عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ
===
قال الدارقطني: يُعتبر به، وذكره ابن حبان في "الثقات" (٥/ ٥٤٣)، وقال في "التقريب": يزيد بن طلق مجهول، من السادسة.
(عن عبد الرحمن بن البيلماني) -بفتح الموحدة، ثم تحتانية ساكنة وفتح اللام- مولى عمر، قال أبو حاتم: عبد الرحمن بن أبي زيد هو ابن البيلماني.
وقال في "التقريب": مدني نزل حرّان، ضعيف، من الثالثة. روى عن: عمرو بن عبسة، وابن عباس، وابن عمر، وعمرو بن أوس، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، ويزيد بن طلق، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وخالد بن أبي عمران، وسماك بن الفضل والد عبد الرزاق، وغيرهم.
(عن عمرو بن عبسة) بن عامر بن خالد بن غاضرة بن عتاب بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم السلمي أبي نجيح الصحابي ﵁، وقيل في نسبه غير ذلك، أسلم قديمًا بمكة، وكان أخا أبي ذر لأمه. روى عن: النبي ﷺ ، ويروي عنه: ابن مسعود، وسهل بن سعد، وأبو أمامة الباهلي، ومعدان بن أبي طلحة اليعمري، وأبو عبد الله الصنابحي، وعبد الرحمن بن البيلماني، وأبو سلام الأسود، وجماعة، ويروي عنه: (م عم).
قال الواقدي: أسلم بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه، ثم قدم على رسول الله ﷺ بعد ذلك المدينة، وقال ابن سعد: يقولون: إنه رابع أو خامس في الإسلام، وقال أبو نعيم: كان قبل أن يسلم يعتزل عبادة الأصنام، وقال الحاكم أبو أحمد: نزل الشام، وقال غيره: مات بحمص، له عند مسلم حديث إسلامه.
قلت: كانت وفاته في أواخر خلافة عثمان -فيما أظن- فإني ما وجدت له ذكرًا في الفتنة، ولا في خلافة معاوية. انتهى من "التهذيب".
стр. 877
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ. . خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ يَدَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ. . خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ وَجْهِهِ، فَإِذَا غَسَلَ ذِرَاعَيْهِ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ. . خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ ذِرَاعَيْهِ وَرَأْسِهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ. . خَرَّتْ خَطَايَاهُ مِنْ رِجْلَيْهِ".
===
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو يزيد بن طلق، وضعيفًا؛ وهو عبد الرحمن بن البيلماني، وباقي الرجال ثقات.
(قال) عمرو بن عبسة: (قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا توضأ، فغسل يديه) أي: كفيه ابتداء وضوئه. . (خرت) أي: سقطت وذهبت، ورُوي بجيم وراء مخففة؛ أي: سالت مع ماء الوضوء، وكل ذلك مبني على أن الخطايا جواهر متعلقة بالأعضاء تتصل بها وتنفصل عنها، ولكن ينبغي تفويض أمثال هذه الأمور إلى الله تعالى، وقيل: هو تمثيل وتصوير لبراءة هذه الأعضاء عن الذنوب على سبيل المبالغة. . (خطاياه) التي عملتها كفاه (من يديه) أي: من كفيه، (فإذا غسل وجهه. . خرت) أي: سقطت (خطاياه) التي عملها وجهه (من وجهه، فإذا غسل ذراعيه، ومسح برأسه. . خرت خطاياه) التي عملتها ذراعاه ورأسه (من ذراعيه ورأسه، فإذا غسل رجليه. . خرت خطاياه) التي عملتها رجلاه (من رجليه).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث ابن عباس، أخرجه النسائي في باب مسح الأذنين، ويشهد له أيضًا حديث الصنابحي المذكور قبله؛ لأنه موصول، كما ذكرناه.
فالحديث: صحيح المتن، ضعيف المسند، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
стр. 878
(١٨) - ٢٨٢ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَاصمٍ،
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن مسعود ﵄، فقال:
(١٨) -٢٨٢ - (٤) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي (النيسابوري)، ثقة حافظ فاضل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا أبو الوليد) الطيالسي البصري (هشام بن عبد الملك) الباهلي مولاهم الحافظ الإمام. روى عن: حماد بن سلمة، وعكرمة بن عمار، وجرير بن حازم، ومهدي بن ميمون، ومالك، والليث بن سعد، وآخرين، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن يحيى الذهلي، وإسحاق بن إبراهيم، وزهير بن حرب، والحسن بن علي الخلال، وآخرون.
قال العجلي: بصري ثقة ثبت في الحديث، وكانت الرحلة إليه بعد أبي داوود الطيالسي، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وعشرين ومئتين (٢٢٧ هـ).
(حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار الربعي أو التميمي أو القرشي مولاهم أبو سلمة البصري. روى عن: عاصم بن أبي النجود، وثابت، وسلمة بن كهيل، وقتادة، وخلق، ويروي عنه: (م عم)، وهشام بن عبد الملك الباهلي، وابن جريج شيخه، وشعبة، ومالك، وأمم كثير.
قال في "التقريب": ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ).
(عن عاصم) بن بهدلة -بفتح فسكون- قيل: أمه، وهو ابن أبي النجود
стр. 879
عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ تَرَ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: "غُرٌّ مُحَجَّلُونَ، بُلْقٌ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ".
===
-بفتح النون وضم الجيم- الأسدي مولاهم أبي بكر الكوفي، أحد القراء السبعة. روى عن: زر بن حبيش، وأبي وائل، وأبي صالح السمان، وحميد الطويل، ويروي عنه: (ع)، وحماد بن سلمة، وشعبة، والسفيانان، وزائدة، وأبو عوانة، وخلق.
وثقه أحمد والعجلي ويعقوب بن سفيان، وقال في "التقريب": صدوق، له أوهام، حجة في القراءة، وحديثه في "الصحيحين" مقرون؛ قرناه بآخر، وليس له عندهما غير حديثين، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ)، من السادسة.
(عن زر بن حبيش) -مصغرًا- ابن حباشة -بضم المهملة بعدها موحدة، ثم معجمة بعد الألف- الأسدي أبي مريم الكوفي. روى عن: ابن مسعود، وعمر، وعثمان، وعلي، والعباس، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، وعاصم، وإبراهيم النخعي، وأبو إسحاق الشيباني، وغيرهم.
وقال في "التقريب": ثقة مخضرم جليل، من الثانية، مات سنة إحدى، أو اثنتين، أو ثلاث وثمانين، وهو ابن مئة وسبع وعشرين.
(أن عبد الله بن مسعود) الهذلي الكوفي الصحابي الشهير ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو عاصم بن بهدلة.
(قال: قيل) لم أر من ذكر اسم هذا القائل: (يا رسول الله؛ كيف تعرف) يوم القيامة (من لم تر) هـ في الدنيا (من أمتك؟ قال) رسول الله ﷺ : (هم) أي: أمتي يوم القيامة (غر محجلون، بلق من آثار الوضوء)، فبذلك أعرفهم يوم القيامة.
стр. 880
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (كيف تعرف) السؤال عن الكيفية فرع تحقق المعرفة، فكأنهم علموا ذلك بأنه يشفع لهم، فلا بد أن يعرف، أو أنه جرى في المجلس أمر اقتضى ثبوت المعرفة.
غر؛ أي: هم غر جمع أغر؛ وهو فرس في جبهته بياض.
محجلون: جمع محجل، اسم مفعول من التحجيل؛ وهو بياض قوائم الفرس، والمراد من ذلك: ظهور النور في أعضاء الوضوء.
وبلق: -بضم فسكون- جمع أبلق، وهو من الفرس: ذو سواد وبياض، وكأنهم شبهوا بظهور النور في أعضاء الوضوء دون غيرها بالخيل البلق، وإلا. . فحاشاهم من السواد في ذلك اليوم، ولذلك قال: "من آثار الوضوء" أي: من أنوار الوضوء الظاهرة على أعضائه. انتهى "سندي".
وفي "الزوائد": أصل هذا الحديث في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة وحذيفة ﵄.
فهو: صحيح المتن؛ لأن له شواهد في "الصحيحين"، حسن الإسناد؛ لأن فيه عاصم بن أبي النجود الكوفي، وهو صدوق، في حفظه شيء.
وغرض المؤلف بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة المذكور في أول الباب.
وانفرد به ابن ماجه عن أصحاب الأمهات، ورواه أبو داوود والطيالسي في "مسنده" عن حماد بن سلمة بإسناده ومتنه، ورواه الإمام أحمد بن حنبل في "مسنده" من هذا الوجه (١/ ٤٥٣)، ورواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق كامل بن طلحة، عن حماد بن سلمة، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة فذكره بإسناده ومتنه، وله شاهد من
стр. 881
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ: حَدَّثَنَا أَبُو حَاتِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
(١٩) - ٢٨٣ - (٥) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
===
حديث أبي أمامة؛ رواه أحمد والطبراني بإسناد جيد (٨/ ١٢٥ - ١٢٦) رقم (٧٥٠٩) ورجال إسناده موثقون، والحاكم في "المستدرك" (٢/ ٤٧٨) في كتاب التفسير، تفسير (سورة الحديد) مطولًا عن أبي الدرداء، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. انتهى من "شرح السنة" للبغوي (١/ ٤٢٥).
(قال أبو الحسن) علي بن إبراهيم بن سلمة بن بحر (القطان) القزويني -من رواة الكتاب عن المؤلف-: (حدثنا أبو حاتم) الرازي محمد بن إدريس الحنظلي، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وسبعين ومئتين (٢٧٧ هـ). روى عنه: (خ د س)، (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك. . . (فذكر) أبو حاتم (مثله) أي: مثل حديث محمد بن يحيى النيسابوري.
غرض أبي الحسن بذكر هذا الكلام: بيان متابعة أبي حاتم لمحمد بن يحيى في رواية هذا الحديث عن أبي الوليد.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث عثمان بن عفان ﵄، فقال:
(١٩) - ٢٨٣ - (٥) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو بن ميمون القرشي الأموي مولى آل عثمان أبو سعيد الدمشقي المعروف بدحيم -مصغرًا- روى عن: الوليد بن مسلم، وسفيان بن عيينة، ومروان بن معاوية، وغيرهم، ويروي عنه: (خ د س ق)، وابناه: إبراهيم وعمرو، وبقي بن مخلد، وغيرهم.
وثقه العجلي وأبو حاتم والنسائي والدارقطني، وقال أبو داوود: حجة لم يكن بدمشق في زمنه مثله، وقال في "التقريب": ثقة حافظ متقن، من العاشرة،
стр. 882
حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
===
مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ)، وله خمس وسبعون سنة.
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي الأموي مولاهم الدمشقي عالم الشام. روى عن: الأوزاعي، ومحمد بن عجلان، وهشام بن حسان، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، وعبد الرحمن بن إبراهيم، وأحمد، وإسحاق، والليث، وغيرهم. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال في "التقريب": كان ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع، أو أول سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ).
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو الشامي. روى عن: يحيى بن أبي كثير، وابن سيرين، ومكحول، وقتادة، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، ويحيى بن أبي كثير شيخه، وبقية، وهقل، وقال في "التقريب": ثقة جليل، من السابعة، مات في الحمام سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ).
(حدثنا يحيى بن أبي كثير) صالح بن المتوكل الطائي اليمامي. روى عن: محمد بن إبراهيم، وأنس، وجابر، وأبي أمامة، وأبي سلمة، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأيوب، وغيرهم.
قال أبو حاتم: إمام لا يُحدِّث إلا عن ثقة، وقال في "التقريب": ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ)، وقيل قبل ذلك.
(حدثني محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني. روى عن: أنس، وجابر، وعائشة، ويروي عنه: (ع)، ويحيى بن أبي كثير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والأوزاعي، وعدة.
стр. 883
حَدَّثَنِي شَقِيقُ بْنُ سلَمَةَ، حَدَّثَنِي حُمْرَانُ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: رَأَيْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَاعِدًا فِي الْمَقَاعِدِ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي مَقْعَدِي هَذَا
===
قال ابن سعد: كان فقيهًا محدثًا، وقال في "التقريب": ثقة له أفراد، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ).
(حدثني) أبو وائل (شقيق بن سلمة) الأسدي الكوفي. روى عن: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاذ بن جبل، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن إبراهيم، والشعبي، وعمرو بن مرة، وغيرهم.
وقال في "التقريب": ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة.
(حدثني حمران) بن أبان (مولى عثمان بن عفان)، اشتراه في زمن أبي بكر الصديق. روى عن: مولاه عثمان، ومعاوية، ويروي عنه: (ع)، وأبو وائل، وعروة، وعطاء الليثي، وزيد بن أسلم، وغيرهم.
قال في "التقريب": ثقة، من الثانية، مات سنة خمس وسبعين (٧٥ هـ)، وقيل غير ذلك.
وهذا السند من ثمانياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) حمران: (رأيت عثمان بن عفان) ﵁؛ أي: رأيت عثمان حالة كونه (قاعدًا) أي: جالسًا (في المقاعد) كالمساجد وزنًا، جمع مقعد -بفتح العين- قيل: هي دكاكين عند دار عثمان، وقيل: موضع بقرب المسجد النبوي اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء، (فدعا بوضوء فتوضأ) عثمان وضوءًا كاملًا، (ثم) بعد فراغه من وضوئه (قال) عثمان: (رأيت رسول الله ﷺ قاعدًا (في مقعدي هذا) الذي أنا
стр. 884
تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: "مَنْ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا. . غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ"، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "وَلَا تَغْتَرُّوا".
===
قعدت فيه الآن، و (توضأ مثل وضوئي هذا) الذي أنا توضأته.
جاء هذا الوضوء مفصلًا في "الصحيحين" وغيرهما، فلو ذكر المؤلف رواية فيها التفصيل. . لكان أقرب؛ لتوقف الفضل المطلوب على التفصيل؛ حتى يقدر الإنسان بمعرفته على الإتيان بمثله.
(ثم) بعد فراغه من الوضوء (قال) رسول الله ﷺ : (من توضأ مثل وضوئي هذا. . غُفر له ما تقدم من ذنبه) من الصغائر؛ لأن الكبائر لا تُغفر إلا بالتوبة، أو بمحض فضل الله تعالى، كما قال الجمهور؛ لأحاديث كثيرة تدل على ذلك، (وقال رسول الله ﷺ بعد مقالته هذه: لكن (و"لا تغتروا") بهذا الفضل المذكور في الوضوء عن الاجتهاد في العبادات والإكثار من الخيرات، ولا تتكلوا عليه.
وفي "الزوائد": الحديث في "مسلم" خلا قوله: "ولا تغتروا" فإنها ذُ كرت في الزوائد. انتهى.
قلت: قال البخاري في "الصحيح" في أول كتاب الرقاق في باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ الآية (١)، لفظة: وقال النبي ﷺ : "لا تغتروا". وفي هامش "الزوائد" تنبيه على ذلك، والله تعالى أعلم.
وبالنظر إلى هذه الزيادة يُسمى هذا الحديث: صحيحًا غريبًا انفرد به ابن ماجه، وإلا. . فقد أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، وكتاب الجمعة، وكتاب التهجد، وباب السواك يوم الجمعة، وباب طول القيام في صلاة الليل،
стр. 885
(١٩) -٢٨٣ - (م) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ حَبِيبٍ،
===
وغير ذلك، ومسلم (١/ ٢٠٥) ٢ كتاب الطهارة ٣ باب صفة الوضوء وكماله، رقم (٤)، وأبو داوود (١/ ٢٨)، ١ - كتاب الطهارة: ٥ - باب صفة وضوء النبي ﷺ ، رقم (١٠٦)، وأحمد (١/ ٥٨ - ٦١ - ٦٧ - ٦٨)، والدارمي (١٧٦/ ١) ١ كتاب الوضوء- ٢٧ باب الوضوء ثلاثًا، رقم (٦٩٣) دون ذكر العبارة الأخيرة، والله أعلم.
وحينئذ فدرجة الحديث: أنه صحيح، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة ﵁.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى المتابعة في حديث عثمان ﵁، فقال:
(١٩) - ٢٨٣ - (م) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير -مصغرًا- بن ميسرة السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الحميد بن حبيب) بن أبي العشرين الدمشقي أبو سعيد البيروتي كاتب الأوزاعي. روى عن: الأوزاعي وحده، ويروي عنه: (ت ق)، وهشام بن عمار، وجنادة بن محمد، ووساج بن عقبة، وغيرهم.
قال ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال العجلي: ليس به بأس، وقال عثمان الدارمي عن دحيم: ضعيف، وقال أبو زرعة: ثقة مستقيم الحديث.
قلت: قال الساجي: ضعيف، يُحدِّث بمناكير، وكان ابن معين يوثقه، وقال ابن حبان: كان يخطئ حتى خرج عن حد الاحتجاج به إذا انفرد، وقال
стр. 886
حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي يَحْيَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي حُمْرَانُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
===
الدارقطني: ضعيف، وقال العقيلي: لا يتابع، وقال في "التقريب": صدوق ربما أخطأ، من التاسعة.
(حدثنا الأوزاعي) عبد الرحمن بن عمرو، ثقة، من السابعة، مات سنة سبع وخمسين ومئة (١٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني يحيى) بن أبي كثير، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثني محمد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(حدثني عيسى بن طلحة) بن عبيد الله التيمي أبو محمد المدني، وأمه: سعدى بنت عوف المُرّية. روى عن: حمران بن أبان، وأبيه، ومعاذ بن جبل، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة، وعائشة، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن إبراهيم، وابنا أخيه: طلحة وإسحاق ابنا يحيى بن طلحة، والزهري، وغيره.
ذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من أهل المدينة، وقال: كان ثقة كثير الحديث، وكان من أفاضل أهل المدينة وعقلائهم، وقال في "التقريب": ثقة فاضل، من كبار الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ).
(حدثني حمران بن أبان) الأموي مولاهم.
(عن عثمان) بن عفان ﵁.
(عن النبي ﷺ . . .)، وساق عيسى بن طلحة (نحوه) أي: نحو حديث شقيق بن سلمة.
стр. 887
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا السند من ثمانياته، غرضه: بيان متابعة عيسى بن طلحة لشقيق بن سلمة.
وحكم هذا المسند: الحسن؛ لأن فيه راويًا مختلفًا فيه؛ وهو عبد الحميد بن حبيب.
ودرجة الحديث: أنه صحيح، وقد تقدم تخريجه بمثل الحديث الذي قبله.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
واحد للاستدلال، وأربعة للاستشهاد، وواحد للمتابعة.
والله أعلم
стр. 888
(٧) - (٣١) - بَابُ السِّوَاكِ
(٢٠) - ٢٨٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ
===
(٧) - (٣١) - (باب السواك)
أي: هذا باب معقود في بيان الأحاديث الواردة في مشروعية السواك، والسواك -بكسر السين- يُجمع على: سوك -بضمتين- ككتاب وكتب، وهو لغة: الدلك وآلته، وشرعًا: استعمال عود ونحوه في الأسنان وما حواليها لإذهاب التغير ونحوه بنية، وأركانه ثلاثة: مستاك، ومستاك به، ومستاك فيه، وهو من الشرائع القديمة؛ كما يدل له قوله ﷺ : "هذا سواكي وسواك الأنبياء من قبلي" أي: من عهد إبراهيم ﵇ لا مطلقًا؛ لأنه أول من استاك، ونص بعضهم على أنه من خصائص هذه الأمة بالنسبة للأمم السابقة لا للأنبياء؛ لأنه كان للأنبياء السابقين من عهد إبراهيم دون أممهم. انتهى "بيجوري"، انتهى من "الكوكب".
* * *
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بحديث حذيفة ﵁، فقال:
(٢٠) - ٢٨٤ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 889
وَأَبِي، عَنِ الْأَعْمَشِ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ،
===
(و) حدثنا (أبي) أيضًا عبد الله بن نمير، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي أبو الحسن الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتَّاب بمثناة ثقيلة بعدها موحدة الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(وحصين) بن عبد الرحمن السلمي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
كلهم؛ أي: كل من الأعمش، ومنصور، وحصين رووا (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه: (ع).
راجع في هذه الأسانيد رواية مسلم .. يتضح لك الأمر.
стр. 890
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ .. يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
===
(عن حذيفة) بن اليمان العبسي أبي عبد الله الكوفي الصحابي الشهير، صاحب سر رسول الله ﷺ ، ﵁.
وهذان السندان: الأول منهما من خماسياته، والثاني من سداسياته، ورجالهما كلهم ثقات أثبات، ومن لطائفهما: أن رجالهما كلهم كوفيون، وحكمهما: الصحة.
(قال) حذيفة: (كان رسول الله ﷺ إذا قام) واستيقظ (من الليل) أي: في آناء الليل وجوفه حالة كونه (يتهجد) أي: يريد أن يصلي صلاة التهجد .. (يشوص) جواب (إذا) أي: يدلك (فاه بالسواك) يعني: يستاك.
وقوله: (يشوص) بفتح الياء، وضم الشين المعجمة، وبالصاد المهملة أي: يدلك الأسنان وما حواليها بالسواك عرضًا؛ طلبًا لنظافة الفم وإزالة لتغيره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري؛ أخرجه في كتاب الوضوء، باب السواك، الحديث (٢٤٥)، وأخرجه أيضًا في كتاب الجمعة، باب السواك يوم الجمعة، الحديث (٨٨٩)، وأخرجه أيضًا في كتاب التهجد، باب طول القيام في صلاة الليل، الحديث (١١٣٦)، وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة، باب السواك، الحديث (٥٩٢)، والحديث (٥٩٣)، والحديث (٥٩٤)، وأخرجه أبو داوود في كتاب الطهارة، باب السواك لمن قام من الليل، الحديث (٥٥)، وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة، باب السواك إذا قام من الليل، الحديث (٢)، وأخرجه أيضًا في كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب ما يفعل
стр. 891
(٢١) - ٢٨٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
إذا قام من الليل من السواك، الحديث (١٦٢٠)، والحديث (١٦٢١).
وهذا الحديث من المتفق عليه، ودرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث حذيفة بحديث أبي هريرة ﵃، فقال:
(٢١) - ٢٨٥ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(وعبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما رويا (عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري أبي عثمان المدني، أحد الفقهاء والعلماء الأثبات، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي سعيد) كيسان (المقبري) أبي سعد المدني، ثقة، من الثالثة، تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود العشرين ومئة، وقيل قبلها، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
стр. 892
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ".
===
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق) أي: لولا خوف المشقة والتعب (على أمتي) موجود .. (لأمرتهم) أمر إيجاب (بالسواك) أي: بالاستياك (عند كل صلاة) فريضة أو نافلة، فلا يرد: أن لولا لامتناع الشيء لوجود غيره.
والمعنى: لولا وجود المشقة ها هنا .. لأمرتهم؛ أي: أمر إيجاب، وإلا .. فالندب ثابت، وفيه دلالة على أن مطلق الأمر للإيجاب بالسواك؛ أي: باستعماله؛ لأن السواك هو الآلة، وقيل: إنه يطلق على الفعل أيضًا، فلا تقدير. انتهى "سندي".
قال القاري: قوله: "عند كل صلاة" أي: عند وضوئها؛ لما روى ابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "المستدرك"، وقال: صحيح الإسناد، والبخاري تعليقًا في كتاب الصوم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "لولا أن أشق على أمتي .. لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء"، ولخبر أحمد وغيره: "لولا أن أشق على أمتي .. لأمرتهم بالسواك عند كل طهور"، فتبين من حديث الباب أن موضع السواك عند كل صلاة، والشافعية يجمعون بين الحديثين بالسواك عند ابتداء كل منهما. انتهى "تحفة الأحوذي".
والحاصل: أنه ﷺ همَّ بإيجاب السواك على أمته، ورأى المشقة؛ لضعفهم وعجزهم، فقال: لولا خوف المشقة .. لأوجبت عليهم السواك، فلفظة (الولا) لامتناع الثاني لوجود الأول، فإذا ثبت وجود الأول؛ وهو خوف المشقة ها هنا .. ثبت امتناع الثاني؛ وهو وجوب السواك، فبقي السواك
стр. 893
(٢٢) - ٢٨٦ - (٣) حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ،
===
على ندبيته في حقهم، فهذا يرد مذهب الظاهرية القائلين بالوجوب. انتهى "بذل المجهود".
وأما هو ﷺ .. فالسواك لكل صلاة كان واجبًا عليه دون أمته؛ لأنه كان يناجي ملائكة الله تعالى؛ لأن مناجاتهم تقتضي أن يبتعد عن الرائحة النتنة، ولهذا كره أكل الطعام الذي فيه البقول النتنة.
وفي هذا الحديث: دليل على جواز الاجتهاد للنبي ﷺ فيما لم يرد فيه نص من الله تعالى، وفيه: بيان ما كان عليه النبي ﷺ من الرفق بأمته، وفيه: دليل على فضيلة السواك عند كل صلاة. انتهى من "الكوكب الوهاج".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري (٢٤٠/ ١)، ومسلم في كتاب الطهارة، باب السواك (٢٥٢)، وأبو داوود، باب السواك (٤٦)، والترمذي (٢٢)، والنسائي (١/ ١٢)، وأحمد (٥/ ٤١٠)، والموطأ (١/ ٦٦). فالحديث: مما اتفق عليه السبعة، فهو في أعلى درجات الصحة، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة ﵁.
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث حذيفة بحديث ابن عباس ﵃، فقال:
(٢٢) - ٢٨٦ - (٣) (حدثنا سفيان بن وكيع) بن الجراح الرؤاسي أبو محمد الكوفي. روى عن: عثام بن علي، وأبيه، وابن إدريس، وابن نمير، وأبي معاوية، ويحيى القطان، وغيرهم، ويروي عنه: (ت ق) الترمذي وابن ماجه، وبقي بن مخلد، وابنه: عبد الرحمن بن سفيان، وزكرياء الساجي، وآخرون.
стр. 894
حَدَّثَنَا عَثَّامُ بْنُ عَلِيٍّ،
===
قال البخاري: يتكلمون فيه لأشياء لقنوه إياها، وقال أبو زرعة: يُتهم بالكذب، وقال ابن أبي حاتم: أشار أبي عليه أن يغير ورَّاقه؛ فإنه أفسد حديثه، وقال له: لا تحدِّث إلا من أصولك، فقال: سأفعل، ثم تمادى وحدَّث بأحاديث أُدخلت عليه، وإنما بلاؤه: أنه كان يتلقن ما لُقّن، قال: كان له ورَّاق يلقّنه من حديث موقوف فيرفعه، أو مرسل فيوصله، أو يبدل رجلًا برجل، وقال ابن حبان: مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ)، وكان شيخًا فاضلًا، إلا أنه ابتلي بورّاق سوء، وكان يُدخل عليه، فكُلِّم في ذلك، فلم يرجع. انتهى من "الميزان"، وقال في "التقريب": كان صدوقًا، من العاشرة.
(حدثنا عثام بن علي) بن هجير -بجيم مصغرًا- ابن بجير -مصغرًا- ابن زرعة بن عمرو بن مالك بن خالد بن ربيعة بن الوحيد وهو عامر بن كعب بن عامر بن كلاب العامري الكلابي، أبو علي الكوفي. روى عن: الأعمش، وهشام بن عروة، وإسماعيل بن أبي خالد، وغيرهم، ويروي عنه: (خ عم)، وسفيان بن وكيع، ومحمد بن أبي بكر المقدمي، ومسدد، ومحمد بن عبد الأعلى الصنعاني، وأبو سعيد الأشج، وآخرون.
قال النسائي: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن سعد: كان ثقة، وقال الحاكم، عن الدارقطني: ثقة، وذكره ابن شاهين في "الثقات"، وقال عثمان بن أبي شيبة: كان صدوقًا، وذكر له البزار حديثًا تفرد به، وقال: وهو ثقة. انتهى "تهذيب"، وقال في "التقريب": صدوق، من كبار التاسعة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومئة، وقال شارح "القاموس": عثام بن علي بن عثام بن علي بن هجير العامري الكلابي محدِّث. انتهى.
стр. 895
عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَاكُ.
===
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي.
(عن حبيب بن أبي ثابت) قيس، ويقال: هند بن دينار الأسدي مولاهم أبو يحيى الكوفي.
وثقه العجلي والنسائي وابن معين وأبو زرعة، وقال في "التقريب": ثقة فقيه جليل، وكان كثير الإرسال والتدليس، من الثالثة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن جبير) الوالبي مولاهم أبي محمد الكوفي الفقيه.
وقال في "التقريب": ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ) كهلًا، قتله الحجاج فما أُمهل بعده. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن رجاله كلهم ثقات إلا سفيان بن وكيع؛ فمختلف فيه.
(قال) ابن عباس: (كان رسول الله ﷺ يصلي) التهجد (بالليل) أي: في الليل (ركعتين ركعتين، ثم ينصرف) أي: بعد كل من الركعتين (فيستاك) فيرجع إلى الصلاة لا بعد تمام الصلاة والفراغ منها، يدل على ذلك رواية أبي داوود؛ لأن فيها زيادة (أنه كان ينام بعد كل ركعتين).
والحديث انفرد به ابن ماجه، وله شاهد مما أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الصوم، باب السواك الرطب، كما في "تحفة الأشراف".
стр. 896
(٢٣) - ٢٨٧ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاتِكَةِ،
===
وحكمه: الصحة، وغرضه: الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثالثًا لحديث حذيفة بحديث صدي بن عجلان ﵄، فقال:
(٢٣) -٢٨٧ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير بن ميسرة السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا محمد بن شعيب) بن شابور الأموي مولاهم أبو عبد الله الدمشقي أحد الكبار، كان يسكن بيروت. روى عن: عثمان بن أبي العاتكة، والأوزاعي، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، وهشام بن عمار، وابن المبارك ومات قبله، والوليد بن مسلم وهو من أقرانه، وروى ابن المبارك عن محمد بن شعيب، فقال: أخبرنا الثقة من أهل العلم محمد بن شعيب.
وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: وُلد سنة ست عشرة ومئة، ومات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وقال في "التقريب": محمد بن شعيب بن شابور صدوق صحيح الكتاب، من كبار التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ)، وله أربع وثمانون سنة.
(حدثنا عثمان بن أبي العاتكة) سليمان الأزدي أبو حفص الدمشقي القاص. روى عن: علي بن يزيد الألهاني، وخالد بن اللجلاج، وسليمان بن حبيب، وغيرهم، ويروي عنه: (دق)، ومحمد بن شعيب، والوليد بن مسلم، ومحمد بن يزيد الواسطي، وآخرون.
стр. 897
عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ الْقَاسِمِ،
===
قال الدوري عن ابن معين: ليس بالقوي، وقال في موضع آخر: ليس بشيء، وقال إسحاق بن سيّار عن أبي مسهر: ضعيف الحديث، وقال إسحاق: وهو كما قال، وقال في "التقريب": عثمان بن أبي العاتكة الأزدي الدمشقي صدوق، ضعفوه في روايته عن علي بن يزيد الألهاني، من السابعة، مات سنة اثنتين وخمسين، وقيل: خمس وخمسين ومئة.
(عن علي بن يزيد) بن أبي زياد الألهاني أبي عبد الملك الدمشقي. روى عن: القاسم بن عبد الرحمن صاحب أبي أمامة نسخة كبيرة، وعن مكحول الشامي، ويروي عنه: (ت ق)، وعثمان بن أبي العاتكة، وعبيد الله بن زحر، والوليد بن سليمان بن أبي السائب، وآخرون.
قال حرب عن أحمد: هو دمشقي، كأنه ضعفه، وقال محمد بن عمر: قال يحيى بن معين: علي بن يزيد عن القاسم، عن أبي أمامة ضعاف كلاهما، وقال يعقوب: علي بن يزيد واهي الحديث كثير المنكرات، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه، فقال: ضعيف الحديث، أحاديثه منكرة، وبالجملة: فقد أجمعوا على تضعيفه، وقال في "التقريب": علي بن يزيد بن أبي زياد الألهاني الدمشقي صاحب القاسم بن عبد الرحمن ضعيف، من السادسة، مات سنة بضع عشرة ومئة.
(عن القاسم) بن عبد الرحمن الشامي أبي عبد الرحمن الدمشقي الأموي مولاهم، مولى آل أبي سفيان بن حرب. روى عن: أبي أمامة، وعلي، وابن مسعود، وتميم الداري، وعدي بن حاتم، ومعاوية، وغيرهم، ويروي عنه: (عم)، وعلي بن يزيد الألهاني، وعبد الرحمن بن يزيد بن جابر، وأبو الغيث عطية بن سليمان، والوليد بن جميل، وآخرون.
стр. 898
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "تَسَوَّكُوا؛ فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ،
===
قال ابن سعد وغيره: مات سنة اثنتي عشرة ومئة، قال ابن حبان: كان يروي عن الصحابة المعضلات، وقال في "التقريب": القاسم بن عبد الرحمن الدمشقي صاحب أبي أمامة صدوق، يُغْرب كثيرًا، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ).
(عن أبي أمامة) صدي -مصغرًا- ابن عجلان بن وهب الباهلي الشامي الصحابي المشهور، ﵁. روى عن: النبي ﷺ ، وعن عمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم، ويروي عنه: (ع)، والقاسم بن عبد الرحمن، ومكحول الشامي، وأبو سلام الأسود، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، مات بحمص سنة ست وثمانين (٨٦ هـ).
وهذا السند من سداسياته، وهو إسناد ضعيف جدًّا؛ لأن رجاله كلهم أو أغلبهم ضعاف إلا الصحابي ﵁، فحكمه إذًا: الضعف.
(أن رسول الله ﷺ قال: تسوَّكوا) أي: نظفوا أيها المسلمون أفواهكم، وأزيلوا رائحتها بالسواك؛ (فإن السواك) أي: استعماله (مطهرة) أي: منظِّفة (للفم) من رائحته النتنة ووسخه.
وقوله: "مطهرة" -بفتح الميم وكسرها لغتان، والكسر أشهر دورانًا على الألسنة- وهو: كل آلة يتطهر بها؛ كالإداوة والإبريق، شبه السواك بها؛ لأنه يُنظِّف الفم، والطهارة لغة: النظافة، ذكره النووي.
قلت: لا حاجة إلى اعتبار التشبيه؛ لأن السواك -بكسر السين- اسم للعود الذي يُدلك به الأسنان، ولا شك في كونه آلة للفم بمعنى نظافته. انتهى "سندي".
стр. 899
مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ، مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إِلَّا أَوْصَانِي بالسِّوَاكِ؛ حَتَّى لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي، وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي .. لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ،
===
(مرضاة للرب) ﷻ -بفتح الميم وسكون الراء- والمراد: آلة توصل إلى رضا الله تعالى؛ باعتبار أن استعماله سبب لذلك، وقيل: مطهرة ومرضاة -بفتح الميم- كل منهما مصدر ميمي بمعنى اسم الفاعل؛ أي: مطهر للفم مرضٍ لله تعالى، أو هما باقيان على المصدرية؛ أي: سبب للطهارة والرضا، ويجوز أن يكون مرضاة بمعنى المفعول؛ أي: مُرْضٍ للرب. انتهى.
قلت: والمناسب بهذا المقام أن يُراد بالسواك استعمال العود، لا نفس العود، إما على ما قيل: إنه اسم السواك قد يُستعمل للعود أيضًا، أو على تقدير المضاف، ثم لا يخفى أن المصدر إذا كان بمعنى اسم الفاعل .. يكون بمعنى الفاعل المصوغ من ذلك المصدر، لا من غيره، فينبغي أن يكون ها هنا: (مطهرة ومرضاة) بمعنى: طاهر وراض، لا بمعنى: مطهر ومرضٍ، ولا معنى لذلك، فليُتأمل، ثم المقصود من ذلكَّ: الترغيب في استعمال السواك، وهذا ظاهر. انتهى "سندي".
(ما جاءني جبريل) ﵇ مرة من مرات مجيئه .. (إلا) وقد (أوصاني) وأمرني (بالسواك)، وأكثر على الإيصاء به (حتى) والله؛ (لقد خشيت) وظننت (أن يفرض) السواك (عليَّ وعلى أمتي، ولولا أني أخاف) أي: ولولا مخافتي (أن أشق) أي: أن أدخل المشقة والتعب (على أمتي) بإيجاب السواك عليهم .. (لفرضته) أي: لفرضت وأوجبت السواك (لهم) أي: عليهم.
والمعنى: ولولا مخافتي إدخال المشقة عليهم بإيجاب السواك عليهم .. لأوجبته عليهم، ولكن خوف ذلك منعني عن إيجابه عليهم.
стр. 900
وَإِنِّي لَأَسْتَاكُ حَتَّى إِنِّي لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مَقَادِمَ فَمِي".
===
(وإني لأستاك) أي: لأدلك بالسواك فمي، وأكثر ذلك (حتى إني) والله؛ (لقد خشيت) من كثرة الاستياك (أن أُحفي) وأجرح بالسواك (مقادم فمي) أي: مقدمات فمي، وأزيل لحمها وأستأصله من أصله.
قوله: "أن أُحفي" -بضم الهمزة- من الإحفاء؛ وهو: الاستئصال، ومقادم الفم: هي الأسنان المتقدمة؛ أي: خشيت أن أُذهبها من أصلها بكثرة السواك؛ بسبب إكثار جبريل في الوصية، قيل: المراد بالمقادم: اللّثات، جمع لثة بكسر اللام وتخفيفها: ما حول الأسنان من اللحم، وهذا المعنى الأخير أقرب.
وفي "الزوائد": إسناد هذا الحديث ضعيف، ولكن أصل الجملة الثالثة ومعناها؛ وهي قوله: "ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي ... " إلى آخره .. مذكور في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة، وروى النسائي في "الصغرى" الجملة الأولى من حديث عائشة؛ وهي قوله: "تسوَّكوا؛ فإن السواك مطهرة ... " إلى آخره، وروي معنى الجملة الأخيرة؛ يعني: الثانية؛ لأنها أخيرة للجملة الأولى؛ يعني قوله: "ما جاءني جبريل ... " إلى آخره من حديث أنس.
فحينئذ فمتن الحديث: صحيح؛ لأن له شاهدًا في "الصحيحين"، وفي "النسائي"، وانفرد به ابن ماجه بروايته عن أبي أمامة.
ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة، وأيضًا من حديث زيد بن خالد، وقال عقبهما: صحيح، وحديث أبي هريرة أصح، قال: وفي الباب عن أبي بكر الصديق، وعلي، وعائشة، وابن عباس، وحذيفة، وأبي أيوب، وزيد بن خالد، وأنس، وعبد الله بن عمرو، وأم حبيبة، وابن عمر، وأبي أمامة، وغيرهم.
وروى النسائي في "الصغرى" الجملة الأولى من حديث عائشة ١ - كتاب
стр. 901
(٢٤) - ٢٨٨ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ،
===
الطهارة (٥)، باب الترغيب في السواك، رقم (٥)، وروى معنى الجملة الأخيرة من حديث أنس، ورواه الحاكم في "المستدرك" من حديث ابن عباس والبخاري ١ - كتاب الصوم (٢٧)، باب السواك الرطب واليابس للصائم (معلقًا بصيغة الجزم ج/ ٤ ص ١٥٨ - ٢٧)، باب السواك من الفتح، وأحمد (٣/ ١٠ - ٦/ ٤٧ - ٦٢ - ١٢٤ - ١٤٦ - ٢٣٨)، والدارمي (١/ ١٨٤) ١ - كتاب الطهارة (١٩)، باب السواك مطهرة للفم، رقم (٦٨٤). انتهى "تحفة الأشراف" رقم (٤٩١٧).
فعُلم لنا مما ذكر أن الحديث: صحيح المتن، ضعيف السند، وغرض المؤلف بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى رابعًا لحديث حذيفة بحديث عائشة ﵄، فقال:
(٢٤) - ٢٨٨ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا شريك) بن عبد الله بن أبي شريك. روى عن: المقدام بن شريح، وزياد بن علاقة، وأبي إسحاق السبيعي، وآخرين، ويروي عنه: (م عم)، وابنا أبي شيبة، وابن مهدي، ووكيع، ويحيى بن آدم، وآخرون.
قال ابن معين: ولم يكن شريك عند يحيى -يعني القطان- بشيء، وهو ثقة ثقة، وقال يعقوب بن شيبة: شريك صدوق ثقة سيئ الحفظ جدًّا، وقال في "التقريب": شريك بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلًا فاضلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة.
стр. 902
عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَ: قُلْتُ: أَخْبِرِينِي بِأَيِّ شَيءٍ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْدَأُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ قَالَتْ: كَانَ إِذَا دَخَلَ .. يَبْدَأُ بِالسِّوَاكِ.
===
(عن المقدام بن شريح بن هانئ) بن يزيد الحارثي الكوفي. روى عن: أبيه، وقمير امرأة مسروق، ويروي عنه: (م عم)، وشريك، وابنه يزيد، والأعمش، وإسرائيل، وشعبة، والثوري، ومسعر.
قال أحمد وأبو حاتم والنسائي: ثقة، زاد أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من السادسة.
(عن أبيه) شريح بن هانئ بن يزيد بن نهيك أو الحارث بن كعب الحارثي المذحجي أبي المقدام الكوفي، أدرك النبي ﷺ ، ولم يره. روى عن: أبيه، وعمر، وعلي، وبلال، وسعد، وأبي هريرة، وعائشة، ﵃، ويروي عنه: (م عم)، وأبناء المقدام، ومحمد، والقاسم بن مخيمرة، والشعبي، والحكم بن عتيبة، وآخرون.
وذكره ابن سعد في الطبقات الأولى من تابعي أهل الكوفة، وقال: كان من أصحاب علي، وشهد معه المشاهد، وكان ثقة، وكان له أحاديث، وقال في "التقريب": ثقة مخضرم، من الثانية، قُتل مع عبد الله بن أبي بكرة بسجستان.
(عن عائشة) أم المؤمنين، ﵂.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
(قال) شريح: (قلت) لعائشة: (أخبريني بأي شيء كان النبي ﷺ يبدأ) به (إذا دخل عليك؟ قالت) عائشة: (كان إذا دخل) علينا .. (يبدأ بالسواك) لأجل السلام على أهله؛ لأن السلام اسم شريف، فاستعمل السواك للإتيان به، أو ليطيب فمه لتقبيل زوجاته. انتهى "مناوي".
стр. 903
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فيكون على أطيب حاله؛ ليكون أدعى لمحبة زوجاته له، وهذا تعليم للأمة، وإلا .. فرائحة فمه ﷺ أطيب من رائحة الطيب. انتهى "حفني".
وخص البيت؛ لأنه لا يفعله ذو المروءة بحضرة الناس ولا بالمسجد؛ لما فيه من إلقاء ما يستقذر. انتهى من "الكوكب".
قال القرطبي: وهذا يدل على استحباب تعاهد السواك؛ لما يُكره من تغير رائحة الفم من الأبخرة والأطعمة وغيرها، وعلى أنه يتجنب استعمال السواك في المساجد والمحافل وحضرة الناس، ولم يرو عنه ﷺ أنه تسوَّك في المسجد، ولا في محفل من الناس؛ لأنه من باب إزالة القذر والوسخ، ولا يليق بالمساجد ولا محاضر الناس، ولا يليق بذوي المروءات فعل ذلك في الملأ من الناس، ويحتمل أن يكون ابتداء النبي ﷺ عند دخول بيته بالسواك؛ لأنه كان يبدأ بصلاة النافلة، فقلما كان يتنفل في المسجد. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذ الحديث: الإمام مسلم (١/ ٢٢٠) ٢ - كتاب الطهارة (١٥)، باب السواك، رقم (٤٣ - ٢٥٣)، وأبو داوود في كتاب الطهارة (٢٧)، باب في الرجل يستاك بسواك غيره، رقم (١٥)، والنسائي ١ - باب الطهارة (٨)، باب السواك في كل حين، رقم (٨)، وأحمد بن حنبل (٦/ ٤١/ ٤٢/ ١١٠ - ١٨٢ - ١٨٨). انتهى "تحفة الأشراف" رقم (١٦١٤٤).
فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: بسوقه الاستشهاد به، والله أعلم.
* * *
стр. 904
(٢٥) - ٢٨٩ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا بَحْرُ بْنُ كَنِيزٍ،
===
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى خامسًا لحديث حذيفة بأثر على ﵄، فقال:
(٢٥) - ٢٨٩ - (٦) (حدثنا محمد بن عبد العزيز) بن أبي رزمة، واسمه: غزوان اليشكري مولاهم، أبو عمرو المروزي. روى عن: أبيه، وأبي معاوية، وابن إدريس، وابن عيينة، وحفص بن غياث، وابن المبارك، وغيرهم، ويروي عنه: (خ عم) الأربعة والبخاري، وابنه عبد الله بن محمد، وأبو زرعة، وأبو حاتم، وعبد الله بن أحمد، وآخرون.
قال أبو حاتم: صدوق، وقال الدارقطني: والنسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ).
(حدثنا مسلم بن إبراهيم) الأزدي الفراهيدي: نسبة إلى فراهيد؛ بطن من الأزد، مولاهم أبو عمرو البصري. روى عن: بحر بن كَنيز، وعبد السلام بن شداد، وجرير بن حازم، وأبان بن يزيد العطار، وشعبة، وآخرين، ويروي عنه: (ع)، ومحمد بن يحيى القطعي، وعبد بن حميد، والدارمي، ومحمد بن يحيى الذهلي، وآخرون.
وقال ابن معين: ثقة مأمون، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وقال في "التقريب": ثقة مأمون، مكثر عمي بأخرة، من صغار التاسعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومئتين (٢٢٢ هـ).
(حدثنا بحر بن كَنيز) -بفتح الكاف وكسر النون- الباهلي أبو الفضل البصري المعروف بالسقاء، وهو جد عمرو بن علي الفلاس. روى عن: عثمان بن
стр. 905
عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سَاجٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ
===
ساج، والحسن البصري، وعمر وبن دينار، وقتادة، والزهري، وغيرهم، ويروي عنه: (ق)، والثوري، وابن عيينة، ويزيد بن هارون، ومسلم بن إبراهيم، وآخرون.
قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم، وقال الدارقطني: متروك، قال ابن سعد: مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقال في "التقريب": ضعيف، من السابعة.
(عن عثمان) بن عمرو (بن ساج) القرشي أبي ساج الجزري مولى بني أمية، وقد يُنسب إلى جده. روى عن: الزهري مرسلًا، وسعيد بن جبير، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم، ويروي عنه: (س ق)، وبحر بن كَنيز، ومعتمر بن سليمان، وإسماعيل بن أمية، وآخرون.
ذكره أبو عروبة في الطبقة الثالثة من التابعين، وقال: كان قاضيًا، وقال أبو حاتم: عثمان والوليد ابنا عمرو بن ساج، يُكتب حديثهما ولا يُحتج بهما، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال العقيلي: عثمان بن عمرو الحراني لا يُتابع في حديثه، وقال في "التقريب": ضعيف، من الثالثة، وروايته عن ابن جبير فيها انقطاع.
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قُتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ) ولم يكمل الخمسين. يروي عنه: (ع).
(عن علي بن أبي طالب) ﵁.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لانقطاعه بين سعيد وعلي، وبين عثمان وسعيد، ولضعف بحر في الرواية.
стр. 906
قَالَ: إِنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ، فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ.
===
(قال) علي: (إن أفواهكم) أيها المسلمون (طرق للقرآن) أي: يجري القرآن فيها كجري الناس في الطرق، والخطاب للمسلمين باعتبار ما ينبغي أن يكون المسلم عليه، (فطيبوها) أي: فطيبوا أفواهكم ونظِّفوها (بالسواك) ليكون القرآن جاريًا على ألسنة طاهرة وأفواه طيبة.
وهذا الأثر انفرد به ابن ماجه، ورواه البزار بسند جيد لا بأس به مرفوعًا، ولعل من وقفه أشبه، ورواه البيهقي في "الكبرى" من طريق عبد الرحمن السلمي عن علي موقوفًا. انتهى "بوصيري".
فهذا الأثر في نفسه: صحيح؛ لأن له شاهدًا، وإسناده: ضعيف جدًّا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
واحد للاستدلال، وخمسة للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 907
(٨) - (٣٢) - بَابُ الْفِطْرَةِ
(٢٦) - ٢٩٠ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْفِطْرَةُ خَمْسٌ،
===
(٨) - (٣٢) - (باب الفطرة)
أي: هذا باب معقود في ذكر الأحاديث الواردة في بيان الفطرة؛ أي: السنة التي سنّها الله تعالى لأنبيائه على لسان إبراهيم.
* * *
واستدل المؤلف رحمه الله تعالى على الترجمة بحديث أبي هريرة ﵁، فقال:
(٢٦) - ٢٩٥ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة) ﵁.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : الفطرة خمس) أي: خمس خصال، أو خصال خمس، والفطرة -بكسر الفاء وسكون الطاء- في أصلها بمعنى: الخلقة؛ أي: الخصلة التي خلق الإنسان عليها؛ من الجُبن والشجاعة والكرم والبخل مثلًا، والمراد بها ها هنا: السنة القديمة التي اختارها الله تعالى للأنبياء، فكأنها أمر جبلي فطروا؛ أي: خُلقوا عليها، وليس المراد من الحديث: الحصر في الخمس؛ فقد جاء في حديث عائشة التالي لهذا: "عشر من الفطرة".
стр. 908
أَوْ خَمْسٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: الْخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ،
===
(أو) قال رسول الله ﷺ ، فالشك من أبي هريرة، أو قال أبو هريرة، فالشك من سعيد (خمس) خصال؛ أي: خمس أمور (من الفطرة) أي: من السنن القديمة ليست خاصة بهذه الأمة، وقوله: (الفطرة) أي: الخصال التي تُزين الفطرة والخلقة، وتنظفها وتحسنها، ويشوه تركها الخلقة.
أو المعنى: السنن التي فُطرت وجُبلت عليها الأنبياء المتقدمة من لدن إبراهيم ﵇ إلى نبينا ﷺ ؛ أي: التي اعتادوها حتى صارت جبلة وخلقة لهم .. خمس خصال؛ أي: محصورة في خمس خصال؛ لأن المبتدأ معرف بأل الجنسية، فتفيد حصر المبتدأ في الخبر.
والمعنى: الفطرة منحصرة في خمس، فلا تعارض رواية العشر؛ لأن المعنى عليها: أصول الفطرة ومؤكداتها خمس، (أو) قال النبي ﷺ : (خمس) خصال (من الفطرة) أي: من الأمور التي تُزين الخلقة، أو من السنن القديمة، و (من) تبعيضية؛ أي: خمس خصال بعض السنن القديمة، فلا تعارض أيضًا، كما مر آنفًا. والشك من الراوي، هل قال النبي ﷺ الأول أو الثاني.
ثم فسر النبي ﷺ تلك الخمس، فقال: أحدها: (الختان)، وهو في الذكر: قطع جميع الجلدة التي تغطي الحشفة حتى تنكشف جميع الحشفة، وفي الأنثى قطع أدنى جزء من الجلد التي في أعلى الفرج.
(و) ثانيها: (الاستحداد)، وهو: حلق العانة، سُمي استحدادًا؛ لاستعمال الحديدة، وهي الموسى فيه، والمراد بالعانة: الشعر الذي فوق ذكر الرجل وحواليه، وكذلك الشعر الذي حوالي فرج المرأة.
стр. 909
وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ".
===
(و) ثالثها: (تقليم الأظفار) أي: قطعها وإزالتها بالموسى ونحوها، وهي جمع ظفر؛ وهي العظام التي تنبت على أطراف الأصابع في اليدين والرجلين.
(و) رابعها: (نتف الإبط) أي: إزالة شعر الإبط بنتف أو حلق؛ لأن الإبط موضعه؛ وهو الموضع المنخفض تحت مفصل الكتف والعضد، وخرج نتف الإبط وحلق العانة على الميسر فيهما، ولو عكس فحلق الإبط ونتف العانة .. جاز لحصول النظافة بكل ذلك، وقيل: لا يجوز في العانة إلا الحلق؛ لأن نتفها يؤدي إلى استرخائها وضعف الشهوة، ذكره أبو بكر بن العربي شارح "الترمذي". انتهى من "الكوكب الوهاج".
(و) خامسها: (قص الشارب) أي: إزالته بالمقص ونحوه؛ وهو الشعر النابت على الشفة العليا، سُمي بذلك؛ لدخوله الشراب عند الشرب إذا طال، ويُسمى النابت على الشفة السفلى: بالعنفقة، فيسن إزالته كالشارب؛ لأنه ليس له دخل في اللحية، ويسمى النابت على الذقن: باللحية، فيسن إعفاؤها، كما سيأتي، والذقن: مجتمع اللحية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري (٥٨٩١)، مسلم أيضًا، وأبو داوود (٤١٩٨)، والترمذي (٢٧٥٧)، والنسائي (١/ ١٤ - ١٥).
والحديث من المتفق عليه، فدرجته: أنه صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى لحديث أبي هريرة بحديث عائشة ﵄، فقال:
стр. 910
(٢٧) - ٢٩١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُصعَبِ بْنِ شَيْبَةَ، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ،
===
(٢٧) - ٢٩١ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، حدثنا زكرياء بن أبي زائدة) خالد بن ميمون الهمداني الوادعي أبو يحيى الكوفي. ثقة وكان يدلس، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومئة (١٤٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن مصعب بن شيبة) بن جبير بن شيبة بن عثمان بن طلحة العبدري الحجبي المكي الكعبي. روى عن: طلق بن حبيب، وأبيه، وعمة أبيه صفية بنت شيبة، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، وزكرياء بن أبي زائدة، وابنه زرارة، وحفيده عبد الله بن زرارة، وابن جريج، ومسعر، وآخرون.
وقال إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين: ثقة، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال النسائي: منكر الحديث، وقال العجلي: ثقة، وقال في "التقريب": ليّن الحديث، من الخامسة.
قلت: فهو من المختلف فيه.
(عن طلق بن حبيب) العنزي البصري. روى عن: ابن الزبير، وعبد الله بن عباس، وابن عمرو بن العاص، وجابر، وغيرهم، ويروي عنه: (م عم)، ومصعب بن شيبة، وطاووس وهو من أقرانه، وسعيد بن المهلب، والأعمش، ومنصور، وآخرون.
قال مالك بن أنس: بلغني أن طلق بن حبيب كان من العبّاد، وأنه هو وسعيد بن جبير وقراء كانوا معهم طلبهم الحجاج وقتلهم.
قلت: وقال أبو زرعة: كوفي سمع ابن عباس، وهو ثقة، لكن كان يرى الإرجاء، وقال ابن سعد: كان مرجئًا ثقة إن شاء الله تعالى، وذكره ابن حبان
стр. 911
عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ،
===
في "الثقات"، وقال: كان مرجئًا عابدًا، وقال العجلي: مكي تابعي ثقة، كان من أعبد أهل زمانه، وذكره البخاري في "الأوسط" فيمن مات بين التسعين إلى المئة، وقال في "التقريب": بصري صدوق عابد، رُمي بالإرجاء، من الثالثة، مات دون المئة بعد التسعين.
(عن) عبد الله (بن الزبير) بن العوام الأسدي المكي ﵄.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: أنه إسناد حسن؛ لأن في إسناده راويًا مختلفًا فيه؛ وهو مصعب بن شيبة.
(قالت) عائشة: (قال رسول الله ﷺ : عشر من الفطرة) أي: عشر من الخصال، وهو مبتدأ، خبره الجار والمجرور المذكور بعده، وسوغ الابتداء بالنكرة وصفه بصفة محذوفة، تقديرها: أي: عشر من الخصال كائنة من الفطرة؛ أي: من الأمور التي تُزيِّن فطرة الإنسان وخلقته؛ أي: جسمه، أو من السنن القديمة؛ فـ (من) هنا تبعيضية، ولذلك لم يذكر فيها الختان، ولعله هو الذي نسيه مصعب، ولا تعارض بين قوله هنا: (عشر)، وفي حديث أبي هريرة: (خمس) لاحتمال أن يكون أُعلم بالخمس أولًا، ثم زيد عليها.
قاله عياض، ويحتمل أن تكون الخمس المذكورة في حديث أبي هريرة أوكد من غيرها. انتهى من "المفهم". انتهى من الكوكب.
إحداها: (قص الشارب) أي: إزالته بالمقص ونحوه، والشارب: الشعر النابت على الشفة العليا، والقص هو الأكثر في الأحاديث، نص عليه الحافظ ابن حجر، وهو مختار مالك، وجاء في بعضها: (إحفاء الشارب) بالحاء
стр. 912
وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَالاسْتِنْشَاقُ بِالْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ،
===
المهملة وبالمد، وهو مختار أكثر العلماء؛ والإحفاء: هو الاستئصال، واختار النووي قول مالك، وقال: المراد بالإحفاء: إزالة ما طال على الشفة.
قلت: هو غالب عمل الناس اليوم، ولعل مالكًا حمل الحديث على ذلك بناء على أنه وجد عمل أهل المدينة عليه؛ فإنه رحمه الله تعالى كان يأخذ في مثله بعمل أهل المدينة، فالمرجو أنه المختار. انتهى "سندي".
(و) ثانيها: (إعفاء اللحية) بالعين المهملة وبالمد؛ أي: إكثارها بالإنبات وتركها، وألا تقص كالشارب، قيل: والمنهي قصها كصنيع الأعاجم وشعار كثير من الكفرة، فاليوم عمّ شعارهم البلدان والمسلمين، والعياذ بالله تعالى أن نقتدي بالكفرة، فلا ينافيه ما جاء من أخذها طولًا وعرضًا للإصلاح.
(و) ثالثها: (السواك) أي: دلك الأسنان وما حواليها بآلته.
(و) رابعها: (الاستنشاق بالماء) أي: إدخال الماء في الخيشوم؛ لإخراج ما فيه من الوسخ.
(و) خامسها: (قص الأظفار) أي: إزالتها بالمقص ونحوه حتى تبدو البشرة التي تحتها.
(و) سادسها: (غسل البراجم) وهي عقد الأصابع من ظهر الكف، والرواجب: عقدها من باطن الكف، قال الخطابي: معناه تنظيف المواضع التي يجتمع فيها الوسخ.
(و) سابعها: (نتف) شعر (الأبط) إن كان النتف لا يضره، وإلا .. فيحلقه، كما كان الإمام الشافعي يفعل ذلك، قال السندي: أي: أخذ شعره بالأصابع؛ لأنه يضعف الشعر، وهل يكفي الحلق والتنوير في السنة أم لا؟ فيه
стр. 913
وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ" يَعْنِي: الاسْتِنْجَاءَ، قَالَ زَكَرِيَّاءُ: قَالَ مُصْعَبٌ:
===
خلاف، وخص الإبط؛ لأنه محل الرائحة الكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، والنتف يضعف أصول الشعر، والحلق يقوّيها، وقد جوّز الحلق لمن لا يقدر على النتف. انتهى.
(و) ثامنها: (حلق العانة) أي: الشعر النابت فوق الفرج وحواليه، والأفضل في حق الرجل .. حلقها؛ لأن نتفها يضعف شهوته، وفي حق المرأة .. نتفها؛ لأنه يخفف عنها شهوتها، وذكر الحافظ ابن عدي من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "ادفنوا الأظفار والشعر والدم؛ فإنها ميتة".
(و) تاسعها: (انتقاص الماء) بالقاف والصاد المهملة على المشهور؛ أي: انتقاص البول بغسل المذاكير، وقيل: هو بالفاء والضاد المعجمة؛ أي: نضح الماء على الذكر؛ أي: نضح الفرج ورشه بماء قليل بعد الوضوء؛ لنفي الوسواس، قال الأبي: وانتضاح الماء وانتقاصه: أن يأخذ قليل الماء بيده فيرش به مذاكيره؛ ليذهب الوسواس، وكان ﷺ يفعله قطعًا للوسواس، وإن كان محفوظًا منه تعليمًا للأمة، أو كان يفعله ليرتد البول ولا ينزل منه الشيء بعد الشيء. انتهى. وهذا المعنى هو الظاهر.
قال القاضي عياض: وفسره وكيع في "الأم" بالاستنجاء، وفسره أبو عبيد بانتقاص البول بسبب غسل المذاكر، وقيل: معناه: أن ينضح الفرج بعد الوضوء؛ ليطرد الوسواس. انتهى.
وفسره الراوي، أو من دونه (يعني) النبي ﷺ بانتقاص الماء (الاستنجاء) بالماء.
(قال زكرياء) بن أبي زائدة بالسند السابق: (قال) لنا (مصعب) بن شيبة:
стр. 914
وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ.
(٢٨) - ٢٩٢ - (٣) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ
===
(ونسيت) من تلك العشرة (العاشرة، إلا أن تكون) تلك المنسية (المضمضة) لمناسبتها الاستنشاق؛ أي: نسيتها أي شيء هي، إلا أن تكون تلك المنسية المضمضة؛ أي: نسيت جواب السؤال عن تعيينها، إلا تعيينها بأنها المضمضة، فالاستثناء من محذوف، قال السندي: يريد أنه يظن أن العاشرة هي المضمضة، فإن كانت هي المضمضة في الواقع .. فهو غير ناسٍ للعاشرة، وإلا .. فهو ناس لها، فهذا استثناء مفرّغ من أعم الأوقات، أو أعم التقديرات، كما قدرنا. والمعنى: أني نسيت العاشرة كل وقت، إلا وقت كونها المضمضة، أو على كل تقدير: إلا على تقدير أن تكون المضمضة. انتهى، وما قلناه أوضح وأولى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الإمام مسلم في كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، رقم (٥٦)، والترمذي كتاب الأدب (١٤)، باب ما جاء في تقليم الأظفار، وأبو داوود كتاب الترجل، رقم (٤١٩٨)، والنسائي كتاب الطهارة، باب نتف الإبط (٥٠٥٥). انتهى "تحفة الأشراف".
قال المنذري: وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن.
وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة.
* * *
ثم استشهد المؤلف رحمه الله تعالى ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عمار بن ياسر ﵄، فقال:
(٢٨) - ٢٩٢ - (٣) (حدثنا سهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصُّغْدي -بضم المهملة وسكون المعجمة ثم دال مهملة- نسبة إلى صغد سمرقند،
стр. 915
وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ،
===
أبو عمرو الرازي الخياط. روى عن: أبي الوليد، وحفص بن غياث، وأبي أسامة، وابن عيينة، وغيرهم، ويروي عنه: (ق)، وأبو حاتم، وموسى بن هارون.
قال أبو حاتم: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال مسلمة: رازي ثقة، وقال في "التقريب": صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ).
(ومحمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري. ثقة حافظ، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ) على الصحيح، وله لست وثمانون سنة. يروي عنه: (خ عم).
(قالا: حدثنا أبو الوليد) الطيالسي هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري. ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة سبع وعشرين ومئتين (٢٢٧ هـ)، وله أربع وتسعون سنة. يروي عنه: (ع).
(حدثنا حماد) بن سلمة بن دينار الربعي البصري. ثقة، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن علي بن زيد) بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جُدعان التيمي أبي الحسن البصري. ضعيف، من الرابعة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ)، وقيل قبلها. روى عنه: (م عم)، وقرنه (م) بآخر.
(عن سلمة بن محمد بن عمار بن ياسر) العنسي المدني. روى عن: جده، وقيل: عن أبيه عن جده.
قال البخاري: ولا نعرف أنه سمع من جده عمار أم لا، وقال ابن معين: حديثه عن جده مرسل، وقال ابن حبان: لا يُحتج به، ويروي عنه: (دق)،