قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ قَالَ: "لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا .. لَأَجْزَأَكَ".
===
(قال) أبوه: (قلت) لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ ما تكون الذكاة) الشرعية (إلا في الحلق) وهو أعلى العنق؛ وهو في كل ما قصر عنقه (واللبة؟ ) وهو أسفل العنق، ويكون في كل ما طال عنقه.
فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: (لو طعنت في فخذها) أو في أي موضع كان منها .. (لأجزأك) وأغناك ذلك الطعن عن الذبح والنحر، ولكن هذا في حال الضرورة؛ ككونها متردية من الجبل أو من كل عال، أو وقوعها في البئر العميق؛ وما يغني ذلك عن الذبح أو النحر في حالة الاختيار.
قوله: (ما تكون الذكاة) ولفظ أبي داوود: (أما تكون) بزيادة الهمزة فيه، فالهمزة للاستفهام الاستخباري و (ما) نافية.
(الذكاة) أي: التذكية الشرعية الشاملة للذبح والنحر (قال: لو طعنت) أي: ضربت وجرحت (في فخذها) أي: في فخذ المذكاة المفهومة من الذكاة .. (لأجزأ عنك) أي: لكفى طعن فخذها عن ذبحك إياها.
وقال أبو داوود: (ولا يصلح هذا) أي: هذا الحديث ولا يصح (إلا في المتردية) أي: الساقطة في البئر، وقال الترمذي: هذا الحديث في حالة الضرورة. انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذبيحة المتردية، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الذكاة في الحلق واللبة، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، والنسائي في كتاب الضحايا، باب ذكر المتردية في البئر التي لا يوصل إلى حلقها، والبيهقي وأحمد.
стр. 9032
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (١٢)(٣٢٢)؛ لضعف سنده؛ كما تقدم، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 9033
(٦٤) - (١١٤٢) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ صبْرِ الْبَهَائِمِ وَعَنِ الْمُثْلَةِ
(١٣٧) - ٣١٣١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
===
(٦٤) - (١١٤٢) - (باب النهي عن صبر البهائم وعن المثلة)
(١٣٧) - ٣١٣١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(وعبد الله بن سعيد) بن حصين الكندي أبو سعيد الأشج الكوفي، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة سبع وخمسين ومئتين (٢٥٧ هـ). يروي عنه: (ع).
كلاهما (قالا: حدثنا عقبة بن خالد) بن عقبة السكوني أبو مسعود الكوفي المجدر - بالجيم - على صيغة اسم المفعول، صدوق صاحب حديث، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن موسى بن محمد بن إبراهيم) بن الحارث (التيمي) أبي محمد المدني، منكر الحديث، من السادسة، مات سنة إحدى وخمسين ومئة (١٥١ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن أبيه) محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي أبي عبد الله المدني، ثقة له أفراد، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سعيد) سعد بن مالك (الخدري) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين. يروي عنه: (ع).
стр. 9034
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُمَثَّلَ بِالْبَهَائِمِ.
(١٣٨) - ٣١٣٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه موسى بن محمد، وهو منكر الحديث.
(قال) أبو سعيد: (نهى رسول الله ﷺ أن يمثل) أي: أن تفعل المثلة (بالبهائم) والحيوان، والمثلة - بضم الميم وسكون المثلثة -: أن تقطع الأطراف منها؛ لما فيه من الشوهة والقبح؛ كقطع الأنف والأذن والمذاكير، أو شيءٌ من أطرافها.
يقال: مثلت بالحيوان أمثل به مثلًا ومثلة؛ إذا قطعت أطرافه، وشوهت به، ومَثَلْتُ بِالقَتِيلِ؛ إذا جدعت أنفه أو أذنه أو مذاكيره أو شيئًا من أطرافه، والاسم: المثلة، فأما مثل بالتشديد .. فهو للمبالغة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث أنس رواه الشيخان وغيرهما، أخرجه البخاري في كتاب الذبائح، باب ما يكره من المثلة، وأبو داوود في كتاب الجهاد، رقم الباب (١١)، والنسائي في كتاب الضحايا، وأحمد في "المسند"، والدارمي.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح المتن بغيره؛ لأن له شاهدًا من حديث أنس المتفق عليه، وضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الجزء الأخير من الترجمة.
* * *
ثم استدل المؤلف للجزء الأول من الترجمة بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٣٨) - ٣١٣٢ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي
стр. 9035
حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَبْرِ الْبَهَائِمِ.
===
الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن شعبة) بن الحجاج العتكي البصري.
(عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك) الأنصاري البصري، ثقة، من الخامسة. يروي عنه: (ع).
(عن) جده (أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (نهى رسول الله ﷺ عن صبر البهائم) قال السندي: صبر البهائم: هو أن تمسك وتجعل هدفًا يرمى إليه حتى تموت، ففيه تعذيب لها، وتصير ميتة لا يحل أكلها، ويخرج جلدها عن الانتفاع به.
قوله: (عن صبر البهائم) أي: حبسها وربطها بخشب؛ لترمى حتى تموت؛ أي: نهى عن ذلك نهي تحريم، ولعن فاعله؛ لما فيه من تعذيب الحيوان من غير حاجة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الصيد والذبائح، باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، وأبو داوود في كتاب الأضاحي، باب النهي عن صبر البهائم والرفق بالذبيحة، والبيهقي في "السنن الكبرى"، باب السبق والرمي.
стр. 9036
(١٣٩) - ٣١٣٣ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سِمَاكٍ،
===
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به للجزء الأول من الترجمة؛ أعني: صبر البهائم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أنس بن مالك بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٣٩) - ٣١٣٣ - (٣) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع ح وحدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال وكيع وعبد الرحمن بن مهدي: (حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي الكوفي، صدوق، من الرابعة، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 9037
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا".
===
(عن عكرمة) البربري أبي عبد الله الهاشمي مولاهم المكي؛ مولى ابن عباس، ثقة عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) ﵄.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا شيئًا فيه الروح) أيًّا كان (غرضًا) ترمون إليه؛ أي: لا تتخذوا الحيوان الحي هدفًا ترمون إليه؛ كالغرض من الجلود وغيرها، وهذا النهي للتحريم، ولهذا قال ﷺ في رواية ابن عمر التي رواها مسلم: (لعن الله من فعل هذا) ولأنه تعذيب للحيوان وإتلاف لنفسه وتضييع لماليته، وتفويت لذكاته إن كان مذكىً، ولمنفعته إن كان غير مذكىً. انتهى "نووي".
قال في "المبارق": الغرض: هو الهدف المرمي بالسهام ونحوها للتدريب، وإن مات بدون ذكاة في هذه الحالة .. لم يحل أكله؛ لأن ذكاته بعد الحبس اختيارية.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صيد البهائم، والنسائي في كتاب الضحايا، باب النهي عن المجثمة، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في كراهية أكل المصبور، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم، وأحمد.
стр. 9038
(١٤٠) - ٣١٣٤ - (٤) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُقْتَلَ شَيْءٌ مِنَ الدَّوَابِّ صَبْرًا.
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أنس بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٤٠) - ٣١٣٤ - (٤) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا سفيان بن عيينة، أنبأنا) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي، ثقة، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنه) أي: أن أبا الزبير (سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي المدني رضي الله تعالى عنهما (يقول).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(نهى رسول الله ﷺ نهي تحريم (أن يقتل شيء من الدواب) أي: من الحيوان الذي يدب على الأرض (صبرًا) أي: حالة كونه مصبورًا محبوسًا يرمى إليه هدفًا، وقتل الإنسان صبرًا: أن يشد الرجل ثم يرمى
стр. 9039
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
إليه بالسهام حتى يموت، وهو ممنوع حرام، ولو كان مستحق القتل لحد أو قصاص.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب النهي عن صبر البهائم، وأحمد في "المسند"، والبغوي في "شرح السنة"، والبيهقي في "السنن الكبرى"، وابن أبي شيبة في "مصنفه".
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث أنس.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول: للاستدلال به على الجزء الثاني من الترجمة.
والثاني: للاستدلال به على الجزء الأول منها.
والباقيان: للاستشهاد بهما على الحديث الثاني.
والله أعلم
стр. 9040
(٦٥) - (١١٤٣) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ
(١٤١) - ٣١٣٥ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
(٦٥) - (١١٤٣) - (باب النهي عن لحوم الجلالة)
(١٤١) - ٣١٣٥ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، صدوق، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا) يحيى بن زكريا (بن أبي زائدة) اسمه خالد - ويقال: هبيرةُ - ابن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، من كبار التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وثمانين ومئة (١٨٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني نزيل العراق، صدوق، بل هو ثقة كثير العلم إمام المغازي؛ كما في "التهذيب"، وفي "التقريب": صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن) عبد الله (بن أبي نجيح) يسار المكي أبي يسار الثقفي مولاهم، ثقة، رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ) أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي، ثقة، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 9041
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا.
===
(قال) ابن عمر: (نهى رسول الله ﷺ نهي تنزيه (عن) أكل الحوم الجلالة و) شرب (ألبانها) إن كانت مما يؤكل؛ كالنعم الثلاثة، وعن ركوبها بلا حائل سرج أو برذعة أو إكاف؛ كالحمار والبرذون؛ والجلالة - بفتح الجيم وتشديد اللام -: هي الدابة التي تأكل العذرة؛ مأخوذة من الجلة؛ وهي البعرة، وسواء في حكم الجلالة البقر والغنم والإبل وغيرها؛ كالدجاج والإوز وغيرهما.
وادعى ابن حزم أنها لا تقع إلا على ذات الأربع خاصة، ثم قيل: إن كان أكثر علفها النجاسة .. فهي جلالة، وإن كان أكثر علفها الطاهر .. فليست جلالة، وجزم به النووي في "تصحيح التنبيه".
وقال في "الروضة" - تبعًا للرافعي -: الصحيح أنه لا اعتداد بالكثرة، بل بالرائحة والنتن؛ فإن تغير ريح مرقها أو لحمها أو طعمها أو لونها .. فهي جلالة، قال الخطابي: واختلف الناس في أكل لحوم الجلالة وألبانها: فكره ذلك أصحاب الرأي والشافعي وأحمد بن حنبل، وقالوا: لا يؤكل حتى تحبس أيامًا، وتعلف علفًا كغيرها، فإذا طاب لحمها .. فلا بأس بأكله.
وقد روي في الحديث أن البقر تعلف أربعين يومًا، ثم يؤكل لحمها، وكان ابن عمر يقول: تحبس الدجاجة ثلاثة أيام، ثم تذبح، وقال إسحاق بن راهويه: لا بأس أن يؤكل لحمها بعد أن يغسل غسلًا جيدًا، وكان الحسن البصري لا يرى بأسًا بأكل لحوم الجلالة، وكذلك قال مالك بن أنس. انتهى.
وقال ابن رسلان: في "شرح السنن": وليس للحبس مدةً مقدرةً، وعن بعضهم: في الإبل والبقر أربعين يومًا، وفي الغنم سبعة أيام، وفي الدجاجة ثلاثة، واختاره في "المهذب" و"التحرير". انتهى من "العون".
стр. 9042
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل الجلالة وألبانها، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أكل لحوم الجلالة وألبانها عن ابن عمر، قال: وفي الباب عن ابن عباس أيضًا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب، والنسائي في كتاب الضحايا وأحمد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 9043
(٦٦) - (١١٤٤) - بَابُ لُحُومِ الْخَيْلِ
(١٤٢) - ٣١٣٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِر، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: نَحَرْنَا فَرَسًا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ .
===
(٦٦) - (١١٤٤) - (باب لحوم الخيل)
(١٤٢) - ٣١٣٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن) زوجته (فاطمة بنت المنذر) بن الزبير بنت عمه، ثقة، من الثالثة. يروي عنها: (ع).
(عن) جدتها (أسماء بنت أبي بكر) الصديق رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أسماء: (نحرنا) في المدينة (فرسًا) يطلق على الذكر والأنثى (فأكلنا) نحن وأهل بيتنا (من لحمه) أي: من لحم ذلك الفرس ونحن في المدينة، وضمير الفاعل في: (نحرنا) يعود على الذي باشر النحر منهم، وإنما أتى بضمير الجمع، مع أن المباشر واحد منهم؛ لكونه عن رضًا منهم (على عهد رسول الله ﷺ أي: في زمن حياته ﷺ .
قوله: (فأكلنا) زاد الدارقطني: (نحن وأهل بيت رسول الله ﷺ ففيه إشعار بأنه ﷺ اطلع على ذلك، والصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده ﷺ .. كان له حكم الرفع على الصحيح؛ لأن الظاهر منه اطلاعه ﷺ على ذلك وتقريره إياهم، وإذا كان هذا في مطلق الصحابي .. فكيف بآل أبي بكر الصديق مع شدة اختلاطهم به ﷺ وعدم مفارقتهم له. انتهى من "الإرشاد".
стр. 9044
(١٤٣) - ٣١٣٧ - (٢) حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ أَبُو بِشْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصمٍ،
===
وقولها: (نحرنا فرسًا) واختلف فيه على هشام: فروى بعضهم عنه: (نحرنا)، وروى الآخرون: (ذبحنا)، والروايتان في "صحيح البخاري"، ومال النووي رحمه الله تعالى للجمع بينهما إلى تعدد القصتين، ولكن بعيد جدًّا؛ لاتحاد الحديث ومخرجه، ورجح الحافظ في "الفتح" (٩/ ٦٤٩) أنه من تصرف الرواة في روايتهم بالمعنى، والمستفاد من ذلك جواز الأمرين عندهم، وقيام أحدهما في التذكية مقام الآخر، والقول بتعيين أحدهما لَمْ يتحرَّر؛ لوقوع التساوي بين الرواة المختلفين في ذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الذبائح والصيد، باب لحوم الخيل، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب في أكل لحوم الخيل، والنسائي في كتاب الضحايا، باب الرخصة في نحر ما يذبح، وذبح ما ينحر وأحمد، وعبد الرزاق في "مصنفه"، والبيهقي، والدارقطني.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أسماء بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٣) - ٣١٣٧ - (٢) (حدثنا بكر بن خلف) البصري (أبو بشر) ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
(حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 9045
حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ.
===
(حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(يقول: أكلنا زمن) حصار (خيبر الخيل) أي: لحومها، والخيل جماعة الأفراس، لا واحد له من لفظه، أو مفرده: خائل.
سميت بذلك؛ لاختيالها في المشية، ويكفي في شرفها أن الله تعالى أقسم بها في قوله: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ (١). انتهى "زرقاني".
وأول من ركبها إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ جائزةً له على مساعدته أباه في بناء البيت، أخذها من غابة أجياد؛ كما بسطنا الكلام عليه في تفسيرنا "الحدائق".
(و) أكلنا يومئذ لحوم (حمر الوحش) يعني: أنهم صادوها، ولا خلاف في جواز أكلها فيما علمته؛ لأنها من جملة الصيد الذي أباحه الله تعالى في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ . انتهى من "المفهم".
وفي "إعلاء السنن": عن ابن إسحاق أن جابرًا لم يشهد خيبر، وصحح أن الثابت عنه هو الرخصة على الإطلاق، لا المقيدة بيوم خيبر.
ويحتمل أن يكون قوله: (أكلنا) أراد به: عامة المسلمين، ومثل ذلك في الأحاديث كثير. انتهى من "التكملة".
وبهذا الحديث استدل الشافعي والحنابلة على أن لحم الخيل حلال بلا
стр. 9046
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كراهة، وبه قال أكثر العلماء، وممن قال به: عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود، وعطاء، وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وداوود، وغيرهم.
وكرهها طائفة؛ منهم: ابن عباس، والحكم، ومالك، وأبو حنيفة، وقال أبو حنيفة: يأثم بأكله، ولا يسمى حرامًا. انتهى من "شرح المهذب".
ولعل أبا حنيفة رحمه الله تعالى جمع بين الأحاديث بأنه ليس حرامًا؛ لنجاسة لحمه، وإنما هو مكروه؛ لاحترامه، ولكونه من آلات الجهاد.
وقال في "الدر المختار": قيل: إن أبا حنيفة رجع عن حرمته قبل موته بثلاثة أيام.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الحمر الأنسية، عن ابن عمر، والمجمع عليه تحريم أكلها؛ كما ورد في "الصحيحين"، والنسائي في كتاب الصيد، باب إباحة أكل لحوم الحمر الوحشية.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9047
(٦٧) - (١١٤٥) - بَابُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ
(١٤٤) - ٣١٣٨ - (١) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ فَقَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ
===
(٦٧) - (١١٤٥) - (باب لحوم الحمر الأهلية)
(١٤٤) - ٣١٣٨ - (١) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، صدوق، من قدماء العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق الشيباني) سليمان بن أبي سليمان فيروز الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات في حدود الأربعين ومئة (١٤٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال) أبو إسحاق: (سألت عبد الله بن أبي أوفى) علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، شهد الحديبية وعُمِّر بعد النبي ﷺ مات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
أي: سألته (عن) حكم (لحوم الحمر الأهلية) أي: الإنسية أهي حلال أم حرام؟ قال أبو إسحاق: (فقال) لي عبد الله بن أبي أوفى في جواب سؤالي: (أصابتنا) أي: أخذتنا معاشر الصحابة (مجاعة) شديدة؛ أي: جوع شديد
стр. 9048
يَوْمَ خَيْبَرَ وَنَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَقَدْ أَصَابَ الْقَوْمُ حُمُرًا خَارِجًا مِنَ الْمَدِينَةِ فَنَحَرْنَاهَا، وإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي إِذْ نَادَى مُنَادِي النَّبِيِّ ﷺ أَنِ اكْفَؤُوا الْقُدُورَ وَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الْحُمُرِ شَيْئًا
===
(يوم) حصار (خيبر) مدينة مشهورة بقرب المدينة سكانها اليهود (ونحن) أي: والحال أننا (مع النبي ﷺ ، وقد أصاب) أي: وجد وغنم (القوم) من المسلمين؛ يعني: الصحابة (حمرًا خارجًا) أي: جنس حمر خارجًا (من المدينة) أي: من مدينة خيبر (فـ) أخذنا تلك الحمر وغنمناها و (نحرناها) أي: ذبحناها؛ لأنها مما قصر عنقه.
قال الحافظ في "الفتح" (٧/ ٤٨٢): وقد ذكر الواقدي أن عدة تلك الحمر التي ذبحوها كانت عشرين أو ثلاثين، كذا رواه بالشك.
فأوقدنا عليها النيران (و) الحال (إن قدورنا) وأسطالنا (لتغلي) من باب رمى؛ أي: لتفور بلحومها، وإذ في قوله: (إذ نادى) فجائية؛ أي: والحال أن قدورنا لتغلي .. فاجأنا نداء (منادي النبي ﷺ هو أبو طلحة أو عبد الرحمن بن عوف بـ (أن اكفؤوا القدور) أي: كبوها واقلبوها بما فيها (ولا تطعموا) من طعم الثلاثي؛ من باب فرح؛ أي: لا تأكلوا (من لحوم الحمر) الأهلية (شيئًا) قليلًا ولا كثيرًا.
وقوله: (إذ نادى منادي رسول الله ﷺ قال أبو مسعود: هذا الحديث معلول وهو مرسل، وهذا مما ينظر؛ لأنه لم يعين المنادي ولا أسند ما نادى به إلى رسول الله ﷺ ، ولكن الأظهر: أن النداء في الجيش لا يخفى على الإمام. انتهى من "الأبي".
وقوله: (أن اكفؤوا القدور) الرواية المشهورة بوصل الهمزة وفتح الفاء؛ من كفأت القدر ثلاثيًا؛ إذا قلبتها، وقد رويت بقطع الهمزة وكسر الفاء؛ من أكفأت
стр. 9049
فَأَكْفَأْنَاهَا، فَقُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: حَرَّمَهَا تَحْرِيمًا، قَالَ: تَحَدَّثْنَا أَنَّمَا حَرَّمَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَلْبَتَّةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ.
===
رباعيًّا، قال ابن السكيت وابن قتيبة: هما لغتان بمعنىً واحد.
وقال الأصمعي: كفأت الإناء وكل شيء: قلبته ثلاثيًّا، ولا يقال: أكفأت رباعيًّا، وقيل: كفأت القدر ثلاثيًّا؛ كببتها؛ ليخرج ما فيها، وأكفأتها رباعيًّا: أملتها.
قال عبد الله بن أبي أوفى: (فأكفأناها) أي: فقلبنا تلك القدور وكببنا ما فيها من اللحوم على الأرض.
قال الشيباني: (فقلت لعبد الله بن أبي أوفى: حرمها) أي: حرم رسول الله ﷺ تلك اللحوم (تحريمًا) أي: أي تحريم حرمها رسول الله ﷺ ، هل حرمها تحريمًا قطعيًّا لا تردد فيه، أم تحريمًا غير قطعي فيه تردد؟ (قال) ابن أبي أوفى في جواب الشيباني: (تَحَدَّثْنَا) نحن معاشر الصحابة فيما (بيننا) كما في رواية مسلم.
وقوله: (تحدثنا) بسكون المثلثة؛ لأنه ماض اتصل بضمير الفاعل؛ من باب تفعل الخماسي (فقلنا) كما في رواية مسلم؛ أي: فقلنا في تحدُّثِنا أي: قال بعضنا لبعض: (إنما حرمها) أي: إنما حرم لحوم الحمر (رسول الله ﷺ ألبتة) أي: تحريمًا قطعيًّا لا تردد فيه (من أجل أنها) أي: أن تلك الحمر (تأكل العذرة) أي: روث الإنسان، فهي نجسة، وفي "القاموس": لا أفعله البتة وبتةً؛ لكل أمر لا رجعة فيه، و (العذرة) - بفتح فكسر - الخرء؛ كما في "المصباح".
والمراد: أن النبي ﷺ حرمها على سبيل التأبيد، ولم يمنعها لأمر عارض، والهمزة في (البتة) للوصل؛ كما رجحه الحافظ في "الفتح"،
стр. 9050
(١٤٥) - ٣١٣٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ،
===
وجزم الكرماني بأنها همزة قطع على خلاف القياس، ولكن قال الحافظ: لَمْ أَرَ مَا قاله الكرماني في كلام أحد من أهل اللغة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب فرض الخمس، باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية، والنسائي في كتاب الصيد، باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن أبي أوفى بحديث المقدام بن معدي كرب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٥) - ٣١٣٩ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وبموحدتين - أبو الحسين العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن معاوية بن صالح) بن حدير - بالمهملة مصغرًا - الحضرمي أبي عمرو الحمصي، قَاضِي الأندلس، صدوق له أوهام، من السابعة، مات
стр. 9051
حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ جَابِرٍ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَرَّمَ أَشْيَاءَ حَتَّى ذَكَرَ الْحُمُرَ الْإِنْسِيَّةَ.
===
سنة ثمان وخمسين ومئة (١٥٨ هـ)، وقيل: بعد السبعين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(حدثني الحسن بن جابر) اللخمي الكندي، مقبول، من الثالثة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(عن المقدام بن معدي كرب) بن عمرو (الكندي) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الشام، ومات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ) على الصحيح، وله إحدى وتسعون سنة. يروي عنه (خ عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أن رسول الله ﷺ حرم أشياء) كثيرة من المحرمات (حتى ذكر) تحريم أكل لحوم (الحمر الإنسية) أي: المؤانسة بالناس، خرج بهذا الوصف الوحشية؛ فإنها حلال؛ كما مر، قال السندي: قوله: (الإنسية) - بكسر الهمزة وسكون النون - نسبة إلى الإنس المقابل للجن؛ والمراد بها: الأهلية، وجوز ضم الهمزة وسكون النون؛ نسبة إلى الأنس - بضم الهمزة - وهو خلاف التوحش. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وفي "الزوائد": إسناده صحيح، والحسن بن جابر ذكره ابن حبان في "الثقات"، وباقي رجال الإسناد على شرط مسلم، ولكن له شواهد في "الصحيحين" وغيرهما من حديث البراء وعبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك وغيرهم، ورواه الترمذي من حديث أبي هريرة وعلي بن أبي طالب، قال: وفي الباب عن علي وجابر والبراء وابن
стр. 9052
(١٤٦) - ٣١٤٠ - (٣) حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ
===
أبي أوفى وأنس والعرباض بن سارية وأبي ثعلبة الخشني وابن عمر وأبي سعيد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن أبي أوفى.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث ابن أبي أوفى بحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٤٦) - ٣١٤٠ - (٣) (حدثنا سويد بن سعيد) بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م ق).
(حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عاصم) بن سليمان الأحول أبي عبد الرحمن البصري التميمي مولاهم، ثقة، من الرابعة، تكلم فيه القطان بسبب دخوله في الولاية، مات بعد سنة أربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) عامر بن شراحيل الحميري (الشعبي) الكوفي، ثقة فقيه متقن، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (ع).
(عن البراء بن عازب) بن الحارث بن عدي الأنصاري الأوسي الصحابي ابن الصحابي رضي الله تعالى عنهما. يروي عنه: (ع). مات سنة اثنتين وسبعين (٧٢ هـ)، وكان هو وابن عمر لدة.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 9053
قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ نُلْقِيَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ نِيئَةً وَنَضِيجَةً، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِهِ بَعْدُ.
===
(قال) البراء: (أمرنا رسول الله ﷺ معاشر الصحابة يوم خيبر (أن نلقي) ونرمي (لحوم الحمر الأهلية نيئة) - بكسر النون وفتح الهمزة مع تخفيف الياء الساكنة - أي: غير مطبوخة بدل من لحوم، بدل تفصيل من مجمل (ونضيجة) أي: مطبوخة؛ أي: أمرنا أن نرميها نيئها ومطبوخها (ثم) بعدما أمرنا بإلقائها (لم يأمرنا به) أي: بأكل لحمها؛ أي: لم يرخص لنا في أكله (بعد) أي: بعدما أمرنا بإلقائه، فصار تحريمها على التأبيد.
وفي هذا الحديث دليل لمذهب جمهور الفقهاء في تحريم الحمر الأهلية، وإنما قيد بالأهلية؛ لكون الوحشية من الحمر حلالًا بالإجماع، وروي عن ابن عباس أنه كان يقول بحلية الحمر الأهلية أيضًا، وهو قول مالك في رواية، وفي أخرى أنها مكروهة، وفي ثالثة محرمة، وهذه الرواية هي الصحيحة المشهورة عنه، وعليها أجمع المسلمون إلا من شذ.
واستدل على حلية الحمر الأهلية بحديث غالب بن أبجر، وهو حديث ضعيف، قال النووي والحافظ: إن سند ذلك الحديث ضعيف، والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا اعتماد عليه. انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الإنسية، والنسائي في كتاب الصيد، باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
стр. 9054
(١٤٧) - ٣١٤١ - (٤) حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ غَزْوَةَ خَيْبَرَ فَأَمْسَى النَّاسُ
===
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عبد الله بن أبي أوفى بحديث سلمة ابن الأكوع رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٧) - ٣١٤١ - (٤) (حدثنا يعقوب بن حميد بن كاسب) المدني نزيل مكة، وقد ينسب لجده، صدوق ربما وهم، من العاشرة، مات سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا المغيرة بن عبد الرحمن) بن الحارث بن عبد الله بن عياش - بتحتانية ومعجمة - ابن أبي ربيعة المخزومي المدني، صدوق فقيه كان يهم، من الثامنة، مات سنة ست أو ثمان وثمانين ومئة (١٨٨ هـ). يروي عنه: (خ د س ق).
(عن يزيد بن أبي عبيد) - مصغرًا - الأسلمي مولى سلمة بن الأكوع، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سلمة) بن عمرو (بن الأكوع) الأسلمي أبي مسلم المدني، أو أبي إياس رضي الله تعالى عنه، شهد بيعة الرضوان، مات سنة أربع وسبعين (٧٤ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) سلمة: (غزونا مع رسول الله ﷺ أي: خرجنا مع رسول الله ﷺ من المدينة سنة سبع إلى (غزوة خيبر) وفي رواية مسلم زيادة: (ثم) بعدما حاصرناها أيامًا؛ فإن الله فتحها علينا (فأمسى الناس) المسلمون؛ أي: دخلوا في مساء اليوم الذي فتحوها والحال
стр. 9055
قَدْ أَوْقَدُوا النِّيرَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "عَلَامَ تُوقِدُونَ؟ "، قَالُوا: عَلَى لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيَّة، فَقَالَ: "أَهْرِيقُوا مَا فِيهَا وَاكْسِرُوهَا"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَوْ نُهْرِيقُ مَا فِيهَا وَنَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوْ ذَاكَ".
===
أنهم (قد أوقدوا النيران) الكثيرة على قدورهم (فقال) لهم (النبي ﷺ : "علام توقدون؟ ") أي: على أي شيء توقدون هذه النيران؟ (قالوا) أي: قال ناس في جواب سؤال النبي ﷺ : أوقدناها يا رسول الله (على) طبخ الحوم الحمر الإنسية) أي: لأجل طبخها.
(فقال) لهم النبي ﷺ : (أهريقوا) - بسكون الهاء وفتحها وهي زائدة - أي: أريقوا وصبوا على الأرض (ما فيها) أي: ما في هذه القدور من لحوم الحمر الإنسية؛ فإنها حرام عليكم (واكسروها) أي: واكسروا قدور هذه اللحوم؛ لأنها متنجسة بلحومها، قال العيني: في "شرح البخاري": قوله: "أهريقوها" بسكون الهاء، وجاز حذف الهمزة أو الهاء والياء؛ أي: أريقوا ما في القدور من اللحوم والمرق (واكسروها) أي: واكسروا القدور.
(فقال رجل من القوم) الحاضرين، وفي "تنبيه المعلم": قال شيخنا: يحتمل أن يكون ذلك الرجل عمر بن الخطاب. انتهى.
يا رسول الله (أو) بسكون الواو بمعنى: (بل) الإضرابية؛ أي: بل (نهريق ما فيها ونغسلها؟ ) أي: بل نريق ما في القدور ونغسلها بلا كسر لها؟ (فقال النبي ﷺ : أو) افعلوا (ذاك) الذي قلتم من الإراقة والغسل، وهذا صريح في نجاستها وتحريمها، ويؤيده الرواية الأخرى: (فإنها رجس)، وفي الأخرى: (رجس أو نجس) وفيه: وجوب غسل ما أصابته النجاسة، وأن الإناء النجس يطهر بالغسل مرة واحدة، ولا يحتاج إلى سبع إذا كانت غير
стр. 9056
(١٤٨) - ٣١٤٢ - (٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ،
===
نجاسة الكلب والخنزير وما تولد منهما أو من أحدهما مع الحيوان الآخر، وهذا مذهبنا ومذهب الجمهور. انتهى "نووي"، ومذهب الحنفية: يطهر كل متنجس بالغسل ثلاثًا؛ كما بين في كتب الفروع.
قال النووي: وأما أمره ﷺ أولًا بكسرها .. فيحتمل أنه كان بوحي أو اجتهاد ثم نسخ، وتعين الغسل، ولا يجوز اليوم الكسر؛ لأنه إتلاف مال، وفيه دليل على أنه إذا غسل الإناء النجس .. فلا بأس باستعماله. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها خمر أو تخرق الزقاق، وفي باب غزوة خيبر، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث ابن أبي أوفى بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٤٨) - ٣١٤٢ - (٥) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا معمر) بن راشد الأزدي البصري، ثقة، من السابعة، مات سنة
стр. 9057
عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ مُنَادِيَ النَّبِيِّ ﷺ نَادَى إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ؛ فَإِنَّهَا رِجْسٌ.
===
أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أيوب) بن أبي تميمة كيسان السختياني البصري العنزي، ثقة، من الخامسة، مات سنة إحدى وثلاثين ومئة (١٣١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد (بن سيرين) الأنصاري مولاهم أبي بكر البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أنس بن مالك) الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن منادي النبي ﷺ نادى) في الناس بأمر النبي ﷺ ؛ وذلك المنادي هو أبو طلحة الأنصاري زوج أم أنس، وهذه القصة في يوم خيبر؛ كما هو مصرح به في رواية مسلم، ولفظه: (قال) أنس: (لما كان يوم خيبر .. جاء جاءٍ) إلى النبي ﷺ (فقال: يا رسول الله؛ أكلت الحمر)، قال في "تنبيه المعلم": لا أعرف اسم هذا الجائي ولا الآخر المذكور بعده.
(ثم جاء آخر، فقال: يا رسول الله؛ أفنيت الحمر) بذبحها وأكلها (فأمر رسول الله ﷺ أبا طلحة الأنصاري) رضي الله تعالى عنه أن ينادي في الناس (فنادى) أبو طلحة في الناس بقوله: (إن الله ورسوله) ﷺ (ينهيانكم عن) أكل (لحوم الحمر الأهلية) أي: الإنسية (فإنها) أي: فإن لحومها (رجس) أي: قذر.
стр. 9058
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي رواية مسلم زيادة: (أو نجس) بالشك من الراوي أو ممن دونه؛ أي: (أو) قال أنس أو من دونه: (نجس) غير طاهر، ومعناهما واحد.
وفي "مسلم" أيضًا زيادة: (قال) أنس: (فـ) بعدما نادى أبو طلحة (أكفئت القدور بما فيها) من اللحوم والمرق، وقد صرحت هذه الرواية بأن المنادي بالتحريم هو أبو طلحة، ووقع في رواية له: أن المنادي بلال، وفي أخرى عند النسائي: أنه عبد الرحمن بن عوف.
وقال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٦٥٥): ولعل عبد الرحمن نادى أولًا بالنهي مطلقًا، ثم نادى أبو طلحة وبلال بزيادة على ذلك؛ وهي قوله: (فإنها رجس).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، وفي كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح، باب تحريم أكل لحوم الحمر الإنسية، والبيهقي، وابن حبان، وأحمد، وغيرهم.
وهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد، وكلها صحاح.
والله أعلم
стр. 9059
(٦٨) - (١١٤٦) - بَابُ لُحُومِ الْبِغَالِ
(١٤٩) - ٣١٤٣ - (١) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، حَدَّثَنَا الثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ،
===
(٦٨) - (١١٤٦) - (باب لحوم البغال)
(١٤٩) - ٣١٤٣ - (١) (حدثنا عمرو بن عبد الله) بن حنش - بفتح المهملة والنون بعدها معجمة - ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري، ثقة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد الذهلي النيسابوري، ثقة متقن، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
قال عبد الرزاق: (حدثنا الثوري ومعمر) كلاهما (جميعًا) رويا (عن عبد الكريم) بن مالك (الجزري) - بفتحتين - أبي سعيد الخضرمي - بالخاء والضاد المعجمتين - نسبة إلى قرية من اليمامة، مولى بني أمية، ثقة متقن، من السادسة، مات سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ). يروي عنه: (ع).
стр. 9060
عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْل، قُلْتُ: فَالْبِغَالَ؟ قَالَ: لَا.
===
(عن عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(قال) جابر: (كنا) معاشر الصحابة (نأكل لحوم الخيل) في عهد رسول الله ﷺ ، قال عطاء: (قلت) لجابر بن عبد الله: (فالبغال) هل تأكلونها؟
(قال) جابر في جواب سؤال عطاء: (لا) نأكل لحم البغال؛ إلحاقًا لها بأخس الأصلين، قال النووي: اختلف العلماء في إباحة لحوم الخيل: فمذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وجماهير المحدثين.
وكرهها طائفة؛ منهم: ابن عباس والحكم ومالك وأبو حنيفة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ (١)، ولم يذكر الأكل، وذكر الأكل من الأنعام في الآية التي قبلها، وبحديث صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد: (أن رسول الله ﷺ نهى عن لحوم الخيل ... ) الحديث، وهو الحديث المذكور بعد هذا الحديث عند المؤلف.
стр. 9061
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقال النووي أيضًا: واحتج الجمهور على إباحة الخيل بأحاديث الإباحة التي ذكرها مسلم وغيره، وهي صحيحة صريحة، واحتجوا أيضًا بأحاديث أخرى صحيحة جاءت بالإباحة، ولم يثبت في النهي عن أكلها؛ أي: عن أكل الخيل حديث صحيح، واتفق العلماء من أئمة الحديث على أن حديث صالح بن يحيى بن المقدام ضعيف؛ كما سيأتي الكلام فيه قريبًا.
وقال بعضهم: هو منسوخ بالأحاديث الصحيحة الواردة في إباحة أكل الخيل، وأما الآية .. فأجابوا عنها بأن ذكر الركوب والزينة لا يدل على أن منفعتهما مختصة بذلك، وإنما خص هذا بالذكر؛ لأنهما معظم المقصود من الخيل؛ كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ (١)، فذكر اللحم في الخنزير؛ لأنه أعظم المقصود، وقد أجمع المُسْلِمُون على تحريم شحمه ودمه وسائر أجزائه، ولهذا سكت عن ذكر حمل الأثقال على الخيل مع قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ﴾ (٢)، ولم يلزم من هذا تحريم حمل الأثقال على الخيل. انتهى مختصرًا. انتهى من "العون".
قال المنذري: وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي في "الكبرى".
وهذا الحديث انفرد به - أي: بلفظه - ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 9062
(١٥٠) - ٣١٤٤ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ، حَدَّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ صَالِحِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّه، عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ
===
(١٥٠) - ٣١٤٤ - (٢) (حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول الحمصي القرشي، صدوق له أوهام، وكان يدلس، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا بقية) بن الوليد بن صائد بن كعب الكلاعي أبو يحمد - بضم أوله وسكون ثانيه وكسر ثالثه - الميتمي الحمصي، صدوق كثير التدليس عن الضعفاء، من الثامنة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثني ثور بن يزيد) - بزيادة ياء تحتانية في أول اسم أبيه - أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من السابعة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، وقيل: ثلاث أو خمس وخمسين ومئة. يروي عنه: (خ عم).
(عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معدي كرب) الكندي الشامي لين، من السادسة. يروي عنه: (د س ق).
(عن أبيه) يحيى بن المقدام بن معدي كرب، مستور، من الرابعة. يروي عنه: (د س ق).
(عن جده) المقدام بن معدي كرب بن عمرو الكندي أبي كريمة الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، نزل الشام ومات سنة سبع وثمانين (٨٧ هـ) على الصحيح، وله إحدى وتسعون سنة. يروي عنه: (خ عم).
(عن خالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي سيف الله، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم
стр. 9063
قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
===
أجمعين، وكان إسلامه بين الحديبية وبين الفتح، وكان أميرًا على قتال أهل الردة وغيرهم من الفتوح، مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين (٢٢ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه صالح بن يحيى، وهو لين، وأبوه يحيى مستور.
(قال) خالد بن الوليد: (نهى رسول الله ﷺ عن) أكل الحوم الخيل والبغال والحمير) احتج بهذا الحديث من قال بكراهة أكل لحوم الخيل، والحديث ضعيف؛ ضعفه أحمد والبخاري وموسى بن هارون والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأطعمة، باب أكل لحوم الخيل، والنسائي في "الكبرى"، والبيهقي والطحاوي، وغيرهم.
قال أبو داوود: لا بأس بلحوم الخيل؛ أي: بأكلها؛ لورود الأحاديث الصحيحة في إباحتها، وليس العمل على هذا الحديث؛ أي: على حديث النهي المذكور، وهو - أي: ما يدل عليه هذا الحديث من كراهة أكل لحم الخيل أو تحريمه - قول مالك، قال الحافظ: قال الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.
وقال أبو داوود أيضًا: هذا - أي: حديث النهي عن أكل لحم الخيل المذكور هنا - منسوخ، قد قرر الحازمي النسخ؛ بأنه قد وردت في حديث جابر لفظة: (أُذِن)، وفي بعض روايته: (رُخّص)، ويظهر بذلك أن المنع كان سابقًا، والإذن متأخرًا، فيتعين المصير إليه، قال: ولو لم ترد هذه اللفظة .. لكانت دعوى النسخ مردودة؛ لعدم معرفة التاريخ، وللحافظ في هذا التقرير كلام.
стр. 9064
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الحافظ: وقد نقل الحل بعض التابعين عن الصحابة من غيرِ اسْتِثْنَاءِ أحدٍ؛ فأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح على شرط الشيخين عن عطاء قال: (لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم) انتهى، قال أبو داوود: هذا - أي: كراهية أكل لحوم الخيل - منسوخ؛ لأنه قد أكل لحوم الخيل جماعة من الصحابة ... إلى آخره؛ كما مر.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف؛ لضعف سنده كما مر؛ ولمعارضته حديث جابر المذكور قبله، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث: ضعيف متنًا وسندًا (١٣)(٣٢٣).
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.
والله أعلم
стр. 9065
(٦٩) - (١١٤٧) - بَابٌ: ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ
(١٥١) - ٣١٤٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنْ أَبِي الْوَدَّاك،
===
(٦٩) - (١١٤٧) - (باب: ذكاة الجنين ذكاة أمه)
(١٥١) - ٣١٤٥ - (١) (حدثنا أبو كلريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عبد الله بن المبارك) المروزي الحنظلي مولاهم، ثقة ثبت عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (١٨١ هـ). يروي عنه: (ع).
(وأبو خالد الأحمر) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي، صدوق يخطئ، من الثامنة، مات سنة تسعين ومئة (١٩٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (ع).
(وعبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن مجالدٍ) - بضم أوله وتخفيف الجيم - ابن سعيد بن عمير الهمداني - بسكون الميم - أبي عمرو الكوفي، ليس بالقوي لا يحتج بحديثه، وقال أبو خيثمة عن ابن معين: ضعيف واهي الحديث، وقد تغير في آخر عمره، من صغار السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي الوداك) - بفتح الواو وتشديد الدال آخره كاف - جبر بن نوف
стр. 9066
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْجَنِينِ فَقَالَ: "كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ".
===
- بفتح النون آخره فاء - الهمداني - بسكون الميم - البكالي - بكسر الموحدة
وتخفيف الكاف - كوفي صدوق يهم، من الرابعة. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مجالد بن سعيد، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو سعيد: (سألنا) معاشر الصحابة (رسول الله ﷺ عن) ذكاة (الجنين) الخارج من بطن أمه ميتًا إذا ذبحت أمه؛ إذ لا يظن بهم الجهل عما خرج حيًّا (فقال) لنا رسول الله ﷺ في جواب سؤالنا: (كلوه) أي: كلوا ذلك الجنين (إن شئتم) أكله، وهذا ظاهر في حل مثله، ودليل على أن المراد بقوله: (فإن ذكاته) أي: ذكاة ذلك الجنين وذبحه (ذكاة أمه) أي: حاصلة بها؛ أريد به: أن ما طيب وحلل أمه من الذبح مثلًا .. طيبه وأحله، فلا يحتاج إلى ذبح نفسه، وهو مذهب الجمهور. انتهى "سندي".
قوله: (سألنا رسول الله ﷺ وفي رواية مسدد: قلنا له: يا رسول الله؛ ننحر الناقة ونذبح البقرة أو الشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم، وإلا .. فَأَلْقُوهُ".
قوله: "فإن ذكاته ذكاة أمه ... " إلى آخره؛ أي: تذكية أمه مغنية عن تذكيته؛ أي: فإن ذكاتها هي التي أحلته تبعًا لها، ولأنه جزء من أجزائها، وذكاتها ذكاة لجميع أجزائها، وهذا خرج ميتًا، بخلاف ما إذا خرج وبه حياة مستقرة، فلا يحل بذكاة أمه، وإليه ذهب الثوري والشافعي والحسن بن زياد
стр. 9067
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وصاحبا أبي حنيفة، وإليه ذهب أيضًا مالك، واشترط هو - أي: مالك في ذلك - أن يكون قد أشعر؛ أي: أنبت الشعر.
وذهب أبو حنيفة إلى تحريم الجنين إذا خرج ميتًا، وأنه لا تغنيه تذكية أمه عن تذكيته، ذكره في "النيل".
قال الخطابي: في هذا الحديث: بيان جواز أكل الجنين إذا ذكيت أمه وإن لم تجدد للجنين ذكاةٌ.
وتأوله بعض من لا يرى أكل الجنين على معنى: أن الجنين يذكى؛ كما تذكى أمه، فكأنه قال: ذكاة الجنين كذكاة أمه، وهذه القصة تبطل هذا التأويل وتدحضه؛ لأن قوله: "فإن ذكاته ذكاة أمه" تعليل لإباحته من غير إحداث ذكاة ثانية، فثبت أنه على معنى النيابة عنها. انتهى.
قال المنذري: وأخرجه الترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن، هذا آخر كلامه.
وفي إسناده مجالد بن سعيد الهمداني، وقد تكلم فيه غير واحد، فقال الدوري عن ابن معين: لا يحتج بحديثه، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ضعيف واهي الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: تكلم فيه الناس وهو صدوق، وقال ابن سعد كان ضعيفًا في الحديث، وقال ابن المثنى: يحتمل أن يكون حديثه أصدق، وقال العجلي: جائز الحديث، وقال البخاري: صدوق؛ فهو مختلف فيه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأضاحي، باب ما جاء في ذكاة الجنين، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في ذكاة الجنين، قال: وفي الباب عن جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي هريرة،
стр. 9068
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي سعيد، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم، وهو قول الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
قال في "التلخيص": قال ابن المنذر: إنه لم يرو أحد من الصحابة ولا من العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا بِاسْتِئْنَافِ الذَّكاةِ فيه، إلا ما روي عن أبي حنيفة. انتهى.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لكثرة شواهده ومتابعاته، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وقوله: (قال أبو عبد الله ... ) إلى آخره؛ ما بين القوسين ليس في الأصل المخطوط ولا في النسخ الأخرى، ولا هو في طبعة الأعظمي.
نعم؛ هو مثبت في الطبعة الهندية (ص ٢٣٠)، فلعله مقحم؛ فإنه لم يظهر وجه مناسبته لجميع الأبواب السابقة، والله أعلم.
وأقول أنا: قال أبو الحسن تلميذ المؤلف ورَاوِيَةُ هذا السنن منه: (قال) شيخنا (أبو عبد الله) المؤلف محمد بن يزيد ابن ماجه: (سمعت الكوسج) لقب قدم على الاسم؛ تعجيلًا لتوضيحه؛ لأنه مشهور بهذا اللقب، لقب به؛ لأنه كان مقطع أطراف الأسنان.
(إسحاق بن منصور) بن بهرام التميمي المروزي، ثقة ثبت، من الحادية عشرة؛ أي: سمعته (يقول في) تفسير (قولهم) أي: قول المحدثين (في الذكاة) أي: في ذكاة الجنين (لا يُقْضى) أي: لا يُؤدى ولا يستفاد (بها) أي: بتذكية الجنين محمدةً بتحليلِها الجنينَ، ولا يُدفع بتذكيته (مذمة) أي: ذم حاصل لآكله عند ترك تذكيته.
стр. 9069
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والمعنى: أن تذكيته لا يوجب لفاعلها محمدةً، ولا يدفع عن تاركها مذمةً؛ يعني: أن فعل تذكيته وتركها سواء لا يوجب محمدة ولا مذمة؛ يعني: فعلها وتركها سواء؛ لأنه على كل حال حلال؛ لأن ذكاته وتركها سواء في حليته، ففي الكلام اكتفاء.
وقوله: (قال) توكيد لقوله: (يقول) أي: قال إسحاق في ضبطه: (مذمة - بكسر الذال - من الذمام) بمعنى: الاحترام والتكرمة؛ أي: ليس في ذكاته تكرمة ولا شرف (و) مذمة (- بفتح الذال - من الذم) ضد المدح أي: ليس في ترك ذكاته ذم وعيب؛ يعني: ذكاته وترك ذكاته سواء؛ أي: لا يمدح بفعلها، ولا يذم بتركها؛ لأنه على كل حال حلال، سواء ذُكِّي أو ترك؛ لأن ذكاته حاصلة بذكاة أمه. انتهى من الفهم السقيم.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا المجلد:
من الأبواب: تسعة وستون بابًا.
ومن الأحاديث: مئة وسبعة وخمسون حديثًا، منها: ثلاثة عشر للاستئناس، وخمسة وستون للاستدلال، وستة للمتابعة، والباقي للاستشهاد.
والله وليُّ التّوفيق
стр. 9070
إلى هنا انتهى المجلد الثامن عشر من شرح كلام سيد البشر ويليه المجلد التاسع عشر بإذن من نهى وأمر، وأوله: كتاب الصيد
قال مؤلفه أحسن الله ختامه وأعطاه مرامه: فرغت من رقم هذا المجلد يوم الاثنين بتاريخ (٦) صفر (١٤٣٥ هـ)، الموافق لـ (٩) كا نون الأول ديسمبر سنة (٢٠١٣ م).
وكان تاريخ الأوب لتسطير هذا الكتاب يوم الأربعاء (١٩) ذو الحجة من سنة (١٤٣٤ هـ).
* * *
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان ليوم الدين.
اللهم أسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل صالح يبلغني حبك.
اللهم اجعل حبك أحب إليَّ من نفسي وأهلي ومالي، وأحب إليَّ من الماء البارد على الظمأ يا أرحم الراحمين.
* * *