← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 148095

شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه

محمد الأمين الهرري

Полный текст (12 442 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

مِنْكِ مَا خَرَجْتُ". === بالخروج (منك) بأمر من الله تعالى .. (ما خرجت) منك أبدًا؛ لأنك أشرف بقاع الأرض وأكرمها عند الله تعالى؛ حيث جعلك حرمًا آمنًا ومشاعر النسك. وفي الحديث دلالة على أنه لا ينبغي للمؤمن أن يخرج من مكة، إلا أن يُخرج منها حسًا أو حكمًا؛ وهو الضرورة الدينية أو الدنيوية. وأما خبر الطبراني: (المدينة خير من مكة) .. فضعيف، بل هو منكر واهٍ؛ كما قاله الذهبي، وعلى تقدير صحته يكون محمولًا على زمانه ﷺ ؛ لكثرةِ الفوائد في حضرته، وملازمةِ خدمته؛ لأن شرف المدينة ليس بذاتها، بل بوجوده ﷺ فيها ونزوله فيها مع بركاته. وأيضًا نفس المدينة ليس أفضل من مكة اتفاقًا؛ إذ لا تضاعف فيه أصلًا، بل المضاعفة في المسجدين بالنسبة إلى الصلاة؛ ففي الحديث الصحيح الذي قال الحفاظ على شرط الشيخين: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد، إلا المسجد الحرام، صلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمئة ألف صلاة". وصح عن ابن عمر موقوفًا، وهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال مثله بالرأي: (صلاة واحدة بالمسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة بمسجد النبي ﷺ . انتهى، انتهى من "التحفة". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب في فضل مكة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، والنسائي في كتاب المناسك، باب فضل مكة، والحاكم في "المستدرك"، وأحمد في "المسند"، والطبري في "تفسيره".

стр. 8822

(٦٢) - ٣٠٥٦ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، === فدرجة هذا الحديث: أنا، صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن عدي بحديث صفية بنت شيبة رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٢) - ٣٠٥٦ - (٢) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا يونس بن بكير) بن واصل الشيباني أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (م د ت ق). (حدثنا محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، إمام المغازي، صدوق يدلس، بل هو إمام عارف ثقة مشهور، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا أبان بن صالح) بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم المدني، قال ابن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة وأبو زرعة وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: لا بأس به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، ووهم ابن حزم فَجَهَّلَهُ - أي: جعله مجهولًا - وابن عبد البر فضعَّفه، وهذا غفلة منهما، ويكفي في توثيقه ابن معين ومَنْ ذُكر معه من الأئمة، من الخامسة، مات سنة بضع عشرة ومئة (١١٣ هـ). يروي عنه: (عم).

стр. 8823

عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ يَنَّاقٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عَامَ الْفَتْحِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يَأْخُذُ لُقَطَتَهَا إِلَّا مُنْشِدٌ"، === (عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق) - بفتح التحتية وتشديد النون آخره قاف - المكي، ثقة، من الخامسة، مات قديمًا بعد المئة بقليل. يروي عنه: (خ م د س ق). (عن صفية بنت شيبة) بنت عثمان بن أبي طلحة العبدريةِ رضي الله تعالى عنها، لها رؤية، وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة، وفي "البخاري" التصريح بسماعها من النبي ﷺ ، وأنكر الدارقطني إدراكَها النبي ﷺ ، وكفى البخاري إثباتًا لسماعها يروي عنها: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قالت) صفية: (سمعت) بضم التاء للمتكلم (النبي ﷺ حالة كونه (يخطب) ويعظ الناس (عام الفتح، فقال) في خطبته: (يا أيها الناس؛ إن الله) (حرم مكة) أي: جعلها حرمًا آمنًا (يوم خلق السماوات والأرض، فهي) أي: مكة (حرام) من وقت تحريم الله تعالى إياها (إلى يوم القيامة) ولذلك (لا يعضد) - بضم أوله وفتح ثانيه - أي: لا يُكسر ولا يُقْلَع (شجرُها) الذي نبت بنفسه لا المُسْتَنْبَتُ (ولا ينفر صيدها) أي: لا يزعج ولا يطرد من مكانه، وفي رواية البخاري زيادة: (ولا يختلى) بضم أوله وسكون ثانيه المعجم وفتح لامه (خلاها) - بالقصر وفتح الخاء المعجمة - أي: لا يُجزُّ ولا يُقطع كلؤُها الرطبُ الذي نبت بنفسه (ولا يأخذ لقطتها) - بفتح القاف وسكونها مع ضم اللام فيهما - أي: لا يَرْفَعُ لقطتَها (إلا منشد) لها على

стр. 8824

فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِلَّا الْإِذْخِرَ؛ فَإِنَّهُ لِلْبُيُوتِ وَالْقُبُور، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِلَّا الْإِذْخِرَ". === الدوام؛ أي: إلا مُعرِّفٌ يُعَرِّفُها على الدوام، فلا يأخذها للتملك بعد التعريف، بخلاف سائر البلدان (فقال العباس) بن عبد المطلب لرسول الله ﷺ : (إلا الإذخر) أي: ليكن هذا استثناء من الكلأ يا رسول الله (فإنه) أي: فإنه الإذخر نحتاج إليه (للبيوت) أي: لسقف بيوتنا (والقبور) أي: ولسد فرج اللبنات عند سد لحد القبور؛ لئلا يدخل التراب على الميت (فقال رسول الله ﷺ باجتهاد منه أو بوحي إليه في الحال: ("إلا الإذخر") ويجوز أن يكون أُوحي إليه قبل ذلك: أنه إن طلب منك أحد استثناء شيء .. فاستثن؛ والإذخر - بكسر الهمزة وسكون الذال المعجمة -: نبت طيب الرائحة. ويجوز فيه الرفع على البدل، والنصب على الاستثناء؛ لكونه واقعًا بعد النفي، لكن المختار - كما قاله ابن مالك - نصبه؛ إما لكون المستثنى متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدلية، وإما لكون الاستثناء عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أولًا، وفي رواية: (قال رجل من قريش: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنه نجعله في بيوتنا وقبورنا) أي: لحاجة سقف بيوتنا نجعله فوق الخشب، ولحاجة قبورنا في سد الفرج التي بين اللبنات والفرش ونحوه (فقال النبي ﷺ : إلا الإذخر) وفي نسخة: (إلا الإذخر، إلا الإذخر) بالتكرار. انتهى. "قسطلاني". وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجنائز، باب الإذخر والحشيش في القبر. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله. * * *

стр. 8825

(٦٣) - ٣٠٥٧ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَابْنُ الْفُضَيْل، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ سَابِطٍ، === ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث عياش بن أبي ربيعة رضي الله تعالى عنه، فقال: (٦٣) - ٣٠٥٧ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). (حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع). (و) محمد (بن الفضيل) بن غزوان - بفتح المعجمة وسكون الزاي - الضبي مولاهم الكوفي، صدوق عارف رمي بالتشيع، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). كلاهما رويا (عن يزيد بن أبي زياد) القرشي الهاشمي أبي عبد الله مولاهم الكوفي، رأى أنسًا. روى عن: عبد الرحمن ابن سابط، ويروي عنه: علي بن مسهر، ومحمد بن فضيل؛ كما في "التهذيب"، ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًّا، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (م عم). (أنبأنا عبد الرحمن ابن سابط) ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط، وهو الصحيح، ويقال: عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سابط بن أبي حميضة بن عمرو بن أُهيب بن حذافة بن جمح الجمحي المكي تابعي، أرسل عن النبي ﷺ ، ثقة كثير الإرسال، من الثالثة،

стр. 8826

عَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْبر مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا؛ فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ .. هَلَكُوا". === مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ). روى عن: عياش بن أبي ربيعة، ويروي عنه: يزيد بن أبي زياد، قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث، له في "صحيح مسلم" حديث واحد في الفتن، كذا في "التهذيب". يروي عنه: (م عم). (عن عياش بن أبي ربيعة) عمرو بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي (المخزومي) أسلم قديمًا وهاجر الهجرتين رضي الله تعالى عنه، وكان أحد من يدعو له النبي ﷺ من المستضعفين، واستشهد باليمامة، وقيل: باليرموك، وقيل: مات سنة خمس عشرة (١٥ هـ). يروي عنه: (ق)، وليس لعياش بن أبي ربيعة عند ابن ماجه سوى هذا الحديث، وليس له رواية في شيء من الخمسة الأصول. انتهى. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو متفق على ضعفه. (قال) عياش بن أبي ربيعة: (قال رسول الله ﷺ : لا تزال هذه الأمة) المحمدية ملتبسة (بخير) وسلامة وعافية (ما عظموا هذه الحرمة) أي: حرمة شعائر الله تعالى ومعالم دينه التي كانت في الحرم المكي (حق تعظيمها) بإقامة ما يطلب فيها من المناسك (فإذا ضيعوا) أي: ضيعت هذه الأمة وتركت (ذلك) أي: تعظيم شعائر الله حق تعظيمها؛ بأن تركوا مناسك الحج .. (هلكوا) أي: هلكت هذه الأمة في الدنيا والآخرة بتسليط أعدائهم عليهم، وإنزال الشدائد عليهم؛ من الوباء والقحط والأمراض، وفي الآخرة بالعذاب الأليم.

стр. 8827

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده؛ لما تقدم آنفًا، فهو ضعيف متنًا وسندًا (٦) (٣١٦)، ولا شاهد له ولا متابع، وغرضه: الاستئناس به للترجمة. * * * وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث: الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد، والثالث للاستئناس. والله أعلم

стр. 8828

(٣٣) - (١١١١) - بَابُ فَضْلِ الْمَدِينَةِ (٦٤) - ٣٠٥٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ الْإِيمَانَ === (٣٣) - (١١١١) - (باب فضل المدينة) المنورة * * * (٦٤) - ٣٠٥٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه (ع). (وأبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع). (عن عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع). (عن خبيب بن عبد الرحمن) بن خبيب - بالتصغير في الموضعين - ابن يساف الأنصاري أبي الحارث المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع). (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العمري المدني، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن الإيمان) وأهله

стр. 8829

لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ؛ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا". === (ليأرز) - بتقديم الراء على الزاي - من باب ضرب؛ أي: ليجتمع ويرجع (إلى المدينة) دار هجرته ﷺ من مبدئه إلى يوم القيامة (كما تأرز) وتجتمع وترجع وتنضم (الحية إلى جحرها) وحفرتها. قال القرطبي: وهذا منه ﷺ إخبار بما كان في عصره، وعصر من يليه من أصحابه وتابعيهم؛ من حيث إن المدينة دار هجرتهم ومُقامهم ومقصدهم وموضع رحلتهم لطلب العلم والدين، ومرجعهم فيما يحتاجون إليه من مهمات دينهم ووقائعهم، حتى لقد حصل للمدينة من الخصوصية بذلك ما لا يوجد في غيرها، وفيه حجة على صحة مذهب مالك في تمسكه بعمل أهل المدينة، وكونه حجة شرعية. وقال أبو مصعب الزهري في معنى هذا الحديث: إنما المراد بالمدينة: أهل المدينة، وأنه تنبيه على صحة مذهبهم وسلامتهم من البدع المحدثات واقتدائهم بالسنن، والإيمان مجتمع عندهم وعند من سلك سبيلهم. انتهى من "المفهم". وقال القاضي عياض: ومعنى الحديث: الإخبار عما اختصت به المدينة في زمنه ﷺ ؛ من كونها ملجأ المهاجرين ومقصد المتشوقين لرؤيته ﷺ للتبرك به والتعلم منه، وفي زمن الخلفاء؛ لأخذ سيرة العدل منهم، والاقتداء بجمهور الصحابة، وفي زمن التابعين فمن بعدهم؛ لأخذ السنة والعلم عمن بها من أئمة الهدى وسرج الوقت، وفي كل زمن إلى هلم جرًا؛ لزيارة قبره ﷺ والتبرك بآثاره، التي لا يحمل عليه إلا صحة الإيمان، وكمال المحبة. انتهى، انتهى من "الكوكب". قال الحافظ: إنها كما تنتشر الحية من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا

стр. 8830

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === راعها شيء .. رجعت إلى جحرها؛ كذلك الإيمان انتشر من المدينة، وكل مؤمن له سائق من نفسه إلى المدينة؛ لمحبته النبي ﷺ ، فيشمل ذلك جميع الأزمنة؛ من زمنه ﷺ إلى زماننا هذا وما بعده إلى يوم القيامة. قلت: وفيما قلنا وفيما قاله القاضي رد على من يخصه بوقت خروج الدجال، وهو وإن جاء في الصحيح عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "ليس من بلد إلا سيطأ الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس لها من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها"، فلا يرد عموم هذا الحديث. انتهى من هامش "الإكمال". قوله: "ليأرز إلى المدينة" - بهمزة ساكنة وراء مكسورة ثم زاي - من باب ضرب يضرب؛ أي: ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض فيها. وحكى القابسي فتح الراء؛ من باب علم يعلم، وحكى ضمها؛ من باب نَصرَ يَنْصرُ. "كما تأرز الحية" أي: كما تنتشر الحية وتنبسط من جحرها في طلب ما تعيش به، فإذا راعها شيء .. رجعت إلى جحرها، كذلك الإيمان انتشر من المدينة؛ فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها لمحبته في ساكنها صلوات الله وسلامه عليه، وهذا شامل لجميع الأزمنة؛ أما زمنه ﷺ .. فللتعلم منه، وأما زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم .. فللاقتداء بهديهم، وأما بعدهم .. فلزيارة قبره المنيف، والصلاة في مسجده الشريف، والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه، رزقني الله وإياكم ذلك، والممات على محبته هنالك، آمين. انتهى من "القسطلاني على البخاري".

стр. 8831

(٦٥) - ٣٠٥٩ - (٢) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ أَيُّوبَ، === وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب فضائل المدينة، باب الإيمان يأرز إلى المدينة، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وأنه يأرز بين المسجدين. فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٦٥) - ٣٠٥٩ - (٢) (حدثنا بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ أبو بشر، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق). (حدثنا معاذ بن هشام) بن أبي عبد الله الدستوائي البصري، وقد سكن اليمن، صدوق ربما وهم، من التاسعة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا أبي) هشام الدستوائي بن أبي عبد الله سنبر، أبو بكر البصري، ثقة ثبت، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني أبي بكر البصري، ثقة ثبت حجة، من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).

стр. 8832

عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ .. فَلْيَفْعَلْ؛ فَإِنِّي أَشْهَدُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا". === (عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : من استطاع) وقدر (منكم) أيها المسلمون (أن يموت بالمدينة) أي: أراد أن يموت بها .. (فليفعل) أسباب الموت بها؛ من ملازمتها إلى أن يأخذه فيها الموت؛ والمعنى: فَلْيُقِمْ بها حتى يموت فيها، فهو حث على لزوم الإقامة بها، وألا يخرج منها حتى يدركه الموت ثَمَّتَ (فإني أشهد) يوم القيامة بالإيمان (لمن مات بها) أي: بالمدينة إن كان من أهل زماني، وأشفع له إن لم يكن من أهل زماني، وفي رواية الترمذي: (فإني أشفع لمن يموت بها) أي: أخصه بشفاعتي الخاصة، غير العامة؛ زيادةً في إكرامه. قال الطيبي: أمر له بالموت بها، وليس ذلك من استطاعته، بل هو إلى الله تعالى، لكنه أمر بلزومها، والإقامة بها؛ بحيث لا يفارقها، فيكون ذلك سببًا لأن يموت فيها، فأطلق المسبب؛ وهو الموت، وأراد السبب؛ وهو الإقامة بها؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١). انتهى من "تحفة الأحوذي". قال السندي: قوله: "من استطاع أن يموت بالمدينة" أي: بألا يخرج منها إلى أن يموت إن أراد الموت في جواره ﷺ ، وإنه بذلك حقيق بالإكرام، والله تعالى أعلم.

стр. 8833

(٦٦) - ٣٠٦٠ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ === فائدة قال الدميري: زيارة النبي ﷺ من أفضل الطاعات، وأعظم القربات؛ لقوله ﷺ : "من زار قبري .. وجبت له شفاعتي". رواه الدارقطني وغيره، وصححه عبد الحق. ولقوله ﷺ : "من جاءني زائرًا لا تحمله حاجة أخرى إلا زيارتي .. كان حقًّا علي أن أكون له شفيعًا يوم القيامة". رواه الجماعة؛ منهم: الحافظ أبو علي بن السكن في كتابه المسمى بـ "السنن الصحاح". فهذان إمامان صححا هذين الحديثين، وقولهما أولى من قول من طعن في ذلك. انتهى منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب المناقب، باب فضل المدينة، وابن حبان في "الموارد"، في كتاب الحج، باب فضل مدينة رسول الله ﷺ ، والبغوي في "شرح السنة"، وأحمد في "المسند"، والبيهقي. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أيوب السختياني. فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أبي هريرة. * * * ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال: (٦٦) - ٣٠٦٠ - (٣) (حدثنا أبو مروان محمد بن عثمان) بن خالد

стр. 8834

الْعُثْمَانِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمن، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ؛ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإنَّكَ حَرَّمْتَ مَكَّةَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ، === الأموي (العثماني) المدني نزيل مكة، صدوق يخطئ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (س ق)، ووثقه أبو حاتم، وقال صالح بن محمد الأسدي: ثقة صدوق إلا أنه يروي عن أبيه المناكير، وقال ابن حبان في "الثقات": يخطئ ويخالف، وقال الحاكم: في حديثه المناكير، فهو مختلف فيه. (حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم) سلمة بن دينار المدني، صدوق فقيه، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع). (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي أبي شبل المدني، صدوق ربما وهم، من الخامسة، مات سنة بضع وثلاثين ومئة (١٣٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن أبيه) عبد الرحمن بن يعقوب الجهني، مولى الحرقة - بضم المهملة وفتح الراء بعدها قاف - ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (م عم). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه محمد بن عثمان العثماني، وهو مختلف فيه. (أن النبي ﷺ قال: اللهم، إن إبراهيم خليلك ونبيك) (خليلك) بالرفع خبر (إن) و (نبيك) معطوف عليه (وإنك حرمت مكة) أي: أظهرت تحريمها وتعظيمها (على لسان إبراهيم) عليه السلام

стр. 8835

اللَّهُمَّ؛ وَأَنَا عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا"، قَالَ أَبُو مَرْوَانَ: لَابَتَيْهَا: حَرَّتَيِ الْمَدِينَةِ. === (اللهم؛ وأنا عبدك ونبيك، وإني أحرم ما بين لابتيها) أي: أريد أن أحرم ما بين لابتي المدينة، فحرمها على لساني؛ كما حرمت مكة على لسان إبراهيم خليلك. انتهى. قال المؤلف: (قال) لنا (أبو مروان) شيخنا: معنى (لابتيها: حرتي المدينة)؛ الحرة - بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء -: أرض ذات حجارة سود، وللمدينة لابتان؛ شرقية وغربية، قيل: المراد: تحريم اللابتين وما بينهما، والجمهور على هذا الحديث، وخلافه غير قوي، والله تعالى أعلم. قوله: (وإنك حرمت مكة على لسان إبراهيم) أي: بلغ إبراهيم تحريمها؛ لأن تحريم مكة سماوي من الخلقة، فإسناد التحريم إلى إبراهيم مِن حيثُ التبليغُ والإظهارُ، وبيانُ جهة التحريم مِن كونها لا يُنفَّر صيدُها ولا يُعضد شجرها مثلًا. قوله: "وإني أحرم ما بين لابتيها" أي: إني أريد أن أجعل ما بين لابتيها حرمًا لا يُراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تُخبط فيها شجرة إلا لِعلَف، ولا ينفر فيها صيد. وهذا الحديثُ انفرد به ابن ماجه؛ ولكن له شاهد من حديث عليِّ بن أبي طالب، رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، ومسلم في كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لَأْوَائِها، والترمذي أيضًا في كتاب الدعوات، والنسائي في "عمل اليوم والليلة"، وأحمد في "المسند"، وغيرهم. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره من الشواهد المذكورة، حسن

стр. 8836

(٦٧) - ٣٠٦١ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَرَادَ === السند؛ لأن في سنده محمد بن عثمان العثماني، فهو مختلف فيه، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال: (٦٧) - ٣٠٦١ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة مصنف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق). (حدثنا عبدة بن سليمان) الكِلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة على الصحيح (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع). (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من أراد) وقصد

стр. 8837

أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِسُوءٍ .. أَذَابَهُ اللهُ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ". (٦٨) - ٣٠٦٢ - (٥) حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، === (أهل المدينة) وسُكَّانَها (بسوء) أي: بِشَرٍّ في الأنْفُس؛ كالقتال، أو في الأموال؛ كأخذ أموالهم بالنَّهْبِ أو الغصبِ أو السرقةِ .. (أذابه الله) تعالى؛ أذاب الله قَلْبَهُ وجِسْمَهُ معنىً بإِلقاءِ الرعب والخوف في قلبه (كما يذوب الملح) المطروحُ (في الماء) فلا يَتِمُّ له مرادُه ولا قصدُه، وكفاهم الله تعالى من شر من قصدهم؛ كما ألقى الله الرعب في قلب أبي سفيان، وفي قلوب المشركين حين قصدوا استئصال أهل المدينة بعد غزوة أحد بالرجوع إليهم من طريق مكة بعد وصولهم حمراء الأسد. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به. * * * ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة الأول بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال: (٦٨) - ٣٠٦٢ - (٥) (حدثنا هناد بن السري) - بكسر الراء الخفيفة - ابن مصعب التميمي أبو السري الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م عم). (حدثنا عبدة) بن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع). (عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني إمام المغازي،

стр. 8838

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مِكْنَفٍ === صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم). انتهى "تقريب". وفي "التهذيب": قال البخاري: رأيت علي بن عبد الله، يحتج بحديث ابن إسحاق، قال: وقال علي: ما رأيت أحدًا يتهم ابن إسحاق، وقال شعبة: ابن إسحاق أمير المؤمنين لحفظه، وقال أبو زرعة الدمشقي: ابن إسحاق رجل قد أجمع الكبراء من أهل العلم على الأخذ منه، وقد اختبره أهل الحديث، فرأوه صدقًا وخيرًا مع مدح ابن شهاب له، وقال ابن المديني: ثقة، لم يضعه عندي إلا روايته عن أهل الكتاب، وقال ابن حبان: ولم يكن بالمدينة أحد يقارب ابن إسحاق في علمه ولا يوازنه في جمعه، وهو من أحسن الناس سياقًا للأخبار ... إلى أن قال: وكان يكتب عمن فوقه، ومثله، ودونه، فلو كان ممن يستحل الكذب .. لم يحتج إلى النُّزُول، فهذا يدلك على صدقه، قال الحاكم: وذكر عن البُوشَنْجِي أنه قال: هو عندنا ثقة ثقة. انتهى من "التهذيب" باختصار. قلت: فهو ثقة ثقة إمام المغازي حجة في كل علم. (عن عبد الله بن مِكْنَفٍ) - بكسر الميم وسكون الكاف بعدها نون مفتوحة، بوزن منبر - الأنصاري المدني. روى عن أنس، ويروي عنه محمد بن إسحاق والمسور بن رفاعة، وقال البخاري: في حديثه نظر، وقال ابن حبان: لا أعلم له سماعًا من أنس، ولا يجوز الاحتجاج به، وذكره ابن عدي، وقال: لا يحدِّث عنه غيرُ ابن إسحاق، كذا قال. قلت: قد صرح عبد الله بن مكنف في رواية ابن ماجه هذه بسماعه من أنس، فزال ما كنا نخشاه من قول ابن حبان: "لا أعلم له سماعًا من أنس".

стр. 8839

قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أُحُدًا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، وَهُوَ عَلَى تُرْعَةٍ مِنْ تُرَعِ الْجَنَّة، وَعَيْرٌ عَلَى تُزعَةٍ مِنْ تُرَعِ النَّارِ". === وقال في "التقريب": مجهول، من الخامسة. يروي عنه: (ق). (قال) عبد الله بن مكنف: (سمعت أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الله بن مكنف، وهو مجهول. أي: سمعت أنسًا حالة كونه (يقول: إن رسول الله ﷺ قال: إن أحدًا جبل يحبنا ونحبه). قوله: "إن أحدًا" - بضمتين -: جبل بالمدينة؛ وهو من أعظم جبالها، سمي به؛ لتوحده عن غيره من الجبال بالكبر. قوله: "يحبنا ونحبه" قال المناوي: نحن نأنس به، وترتاح نفوسنا لرؤيته، وهو سد بيننا وبين ما يؤذينا؛ لعله هو الدجال في آخر الزمان، أو المراد: أهله الذين هم أهل المدينة يحبنا. ويقابله: جبلٌ في قِبلِيِّ المدينةِ يُسمّى عيرًا - بفتح العين - وهو غير محبوب لنا، وقد ورد في حقه البغض في بعض الأحاديث؛ كما سيذكره المؤلف (وهو) أي: أحد (على ترعة) وباب (من ترع الجنة) وأبوابها. (وعير): وهو اسم جبل من جبال المدينة؛ أي: وعير هذا (على ترعة) وباب (من ترع النار) أي: على باب من أبواب النار، نبغضه ويبغضنا. ولفظ حديث "الجامع الصغير": (أحد هذا جبل يحبنا ونحبه، وهو على باب من أبواب الجنة، وعير هذا يبغضنا ونبغضه، وهو على باب من أبواب النار)، والترعة: هي الباب وتطلق على أفواه الجداول.

стр. 8840

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === قال السندي: قوله: "يحبنا ونحبه" قيل: هو على حذف مضاف؛ أي: يحبنا أهله ونحب أهله، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وأهله هم أهل المدينة. وقيل: على حقيقته، وهو الصحيح عند أهل التحقيق؛ إذ لا نستبعد وضع المحبة في الجبل، وفي الجذع اليابس حتى حن إليه. قوله: "على ترعة" - بضم فسكون - نظير غرفة وغرف، وفي "الصحاح": هي الباب، وفي الحديث: "أن منبري هذا على ترعة من ترع الجنة"، ويقال: الترعة: الروضة، ويقال: هي الدرجة، والترعة أيضًا: أفواه الجداول، حكاه بعضهم، وذكر السيوطي عن "النهاية": أن الترعة في الأصل: الروضة على المكان المرتفع خاصةً، فإذا كانت في المطمئن .. فهي روضة. قلت: يكون قوله: (على ترعة النار) مجازًا؛ من باب المقابلة والمشاكلة. انتهى. قوله: "وعير": اسم جبل من جبال المدينة. ومعنى الحديث ينبغي تفويضه إلى الله تعالى، والمقصود بالإفادة: أن أحدًا جبل ممدوح، وعيرًا بخلافه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث؛ في الجملة الأولى؛ وهي المتعلقة بأحد: البخاري في كتاب المغازي، باب أحد جبل يحبنا ونحبه، ومسلم في كتاب الحج، باب أحد جبل يحبنا ونحبه. فهذا الحديث في الجملة الأولى: صحيح المتن في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه؛ وغرضه فيها: الاستشهاد، ضعيف السند؛ لما قد علمت.

стр. 8841

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === وروى الجملة الثانية؛ أعني: جملة (العير): الطبراني في "الكبير" و"الأوسط"، والبزار بهذا السند، والسيوطي في "الجامع الصغير". فهي ضعيفة المتن والسند، وغرضه فيها: الاستئناس وتكملة الحديث. فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح الصدر متنًا، ضعيفه سندًا، وضعيف العجز متنًا وسندًا، ومقصود المؤلف من هذا الحديث: الصدر ذَكرَهُ للاستدلال، والعجز إنما ذكره؛ لتمام الحديث على ما رواه بعضهم. * * * وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث: الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد، إلا العجز من الحديث الأخير؛ فالمقصود من ذكره: تكملة الحديث على ما رواه بعضهم. والله أعلم

стр. 8842

(٣٤) - (١١١٢) - بَابُ مَالِ الْكَعْبَةِ (٦٩) - ٣٠٦٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ وَاصِلٍ الْأَحْدَب، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: بَعَثَ رَجُلٌ مَعِيَ بِدَرَاهِمَ هَدِيَّةً إِلَى الْبَيْتِ قَالَ: فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ وَشَيْبَةُ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ === (٣٤) - (١١١٢) - (باب مال الكعبة) (٦٩) - ٣٠٦٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا) عبد الرحمن بن محمد بن زياد (المحاربي) أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات في حدود سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن) أبي إسحاق (الشيباني) سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات في حدود سنة أربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن واصل) بن حيان (الأحدب) الأسدي الكوفي بياع السابري - بمهملة وموحدة - ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ). يروي عنه: (ع). (عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه: (ع). (قال) شقيق: (بعث) أي: أرسل (رجل) من المسلمين، لم أر من ذكر اسمه (معي بدراهم) حالة كون تلك الدراهم (هديةً) أي: مهداة (إلى البيت) أي: إلى الكعبة المشرفة (قال) شقيق: (فدخلت البيت) أي: الكعبة (وشيبة) صاحب مفتاح الكعبة (جالس على كرسي) في داخل الكعبة؛ وهو شيبة بن

стр. 8843

فَنَاوَلْتُهُ إِيَّاهَا فَقَالَ لَهُ: أَلَكَ هَذِهِ؟ قُلْتُ: لَا، وَلَوْ كَانَتْ لِي .. لَمْ آتِكَ بِهَا، قَالَ: أَمَا لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ === عثمان بن أبي طلحة العبدري الحجبي المكي، من مسلمة الفتح، وله صحبة وأحاديث رضي الله تعالى عنه، مات سنة تسع وخمسين (٥٩ هـ). يروي عنه: (خ د ق) وهو راوي هذا الحديث عن النبي ﷺ . وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات يحتج بهم. قال شقيق: (فناولته) أي: ناولت شيبة، وسلمت إليه (إياها) أي: تلك الدراهم، قال واصل الراوي عن شقيق: (فقال) شيبة (له) أي: لشقيق: (ألك) أي: هل لك يا شقيق (هذه) الدراهم التي سلمت إلي؟ قال شقيق: (قلت) لشيبة: (لا) أي: ليست هذه الدراهم لي، بل لرجل غيري، سلمته إليك بالوكالة عنه. قال شقيق: قلت لشيبة بن عثمان: (ولو كانت) هذه الدراهم التي سلمتها إليك مملوكة (لي لم آتك) أي: ما أتيت وجئت (بها) إليك، بل أقسمها بين الناس بنفسي. وقوله: (لم آتك بها) مضارع مجزوم بلم، وعلامة جزمه حذف حرف العلة؛ وهي الياء، والكسر قبلها دليل عليها؛ لأنه من أتى الثلاثي. (قال) شيبة الحجبي لشقيق: (أما) - بفتح الهمزة وتخفيف الميم - حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبه واستمع مني يا شقيق ما أقول لك، فسأخبرك عن سبب عدم قسمة مال الكعبة بين الناس؛ لأنه وقف خاص بها، مصروف في مصالحها لا وقف عام يستحقه جميع المسلمين؛ كالوقف على بيت المال، بل هو وقف خاص بها؛ كالوقف على المساجد، وأقول لك: (لئن قلت) يا شقيق (ذلك) أي: قسمة مالها بين المسلمين .. فلقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 8844

لَقَدْ جَلَسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَجْلِسَكَ الَّذِي جَلَسْتَ فِيهِ فَقَالَ: لَا أَخْرُجُ حَتَّى أَقْسِمَ مَالَ الْكَعْبَةِ بَيْنَ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: مَا أَنْتَ فَاعِلٌ، قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ، قَالَ: وَلِمَ ذَاكَ؟ قُلْتُ: لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَأَى مَكَانَهُ وَأَبُو بَكْرٍ === مال الكعبة، فلم يقسمه بينهم و (لقد جلس عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه في زمن خلافته (مجلسك) هذا (الذي جلست فيه) الآن (فقال) عمر: (لا أخرج) من هذا البيت (حتى أقسم مال الكعبة) أي: المدفون فيها (بين فقراء المسلمين). ولفظ البخاري: (لقد هممت ألا أدع فيها صفراء) أي: الذهب (ولا بيضاء) أي: الفضة (إلا قسمته)، وفي لفظ له: (إلا قسمتها بين المسلمين). وعند الإسماعيلي: (لا أخرج حتى أقسم مال الكعبة بين فقراء المسلمين) أي: بين المحاويج منهم. قال القرطبي: غلط من ظن أن المراد بذلك: حلية الكعبة، وإنما المراد: الكنز الذي فيها؛ وهو ما كان يهدى إليها، فيدخر ما يزيد على الحاجة. وقال ابن الجوزي: كانوا في الجاهلية يهدون إلى الكعبة المال؛ تعظيمًا لها، فيجتمع فيها مال كثير. قال شيبة بن عثمان الحجبي: فـ (قلت) لعمر: (ما أنت فاعل) ذلك؛ أي: قسم مالها بين المسلمين (قال) عمر: والله؛ (لأفعلن) ذلك؛ أي: قسم مالها بين المسلمين، ثم (قال) عمر لشيبة: (ولم ذاك؟ ) أي: ولأي سبب وعلة قولك لي: ما أنت فاعل ذلك القسم؟ قال شيبة: (قلت) لعمر: سبب قولي لك: ما أنت فاعل ذلك (لأن النبي ﷺ في زمان حياته (قد رأى مكانه) أي: مكان مال الكعبة (وأبو بكر) الصديق رضي الله تعالى عنه

стр. 8845

وَهُمَا أَحْوَجُ مِنْكَ إِلَى الْمَالِ فَلَمْ يُحَرِّكَاهُ، فَقَامَ كَمَا هُوَ فَخَرَجَ. === قد رأى مكانه أيضًا في مدة خلافته (وهما) أي: والحال أنهما؛ أي: أن النبي ﷺ وأن أبا بكر ﵁ (أحوج منك) أي: أشد حاجةً منك يا عمر (إلى) توزيع (المال) أي: مال الكعبة؛ لقلة المال في زمنهما (فلم يحركاه) أي: لم يحركا مال الكعبة عن مكانه؛ أي: لم يأخذاه ولم يوزعاه للناس (فقام) عمر من عندي، حالة كونه (كما هو) أي: على ما هو عليه أولًا من عدم أخذ المال (فخرج) عمر من عندي ولم يأخذ مالًا. قال ابن بطال: أراد عمر لكثرته إِنفاقَه في منافع المسلمين، ثم لما ذكر شيبة بأن النبي ﷺ لم يتعرض له .. أمسك، وإنما تركا ذلك - والله أعلم - لأن ما جعل في الكعبة وسبل لها يجري مجرى الأوقاف الخاصة، فلا يجوز تغييره عن وجهه، وفي ذلك تعظيم الإسلام، وترهيب العدو. قلت: هذا التعليل ليس بظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تركه ﷺ لذلك؛ رعايةً لقلوب قريش؛ كما ترك بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، ويؤيده ما وقع عند مسلم في بعض طرق حديث عائشة في بناء الكعبة: "لأنفقت كنز الكعبة"، ولفظه: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر .. لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض ... " الحديث، فهذا التعليل هو المعتمد، قاله الحافظ. انتهى من "العون". وعبارة السندي: قوله: (فلم يحركاه) استدل بتركه ﷺ وترك أبي بكر رضي الله تعالى عنه التعرض لمال الكعبة، مع علمهما به، وحاجتهما إليه .. على أنه لا يجوز إخراجه والتعرض له، ووافقه عمر رضي الله تعالى عنه على ذلك، لكن النبي ﷺ كان يراعي

стр. 8846

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === حداثة عهدهم بالجاهلية، وأبو بكر لم يفرغ لأمثال هذه الأمور، والله تعالى أعلم. انتهى منه. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب كسوة الكعبة، وأبو داوود في كتاب الحج، باب في مال الكعبة. ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد. والله أعلم

стр. 8847

(٣٥) - (١١١٣) - بَابُ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِمَكَّةَ (٧٠) - ٣٠٦٤ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ زَيْدٍ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ أَدْرَكَ === (٣٥) - (١١١٣) - (باب صيام شهر رمضان بمكة) (٧٠) - ٣٠٦٤ - (١) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر العدني) أصلًا المكي نزولًا، وقيل: إن أبا عمر كنية يحيى، صدوق صنف "المسند"، وكان لازم ابن عيينة، وقال أبو حاتم: لكن كانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق). (حدثنا عبد الرحيم بن زيد) بن الحوَاري (العَمِّي) - بفتح المهملة وتشديد الميم - أبو زيد البصري، متروك كذبه ابن معين، من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (ق). (عن أبيه) زيد بن الحواريِّ العميِّ أبي الحواري البصري قاضي هَرَاةَ، يقال اسم أبيه: مُرَّةُ، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (عم). (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة، قتله الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ). يروي عنه: (ع). (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما. وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه عبد الرحيم بن زيد، وهو متروك؛ وفيه زيد بن الحواري، وهو ضعيف أيضًا. (قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : من أدرك) شهر

стр. 8848

رَمَضَانَ بِمَكَّةَ فَصَامَ وَقَامَ مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ لَهُ .. كَتَبَ اللهُ لَهُ مِئَةَ أَلْفِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِيمَا سِوَاهَا، وَكَتَبَ اللهُ لَهُ بكُلِّ يَوْمٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَكُلِّ لَيْلَةٍ عِتْقَ رَقَبَةٍ، وَكُلِّ يَوْمٍ حُمْلَانَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ الله، وَفِي كُلِّ يَوْمٍ حَسَنَةً، وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ حَسَنَةً". === (رمضان بمكة، فصام) فيها (وقام منه) أي: من ليالي رمضان بالصلاة (ما تيسر) وأمكن (له) قيامه ولو ليلة .. (كتب الله له) أي: لهذا الصائم القائم أجر (مئة ألف شهر رمضان فيما سواها) أي: فيما سوى مكة صيامًا وقيامًا (وكتب الله) تعالى (له) أي: لذلك الصائم القائم (بـ) صوم (كل يوم) من رمضان ثواب (عتق رقبة) أي: نسمة من رقيق (و) كتب الله له بقيام (كل ليلة) من رمضان (عتق رقبة و) كتب الله له بصيام (كل يوم) ثواب (حملان) وإركاب (فرس) واحد لمن يجاهد (في سبيل الله) تعالى وطاعته؛ لإعلاء كلمة الله وإظهارها؛ وهي كلمة التوحيد (و) كتب الله له (في كل يوم) من رمضان (حسنةً) مزيدة بلا مقابلة عمل (و) كتب الله له (في كل ليلة) منه (حسنة) مزيدة بلا مقابلة عمل. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فلا شاهد له ولا متابع، فهو حديث ضعيف جدًّا جدًّا؛ لمجاوزته الحد في الأجر المذكور، فهو ضعيف متنًا وسندًا (٧) (٣١٧)، وغرضه: الاستئناس به. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد. والله أعلم

стр. 8849

(٣٦) - (١١١٤) - بَابُ الطَّوَافِ فِي مَطَرٍ (٧١) - ٣٠٦٥ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْعَدَنِيُّ، حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ عَجْلَانَ قَالَ: طُفْنَا مَعَ أَبِي عِقَالٍ فِي مَطَرٍ؛ فَلَمَّا قَضَيْنَا طَوَافَنَا .. أَتَيْنَا خَلْفَ الْمَقَامِ فَقَالَ: طُفْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ === (٣٦) - (١١١٤) - (باب الطواف في مطر) (٧١) - ٣٠٦٥ - (١) (حدثنا محمد) بن يحيى (بن أبي عمر العدني) منشأً المكي نزولًا، صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (٢٤٣ هـ). يروي عنه: (م ت س ق). (حدثنا داوود بن عجلان) البلخي نزيل مكة، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (ق). ضعفه ابن معين وأبو داوود والحاكم والنقاش، وقال: روى عن أبي عقال أحاديث موضوعة. (قال) داوود: (طفنا) معاشر الرفقة (مع أبي عقال) - بكسر المهملة ثم قاف - هلال بن زيد بن يسار - بالتحتانية والمهملة - البصري، نزيل عسقلان، متروك، من الخامسة. يروي عنه: (ق)، ضعفه أبو حاتم والبخاري والنسائي وابن عدي وابن حبان، قال: يروي عن أنس أشياء موضوعات لا يجوز الاحتجاج به؛ أي: طفنا معه (في مطر فلما قضينا) وأتممنا أشواط (طوافنا .. أتبنا) أي: جئنا (خلف المقام) أي: خلف مقام إبراهيم الخليل ﵇، فصلينا ركعتي سنة الطواف. قال داوود بن عجلان: (فقال) لنا أبو عقال: (طفت مع أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه. وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف جدًّا؛ لأن فيه داوود بن عجلان،

стр. 8850

فِي مَطَرٍ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الطَّوَافَ .. أَتَيْنَا الْمَقَامَ فَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْن، فَقَالَ لَنَا أَنَسٌ: ائْتَنِفُوا الْعَمَلَ فَقَدْ غُفِرَ لَكُمْ، هكَذَا قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَطُفْنَا مَعَهُ فِي مَطَرٍ. === فهو ضعيف، وفيه شيخه أبو عقال، وهو ضعيف أيضًا. (في مطر، فلما قضينا) وأتممنا (الطواف) أي: أشواطه السبعة .. (أتينا) مع أنس بن مالك (المقام) أي: مقام إبراهيم (فصلينا ركعتين) سنة الطواف (فقال لنا أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه: (ائتنفوا العمل) أي: استأنفوا العمل مرةً بعد مرة؛ لأن أعمالكم وذنوبكم قد غفرت لكم، فاستأنفوا العمل؛ أي: لم يبق لكم ذنب (فقد غفر لكم) اليوم بتكرار الطواف (هكذا) أي: مِثْلَ قولي: (ائْتَنفُوا العملَ؛ فقد غفر لكم) (قال لنا رسول الله ﷺ و) كذا (طفنا معه) ﷺ (في مطر). وهذا الحديث يسمى مسلسل الطواف في مطر. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ورواه أبو يعلى الموصلي من هذا الوجه، وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" من طريق داوود بن عجلان، وقال: لا يصح عن رسول الله ﷺ . فدرجته: أنه ضعيف جدًّا (٨) (٣١٨)؛ لضعف سنده جدًّا، وغرضه: الاستئناس به. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد. والله أعلم

стр. 8851

(٣٧) - (١١١٥) - بَابُ الْحَجِّ مَاشِيًا (٧٢) - ٣٠٦٦ - (١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الْأُبُلِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حَبِيبٍ الزَّيَّات، عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْل، === (٣٧) - (١١١٥) - (باب الحج ماشيًا) (٧٢) - ٣٠٦٦ - (١) (حدثنا إسماعيل بن حفص) بن عمر بن دينار (الأبلي) - بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام المكسورة - أبو بكر الأودي البصري، صدوق، من العاشرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة نيف وخمسين ومئتين. يروي عنه: (س ق). (حدثنا يحيى بن يمان) العجلي الكوفي، صدوق عابد يخطئ كثيرًا، وهو وإن روى عنه مسلم، فقد اختلط بأخرة، ولم يتميز حال من روى عنه، هل روى عنه قبل الاختلاط أو بعده، من كبار التاسعة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن حمزة بن حبيب الزيات) القارئ أبي عمارة الكوفي التيمي مولاهم، صدوق زاهد ربما وهم، من السابعة، مات سنة ست أو ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ). يروي عنه: (م عم). (عن حمران بن أعين) الكوفي مولى بني شيبان، ضعيف رمي بالرفض، من الخامسة. يروي عنه: (ق)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ابن عدي: ليس بالساقط. انتهى "تهذيب". (عن أبي الطفيل) - مصغرًا - عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي، وربما سُمِّيَ عُمرَ، وُلد عام أحد، ورأى النبي ﷺ ،

стр. 8852

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مُشَاةً مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ وَقَالَ: "ارْبُطُوا أَوْسَاطَكُمْ بِأُزُرِكُمْ"، وَمَشَى خِلْطَ الْهَرْوَلَةِ. === وروى عن أبي بكر بعده، وعمر إلى أن مات سنة عشر ومئة على الصحيح، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره، رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (ع). (عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين. يروي عنه: (ع). وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه حمران بن أعين ضعفه الجمهور، وأيضًا يحيى بن يمان مختلط في آخره. (قال) أبو سعيد: (حج النبي ﷺ وأصحابه) حالة كونهم (مشاةً) جمع ماشٍ؛ نظير رام ورماة؛ أي: ماشين بأرجلهم (من المدينة إلى مكة) بعد الهجرة (وقال) النبي ﷺ لأصحابه: (اربطوا) من ربط؛ من باب نصر؛ أي: شدوا (أوساطكم) جمع وسط؛ وهو معقد الإزار؛ أي: شدوا أوساط أبدانكم (بأزركم) - بضمتين - جمع إزار؛ لتكونوا أقوياء على المشي بالرجل (ومشى) بهم رسول الله ﷺ (خلط الهرولة). قوله: (خلط) صفة لمصدر محذوف؛ تقديره: مشى بهم مشيًا مختلطًا بالهرولة؛ أي: بالإسراع. وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، لكن رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده"، فقال: حدثنا أحمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن يمان، فذكره بإسناده ومتنه، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" رقم (٢٥٣٥). قال السندي: قوله: (مشاة) هذا إن صح ينبغي أن يرفع (مشاة) على أنه

стр. 8853

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . === خبر لقوله: (وأصحابه) أو ينصب على أنه حال منهم؛ على أن المراد بهم بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وإلا .. فقد ثبت أنه ﷺ وكثير من الصحابة كانوا راكبين في حجة الوداع (وقال) النبي ﷺ أي: للمشاة من الصحابة (ومشى) أي: أمرهم بهذا المشي، أو مشى لهم؛ ليبرهم بذلك. قوله: (خلط الهرولة) - بالكسر - أي: مشيًا مخلوطًا بالهرولة؛ بأن يمشي حينًا، ويهرول حينًا، أو معتدلًا. وقال الدميري: انفرد به المؤلف، وهو ضعيف منكر مردود بالأحاديث الصحيحة التي تقدمت أن النبي ﷺ وأصحابه لم يكونوا مشاةً من المدينة إلى مكة. قلت: قد عرفت التوفيق بما ذكرناه بينه وبين الأحاديث الصحيحة، فليتأمل. انتهى "سندي". وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس للترجمة. وعلى التوفيق الذي ذكره السندي .. درجة الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لأن حمران بن أعين مختلف فيه، وغرضه بسوق الحديث: الاستدلال به على الترجمة. * * * ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد. والله أعلم

стр. 8854

كتابُ الأضاحي

стр. 8855

(٢٥) - كتَابُ الْأَضَاحِيِّ === (٢٥) - (كتاب الأَضَاحِي) الأضاحي - بفتح الهمزة وتشديد الياء وتخفيفها -: جمع أُضحية - بضم الهمزة على الأشهر، وقد تكسر في غيره، والياء فيهما مخففة أو مشددة، فهذه أربعة، ويقال في مفردها أيضًا: ضَحِيَّةٌ - بفتح الضاد وكسرها - وجمعها ضحايا؛ كعطية وعطايا، فهاتان ثنتان. ويقال: أضحاة - بفتح الهمزة وكسرها - وجمعها أَضْحىً - بالتنوين - كأرطاة وأرطىً، فهاتان ثنتان أيضًا، فمجموع اللغات في مفردها ثمان. وهي اسم لما يذبح من النعم الثلاثة التي هي الإبل والبقر والغنم يوم عيد النحر بعد طلوع الشمس ومضي قدر ركعتين وخطبتين إلى آخر أيام التشريق مع لياليها - وإن كان الذبح في الليل مكروهًا - تقربًا إلى الله تعالى. وأول طلبها كان في السنة الثانية من الهجرة، وأول من ذبحها إبراهيم الخليل ﵇؛ فداء لولده إسماعيل ﵇ بكبش هابيل الذي رعى في الجنة، وأول من قربها هابيل. وكانت شريعةً مستمرةً في جميع الملل والأديان؛ من لدن آدم إلى موسى ﵉ وبعده اليهود. وهي: عبادة تتعلق بالحيوان، واختصت بالأنعام: لقوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (١).

стр. 8856

(٣٨) - (١١١٦) - بَابُ أَضَاحِيِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ (٧٣) - ٣٠٦٧ - (١) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ === وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أنه يكفي فيها إراقة الدم، ولو من دجاج، أو إوز) كما قاله الميداني. وكان شيخنا يأمر الفقير بتقليده، ويقيس على الأضحية العقيقة، ويقول: "من ولد له مولود .. عق بالديكة؛ على مذهب ابن عباس". والحاصل: أن القيود في الأضحية ثلاثة: ١ - كونها من النعم. ٢ - وكونها في يوم العيد وأيام التشريق ولياليها. ٣ - وكونها تقربًا إلى الله تعالى. وسميت باسمٍ مشتق مما اشتق منه اسم أول وقتها؛ وهو الضحى، والأصل فيها قولُهُ تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] (١)؛ أي: صل صلاة العيد، وانحر الأضحية؛ بناءً على أشهر الأقوال من أن المراد بالصلاة: صلاة العيد، وبالنحر: ذبح الأضحية، والأحاديثُ الآتيةُ في الباب. انتهى "بيجوري على الغَزِّيِّ". فالأضحية في اللغة: الشاة التي تذبح ضحوةً، وفي عرف الفقهاء: ذبح حيوان مخصوص في وقت مخصوص؛ تقربًا إلى الله تعالى؛ كما في "الدر المختار". * * * (٣٨) - (١١١٦) - (باب أضاحي رسول الله ﷺ (٧٣) - ٣٠٦٧ - (١) (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان

стр. 8857

الْجَهْضَمِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ === الأزدي (الجهضمي) البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع). (حدثني أبي) نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي البصري، ثقة، من السابعة، مات قبل الخمسين ومئة. يروي عنه: (عم). (ح وحدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع). (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري، ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، ولكن فيه غفلة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع). كلاهما؛ أي: كل من المحمدين (قالا: حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع). (سمعت قتادة) بن دعامة، ثقة، ولكنه مدلس، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع). (يحدث عن أنس بن مالك) الأنصاري البصري رضي الله تعالى عنه. وهذان السندان من خماسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات. (أن رسول الله ﷺ كان يضحي بكبشين) تثنية كبش؛ وهو الذكر الفحل من الضأن إذا أثنى، أو إذا خرجت رباعيته، وفيه إشارة إلى أن الذكر أفضل من الأنثى؛ فإن لحمه أطيب. انتهى "مرقاة"، وهو قول أحمد.

стр. 8858

أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ === وحكى الرافعي فيه قولين عن الشافعي؛ أحدهما: عن نصه في "البويطي": الذكر أفضل؛ لأن لحمه أطيب، وهذا هو الأصح، والثاني: أن الأنثى أولى. قال الرافعي: وإنما يذكر ذلك في جزاء الصيد عند التقويم، والأنثى أكثر قيمةً فلا تفدى بالذكر، أو أراد الأنثى التي لم تلد. انتهى "قسطلاني". (أملحين) تثنية أملح، قال ابن الأعرابي وغيره: الأملح هو الأبيضُ الخالصُ البياض، وبه تمسك الشافعية في تفضيل الأبيض في الأضحية، وقال الأصمعي: هو الأبيض ويشوبه شيء من السواد، وقيل: هو الذي يعلو بياضه حمرة، وقال الخطابي: هو الأبيض الذي في خلال صوفه طبقات سود، وقيل: هو الأبيض الذي بياضه كبياض الملح، وقيل: هو الذي ينظر في سواد، ويأكل في سواد، ويبرك في سواد؛ أي: إن هذه المواضع منها سود، وما عداها أبيض، واختار ذلك؛ لِحُسْنِ منظره، وشحمِه، وطيب لحمه؛ لأنه نوع يتميز عن جنسه. انتهى من "الإرشاد". ففيه ما يدل على أن المضحي ينبغي له أن يختار الأفضل نوعًا، والأكمل خلقًا والأحسن شية. انتهى من "المفهم". (أقرنين) أي: لكل واحد منهما قرنان حسنان، قال العلماء: فيستحب الأقرن. انتهى "نووي"، فالأقرن: هو الطويل القرن، وهو أفضل، ولا خلاف في جواز الأجم؛ وهو الذي لا قرن له خلقة، واختلف في المكسورة القرن: فالجمهور على الجواز إلا أن يبلغ الكسر إلى المخ، وإلا إن عاب اللحم؛ فإنه لا يجوز؛ فإنه يؤدي إلى خلل في الدماغ. وأخرج أبو عوانة هذا الحديث من طريق الحجاج بن محمد عن شعبة، فزاد فيه: (السمينين).

стр. 8859

وَيُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَذْبَحُ بِيَدِهِ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا. === وفيه: استحباب التضحية بالسمين. وعلق البخاري عن أبي أمامة بن سهل: (كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون) ووصله أبو نعيم في "المستخرج". (و) كان ﷺ أيضًا: (يسمي ويكبر) أي: يقول على أضحيته عند ذبحهما: باسم الله والله أكبر. قال في "المرقاة": الواو في (ويكبر) لمطلق الجمع؛ فإن التسمية من قبل الذبح، ثم اعلم أن التسمية شرط عند الأحناف، والتكبير مستحب عند الكل. انتهى. وفي "النووي": فيه: إثبات التسمية على الضحية وعلى سائر الذبائح، وهذا مجمع عليه، لكن هل هو شرط أم مستحب؟ فيه خلاف. انتهى. وهو شرط عند الحنفية، ومستحب عند الشافعية، والله أعلم. قال أنس: (ولقد رأيته) ﷺ بعيني (يذبح) الكبشين (بيده) الشريفة. وفيه استحباب أن يتولى الإنسان ذبح أضحيته بنفسه إن أحسن الذبح، ولا يوكل في ذبحها إلا لعذر، وحينئذٍ يستحب له أن يشهد ذبحها، وإن استناب فيها مسلمًا .. جاز بلا خلاف، وإن استناب كتابيًّا .. أجزأه، ويكره عند الحنفية والشافعية، ولا يجوز استنابة المجوسي، ولا يجزئ ذبحه عن الأضحية؛ لأنه ليس له كتاب معلوم، وإن أقر بالجزية؛ كما في "رد المحتار" (٦/ ٣٢٨) بتصرف. أي: ولقد رأيته يذبحهما بيده الشريفة، حالة كونه (واضعًا قدمه) الشريفة؛ يعني: القدم اليمنى (على صفاحهما) أي: على صفحة عنقهما وجانبه، وإنما

стр. 8860

(٧٤) - ٣٠٦٨ - (٢) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، === فعل هذا؛ ليكون أثبت له، وأمكن في ذبحه؛ لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو تؤذيه. وفي "المرقاة": الصفاح جمع صفح - بفتح فسكون - وقيل: جمع صفحة؛ وهو عرض الوجه، وقيل: نواحي عنقها. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الحج، باب من نحر هديه بيده، وفي كتاب الأضاحي، باب التكبير عند الأضحية، ومسلم في كتاب الأضاحي، باب استحباب الضحية وذبحها مباشرة بلا توكيل والتسمية والتكبير، وأبو داوود في كتاب الضحايا، باب ما يستحب من الضحايا، والترمذي في كتاب الأضاحي، باب ما جاء في الأضحية بكبشين، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الضحايا، باب الكبش، والدارمي في كتاب الأضاحي، باب السنة في الأضحية، وأحمد في "المسند". فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة. * * * ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال: (٧٤) - ٣٠٦٨ - (٢) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم). (حدثنا إسماعيل بن عياش) بن سليم العنسي - بالنون - أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة، مات سنة
следующие страницы →