فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ مِنْهَا مِثْلِ حَصَى الْخَذْف، وَرَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي،
===
في تاريخ ألف وثلاث مئة وبضع وسبعين (١٣٧٣ هـ) زمن الملك سعود بن عبد العزيز، فلله الحمد على هذا التعمير.
وفي هذا الحديث رمى جمرة العقبة راكبًا، وفي "اللباب": الأفضل أن يرمي جمرة العقبة راكبًا، وغيرها ماشيًا في جميع أيام الرمي، وفي "الكنز": وكل رمي بعده رمي فارمه ماشيًا.
(فرما) ها رسول الله ﷺ ؛ أي: رمى تلك الجمرة التي هي جمرة العقبة عقب وصوله إليها (بسبع حصيات) حالة كونه (يكبر مع كل حصاة منها) أي: من تلك السبع.
وقوله: (مثل حصى الخذف) بالجر صفة لسبع حصيات؛ أي: بسبع حصيات مماثلة لحصى الخذف في القدر والكبر، وبالنصب حال منها؛ أي: حالة كون كل من تلك السبع مثل حصى الخذف؛ أي: قدر حصى الخذف؛ أي: قدر حصىً يخذف ويرمى به بين السبابتين.
وقال الطيبي: بالجر بدل من الحصيات؛ وهي بقدر حبة الباقلاء؛ والخذف في الأصل مصدر خذف يخذف؛ من باب ضرب، فهو مصدر سمي به، وهو رميك حصاةً أو نواةً تأخذها بين سبابتيك وترمي بها؛ كما في "النهاية".
قال بعضهم: وإنما شرع مثل حصى الحذف؛ لأن ما دونها غير محسوس، وما فوقها ربما يؤذي في مثل هذا الموضع. انتهى.
وجملة قوله: (ورمى من بطن الوادي) حال من فاعل (رمى بسبع حصيات) على تقدير: (قد) أي: فرمى بسبع حصيات، حالة كونه يكبر مع كل حصاة، وحالة كونه قد رمى بها من بطن الوادي؛ أي: من أسفل الوادي، وهو المستحب؛
стр. 8717
ثمَّ انصَرَفَ إِلى المَنحَرِ
===
فلو رمى من أي مكان كان .. صح رميه إذا وقع في موضع الرمي. انتهى من "المفهم".
قال النووي وفيه أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي؛ بحيث تكون منىً وعرفات ومزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، والعزيزية وراء ظهره، والجمرة قدامه، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل: يقف مستقبل القبلة، وكيفما رمى .. أجزأه. انتهى.
وفي "الدر المختار": ورمي جمرة العقبة من بطن الوادي، ويكره تنزيهًا من فوق. انتهى، وهذا في الزمان الأول، والآن يكون الرمي من كل الجهات.
(ثم) بعدما رمى؛ أي: ثم بعدما فرغ من رمي جمرة العقبة (انصرف) النبي ﷺ وذهب (إلى المنحر) أي: إلى مجزرة منىً؛ أي: إلى موضع النحر والذبح، قال الزرقاني: هو موضع معروف بمنىً، وكلها منحر؛ كما في الحديث.
قال ابن التين: منحر النبي ﷺ عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فللنحر فيه فضيلة على غيره؛ لقوله ﷺ : "هذا المنحر، وكل منىً منحر"، قال مالك: إلا ما خلف العقبة وقديد.
والنحر بمنىً عند مالك له ثلاثة شروط؛ الأول: أن يوقف بالهدي بعرفة، والثاني: أن يكون النحر في أيام منىً، والثالث: أن يكون النحر في الحج لا في عمرة.
فإذا اجتمعت هذه الشروط .. فلا يجوز النحر إلا بمنىً لا بغيرها. انتهى من "المفهم"، وقال القاضي إسماعيل: إنه يجوز أن ينحر بمكة أيام منىً، وقد حكي أنه مذهب مالك، فأما العمرة .. فالنحر فيها بمكة في بيوتها وطرقها وفجاجها.
стр. 8718
فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِه، وَأَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَرَ مَا غَبَرَ وَأَشْرَكَهُ فِي هَدْيِه، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ
===
ويجزئ عند مالك النحر في العمرة بمنىً، فإن نحر بغير منىً ومكة في الحج والعمرة .. لم يجز عنده، وجاز عند أبي حنيفة والشافعي بأي موضع كان من الحرم، قالا: والمقصود: مساكين الحرم لا الموضع منه، وأجمعوا على أنه لا يجوز فيما عدا الحرم، ولا يجوز في البيت والمسجد نحر ولا ذبح.
(فنحر) رسول الله ﷺ (ثلاثًا وستين بدنة بيده) الشريفة، وفيه دلالة على أن للمهدي أو المضحي أن يتولى ذلك بيده (وأعطى عليًّا) السكين، وفي رواية مسلم: ثم أعطى عليًّا (فنحر) علي (ما غبر) وبقي من الهدي؛ وهو سبع وثلاثون بدنة، وكانت جملة الهدي: مئة بدنة (وأشركه) أي: أشرك عليًّا (في هديه) أي: في نفس الهدي.
ويحتمل أنه أشركه في نحره، وإعطاؤه ما بقي لعلي رضي الله تعالى عنه لينحرها دليل على صحة النيابة في ذلك، غير أنه روي في غير "كتاب مسلم" أنه إنما أعطاه إياه؛ ليهديها عن نفسه، ويدل عليه قوله: (وأشركه في هديه) وعلى هذا؛ فلا يكون فيه حجة على الاستنابة، وقيل: إنما نحر النبي ﷺ ثلاثًا وستين بدنة؛ لأنها هي التي أتى بها من المدينة؛ كما ذكره الترمذي، وقيل: إنما خص النبي ﷺ ذلك العدد؛ لأنها منتهى عمره، على ما هو الأصح في ذلك، فكأنه أهدى عن كل سنة من عمره بدنة. انتهى من "المفهم".
(ثم) بعدما نحرت البدن (أمر) النبي ﷺ أن يؤخذ (من كل بدنة) من المئة (ببضعة) -بفتح الموحدة الثانية وسكون الضاد المعجمة- أي: بقطعة من لحمها (فجعلت) تلك البضعات (في قدر) اسم لآلة الطبخ
стр. 8719
فَطُبِخَتْ فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ أَفَاضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْبَيْتِ
===
(فطبخت) تلك البضعات (فأكلا) أي: أكل النبي ﷺ وعلي (من لحمها) أي: من لحم القدر (وشربا من مرقها) أي: من مرق القدر، قال المطرزي: الضمير المؤنث يعود إلى القدر؛ لأنها مؤنث سماعي، وقال الطيبي: يحتمل عوده إلى الهدايا.
قال النووي: قالوا: لما كان الأكل من كل واحدة سنةً، وفي الأكل من جميعها كلفةٌ ومشقةٌ .. جعلت في قدر؛ ليكون تناوله من المرق؛ كالأكل من جميعها، وأجمعوا: على أن الأكل من الهدي والضحية ليس بواجب، وفي "المرقاة": والصحيح أنه مستحب، وقيل: واجب؛ لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (١).
قال القرطبي: إنما فعل هذا؛ ليمتثل قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وهما وإن لم يأكلا من كل بضعة .. فقد شربا من مرق كل ذلك، وخصوصية علي بالمؤاكلة دليل على أنه أشركه في الهدي.
وفيه دليل على أن من حلف على ألا يأكل لحمًا، فشرب مرقه أنه يحنث، وفيه دليل على استحباب أكل الأقل من الهدايا والضحايا، والتصدق بالأكثر، وفيه دليل على جواز أكل المهدي من هدي القران، وقد قدمنا أنه ﷺ كان قارنًا. انتهى من "المفهم".
(ثم) بعدما نحر هديه (أفاض رسول الله ﷺ أي: ذهب وأسرع ورجع (إلى البيت) لطواف الإفاضة طواف الفرض والركن، ويسمى طواف الإفاضة، وأكثر العلماء ومنهم: أبو حنيفة أنه لا يجوز طواف الإفاضة بنية
стр. 8720
فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ،
===
غيره، خلافًا للشافعي؛ حيث قال: لو نوى غيره؛ كنذر أو وداع .. وقع عن الإفاضة، كذا في "المرقاة".
قال في "الدر المختار": وطواف الزيارة أول وقته بعد طلوع الفجر يوم النحر، وهو في اليوم الأول أفضل، ويمتد وقته إلى آخر العمر؛ فإن أخره عن أيام النحر .. كره تحريمًا، ووجب دم؛ لترك الواجب، وهذا عند الإمكان. انتهى.
والفاء في قوله: (فصلى بمكة الظهر) حرف عطف وتعقيب على (أفاض) أي: صلى ظهر يوم النحر، وفي "المواهب وشرحه": واختلف أين صلى النبي ﷺ الظهر يومئذ؛ أي: يوم النحر: ففي رواية مسلم عن جابر أنه ﷺ صلى بمكة، ولفظه: (فأفاض إلى البيت، فصلى بمكة الظهر)، وكذا قالت عائشة عند أبي داوود وغيره.
وفي حديث ابن عمر في "الصحيحين": (أنه ﷺ أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنىً)، فهذا يعارض حديث جابر وعائشة.
فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة، بأربعة أوجه:
أولها: لأنهما اثنان، وهما أولى من الواحد.
وثانيها: لأن عائشة أخص الناس به ﷺ ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها.
وثالثها: لأن سياق جابر ﵁ من أولها إلى آخرها .. أتم سياق، وهو أحفظ للقصة وضبطها حتى ضبط جزئياتها حتى أقر منها ما لا يتعلق بالمناسك؛ وهو نزوله في الطريق فبال عند الشعب، وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا النادر .. فهو بضبط صلاته الظهر يوم النحر أولى.
стр. 8721
فَأَتَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَهُمْ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: "انْزِعُوا
===
ورابعها: أيضًا فإن حجة الوداع كانت في (آذار) بهمزتين فذال معجمة فألف فراء وقال في "القاموس": هو الشهر السادس من الشهور الرومية.
فدفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منىً، وخطب بها الناس، ونحر بها بدنه المئة، وقسمها، وطبخ له من لحمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه وتطيب، ثم أفاض وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منىً بحيث يدرك الظهر فيها، وكانت في شهر آذار. انتهى "فتح الملهم".
وقال الأبي: يجمع بين حديثيهما وحديث ابن عمر بأنه ﷺ طاف للإفاضة قبل الزوال، وصلى الظهر بمكة أول وقتها، ثم رجع إلى منىً، وصلى بها الظهر مرةً أخرى بأصحابه، حين سألوه ذلك، فيكون متنفلًا للظهر الثانية. انتهى منه.
(فأتى) أي: فلما فرغ من الصلاة أتى (بني عبد المطلب) حالة كونهم (وهم يسقون) الناس من ماء زمزم، وقوله: (على زمزم) متعلق بـ (أتى)، ويحتمل: أن تكون (على) بمعنى (من) متعلقًا بـ (يسقون) أي: يغترفون منها بالدلاء، ويصبونه في الحياض، ويسقونه الناس.
قال النووي: وأما زمزم .. فهو البئر المشهورة في المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة: ثمان وثلاثون ذراعًا، قيل: سميت زمزم؛ لكثرة مائها، يقال: ماء زمزوم، وزمزم، وزمازم؛ إذا كان كثيرًا، وقيل: لضم هاجر لمائها حين انفجرت وزمها إياه، وقيل: لزمزمة جبرائيل ﵇ وكلامه عند فجره إياها، وقيل: إنها غير مشتقة، ولها أسماء أخر ذكرتها في "تهذيب اللغات". انتهى.
(فقال) رسول الله ﷺ : (انزعوا) بكسر الزاي يقال:
стр. 8722
بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِب، لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ.
===
نزع - بالفتح - ينزع - بالكسر - من باب ضرب، والقياس في فعل المفتوح الذي عينه أو لامه حرف حلق .. فتح مضارعه، ولم يأت الكسر إلا في نزع ينزع ونحوها.
والنزع: الاستقاء؛ أي: استقوا الماء للناس يا (بني عبد المطلب) فـ (لولا) خوفي (أن يغلبكم الناس) ويزدحموا (على سقايتكم) أي: على استقائكم بسبب نزعي معكم .. (لنزعت) أي: لنزحت (معكم) لاستسقاء الناس معكم (فناولوه) ﷺ ؛ أي: أعطوه (دلوًا) من مائها (فشرب منه) أي: من مائها.
والمعنى والله أعلم: فلولا خوفي أن يغلبكم الناس؛ بأن يزدحموا على النزع؛ بحيث يغلبونكم ويدفعونكم؛ لاعتقادهم أن النزع والاستقاء من مناسك الحج .. لنزعت معكم؛ لكثرة فضيلة ذلك، وقيل: قال ذلك شفقة على أمته من الحرج والمشقة، والأول أظهر.
وفيه بقاء هذه التكرمة لبني العباس؛ كبقاء الحجابة لبني شيبة؛ إذ لو استعمله الناس معهم .. لخرج عن اختصاصه بهم.
قوله: (فناولوه فشرب منه) فيه: استحباب الشرب من زمزم، والإكثار منه، وقد صح مرفوعًا: "ماء زمزم لما شرب له"، وشربه جماعة من العلماء لمآرب فوجدوها.
قال ابن العربي: شربناه للعلم، فليتنا شربناه للورع، وأولى ما يشرب له لتحقيق التوحيد، والموت عليه، والعزة بطاعة الله تعالى، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب حجة النبي ﷺ ، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب صفة حجة
стр. 8723
(٣٠) - ٣٠٢٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْعَبْدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ لِلْحَجِّ عَلَي أَنْوَاعٍ
===
النبي ﷺ ، والنسائي في كتاب الحج، باب الكراهية في الثياب المصبغة للمحرم، وابن خزيمة وأحمد في "المسند"، والطحاوي.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بن عبد الله بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٠) - ٣٠٢٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا محمد بن بشر) بن الفرافصة (العبدي) الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب) بن أبي بلتعة أبي محمد المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قالت) عائشة: (خرجنا) معاشر الصحابة من المدينة المنورة (مع رسول الله ﷺ في حجة الوداع (للحج) ونحن (على أنواع
стр. 8724
ثَلَاثَةٍ؛ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ؛ فَمَنْ كَانَ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ مَعًا .. لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيءٍ؛ مِمَّا حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا .. لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ مِمَّا حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ مَنَاسِكَ الْحَجِّ، وَمَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ .. حَلَّ مِمَّا حَرُمَ عَنْهُ حَتَّى يَسْتَقْبِلَ حَجًّا".
===
ثلاثة) من حيث الإحرام (فمنا من أهل) وأحرم (بحج وعمرة معًا) أي: جميعًا قارنًا بينهما؛ كالنبي ﷺ على الأصح (ومنا من أهل بحج مفرد) عن العمرة، ولم يحل من إحرامه بالفسخ، لكنه أي: الفسخ ثابت بالأدلة التي لم يمكن إنكارها، فلا بد من تاويل هذا الحديث بحمله على من ساق الهدي، والفسخ إنما كان لمن لم يسق الهدي، والله أعلم. انتهى "سندي".
(ومنا من أهل بعمرة مفردة) كأزواج النبي ﷺ وكل من لم يسق الهدي (فمن كان أهل بحج وعمرة معًا .. لم يحلل) من إحرامه (من شيء مما حرم منه) أي: حرم عليه بالإحرام (حتى يقضي مناسك الحج) وهم الذين ساقوا الهدي (ومن أهل بالحج مفردًا .. لم يحلل من شيء مما حرم منه) أي: عليه (حتى يقضي مناسك الحج) كلها (ومن أهل بعمرة مفردة فطاف بالبيت) طواف العمرة (و) سعى (بين الصفا والمروة .. حل مما حرم عنه) أي: عليه (حتى يستقبل) ويستأنف (حجًّا) وهم المتمتعون.
والحاصل من الأحاديث: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا ثلاثة أقسام:
١ - قسم أحرموا بحج وعمرة، أو بحج ومعهم الهدي.
٢ - وقسم أحرموا بعمرة ففرغوا منها، ثم أحرموا بالحج.
٣ - وقسم أحرموا بحج ولا هدي معهم.
стр. 8725
(٣١) - ٣٠٢٥ - (٣) حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ الْمُهَلَّبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُودَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ حَجَّاتٍ؛
===
فأمرهم النبي ﷺ أن يقلبوه عمرة، وهو معنى فسخ الحج إلى العمرة، وأما عائشة .. فكانت أهلت بعمرة ولم تسق هديًا، ثم أدخلت عليها الحج. انتهى "قسطلاني".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به للحديث المذكور قبله.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث جابر الأول بحديث آخر له ولابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣١) - ٣٠٢٥ - (٣) (حدثنا القاسم بن محمد بن عباد) بن عباد (المهلبي) أبو محمد البصري نزيل بغداد، ثقة، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن داوود) بن عامر الهمداني أبو عبد الرحمن الخُرَيْبِيُّ بمعجمة وموحدة مصغرًا كوفي الأصل، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ)، أمسك عن الرواية قبل موته، فلذلك لم يسمع البخاري منه؛ يعني: بل روى عنه بواسطة. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) سفيان الثوري بسندَيْهِ اللذين بيَّنَّاهما آنفًا: قال كل من جابر وابن عباس: (حج رسول الله ﷺ في عُمْرِه (ثلاث حجات؛
стр. 8726
حِجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ مِنَ الْمَدِينَة، وَقَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً، وَاجْتَمَعَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ وَمَا جَاءَ بِهِ عَلِيٌّ مِئَةَ بَدَنَةٍ؛ مِنْهَا جَمَلٌ لِأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ، وَنَحَرَ عَلِيٌّ مَا غَبَرَ، قِيلَ لَهُ: مَنْ ذَكَرَهُ؟ قَالَ: جَعْفَرٌ
===
حجتين قبل أن يهاجر) إلى المدينة (وحجة بعدما هاجر) أحرمها (من المدينة) أي: من ميقاتها ذي الحليفة (وقرن) في هذه الحجة (مع حجته عمرة) أي: جمع بينهما، وساق الهدي من المدينة؛ لكونه قارنًا، جُمْلَتُهُ ثلاثٌ وستون بدنة.
(واجتمع ما جاء به النبي ﷺ وساقه من المدينة (وما جاء به علي) من اليمن؛ وهو سبع وثلاثون بدنة فكمُلَتْ (مئة بدنة منها) أي: من تلك الهدايا التي ساقها النبي ﷺ من المدينة (جَمَلٌ) كان أوَّلًا (لأبي جهل) اللعينِ عَمرو بن هشام القرشي، أسر منه يوم بدر (في أنفه برة) أي: حلقة (من فضة) يربط بها مقود يساق به (فنحر النبي ﷺ بيده) الشريفة (ثلاثًا وستين) بدنة التي جاء بها من المدينة (ونحر علي) بن أبي طالب (ما غبر) وبقي من المئة؛ وهي سبع وثلاثون بدنة.
(قيل له) أي: لسفيان (من ذكره؟ ) أي: من ذكر هذا الحديث؟ يعني: حديث جابر، وحدثه لك، ولم أر من ذكر اسم السائل له (قال) سفيان: ذكر لي هذا الحديث (جعفر) الصادق ابن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، صدوق فقيه إمام، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 8727
عَنْ أَبِيه، عَنْ جَابِرٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَم، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
===
(عن أبيه) محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، ثقة فاضل، من الرابعة. يروي عنه: (ع)، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري ﵄.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
وقوله: (وابن أبي ليلى) معطوف على جعفر؛ أي: وقال سفيان الثوري أيضًا: حدثني محمد بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) الأنصاري الكوفي القاضي أبو عبد الرحمن، صدوق سيئ الحفظ جدًّا، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن الحكم) بن عتيبة -مصغرًا- الكندي أبي محمد الكوفي، ثقة ثبت فقيه إلا أنه ربما دلس، من الخامسة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن مقسم) بكسر أوله ابن بُجْرةَ بضم الموحدة وسكون الجيم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس؛ للزومه له، صدوق، من الرابعة، وكان يرسل، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (خ عم)، وما له في "البخاري" إلا حديث واحد.
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ابن أبي ليلى، وهو ضعيف.
стр. 8728
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقوله: (بُرَةٌ من فضة) بضم الباء وتخفيف الراء الحلقة تكون في أنف البعير.
وقوله: (من فضة) وفي رواية البيهقي: (من ذهب). انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية حديث جابر: الترمذي في الجامع، في كتاب الحج، باب كم حج النبي ﷺ .
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وحديث ابن عباس انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده؛ لما مر آنفًا، ولانفراد ابن ماجه به.
وقول المؤلف: (قيل له: من ذكره؟ ) في آخر الباب، قدمناه على محله؛ لتكميل السندين فردًا فردًا.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8729
(١٤) - (١٠٩٢) - بَابُ الْمُحْصَرِ
(٣٢) - ٣٠٢٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ عُلَيَّةَ،
===
(١٤) - (١٠٩٢) - (باب المحصر)
والمحصر بضم الميم وفتح الصاد بينهما حاء مهملة اسم مفعول؛ من أحصر الرباعي.
قال العيني: اختلف العلماء في الحصر؛ بأي شيء يحصل؛ وبأي معنىً يفسر: فقال قوم: يكون الحصر بكل حال؛ من مرض أو عدو أو كَسْر أو ذهَاب نفقة، أو نحوها مما يمنعه عن المضي إلى البيت، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت.
وقال آخرون؛ وهم الليث بن سعد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يكون الإحصار إلا بالعدو فقط، ولا يكون بالمرض. انتهى، انتهى من "العون".
* * *
(٣٢) - ٣٠٢٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي البصري، ثقة إمام حجة، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(و) إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي البصري المعروف بـ (ابن علية) اسم أمه، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8730
عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كثِيرٍ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، حَدَّثَنِي الْحَجَّاجُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرَجَ
===
كلاهما رويا (عن حجاج بن أبي عثمان) ميسرة أو سالم الصوَّافِ أبي الصَّلْتِ الكِنْدي مولاهم البصري، ثقة حافظ، من السادسة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثني عكرمة) البربري أبو عبد الله المدني الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، ثقة ثبت عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثني الحجاج بن عمرو) بن غَزِيَّة بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتانية (الأنصاري) المازني المدني الصحابي الفاضل رضي الله تعالى عنه، له رواية عن زيد بن ثابت، وشهد صفين مع علي رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (عم).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) الحجاج بن عمرو: (سمعت النبي ﷺ يقول: مَنْ كُسر) رجله أو فخذه بضم الكاف وكسر السين بالبناء للمجهول (أو عَرَج) رجله -بفتحتين على صيغة المبني للفاعل- زاد أبو داوود في رواية له: (أو مَرِض)، قال في "القاموس": عرج: أصابه شيء في رجله، وليس بخلقة، وإذا كان بخلقة .. فيقال: عرج على وزن فرح، أو يثلث في غير الخلقة.
стр. 8731
فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى".
فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَا: صَدَقَ.
===
(فقد حل) أي: استحق التحلل من إحرامه؛ أي: يجوز له أن يترك الإحرام ويرجع إلى وطنه (وعليه حجة أخرى) زاد أبو داوود: (من قابل) أي: يقضي ذلك الحج في السنة المستقبلة.
قال الخطابي: هذا فيمن كان حَجُّهُ عن فرض، فأما المتطوِّع بالحج، فإذا أحصر .. فلا شيء عليه غير هذا الإحصار، هذا على قول مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه حجة أو عمرة قضاءً، وهو قول النخعي، وعن مجاهد والشعبي وعكرمة: عليه حجة من قابل. انتهى، انتهى من "تحفة الأحوذي".
قال الحجاج بن عمرو: (فحدثت به) أي: بهذا الحديث (ابن عباس وأبا هريرة، فقالا: صدق) الحجاج فيما سمع عن الرسول ﷺ ، وكان مقتضى السياق: (صدقْتَ) ففيه التفات.
والمعنى: (قالا) أي: قال أحدهما للآخر: صدق الحجاج فيما قال من سماع الرسول ﷺ يقول ذلك.
وفي رواية لأبي داوود: (قال عكرمة: فسألت ابن عباس وأبا هريرة عن ذلك) أي: عما سمعه الحجاج من رسول الله ﷺ (فقالا) لي: (صدق) الحجاج فيما سمع من رسول الله ﷺ ، والله أعلم.
قال الحافظ في "الفتح": وصح عن ابن عباس أن لا حصر إلا بالعدو.
وأخرج عبد الرزاق عن معمر، وأخرج الشافعي عن ابن عيينة كلاهما عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: لا حصر إلا مَنْ حَبَسه عدوٌّ، فيُحِلُّ بعمرة، وليس عليه حج ولا عمرة. انتهى، وإليه ذهب ابن عمر رضي الله تعالى عنه، روى مالك في "الموطا" عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: (من حبس
стр. 8732
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
دون البيت بالمرض .. فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت)، وروى مالك عن أيوب عن رجل من أهل البصرة قال: (خرجت إلى مكة حتى إذا كنت بالطريق .. كُسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة، وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والناس، فلم يرخص لي أحد في أن أحل، فأقمت على ذلك إلى تسعة أشهر، ثم حللت بعمرة).
واحتج من قال: أن لا إحصار إلا بالعدو: باتفاق أهل النقل على أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (١) نزل في قصة الحديبية حين صد النبي ﷺ عن البيت، فسمى الله تعالى صد العدو إحصارًا.
وحجة الآخرين: التمسك بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، وبحديث الباب، والظاهر هو قول من قال بتعميم الإحصار، والله تعالى أعلم. انتهى من "التحفة".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب الإحصار، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، هكذا رواه غير واحد عن الحجاج الصواف نحو هذا الحديث، والنسائي في كتاب الحج، باب من أحصر بعدو، والدارمي في كتاب المناسك.
فدرجة هدا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
стр. 8733
(٣٢) - ٣٠٢٦ - (م) حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَافِعٍ مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ الْحَجَّاجَ بْنَ عَمْرٍو
===
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث حجاج بن عمرو رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٢) - ٣٠٢٦ - (م) (حدثنا سلمة بن شبيب) المسمعي النيسابوري نزيل مكة، ثقة، من كبار الحادية عشرة، مات سنة بضع وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الحميري الصنعاني، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة ثبت، من السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري الهاشمي مولاهم؛ مولى ابن عباس، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة) أم المؤمنين المخزومي مولاهم أبي رافع المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(قال) عبد الله بن رافع: (سألت الحجاج بن عمرو) بن غزية الأنصاري المازني رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، غرضه
стр. 8734
عَنْ حَبْسِ الْمُحْرِمِ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أَوْ مَرِضَ أَوْ عَرَجَ .. فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ".
قَالَ عِكْرِمَةُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَا: صَدَقَ، قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: فَوَجَدْتُهُ فِي "جُزْءِ هِشَامٍ" صَاحِبِ الدَّسْتَوَائيِّ، فَأَتَيْتُ بِهِ مَعْمَرًا فَقَرَأَ عَلَيَّ أَوْ قَرَأْتُ عَلَيْهِ.
===
بسوقه: متابعة معمر بن راشد لحجاج بن أبي عثمان في رواية هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير.
أي: قال عبد الله بن رافع: سألت الحجاج بن عمرو الأنصاري (عن حبس المحرم) ومنعه من البيت (فقال) الحجاج: (قال رسول الله ﷺ : من كسر) رجله بالبناء للمفعول (أو مرض) مرضًا يمنعه من الوصول إلى البيت (أو عرج) بفتحتين أي: أصابه شيء في رجله، وليس بخلقة؛ كما مر .. (فقد حل) أي: جاز له ترك النسك والرجوع إلى وطنه (وعليه الحج) أي: قضاؤه (من قابل) أي: في عام قابل؛ كما بسطنا الكلام عليه في الرواية الأولى، فراجعها.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح كأصله؛ لصحة سنده، وغرضه: بيان المتابعة، كما مر آنفًا.
(قال عكرمة) البربري: (فحدثت به) أي: بهذا الحديث الذي سمعته من حجاج بن عمرو بواسطة عبد الله بن رافع (ابن عباس وأبا هريرة، فقالا: صدق) حجاج بن عمرو فيما روى عن النبي ﷺ .
(قال عبد الرزاق) بن همام: (فوجدته) أي: فوجدت حديث حجاج هذا (في جزء) وثبت (هشام صاحب الدستوائي) وحفظته (فأتيت به معمرًا، فقرأ علي) معمر (أو قرأت) أنا هذا الحديث (عليه) أي: على معمر شيخي، والله أعلم.
стр. 8735
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وقال غيره: حديث صحيح، وهذا هو الصواب؛ كما قد علمت آنفًا، وهكذا رواه غير واحد عن الحجاج الصواف نحو هذا، وروى معمر ومعاوية بن سلام هذا الحديث عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن حجاج بن عمرو عن النبي ﷺ ، وحجاج الصواف لم يذكر في حديثه عبد الله بن رافع، وحجاج ثقة حافظ عند أهل الحديث، وسمعت محمدًا يقول: روايةُ معمرٍ ومعاويةَ بن سلام أصح. انتهى من "جامع الترمذي".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 8736
(١٥) - (١٠٩٣) - بَابُ فِدْيَةِ الْمُحْصَرِ
(٣٣) - ٣٠٢٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ
===
(١٥) - (١٠٩٣) - (باب فدية المحصر)
والصواب في هذه الترجمة: (باب فدية من حلق رأسه لعذر).
* * *
(٣٣) - ٣٠٢٧ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(ومحمد بن الوليد) بن عبد الحميد القرشيُّ البُسريُّ -بضم الموحدة وسكون المهملة- البصري، يلقب بحمدان، ثقة، من العاشرة مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (خ م س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الرحمن بن) عبد الله (الأصبهاني) أصلًا، الكوفي وطنًا، الجهني قبيلة، ثقة، من الرابعة، مات في إمارة خالد القسري على العراق. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن معقل) -بفتح أوله وسكون المهملة بعدها قاف- ابن مقرن
стр. 8737
قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ فِي الْمَسْجِدِ فَسَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، قَالَ كَعْبٌ: فِيَّ أُنْزِلَتْ؛ كَانَ بِي أَذىً مِنْ رَأْسِي، فَحُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ:
===
أبي الوليد، الكوفي، ثقة، من كبار الثالثة، مات دون المئة سنة ثمان وثمانين (٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) عبد الله: (قعدت إلى) جنب (كعب بن عجرة) الأنصاري المدني أبي محمد الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات بعد الخمسين، وله نيف وسبعون (٧٥). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
قال عبد الله بن معقل: قعدت إلى جنب كعب بن عجرة وهو جالس (في المسجد) يعني: مسجد الكوفة.
وفيه: الجلوس في المسجد ومذاكرة العلم فيه والاعتناء بسبب النزول؛ لما يترتب عليه من معرفة الحكم وتفسير القرآن. انتهى "فتح الملهم".
قال عبد الله بن معقل: (فسألته) أي: فسألت كعب بن عجرة (عن) سبب نزول (هذه الآية) يعني: قوله تعالى: (﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾) (١)؛ أي: سألته عن الفدية المذكورة في هذه الآية (قال كعب: فِيَّ) خاصة (أنزلت) هذه الآية؛ وذلك أنه (كان بي أذىً من رأسي) يعني: القمل قال كعب: (فحملت إلى رسول الله ﷺ والقمل) أي: والحال أن القمل (يتناثر) أي: يتساقط من رأسي (على وجهي) شيئًا فشيئًا (فقال) لي
стр. 8738
"مَا كُنْتُ أُرَى الْجُهْدَ بَلَغَ مِنْكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟ "، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قَالَ: فَالصَّوْمُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَالصَّدَقَةُ عَلَى سِتَّةِ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ، وَالنُّسُكُ شَاةٌ.
===
رسول الله ﷺ : (ما كنت أُرى) -بضم الهمزة- أي: أظن أن (الجهد) والمشقة (بلغ منك ما أرى) -بفتح الهمزة- أي: أبصر منك الآن؛ أي: ما كنت أظن أن الجهد والمشقة وصل بك إلى ما أبصر منك الآن.
قال الحافظ ابن حجر: "أُرى" الأولى -بضم الهمزة- بمعنى الظن، والثانية: بفتح الهمزة من الرؤية بصرية، والجهد بفتح الجيم وسكون الهاء: المشقة والتعب.
ثم قال لي: (أتجد) أي: هل تجد (شاةً) تذبح إذا حلقت شعرك؟ (قلت) له ﷺ : (لا) أجد شاة (قال) كعب: (فنزلت) فيَّ وفي أمثالي (هذه الآية) يعني قوله: (﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾) (١).
(قال) كعب: (فالصوم) أي: فصوم فدية الحلق (ثلاثة أيام؛ والصدقة): هي أن تتصدق بثلاثة آصع (على ستة مساكين؛ لكل مسكين نصف صاع من طعام) غالب قوت البلد (والنسك): هو ذبح (شاة) وتوزيع لحمها.
قوله: "أتجد شاةً؟ " ليس المراد بهذا السؤال: أن الصوم لا يجزئ إلا لعادم النسك، بل هو محمول على أنه سأل عن النسك؛ فإن وجده .. أخبره بأنه مخير بينه وبين الصيام والإطعام، وإن عدمه .. فهو مخير بين الصيام والإطعام. انتهى "نووي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المحصر، باب
стр. 8739
(٣٣) - ٣٠٢٧ - (م) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ
===
الإطعام في الفدية نصف صاع، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذىً ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٣) - ٣٠٢٧ - (م) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، لقبه دحيم، ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(حدثنا عبد الله بن نافع) بن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، من كبار العاشرة، مات سنة ست ومئتين: (٢٠٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن أسامة بن زيد) الليثي مولاهم أبي زيد المدني، صدوق يهم، من السابعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة (١٥٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد أبي حمزة القرظي المدني، وقد كان نزل الكوفة مدةً، ثقة عالم، من الثالثة، ولد سنة أربعين على الصحيح، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن كعب بن عجرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 8740
قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ حِينَ آذَانِي الْقَمْلُ أَنْ أَحْلِقَ رَأْسِي وَأَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، وَقَدْ عَلِمَ أَنْ لَيْسَ عِنْدِي مَا أَنْسُكُ.
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الله بن نافع، وهو ثقة صحيح الكتاب، لكن في حفظه لين، غرضه: بيان متابعة محمد بن كعب لعبد الله بن معقل في الرواية عن كعب بن عجرة.
(قال) كعب: (أمرني النبي ﷺ حين آذاني القمل أن أحلق رأسي، و) أن (أصوم ثلاثة أيام) فدية عن حلق شعري (أو) أن (أطعم) ثلاثة آصع (ستة مساكين) بالمناصفة (و) الحال أنه ﷺ (قد علم أن ليس) أي: أنه ليس (عندي ما أنسك) وأذبح فديةً لحلقي؛ لأني أخبرته ذلك أولًا حين سألني بقوله: "أتجد شاةً؟ ".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده حسنًا؛ لما ذكر.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 8741
(١٦) - (١٠٩٤) - بَابُ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ
(٣٤) - ٣٠٢٨ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ مُحْرِمٌ.
===
(١٦) - (١٠٩٤) - (باب الحجامة للمحرم)
(٣٤) - ٣٠٢٨ - (١) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي أبو جعفر التاجر، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أخبرنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة إمام، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي زياد) الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن وكان شيعيًّا، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مقسم) بكسر أوله ابن بُجْرَةَ بضم الموحدة وسكون الجيم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس؛ للزومه له، صدوق وكان يرسل، من الرابعة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ احتجم وهو صائم محرم) قال السندي: قد يقال: هذا الحديث لا يدل على بقاء الصوم بعد الحجامة؛ لجواز أنه كان
стр. 8742
(٣٥) - ٣٠٢٩ - (٢) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الضَّيْف، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ،
===
في سفر، أو كان الصوم صوم تطوع يجوز فيه الإفطار، فأفطر بالحجامة، بل قد جاء ما يدل على أنه كان في حجة الوداع، وحينئذ كان في صومه أمران: التطوع والسفر.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المحصر وجزاء الصيد، باب الحجامة للمحرم، وفي كتاب الصوم وفي كتاب الطب، ومسلم في كتاب الحج، باب جواز الحجامة، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب المحرم يحتجم، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الحجامة للمحرم عن ابن عباس.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وقد تقدم هذا الحديثُ للمؤَلِّفِ في كتابِ الصيام، باب ما جاء في الحجامة للصائم رقم (٤٩٠)، حديث رقم (١٦٥٤).
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عباس بحديث جابر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٣٥) - ٣٠٢٩ - (٢) (حدثنا بكر بن خلف) ختن المقرئ (أبو بشر) البصري صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا محمد بن أبي الضيف) بالضاد المعجمة واسمه: زيد الحجازي المخزومي مولاهم، مستور، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(عن) عبد الله بن عثمان (بن خثيم) بضم الخاء المعجمة وفتح الثاء
стр. 8743
عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ عَنْ رَهْصَةٍ أَخَذَتْهُ.
===
المثلثة مصغرًا القارئ المكي أبي عثمان، صدوق، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن أبي الضيف، وهو مستور، لم أر من جرحه ولا وثقه، وباقي رجال الإسناد ثقات.
(أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم عن رهصة) ووجعة (أخذته) وأضعفته.
قال السندي: الرهص: أن يصيب باطن حافر الدابة شيء يوهنه، أو ينزل فيه الماء من الإعياء، وأصل الرهص: الشدة. انتهى منه.
يعني: احتجم لأجل صداع أخذه في رأسه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ابن عباس المذكور قبله.
فدرجته: أنه صحيح بغيره وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
تتمة
قال القرطبي: لا خلاف بين العلماء في جواز الحجامة للمحرم حيث كانت؛ من رأس أو جسد للضرورة، وأما لغير الضرورة في جسده؛ حيث لا يحلق
стр. 8744
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شعرًا .. فجمهورهم على جوازه، ومالك يمنعه، واتفقوا: على أنه إذا احتجم في رأسه فحلق لها شعرًا أنه يفتدي، وجمهورهم على أن حكم شعر الجسد كذلك إلا داوود؛ فإنه لا يرى في حلق شعر الجسد؛ لضرورة الحجامة دمًا، والحسن يوجب عليه الدم بالحجامة. انتهى من "المفهم".
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8745
(١٧) - (١٠٩٥) - بَابُ مَا يَدَّهِنُ بِهِ الْمُحْرِمُ
(٣٦) - ٣٠٣٠ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ فَرْقَدٍ السَّبَخِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
(١٧) - (١٠٩٥) - (باب ما يدهن به المحرم)
(٣٦) - ٣٠٣٠ - (١) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار البصري، ثقة ثبت تغير حفظه بأخرة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن فرقد) بن يعقوب (السبخي) -بفتح المهملة والموحدة وبخاء معجمة- نسبة إلى سبخة البصرة، وقيل: من سبخة الكوفة، أبي يعقوب البصري، صدوق عابد، لكنه لين الحديث كثير الخطأ، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه فَرْقدَ السبخيَّ، وهو مختلف فيه، قال عثمان الدارمي عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: بصري لا بأس به، وقال: ليس بثقة، وقال الحاكم: منكر الحديث.
стр. 8746
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَدَّهِنُ رَأْسَهُ بِالزَّيْتِ وَهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرِ الْمُقَتَّتِ.
===
(أن النبي ﷺ كان يدهن رأسه بالزيت) وهو دهن الزيتون (وهو) أي: والحال أنه ﷺ (محرم غير المُقَتَّتِ) (غير) بالجر صفة للزيت.
والمقتت -بضم الميم وفتح القاف وبالتاء الفوقية المفتوحة المشددة، آخره تاء فوقية أيضًا اسم مفعول؛ من قَتَّتَ؛ أي: يدهن رأسه بالزيت الغير المطيب؛ أي: غير المخلوط بالطيب؛ كالورد والورس.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الحج في آخرِه، بابُ ادهان المحرم بالزيت، رقم الحديث (٩٦٩)، قال أبو عيسى: المقتت: المطيب، هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد السبخي عن سعيد بن جبير، وقد تكلم يحيى بن سعيد القطان في فرقد السبخي، ولكن روى عنه الناس، قاله الترمذي في "جامعه".
قوله: (غير المقتت) قال في "القاموس": زيت مقتت طبخ فيه الرياحين، أو خلط بأدهان طيبة. انتهى.
والحديث يدل على جواز الادهان بالزيت الذي لم يخلط بشيء من الطيب، لكن الحديث ضعيف.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أنه يجوز للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج، وأن يستعمل ذلك في جميع بدنه، سوى رأسه ولحيته.
قال: وأجمعوا على أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه، وفرقوا بين الطيب والزيت في هذا، كذا في "الفتح" و"النيل".
قلت: ظاهر كلام الحنفية أن الادهان ممنوع عندهم مطلقًا.
стр. 8747
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال المرغيناني الحنفي في "الهداية": ولا يمس طيبًا؛ لقوله ﷺ الحاج الشعث التفل، وكذا لا يدهن؛ لما روينا. انتهى.
قال ابن الهمام: والشعث: انتشار الشعر وتغبره؛ لعدم تعهده، فأفاد منع الادهان. انتهى من "تحفة الأحوذي" (ص ٣٦) قبيل باب (١١١).
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة؛ كما يدل عليه ظاهر ترجمة المؤلف.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد، ولكن يحمل الحديث على حالة الضرورة؛ كترجمته.
والله أعلم
стр. 8748
(١٨) - (١٠٩٦) - بَابُ الْمُحْرِمِ يَمُوتُ
(٣٧) - ٣٠٣١ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَن رَجُلًا أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ،
===
(١٨) - (١٠٩٦) - (باب المحرم يموت)
(٣٧) - ٣٠٣١ - (١) (حدثنا علي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة حجة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن دينار) الجمحي المكي، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رجلًا) من الصحابة، قال الحافظ: لم أقف على اسمه (أوقصته) أي: كسرت عنقه (راحلته) أي: ناقته (وهو محرم) بالحج واقف بعرفات عند الصخرات، يقال: وقصته وأوقصته بمعنىً واحد؛ أي: كسرت عنقه، والأول من
стр. 8749
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْه، وَلَا تُخَمِّرُوا وَجْهَهُ وَلَا رَأْسَهُ؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
===
الوقص، والثاني من الإيقاص، وهو شاذ؛ لأن الأفصح هو الثلاثي.
(فقال النبي ﷺ : اغسلوه بماء وسدر) قال العيني: فيه غسله بالسدر، فلولا أنه خرج عن الإحرام .. ما أمر بغسله بالسدر (وكفنوه في ثوبيه) الإزار والرداء، وللنسائي: (في ثوبيه اللذين أحرم فيهما)، وفي الحديث جواز التكفين بثوبين، وهو كفن الكفاية، وكفن الضرورة واحد، وإنما لم يزده ثالثًا؛ إكرامًا له؛ كما في الشهيد لم يزد له على ثيابه، كذا في "عمدة القاري".
قال ابن عبد الملك: وفي الحديث أن التكفين مقدم على الدين؛ لأن النبي ﷺ لم يسأل عن دينه. انتهى.
(ولا تخمروا وجهه ولا رأسه) أي: لا تغطوهما عند التكفين؛ من التخمير؛ وهو التغطية (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) أي: حالة كونه قائلًا: لبيك؛ والمعنى: أنه يحشر يوم القيامة على هيئته التي مات عليها؛ ليكون ذلك علامة على حجه؛ كالشهيد يأتي وأوداجه تشخب دمًا.
وفيه أن من شرع في طاعة الله، ثم حال بينه وبين إتمامها الموت .. يرجى له أن الله تعالى يكتبه في الآخرة من أهل ذلك العمل، ويقبله منه إذا صحت النية، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ ... ﴾ الآية (١).
قوله: "ولا تخمروا وجهه" قال الحافظ ابن حجر: وقد تمسكت الأحناف ومن وافقهم من هذا الحديث بلفظة اختلف في ثبوتها؛ وهي قوله: "ولا
стр. 8750
(٣٧) - ٣٠٣١ - (م) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ،
===
تخمروا وجهه" فقالوا: لا يجوز للمحرم تغطية وجهه، مع أنهم لا يقولون بظاهر الحديث لمن مات محرمًا.
وأما الجمهور .. فأخذوا بظاهر الحديث، وقالوا: إن في ثبوت ذكر الوجه مقالًا، وتردد ابن المنذر في صحته، وقال البيهقي: ذكر الوجه غريب، وهو وهم من بعض رواته، وفيه نظر.
وقيل: يتأول هذا الحديث على أن النهي عن تغطية وجهه ليس لكون المحرم لا يجوز تغطية وجهه، بل هو صيانة للرأس؛ فإنهم لو غطوا وجهه .. لم يؤمن من أن يغطى رأسه. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب جزاء الصيد، باب المحرم يموت بعرفة، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات، وأبو داوود في كتاب الجنائز، باب المحرم يموت كيف يصنع به، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في المحرم يموت في إحرامه، والنسائي في كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم إذا مات.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٣٧) - ٣٠٣١ - (م) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي.
(حدثنا وكيع، حدثنا شعبة، عن أبي بشر) جعفر بن إياس بن أبي وحشية
стр. 8751
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "أَعْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ"، وَقَالَ: "لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
===
بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس، وقيل: ست وعشرين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، غرضه بسوقه: بيان متابعة أبي بشر لعمرو بن دينار في رواية هذا الحديث عن سعيد بن جبير.
وساق أبو بشر (مثله) أي: مثل حديث عمرو بن دينار (إلا أنه) هذا استثناء من المماثلة؛ أي: لكن أبا بشر (قال) في روايته: (أعقصته) -بالهمزة والعين المهملة- بدل قول ابن دينار: (أوقصته) بالهمزة والواو والمعنى: أنها حرنت فوقع صاحبها عنها فكسرت عنقه (راحلتُه) أي: ناقته.
وفي نسخة: (أقعصته) -بتقديم العين على الصاد- أي: قتلته في الحال، فهو إعجال الهلاك؛ أي: لم يلبث أن مات.
وقال الجوهري: يقال: ضربه فأقعصه؛ أي: قتله مكا نه، يقال: قصع القملة؛ أي: قتلها، وقصع الماء عطشه؛ أي: أذهبه وسكنه.
(وقال) أبو بشر أيضًا في روايته: (لا تقربوه طيبًا؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) قوله: "لا تقربوه طيبًا" قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث الشافعي وأحمد وإسحاق، فقالوا: إذا مات المحرم .. لا يحنط ولا يغطى رأسه.
وقال مالك والكوفيون والحسن والأوزاعي: إنه يفعل به ما يفعل بالحلال، وكأنهم رأوا أن هذا الحكم مخصوص بذلك الرجل. انتهى من "المفهم".
وقال العيني: احتج بهذا الحديث الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر؛
стр. 8752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في أن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولهذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وعطاء والثوري.
وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال؛ وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاووس؛ لأنها عبادة شرعت فبطلت بالموت؛ كالصلاة والصيام، وقال ﷺ : "إذا مات ابن آدم .. انقطع عمله إلا من ثلاث، وإحرامه من عمله، وليس من الثلاث، فينبغي أن ينقطع بالموت، ولأن الإحرام لو بقي .. لطيف به وكملت مناسكه.
وقال بعضهم: وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على مورد النص، ولا سيما قد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام؛ كاستبقاء دم الشهداء؛ حيث قال: (فإن الله) سبحانه وتعالن (يبعثه) أي: يبعث هذا الرجل (يوم القيامة) حالة كونه (ملبيًا) أي: قائلًا: لبيك؛ لتكون علامةً على إحرامه.
وشارك المؤلف في هذه الرواية: البخاري في كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يُفْعَلُ بالمحرمِ إذا ماتَ، والنسائي في كتاب المناسك، باب تخمير المحرم وجهه ورأسه.
والمقصود من هذه الرواية: بيان المتابعة، وإنما كرر المتن؛ لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات وبالزيادة.
ودرجتها: أنها صحيحة؛ كالرواية الأولى؛ لصحة سندها.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 8753
(١٩) - (١٠٩٧) - بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ
(٣٨) - ٣٠٣٢ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الضَّبُعِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ كَبْشًا وَجَعَلَهُ
===
(١٩) - (١٠٩٧) - (باب جزاء الصيد يصيبه المحرم)
(٣٨) - ٣٠٣٢ - (١) (حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، حدثنا جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة (١٧٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عبيد) بالتصغير وبغير إضافة أيضًا (ابن عمير) مصغرًا الليثي المكي، ثقة، من الثالثة، استشهد غازيًا سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرحمن) بن عبد الله (بن أبي عمار) المكي، وقد ينسب إلى جده حُليفِ بن جُمح، الملقَّب بالقُسِّ بضم القاف وتشديد السين المهملة ثقة عابد، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابرٌ: (جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ في) ضمانِ (الضَّبُعِ) الذي (يُصِيبُه) أي: يَصيده (المحرمُ كبشًا) أي: ذَكَرَ ضَأْنٍ الذي تمَّ له سنة؛ أي: حَكَم فيه بالكَبْش إذَا قَتلَه (وجعَلَه) أي: وجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
стр. 8754
مِنَ الصَّيْدِ.
===
الضَّبُعَ (من الصيدِ) الذي يُضمن؛ لأنه مما يحل أكله فيضمن بالمثل.
قال الخطابي: إذا كان قد جعله صيدًا، ورأى فيه الفداء .. فقد أباح أكله؛ كالظباء والحُمر الوحشية وغيرهما من أنواع صيد البر، وإنما أسقط الفداء في قتل ما لا يؤكل فقال: "خمس لا جناح فيمن قتلهن في الحل والحرم ... " الحديث.
والضبع: هو الواحد الذكر، والأنثى الضبعان، ولا يقال: ضبعة، ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى، فيلقح في حال الذكورة، ويلد في حال الأنوثة، وهو مولَعٌ بِنَبْشِ القبُور؛ لشهوته لِلُحومِ بني آدم، كذا في "النيل"، ويقال للضبع في الفارسية: كِفْتَارٌ. انتهى من "العون".
وفي الحديث دليل على أن الكبش مثل الضبع، وفيه أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة؛ ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقل أو أكثر.
والحديث يدل على جواز أكل الضبع، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقال الشافعي: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه وتمدحه، وذهب أكثر العلماء إلى التحريم، واحتجوا: بأنها سبع، وقد نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع.
ويجاب بأن حديث الباب خاص، فيقدم على حديث: "كل ذي ناب ... "، واحتجوا أيضًا بما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: "أويأكل الضبعَ أحد؟ ! ".
فيجاب بأن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية، وهو
стр. 8755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف أيضًا.
قال الخطابي في "المعالم": وقد اختلف الناس في أكل الضبع: فروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع، وروي عن ابن عباس إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وكرهه الثوري وأصحاب الرأي ومالك، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، واحتجوا بأنها سبع، وقد نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، قال الخطابي: وقد يقُوم دليلُ الخُصوص فَيَنْزعُ الشيءَ من الجملةِ؛ أَي: يستثنى البعضُ مِنَ العموم، وخبرُ جابر خاص، وخبر تحريم السباع عام. انتهى.
وقال الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين": والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع، ومن تأمل ألفاظه ﷺ الشريفة .. تبين له اندفاع هذا السؤال؛ فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين:
١ - أن يكون له ناب.
٢ - وأن يكون من السباع العادية بطبعها؛ كالأسد والنمر والذئب والفهد، وأما الضبع .. فإنما فيها أحد الوصفين؛ وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب.
والسبع إنما حرم؛ لما فيه من القوة السبعية التي تورث المُغْتَذِي بها شبَهَها؛ فإن الغاذِي شبيه بالمغتذَى، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم،