخذ مكة دارًا، ثم بدا له الخروج ليس عليهم طواف الوداع، ذكره في "التحفة".
وفي إثباته على المعتمر حديث ضعيف رواه الترمذي، وفي "البدائع": قال أبو يوسف: أَحَبُّ إليَّ أن يطوف المكي طواف الوداع؛ لأنه وضع لختم أفعال الحج، وهذا المعنى يوجد في أهل مكة. انتهى "فتح الملهم"، انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع، ومسلم في كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب الوداع، والدارمي في كتاب المناسك، باب في طواف الوداع، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٢٦) - ٣٠٢٠ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 8652
حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ طَاوُوسٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ الرَّجُلُ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ.
===
(حدثنا إبراهيم بن يزيد) الخوزي - بضم المعجمة وبالزاي - أبو إسماعيل المكي مولى بني أمية، متروك الحديث، من السابعة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ت ق).
ولكن لا يضر الحديث؛ لأنه تابعه في الرواية عن طاووس بهذا الحديث إبراهيم بن ميسرة الطائفي نزيل مكة، ثقة ثبت حافظ، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن طاووس) بن كيسان اليماني، من الثالثة، مات سنة ست ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إبراهيم بن يزيد، وهو متروك.
(قال) ابن عمر: "نهى رسول الله ﷺ عن (أن ينفر) ويذهب (الرجل) من مكة إلى وطنه (حتى يكون آخر عهده) وعمله الطواف (بالبيت) وقد روي هذا الحديث بلفظ: (حتى يكون آخر عهده الطواف بالبيت) بتصريح لفظ: (الطواف) فيكون النهي للتحريم؛ فيكون الطواف واجبًا، إن تركه .. لزمه دم، والأحناف يجعلون النهي للكراهة؛ فيكون الطواف مستحبّا، إن تركه .. فلا شيء عليه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ابن عباس المذكور قبله، رواه الشيخان وأبو داوود والنسائي وابن ماجه، وله متابع أيضًا.
стр. 8653
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح المتن بغيره، ضعيف السند؛ لما ذكر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8654
(١٢) - (١٠٩٠) - بَابُ الْحَائِضِ تَنْفِرُ قَبْلَ أَنْ تُوَدِّعَ
(٢٧) - ٣٠٢١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ،
===
(١٢) - (١٠٩٠) - (باب الحائض تنفر قبل أن تودع)
(٢٧) - ٣٠٢١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي الكوفي أصلًا المكي نزولًا، ثقة حجة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم ابن شهاب (الزهري) المدني، ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
(ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي المصري عالمها، قرين مالك، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8655
عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ "،
===
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني.
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة ثبت، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(و) عن (عروة) بن الزبير.
كلاهما رويا (عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: يا رسول الله (حاضت صفية بنت حيي) - بضم الحاء وكسرها والضم أشهر - زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها (بعدما أفاضت) أي: بعدما طافت طواف الإفاضة (قالت عائشة: فذكرت) له ﷺ (ذلك) أي: حيضها (لرسول الله ﷺ ، فقال) رسول الله ﷺ : (أحابستنا) أي: هل (هي) مانعتنا من الخروج من مكة والرجوع إلى المدينة بسبب حيضها؛ لأن الحائض لا تطوف، والحج لا يكمل إلا بطواف الإفاضة، وظن النبي ﷺ حين أخبرته عائشة أنها لم تطف طواف الإفاضة.
وفي "فتح الملهم": معنى هذا الكلام: أي: أهي مانعتنا من التوجه من مكة إلى المدينة في الوقت الذي أردنا التوجه فيه؟ ظنًّا منه ﷺ أنها لم تطف طواف الإفاضة، وإنما قال ذلك؛ لأنه كان لا يتركها ويتوجه، ولا يأمرها بالتوجه معه وهي بقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن
стр. 8656
فَقُلْتُ: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضتْ ثُمَّ حَاضتْ بَعْدَ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَلْتَنْفِرْ".
===
يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل الحلَّ الثاني. انتهى.
قالت عائشة: (فقلت) له ﷺ : يا رسول الله؛ كما هو مصرح به في مسلم (إنها) أي: إن صفية (قد أفاضت) أي: طافت طواف الإفاضة قبل أن يأخذها الحيض (ثم حاضت بعد ذلك) أي: بعدما طافت طواف الإفاضة، فـ (قال رسول الله ﷺ : إذًا (فلتنفر) أي: فلترجع معنا وتذهب إلى المدينة.
فيه دليل على سقوط طواف الوداع عن الحائض، وأن طواف الإفاضة ركن لا بد منه، وأنَّه لا يسقط عن الحائض ولا عن غيرها، وأن الحائض تقيم بمكة له حتى تطهر وتطوف به؛ فإن ذهبت إلى وطنها قبل طواف الإفاضة .. بقيت محرمة إلى أن تطوف به. انتهى "فتح الملهم".
قال الأبي: قول عائشة: (إنها قد أفاضت) من فقهها وعلمها أن من أفاض لا توديع عليه، فلذلك ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ . انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب حجة الوداع، ومسلم في كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في المرأة تحيض بعد الصلوات، قال أبو عيسى: حديث عائشة، حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم؛ أن المرأة إذا طافت طواف الزيارة ثم حاضت .. فإنها تنفر، وليس عليها شيء، وهو قول الثوري والشَّافعيّ وأحمد وإسحاق.
стр. 8657
(٢٨) - ٣٠٢٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ صَفِيَّةَ فَقُلْنَا: قَدْ حَاضَتْ، فَقَالَ:
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(٢٨) - ٣٠٢٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي.
(قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم.
(حدثنا الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي.
(عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي.
(عن الأسود) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (ذكر رسول الله ﷺ صفية) بنت حيي؛ أي: سأل عنها حين أراد أن ينفر إلى المدينة؛ أي: سأل عن حالها (فقلنا) له معاشر أزواجه: إنها (قد حاضت، فقال) لها رسول الله ﷺ :
стр. 8658
"عَقْرَى حَلْقَى، مَا أُرَاهَا إِلَّا حَابِسَتَنَا"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّهَا قَدْ طَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: "فَلَا إِذًا، مُرُوهَا فَلْتَنْفِرْ".
===
(عقرى) أي: عقرها الله عقرًا وجرحها جرحًا (حلقى) أي: أصابها الله بداء الحلق، أو حلق شعرها.
قال السندي: قال ذلك على ظن أنها أخرت الإفاضة، وليس هذا لذم الحيض، والله تعالى أعلم (ما أراها) وأظنها (إلا حابستنا) أي: مانعتنا من النفر والسفر إن لم تطف طواف الإفاضة، قالت عائشة: (فقلت) له: (يا رسول الله؛ إنها قد طافت) طواف الإفاضة (يوم النحر) أي: في يوم العيد معنا، فـ (قال) رسول الله ﷺ : (فلا) تحبسنا من السفر (إذًا) أي: إذا طافت طواف الإفاضة؛ لأن طواف الوداع يسقط بالحيض (مروها) أي: مروا صفية أيها الحاضرون عندها بالسفر (فلتنفر) أي: فلتخرج معنا من مكة إلى المدينة راجعة إلى منزلها؛ لأن طواف الوداع سقط عنها بالحيض.
قوله: "عقرى حلقى" قال الطيبي رحمه الله تعالى: هكذا روي على وزن فعلى بلا تنوين، والظاهر: عقرًا وحلقًا بالتنوين؛ أي: عقرها الله عقرًا، وحلقها الله حلقًا؛ يعني: قتلها وجرحها، أو أصاب حلقها وجع، وهذا دعاء لا يراد وقوعه، بل عادة العرب التكلم بمثله على سبيل التلطف، وقيل: صفتان للمرأة؛ يعني: أنها تحلق قومها وتعقرهم؛ أي: تستأصلهم من شؤمها. انتهى.
وقيل: إنهما مصدران؛ والعقر: الجرح والقتل وقطع العصب؛ والحلق: إصابة وجع في الحلق، أو الضرب على الحلق، أو الحلق في شعر الرأس؛ لأنهن يفعلن ذلك عند شدة المصيبة، وحقهما: أن ينونا، لكن أبدل التنوين بالألف؛ إجراء للوصل مجرى الوقف. انتهى.
وفيه أنه لا يساعده رسمهما بالياء، وقيل: إنهما تأنيث فعلان؛ أي: جعلها
стр. 8659
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
عقرى؛ أي: عاقرًا؛ أي: عقيمًا، وحلقى؛ أي: جعلها صاحبة وجع الحلق، وهذا وأمثال ذلك؛ مثل: تربت يداه؛ وثكلته أمه .. بما يقع في كلامهم للدلالة على تهويل الخبر، وأن ما سمعه لا يوافقه، لا للقصد إلى وقوع مدلوله الأصلي، والدلالة على التماسه. انتهى من "فتح الملهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب الإدلاج من المحصب، ومسلم في كتاب الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، وأحمد في "مسنده"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، والبغوي في "شرح السنة".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8660
(١٣) - (١٠٩١) - بَابُ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
(٢٩) - ٣٠٢٣ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
(١٣) - (١٠٩١) - (باب حجة رسول الله ﷺ
قال القرطبي: حديث جابر المذكور في هذا الباب فيه أحكام كثيرة، وأبواب من الفقه غزيرة، وقد استخرجها الأئمة وصنفوها، وعددوها حتى بلغوا بها إلى نيف على مئة وخمسين حكمًا، وإذا تتبِّع .. وُجد فيه أكثرُ من ذلك، لكن أكثرها لا يخفى على فطن، فلنعمد إلى بيان ما يشكل؛ فمن ذلك: سُؤالُ جابر عن القوم حين دخلوا عليه إنما كان ذلك؛ لأنه كان قد عمي، وفعلُ جابر ذلك الفعل بمحمد الباقر إنما كان تأنيسًا له ومبالغة في إكرامه، على ما يفعل بالصغار، وعلى ذلك نبه بقوله: وأنا يومئذ غلام شاب. انتهى من "المفهم".
* * *
واستدل المؤلف على الترجمة بحديث جابر رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٢٩) - ٣٠٢٣ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) السلمي الدمشقي، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا حاتم بن إسماعيل) العبدري مولاهم المدني، كوفي الأصل، صدوق يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو سبع وثمانين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المعروف بالصادق، أبو عبد الله المدني، صدوق فقيه إمام، من
стр. 8661
عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ؛ فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهِ .. سَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْن، فَأَهْوَى بيَدِهِ إِلَى رَأْسِي فَحَلَّ زِرِّي الْأَعْلَى،
===
السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبيه) محمد الباقر ابن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي أبي جعفر المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) محمد بن علي بن الحسين: (دخلنا) ومن معنا؛ أي: أردنا الدخول (على جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري الخزرجي رضي الله تعالى عنه؛ لنسأله عن أحاديث حج رسول الله ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(فلما انتهينا) ووصلنا (إليه) أي: إلى جابر وجلسنا معه .. (سأل) جابر (عن) أسماء (القوم) الداخلين عليه على التَّرتيب (حتى انتهى) ووصل سؤاله (إلي) وإنما سأل عن أسمائهم؛ لأنه إذ ذاك كان أعمى لا يرى شيئًا، وقد عمي في آخر عمره، قال عياض: وفي سؤاله عن أسمائهم اعتناء بالداخلين عليه والسؤال عنهم؛ لينزل كلًّا منهم منزلته. انتهى.
قال محمد: فدار سؤاله عن القوم حتى انتهى سؤاله إلي فسألني عن اسمي، فقال: ما اسمك؟ (فقلت) له: (أنا) أي: اسمي (محمد بن علي بن الحسين) بن أبي طالب (فـ) لما قلت له: أنا محمد بن علي .. (أهوى) أي: مد وبسط جابر (بيده إلى رأسي، فـ) مسح بيده رأسي، ثم جعل يده على صدري و (حل) أي: فك وخلع وأخرج (زري) أي: زر قميصي (الأعلى) أي: الذي تحت الذقن؛ أي: أخرجه من عروته؛ لِيَنْكَشِفَ القميصُ عن صدري
стр. 8662
ثُمَّ حَلَّ زِرِّي الْأَسْفَلَ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٌّ فَقَالَ: مَرْحَبًا بِكَ،
===
(ثم) بعد إخراج الزر الأعلى من عروته (حل) وأخرج (زري الأسفل) من عروته، قال القاضي عياض: فيه إكرام الرجل بنزع ردائه منه. انتهى.
وفيه ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه، وهذا سبب حل جابر بزري محمد بن علي ووضع يده بين ثدييه، قال النووي: وفيه إكرام أهل بيت رسول الله ﷺ ؛ كما فعل جابر بمحمد بن علي، قال السندي: والزر - بكسر الزاي المعجمة وتشديد الراء المهملة -: واحد أزرار القميص، فعل جابر ذلك؛ إظهارًا للمحبة، وإعلامًا بالمودة؛ لأجل بيت النبوة.
(ثم) بعدما حل الزرين الأعلى والأسفل (وضع) جابر (كفه) على صدري (بين ثديي وأنا) أي: والحال أني (يومئذ) أي: يوم إذ وضع كفه على صدري (غلام) أي: ولد (شاب) أي: قوي لم يبلغ من الشباب، وسنه هو ما بين خمسة عشر إلى عشرين.
قال عياض: فيه: تنبيه على أن موجب فعل جابر به ذلك تأنيس له؛ لصغره وشفقة عليه؛ إذ لا يفعل هذا بالرجال الكبار من إدخال اليد في جيوبهم؛ إكبارًا لهم، وفيه أن لمس الغلمان الأجانب على وجه الشفقة ولغير التلذذ جائز، بخلاف شباب الجواري، وحكم لمسهم كالنظر إليهم، وإنما يحرم من لمس الغلمان والنظر إليهم ما كان من ذلك على وجه التلذذ والشهوة. انتهى منه.
(فقال) لي جابر: (مرحبًا بك) أي: أتيت مكانًا رحبًا واسعًا لك، أو رحبنا لك رحبًا ووسعنا لك، وهي كلمة إكرام وترحيب، وفيه استحباب قول الرجل للزائر والضيف ونحوهما: مرحبا بك، (يابن أخي) كما في "مسلم" نداء
стр. 8663
سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ وَهُوَ أَعْمَى، فَجَاءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فَقَامَ فِي نِسَاجةٍ مُلْتَحِفًا بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ .. رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَانِبِهِ عَلَى الْمِشْجَبِ،
===
شفقة؛ أراد به: أخوة الدين لا النسب (سل عما شئت) مما أشكل عليك من أمور الدين.
قال محمد بن علي: (فسألته) أي: سألت جابرًا عن حجة رسول الله ﷺ (وهو) أي: والحال أن جابرًا (أعمى) أي: مكفوف العين (فجاء وقت الصلاة، فقام) جابر للصلاة (في نساجة) - بكسر النون وتخفيف السين المهملة وبالجيم - قال النووي: هذا هو المشهور في ضبطه في نسخ بلادنا وروايتنا لصحيح مسلم وفي "سنن أبي داوود"، ووقع في بعض النسخ: (في ساجة) - بحذف النون - والساجة: هي الطيلسان. انتهى "سندي"، وكلاهما صحيح.
قال في "النهاية": هي ضرب من الملاحف منسوجة؛ كأنها سميت بالمصدر، يقال: نسجت أنسج نسجًا ونساجة؛ أي: فقام إلى الصلاة لابسًا نساجة (ملتحفًا بها) أي: مُتَلَفِّفًا بها؛ كهيئة الصبيان (كما وضعها) أي: كلما وضع طرفيها (على منكبيه) وفي رواية مسلم: (منكبه) بالإفراد .. (رجع طرفاها إليه) أي: سقطا عن منكبيه (من صغرها) أي: من أجل صغر تلك النساجة، وجملة قوله: (ورداؤه إلى جانبه) موضوع (على المشجب) حال من فاعل (فقام في نساجة) أي: فقام للصلاة في نساجة والحال أن رداءه موضوع على المشجب حالة كون ذلك المشجب موضوعًا إلى جانبه، أو المعنى: والحال أن رداءه كائن إلى جانبه حال كونه موضوعًا على المشجب.
стр. 8664
فَصَلَّى بِنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنَا عَنْ حَجَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
والمشجب - بكسر الميم وسكون الشين المعجمة وجيم مفتوحة ثم جاء موحدة -: هو اسم لأعواد مجموعة؛ أي: مربوطة أعلاها بحبل مفرقة أسافلها لتقوم، يوضع عليها الثياب ومتاع البيت.
وعبارة السندي: والمشجب: أعواد يضم رؤوسها، ويفرج بين قوائمها، يوضع عليها الثياب، قال النووي: فيه جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة عليه.
(فصلى بنا) جابر الصلاة، ولم أر من عين تلك الصلاة، وفيه جواز إمامة الأعمى للبصراء، وأن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره.
قال محمد بن علي راوي الحديث عن جابر: (فـ) لما فرغ من الصلاة بنا .. (قلت) له: يا عم (أخبرنا عن) صفة (حجة رسول الله ﷺ وجملة القول مفسرة لقوله سابقًا: (فسألته) فهي معطوفة عليه؛ أي: فقلت في سؤاله: أخبرنا عن حجة رسول الله ﷺ وكيفيتها، والمراد بها: حجة الوداع.
والوداع - بفتح الواو -: اسم مصدر لودَّع توديعًا؛ كسلَّم سلامًا، وكلَّم كلامًا، وقيل: بكسر الواو مصدر قياسي لوَادَع وداعًا وموادعةً، من باب فاعل الرباعي، سمي بذلك: إما لوداعه ﷺ الناس، أو الحرم في تلك الحجة، وهي بفتح الحاء وكسرها.
قال الأبي: وحديث جابر هذا عظيم القدر، قد اشتمل على فوائد كثيرة من الدين، بينها النبي ﷺ عند خروجه من الدنيا وانتقاله إلى ما أعبد الله له من الكرامة، ولم يبق النبي ﷺ بعد حجته هذه إلا قليلًا بعد أن أشرقت الأرض بنوره، وعلت كلمة الإيمان به. انتهى.
стр. 8665
فَقَالَ بِيَدِهِ فَعَقَدَ تِسْعًا وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَاجٌّ،
===
(فـ) لما قلت لجابر: أخبرنا عن حجة رسول الله ﷺ .. (قال) جابر: أي: أشار (بيده) أي: بأصابعه إلى تسع سنوات مدة مكثه ﷺ في المدينة (فعقد) جابر؛ أي: عد بيده (تسعًا) من السنوات، وطريقة هذا العقد: بأن تضم رؤوس الأنامل الثلاث الخنصر والبنصر والوسطى بوسط راحة كفه اليمنى وتضع رأس السبابة في أصل الإبهام، (وقال) جابر في عقده بيده: (إن رسول الله ﷺ مكث) أي: جلس في المدينة (تسع سنين) حالة كونه (لم يحج) فيها؛ يعني: في المدينة، وأما في مكة .. فحج واحدة باتفاق، واختلف في ثانية: هل حجها أم لا؟ انتهى من "المفهم".
وقوله: (مكث) - بضم الكاف وفتحها - أي: لبث في المدينة بعد الهجرة تسعًا، والفاء في قوله: (فأذن) بمعنى (ثم) للتراخي؛ كما في رواية مسلم؛ أي: ثم بعد تسع سنين (أذن) النبي ﷺ (في الناس في) السنة (العاشرة).
وقوله: (أذن) - بفتح الهمزة وتشديد الذال - مبنيًا للفاعل، والفاعل هو النبي ﷺ باعتبار أنه الأمر بالتأذين؛ أي: نادى؛ أي: أمر بالنداء بأن رسول الله حاج في هذه السنة، أو بالتخفيف ومد الهمزة؛ أي: أعلم وأظهر وأشاع في الناس في هذه السنة العاشرة (أن رسول الله ﷺ حاج) أي: مريد الحج وقاصده في هذه السنة؛ ليتأهبوا للحج معه، ويتعلموا المناسك والأحكام، ويشهدوا أقواله وأفعاله ويوصيهم؛ ليبلغ الشاهد الغائب، وتَشِيعَ دعوةُ الإسلام، وتبلغ الرسالة البعيد والقريب.
стр. 8666
فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَيَعْمَلَ بِمِثْلِ عَمَلِه، فَخَرَجَ وَخَرَجْنَا مَعَهُ، فَأَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَة، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ
===
وفيه أنه يستحب للإمام إيذان الناس بالأمور المهمة؛ ليتأهبوا لها، لا سيما في هذه الفريضة الكثيرة الأحكام المفروضة ابتداءً.
(فـ) لما سمعوا حج رسول الله ﷺ .. (قدم المدينة) من أرجائها ونواحيها البعيدة والقريبة (بشر كثير) وجم غفير (كلهم يلتمس) ويقصد ويطلب (أن يأتم) ويقتدي (برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله (ويعمل بمثل عمله) ﷺ في فريضة الحج وغيرها، وهو عطف تفسير لما قبله.
قال القاري: وقد بلغ جملة من حج معه ﷺ من أصحابه في تلك الحجة تسعين ألفًا، وقيل: مئة وثلاثين ألفًا.
(فـ) بعدما اجتمعوا بالمدينة (خرج) رسول الله ﷺ من المدينة قاصدًا الحج (وخرجنا) معاشر الصحابة (معه) ﷺ من المدينة قاصدين الحج، لخمس بقين من ذي القعدة - كما رواه النسائي - بين الظهر والعصر.
وروى الترمذي وابن ماجه عن أنس والطبراني عن ابن عباس أن حجه ﷺ كان على رحل رث يساوي أربعة دراهم.
(فـ) سرنا حتى (أتينا ذا الحليفة) بالتصغير (فـ) لما أتينا ذا الحليفة ..
(ولدت) أي: وضعت (أسماء بنت عميس) - بمهملتين مصغرًا - الخثعمية الصحابية الفاضلة، تزوجها أولًا جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت لكل منهم، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها، ماتت بعد علي رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
стр. 8667
مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ أَصْنَعُ قَالَ: "اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ
===
أي: ولدت (محمد بن أبي بكر) الصديق، وهو من أصغر الصحابة، قتله أصحاب معاوية بمصر سنة ثمان وثلاثين (٣٨ هـ)، (فـ) لما ولدت أسماء .. (أرسلت إلى رسول الله ﷺ أبا بكر، حالة كونها تسأله ﷺ (كيف أصنع) في إحرامي وأنا نفساء؟
قال الزرقاني: والظاهر أنها أرسلت زوجها الصديق، ويدل له رواية "الموطأ": (أن أسماء ولدت محمد بن أبي بكر، فذكر ذلك أبو بكر الصديق لرسول الله ﷺ .
فـ (قال) لها رسول الله ﷺ في جواب سؤالها بواسطة أبي بكر: (اغتسلي) أي: واغسلي عَنْكِ الدمَ، دل على أن الاغتسال للإحرام سنةٌ، كذا ذكره الطيبي، وهو للنظافة لا للطهارة، ولهذا لا ينوبه التيمم، وكذا في الحائض، وقد سبق بيانه في باب مستقل، قال الزرقاني: فيه صحة إحرام النفساء والحائض، وهو مجمع عليه، وصحة اغتسالهما للإحرام وإن كان الدم جاريًا حال الاغتسال، وإنما أمرها بذلك وإن كان اغتسالها لا يصح؛ للتشبه بالطاهرات؛ كما أمر من أكل يوم عاشوراء بإمساك بقية النهار، وقال غيره: للتنبيه على أن الغسل من سنن الإحرام.
(واستثفري) بمثلثة بعد الفوقية (بثوب) أي: اجعلي لنفسك ثفرة؛ كثفرة الدابة؛ لِتمنعَ سيلانَ الدم؛ أَمْرٌ من الاستثفار؛ وهو أن تشد في وسطها شيئًا؛ كالتِكَّة، وتأخذ خرقةً عريضةً تجعلها على محل الدم، وتشد طرفيها من أمامها ومن ورائها في ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفر الدابة - بفتح الفاء - الذي يجعل تحت ذنبها عند الحمل عليها أو الركوب؛ المعنى: اجعلي هناك
стр. 8668
وَأَحْرِمِي"، فَصَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ
===
ما يمنع سيلان الدم؛ تنزهًا أن تظهر النجاسة على صاحب هذه العبادة؛ إذ لا يقدر على أكثر من ذلك، قال النووي: فيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار.
قوله: (وأحرمي) معطوف على (اغتسلي) أي: أحرمي بالنية والتلبية.
(فصلى رسول الله ﷺ ركعتين سنة الإحرام (في المسجد) أي: في مسجد ذي الحليفة، قال ابن العجمي في "منسكه": ينبغي إن كان في الميقات مسجد .. أن يصليهما فيه، ولو صلاهما في غير المسجد .. فلا بأس، ولو أحرم بغير صلاة .. جاز، ولا يصلي في الأوقات المكروهة، وتجزئ المكتوبة عنهما؛ كتحية المسجد.
وقيل: صلي رسول الله ﷺ الظهر، وقد قال ابن القيم: ولم ينقل أنه ﷺ صلي للإحرام ركعتين غير فرض الظهر، كذا في "المرقاة"، وقد سبق الكلام في استحباب ركعتي الإحرام مبسوطًا. انتهى "فتح الملهم".
(ثم) بعدما صلى رسول الله ﷺ سنة الإحرام (ركب) ناقته (القصواء) - بفتح القاف وسكون الصاد وبالمد قال أبو عبيدة: القصواء: المقطوعة الأذن عرضًا، وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي وغيره: إن العضباء والقصواء والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت لرسول الله ﷺ ، والله تعالى أعلم.
(حتى إذا استوت) أي: علت وارتفعت (به) ﷺ (ناقته) المذكورة وظهرت (على البيداء) بالمد؛ أي: على المكان العالي المرتفع قدام
стр. 8669
قَالَ جَابِرٌ: نَظَرْتُ إِلَى مَدِّ بَصَرِي مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ بَيْنَ رَاكِبٍ وَمَاشٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِه مِثْلَ ذَلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذَلِكَ،
===
ذي الحليفة بقربها إلى جهةِ مكة، سميت بيداء؛ لأنها لا بناء فيها ولا أثر.
(قال جابر: نظرت إلى مد بصري) أي: إلى منتهى بصري، فرأيت (من بين يديه) أي: قدامه خلقًا كثيرًا لا يحصون (بين راكب وماشٍ و) رأيت (عن يمينه مثل ذلك) أي: مثل ما رأيته بين يديه (و) رأيت (عن يساره مثل ذلك و) رأيت (من خلفه) أي: ورائه (مثل ذلك) بنصب (مثل) في المواضع الثلاثة على أنه مفعول لمحذوف؛ كما قدرناه، أو لنظرت؛ أي: نظرت عن يمينه قدر مد بصري، ويجوز الرفع على الاستئناف؛ والمراد: أنه حضر معه خلق كثير، وقد قيل: إنهم أربعون ألفًا، كذا في "شرح المواهب".
وقد تقدم ما نقله القاري في عدد الحاضرين معه ﷺ ، والله أعلم.
قال الزرقاني: وفي قوله: (من راكبٍ وماشيى) جواز الحج كذلك، وهو إجماع، وإنما الخلاف في الأفضل.
وقال الجمهور: الركوب أفضل؛ للاقتداء به ﷺ ، ولأنه أعون على القيام بالمناسك، ولأنه أكثر نفقةً، ولتعظيم شعائر الحج بأبهة الركوب؛ أي: بعظمته وهيبته، وفي "المختار": الأُبَّهَة - كسُكَّرة -: العظمة والكبر. انتهى.
وبه قال مالك في المشهور، وهو الأصح عند الشافعية، ورجح طائفة من المذهبين المشي. انتهى "فتح الملهم".
فقالوا: إن المشي أفضل من الركوب؛ لما فيه من المشقة على النفس، ولا خلاف في أن الركوب في عرفة أفضل، واختلفوا في الطواف والسعي، والركوب
стр. 8670
وَرَسُولُ اللهِ ﷺ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، وَعَلَيْهِ يُنْزَلُ الْقُرْآنُ وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، مَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِه، فَأَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ،
===
عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبي ﷺ . انتهى من "المفهم".
قال جابر: (ورسول الله ﷺ بين أظهرنا) أي: في وسطنا (وعليه ينزل القرآن) - بضم أوله - كما في "شرح المواهب" ويجوز فتحه (وهو) ﷺ (يعرف تأويله) أي: تفسيره على الحقيقة؛ ومعناه: الحث على التمسك بما يخبرهم به من فعله في تلك الحجة.
وعبارة القرطبي في "المفهم": يعني: أنه إنما كان يفعل من أفعال الحج بحسب ما ينزل عليه به الوحي، فيفهمه هو ويبينه للناس بفعله، ولذلك قال ﷺ : "خذوا عني مناسككم" رواه مسلم وأبو داوود والنسائي، فقالوا - كما قال جابر -: إذا عمل شيئًا .. اقتدوا به فيه، وعملوه على نحو ما عمل. انتهى من "المفهم".
و(ما عمل به) في الحج (من شيء) من مناسكه .. (عملنا به) اقتداء به ﷺ ، فيه زيادة في الحث على التمسك بما يخبرهم به (فأهل) أي: رفع رسول الله ﷺ صوته (بالتوحيد) يعني: تلبية التوحيد؛ وهي: البيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك) وفيه: إشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية تقوله في تلبيتها من لفظ الشرك من قولهم: (إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك)، وقد سبق ذكر تلبيتهم في باب التلبية.
قوله: (حتى إذا ستوت به ناقته) قال السندي: أي: علت به، أو قامت
стр. 8671
إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ"، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِه،
===
مستويةً على قوائمها؛ والمراد: أنه أهل بعد تمام طلوع البيداء لا في أثناء طلوعها، والبيداء: المفازة؛ وهنا: اسم موضع قريب من مسجد ذي الحليفة.
وجواب إذا الشرطية قوله: (فأهل) والفاء زائدة.
وجملة (قال جابر: نظرت إلى ... ) إلى آخره، معترضة بين (إذا) وجوابها.
قوله: (فأهل بالتوحيد) قيل: بالإفراد؛ وهو غير صحيح، بل المراد بتوحيد الله لا بتلبية أهل الجاهلية المشتملة على الشرك.
وقوله: (لبيك اللهم ... ) إلى آخره، تفسير لما قبله بتقدير: (قال) أي: فأهل بالتوحيد، وقال: لبيك اللهم ... إلى آخر قوله: (إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك). انتهى من "السندي".
(وأهل الناس) الذين معه ﷺ ؛ أي: رفعوا أصواتهم (بهذا) اللفظ (الذي يهلون) أي: يرفعون (به) أصواتهم الآن؛ يعني: التلبية المشهورة بينهم؛ يعني: أنهم لم يلزموا هذه التلبية الخاصة التي لبى بها رسول الله ﷺ ؛ إذ فهموا أنها ليست متعينة؛ فإنه قد ترك ﷺ كل أحد على ما تيسر له من ألفاظها، ومع هذا؛ فلا بد أن يأتي الملبي بما يسمى تلبية لسانًا، ولا يجزئ منها التحميد والتكبير ولا غيرهما عند مالك. انتهى من "المفهم".
وقال عياض: قوله: (بهذا الذي يهلون به) يعني به: من زيادتهم في الثناء على الله تعالى؛ وذلك كزيادة عمر رضي الله تعالى عنه: (لبيك ذا النعماء
стр. 8672
فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ تَلْبِيَتَهُ، قَالَ جَابِرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ
===
والفضل الحسن، لبيك مرهوبًا منك ومرغوبًا إليك)، وكزيادة ابنه: (لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل)، وكقول من قال: (لبيك عدد الرمل والتراب)، وعن أنس رضي الله تعالى عنه: البيك حقًّا، تعبدًا ورقًا).
والمستحب عند العلماء؛ منهم: الشافعي ومالك: أن يأتي بتلبية رسول الله ﷺ ، ثم ليقتصر عليها، إلا أن يزيد ألفاظًا رويت عنه ﷺ ؛ كقوله: "لبيك إله الحق" ونحوها. انتهى ما قال القاضي عياض.
(فلم يرد رسول الله ﷺ أي: لم ينكر (عليهم شيئًا منه) أي: مما أهلوا به من التلبية التي أتوا بها من عندهم ولم ينههم عنه (ولزم رسول الله ﷺ تلبيته) المذكورة في جميع أحواله وأوقاته، إلى أن يشرع في الطواف؛ أي: استمر عليها.
(قال جابر) رضي الله تعالى عنه: (لسنا) نحن معاشر الصحابة (ننوي إلا الحج) أي: ليست نيتنا إلا الحج (لسنا نعرف العمرة) في أشهر الحج ولا نعتقد صحتها فيها؛ كعادة الجاهلية، وهو تأكيد وتقرير لمعنى الحصر في قوله: (لسنا ننوي إلا الحج) أي: لسنا ننوي شيئًا من النيات إلا نية الحج، وكان محتملًا فأكده. انتهى "سندي".
قال القرطبي: هذا الكلام يحتمل أن يخبر به عن حالهم الأول قبل الإحرام؛ فإنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور - كما تقدم - فلما كان عند الإحرام .. بين لهم النبي ﷺ ، فقال: "من أراد أن يهل
стр. 8673
حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ .. اسْتَلَمَ الرُّكْنَ
===
بحج .. فليفعل، ومن أراد أن يهل بعمرة .. فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج وعمرة .. فليفعل"، فارتفع ذلك الوهم الواقع لهم، كما سيأتي هذا إن شاء الله تعالى. انتهى من "المفهم".
قال السندي: قوله: (لسنا ننوي إلا الحج) أي: غالبنا، وإلا .. ففيهم من اعتمر؛ كعائشة على ما جاء في حديث جابر نفسه في حال عائشة، أو قَارَنَ، وذهبنا إلى مكة (حتى إذا أتينا البيت) أي: الكعبة المشرفة (معه) ﷺ في أربع أو خمس خلون من ذي الحجة .. (استلم) النبي ﷺ (الركن) أي: لمس الحجر الأسود بيده وقبله بفيه، وسمى الحجر ركنًا؛ لأنه في الركن. انتهى من "المفهم".
والاستلام: افتعال من السلام بمعنى التحية، وأهل اليمن يسمون الركن بالمحيا؛ لأن الناس يحيونه بالسلام، وقيل: من السلام - بكسر السين - وهي الحجارة، يقال: استلم الحجر؛ إذا لثمه وتناوله.
والمعنى: وضع يديه عليه وقبله مع التكبير والتهليل إن أمكنه ذلك، بلا إيذاء أحد، ولا يستلم بالإشارة من بعيد، وقيل: وضع الجبهة عليه أيضًا.
وفي "المواهب وشرحه" للزرقاني:
واعلم: أن للبيت أربعة أركان:
الأول: له فضيلتان؛ كون الحجر الأسود فيه، وكونه على قواعد إبراهيم ﵇؛ أي: أساس بنائه.
وللثاني: وهو الركن اليماني؛ الثانية فقط، وليس للآخرين شيء منهما.
ولذلك يقبل الأول؛ كما في "الصحيحين" عن ابن عمر أنه ﷺ قبل الحجر الأسود، وفي "البخاري" عن ابن عمر: رأيت رسول الله
стр. 8674
فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ قَامَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ
===
ﷺ يستلمه ويقبله، ويستلم الثاني فقط؛ لما في "الصحيح" عن ابن عمر أنه ﷺ كان لا يستلم إلا الحجر والركن اليماني، ولا يقبل الآخران ولا يستلمان؛ اتباعًا للفعل النبوي؛ لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، هذا مذهب الجمهور؛ كما مر بسط الكلام فيه. انتهى.
(فرمل) رسول الله ﷺ ؛ أي: مشى بسرعة مع تقارب الخطا وهز كتفيه؛ ليري المشركين جلد الصحابة وقوتهم؛ لأنهم قالوا: أضعفتهم حمى يثرب (ثلاثًا) أي: في الأشواط الثلاثة الأول (ومشى) على عادته (أربعًا) أي: في الأربعة الأخيرة، والرمل إنما يستحب في طواف يعقبه سعي، وإلا .. فلا؛ كالاضطباع؛ كما في "البدائع".
وقال النووي: والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في "سنن أبي داوود" و"الترمذي" وغيرهما؛ وهو أن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفًا.
قالوا: وإنما يسن الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل على ما سبق تفصيله، والله أعلم. انتهى.
وفي هذا أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات .. يسن له طواف القدوم، وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبعة أشواط، وفيه أن السنة الرمل في الثلاثة الأول، والمشي على عادته في الأربعة الأخيرة.
(ثم) بعد فراغه من الطواف (قام إلى مقام إبراهيم) ﵇ وذهب إليه، ووصله ماضيًا في زحام؛ أي: توجه إلى مقام إبراهيم.
وفي بعض نسخ "مسلم": (نفذ إلى مقام إبراهيم) - بالنون والفاء والذال - بمعنى: وصل إليه، وفي بعضها: (تقدم إلى مقام إبراهيم) أي: إلى الحجر
стр. 8675
فَقَالَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْت، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا ذَكَرَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : إِنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وَ (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ)،
===
الذي قام عليه إبراهيم عند بناء البيت (فـ) لما وصل إليه .. (قال) أي: قرأ قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (١).
(فجعل) النبي ﷺ (المقام) أي: الحجر (بينه) ﷺ (وبين البيت) مستقبلًا إليه، قال جعفر بن محمد: (فكان أبي) أي: والدي محمد الباقر، الراوي عن جابر (يقول) عندما حدثنا بهذا الحديث: (ولا أعلمه) أي: ولا أعلم جابرًا (إلا ذكره) أي: إلا ذكر ما ذكره من قراءة السورتين (عن النبي ﷺ أي: إلا ذكر كونها من قراءة النبي ﷺ لا من قراءة جابر نفسه، وجملة: (لا أعلمه ... ) معترضة بين المقول وقوله؛ والتقدير: فكان أبي محدثًا عن جابر يقول: (إنه) ﷺ (كان يقرأ في الركعتين) من سنة الطواف: (قل يا أيها الكافرون) في الركعة الأولى بعد الفاتحة (و) يقرأ (قل هو الله أحد) في الركعة الثانية بعد الفاتحة.
ومعنى هذا الكلام: أن جعفر بن محمد روى عن أبيه محمد عن جابر عن النبي ﷺ ، ثم قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر نفسه في صلاة نفسه، بل ذكر عن جابر عن قراءة النبي ﷺ في صلاة هاتين الركعتين، كذا في "شرح مسلم"، وليس هذا شكًّا في ذلك؛ لأن العلم ينافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبي ﷺ .
стр. 8676
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنَ الصَّفَا .. قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾،
===
(ثم) بعد صلاة ركعتين (رجع) النبي ﷺ (إلى البيت) أي: إلى الحجر الأسود، من إطلاق الكل وإرادة الجزء (فاستلم الركن) أي: الحجر؛ أي: استلمه ثانيًا، قال النووي: فيه دلالة - كما قاله الشافعي وغيره من العلماء - على أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام .. أن يعود إلى الحجر الأسود، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب، وإنما هو سنة، لو تركه .. لم يلزمه دم.
وفي "الدر المختار": وعاد إلى الحجر إن أراد السعي، واستلم الحجر، قال ابن عابدين: أفاد أن العود إلى الحجر إنما يستحب لمن أراد السعي بعده، وإلا .. فلا؛ كما في "البحر" وغيره.
(ثم) بعد استلامه الحجر (خرج) من المسجد (من الباب) الذي يخرج (إلى الصفا) أي: من باب بني مخزوم؛ وهو الباب الذي يسمى: باب الصفا، وخروجه ﷺ من هذا الباب؛ لأنه أقرب الأبواب إلى الصفا، لا أنه سنة فيخرج الحاج من أي باب شاء، ذكره الطحطاوي في "حاشية مراقي الفلاح".
(حتى إذا دنا) النبي ﷺ وقرب (من الصفا .. قرأ) قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١).
والصفا جمع صفاة؛ وهو الحجر الأملس؛ والمروة من الحجارة: ما لان وصغر، وهما هنا اسمان لصفحين معلومين، وقيل: سميا بذلك؛ لجلوس الصفي وامرأته عليهما. انتهى من "المفهم" على التلخيص.
стр. 8677
نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِه،
===
(﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾) (١)؛ أي: من أعلام دينه؛ جمع شعيرة؛ وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمور بها في الحج عندها؛ كالوقوف والمبيت والرمي والطواف والسعي، سميت شعيرة؛ لما تستشعر به تلك المواضع من أعمال الحج؛ أي: تعلم، أو لما يستشعر هناك من تعظيم الله تعالى والقيام بوظائفه.
والسعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج والعمرة عند جمهور العلماء ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجبًا.
ثم قال: (نبدأ بما بدأ الله به) بصيغة المتكلم؛ أي: وقال: أبدأ بما بدأ الله به في كتابه؛ يعني: أبتدئ بالصفا؛ لأن الله تعالى بدأ بذكره في كتابه، فالترتيب الذكري له اعتبار في الأمور الشرعية؛ إما وجوبًا أو استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية.
قال السندي: قوله: "نبدأ بما بدأ الله به" يفيد: أن بداية الله تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملًا، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملًا لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر. انتهى.
وقال النووي: في هذا اللفظ أنواع من المناسك؛ منها: أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعي ومالك والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي ﷺ قال: "ابدؤوا بما بدأ الله به" هكذا بصيغة الجمع، ومنها: أنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقي خلاف؛ قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب؛ فلو تركه .. صح سعيه، لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا: لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، والصواب: الأول.
стр. 8678
فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقِيَ عَلَيْه، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ
===
قال أصحابنا: لكن يشترط ألا يترك شيئًا من المسافة بين الصفا والمروة، فيلصق عقبيه بدرج الصفا، وإذا وصل إلى المروة .. ألصق أصابع رجليه بدرجها، وهكذا في المرات السبع يشترط في كل مرة أن يلصق عقبيه بما يبدأ منه وأصابعه بما ينتهي إليه.
(فبدأ بالصفا، فرقي) - بكسر القاف - من باب رضي؛ أي: صعد (عليه) أي: على الصفا (حتى رأى البيت) أي: الكعبة من باب الصفا، وهو باب بني مخزوم؛ كما مر.
واعلم: أن كثيرًا من درجات الصفا دفنت تحت الأرض بارتفاعها، حتى إن من وقف على أول درجة من درجاتها الموجودة .. أمكنه أن يرى البيت، فلا يحتاج إلى الصعود، وما يفعله بعض أهل البدعة والجهلة من الصعود حتى يلتصقوا بالجدار .. فخلاف طريق أهل السنة والجماعة.
واعلم أيضًا: أن الصعود كان في الزمان الأول، أما الآن .. فمن وقف على الدرجة الأولى، بل على أرضها .. يصدق أنه طلع عليها. انتهى من "شرح اللباب".
وفي رواية مسلم زيادة: (فاستقبل القبلة) معطوف على رأى؛ أي: حتى رأى الكعبة فاستقبلها، فيه وضع الظاهر موضع المضمر؛ تنصيصًا على أن البيت قبلة، وتنبيهًا على أن المقصود بالذات هو التوجه إلى القبلة، لا خصوص رؤية البيت، وهو الآن يرى بلا رقي في قدر يسير، وقيل: قدر القامة، وهذا بالنسبة إلى الماشي دون الراكب، كذا في "المرقاة". وهذا حكم الرجال، وأما النساء .. فيقفن أسفلها؛ للبعد عن الرجال، إلا أن يخلو المسعى من الرجال فيكن كالرجال. انتهى من "الأبي".
стр. 8679
فَكَبَّرَ اللهَ وَهَلَّلَهُ وَحَمِدَهُ وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَي كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ
===
(فكبر الله) أي: قال: الله أكبر؛ أي: أقر بكبرياء الله (وهلله) أي: قال: لا إله إلا الله (وحمده) أي: قال: الحمد الله (وقال) وهو تفسير لما ذكر قبله؛ من التكبير والتهليل والحمد؛ أي: قال: (لا إله إلا الله وحده) حال مؤكدة أو مفعول مطلق، ومثله: (لا شريك له). انتهى "سنوسي".
والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا به، لكن معناه مستفاد من هذا القول؛ أي: لأن معنى التكبير: التعظيم؛ وهو حاصل بما ذكر. انتهى منه أيضًا.
(له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنجز وعده) أي: وفى ما وعد لإعلاء كلمته (ونصر عبده) أي: عبده الخاص محمدًا ﷺ على أعدائه نصرًا عزيزًا (وهزم الأحزاب وحده) أي: بدون قتال آدمي.
قال الطيبي: الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ يوم الخندق، وكانت سنة ست، وقيل: سنة خمس، فهزمهم الله تعالى بغير قتال. انتهى.
ويمكن أن يراد بهم: أنواع الكفار الذي غلبوا بالهزيمة والفرار، كذا في "المرقاة" قال بعضهم: وإنما خص من الأذكار ما فيه توحيد وبيان لإنجاز الوعد، ونصره على أعدائه؛ تذكرًا لنعمته، وإظهارًا لبعض معجزاته، وقطعًا لدابر الشرك، وبيانًا أن كل ذلك موضوع تحت قدميه، وإعلانًا لكلمة الله ودينه في مثل ذلك الموضع. انتهى.
(ثم دعا) رسول الله ﷺ (بين) مرات (ذلك) الذكر
стр. 8680
وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ فَمَشَى حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ .. رَمَلَ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا - يَعْنِي: قَدَمَاهُ - مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ،
===
المذكور المكرر ثلاثًا؛ كما صرحه بقوله: (وقال) أي: كرر (مثل هذا) الذكر المذكور (ثلاث مرات) قال بعضهم: (ثم) تقتضي التراخي، وأن يكون الدعاء بعد الذكر، و (بين) تقتضي العدد والتوسط بين الذكر؛ بأن يدعو بعد قوله: "على كل شيء قدير"، ويحتمل أن المعنى: لما فرغ من قوله: "وهزم الأحزاب" .. دعا بما شاء، ثم قال مرة أخرى هذا الذكر، ثم دعا حتى فعل ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا، وقال بعضهم: يكرر ثلاثًا، والدعاء: مرتين، والصواب الأول انتهى "سنوسي".
(ثم) بعدما فرغ من هذا الذكر والدعاء المذكورين (نزل) النبي ﷺ من الصفا ومشى (إلى المروة، فمشى) على عادته (حتى إذا انصبت) - بتشديد الموحدة - من الانصباب؛ وهو مجاز من قولهم: صب الماء فانصب؛ أي: حتى إذا انحدرت وانهبطت (قدماه .. رمل في بطن الوادي) أي: وادي المسعى؛ وهو ما بين الميلين الأخضرين، وفي رواية مسلم: (سعى) أي: رمل وعدا عَدْوًا وأسرع في مشيه؛ قيل: اقتداء بهاجر في سعيها تطلب الماء لولدها. انتهى من "الأبي".
(حتى إذا صعدتا؛ يعني): صعدت وارتفعت (قدماه) من بطن الوادي إلى جهة مروة .. (مشى) على عادته (حتى أتى المروة).
قال النووي: هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض من جميع النسخ، وقال: فيه إسقاط لفظة لا بد منها؛ تقديرها: (حتى إذا انصبت قدماه .. رمل في بطن الوادي) ولا بد منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية مسلم،
стр. 8681
فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا،
===
وكذا ذكر الحميدي في "الجمع بين الصحيحين"، وفي "الموطأ": (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي .. سعى حتى خرج منه) وهو بمعنى رمل، هذا كلام القاضي عياض، وقد وقع في بعض نسخ "صحيح مسلم": (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي .. سعى) كما وقع في "الموطأ" وغيره، وعلى هذه النسخة فلا إِسْقاطَ ولا إِشكالَ؛ كما هو ثابت في نسختنا هذه، والله أعلم.
وفي هذا الحديث: استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع؛ في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع .. أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعي وموافقه، وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان؛ إحداهما: كما ذكر، والثانية: تجب عليه إعادته انتهى "نووي".
وفي "الدر المختار" ناقلًا عن "اللباب": ويستحب أن يكون السعي بين ميلين فوق الرمل دون العدو، وهو في كل شوط؛ أي: بخلاف الرمل في الطواف؛ فإنه مختص بالثلاثة الأول، خلافًا لمن جعله مثله؛ فلو تركه أو هرول في جميع السعي .. فقد أساء، ولا شيء عليه، وإن عجز عنه .. صبر حتى يجد فرجة، وإلا .. تشبه بالساعي في حركته، وإن كان على دابةٍ .. حركها من غير أن يؤذي أحدًا. انتهى منه.
(ففعل) النبي ﷺ (على المروة، كما فعل على الصفا) من الأذكار والدعاء، فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن على الصفا، وهذا متفق عليه.
стр. 8682
فَلَمَّا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ .. قَالَ: "لَوْ أَنِّي أسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً؛
===
(فلما كان آخر طوافه) وتمام سعيه (على المروة) .. رقي عليها، وذكر الله ودعا عليها، فجواب (لما) محذوف؛ كما قدرناه بقولنا: (رقي عليها ... ) إلى آخره.
قال النووي: وفي هذا دلالة لمذهب الشافعي والجمهور: أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع إلى الصفا مرة ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا إلى تمام السبع، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا: يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا.
وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان، قال الطحاوي: يعد الذهاب والعود شوطًا واحدًا، كالطواف؛ فإنه من الحجر إلى الحجر شوط، وتمام كلامه في "الفتح" وغيره.
وقال القاضي عياض: كره الشافعي أن تسمى الأطواف أشواطًا وأدوارًا، إنما يقال: أطواف؛ كما هنا. انتهى "إكمال المعلم".
فلما فرغ من أذكاره ودعائه .. (قال): وفي بعض الرواية إسقاط الفاء في قوله: (فقال) وهي واضحة لا تحتاج إلى تقدير ما قدرناه؛ أي: فلما فرغ من أذكاره ودعائه .. قال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت) أي: لو كنت علمت قبل إحرامي ما علمته بعده من تردد الناس في تحللهم وانتظارهم تحللي .. (لم أسق الهدي) معي (وجعلتها) أي: جعلت حجتي وفسختها (عمرة)، وأتحلل منها بالحلق أو التقصير؛ يعني: لتمتعت من أول الأمر من غير سوق الهدي.
стр. 8683
فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ .. فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ألِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ؟
===
وفي "شرح المواهب": أي: لو عَنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به في أول أمري .. لما سقت الهدي معي؛ أي: لما جعلت عليَّ هديًا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدي، وسوق الهدي منعني من التحلل معكم؛ لأن من لا هدي معه يجوز له فسخه، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتعًا.
(فمن كان منكم) أيها الناس اليس معه هدي .. فليحلل) من إحرامه بالتقصير (وليجعلها) أي: وليجعل حجته (عمرة، فحل الناس كلهم) من إحرامهم بالتقصير (وقصروا) شعورهم بنية التحلل (إلا النبي ﷺ ومن كان معه الهدي، فقام سراقة) بضم السين وراء مخففة وقاف (ابن مالك بن جعشم) - بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة، وفتحها لغة حكاها الجوهري وغيره - الكناني المدلجي الذي ساخت به فرسه في قصة الهجرة، وأسلم يوم الفتح.
(فقال يا رسول الله؛ ألعامنا هذا) أي: هل هذا الفسخ أو التمتع خاص لعامنا هذا الذي نحن فيه الآن (أم) هو باق في المسلمين (لأبد الأبد) أي: إلى أبد مؤبد؟ ولفظ: (الأبد) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان، وإضافته إلى نفسه للتأكيد؛ أي: إلى أبد مؤبد وإلى آخر الدهر؛ والمعنى المراد عند الجمهور: هل التمتع لعامنا هذا؟ وعند أحمد والظاهرية: أي: هل الفسخ لعامنا؟
فعلى الأول: دخلت العمرة في الحج؛ أي: حلت في أشهر الحج، وصحت
стр. 8684
قَالَ: فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابعَهُ فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ - هكَذَا مَرَّتَيْنِ - لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ"،
===
فيه، وعلى الثاني: دخلت نية العمرة في نية الحج؛ بحيث أن من نوى الحج .. صح الفراغ منه بالعمرة. انتهى "سندي".
(قال) جابر: (فشبك) أي: أدخل (رسول الله ﷺ أصابعه) أي: أصابع إحدى يديه (في) أصابع اليد (الأخرى، وقال: دخلت العمرة) أي: أعمالها (في الحج) أي: في أعماله؛ أي: دخلت أعمال العمرة في أعمال الحج دخولأ كائنًا (هكذا مرتين) أي: كائنًا كدخول هذه الأصابع من اليدين بعضها في بعض، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف؛ كما قدرناه.
وقوله: (مرتين) إما معمول لشبك على أنه صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: فشبك أصابعه تشبيكًا مرتين، أو معمول لقال كذلك؛ والتقدير: وشبك أصابعه، وقال: دخلت العمرة في الحج قولًا مرتين.
قال الزرقاني: وإدخال الأصابع بعضها في بعض وتكريرها مرتين؛ إما بالفعل، وإما بالقول .. يستدعي إدخال أحد النسكين في الآخر، ويؤيده حديث ابن عباس: (فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة)، وقال النبي ﷺ في جواب سؤال سراقة: (لا) أي: ليس لعامنا هذا فقط (بل) هو باق (لأبد أبد) أي: إلى الأبد، كرره للتأكيد؛ أي: إلى آخر الدهر؛ والأبد: الدهر.
وفي رواية: (لأبد الأبد) بالإضافة، وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة عند أحمد والظاهرية.
وقال الجمهور: معنى الحديث: جواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة، وأن القصد: إبطال زعم الجاهلية منع ذلك.
стр. 8685
قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ
===
(قال: وقدم علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه من اليمن (ببدن النبي ﷺ لأن النبي ﷺ كان بعثه إليها؛ والبدن - بضم الموحدة وسكون الدال -: جمع بدنة، وأصله الضم؛ كخشب جمع خشبة، وقد قرئ به؛ كما في "تفسير البيضاوي" قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)، والبدنة: هي ما يتقرب بذبحه من الإبل، قال الزرقاني: وظاهر هذه الرواية أن البدن للمصطفى.
وفي "النسائي": قدم علي رضي الله تعالى عنه من اليمن بهدي، وساق ﷺ من المدينة هديًا، فظاهره أن الهدي كان لعلي ﵁، فيحتمل أن عليًّا قدم من اليمن بهدي لنفسه، وهدي للنبي ﷺ ، فذكر كل راوٍ واحدًا منهما. انتهى، وسيأتي الكلام على عدد هذه البدن وتعيين ذابحها قريبًا إن شاء الله تعالى.
(فوجد) علي حين قدم زوجته (فاطمة) رضي الله تعالى عنها بنت رسول الله ﷺ ؛ أي: وجدها (ممن حل) بعمل عمرة؛ أي: وجدها متحللة من إحرامها (و) الحال أنها (لبست ثيابًا صبيغًا) أي: مصبوغًا بصبغ الزينة؛ أي: مصبوغة غير بيض؛ فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث (و) الحال أنها قد (اكتحلت) أي: استعملت الكحل في عينها (فأنكر ذلك) التحلل (عليها) أي: على فاطمة (علي)؛ لظنه أنها تابعة للنبي ﷺ في إحرامه، ورأى النبي ﷺ أنه باق على إحرامه، زاد في رواية أبي داوود: (وقال) علي لفاطمة: (من أمركِ بهذا) التحلل؟