← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، === وكذا ذكر الحميدي في "الجمع بين الصحيحين"، وفي "الموطأ": (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي .. سعى حتى خرج منه) وهو بمعنى رمل، هذا كلام القاضي عياض، وقد وقع في بعض نسخ "صحيح مسلم": (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي .. سعى) كما وقع في "الموطأ" وغيره، وعلى هذه النسخة فلا إِسْقاطَ ولا إِشكالَ؛ كما هو ثابت في نسختنا هذه، والله أعلم. وفي هذا الحديث: استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع؛ في هذا الموضع، والمشي مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع، أو سعى في الجميع .. أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا مذهب الشافعي وموافقه، وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان؛ إحداهما: كما ذكر، والثانية: تجب عليه إعادته انتهى "نووي". وفي "الدر المختار" ناقلًا عن "اللباب": ويستحب أن يكون السعي بين ميلين فوق الرمل دون العدو، وهو في كل شوط؛ أي: بخلاف الرمل في الطواف؛ فإنه مختص بالثلاثة الأول، خلافًا لمن جعله مثله؛ فلو تركه أو هرول في جميع السعي .. فقد أساء، ولا شيء عليه، وإن عجز عنه .. صبر حتى يجد فرجة، وإلا .. تشبه بالساعي في حركته، وإن كان على دابةٍ .. حركها من غير أن يؤذي أحدًا. انتهى منه. (ففعل) النبي ﷺ (على المروة، كما فعل على الصفا) من الأذكار والدعاء، فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل ما يسن على الصفا، وهذا متفق عليه.

стр. 8682

فَلَمَّا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ .. قَالَ: "لَوْ أَنِّي أسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً؛ === (فلما كان آخر طوافه) وتمام سعيه (على المروة) .. رقي عليها، وذكر الله ودعا عليها، فجواب (لما) محذوف؛ كما قدرناه بقولنا: (رقي عليها ... ) إلى آخره. قال النووي: وفي هذا دلالة لمذهب الشافعي والجمهور: أن الذهاب من الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع إلى الصفا مرة ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا إلى تمام السبع، فيكون ابتداء السبع من الصفا، وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا: يحسب الذهاب إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخر السبع في الصفا. وهذا الحديث الصحيح يرد عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان، قال الطحاوي: يعد الذهاب والعود شوطًا واحدًا، كالطواف؛ فإنه من الحجر إلى الحجر شوط، وتمام كلامه في "الفتح" وغيره. وقال القاضي عياض: كره الشافعي أن تسمى الأطواف أشواطًا وأدوارًا، إنما يقال: أطواف؛ كما هنا. انتهى "إكمال المعلم". فلما فرغ من أذكاره ودعائه .. (قال): وفي بعض الرواية إسقاط الفاء في قوله: (فقال) وهي واضحة لا تحتاج إلى تقدير ما قدرناه؛ أي: فلما فرغ من أذكاره ودعائه .. قال: (لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت) أي: لو كنت علمت قبل إحرامي ما علمته بعده من تردد الناس في تحللهم وانتظارهم تحللي .. (لم أسق الهدي) معي (وجعلتها) أي: جعلت حجتي وفسختها (عمرة)، وأتحلل منها بالحلق أو التقصير؛ يعني: لتمتعت من أول الأمر من غير سوق الهدي.

стр. 8683

فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ .. فَلْيَحْلِلْ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ألِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدِ الْأَبَدِ؟ === وفي "شرح المواهب": أي: لو عَنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به في أول أمري .. لما سقت الهدي معي؛ أي: لما جعلت عليَّ هديًا وأشعرته وقلدته وسقته بين يدي، وسوق الهدي منعني من التحلل معكم؛ لأن من لا هدي معه يجوز له فسخه، وهذا صريح في أنه ﷺ لم يكن متمتعًا. (فمن كان منكم) أيها الناس اليس معه هدي .. فليحلل) من إحرامه بالتقصير (وليجعلها) أي: وليجعل حجته (عمرة، فحل الناس كلهم) من إحرامهم بالتقصير (وقصروا) شعورهم بنية التحلل (إلا النبي ﷺ ومن كان معه الهدي، فقام سراقة) بضم السين وراء مخففة وقاف (ابن مالك بن جعشم) - بضم الجيم وسكون العين المهملة وضم الشين المعجمة، وفتحها لغة حكاها الجوهري وغيره - الكناني المدلجي الذي ساخت به فرسه في قصة الهجرة، وأسلم يوم الفتح. (فقال يا رسول الله؛ ألعامنا هذا) أي: هل هذا الفسخ أو التمتع خاص لعامنا هذا الذي نحن فيه الآن (أم) هو باق في المسلمين (لأبد الأبد) أي: إلى أبد مؤبد؟ ولفظ: (الأبد) ظرف مستغرق لما يستقبل من الزمان، وإضافته إلى نفسه للتأكيد؛ أي: إلى أبد مؤبد وإلى آخر الدهر؛ والمعنى المراد عند الجمهور: هل التمتع لعامنا هذا؟ وعند أحمد والظاهرية: أي: هل الفسخ لعامنا؟ فعلى الأول: دخلت العمرة في الحج؛ أي: حلت في أشهر الحج، وصحت

стр. 8684

قَالَ: فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَصَابعَهُ فِي الْأُخْرَى وَقَالَ: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ - هكَذَا مَرَّتَيْنِ - لَا، بَلْ لِأَبَدٍ أَبَدٍ"، === فيه، وعلى الثاني: دخلت نية العمرة في نية الحج؛ بحيث أن من نوى الحج .. صح الفراغ منه بالعمرة. انتهى "سندي". (قال) جابر: (فشبك) أي: أدخل (رسول الله ﷺ أصابعه) أي: أصابع إحدى يديه (في) أصابع اليد (الأخرى، وقال: دخلت العمرة) أي: أعمالها (في الحج) أي: في أعماله؛ أي: دخلت أعمال العمرة في أعمال الحج دخولأ كائنًا (هكذا مرتين) أي: كائنًا كدخول هذه الأصابع من اليدين بعضها في بعض، والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف؛ كما قدرناه. وقوله: (مرتين) إما معمول لشبك على أنه صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: فشبك أصابعه تشبيكًا مرتين، أو معمول لقال كذلك؛ والتقدير: وشبك أصابعه، وقال: دخلت العمرة في الحج قولًا مرتين. قال الزرقاني: وإدخال الأصابع بعضها في بعض وتكريرها مرتين؛ إما بالفعل، وإما بالقول .. يستدعي إدخال أحد النسكين في الآخر، ويؤيده حديث ابن عباس: (فإن العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة)، وقال النبي ﷺ في جواب سؤال سراقة: (لا) أي: ليس لعامنا هذا فقط (بل) هو باق (لأبد أبد) أي: إلى الأبد، كرره للتأكيد؛ أي: إلى آخر الدهر؛ والأبد: الدهر. وفي رواية: (لأبد الأبد) بالإضافة، وهذا معنى فسخ الحج إلى العمرة عند أحمد والظاهرية. وقال الجمهور: معنى الحديث: جواز فعل العمرة في أشهر الحج إلى يوم القيامة، وأن القصد: إبطال زعم الجاهلية منع ذلك.

стр. 8685

قَالَ: وَقَدِمَ عَلِيٌّ بِبُدْنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ فَاطِمَةَ مِمَّنْ حَلَّ وَلَبِسَتْ ثِيابًا صَبِيغًا وَاكْتَحَلَتْ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا عَلِيٌّ === (قال: وقدم علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه من اليمن (ببدن النبي ﷺ لأن النبي ﷺ كان بعثه إليها؛ والبدن - بضم الموحدة وسكون الدال -: جمع بدنة، وأصله الضم؛ كخشب جمع خشبة، وقد قرئ به؛ كما في "تفسير البيضاوي" قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١)، والبدنة: هي ما يتقرب بذبحه من الإبل، قال الزرقاني: وظاهر هذه الرواية أن البدن للمصطفى. وفي "النسائي": قدم علي رضي الله تعالى عنه من اليمن بهدي، وساق ﷺ من المدينة هديًا، فظاهره أن الهدي كان لعلي ﵁، فيحتمل أن عليًّا قدم من اليمن بهدي لنفسه، وهدي للنبي ﷺ ، فذكر كل راوٍ واحدًا منهما. انتهى، وسيأتي الكلام على عدد هذه البدن وتعيين ذابحها قريبًا إن شاء الله تعالى. (فوجد) علي حين قدم زوجته (فاطمة) رضي الله تعالى عنها بنت رسول الله ﷺ ؛ أي: وجدها (ممن حل) بعمل عمرة؛ أي: وجدها متحللة من إحرامها (و) الحال أنها (لبست ثيابًا صبيغًا) أي: مصبوغًا بصبغ الزينة؛ أي: مصبوغة غير بيض؛ فعيل بمعنى مفعول، يستوي فيه المذكر والمؤنث (و) الحال أنها قد (اكتحلت) أي: استعملت الكحل في عينها (فأنكر ذلك) التحلل (عليها) أي: على فاطمة (علي)؛ لظنه أنها تابعة للنبي ﷺ في إحرامه، ورأى النبي ﷺ أنه باق على إحرامه، زاد في رواية أبي داوود: (وقال) علي لفاطمة: (من أمركِ بهذا) التحلل؟

стр. 8686

فَقَالَتْ: أَمَرَنِي أَبِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيٌّ يَقُولُ بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَي رَسُولِ اللهِ ﷺ مُحَرِّشًا عَلَى فَاطِمَةَ فِي الَّذِي صَنَعَتْهُ، مُسْتَفْتِيًا رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي الَّذِي ذَكَرَتْ عَنْهُ === (فقالت) فاطمة لعلي: (أمرني أبي بهذا) التحلل الذي نشأ عنه لُبْسُ الصبيغِ والاكتحالُ لا بهما؛ إذ هما من المباح، وهو غير مأمور به، أو أريد بالأمر: الإباحة. قال جابر بالسند السابق: (فكان علي) رضي الله تعالى عنه (يقول) ويحدث لنا (بالعراق) زمن نزوله بالعراق بالكوفة: (فذهبت) أنا (إلى رسول الله ﷺ حين أنكرتُ على فاطمةَ إحلالها حالة كوني (محرشًا) بصيغة اسم الفاعل؛ من التحريش بمعنى الإغراء؛ أي: مغريًا له ﷺ (على فاطمة في الذي) أي: لأجل الإحلال الذي (صنعته) فاطمة؛ والتحريش: الإغراء؛ وهو في أصله: تهييج بعض البهائم؛ كالكلب على بعض؛ كالصيد؛ كما يفعل بين الجِمَالِ والأثوار والكبالش والدِّيَكةِ وغيرها، قال ابن الأثير: أراد بالتحريش هنا: ذكر ما يُوجب عِتابَه لها. انتهى. وحالة كوني (مستفتيًا) أي: مريدًا لاستفتاء والسؤال لـ (رسول الله ﷺ في الذي ذكرت) وأخبرت فاطمة (عنه) ﷺ ؛ من أنه أمرني بالإحلال. قال الزرقاني: ولم يقنع علي بقولها: (أبي أمرني) وخبر الواحد مقبول؛ لجواز أنه فهم أنه أمرها بالإحلال، ولا يلزم منه لُبْسُ الصَّبْغِ والاكتحالُ؛ لِقُرْبِ زمنِ الإحرام الماضي، والَّذِي تُنْشِئُهُ، أو جوَّز أَمْرَهُ لعموم الصحابة، وأن لها أمرًا يَخُصُّها؛ لأنها بضعة منه ﷺ ؛ فلا تفعل إلا ما يَفْعَلُه، أو فَهِمَ

стр. 8687

وَأَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا فَقَالَ: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ، مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ "، === أنها ليست ممن لم يَسُقِ الهَدْيَ؛ لأن أباها وزوجَها ساقاه، فهي في حكمِ مَنْ سَاقَه. وفيه جواز قول الشخص: (أبي) ولو كان معظمًا، وأنه ليس تنقيصًا له، فيؤخذ منه جواز قول الشريف: (جدي) يريد: النبي ﷺ ، قاله الولي العراقي ملخصًا. (وأنكرت) أنا (ذلك) الذي ذكرت عنه ﷺ (عليها) والجملة الفعلية معطوفة على جملة الصلة؛ أعني: قوله: (ذكرت عنه)، وفي رواية مسلم قال علي: (فأخبرته) ﷺ (أني أنكرت ذلك) الإحلال (عليها) أي على فاطمة (فقال) لي النبي ﷺ : (صدقت) فاطمة فيما أخبرته لك من أمري لها بالإحلال، وقوله ثانيًا: (صدقت) توكيد لفظي لما قبله. ثم قال رسول الله ﷺ لعلي: (ماذا قلت) في إحرامك (حين فرضت الحج) وأوجبته على نفسك بالنية والتلبية؟ قال القرطبي: وسؤال النبي ﷺ لعلي بما أهل به يدل على أنه لم يكن عند علي خبر بما أحرم به النبي ﷺ ، ولم يتقدم له فيه عهد منه، وأن عليًّا رضي الله تعالى عنه هو الذي ابتدأ إحرامه محالًا به على إحرام النبي ﷺ من غير تعيين حج ولا عمرة، وأنه ﷺ أقره على ذلك، فكان ذلك حجةً على جواز الحوالة على إحرام الغير مطلقًا إذا تحقق أنه أحرم ولا بد، وبه قال الشافعي، وأخذ منه جواز الإحرام من غير تعيين، ثم بعد ذلك يعين. انتهى من "المفهم".

стр. 8688

قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ قَالَ: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلُّ"، قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْمَدِينَةِ مِئَةً، ثُمَّ حَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصَّرُوا === (قال) علي: (قلت) لرسول الله ﷺ في جواب سؤاله: يا رسول الله؛ قلت في إحرامي: (اللهم؛ إني أهل) وأحرم (بما أهل به رسولك ﷺ من النسكين إفرادًا أو قرانًا أو تمتعًا، فيه جواز الإحرام بما أحرم به غيره، ويسمى عند الفقهاء الإحرام التشبيهي. (قال) النبي ﷺ لعلي: (فإن معي الهدي) فلا أقدر أن أخرج من الإحرام بعمل العمرة (فلا تحل) أنت أيضًا من إحرامك بعمل العمرة، نهي أو نفي؛ أي: لا تقدر أنت بالخروج من الإحرام بعمل العمرة؛ كما لا أقدر أنا بالخروج منه بذلك؛ فإحرامك كإحرامي، فلا يحل كل منا من إحرامه حتى يفرغ من الحج والعمرة جميعًا؛ وذلك بذبح الهدي يوم النحر. (قال) جابر بسنده السابق: (فكان جماعة الهدي) أي: جملة الهدي (الذي جاء به علي من اليمن، والذي أتى به النبي ﷺ من المدينة: مئة) بدنة. قال جابر: (ثم حل الناس كلهم) أي: معظمهم وأكثرهم، فهو عام أريد به الخصوص؛ لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي (وقصروا) شعورهم، قال الطيبي: وإنما قصروا مع أن الحلق أفضل؛ لكي يبقى لهم بقية من الشعر حتى يحلق في الحج. انتهى. وليكون شعرهم في ميزان حجتهم أيضًا سببًا لزيادة أجرهم، وليكونوا

стр. 8689

إِلَّا النَّبِيَّ ﷺ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وَتَوَجَّهُوا إِلَى مِنىً .. أَهَلُّوا بِالْحَجِّ، === داخلين في المقصرين والمحلقين، جامعين بين العمل بالرخصة والعزيمة، كذا في "المرقاة". (إلا النبي ﷺ ومن كان معه هدي، فلما كان) أي: جاء وحصل (يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي به؛ لأنهم يروون إبلهم فيه؛ استعدادًا للوقوف يوم عرفة؛ إذ لم يكن في عرفات ماء جارٍ كزماننا. انتهى "شرح اللباب"، وقيل: لأن قريشًا كانت تحمل الماء من مكة إلى منىً للحجاج تسقيهم فيروون منه. انتهى من "المفهم". وقال النووي في "مناسكه": يوم التروية: هو الثامن من ذي الحجة، واليوم التاسع منه: يوم عرفة، والعاشر: يوم النحر، والحادي عشر: القَرُّ - بفتح القاف وتشديد الراء - لأنهم يقرون فيه بمنىً، والثاني عشر: يوم النفر الأول، والثالث عشر: يوم النفر الثاني. انتهى منه. (وتوجهوا إلى منىً) أي: قصدوا وأخذوا في الأهبة إلى منىً والاستعداد لها، لا أنهم توجهوا بمشيهم إلى منى، فأحرموا منها؛ فإن ذلك باطل بإجماع العلماء، على أنهم أحرموا من مكة (أهلوا) أي: أحرموا (بالحج) من مكة بعد استعدادهم للخروج إلى منىً، والمستحب عند أكثر العلماء فيمن أحرم من مكة بالحج: أن يكون إحرامه متصلًا بسيره إلى منىً يوم التروية؛ أخذًا بظاهر هذا الحديث. واستحب بعضهم: أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجة؛ ليلحقهم من الشعث إلى وقت الحج ما لحق غيرهم، والقولان عن مالك. انتهى من "المفهم".

стр. 8690

فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَصَلَّى بِمِنىً الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، === (فركب رسول الله ﷺ إلى منىً (فصلى بمنىً لظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) يعني: أنه صلي كل صلاة في وقتها غير مجموعة؛ كما قد توهمه بعضهم ممن لا يعرف. وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا؛ ليعلم الوقت الذي وصل فيه إلى منى والوقت الذي خرج فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك باستحباب دخوله إلى منىً وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين، وقد استحب جميع العلماء الخروج إلى منىً يوم التروية، والمبيت بها ليلة عرفة، والغدو منها إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك والخروج من مكة إلى عرفة ولا دم. انتهى من "المفهم". قال النووي: وفيه ندب التوجه إلى منىً يوم التروية، وكره مالك التقدم إليها قبله، وقال الشافعي: إنه خلاف السنة. وفيه أنه يبيت في هذه الليلة بمنىً؛ وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب؛ فلو تركه .. لا دم عليه بالإجماع. انتهى. وقال بعضهم: والسر في نزول منىً أنها كانت سوقًا عظيمًا من أسواق الجاهلية؛ مثل عكاظ والمجنة وذي المجاز وغيرها. وإنما اصطلحوا عليه؛ لأن الحج يجمع أقوامًا كثيرةً من أقطار متباعدة، ولا أحسن للتجارة ولا أوفق بها من أن يكون موسمها عند هذا الاجتماع؛ لأن مكة تضيق عن تلك الجنود المجندة، فلو لم يصطلح حاضرهم وباديهم، وخاملهم ونَبِيهُهُم على النزول في فضاء مثل منىً .. لحرجوا، وإن اختص بعضهم بالنزول .. لوجدوا في أنفسهم شيئًا من التباغض، ولما جرت العادة بنزولها .. اقتضى ديدن العرب وحميتهم أن يجتهد كل حي في التفاخر والتكاثر وذكر مآثر

стр. 8691

ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، === الآباء، وإراءة جلدهم، وكثرة أعوانهم؛ ليرى ذلك الأقاصي والأداني، ويشتد به الذكر في الأقطار، وكان للإسلام حاجة إلى اجتماع مثله؛ يظهر به شوكة المسلمين وعدتهم؛ ليظهر دين الله تعالى، ويبعد صيته، ويغلب على كل قطر من الأقطار، وأبقاه النبي ﷺ ، وحث عليه وندب إليه، ونسخ التفاخر وذِكْرَ الآباء وأبدله بذكر الله، بمنزلة ما أبقى من ضيافتهم وولائمهم؛ وليمة النكاح وعقيقة المولود؛ لما رأى فيها من فوائد جليلة في تدبير المنازل. انتهى "فتح الملهم". (ثم) بعدما صلى الفجر (مكث) النبي ﷺ ؛ أي: جلس وتأخر زمنًا (قليلًا) في منىً (حتى طلعت الشمس) على ثبير، فيه أن السنة ألا يخرجوا من منىً حتى تطلع الشمس، وهذا متفق عليه. (وأمر) ﷺ بعد طلوع الشمس (بـ) قلع (قبة) وخيمة له في منىً كائنة (من شعر) وهدمها (فضربت) وبنيت (له بنمرة) قبل قدومه؛ والمعنى: أمر بضرب قبة بنمرة قَبْلَ قُدُومِهِ إليها. قال الأبي: لما أراد أن يظهر مخالفة الجاهلية .. أراد أن يظهر ذلك ابتداءً؛ ليتأهبوا لذلك. قال النووي: في هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في جوازه للراكب: فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد وأهل المدينة، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها إن شاء الله تعالى، وفيه أيضًا جواز اتخاذ القباب، وجوازها من شعر. انتهى. و(نمرة) بفتح النون وكسر الميم، هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في

стр. 8692

فَسَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ === نظيرها؛ وهو إسكان الميم مع فتح النون وكسرها؛ وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات، وقال القرطبي: وهو الجبل الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين الخارج من مأزمي منىً إلى الموقف. انتهى. (فسار رسول الله ﷺ أي: ذهب من منىً إلى عرفة والحال أنه (لا تشك قريش) في مخالفته ﷺ إياهم في المناسك (إلا أنه) ﷺ (واقف عند المشعر الحرام) أي: إلا في وقوفه عند المشعر الحرام؛ فإنهم تيقنوا موافقته إياهم في الوقوف عند المشعر الحرام؛ أي: أنهم لا يشكون في أنه ﷺ سيقف عند المشعر الحرام على ما كانت عادتهم من وقوفهم به ويقف سائر الناس بعرفة. قال الأبي: الأظهر أن (لا) زائدة، وجملة (أن) في موضع نصب على إسقاط الخافض. والمعنى: ولا تشك قريش في أنه واقف عند المشعر الحرام؛ لكونه منهم. وقال الطيبي: أي: ولم يشكوا في أنه يخالفهم في المناسك، بل تيقنوا بها، إلا في الوقوف؛ فإنهم جزموا بأن يوافقهم فيه؛ فإن أهل الحرم كانوا يقفون عند المشعر الحرام؛ وهو جبل صغير في وسط مزدلفة، يقال له: قزح - بوزن زفر - وعليه جمهور المفسرين والمحدثين، وقيل: إنه كل المزدلفة، وهو بفتح العين، وقيل: بكسرها، ذكره النووي رحمه الله تعالى. وقال السنوسي: ويحتمل أن يكون الاستثناء من محذوف؛ تقديره: ولا تشك قريش في أنه ﷺ يخالفهم في جميع المناسك، إلا الوقوف

стр. 8693

أَوِ الْمُزْدَلِفَةِ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّة، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ === عند المشعر الحرام؛ فإنهم تحققوا أنه لا يخالفهم فيه، وما قاله موافق لما قلناه في حلنا ولما قاله الطيبي، ولكن ما قاله الأبي أظهر وأوضح. أي: ولا تشك قريش أنه واقف عند المشعر الحرام (أو) في سائر (المزدلفة؛ كلما كانت قريش) أي: موافقًا لما كانت قريش (تصنعـ) ـه (في الجاهلية) فإنهم يقفون عند المشعر الحرام، بدل وقوف الناس بعرفة، ويقولون: نحن أهل الحرم لا نخرج منه إلى الحل، وكان هذا من جملة ما ابتدعت وغيرت من شريعة إبراهيم ﵇ وسننه في الحج. انتهى من "المفهم". وقد يتوهم أنه ﷺ كان يوافقهم قبل البعثة، وليس كذلك؛ لما جاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنه كان يقف مع عامة الناس قبل النبوة أيضًا. انتهى "فتح الملهم". (فأجاز رسول الله ﷺ أي: جاوز المزدلفة ولم يقف بها، بل توجه إلى عرفات على خلاف ظنهم؛ فإنهم ظنوا وقوفه ﷺ بالمزدلفة مثلهم؛ لكونه قرشيًّا (حتى أتى عرفة) أي: حتى قارب عرفات؛ بقرينة حكاية نزوله ﷺ في قبة له في نمرة؛ حيث قال: (فوجد) ﷺ (القبة) والخيمة؛ أي: فلما قارب ﷺ عرفة .. وجد القبة (قد ضربت) وبنيت (له) ﷺ (بنمرة، فنزل بها) أي: بثمرة، وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر جميعًا خلاف السنة (حتى إذا زاغت) وزالت (الشمس) عن كبد السماء ومالت من جانب

стр. 8694

أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَرَكِبَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ === المشرق إلى جانب المغرب ففاء الفيء. انتهى "قاموس". وحتى غاية للنزول (أمر) رسول الله ﷺ (بـ) شد الرحل وربطه على (القصواء) ليذهب إلى عرفة بعد جمع الصلاتين (فرحلت) القصواء (له) ﷺ ؛ أي: لركوبه إياها؛ أي: وضع عليها الرحل؛ والقصواء: ناقته ﷺ ، وقد تقدم ذكرها؛ وهو بضم الراء على بنائه للمجهول مخففًا؛ أي: شد عليها الرحل لركوب النبي ﷺ (فركبـ) ـها (حتى أتى) النبي ﷺ (بطن الوادي) أي: بطن عرنة - بضم العين وفتح الراء المهملتين بعدهما نون - قال القاري: موضع متسع جامع بعرفات يسمى عرنة، وليست من عرفات عند الشافعي والعلماء كافة إلا مالكًا؛ فإنه قال: هي من عرفات، ومنها بعض مسجد إبراهيم الموجود الآن، واختلف فيمن أحدثه؛ والصحيح: أنه منسوب لإبراهيم الخليل ﵇ باعتبار أنه أول من اتخذه مصلىً. انتهى، وقيل: غير ذلك. (فخطب) النبي ﷺ (الناس) ووعظهم في عرنة قبل الصلاة، قال الزرقاني: فيه أنه يستحب للإمام أن يخطب يوم عرفة في هذا الموضع، وبه قال الجمهور والمدنيون والمغاربة من المالكية، وهو المشهور. قال النووي: ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة؛ إحداها: يوم السابع من ذي الحجة؛ يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية: هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات، والثالثة: يوم النحر بمنىً، والرابعة: يوم النفر الأول؛ وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قال أصحابنا: وكل هذه الخطب أفراد، وبعد صلاة الظهر إلا التي في يوم عرفات؛ فإنها خطبتان، وقبل الصلاة،

стр. 8695

فَقَالَ: "إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ؛ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا وَإِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ تَحْتَ قَدَمَيَّ === قال أصحابنا: ويعلمهم في كل خطبة من هذه الخطب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى، والله أعلم. انتهى كلام النووي. وعند الحنفية: في الحج ثلاث خطب؛ أولها وثانيها: ما ذكره النووي، وثالثها: بمنًى في اليوم الحادي عشر، فيفصل بين كل خطبتين بيوم، وكلها سنة. (فقال) ﷺ في خطبته تلك: (إن) سفك (دمائكم و) أخذ (أموالكم) بغير حق، والكلام على حذف مضاف في الأول "إذ الذوات لا توصف بتحريم ولا تحليل. وزاد في بعض الطرق: (وأعراضكم) جمع عرض، وقد تقدم بسط الكلام على كل من الثلاثة (عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا) يعني: يوم عرفة (في شهركم هذا) يعني: ذا الحجة (في بلدكم هذا) يعني: مكة. وإنما شبه حرمة الدم والعرض والمال بحرمة اليوم والشهر والبلد؛ لأن حرمة البلد والشهر واليوم كان ثابتًا عندهم، مقررًا في نفوسهم، بخلاف الأنفس والأموال والعرض؛ لأنهم كانوا يستبيحونها، فطرأ الشرع عليهم بأن تحريم دم المسلم وماله وعرضه أعظم من تحريم البلد والشهر واليوم. (ألا) - بفتح الهمزة والتخفيف للتنبيه - أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم أيها المسلمون (و) ذلك القول: (إن كل شيء من أمر الجاهلية) أي: إن كل أمر من الأمور الجاهلية؛ أي: من الأمور التي أحدثتها الجاهلية والشرائع التي كانوا شرعوها في الحج وغيره؛ كتسييب السوائب وأكل الدم والميتة .. (موضوع تحت قدمي) - بالتشديد - على صيغة التثنية، مثنى قدم؛ أي: تحت

стр. 8696

هَاتَيْنِ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَة، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ كَانَ مُسْتَرْضَعًا === قدمي (هاتين) أي: مردود وباطل حتى صار كالشيء الموضوع تحت القدمين؛ أي: لا اعتبار له؛ لأني قد أبطلته، أي: لا مؤاخذة بما فعله في الجاهلية ولا قصاص ولا دية ولا كفارة بما وقع في الجاهلية من القتل، ولا يؤخذ الزائد على رأس المال بما وقع في الجاهلية من عقد الربا (ودماء الجاهلية) أي: دماء أريقت في الجاهلية ظلمًا وعدوانًا (موضوعة) أي: مهدرة متروكة لا قصاص فيها ولا دية ولا كفارة. قال القاري: أعادها مع دخولها فيما قبلها؛ للاهتمام بها، أو ليبني عليه ما بعده من الكلام، وقال الولي العراقي: يمكن أنه من عطف الخاص؛ لاندراج دمائها في أمرها، ويمكن أنه لا يندرج؛ لحمل أمورها على ما ابتدعوه وشرعوه من عند أنفسهم بلا سابقية له، وإيجاب القصاص على القاتل ليس مما ابتدعوه، وإنما أريد قطع النزاع بإبطال ذلك؛ لأن منها ما هو حق، ومنها ما هو باطل، ومنها ما يثبت ومنها ما لا يثبت. انتهى. (وأول دم أضعه)؛ أي: أهدره وأبطله من دمائنا يا معشر الإسلام أو يا أهل بيتي؛ أي: إن أول دم أبدأ بإهداره من الدماء التي يستحقها المسلمون .. (دم) إياس (بن ربيعة بن الحارث) بن عبد المطلب ابن ابن عم رسول الله ﷺ . وفي النسخ: (دم ربيعة بن الحارث)، وهو تصحيف ووهم من بعض الرواة؛ لأن ربيعة عاش حتى توفي زمن عمر بن الخطاب سنة ثلاث وعشرين، وأوله أبو عبيد بأنه نسب الدم إلى ربيعة؛ لأنه ولي دم ابنه إياس؛ كما سبق بسط الكلام في هذه المسألة. (كان) إياس بن ربيعة (مسترضعًا) - بفتح الضاد المعجمة وكسرها على

стр. 8697

فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبَانَا رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، === صيغتي اسم الفاعل واسم المفعول؛ أي: كان لهذا الابنِ ظئر ترضعه (في) نساء (بني سعد، فقتلته هذيل) - مصغرًا - ظاهره أنها تعمدت قتله، وذكر الزبير بن بكار أنه كان صغيرًا يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبين ليث بن بكر، كذا ذكره عياض والنووي وغيرهما ساكتين عليه، وهو مناف لقوله: "قتلته هذيل" لأنهم غير بني ليث؛ إذ هذيل هو ابن مدركة بن إلياس بن مضر، وليث هو ابن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة؛ كما بينه أبو عبيد القاسم بن سلام في "أنسابه". انتهى كذا في "شرح المواهب"، والله أعلم. (وربا الجاهلية) أي: الزائد على رأس المال .. (موضوع) أي: متروك لا يؤخذ بعد اليوم دون رأس المال، قال الولي العراقي: ولا شك أن عطف هذا على أمر الجاهلية من عطف الخاص على العام؛ لأنه من إحداثاتهم الفاسدة. (وأول ربًا أضعه) وأُبْطِلهُ، وهو مبتدأ، خبره (ربانا) أهل البيت، وقوله: (ربا العباس بن عبد المطلب) بدل منه، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو ربا العباس (فإنه) أي: فإن ربا العباس، أو ربانا أهل البيت (موضوع) أي: متروك أخذه مهدر، يحتمل عود ضمير (إنه) إلى ربا العباس تأكيدًا لوضعه، ويحتمل عوده لجميع الربا؛ أي: ربا العباس موضوع؛ لأن الربا (كله) موضوع، وإنما بدأ في وضع ربا الجاهلية باهل بيته؛ ليكون أمكن في قلوب السامعين، وأسدَّ لأبواب الطمع في الترخيص. قال القرطبي: والربا لغةً: الزيادة والكثرة، ثم إنهم كانت لهم بيوعات يسمونها بيع الربا؛ منها: أنهم كانوا إذا حل الدين .. يقول الغريم لرب

стр. 8698

فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ؛ === الدين: أنظرني وأزيدك، فينظره إلى وقت آخر على زيادةٍ مقررةٍ، فإذا حل ذلك الوقت الآخر .. قال له أيضًا كذالك، فربما يؤدي ذلك إلى استئصال مال الغريم في نزرٍ يسيرٍ كان أخذه أول مرة، فأبطل الله سبحانه ذلك وحرمه، وتوعد عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (١)، وبلغ ذلك رسول الله ﷺ قرآنًا وسنةً. ووعظ الناس وذكرهم بذلك في ذلك الموطن؛ مبالغةً في التبليغ، وبدأ رسول الله ﷺ بربا العباس؛ لخصوصيته بالنبي ﷺ ؛ ليقتدي الناس به قولًا وفعلًا، فيضعون عن غرمائهم ما كان من ذلك. انتهى من "المفهم". (فاتقوا الله) تعالى؛ أي: خافوا عقوبة الله تعالى (في) ترك القيام بحقوق (النساء) والأزواج ومصالحهن الدينية والدنيوية. قال الطيبي: هو عطف من حيث المعنى على (دمائكم وأموالكم) أي: فاتقوا الله في استباحة الدماء ونهب الأموال وفي النساء، وهو من عطف الإنشاء على الخبر بالتأويل؛ كما عطف ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٢) على قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ (٣). وقال العراقي: يحتمل أن تكون الفاء زائدة، لأنه في رواية بدونها، أو أنها للسببية؛ لأنه لما قرر إبطال أمر الجاهلية، وكان من جملتها منع النساء من

стр. 8699

فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ الله، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، === حقوقهن، وترك إنصافهن .. أمرهم بمتابعة الشرع في إنصافهن، فكأنه قيل: فبسبب إبطال أمر الجاهلية اتقوا الله في النساء وأنصفوهن. قال النووي: وفيه الحث على مراعاة حقوق النساء والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث صحيحة كثيرة في الوصية بهن، وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك، وقد جمعتها أو معظمها في "رياض الصالحين" انتهى "نووي". (فإنكم) أيها الرجالط (أخذتموهن) أي: أمسكتموهن في عصمتكم (بأمانة الله) تعالى؛ أي: بعهد الله تعالى؛ وهو ما عهد إليهم من الرفق بهن. انتهى "أبي"، وفي بعض النسخ: (بأمانة الله)، قال الزرقاني: أي: بأن الله ائتمنكم عليهن، فيجب حفظ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها والقيام بمصالحها الدينية والدنيوية. وفي كثير من أصول "مسلم": (بأمان الله) بلا هاء؛ كما قال النووي، وهو يقوي أن في قوله: "أخذتموهن" دلالة على أنها كالأسيرة المحبوسة تحت زوجها، وله التصرف فيها، والسلطنة عليها، ويوافقه قوله في رواية أخرى: "فإنهن عوان عندكم" جمع عانية؛ وهي الأسيرة، لكنها ليست أسيرةً خائفةً كغيرها، بل هي أسيرة آمنة. (واستحللتم فروجهن) والاستمتاع بهن (بكلمة الله) تعالى التي أنزلها في كتابه بقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (١)؛ أو بكلمة الله المشتملة على الإيجاب والقبول؛ أي: استحللتم بالصيغة التي ينعقد بها النكاح من إيجاب وقبول، وقيل: كلمة الله: عبارة عن حكمه تعالى بحلية النكاح وجوازه وبيان

стр. 8700

وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلَّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ؛ === شروطه؛ فإن حكم الله كلامه المتوجه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير، والأول هو الصحيح. قال الأبي: والمعنى: أن استحلالكم فروجهن، وكونهن تحت أيديكم إنما كان بعهد الله وحكمه؛ فإن نقضتم عهد الله، وأبطلتم حكمه .. انتقم منكم. انتهى. (وإن لكم) أيها الأزواج (عليهن) على سبيل الوجوب؛ أي: ولما ذكر رسول الله ﷺ استحلال الزوج بكلمة الله، وعلم منه تأكيد الصحبة والرابطة بين الزوجين .. انتقل إلى بيان ما على كل واحد منهما من الحقوق، وبدأ بحق الأزواج؛ لأنهم المخاطبون، فقال: ولكم أيها الأزواج من الحقوق عليهن؛ أي: على زوجاتكم (ألا يوطئن فرشكم) أي: ألا يجلسن على فرشكم (أحدًا تكرهونه) أي: ألا يدخلن أحدًا تكرهون دخوله في بيوتكم، سواء كرهتم ذاته أم لا. وعبر بفرشكم؛ لأن الداخل يطأ المنزل الذي يدخل فيه؛ أي: إنه ليس للزوجة أن تمكِّن أحدًا ولو امرأة أو محرمًا لها من دخول بيت زوجها، إلا إذا علمت عدم كراهية زوجها لذلك، هكذا حمله القرطبي والنووي على العموم. وعبارة القرطبي هنا: معنى هذا الكلام: لا يدخلن منازلكم أحدًا ممن تكرهونه، ويدخل في ذلك الرجال والنساء الأقرباء والأجانب. انتهى من "المفهم". وقال ابن الملك: يعني: ألا تأذن أحدًا ممن تكرهون دخوله عليهن. وليس وطء الفراش كناية عن الزنا؛ لأنه حرام مع كل أحد تكرهونه أم لا،

стр. 8701

فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ .. فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوف، === ولأنه لو كان المراد ذلك .. لكان عقوبتهن الرجم دون الضرب، مع أنه ﷺ قال: "فإن فعلن ذلك .. فاضربوهن ... " إلى آخره. وقال المازري: قيل: المراد: النهي عن الخلوة بالرجال لا عن الزنا؛ لأن الزنا يوجب الحد، وهو حرام مع من يحب ومع من يكره. قال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث الرجال مع النساء، وليس عندهم في ذلك عيب ولا ريبة، حتى نزلت آية الحجاب، فنهوا عن ذلك. قال النووي: والمختار أن معناه: أنه لا يحل للزوجة أن تأذن لأحد بدخول داره لا رجل ولا امرأةٍ ذات محرم منها إلا أن تظن أن الزوج لا يكره ذلك منها؛ فإن شكت في أنه يكرهه .. لم تأذن؛ لأن الأصل المنع حتى تظن. انتهى. (فإن فعلن) الأزواج (ذلك) الإيطاء المذكور بدون رضاكم، بلفظ صريح أو بقرائن .. (فاضربوهن ضربًا غير مبرح) - بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء المشددة آخره حاء مهملة - من البرح - بفتح الباء وسكون الراء - وهو المشقة الشديدة؛ أي: غير شديدٍ ولا شاقٍّ، أو غير جارح لحم، ولا كاسر عظم، والأول أحسن؛ لأنه ليس بالحد، وإنما هو تأديب، وفيه إباحة تأديب الرجل زوجته، فإِن ضَربَها الضربَ المأذون فيه، فماتت منه .. وجبت ديتها على عاقلة الضارب، ووجبت الكفارة في ماله. انتهى "نووي". (ولهن) أي: وللزوجات (عليكم) أيها الأزواج (رزقهن) أي: قوتهن من المأكول والمشروب وما يتبعه من الإدام ونحوه، وفي معناه سكناهن (و) عليكم أيضًا (كسوتهن بالمعروف) عادةً؛ أي: على قدر كفايتهن دون سرف ولا تقتير، أو باعتبار حالكم فقرًا ويسرًا.

стр. 8702

وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللهِ === وعبارة القرطبي: أي: بما يعرف من حاله وحالها، وهو حجة لمالك؛ حيث قال: إن النفقات على الزوجات غير مقدرات، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهن. انتهى من "المفهم". (و) لـ (قد تركت فيكم) أيتها الأمة (ما) أي: أصلًا وحجةً (لن تضلوا) بعده أي: معه أو بعد التمسك به (إن اعتصمتم) وتمسكتم (به) أي: بذلك الأصل وعملتم به؛ أو المعنى: لن تضلوا بعد تركي إياه فيكم، وفي هذا التركيب إبهام وتوضيح بعده؛ وذلك لبيان أن هذا الشيء الذي تركه فيهم شيء جليل عظيم فيه جميع المنافع الدينية والدنيوية، ثم لما حصل من هذا التشوف التام للسامع، وتوجه إلى استماع ما يرد بعده، واشتاقت نفسه إلى معرفته .. بينه بقوله: (كتاب الله) العزيز؛ يعني: القرآن الكريم، بالنصب بدل من مفعول (تركت) جزم به العراقي نظرًا إلى أنه الرواية، وإلا .. فيجوز رفعه على أنه خبر لمحذوف؛ أي: وهو كتاب الله تعالى. ولم يذكر السنة مع أن بعض الأحكام يستفاد منها؛ لاندراجها تحته؛ فإن الكتاب هو المبين للكل؛ بعضها بواسطة، وبعضها بلا واسطة، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٢)، كذا في "شرح المواهب"، قال القاري: وإنما اقتصر على الكتاب؛ لأنه مشتمل على العمل بالسنة؛ لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (٣).

стр. 8703

وَأَنْتُمْ مَسْؤُولُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ "، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ إِلَى السَّمَاءِ === وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، فيلزم من العمل بالكتاب العمل بالسنة، وفيه إيماء إلى أن الأصل الأصيل هو الكتاب. (وأنتم) أيتها الأمة (مسؤولون عني) يوم القيامة، قال الطيبي: عطف على مقدر؛ أي: قد بلغت ما أرسلت به إليكم جميعًا غير تارك لشيء مما بعثت به (وأنتم تسألون عني) يوم القيامة؛ هل بلغكم؟ فبأي شيء تجيبون؟ دل على هذا المحذوف (الفاء) في قوله: (فما أنتم قائلون) في جواب ذلك السؤال؟ أي: إذا كان الأمر هكذا .. فبأي شيء تجيبونه؟ (قالوا) أي: قال الحاضرون عنده: إذا سئلنا .. نقول: (نشهد أنك قد بلغت (الرسالة (وأديت) الأمانة (ونصحت) الأمة. وقال العراقي: تسألون عني في يوم القيامة، أو في البرزخ، فما أنتم قائلون حين سؤالكم؟ على الأظهر، أو الآن في جوابي، ويترتب عليهما قولهم: (نشهد) أي: في القيامة، أو الآن، قال: وحَذْفُ المعمول في الثلاثة يدل على تبليغ جميع ما أمر به، ونصحه لجميع الناس الموجودين والذين يوجدون إلى يوم القيامة. انتهى. (فقال) رسول الله ﷺ ؛ أي: أشار (بإصبعه السبابة) وهي التي تلي الإبهام، وتسمى بالمسبحة (إلى السماء) وإلى الناس، حالة كونه يرفعها إلى السماء؛ أي: رافعًا إياها إلى السماء، فالحال من فاعل (قال)، أو حالة كونها مرفوعة إلى السماء، فالحال من السبابة.

стр. 8704

وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ؛ اشْهَد، اللَّهُمَّ؛ اشْهَدْ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، === قال القرطبي: والإشارة إما إلى السماء؛ لأنها قبلة الدعاء، وإما لعلوِّ الله المعنويِّ؛ لأن الله تعالى لا يحويه مكان ولا يختصُّ بجهة. (وينكتها إلى الناس) أي: وحالة كونه يرفعها إلى السماء أولًا، ثم ينكتها؛ أي: يقلبها ويوجهها إلى الناس؛ إشارةً إلى إشهاد الله على شهادتهم بالتبليغ. قوله: (وينكتها إلى الناس) أيضًا - بفتح التحتية وسكون النون وضم الكاف بعدها فوقية - قال عياض: كذا في رواية مسلم، وهو بعيد المعنى؛ لأنه من نكت الأرض بعود؛ إذا ضربها به، قيل: صوابه: (ينكبها) - بموحدة في آخره بدل التاء - من نكب كنانته؛ إذا قلبها، ومعناه: يقلبها ويرددها ويوجهها إلى الناس مشيرًا إليهم. انتهى "ع". قائلًا بلسانه: (اللهم؛ اشهد) أي: على عبادك بأنهم قد أقروا بأني قد بلغت إليهم؛ والمعنى: اللهم؛ اشهد أنت؛ إذ كفى بك شهيدًا، وقوله: (اللهم؛ اشهد) ثانيًا تأكيد للأول؛ لأنه كرره (ثلاث مرات). وفي "شرح المواهب" للزرقاني: فإن قيل: ليس في هذه الخطبة شيء من المناسك فيرد على قول الفقهاء: (يعلمهم الخطيب ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى) .. أجيب بأنه ﷺ اكتفى بفعله المناسك عن بيانه بالقول؛ لأنه أوضح، واعتنى بما أهمه في الخطبة التي قالها، والخطباء بعد ليست أفعالهم قدوةً، ولا الناس يعتنون بمشاهدتها ونقلها، فاستحب لهم البيان بالقول. وفيه حجة للمالكيَّةِ وغيرِهم أنَّ خطبة عرفة فردةٌ؛ إذ ليس فيه أنه خَطَبَ خطبتين، وما روي في بعض الطرق أنه خطب خطبتين .. فضعيف؛ كما قاله

стр. 8705

ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، === البيهقي وغيره. انتهى، وقد تكلم عليه الشوكاني في "شرح المنتقى"، فراجعه. (ثم) بعد فراغه من الخطبة (أَذَّن بلال) رضي الله تعالى عنه (ثم أقام) بلال للصلاة (فصلى) رسول الله ﷺ (الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل) النبي ﷺ (بينهما) أي: بين الظهر والعصر (شيئًا) من النوافل ولا غيرها؛ أي: جمع بينهما في وقت الظهر، وهذا الجمع كجمع مزدلفة؛ جمع نسك عند الأحناف ومالك والأوزاعي، وجمع سفر عند الشافعي، خلافًا لبعض أصحابه. قال النووي: في الحديث أنه يشرع الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه. واختلفوا في سببه: فقيل: بسبب النسك، وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب الشافعي: هو بسبب السفر، فمن كان حاضرًا أو مسافرًا دون مرحلتين؛ كأهل مكة .. لم يجز له الجمع؛ كما لا يجوز له القصر. وفيه أن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولى أولًا، وأنه يؤذن للأولى، وأنه يقيم لكل واحدة منهما، وأنه لا يفرق بينهما، وهذا كله متفق عليه عندنا. انتهى منه، وفي "الدر المختار": وبعد الخطبة صلى الظهر والعصر بأذان وإقامتين، قال ابن عابدين: قوله: بأذان؛ أي: واحد؛ لأنه للإعلام بدخول الوقت، وهو واحد. وقوله: (وإقامتين) أي: يقيم للظهر ثم يصليها، ثم يقيم للعصر فيصليها؛ لأن الإقامة لبيان الشروع في الصلاة، بخلاف الجمع في مزدلفة؛

стр. 8706

ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، === لأن الصلاة الثانية هناك تؤدى في وقتها، فتستغني عن تجديد الإعلام، أما الثانية هنا .. ففي غير وقتها، فتحتاج إلى إقامة أخرى؛ للإعلام بالشروع فيها. وإنما جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء في مزدلفة؛ لأن للناس يومئذ اجتماعًا لم يعهد في غير هذا الموطن، والجماعة الواحدة مطلوبة، ولا بد من إقامتها في مثل هذا الجمع؛ ليراه من هنالك، ولا يتيسر اجتماعهم في وقتين، وأيضًا فلأن للناس اشتغالًا بالذكر والدعاء، وهما وظيفة هذا اليوم، ورعاية الأوقات وظيفة جميع السنة، وإنما يرجح في مثل هذا الشيء البديع النادر، فيقدم رعايته. (ثم) بعدما فرغ من الصلاتين (ركب رسول الله ﷺ ناقته القصواء (حتى أتى الموقف) أي: أرض عرفات، واللام فيه للعهد الذهني؛ والمراد: موقفه الخاص. قال بعضهم: والحكمة في الوقوف بعرفة أن اجتماع المسلمين في زمان واحد ومكان واحد راغبين في رحمة الله تعالى داعين له متضرعين إليه .. له تأثير عظيم في نزول البركات، وانتشار الروحانية، ولذلك كان الشيطان يومئذ أدحر وأحقر ما يكون. وأيضًا فاجتماعهم ذلك تحقيق لمعنى العرضة، وخصوص هذا اليوم وهذا المكان متوارث عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على ما يذكر في الأخبار عن آدم فمن بعده، والأخذ بما جرت به سنة السلف الصالح أصل أصيل في باب التوقيت. انتهى "فتح الملهم". وقيل: إن إبراهيم ﵇ حين أمر بالتأذين بالحج .. وقف على جبل الرحمة فنادى عليه، فلذلك اجتمعوا هناك؛ تلبيةً لندائه، والله أعلم.

стр. 8707

فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ إِلَى الصَّخَرَات، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، === (فجعل) رسول الله ﷺ (بطن ناقته) القصواء موجهًا (إلى الصخرات) الكبار المفروشة تحت جبل الرحمة محاذيًا لها؛ وهو الجبل الذي في وسط أرض عرفات. والصخرات - بفتحتين -: الأحجار الكبار؛ أي: المفروشات في أسفل جبل الرحمة. (وجعل حبل المشاة) أي: طريق المشاة ومجتمعهم (بين يديه) أي: قدامه. فالمعنى: أنه جعل الطريق التي يسلكها المشاة بين يديه. انتهى "أبي"، والحبل - بفتح الحاء المهملة وسكون الموحدة وبلام في آخره - هو في اللغة: ما طال من الرمل، وقيل: الضخم منه، والمشاة - جمع ماشٍ - ففيه تشبيههم بالرمل المجتمع؛ والمراد: جعل صف المشاة ومجتمعهم بين يديه. (واستقبل القبلة) فيستحب استقبالها في الوقوف بعرفة للاتباع (فلم يزل) رسول الله ﷺ ؛ أي: لم يبرح (واقفًا حتى غربت الشمس) قال القاري: أي: حتى غرب أكثرها أو كادت أن تغرب. وقوله: (وذهبت الصفرة قليلًا) أي: ذهابًا قليلًا، معطوف على (غربت). وقوله: (حتى غاب القرص) أي: قرص الشمس وجرمها كلها، بدل من قوله: (حتى غربت الشمس) أي: لم يزل واقفًا حتى غاب القرص كله وذهب بعض الصفرة، هذا ما ظهر للفهم السقيم، ويؤيده قول القاري: (حتى غاب القرص) أي: جميعه.

стр. 8708

وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ خَلْفَهُ، فَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ الْقَصْوَاءَ بِالزِّمَامِ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ === وقول النووي: وهذا بيان لقوله: (غربت الشمس) فإن هذه تطلق مجازًا على مغيب معظم القرص، فأزال ذلك الاحتمال بقوله: (حتى غاب القرص) كله، والله أعلم. (وأردف) رسول الله ﷺ أي: أركب (أسامة بن زيد) بن حارثة، حبه ومولاه رضي الله تعالى عنه (خلفه) أي: وراءه على ناقته القصواء (فدفع رسول الله ﷺ كذلك؛ أي: ذهب من عرفة إلى مزدلفة (و) الحال أنه (قد شنق) - بفتح الشين المعجمة والنون الخفيفة فقاف - يقال: شنقت البعير شنقًا؛ من باب قتل؛ إذا كففته ورفعت رأسه بزمامه وأنت رافعه؛ كما يفعل الفارس بفرسه. انتهى "مصباح" أي: ضم وضيق (القصواء بالزمام) أي: الحبل الذي يجعل في رأسها؛ أي: ضمه وضيقه عليها وكفها؛ لئلا تسرع في سيرها؛ لوجود الزحام. والزمام وكذا الخطام: ما يشد برؤوس الإبل؛ من حبل أو سير أو نحوه؛ لتقاد وتساق به، قال عياض في "المشارق": وقد فسره بقوله: (حتى إن رأسها) أي: ضيق عليها الزمام حتى إن رأسها (ليصيب مورك رحله) - بفتح الميم وسكون الواو وكسر الراء فكاف -: قطعة من أديم محشوة شبه مخدة تجعل على مقدم الرحل يضع الراكب رجليه عليها متوركًا؛ ليستريح من وضعهما في الركاب؛ والمراد بذلك: أنه بالغ في جذب رأسها إليه؛ ليكفها عن الإسراع. و(رحله) - بفتح الراء وحاء مهملة ساكنة - قال القسطلاني: وفي نسخة من "مسلم": (رجله) - بكسر الراء وجيم ساكنة بعدها - قال النووي: وفي هذا استحباب الرفق في السبر من الراكب بالمشاة، وبأصحاب الدواب الضعيفة.

стр. 8709

وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: "أَيُّهَا النَّاسُ؛ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ"، كُلَّمَا أَتَى حَبْلًا مِنَ الْحِبَالِ .. أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، ثُمَّ أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ === (و) أي: والحالُ أنه (يقول) أي: يشير (بيده اليمنى) إلى الناس بالتمهل وعدم العجلة في السير قائلًا بلسانه: (أيها الناس) الزموا (السكينة السكينة) مرتين؛ يعني: الرفق والوقار والطمأنينة وعدم الزحمة، بالنصب على الإغراء بعامل محذوف وجوبًا؛ كما قدرناه (كلما أتى) وجاء (حبلًا من الحبال) أي: رملًا من الرمال المجتمعة، والحبال - بحاء مهملة مكسورة - جمع حبل؛ وهو التل اللطيف من الرمل الضخم، وفي "النهاية": الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل. (أرخى) أي: أرسل الزمام (لها) أي: للقصواء إرخاء (قليلًا) أو زمانًا قليلًا (حتى تصعد) روي بضم التاء المثناة فوق رباعيًا، وفتحها ثلاثيًّا؛ من باب فرح؛ كما قال عياض والنووي؛ أي: أرخى لها الزمام إلى صعودها رملًا من الرمال. وفي أمره بالسكينة: الرفق بالناس وبالدواب؛ لئلا يجتمع عليها مشقة الصعود ومشقة الشنق صلوات الله وسلامه عليه ما أرأفه وأرحمه! وقوله: (ثم أتى المزدلفة) غاية لقوله: (ودفع رسول الله ﷺ من عرفات، وفي "شرح المواهب": هي موضع بين عرفة ومنىً، كلها من الحرم؛ وهي المسماة بجمع - بفتح الجيم وسكون الميم وعين مهملة - وسميت جمعًا؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء، فأزلف إليها ودنا منها؛ أي: قرب إليها. وعن قتادة: إنما سميت جمعًا؛ لأنه يجمع فيه بين صلاتي المغرب والعشاء، وقيل: لأن الناس يجتمعون فيها، فسميت جمعًا، ويزدلفون فيها إلى الله تعالى؛

стр. 8710

فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ === أي: يتقربون إليه بالوقوف بها، فسميت مزدلفة، إلى غير ذلك. والسر في المبيت بمزدلفة أنه كان سنة قديمة فيهم، ولعلهم اصطلحوا عليها "لما رأوا من أن للناس اجتماعًا لم يعهد مثله في غير هذا الموطن، ومثل هذا مظنة أن يزاحم بعضهم بعضًا، ويحطم بعضهم بعضًا، وإنما تزاحمهم بعد المغرب، وكانوا طول النهار في تعبٍ، يأتون من كل فج عميق؛ فلو تجشموا أن يأتوا منىً والحال هذه .. لتعبوا. انتهى. (فصلى) رسول الله ﷺ (بها) أي: بمزدلفة (المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين) أي: جمع بينهما في وقت العشاء، قال المحب الطبري: وهذا الجمع سنة بإجماع من العلماء، وإن اختلفوا فيما لو صلى كل صلاة في وقتها؛ فعند أكثر العلماء يجوز، وقال الثوري وأصحاب الرأي: إن صلى المغرب دون المزدلفة .. فعليه الإعادة، وجوزوا في الظهر والعصر أن يصلي كل واحدة في وقتها مع كراهية. انتهى. وقوله: (بأذان واحد وإقامتين) هو قول أحمد، وأصح قولي الشافعي وغيرهما، وبه قال زفر والطحاوي من الأحناف، ورجحه ابن الهمام، واستدلوا بحديث جابر هذا، وبحديث أسامة بن زيد في "الصحيحين" وفيه: (فلما جاء مزدلفة .. نزل فتوضأ، ثم أقيمت الصلاة، فصلى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة، فصلى العشاء، ولم يصل بينهما شيئًا). وقال أبو حنيفة: بأذان واحد وإقامة واحدة؛ لما أخرجه أبو داوود عن أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه قال: (أقبلت مع ابن عمر من عرفات إلى المزدلفة، فأمر إنسانًا فأذن وأقام، فصلى بنا المغرب ثلاث ركعات، ثم التفت إلينا، فقال: الصلاة، فصلى بنا العشاء ركعتين، ثم دعا بعشائه، فقيل له في

стр. 8711

وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، === ذلك، فقال: صليت مع رسول الله ﷺ هكذا)، ففي هذا الحديث معارضة لحديث جابر وحديث أسامة، فيرجحان بأن الأصل: تعدد الإقامة بتعدد الصلاة. انتهى من "فتح الملهم" بتصرف. (ولم يصل) ﷺ (بينهما) أي: بين المغرب والعشاء (شيئًا) من النوافل؛ ففيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين (ثم) بعدما فرغ من الصلاتين (اضطجع رسول الله ﷺ للنوم؛ تقويةً للبدن، ورحمةً للأمة، ولأن في نهاره عبادات كثيرة يحتاج إلى النشاط فيها (حتى طلع الفجر) الصادق. وفي "المواهب وشرحه": وترك رسول الله ﷺ قيام الليل، ونام حتى أصبح؛ لما تقدم له من الأعمال بعرفة؛ من الوقوف من الزوال إلى ما بعد الغروب، واجتهاده ﷺ في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على صلاة المغرب والعشاء قصرًا لها وجمعًا لهما جمع تأخير، ورقد بقية ليلته، مع كونه ﵊ كان يقوم الليل حتى تورَّمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة من التعب، وقد قال: "إن لجسدك عليك حقًّا". (فصلى الفجر) أي: صلى الصبح (حين تبين له الصبح) أي: حين ظهر له الفجر (بأذان وإقامة) قال النووي: فيه أنه يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموطن، ويتأكد التبكير بها في هذا اليوم أكثر من تأكده في سائر السنة؛ للاقتداء برسول الله ﷺ ، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فسن المبالغة بالتبكير للصبح؛ ليتسع الوقت للوظائف. قال القرطبي: فيه سنية المبيت بمزدلفة، وصلاة الصبح بغلس، وفيه الأذان

стр. 8712

ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَرَقِيَ عَلَيْهِ فَحَمِدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، ثُمَّ دَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعَرِ === في السفر، خلافًا لمن قال: يقتصر المسافر على الإقامة. انتهى من "المفهم". (ثم ركب) رسول الله ﷺ ناقته (القصواء حتى أتى المشعر الحرام) بفتح الميم والعين؛ كما في القرآن الكريم، وقيل: بكسر الميم، سمي (المشعر) لأنه مَعْلَمٌ للعبادة، وسمي (الحرام): لأنه من الحرم، أو لحرمته. وأخرج البخاري ومسلم من حديث جابر أنه ﷺ وقف بالمزدلفة، وقال: "وقفت ها هنا، ومزدلفة كلها موقف"، وأخرج أبو داوود والترمذي عن علي ﵁: أن النبي ﷺ لما أصبح بجمع .. أتى قزح، فوقف عليه، وقال: "هذا قزح؛ وهو الموقف، وجمع كلها موقف"، قال الترمذي: حسن صحيح. (فـ) لما أتى المشعر الحرام .. (رقي) من باب رضي؛ أي: رقي وصعد (عليه) أي: على المشعر الحرام، واستقبل القبلة (فحمد الله) تعالى بما يليق به من أوصاف الكمال، أو قال: الحمد لله (وكبره) تعالى؛ أي: قال: الله أكبر (وهلله) تعالى؛ أي: قال: لا إله إلا الله (فلم يزل) رسول الله ﷺ (واقفًا) عليه، ذاكرأ لله تعالى بلسانه (حتى أسفر) النهار وأضاء إسفارًا (جدًّا) أي: مبالغًا الغاية (ثم) بعدما أسفر النهار جدًّا (دفع) رسول الله ﷺ وذهب إلى منىً (قبل أن تطلع الشمس، وأردف) أي: أركب الآن وراءه على ناقته (الفضل بن العباس) بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنهما، وكان الفضل أكبر أولاد العباس. قال جابر: (وكلان) الفضل (رجلًا) جميلًا وضيئًا (حسن الشعر) أي:

стр. 8713

أَبْيَضَ وَسِيمًا، فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .. مَرَّ الظُّعُنُ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ فَصَرَفَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، === شعر الرأس (أبيض) الجسم (وسيمًا) - بفتح الواو وكسر المهملة - أي: حسنًا وضيئًا، فوصفه بوصف من يفتتن به النساء (فلما دفع رسول الله ﷺ أي: ذهب إلى منىً .. (مر) به ﷺ (الظعن) أي: نساء راكبات الإبل (يجرين) أي: يسرعن الإبل في سيرها. والظعن - بضم الظاء المشالة والعين المهملة؛ ويجوز إسكان العين - جمع ظعينة؛ كسفينة وسفن، وأصل الظعينة: البعير الذي عليه المرأة، ثم سميت به المرأة الراكبة له مجازًا؛ لملابستها البعير؛ كما أن الراوية في أصلها: الجمل الذي يحمل الماء، ثم سميت به القربة؛ لما ذكرنا. وقوله: (يجرين) قال القسطلاني: بفتح الياء وسكون الجيم؛ أي: نساء راكبات يمشين بالإبل، وبضمها مع سكونها؛ من أجرى الرباعي؛ أي: يسرعن الإبل في سيره راكبات (فطفق) الفضل؛ أي: شرع (ينظر إليهن) أي: إلى الظعينات (فوضع رسول الله ﷺ يده) الشريفة على وجه الفضل ليمنعه من النظر إليهن، وخوفًا عليه وعليهن من الفتنة، قاله الزرقاني. قال النووي: فيه الحث على غض البصر عن الأجنبيات، وغضهن عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قوله: (وكان أبيض وسيمًا حسن الشعر) يعني: أنه بصفة من تفتتن النساء به؛ لحسنه وجماله. وقولُ المؤلِّفِ هنا: (مِن الشق الآخر) زيادة محرفة من بعض النساخ، والصواب إسقاطه. (فصرف الفضل) أي: حول (وجهه من الشق الآخر) أي: إلى الجانب الآخر، حالة كونه (ينظر) إليهن؛ أي: إلى النساء الظعن؛ لغلبة الطبع عليه.

стр. 8714

حَتَّى أَتَى مُحَسِّرًا حَرَّكَ قَلِيلًا، === ولفظ رواية "مسلم مع الكوكب": (فطفق الفضل ينظر إليهن) أي: إلى الظعينات (فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل) ليمنعه من النظر إليهن (فحول الفضل) أي: صرف (وجهه إلى الشق الآخر) أي: إلى الجانب الآخر، حالة كونه (ينظر) إليهن؛ لغلبة الطبع (فحول رسول الله ﷺ يده من) الشق الأول إلى (الشق الآخر) واضعًا يده (على وجه الفضل) حالة كونه (يصرف) أي: يحول (وجهه) أي: وجه الفضل (من الشق الآخر) الذي (ينظر فيه) إلى الشق الأول، هذا آخر لفظ مسلم. وقوله: (حتى أتى) غاية لدفع؛ أي: دفع رسول الله ﷺ من مزدلفة إلى منىً حتى أتى (محسرًا) أي: حتى أتى وادي فيل محسر صاحبه من المضي إلى مكة لهدم الكعبة. و(محسر) - بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة المهملتين - أو وادي مُحسِّرٍ أصحابَ الفيل من المرور فيه، قيل: هو واد بين مزدلفة ومنىً، ويصح فتح السين؛ أي: وادي فيل محسر فيه من المرور إلى مكة؛ أي: حسره الله وأعياه من المرور إلى مكة. فلما أتى رسول الله محسرًا .. (حرك) وأسرع ناقته القصواء تحريكًا (قليلًا) أي: إسراعًا قليلًا، وفي "الدر المختار": فإذا بلغ بطن محسر .. أسرع قدر رمية حجر. وقال الشافعي في "الأم": تحريكه ﷺ الراحلة فيه .. يجوز؛ أي: يحتمل أن يكون ذلك لسعة الموضع، ويجوز أن يكون فعله؛ لأنه مأوى الشياطين. وقيل: لأنه كان موقفًا للنصارى، فاستحب الإسراع فيه، وأهل مكة يسمون

стр. 8715

ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تُخْرِجُكَ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ === هذا الوادي: وادي النار، يقال: إن رجلًا اصطاد فيه، فنزلت نار فأحرقته. وقال الإسنوي: وظهر لي معنىً آخر في حكمة الإسراع؛ وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه الإسراع؛ لما ثبت في "الصحيح" من أمره ﷺ المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. وقال غيره: وهذه كانت عادته ﷺ في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، والله أعلم. انتهى "فتح الملهم". (ثم) بعدما خرج رسول الله ﷺ من وادي محسر (سلك) أي: دخل (الطريق الوسطى) لا اليمنى ولا اليسرى. قال النووي: فيه أن سلوك هذا الطريقى في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا: يذهب إلى عرفات في طريق ضب، ويرجع في طريقِ المَأْزَمَيْنِ؛ لِيُخالِفَ الطريقَ تفاؤُلًا بتغيُّرِ الحالِ؛ كما فعل ﷺ في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا، وخرج منها من الثنية السفلى، وخرج إلى العيد في طريق، ورجع منه في طريق آخر، وحول رداءه في الاستسقاء. (التي) صفة ثانية للطريق؛ أي: التي (تخرجك) وتوقفك (على الجمرة الكبرى) وتوصلك إليها؛ والجمرة الكبرى: هي جمرة العقبة؛ وهي التي عند الشجرة. وقوله: (حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة) غاية لقوله: (سلك) وهذا يدل على أنه كان هناك أولًا شجرة؛ كما في "الفتح"، وقد أدركنا ورأينا الشجرة

стр. 8716

فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْف، وَرَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، === في تاريخ ألف وثلاث مئة وبضع وسبعين (١٣٧٣ هـ) زمن الملك سعود بن عبد العزيز، فلله الحمد على هذا التعمير. وفي هذا الحديث رمى جمرة العقبة راكبًا، وفي "اللباب": الأفضل أن يرمي جمرة العقبة راكبًا، وغيرها ماشيًا في جميع أيام الرمي، وفي "الكنز": وكل رمي بعده رمي فارمه ماشيًا. (فرما) ها رسول الله ﷺ ؛ أي: رمى تلك الجمرة التي هي جمرة العقبة عقب وصوله إليها (بسبع حصيات) حالة كونه (يكبر مع كل حصاة منها) أي: من تلك السبع. وقوله: (مثل حصى الخذف) بالجر صفة لسبع حصيات؛ أي: بسبع حصيات مماثلة لحصى الخذف في القدر والكبر، وبالنصب حال منها؛ أي: حالة كون كل من تلك السبع مثل حصى الخذف؛ أي: قدر حصى الخذف؛ أي: قدر حصىً يخذف ويرمى به بين السبابتين. وقال الطيبي: بالجر بدل من الحصيات؛ وهي بقدر حبة الباقلاء؛ والخذف في الأصل مصدر خذف يخذف؛ من باب ضرب، فهو مصدر سمي به، وهو رميك حصاةً أو نواةً تأخذها بين سبابتيك وترمي بها؛ كما في "النهاية". قال بعضهم: وإنما شرع مثل حصى الحذف؛ لأن ما دونها غير محسوس، وما فوقها ربما يؤذي في مثل هذا الموضع. انتهى. وجملة قوله: (ورمى من بطن الوادي) حال من فاعل (رمى بسبع حصيات) على تقدير: (قد) أي: فرمى بسبع حصيات، حالة كونه يكبر مع كل حصاة، وحالة كونه قد رمى بها من بطن الوادي؛ أي: من أسفل الوادي، وهو المستحب؛

стр. 8717

ثمَّ انصَرَفَ إِلى المَنحَرِ === فلو رمى من أي مكان كان .. صح رميه إذا وقع في موضع الرمي. انتهى من "المفهم". قال النووي وفيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي؛ بحيث تكون منىً وعرفات ومزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، والعزيزية وراء ظهره، والجمرة قدامه، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يقف مستقبل القبلة، وكيفما رمى .. أجزأه. انتهى. وفي "الدر المختار": ورمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ويكره تنزيهًا من فوق. انتهى، وهذا في الزمان الأول، والآن يكون الرمي من كل الجهات. (ثم) بعدما رمى؛ أي: ثم بعدما فرغ من رمي جمرة العقبة (انصرف) النبي ﷺ وذهب (إلى المنحر) أي: إلى مجزرة منىً؛ أي: إلى موضع النحر والذبح، قال الزرقاني: هو موضع معروف بمنىً، وكلها منحر؛ كما في الحديث. قال ابن التين: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فللنحر فيه فضيلة على غيره؛ لقوله ﷺ : "هذا المنحر، وكل منىً منحر"، قال مالك: إلا ما خلف العقبة وقديد. والنحر بمنىً عند مالك له ثلاثة شروط؛ الأول: أن يوقف بالهدي بعرفة، والثاني: أن يكون النحر في أيام منىً، والثالث: أن يكون النحر في الحج لا في عمرة. فإذا اجتمعت هذه الشروط .. فلا يجوز النحر إلا بمنىً لا بغيرها. انتهى من "المفهم"، وقال القاضي إسماعيل: إنه يجوز أن ينحر بمكة أيام منىً، وقد حكي أنه مذهب مالك، فأما العمرة .. فالنحر فيها بمكة في بيوتها وطرقها وفجاجها.

стр. 8718

فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِه، وَأَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِه، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ === ويجزئ عند مالك النحر في العمرة بمنىً، فإن نحر بغير منىً ومكة في الحج والعمرة .. لم يجز عنده، وجاز عند أبي حنيفة والشافعي بأي موضع كان من الحرم، قالا: والمقصود: مساكين الحرم لا الموضع منه، وأجمعوا على أنه لا يجوز فيما عدا الحرم، ولا يجوز في البيت والمسجد نحر ولا ذبح. (فنحر) رسول الله ﷺ (ثلاثًا وستين بدنة بيده) الشريفة، وفيه دلالة على أن للمهدي أو المضحي أن يتولى ذلك بيده (وأعطى عليًّا) السكين، وفي رواية مسلم: ثم أعطى عليًّا (فنحر) علي (ما غبر) وبقي من الهدي؛ وهو سبع وثلاثون بدنة، وكانت جملة الهدي: مئة بدنة (وأشركه) أي: أشرك عليًّا (في هديه) أي: في نفس الهدي. ويحتمل أنه أشركه في نحره، وإعطاؤه ما بقي لعلي رضي الله تعالى عنه لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير "كتاب مسلم" أنه إنما أعطاه إياه؛ ليهديها عن نفسه، ويدل عليه قوله: (وأشركه في هديه) وعلى هذا؛ فلا يكون فيه حجة على الاستنابة، وقيل: إنما نحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة؛ كما ذكره الترمذي، وقيل: إنما خص النبي ﷺ ذلك العدد؛ لأنها منتهى عمره، على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة. انتهى من "المفهم". (ثم) بعدما نحرت البدن (أمر) النبي ﷺ أن يؤخذ (من كل بدنة) من المئة (ببضعة) -بفتح الموحدة الثانية وسكون الضاد المعجمة- أي: بقطعة من لحمها (فجعلت) تلك البضعات (في قدر) اسم لآلة الطبخ

стр. 8719

فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْبَيْتِ === (فطبخت) تلك البضعات (فأكلا) أي: أكل النبي ﷺ وعلي (من لحمها) أي: من لحم القدر (وشربا من مرقها) أي: من مرق القدر، قال المطرزي: الضمير المؤنث يعود إلى القدر؛ لأنها مؤنث سماعي، وقال الطيبي: يحتمل عوده إلى الهدايا. قال النووي: قالوا: لما كان الأكل من كل واحدة سنةً، وفي الأكل من جميعها كلفةٌ ومشقةٌ .. جعلت في قدر؛ ليكون تناوله من المرق؛ كالأكل من جميعها، وأجمعوا: على أن الأكل من الهدي والضحية ليس بواجب، وفي "المرقاة": والصحيح أنه مستحب، وقيل: واجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (١). قال القرطبي: إنما فعل هذا؛ ليمتثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وهما وإن لم يأكلا من كل بضعة .. فقد شربا من مرق كل ذلك، وخصوصية علي بالمؤاكلة دليل على أنه أشركه في الهدي. وفيه دليل على أن من حلف على ألا يأكل لحمًا، فشرب مرقه أنه يحنث، وفيه دليل على استحباب أكل الأقل من الهدايا والضحايا، والتصدق بالأكثر، وفيه دليل على جواز أكل المهدي من هدي القران، وقد قدمنا أنه ﷺ كان قارنًا. انتهى من "المفهم". (ثم) بعدما نحر هديه (أفاض رسول الله ﷺ أي: ذهب وأسرع ورجع (إلى البيت) لطواف الإفاضة طواف الفرض والركن، ويسمى طواف الإفاضة، وأكثر العلماء ومنهم: أبو حنيفة أنه لا يجوز طواف الإفاضة بنية

стр. 8720

فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، === غيره، خلافًا للشافعي؛ حيث قال: لو نوى غيره؛ كنذر أو وداع .. وقع عن الإفاضة، كذا في "المرقاة". قال في "الدر المختار": وطواف الزيارة أول وقته بعد طلوع الفجر يوم النحر، وهو في اليوم الأول أفضل، ويمتد وقته إلى آخر العمر؛ فإن أخره عن أيام النحر .. كره تحريمًا، ووجب دم؛ لترك الواجب، وهذا عند الإمكان. انتهى. والفاء في قوله: (فصلى بمكة الظهر) حرف عطف وتعقيب على (أفاض) أي: صلى ظهر يوم النحر، وفي "المواهب وشرحه": واختلف أين صلى النبي ﷺ الظهر يومئذ؛ أي: يوم النحر: ففي رواية مسلم عن جابر أنه ﷺ صلى بمكة، ولفظه: (فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر)، وكذا قالت عائشة عند أبي داوود وغيره. وفي حديث ابن عمر في "الصحيحين": (أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنىً)، فهذا يعارض حديث جابر وعائشة. فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة، بأربعة أوجه: أولها: لأنهما اثنان، وهما أولى من الواحد. وثانيها: لأن عائشة أخص الناس به ﷺ ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها. وثالثها: لأن سياق جابر ﵁ من أولها إلى آخرها .. أتم سياق، وهو أحفظ للقصة وضبطها حتى ضبط جزئياتها حتى أقر منها ما لا يتعلق بالمناسك؛ وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب، وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا النادر .. فهو بضبط صلاته الظهر يوم النحر أولى.
следующие страницы →