Полный текст (12 442 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.
стр. 8751
عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "أَعْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ"، وَقَالَ: "لَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا؛ فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا".
===
بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس، وقيل: ست وعشرين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، غرضه بسوقه: بيان متابعة أبي بشر لعمرو بن دينار في رواية هذا الحديث عن سعيد بن جبير.
وساق أبو بشر (مثله) أي: مثل حديث عمرو بن دينار (إلا أنه) هذا استثناء من المماثلة؛ أي: لكن أبا بشر (قال) في روايته: (أعقصته) -بالهمزة والعين المهملة- بدل قول ابن دينار: (أوقصته) بالهمزة والواو والمعنى: أنها حرنت فوقع صاحبها عنها فكسرت عنقه (راحلتُه) أي: ناقته.
وفي نسخة: (أقعصته) -بتقديم العين على الصاد- أي: قتلته في الحال، فهو إعجال الهلاك؛ أي: لم يلبث أن مات.
وقال الجوهري: يقال: ضربه فأقعصه؛ أي: قتله مكا نه، يقال: قصع القملة؛ أي: قتلها، وقصع الماء عطشه؛ أي: أذهبه وسكنه.
(وقال) أبو بشر أيضًا في روايته: (لا تقربوه طيبًا؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا) قوله: "لا تقربوه طيبًا" قال بمقتضى ظاهر هذا الحديث الشافعي وأحمد وإسحاق، فقالوا: إذا مات المحرم .. لا يحنط ولا يغطى رأسه.
وقال مالك والكوفيون والحسن والأوزاعي: إنه يفعل به ما يفعل بالحلال، وكأنهم رأوا أن هذا الحكم مخصوص بذلك الرجل. انتهى من "المفهم".
وقال العيني: احتج بهذا الحديث الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر؛
стр. 8752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
في أن المحرم على إحرامه بعد الموت، ولهذا يحرم ستر رأسه وتطييبه، وهو قول عثمان وعلي وابن عباس وعطاء والثوري.
وذهب أبو حنيفة ومالك والأوزاعي إلى أنه يصنع به ما يصنع بالحلال؛ وهو مروي عن عائشة وابن عمر وطاووس؛ لأنها عبادة شرعت فبطلت بالموت؛ كالصلاة والصيام، وقال ﷺ : "إذا مات ابن آدم .. انقطع عمله إلا من ثلاث، وإحرامه من عمله، وليس من الثلاث، فينبغي أن ينقطع بالموت، ولأن الإحرام لو بقي .. لطيف به وكملت مناسكه.
وقال بعضهم: وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر فيه على مورد النص، ولا سيما قد وضح أن الحكمة في ذلك استبقاء شعار الإحرام؛ كاستبقاء دم الشهداء؛ حيث قال: (فإن الله) سبحانه وتعالن (يبعثه) أي: يبعث هذا الرجل (يوم القيامة) حالة كونه (ملبيًا) أي: قائلًا: لبيك؛ لتكون علامةً على إحرامه.
وشارك المؤلف في هذه الرواية: البخاري في كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم، ومسلم في كتاب الحج، باب ما يُفْعَلُ بالمحرمِ إذا ماتَ، والنسائي في كتاب المناسك، باب تخمير المحرم وجهه ورأسه.
والمقصود من هذه الرواية: بيان المتابعة، وإنما كرر المتن؛ لما في هذه الرواية من المخالفة للرواية الأولى في بعض الكلمات وبالزيادة.
ودرجتها: أنها صحيحة؛ كالرواية الأولى؛ لصحة سندها.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 8753
(١٩) - (١٠٩٧) - بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ
(٣٨) - ٣٠٣٢ - (١) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الضَّبُعِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ كَبْشًا وَجَعَلَهُ
===
(١٩) - (١٠٩٧) - (باب جزاء الصيد يصيبه المحرم)
(٣٨) - ٣٠٣٢ - (١) (حدثنا علي بن محمد، حدثنا وكيع، حدثنا جرير بن حازم) بن زيد بن عبد الله الأزدي أبو النضر البصري، والد وهب، ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف، وله أوهام إذا حدث من حفظه، من السادسة، مات سنة سبعين ومئة (١٧٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عبيد) بالتصغير وبغير إضافة أيضًا (ابن عمير) مصغرًا الليثي المكي، ثقة، من الثالثة، استشهد غازيًا سنة ثلاث عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عبد الرحمن) بن عبد الله (بن أبي عمار) المكي، وقد ينسب إلى جده حُليفِ بن جُمح، الملقَّب بالقُسِّ بضم القاف وتشديد السين المهملة ثقة عابد، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) جابرٌ: (جَعَلَ رسولُ اللهِ ﷺ في) ضمانِ (الضَّبُعِ) الذي (يُصِيبُه) أي: يَصيده (المحرمُ كبشًا) أي: ذَكَرَ ضَأْنٍ الذي تمَّ له سنة؛ أي: حَكَم فيه بالكَبْش إذَا قَتلَه (وجعَلَه) أي: وجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم
стр. 8754
مِنَ الصَّيْدِ.
===
الضَّبُعَ (من الصيدِ) الذي يُضمن؛ لأنه مما يحل أكله فيضمن بالمثل.
قال الخطابي: إذا كان قد جعله صيدًا، ورأى فيه الفداء .. فقد أباح أكله؛ كالظباء والحُمر الوحشية وغيرهما من أنواع صيد البر، وإنما أسقط الفداء في قتل ما لا يؤكل فقال: "خمس لا جناح فيمن قتلهن في الحل والحرم ... " الحديث.
والضبع: هو الواحد الذكر، والأنثى الضبعان، ولا يقال: ضبعة، ومن عجيب أمره أنه يكون سنة ذكرًا، وسنة أنثى، فيلقح في حال الذكورة، ويلد في حال الأنوثة، وهو مولَعٌ بِنَبْشِ القبُور؛ لشهوته لِلُحومِ بني آدم، كذا في "النيل"، ويقال للضبع في الفارسية: كِفْتَارٌ. انتهى من "العون".
وفي الحديث دليل على أن الكبش مثل الضبع، وفيه أن المعتبر في المثلية بالتقريب في الصورة لا بالقيمة؛ ففي الضبع الكبش سواء كان مثله في القيمة أو أقل أو أكثر.
والحديث يدل على جواز أكل الضبع، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وقال الشافعي: ما زال الناس يأكلونها ويبيعونها بين الصفا والمروة من غير نكير، ولأن العرب تستطيبه وتمدحه، وذهب أكثر العلماء إلى التحريم، واحتجوا: بأنها سبع، وقد نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع.
ويجاب بأن حديث الباب خاص، فيقدم على حديث: "كل ذي ناب ... "، واحتجوا أيضًا بما أخرجه الترمذي من حديث خزيمة بن جزء، قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع، فقال: "أويأكل الضبعَ أحد؟ ! ".
فيجاب بأن هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الكريم بن أمية، وهو
стр. 8755
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
متفق على ضعفه، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، وهو ضعيف أيضًا.
قال الخطابي في "المعالم": وقد اختلف الناس في أكل الضبع: فروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضبع، وروي عن ابن عباس إباحة لحم الضبع، وأباح أكلها عطاء والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وكرهه الثوري وأصحاب الرأي ومالك، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب، واحتجوا بأنها سبع، وقد نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع، قال الخطابي: وقد يقُوم دليلُ الخُصوص فَيَنْزعُ الشيءَ من الجملةِ؛ أَي: يستثنى البعضُ مِنَ العموم، وخبرُ جابر خاص، وخبر تحريم السباع عام. انتهى.
وقال الحافظ ابن القيم في "إعلام الموقعين": والذين صححوا الحديث جعلوه مخصصًا لعموم تحريم ذي الناب من غير فرق بينهما، حتى قالوا: ويحرم أكل كل ذي ناب من السباع إلا الضبع، ومن تأمل ألفاظه ﷺ الشريفة .. تبين له اندفاع هذا السؤال؛ فإنه إنما حرم ما اشتمل على الوصفين:
١ - أن يكون له ناب.
٢ - وأن يكون من السباع العادية بطبعها؛ كالأسد والنمر والذئب والفهد، وأما الضبع .. فإنما فيها أحد الوصفين؛ وهو كونها ذات ناب، وليست من السباع العادية، ولا ريب أن السباع أخص من ذوات الأنياب.
والسبع إنما حرم؛ لما فيه من القوة السبعية التي تورث المُغْتَذِي بها شبَهَها؛ فإن الغاذِي شبيه بالمغتذَى، ولا ريب أن القوة السبعية التي في الذئب والأسد والنمر والفهد ليست في الضبع حتى تجب التسوية بينهما في التحريم،
стр. 8756
(٣٩) - ٣٠٣٣ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْقَطَّانُ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مَوْهَبٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الْفَزَارِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز،
===
ولا تُعدُّ الضبعُ من السباع لغةً ولا عرفًا. انتهى. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأطعمة، باب في أكل الضبع، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الضبع يصيبها المحرم، والنسائي في كتاب المناسك، باب ما لا يقتله المحرم، وفي كتاب الصيد، باب الضبع.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٣٩) - ٣٠٣٣ - (٢) (حدثنا محمد بن موسى) بن عمران (القطان) أبو جعفر (الواسطي) صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (خ م ق).
(حدثنا يزيد) بن خالد بن يزيد بن عبد الله (بن موهب) -بفتح الهاء- أبو خالد الرملي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئتين (٢٣٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء (الفزاري) أبو عبد الله الكوفي، نزيل مكة ودمشق، ثقة حافظ، وكان يدلس أسماء الشيوخ، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا علي بن عبد العزيز) ويقال له: علي بن غراب، باسم الطائر،
стр. 8757
حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ، عَنْ أَبِي الْمُهَزِّم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "فِي بَيْضِ النَّعَامِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمُ ثَمَنُهُ".
===
لقب أبيه، الفزاري مولاهم الكوفي القاضي، صدوق، وكان يدلس، وأفرط ابن حبان في تضعيفه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ).
يروي عنه: (س ق)، قال أحمد: حديثه حديث أهل الصدق، وقال ابن معين: صدوق، وتارة: لا بأس به، ولكنه كان يتشيع، وقال ابن قانع: كوفي شيعي ثقة، وقال عثمان بن أبي شيبة: ثقة، ووقع في "العلل" للدارقطني بعد أن ذكر جماعةً من جملتهم علي بن غراب، فوصفهم بأنهم ثقات.
قلت: والمفهوم من كلامهم أنه مختلف فيه. انتهى من "التهذيب".
(حدثنا حسين) بن ذكوان (المعلم) المكتب العوذي بفتح المهملة وسكون الواو بعدها معجمة البصري، ثقة ربما وهم، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي المهزم) بضم الميم وتشديد الزاي المكسورة يزيد بن سفيان التميمي البصري، وقيل: عبد الرحمن بن سفيان، متروك، من الثالثة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه أبا المهزم، وهو متفق على ضعفه.
(أن رسول الله ﷺ قال): يجب (في بيض النعام يصيبه) أي: يأخذه (المحرم ثمنه) أي: قيمته.
стр. 8758
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٢) (٣١٢)؛ لضعف سنده وليس له شاهد، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 8759
(٢٠) - (١٠٩٨) - بَابُ مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ
(٤٠) - ٣٠٣٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ قَالُوا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ عَائِشَةَ
===
(٢٠) - (١٠٩٨) - (باب ما يقتل المحرم)
(٤٠) - ٣٠٣٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري.
(ومحمد بن المثنى) العنزي البصري.
(ومحمد بن الوليد) بن عبد الحميد القرشي البسري بضم الموحدة وسكون المهملة البصري، يلقب بحمدان، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (خ م س ق).
كلهم من العاشرة (قالوا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(سمعت قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(يحدث عن سعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من الثانية، مات بعد سنة تسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
стр. 8760
أَنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: "خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ وَالْحِدَأَةُ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ قال: خمس) من الدواب، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بصفة محذوفة؛ كما قدرناها (فواسق) أي: خارجات عن حكم سائر الحيوانات، يحل قتلهن في الحرم والحل والإحرام؛ لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع بها؛ مأخوذ من الفسق؛ بمعنى: الخروج عن الاستقامة، سميت به؛ لخبثهن وإفسادهن (يقتلن في الحل) وهو ما عدا الحرم (والحرم) وفي حالة الإحرام.
أحدها: (الحية) وهي حيوان معروف خبيث لا أرجل لها (و) ثانيها: (الغراب الأبقع) وهو الذي في رأسه بقعة بياض؛ لأنه يأكل المستقذرات من الجيف وديدان القمامة، وقال النووي: هو الذي في بطنه أو ظهره بياض. انتهى.
قال صاحب "الهداية": المراد بالغراب في الحديث: الغداف والأبقع؛ لأنهما يأكلان الجيف، وأما غراب الزرع .. فلا يقتل.
(و) ثالثها: (الفأرة) حيوان معروف، يجمع على فئران.
(و) رابعها: (الكلب العقور) أي: كثير الافتراس والاعتداء على غيره؛ فالعقور: هو الذي يبتدئ بالأذى بلا سبب، فهو قيد لا بد منه.
واختلف العلماء في غير العقور مما لم يؤمر باقتنائه: فصرح بتحريم قتله القاضيان حسين والماوردي وغيرهما، ووقع في الأم للشافعي الجواز، قاله الحافظ ابن حجر.
(و) خامسها: (الحدأة) -بكسر أوله وفتح ثانيه بعدها همزة بغير مد- وجمعها حدأ؛ كعنبة وعنب؛ وهو طائر خبيث، هو أخس الطيور، يخطف
стр. 8761
(٤١) - ٣٠٣٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله،
===
الأفراخ وصغار أولاد الكلب، وربما يخطف ما لا يصلح له إن كان أحمر؛ يظنه لحمًا.
ومن خواص الحدأة: أنها تقف في الطيران، ويقال: إنها لا تخطفه إلا من جهة اليمين. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم، والنسائي في كتاب الحج، باب قتل العقرب، وأحمد في "المسند"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، في كتاب الحج، باب ما للمحرم قتله في الحل والحرم.
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤١) - ٣٠٣٥ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
стр. 8762
عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ أَوْ قَالَ: فِي قَتْلِهِنَّ وَهُوَ حَرَامٌ: الْعَقْرَبُ وَالْغُرَابُ وَالْحُدَيَّا وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ".
===
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : خمس من الدواب لا جناح) ولا ذنب ولا مؤاخذة ولا جزاء (على من قتلهن) أي: على من قتل واحدًة منهن.
قال نافع: (أو قال) ابن عمر: (في قتلهن) بدل قوله أولًا: (على من قتلهن) (وهو) أي: والحال أن ذلك القاتل (حرام) أي: محرم بأحد النسكين، أو داخل في الحرم (العقرب) ذكرها هنا بدل (الحية) في الرواية الأولى؛ وهو حيوان خبيث معروف ذو سم (والغراب) الأبقع (والحديا) بصيغة التصغير وقد أنكر ثابت في الدلائل هذه الصيغة، وقال: الصواب: الحُدَيْئَة والحُدَيَّة؛ أي: بهمزة وزيادة هاء؛ أو بالتشديد بغير همزة (والفأرة والكلب العقور).
قال المازري: اختلف في صغير هذه الأجناس المذكورة في الحديث؛ هل تقتل أم لا؟ وعلى المنع؛ هل فيها الفدية إذا قتلت؟
قال القاضي عياض: واتفقوا على أن ما أذن في قتله أنه يجوز قتله ابتداءً، وعلى أن ما لا يقتل عند أحدهم أنه يقتل إذا ابتدأ بالإذاية، أو خافه المحرم أنه يقتله ولا فدية إلا عند زفر؛ فمن قتل عنده ما لا يباح قتله ابتداءً .. فداه ولو صال عليه، ووقع لبعض أصحابنا في سباع الطير غير الحدأة والغراب .. الفدية وإن ابتدأت، والمعروف خلافه.
قال مالك: لو تركت .. كثرت، وشأن المحرم يسير، ولم يختلف في
стр. 8763
(٤٢) - ٣٠٣٦ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ،
===
قتل الحلال الوزغ في الحرم، وقد أخرج مسلم حديث الأمر بقتلها في آخر الكتاب.
قلت: وفي هذا الحديث -أي: الذي هو في "صحيح مسلم"-: أن ثواب من قتلها بأول ضربة أكثر من ثواب من قتلها بضربتين، وثواب من قتلها بضربتين أكثر من ثواب من قتلها بثلاث ضربات، وعن مالك في الذئب أنه لا يقتله المحرم ابتداءً، وكأنه لضعف افتراسه. انتهى من "الأبي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري ومسلم في كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله في الحل والحرم، وأبو داوود في كتاب المناسك، باب ما يقتل المحرم من الدواب، والنسائي في كتاب الحج، باب ما يقتل المحرم.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عائشة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٢) - ٣٠٣٦ - (٣) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن فضيل) بن غزوان الضبي مولاهم أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق عارف بالحديث رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 8764
عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَالسَّبُعَ الْعَادِيَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالْفَأْرَةَ الْفُوَيْسِقَةَ"،
===
(عن يزيد بن أبي زياد) الهاشمي الكوفي، ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن، من الخامسة، مات سنة ست وئلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن ابن أبي نعم) بضم النون وسكون العين المهملة عبد الرحمن البجلي أبي الحكم الكوفي العابد، صدوق، من الثالثة، مات قبل المئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد) الخدري رضي الله تعالى عنه (عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو متفق على ضعفه.
(أنه) أي: أن النبي ﷺ (قال: يقتل المحرم) أي: من كان في إحرام النسك أو كان داخل الحرم (الحية) بجميع أنواعها (والعقرب والسبع العادي) أي: الظالم الذي يفترس الناس ويعقرهم، فكل ما كان هذا الفعل نعتًا له؛ من أسد ونمر وفهد ونحوها .. فحكمه هذا الحكم، وليس على قاتلها فدية، والله أعلم. انتهى من "العون". (والكلب العقور) -بفتح العين- صيغة مبالغة لعاقر؛ وهو الجارح المفترس. انتهى "سندي".
(والفأرة الفويسقة) تصغير فاسقة؛ لخروجها من جحرها على الناس وإفسادها، وأصل الفسق: هو الخروج، ومن هذا سمي الخارج عن الطاعة فاسقًا، ويقال: فسقت الرطبة عن قشرها؛ إذا خرجت عنه، قاله الخطابي.
стр. 8765
فَقِيلَ لَهُ: لِمَ قِيلَ لَهَا: الْفُوَيْسِقَةُ؟ قَالَ: لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَيْقَظَ لَهَا وَقَدْ أَخَذَتِ الْفَتِيلَةَ لِتُحْرِقَ بِهَا الْبَيْتَ.
===
قوله: "والكلب العقور" اختلف في المراد بالكلب العقور:
فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة بإسناد حسن؛ كما قال الحافظ: إنه الأسد، وعن زيد بن أسلم أنه قال: وأي كلب أعقر من الحية؟ !
وقال زفر: المراد به هنا: الذئب خاصة.
وقال في "الموطأ": كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم؛ كالأسد والنمر والفهد والذئب .. فهو عقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.
وقال أَبُو حنيفةَ: المراد به هنا: الكلب خاصة ولا يلتحق به في هذا الحكم سوى الذئب. انتهى من "العون".
(فقيل له) أي: لأبي سعيد الخدري، ولم أر من ذكر اسم هذا القائل: (لم قيل لها) أي: للفأرة (الفويسقة) ولم سميت بها؛ (قال) أبو سعيد في جواب السائل: (لأن رسول الله ﷺ استيقظ لها) أي: للنظر إليها؛ لأنها كانت في عادتها تفسد في البيت ليلًا، وقد ترك الشمعة موقدة، فرآها (وقد أخذت الفتيلة) أي: فتيلة الشمعة وخيطها (لتحرق بها) أي: بنار الفتيلة (البيت) فسميت لذلك فويسقة؛ لأنها خرجت عن عادة سائر الدواب الخمس بهذا الإفساد، فسميت بذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب المناسك، باب ما يقتل المحرم من الدواب، والترمذي في كتاب الحج، باب ما يقتل المحرم من الدواب، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم.
стр. 8766
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح بما قبله، وسنده ضعيف؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عائشة.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8767
(٢١) - (١٠٩٩) - بَابُ مَا يُنْهَى عَنْهُ الْمُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ
(٤٣) - ٣٠٣٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٢١) - (١٠٩٩) - (باب ما ينهى عنه المحرم من الصيد)
(٤٣) - ٣٠٣٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(قالا: حدثنا سفيان بن عيينة).
(ح وحدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، ثقة، من السابعة، قرين مالك، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من سفيان والليث روى (عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب الزهري) المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله بن عبد الله) بن عتبة بن مسعود الهذلي أبي عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، مات دون المئة سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة ثمان، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 8768
قَالَ: "أَنْبَأَنَا الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَنَا بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَأَهْدَيْتُ لَهُ حِمَارَ وَحْشٍ
===
(قال) ابن عباس: (أنبأنا الصعب) بفتح أوله وسكون المهملة (ابن جثامة) - بفتح الجيم وتشديد المثلثة - الليثي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات في خلافة أبي بكر الصديق على ما قيل، والأصح أنه عاش إلى خلافة عثمان رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع).
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) الصعب: (مر بي) أي: مر علي (رسول الله ﷺ وأنا) نازل (بالأبواء) - بفتح الهمزة وسكون الموحدة - قرية أو جبل من عمل الفُرْع - بضم الفاء وبعدها راء وعين مهملة - بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، قيل: سمي بالأبواء؛ لوبائه وهو على القلب المكاني، وإلا لقيل: (بالأوباء) بدل (بالأبواء)، وقيل: لأن السيول تتبوءه؛ أي: تحله.
(أو) قال الصعب: أنا نازل (بودان) والشك من ابن عباس - وهو بفتح الواو وتشديد الدال آخره نون - موضع بقرب الجحفة، بينه وبين الجحفة ثمانية أميال، وبالشك جزم أكثر الرواة، وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان عن الزهري بودان، وجزم معمر وعبد الرحمن بن إسحاق ومحمد بن عمر بالأبواء، والذي يظهر لي أن الشك فيه من ابن عباس؛ لأن الطبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشك أيضًا، قاله الحافظ رحمه الله تعالى.
وفي "أسد الغابة": كان الصعب ينزل ودان والأبواء من أرض الحجاز، ومر به رسول الله ﷺ ، وأهدى له حمارًا وحشيًّا؛ كما قال: (فأهديت له) ﷺ (حمار وحش) بالإضافة، ويقال: حمارًا
стр. 8769
فَرَدَّهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَأَى فِي وَجْهِيَ الْكَرَاهِيَةَ .. قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ وَلكِنَّا حُرُمٌ".
===
وحشيًّا بالوصف؛ كما في كتب الفقه؛ وهو حيوان بري مأكول معروف يشبه الحمر الإنسية.
(فرده) أي: فرد رسول الله ﷺ (علي) الحمار الذي أهديت له (فلما) رده علي .. انكسر قلبي حتى (رأى) رسول الله ﷺ (في وجهي الكراهية) أي: أثر كراهيتي رده علي هدية الحمار؛ وذلك الأثر: عبوسة الوجه وتغير لونه؛ فلما رأى رسول الله ﷺ أثر كراهية الرد علي (قال) رسول الله ﷺ ؛ جبرًا لانكسار قلبي وحزني وتطييبًا لخاطري وإزالة لحزني: (إنه) أي: إن الشأن والحال (ليس بنا) أي: ليس واقعًا في قلبنا (رد عليك) أي: قصد رد هديتك عليك باختيارنا (ولكنا) أي: ولكن نحن معاشر الحاضرين معي (حرم) - بضمتين - جمع حرام؛ وهو من أحرم بنسك؛ أي: قوم محرمون للنسك، فلا يحل لنا أكل لحم الصيد، وكأنه كان ذلك الحمار حمارًا حيًّا؛ أو كان لحمًا وصيد بقصد الإهداء لرسول الله ﷺ .
وفي "المبارق": يجوز للمحرم أكل ما اصطاده الحلال في الحل، سواء اصطاده لنفسه أو للمحرم إن لم يأمره محرم باصطياده له، ولم يدل عليه، ولا أعانه عليه، ولا أشار له إليه؛ لما روي في حديث أبي قتادة الأنصاري أنَّ الحُرُمَ سألوا النبيَّ ﷺ عن لحم الصيد، فقال لهم: "أشرتم إليه أو دللتم عليه؟ " قالوا: لا، قال "كلوا". انتهى، قال الطحاوي: حديث الصعب لا يعمل به؛ للاختلاف في روايته.
وقال الشافعي: لا يجوز للمحرم أكل ما صاده حلال إذا صيد له، وحمل رد
стр. 8770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النبي ﷺ في حديث الصعب على علمه أن الحمار صيد له ﷺ . انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصيد، باب إذا أهدي للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل، ومسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد على المحرم، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في كراهية لحم الصيد للمحرم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
تتمة
قال الحافظ رحمه الله تعالى: واستدل بهذا الحديث على تحريم الأكل من لحم الصيد على المحرم مطلقًا؛ لأنه اقتصر في التعليل على كونه محرمًا، فدل على أنه سبب الامتناع خاصةً، وهو قول علي وابن عباس وابن عمر والليث والثوري وإسحاق؛ لحديث الصعب هذا، ولما أخرجه أبو داوود وغيره من حديث علي رضي الله تعالى عنه أنه قال لناس من أشجع: أتعلمون أن رسول الله ﷺ أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم، فأبى أن يأكله؟ قالوا: نعم.
لكن يعارض هذا الظاهر ما أخرجه مسلم أيضًا من حديث طلحة أنه أهدى له لحم طير وهو محرم، فَوَفَّقَ مَنْ أكَلَه - أي: حكم له بالتوفيق للصواب - وقال: أكلناه مع رسول الله ﷺ ، وحديث أبي قتادة الأنصاري المذكور في الباب بعده، وحديث عمير بن سلمة أن البهزي أهدى النبي ﷺ ظبيًا وهو محرم، فأمر أبا بكر الصديق أن يقسمه بين
стр. 8771
(٤٤) - ٣٠٣٨ - (٢) حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ،
===
الرفاق. أخرجه مالك وأصحاب السنن، وصححه ابن خزيمة وغيره.
والبهزي: هو زيد بن كعب، صحابي له حديث واحد عند النسائي.
وبالجواز مطلقًا قال الكوفيون وطائفة من السلف، وجمع الجمهور بين ما اختلف من ذلك؛ بأن أحاديث القبول محمولة على ما يصيده الحلال لنفسه، ثم يهدي منه للمحرم، وأحاديث الرد محمولة على ما صاده الحلال لأجل المحرم.
قالوا: والسبب في الاقتصار على الإحرام عند الاعتذار للصعب: أن الصيد لا يحرم على المرء إذا صيد له، إلا إذا كان محرمًا، فبين الشرط الأصلي، وسكت عما عداه، فلم يدل على نفسه، وقد بينه في الأحاديث الأخر.
ويؤيد هذا الجمع حديث جابر مرفوعًا: "صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصاد لكم" أخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة.
هكذا الرواية بالرفع في (يصاد)، وهي جائزة على لغة، ومنه قول الشاعر:
ألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد
والجاري على القوانين العربية: (أو يصد) بالجزم؛ لأنه معطوف على المجزوم. انتهى "سندي".
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث الصعب بن جثامة بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٤٤) - ٣٠٣٨ - (٢) (حدثنا عثمان بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وهو أكبر من أبي بكر بسنتين، ولكن أبا بكر أوثق منه
стр. 8772
حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُحَمَّدِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيم، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْحَارِث، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
===
حفظًا وأوسع منه علمًا، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومئتين (٢٣٩ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عمران بن محمد) بن عبد الرحمن (بن أبي ليلى) وقد ينسب إلى جد أبيه، مقبول، من الثامنة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أبيه) محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي أبي عبد الرحمن، صدوق سيئ الحفظ جدًّا، من السابعة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (عم).
(عن عبد الكريم) بن أبي المخارق - بضم الميم وبالخاء المعجمة - اسم أبيه قيس أو طارق، أبي أمية المعلم البصري، ضعيف، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (خ م ت س ق).
(عن عبد الله بن الحارث) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي أبي محمد المدني، لقبه بَبَّة، أمير البصرة، له رؤية ولأبيه وجده صحبة.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على ثقته، مات سنة تسع وسبعين (٧٩ هـ)، ويقال: أربع وثمانين. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(عن علي بن أبي طالب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الكريم بن أبي المخارق، وهو متفق على ضعفه، وكذا الراوي عنه محمد ابن أبي ليلى، ضعيف.
стр. 8773
قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمِ صَيْدٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَلَمْ يَأْكُلْهُ.
===
(قال) علي: (أُتي النبي ﷺ أي: أُهدي له (بلحم صيد وهو) ﷺ (محرم فلم يأكله) فرده على صاحبه الذي أهدى به.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وهو: صحيح بما قبله، وسنده ضعيف؛ لما ذكرنا آنفًا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث الصعب بن جثّامة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8774
(٢٢) - (١١٠٠) - بَابُ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ إِذَا لَمْ يُصَدْ لَهُ
(٤٥) - ٣٠٣٩ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ.
===
(٢٢) - (١١٠٠) - (باب الرخصة في ذلك إذا لم يصد له)
(٤٥) - ٣٠٣٩ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة، عن يحيى بن سعيد) بن قيس الأنصاري المدني أبي سعيد القاضي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد (التيمي) أبي عبد الله المدني، ثقة له أفراد، من الرابعة. يروي عنه: (ع)، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ).
(عن عيسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي أبي محمد المدني، ثقة فاضل، من كبار الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن طلحة بن عبيد الله) بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة التيمي أبي محمد المدني؛ وهو المسمى طلحة الفياض، أحد العشرة المبشرة بالجنة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين، استشهد يوم الجمل سنة ست وثلاثين (٣٦ هـ) وهو ابن ثلاث وستين. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، ولكنه معلول.
стр. 8775
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ حِمَارَ وَحْشٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُفَرِّقَهُ فِي الرِّفَاقِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
===
(أن النبي ﷺ أعطاه) أي: أعطى لطلحة بن عبيد الله (حمار وحش وأمره) أي: أمر طلحة (أن يفرقه) أي: أن يقسم ذلك الحمار (في الرفاق) أي: بين الرفقة المسافرين معه ﷺ ؛ والرفاق - بكسر الراء - جمع رفقة - بكسر الراء وضمها مع سكون الفاء - والرفقة: الجماعة الذين ترافقهم في سفرك. انتهى "مختار".
(وهم) أي: والحال أنهم (محرمون) با لنسك.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: هذا إسناد رجاله ثقات، ولكنه معلول وفي متنه خطأ، وصوابه ما في رواية النسائي في رقم (٢٢١٨)، وصوابه في "ابن ماجه": أن يقال في سنده: حدثنا هشام بن عمار، حدثنا سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري - بفتح المعجمة وسكون الميم - المدني، له صحبة وحديث واحد. يروي عنه: (س)، وأسقطه ابن ماجه، روى عن النبي ﷺ ، وقيل: عن البهزي قصة الظبي الحاقف. يروي عنه: عيسى بن طلحة بن عبيد الله.
وقال ابن إسحاق: هو عمير بن سلمة بن منتاب بن طلحة بن حدي بن ضمرة.
قلت: قال ابن عبد البر: لم يختلفوا في صحبته، وجعل مالك في حديثه عن عمير بن سلمة عن البهزي - بفتح الموحدة وسكون الهاء بعدها زاي - صحابي له حديث واحد. يروي عنه: (س)، والصحيح أنه لعمير بن سلمة عن النبي ﷺ ، والبهزي كان صائدًا، وتصويب السند أن يقال: (عن
стр. 8776
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم التيمي عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة الضمري أن النبي ﷺ ... ) إلى آخره.
وأخطأ ابن ماجه في السند بإسقاط عمير بن سلمة الضمري راوي الحديث عن النبي ﷺ ، وجعل الحديث لطلحة بن عبيد الله، وأخطأ النسائي في "سننه" بجعل الحديث للبهزي، بل الحديث لعمير بن سلمة الضمري، والصواب في المتن؛ كما في "النسائي": (أن عمير بن سلمة الضمري أخبره) أي: أخبر عيسى بن طلحة أن رسول الله ﷺ خرج) من المدينة (يريد مكة، وهو) ﷺ (محرم) للنسك.
وذهب (حتى كانوا بالروحاء) موضع بين مكة والمدينة (إذا حمار وحش عقير) أي: معقور بالسهم أو بالرمح (فذُكِرَ ذلك) أي: أخبر شأن ذلك الحمار (لرسول الله ﷺ ، فقال) رسول الله ﷺ : (دعوه) أي: اتركوا ذلك الحمار على حاله، فلا تتعرضوا له (فإنه) أي: فإن الشأن والحال (يوشك) ويقرب (أن يأتي) ويجيء (صاحبه) أي: صاحب ذلك الحمار وصائده (فجاء) زيد بن كعب (البهزي، وهو) أي: البهزي (صاحبه) أي: صاحب ذلك الحمار وصائده (إلى رسول الله ﷺ ، فقال) البهزي: (يا رسول الله) افعلوا (شأنكم) وعملكم (بهذا الحمار) أي: خذوه وكلوه (فأمر رسول الله ﷺ أبا بكر) الصديق أن يسلخ جلده، ويقسم لحمه بين رفقتهم.
فأخذه أبو بكر (فقسمه) أي: فقسم أبو بكر لحم الحمار (بين الرفاق) الرفاق - بوزن كتاب - جمع الرفقة مثلثة الراء وسكون الفاء؛ وهو جماعة ترافقهم في السفر (ثم مضى) وذهب رسول الله ﷺ بعد قسمة الحمار
стр. 8777
(٤٦) - ٣٠٤٠ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى،
===
(حتى إذا كان) رسول الله ﷺ ونزل بـ (الأثاية) - بضم الهمزة، وحكي كسرها ومثلثة - اسم موضع بطريق الجحفة إلى مكة (بين الرويثة) بالتصغير (والعرج) - بفتح العين المهملة وسكون الراء وجيم في آخره - اسم قرية جامعة على أيام من المدينة (إذا ظبي حاقف) - بمهملة ثم قاف ثم فاء - أي: فاجأه ظبي حاقف؛ أي: نائم (في ظل) شجر؛ أي: نائم قد انحنى في نومه، وقيل: أي: واقف منحن رأسه بين يديه إلى رجليه، وقيل: الحاقف الذي لجأ إلى حقف؛ وهو ما انعطف من الرمل.
(وفيه سهم) أي: والحال أن فيه سهمًا رمي إليه (فزعم) عمير بن سلمة الضمري (أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا) من الصحابة، لم أر من ذكر اسمه، ولعله أبو بكر؛ كما سيأتي بأن (يقف عنده) أي: عند ذلك الظبي حارسًا له كي (لا يريبه أحد) أي: كي لا يتعرض له أحد ولا يزعجه، وهو إما ثلاثي؛ من راب يريب؛ من باب باع، أو رباعي من أراب بوزن أقام، وهذا الذي ذكرناه نقلًا عن النسائي هو الصواب متنًا وسندًا.
ورواية المؤلف رحمه الله تعالى لا تصلح للاستدلال ولا للاستشهاد؛ لكونها خطأً متنًا وسندًا (٣) (٣١٣)، فيكون غرضه: الاستئناس به.
وقيل: إنه صحيح بما بعده، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٤٦) - ٣٠٤٠ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه (خ عم).
стр. 8778
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ، فَرَأَيْتُ حِمَارًا فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ وَاصْطَدْتُهُ،
===
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري مولاهم، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي مولاهم أبو عروة البصري نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي مولاهم أبي نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري السلمي المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي قتادة الأنصاري الحارث بن رِبْعي بن بلدمة - بضمتين بينهما لام ساكنة - السلمي - بفتحتين - المدني شهد أحدًا وما بعدها، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو قتادة: (خرجت) من المدينة (مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية) وعامها؛ أي: عام صده المشركون بالحديبية ومنعوه من دخول الحرم (فأحرم أصحابه) أي: أصحاب أبي قتادة ورفقته.
قال أبو قتادة: (ولم أحرم) أنا (فرأيت حمارًا) وحشيًّا (فحملت عليه) أي: على الحمار؛ أي: شددت عليه (واصطدته) أي: أخذته صيدًا لي، فلحقنا
стр. 8779
فَذَكَرْتُ شَأْنَهُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَذَكَرْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَحْرَمْتُ وَأَنِّي إِنَّمَا اصْطَدْتُهُ لَكَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ أَنْ يَأْكُلُوهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ حِينَ أَخْبَرْتُهُ أَنِّي اصْطَدْتُهُ لَهُ.
===
رسول الله ﷺ (فذكرت شأنه) أي: شأن الحمار وشأن رفقتي في ذلك الحمار الرسول الله ﷺ ، وذكرت) أيضًا لرسول الله ﷺ بـ (أني لم أكن أحرمت) بالعمرة (و) ذكرت له أيضًا بـ (أني إنما اصطدته) وأخذته لأهديه الك، فأمر النبي ﷺ أصحابه) الحاضرين عنده بـ (أن يأكلوه) أي: بأن يأكلوا لحم ذلك الحمار، فأكلوه وهم محرمون؛ كما في رواية مسلم، والأمر بالأكل للإباحة.
وفيه أن الحلال إذا صاد ولم يُعِنْهُ في ذلك محرم، ولم يشر له إليه، ولم يدل عليه .. جاز للمحرم الأكل من صيده، سواء كان اصطياده لأجل المحرم أو لنفسه؛ فإن أبا قتادة إنما حمل على الصيد بعدما عرف أنهم أحبوا لو أنه أبصره؛ كما في بعض الروايات، فكان صيده لأجلهم في الواقع.
وفي "المواهب اللطيفة" قال ابن حزم: ولم يشك أحد في أن أبا قتادة لم يصد الحمار إلا لنفسه ولأصحابه وهم محرمون، فلم يمنعهم رسول الله ﷺ من أكله. انتهى من "المفهم".
(ولم يأكل) رسول الله ﷺ (منه) أي: من ذلك الحمار (حين أخبرته أني اصطدته) أي: صدت الحمار (له) ﷺ ، وهذه الرواية معارضة لرواية من قال: (فأخذ رجلها من أبي قتادة، فأكلها).
فالجمع بينهما كما قال القاضي عياض: أن النبي ﷺ طلب من أبي قتادة تلك الرجل؛ تطييبًا لقلب من أكل منه؛ بيانًا للجواز بالفعل والقول؛ لإزالة الشبهة التي حصلت لهم. انتهى "فتح الملهم".
стр. 8780
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي حديث زيد بن أسلم زيادة: أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب أبي قتادة: "هل معكم من لحمه شيء؟ "، فقالوا: معنا رجله، قال: فأخذها رسول الله ﷺ ، فأكلها، قال القرطبي: كل ذلك تطييب لقلوبهم، وتسكينٌ لِنَفْرَةِ مَنْ نفَرَ منهم، وإبانةٌ لحلِّيته بأقصى الممكن. انتهى من "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية، ومسلم في كتاب الحج، باب تحريم الصيد للمحرم، والنسائي في كتاب المناسك، باب إذا ضحك المحرم ففطن الحلال للصيد فقتله أياكله أم لا؟
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
والحديث الأول - أعني: حديث طلحة بن عبيد الله التيمي - مهمل؛ لأنه معلول سندًا، خطأ متنًا، فلا يصلح إلا للاستئناس.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستئناس، والثاني للاستدلال.
والله أعلم
стр. 8781
(٢٣) - (١١٠١) - بَابُ تَقْلِيدِ الْبُدْنِ
(٤٧) - ٣٠٤١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَنْبَأَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْد، عَنِ ابْنِ شِهَاب، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمنِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُهْدِي مِنَ الْمَدِينَةِ
===
(٢٣) - (١١٥١) - (باب تقليد البدن)
(٤٧) - ٣٠٤١ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أنبأنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن أبو الحارث المصري، ثقة ثبت عالم مصر وفقيهها، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري.
(عن عروة بن الزبير) الأسدي المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ).
(وعمرة بنت عبد الرحمن) بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية، أكثرت الرواية عن عائشة، ثقة، من الثالثة، ماتت قبل المئة، ويقال بعدها. يروي عنها: (ع).
كلاهما رويا (أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(كان رسول الله ﷺ يهدي) الهدايا ويرسلها (من المدينة)
стр. 8782
فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِه، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ.
===
إلى الكعبة؛ وذلك حين بعثها مع أبي بكر الصديق عام تسع من الهجرة حين حج أبو بكر بالناس، فلفظ: (كان) غير مقتض للتكرار؛ كما ذكره النووي في حديث جابر: (كنا نتمتع مع رسول الله ﷺ ، فنذبح البقرة عن سبعة)، ولم يوجد ذلك منهم إلا مرة واحدة، وهي حجة الوداع، وفيه دليل على استحباب بعث الهدي إلى الحرم، وأن من لم يذهب إليه .. يستحب له بعثه مع غيره.
قالت عائشة: (فأفتل) من باب ضرب؛ أي: ألوي بِنَفْسِي (قلائدَ هديه) ﷺ ؛ من فتلت الحبل وغيره؛ إذا لويته.
والقلائد: جمع قلادة؛ والمراد بها هنا: ما يعلق بعنق الهدي من الخيوط المفتولة علامة له، فيَكُفُّ الناس عنه؛ والهدي: ما يهدى إلى الحرم المكي من النعم.
ففيه استحباب تقليد الهدي وفتل قلائده.
(ثم) بعد بعثه الهدي إلى الحرم (لا يجتنب) ولا يبتعد ولا يعتزل (شيئًا مما يجتنب المحرم) منه من محظورات الإحرام؛ كالطيب والدهن.
وفيه: أن من بعث هديًا إلى الحرم .. لا يصير محرمًا، ولا يحرم عليه شيء مما يحرم على المحرم، ولا يجب عليه شيء مما يجب على المحرم؛ كالتجرد من المخيط، وكشف الرأس.
وقد روى ابن عباس وغيره أنه يجتنب محظورات الإحرام، وهكذا حكى الخطابي عن أصحاب الرأي، قال الحافظ: وهو خطأ عليهم؛ فالطحاوي أعلم بهم منهم.
واستدل الداوودي بقولها: (هديه) على أن الحديث الذي روته ميمونة
стр. 8783
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أم المؤمنين مرفوعًا: "إذا دخل عشر ذي الحجة؛ فمن أراد أنه يضحي .. فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا" .. يكون منسوخًا بحديث عائشة هذا، أو ناسخًا له.
قال ابن التين: ولا يحتاج إلى ذلك؛ لأن عائشة إنما أنكرت أن يصير من يبعث هديه محرمًا بمجرد بعثه، ولم تتعرض على ما يستحب في عشر ذي الحجة خاصة من اجتناب إزالة الشعر والظفر، ثم قال: لكن عموم الحديث يدل على ما قال الداوودي، وقد استدل به الشافعي على إباحة ذلك في عشر ذي الحجة، قال: والحديث المذكور أخرجه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
قلت: هو من حديث أم سلمة لا من حديث ميمونة، توهم الداوودي في النقل وفي الاحتجاج أيضًا؛ فإنه لا يلزم من دلالته على عدم اشتراط ما يجتنبه المحرم على المضحي أنه لا يستحب فعل ما ورد به الخبر المذكور لغير المحرم، والله أعلم، كذا حققه الحافظ في "الفتح". انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب فتل القلائد للبدن والبقر، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه، وأبو داوود في كتاب الحج، باب من بعث بهديه وأقام، والنسائي في كتاب المناسك، باب فتل القلائد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
стр. 8784
(٤٨) - ٣٠٤٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِلُ الْقَلَائِدَ لِهَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ فَيُقَلِّدُ هَدْيَهُ ثُمَّ يَبْعَثُ بِه، ثُمَّ يُقِيمُ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ.
===
(٤٨) - ٣٠٤٢ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم.
(عن) سليمان (الأعمش، عن إبراهيم) بن يزيد النخعي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وتسعين (٩٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن الأسود) بن يزيد بن قيس النخعي أبي عمرو الكوفي، ثقة مخضرم مكثر فقيه، من الثانية، مات سنة أربع أو خمس وسبعين (٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة زوج النبي ﷺ رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (كنت أفتل) وألوي (القلائد) أي: الخيوط المعلقة في أعناق الهدايا (لهدي النبي ﷺ وفي (كان) ما تقدم في الحديث السابق (فيقلد) رسول الله ﷺ ويعلم (هديه) بتلك الخيوط المفتولة؛ أي: بتعليقها في أعناقها (ثم يبعث) رسول الله ﷺ (به) أي: بهديه إلى مكة مع أبي بكر في السنة التاسعة من الهجرة (ثم يقيم) هو ﷺ بنفسه بالمدينة في أهله حالة كونه (لا يجتنب) ولا يعتزل (شيئًا) من محرمات الإحرام التي كانت (مما يجتنبه المحرم) عنه؛ من الملابس والطيب والنساء.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب
стр. 8785
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تقليد الغنم، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه، والنسائي في كتاب المناسك، باب فتل القلائد.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 8786
(٢٤) - (١١٠٢) - بَابُ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ
(٤٩) - ٣٠٤٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَد، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى رَسُولُ اللهِ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا إِلَى الْبَيْتِ فَقَلَّدَهَا.
===
(٢٤) - (١١٠٢) - (باب تقليد الغنم)
(٤٩) - ٣٠٤٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (أهدى) وبعث (رسول الله ﷺ مرة) واحدة (غنمًا) في غير حجة الوداع (إلى البيت، فقلدها) أي: علق في أعناق تلك الأغنام خيوطًا؛ لتعلم أنها من هدايا الحرم، فيردها واجدها إلى الحرم إذا ضاعت.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب تقليد الغنم، ومسلم في كتاب الحج، باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه واستحباب تقليده، وأبو داوود في كتاب الحج، باب في الإشعار، والنسائي في كتاب المناسك، باب تقليد الغنم.
стр. 8787
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 8788
(٢٥) - (١١٠٣) - بَابُ إِشْعَارِ الْبُدْنِ
(٥٠) - ٣٠٤٤ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي حَسَّانَ الْأَعْرَج، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
(٢٥) - (١١٠٣) - (باب إشعار البدن)
(٥٠) - ٣٠٤٤ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد).
كلاهما (قالا: حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر - بوزن جعفر - المعروف بـ (الدستوائي) نسب إلى الدستواء؛ لأنه كان يبيع الثياب التي تجلب من دستواء قرية بالشام، فنسب إليها، أبي بكر الربعي البصري، ثقة ثبت، من كبار السابعة رمي بالقدر، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي حسان الأعرج) البصري مشهور بكنيته، اسمه مسلم بن عبد الله، صدوق رمي برأي الخوارج، قتل سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ) من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
стр. 8789
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْعَرَ الْهَدْيَ فِي السَّنَامِ الْأَيْمَنِ وَأَمَاطَ عَنْهُ الدَّمَ، وَقَالَ عَلِيٌّ فِي حَدِيثِهِ: بِذِي الْحُلَيْفَة، وَقَلَّدَ نَعْلَيْنِ.
===
(أن النبي ﷺ أشعر الهدي) أي: أعلم جنس الهدي الذي أراد سوقه إلى مكة في حجة الوداع؛ أي: أشعره بذي الحليفة (في) جانب (السنام) وهو أكمة في ظهر الإبل.
وقوله: (الأيمن) بالجر صفة للجانب المحذوف من بين الجار والمجرور؛ أي: أشعره في جانب السنام الأيمن ذلك الجانب، لا الأيسر؛ أي: شق وطعن في الجانب الأيمن من سنامه (وأماط) أي: أزال ومسح (عنه) أي: عن ذلك الهدي (الدم) السائل من محل الطعن.
(وقال علي) بن محمد؛ أي: زاد علي على أبي بكر (في حديثه) أي: في روايته لفظة: أشعر الهدي (بذي الحليفة، وقلَّدَ) هُ؛ أي: علق في عنقه (نعلين) وجملة (قلد) معطوفة على (أشعر).
وقال الحافظ: اتفق من قال بالإشعار على إلحاق البقر في ذلك بالإبل، إلا سعيد بن جبير.
واتفقوا على أن الغنم لا تُشعَر؛ لضعفها، ولكون صوفها وشعرها يستر موضع الإشعار، وأما على ما نقل من مالك - كما سيأتي - .. فلكونها ليست ذات أسنمة، والله تعالى أعلم. انتهى.
وإشعار البدنة: هو أن يشق أحد جانبي سنامها حتى يسيل دمها، ويجعل ذلك علامة لها تعرف بها أنها هدي. انتهى "نهاية".
أي: فلا يتعرض لها، وإذا ضلت .. ردت، وإن اختلطت بغيرها .. تميزت؛ والسنام - بفتح السين -: أعلى ظهر الإبل.
стр. 8790
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال ملا علي في "شرح مشكاة المصابيح": وكان الإشعار عادةً في الجاهلية، فقرره الشارع؛ بناءً على صحة الأغراض المتعلقة به.
وقيل: الإشعار بدعة؛ لأنه مثلة، ويرده الأحاديث الصحيحة، بل هو بمنزلة الفصد والحجامة.
وقد كره أبو حنيفة رحمه الله تعالى الإشعار، وأولوه بأنه إنما كره إشعار أهل زمانه؛ فإنهم كانوا يبالغون فيه حتى يخاف منه السراية. انتهى باختصار.
وفي "الأبي": الأظهر أنه ﷺ ولي ذلك بيده الشريفة؛ كما نحر ثلاثًا وستين بدنة بيده المباركة، وإنما كان ذلك؛ لأن الأصل في الكلمة الحقيقة، ومعنى (أمر غيره به) مجاز. انتهى منه.
قال الحافظ رحمه الله تعالى: فيه مشروعية الإشعار، وفائدته: الإعلام بأنها صارت هديًا ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، حتى لو اختلطت بغيرها .. تميزت، أو ضلت .. عرفت، أو عطبت .. عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحث الغير عليه، وأبعد من منع الإشعار، واعتل أنه كان مشروعًا قبل النهي عن المثلة؛ فإن النسخ لا يصار إليه بالاحتمال، بل وقع الإشعار في حجة الوداع، وذلك بعد النهي عن المثلة بزمان، ثم قال: والإشعار: هو أن يكشط جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته، فيكون ذلك علامة على كونها هديًا، وبذلك قال الجمهور من السلف والخلف.
وذكر الطحاوي في اختلاف العلماء كراهته عن أبي حنيفة، وذهب غيره إلى استحبابه؛ للاتباع، حتى صاحباه أبو يوسف ومحمد، فقالا: هو حسن،
следующие страницы →