(١٨) - (١١٦٥) - بَابُ الطَّافِي مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ
(٤٦) - ٣١٩١ - (١) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سَلَمَةَ مِنْ آلِ ابْنِ الْأَزْرَق، أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي بُرْدَةَ
===
(١٨) - (١١٦٥) - (باب الطافي من صيد البحر)
والطافي: هو ما مات في البحر بلا سبب، ثم علا وارتفع على ظهر البحر، فمقتضاه أنه حلال. انتهى "سندي".
(٤٦) - ٣١٩١ - (١) (حدثنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي، صدوق مقرئ خطيب، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا مالك بن أنس) الأمام في الفروع، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثني صفوان بن سليم) - مصغرًا - المدني أبو عبد الله الزهري مولاهم، ثقة مفتٍ عابد رمي بالقدر، من الرابعة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن سلمة) المخزومي (من آل ابن الأزرق) وثقه النسائي، من السادسة. يروي عنه: (عم)، قال في "المغني": ابن الأزرق: بهمزة مفتوحة وسكون زاي فراء فقاف، ولم نر من ذكر اسم ابن الأزرق.
(أن المغيرة بن أبي بردة) الكناني، ويقال: ابن عبد الله بن أبي بردة، ويقال: عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، وقلبه بعضهم. روى عن أبي هريرة
стр. 9207
وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :
===
حديث: "البحر هو الطهور ماؤه، والحل ميتته"، ويروي عنه: سعيد بن سلمة الكناني، قال الآجري عن أبي بردة: معروف، وقال النسائي: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقد ولي إمرة الغزو بالمغرب، من الثالثة، مات بعد المئة. يروي عنه: (عم).
(وهو) أي: المغيرة رجل (من بني عبد الدار حدثه) أي: حدث لسعيد بن سلمة.
(أنه) أي: أن المغيرة (سمع أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (يقول: قال رسول الله ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، وقد مر هذا الحديث بأتم منه في كتاب الطهارة برقم (٣٨٢).
وسبب هذا الحديث - كما في "أبي داوود" -: (أن أبا هريرة قال: سأل رجل) هو عبد الله المدلجي (رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله؛ إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء؛ فإن توضأنا به .. عطشنا) - بكسر الطاء - من باب فرح؛ أي: لقلة الماء وفقده، والبحر الذي ركبناه مالح ومر وريحه منتن، فلا يمكن شربه (أفنتوضأ بماء البحر) وندخر ماءنا للشرب لضرورة العطش؟
فإن قيل: كيف شكُّوا في جواز الوضوء بماء البحر؟
قلنا: كما قال أبو بكر بن العربي: إنما توقفوا عن ماء البحر لأحد وجهين:
إما لأنه لا يشرب، وإما لأنه طبق جهنم، وما كان طبق سخط لا يكون طريق طهارة ورحمة. انتهى من "العون" بتصرف واختصار.
стр. 9208
"الْبَحْرُ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ"،
===
أي: سمعت قول رسول الله ﷺ : (البحر) هو (الطهور ماؤه) أي: المطهر ماؤه عن الحدث والخبث (الحل ميتته) أي: الحلال ميتته، أي: ما مات فيه من حيوانه.
قوله: "هو الطهور ماؤه" هو؛ أي: البحر، ويحتمل في إعرابه أربعة أوجه:
الأول: أن يكون (هو) مبتدأ أول، و (الطهور) مبتد أثان، خبره (ماؤه)، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول.
الثاني: أن يكون (هو) مبتدأ، خبره (الطهور) و (ماؤه) بدل اشتمال.
الثالث: أن يكون (هو) ضمير الشأن، و (الطهور ماؤه) مبتدأ وخبر.
الرابع: أن يكون (هو) مبتدأ، و (الطهور) خبره، و (ماؤه) فاعله، قاله ابن دقيق العيد.
(الطهور ماؤه) - بفتح الطاء - هو إما مصدر، أو اسم لما يتطهر به، أو الطاهر المطهر؛ كما في "القاموس" وها هنا بمعنى: المطهر، لأنهم سألوه عن تطهير مائه، لا عن طهارته.
وضمير (ماؤه) يقتضي أنه أريد بالضمير في قوله: (هو الطهور) البحر؛ إذ لو أريد به الماء .. لما احتيج إلى قوله: (ماؤه) إذ يصير في معنى: الماء طهور ماؤه، وفي بعض لفظ الدارمي: (فإنه الطاهر ماؤه).
قوله: (الحِل) هو مصدر حَلَّ الشيءُ ضد حَرُم، ولفظ الدارمي والدارقطني: (الحلال).
(ميتته) - بفتح الميم - هو ما مات فيه من حيوان البحر، ولا تَكْسِرها؛ لأنه
стр. 9209
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يكون حينئذ اسم هيئة، وليس هو مرادًا هنا و (الحل) معطوف على (الطهور ماؤه) وتجري فيه الأوجه الأربعة الجارية في الجملة السابقة من الإعراب، وهذا الحديث فيه مسائل:
الأولى: أن ماء البحر طاهر ومطهر.
الثانية: أن جميع حيوانات البحر حلال؛ وهو كل ما لا يعيش إلا في البحر، وبه قال مالك والشافعي وأحمد، قالوا: ميتات البحر حلال.
وما خلا السمك منها حرام عند أبي حنيفة، وقال: المراد بالميتة: السمك؛ كما في حديث: "أحل لنا ميتتان: السمك والجراد" ويأتي تحقيقه في موضعه، إن شاء الله تعالى.
الثالثة: أن المفتي إذا سئل عن شيء، وعلم أن للسائل حاجة إلى ذكر ما يتصل بمسألته .. استحب تعليمه إياه؛ لأن الزيادة في الجواب بقوله: "الحل ميتته" لتتميم الفائدة؛ وهي زيادة تنفع لأهل الصيد، وكأن السائل منهم، وهذا من محاسن الفتوى.
قال الحافظ ابن الملقن: إنه حديث عظيم، أصل من أصول الطهارة، مشتمل على أحكام كثيرة، وقواعد مهمة.
قال الماوردي في "الحاوي": قال الحميدي: قال الشافعي: نصف علم الطهارة.
قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل البخاري عن هذا الحديث، فقال: هو حديث صحيح.
قال البيهقي: وإنما لم يخرجه البخاري ومسلم بن الحجاج في الصحيح؛
стр. 9210
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: بَلَغَنِي عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْجَوَادِ أَنَّهُ قَالَ: هَذَا نِصْفُ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ الدُّنْيَا بَرٌّ وَبَحْرٌ؛ فَقَدْ أَفْتَاكَ فِي الْبَحْرِ وَبَقِيَ الْبَرُّ.
(٤٧) - ٣١٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ،
===
لأجل اختلاف وقع في اسم سعيد بن سلمة والمغيرة بن أبي بردة. انتهى، انتهى من "العون".
(قال أبو عبد الله) محمد بن يزيد بن ماجه، وهذا الكلام من كلام أبي الحسن القطان، تلميذ المؤلف: (بلغني عن أبي عبيدة الجواد) لم أر ترجمته الآن (أنه) أي: أن أبا عبيدة (قال: هذا) الحديث (نصف العلم) أي: مشتمل على نصف علم ما في الدنيا؛ (لأن الدنيا) إما (بر و) إما (بحر؛ فقد أفتاك) وأجابك النبي ﷺ بهذا الحديث أيها المسلم عما (في البحر، وبقي) الجواب عما في (البر).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، والترمذي في كتاب الطهارة، باب ما جاء في ماء البحر أنه طهور، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب المياه، باب الوضوء بماء البحر، ومالك في "الموطأ"، والدارمي في "مسنده"، وأحمد في "المسند".
وانفرد به ابن ماجه في هذا الباب، فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بالجزء الأول من حديث جابر، وأما الجزء الأخير منه .. فهو ضعيف للاستئناس؛ كما سنبينه، فقال:
(٤٧) - ٣١٩٢ - (٢) (حدثنا أحمد بن عبدة) بن موسى الضبي
стр. 9211
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ الطَّائِفِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَا أَلْقَى الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ .. فَكُلُوهُ،
===
أبو عبد الله البصري، ثقة رمي بالنصب، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا يحيى بن سليم الطائفي) نزيل مكة، صدوق سيئ الحفظ، من التاسعة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(حدثنا إسماعيل بن أمية) بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي المكي فقيهها، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس الأسدي مولاهم، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : ما ألقى البحر) أي: كل ما قذفه البحر ورماه إلى الساحل بعد أن مات في البحر (أو) كل ميت (جزر) - بجيم ثم زاي - أي: انكشف ورجع (عنه) البحر إلى مقره بعد أن رماه في الساحل؛ والجزر: رجوع الماء خلفه، وهو ضد المد والبسط، ومنه الجزيرة؛ لأن الماء انكشف عنها.
والمعنى: وكل ما انكشف عنه الماء من حيوان البحر .. (فكلوه) لأنه حلال.
стр. 9212
وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا .. فَلَا تَأْكُلُوهُ".
===
وفي هذا الجزء الأول، فالحديث صحيح؛ لصحة سنده فيكون شاهدًا لحديث أبي هريرة.
ثم ذكر الجزء الثاني بقوله: (وما مات) أي: وكل حيوان مات (فيه) أي: في موج البحر، سواء كان موته بسبب أو بغير سبب (وطفا) أي: علا وارتفع فوق الماء بعد أن مات فيه .. (فلا تأكلوه) لأنه حرام، استدل بهذا من قال وذهب إلى كراهة السمك الطافي.
فالحديث ضعيف في هذا الجزء الثاني وإن كان سنده صحيحًا، ويحمل على أنه من زيادة الراوي؛ لأنه يعارضه حديث جابر الذي سنذكره قريبًا، ولمخالفته لما عليه جمهور أهل العلم من الصحابة وغيرهم؛ وهو إباحة السمك الطافي.
قال الخطابي: قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه أباح الطافي من السمك؛ ثبت ذلك عن أبي بكر الصديق وأبي أيوب الأنصاري، وإليه ذهب ابن أبي رباح ومكحول وإبراهيم النخعي، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، وروي عن جابر وابن عباس أنهما كرها الطافي من السمك، وإليه ذهب جابر بن زيد وطاووس، وبه قال أصحاب الرأي. انتهى.
قلت: يدل على إباحة السمك الطافي حديث جابر بن عبد الله، قال: غزونا جيش الخبط وأميرنا أبو عبيدة، فجعنا جوعًا شديدًا، فألقى البحر حوتًا ميتًا لم نر مثله، يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر ... الحديث، وفي آخره: فلما قدمنا المدينة .. ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "كلوا رزقًا أخرجه الله تعالى لكم، أطعمونا إن كان معكم"، فأتاه بعضهم بشيء فأكله، أخرجه البخاري ومسلم.
стр. 9213
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث يدل على إباحة ميتة البحر، سواء في ذلك ما مات بنفسه أو بالاصطياد، وقد تبين من آخر هذا الحديث أن جهة كونها حلالًا ليست بسبب الاضطرار، بل كونها من صيد البحر؛ لأنه ﷺ أكل منها، ولم يكن مضطرًّا، وأما حديث الباب .. فموقوف على الأصح.
قال الحافظ: وإذا لم يصح إلا موقوفًا .. فقد عارضه قول أبي بكر وغيره، والقياس يقتضي حله، أي: حل السمك الطافي، لأنه سمك؛ لو مات في البر .. لأكل بغير تذكية، ولو نضب عنه الماء، أو قتلته سمكة أخرى فمات .. لأكل، فكذلك إذا مات وهو في البحر. انتهى.
قلت: قول أبي بكر الذي أشار إليه الحافظ رواه البخاري معلقًا بلفظة: قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: (الطافي حلال).
ووصل أبو بكر بن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير عن عكرمة عن ابن عباس قال: (أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال). انتهى من "العون".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأطعمة، باب في أكل الطافي من السمك، قال أبو داوود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضًا؛ أي: كما أسنده إسماعيل بن أمية؛ أي: أسند من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر، والأولى أن يقال - كما يعلم مما ذكرنا أولًا -: إن درجة هذا الحديث صحيح الصدر؛ لموافقته للأحاديث الصحيحة، ضعيف العجز؛ لمعارضته حديث جابر الذي ذكرناه أولًا، ولقول أبي بكر الصديق وغيره.
стр. 9214
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجته: أنه صحيح في جزئه الأول، ضعيف في جزئه الثاني، وغرضه: الاستشهاد بصدره لحديث أبي هريرة، والاستئناس بعجزه للترجمة، فهو صحيح الصدر، ضعيف العجز كما قالوا.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد بصدره، والاستئناس بعجزه.
والله أعلم
стр. 9215
(١٩) - (١١٦٦) - بَابُ الْغُرَابِ
(٤٨) - ٣١٩٣ - (١) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْأَزْهَرِ النَّيْسَابُورِيُّ، حَدَّثَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
(١٩) - (١١٦٦) - (باب الغراب)
(٤٨) - ٣١٩٣ - (١) (حدثنا أحمد بن الأزهر) ابن منيع أبو الأزهر العبدي (النيسابوري) صدوق كان يحفظ، ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وستين ومئتين (٢٦٣ هـ). يروي عنه: (س ق).
(حدثنا الهيثم بن جميل) - بفتح الجيم - البغدادي أبو سهل نزيل أنطاكية، ثقة من أصحاب الحديث، وكأنه ترك الحديث فتغير، من صغار التاسعة، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط، ثم بالكوفة يخطئ كثيرًا تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان فاضلًا عادلًا عابدًا شديدًا على أهل البدع، من الثامنة، مات سنة سبع أو ثمان وسبعين ومئة (١٧٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير الأسدي المدني، ثقة، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 9216
قَالَ: مَنْ يَأْكُلُ الْغُرَابَ؟ ! وَقَدْ سَمَّاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَاسِقًا"، وَاللهِ؛ مَا هُوَ مِنَ الطَّيِّبَاتِ.
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأنه من رجال الصحيح.
(قال) ابن عمر: (من يأكل الغراب) أي: هل يوجد من يأكل؟ ؟ استفهام إنكاري (و) الحال أنه (قد سماه رسول الله ﷺ فاسقًا) أي: خارجًا حكمه عن حكم سائر الحيوانات المحترمة؛ بجواز قتله، والأمر بقتله في الحل والحرم، وعدم وجوب الفداء على المحرم إذا قتله، والأمر بقتله يدلُّ على حرمة أكله.
ثم قال ابن عمر: (والله؛ ما هو) أي: ما الغراب (من الطيبات) أي: من الحيوانات التي استطابت العرب أكله، فأكله حرام؛ بدليل تسميته ﷺ إياه فاسقًا، قال السندي: قوله: (ما هو من الطيبات) إذ لو كان من الطيبات .. لما سماه فاسقًا، والله تعالى أمر الرسل بأكل الطيبات، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١)، وأممهم أتباع لهم، فليس لهم أن يأكلوا مما ليس منها. انتهى منه.
والمراد بالغراب هنا: الغراب الكبير الذي يأكل الجيفة؛ لأن الغراب أنواع؛ منها: الزاغ؛ وهو أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين، وهو حلال على الأصح؛ لأنه مستطاب يشبه الفواخت، يأكل الزرع، ولذلك يقال له: غراب الزرع، ومنها: الأبقع؛ وهو الذي على رأسه بقعة بياض، ومنها: العقعق؛ وهو ذو لونين أبيض وأسود، طويل الذنب قصير الجناح، ومنها: الغداف الكبير، ويسمى الغراب الجبلي؛ لأنه لا يسكن إلا في الجبال وهذه الثلاثة هي المرادة هنا؛ لأنها تأكل الجيف وتعدو على صغار الطيور.
стр. 9217
(٤٩) - ٣١٩٤ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا الْأَنْصَارِيُّ، حَدَّثَنَا الْمَسْعُودِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيق،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن عمر بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٤٩) - ٣١٩٤ - (٢) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا الأنصاري) محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس عشرة ومئتين (٢١٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا المسعودي) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود الكوفي المسعودي، صدوق اختلط قبل موته، وضابطه: أنه من سمع منه ببغداد .. فبعد الاختلاط، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل: سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (عم).
(حدثنا عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق) التيمي أبو محمد المدني، ثقة فاضل، قال ابن عيينة: كان أفضل أهل زمانه، من السادسة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 9218
عَنْ أَبيه، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الْحَيَّةُ فَاسِقَةٌ، وَالْعَقْرَبُ فَاسِقَةٌ، وَالْفَأْرَةُ فَاسِقَةٌ، وَالْغُرَابُ فَاسِقٌ"، فَقِيلَ لِلْقَاسِمِ: أَيُؤْكَلُ الْغُرَابُ؟ قَالَ: مَنْ يَأْكُلُهُ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ : "فَاسِقٌ"؟ !
===
(عن أبيه) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي المدني، ثقة، أحد الفقهاء بالمدينة، قال أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة، مات سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عمته (عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات، إلا أن المسعودي اختلط بأخرة، ولم نعلم أن الأنصاري روى عنه هذا الحديث قبل الاختلاط أو بعده، فيجب التوقف في حديثه.
قال ابن معين: أحاديث المسعودي عن الأعمش وعبد الملك مقلوبة، وأما عن عاصم وأبي حصين .. فليس بشيء، إنما أحاديثه الصحاح ما كان عن القاسم وعن ابن عوف. انتهى "تهذيب"، فحديثه هنا عن القاسم صحيح.
(أن رسول الله ﷺ قال: الحية) بأنواعها (فاسقة) أي: خارجة عن حكم سائر الحيوانات، فيجوز قتلها في الحل والحرم، ولا فداء لقتلها (والعقرب فاسقة) كذلك (والفأرة فاسقة) كذلك (والغراب) الكبير لا الصغير الذي يسمى غراب الزرع (فاسق) كذلك (فقيل للقاسم) بن محمد - لم أر من ذكر هذا القائل -: (أيؤكل) أي: هل يؤكل (الغراب؟ قال) القاسم: (من يأكله) أي: من الذي يجوِّز أكله (بعد قول رسول الله ﷺ وتسميته بأنه (فاسق؟ ! ) لأن الفاسق هو الخارج عن حكم سائر
стр. 9219
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الحيوانات المستطابة، فيجب قتله، ويحرم أكله؛ لأن الأمر بقتله يدل على حرمة أكله.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9220
(٢٠) - (١١٦٧) - بَابُ الْهِرَّةِ
(٥٠) - ٣١٩٥ - (١) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مَهْدِيٍّ، أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاق، أَنْبَأَنَا عُمَرُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَثَمَنِهَا.
===
(٢٠) - (١١٦٧) - (باب الهرة)
(٥٠) - ٣١٩٥ - (١) (حدثنا الحسين بن مهدي) بن مالك الأبلي - بضم الهمزة وفتح الموحدة وتشديد اللام - نسبة إلى أبلة؛ بلدة على أربعة فراسخ من البصرة؛ كما في "لب اللباب" أبو سعيد البصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(أنبأنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني الحميري، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى عشرة ومئتين (٢١١ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا عمر بن زيد) الصنعاني، ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (د ت ق)، قال ابن حبان: تفرد بالمناكير عن المشاهير حتى خرج عن حد الاحتجاج به، له عندهم حديث واحد في النهي عن أكل ثمن الهرة.
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمر بن زيد، وهو ضعيف.
(قال) جابر: (نهى رسول الله ﷺ عن أكل) لحم (الهرة) لأنها من السباع ذي الناب الذي نهى عن أكله (و) نهى عن أخذ (ثمنها) لأنها
стр. 9221
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
لا ثمن لها؛ كالكلب؛ لأنها من الاختصاصات لا من الأموال.
والهرة نوعان؛ أنسية؛ وهي الأهلية، ووحشية؛ وهي السنور - بالسين المكسورة وتشديد النون المفتوحة وسكون الواو بعدها راء - وهو الهرة الوحشية، وفي أخذ ثمنها خلاف عند الفقهاء، إذا أراد اتخاذها لأخذ الزباد منها؛ لأن الزباد نوع من العطور ثمين ذو قيمة عند الأطباء؛ لأنهم يعالجون به بعض الأمراض؛ كالصداع المزمن.
قال الخطابي: النهي عن ثمن السنور من أجل أحد معنيين؛ إما لأنه كالوحش الذي لا يملك قياده، ولا يكاد يصح التسليم فيه؛ وذلك لأنه ينتاب الناس في دورهم ويطوف عليهم فيها، فلم ينقطع عنهم، وليس كالدواب التي تربط على الأوتاد ولا كالطير الذي يحبس في الأقفاص، وقد يتوحش بعد الأنوسة ويتأبد حتى لا يقرب ولا يقدر عليه، وإن صار المشتري له إلى أن يحبسه في بيته، أو يشده في خيطٍ أو بسلسلةٍ .. لم ينتفع به.
وثاني المعنيين: أنه إنما نهى عن بيعه؛ لئلا يتمانع الناس فيه وليتعاوروا ما يكون منه في بيوتهم، فيرتفقوا به ما أقام عندهم، ولا يتنازعوه إذا نقل عنهم إلى غيرهم تنازع الملاك في النفيس من الأعلاق.
وقيل: إنما نهى عن بيع الوحش منه دون الإنسي. انتهى، انتهى من "العون".
قوله: (نهى عن ثمنها) فيه دليل على تحريم بيع الهرة، وبه قال أبو هريرة ومجاهد وجابر بن زيد، حكى ذلك عنهم ابن المنذر.
وذهب الجمهور إلى جواز بيعه، وأجابوا عن الحديث بأنه ضعيف، وسيظهر لك من كلام المنذري أن الحديث أخرجه مسلم في "صحيحه" فكيف يكون ضعيفًا؟ !
стр. 9222
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قلت: فهذا الحديث: ضعيف السند؛ لأن في سنده عمر بن زيد الصنعاني، قال ابن حبان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير حتى خرج عن حد الاحتجاج به، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شاهدًا في "صحيح مسلم" فقد أخرج مسلم في "صحيحه" حديث معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير المكي، قال: سألت جابرًا عن ثمن الكلب والسنور، قال: زجر رسول الله ﷺ عن ذلك.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في ثمن السنور، وفي كتاب الأطعمة، باب النهي عن أكل السباع، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في كراهية ثمن الكلب والسنور.
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، وعمر بن زيد الصنعاني لا نعرف كبير أحد روى عنه غير عبد الرزاق.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند؛ لما تقدم آنفًا، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شاهدًا في "صحيح مسلم"، فالحديث: صحيح المتن، ضعيف السند، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 9223
كتاب الأَطعِمة
стр. 9224
(٢٨) - كتَابُ الْأَطْعِمَةِ
(٢١) - (١١٦٨) - بَابُ إِطْعَامِ الطَّعَامِ
(٥١) - ٣١٩٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ،
===
(٢٨) - (كتاب الأطعمة)
والأطعمة: جمع طعام؛ كرحى وأرحية، قال في "القاموس": الطعام: البُرُّ وما يُؤكل، وجمع الجمع: أطعمات، وقال ابن فارس في "الجُمل": يطلق على كل ما يطعم حتى الماء؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ (١)، وقال النبي ﷺ في زمزم: "إنها طعام طعم، وشفاء سقم".
والطعم - بالفتح -: ما يؤديه الذوق، يقال: طعمه مر أو حلو، والطعام أيضًا - بالضم -: الطعام، وطعم - بالكسر - أي: أكل وذاق، يطعم - بالفتح - طعمًا، فهو طاعم، كغنم يغنم فهو غانم.
* * *
(٢١) - (١١٦٨) - (باب إطعام الطعام) للمحاويج
* * *
(٥١) - ٣١٩٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة الهاشمي مولاهم، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عوف) بن أبي جميلة العبدي الهجري أبي سهل البصري، واسم
стр. 9225
عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ .. انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ، وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلَاثًا، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ؛ فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ .. عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ،
===
أبي جميلة: سَنْدُوَيه، ويقال: بل سَنْدُوَيهِ اسمُ أمه، واسمُ أَبيه: رُزَيْنَةُ - بتقديم الراء على الزاي مصغرًا - ثقة رمي بالقدر وبالتشيع، من السادسة، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومئة (١٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن زرارة) بضم أوله (ابن أوفى) العامري الحرشي - بفتحتين ثم بمعجمة - أبي حاجب البصري قاضيها، ثقة عابد، من الثالثة، مات فجأة في الصلاة سنة ثلاث وتسعين (٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(قال: حدثني عبد الله بن سلام) الإسرائيلي رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) عبد الله بن سلام: (لما قدم النبي ﷺ المدينة) مهاجرًا إليها .. (انجفل) أي: ذهب (الناس) إليه مسرعين (قبله) أي: جهته، وفي "الصحاح": انجفل القوم؛ أي: انقلبوا كلهم إليه.
(و) قد (قيل) أي: وقد قال بعضهم لبعض: (قدم رسول الله ﷺ المدينة (قد قدم رسول الله ﷺ المدينة (قد قدم رسول الله ﷺ مكررين (ثلاثًا) من المرات.
قال عبد الله بن سلام: (فجئت) أنا إليه (في الناس) أي: مع الناس (لأنظر) إليه (فلما) نظرت إليه .. (تبينت) أي: تيقنت صفة (وجهه) الشريف وهيئته وتواضعه، و (عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب) لما لاح عليه
стр. 9226
فَكَانَ أَوَّلَ شَىْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ أَفْشُوا السَّلَامَ،
===
من أنوار النبوة (فكان أول شيء سمعته) منه، حالة كونه يـ (تكلم به) أي: بذلك الشيء و (أول شيء) بالرفع اسم كان، وخبرها المصدر المنسبك من قوله (أن قال) أي: فكان أول شيء سمعته من كلامه قوله ﷺ ، والأولى نصب (أول) على أنه خبر مقدم لكان؛ لما عرف عندهم.
(يا أيها الناس أفشوا السلام) فيما بينكم، فالهمزة فيه همزة قطع؛ أي: أكثروا وأشيعوا وأظهروا السلام فيما بينكم أيها المؤمنون خاصةً.
قال السندي: والمراد: نشر السلام بين الناس على من عرفت، وعلى من لا تعرف؛ ليحيوا سنته ﷺ .
قال النووي: أقله: أن يرفع صوته؛ بحيث يسمع المسلم عليه؛ فإن لم يسمعه .. لم يكن آتيًا بالسنة.
قال السيوطي: وهذا الحديث موافق لقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ. . .﴾ فإفشاء السلام إشارة إلى قوله: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ (١).
وإطعام الطعام إشارة إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا. . .﴾ الآية (٢).
وصلاة الليل إشارة إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ (٣).
وقوله: تدخلون الجنة إشارة إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (٤).
стр. 9227
وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ .. تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ".
===
(وأطعموا الطعام) للمحاويج (وصلوا الأرحام) أي: صلوا ذوي الأرحام منكم بالهدايا والعطايا والزيارة (وصلوا) صلاة النوافل (بالليل) أي: في جوف الليل (والناس) أي: والحال أن الناس (نيام) أي: نائمون أو غافلون عن الصلاة، إن فعلتم ذلك المذكور لكم .. (تدخلوا الجنة بسلام) في الآخرة، أي: مع سلام من أهوال يوم القيامة، أو يسلم عليكم الملائكة.
قال النووي: وفي الحديث حث على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف، والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وبإفشائه يحصل ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس، ولزوم التواضع وإعظام حرمات المسلمين.
وقد ذكر البخاري في "صحيحه" رحمه الله تعالى عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ثلاث من جمعهن .. فقد جمع الإيمان:
١ - الإنصاف من نفسك.
٢ - وبَذْلُكَ السلامَ للعالَم.
٣ - والإنفاق من الإقتار.
وروى غير البخاري هذا الكلام مرفوعًا إلى النبي ﷺ .
وهذه الثلاثة المذكورة من (السلام على العالم)، (والسلام على من عرفت ومن لم تعرف)، (وإفشاء السلام) كلها بمعنىً واحد.
وفيها لطيفة أخرى؛ وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامه لله؛ لا يتبع فيه هواه، ولا يخص
стр. 9228
(٥٢) - ٣١٩٧ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،
===
أصحابه وأحبابه وقومه، خلاف ما أنذر به ﷺ في آخر الزمان، من كون السلام للمعرفة والقومية، فيقطع سبب التواصل الذي هو الإسلام، والله أعلم. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم؛ أخرجه في كتاب الإيمان، والترمذي أخرجه في كتاب الاستئذان، باب ما جاء في إفشاء السلام، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وأحمد في "المسند"، وقد سبق للمؤلف ذكره في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في قيام الليل.
ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث عبد الله بن سلام بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٢) - ٣١٩٧ - (٢) (حدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الكريم أبي حاتم بن نافع (الأزدي) البصري نزيل بغداد، ثقة، من كبار الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا حجاج بن محمد) المصيصي الأعور أبو محمد، ترمذي الأصل، نزيل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره، ثم قدم بغداد قبل موته، من التاسعة، مات ببغداد سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) عبد الملك (ابن جريج) الأموي المكي، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
стр. 9229
قَالَ: سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أَفْشُوا السَّلَامَ،
===
(قال) ابن جريج: (سليمان بن موسى) الأموي مولاهم الدمشقي الأشدق، صدوق فقيه في حديثه بعض لين، وخولط قبل موته بقليل، من الخامسة، مات سنة تسع عشرة ومئة (١١٩ هـ). يروي عنه: (م عم)، وابن جريج. ويروي عن: نافع وواثلة بن الأسقع، وأبي أمامة، وطاووس، والزهري، وغيرهم.
وقال الدارقطني في "العلل": من الثقات، أثنى عليه عطاء والزهري، وقال ابن سعد: كان ثقة، أثنى عليه ابن جريج، وقد ثبت سماعه منه، وذكر العقيلي عن ابن المديني: كان من كبار أصحاب مكحول، وكان خولط قبل موته بيسير، وذكره ابن المديني في الطبقة الثالثة من أصحاب نافع.
وقوله: (سليمان بن موسى) مبتدأ، خبره جملة قوله: (حدثنا عن نافع) والجملة الاسمية في محل النصب مقول قال؛ أي: حدثنا عن نافع أبي عبد الله مولى ابن عمر، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة سبع عشرة ومئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(أن عبد الله بن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله كلهم ثقات.
أي: قال نافع: إن ابن عمر (كان يقول: إن رسول الله ﷺ قال: أفشوا السلام) أي: أكثروا السلام على من عرفتم وعلى من لا تعرفونه من المسلمين.
قال القرطبي: إفشاء السلام: إظهاره وإشاعته وإقراؤه على المعروف وعلى غير المعروف؛ لأن السلام مجلبة للمحبة، ومبعدة للبغض، ومثمرة للمحبة والمؤانسة.
стр. 9230
وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَكُونُوا إِخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ ".
===
(وأطعموا الطعام) - بفتح الهمزة - من الإطعام؛ لأنه من أطعم الرباعي؛ أي: أطعموا الطعام للمحاويج؛ والطعام: اسم للمطعوم المقتات؛ وهو عند الفقهاء: ما يعد طعامًا لا دواء، وعند الأطباء: ما ينمي الأبدان.
وفي الكلام حذف المفعول الثاني؛ وهو الأول في الحقيقة والرتبة؛ لأنه فاعل في المعنى، أي: المحتاج، أو السائل، أو نحوه، حذف، للعلم به، أو ينزل الفعل بالنسبة إليه منزلة القاصر عنه؛ ليفيد العموم في المحتاج وغيره؛ دفعًا للتحكم في تقدير مفعول دون آخر؛ والمراد: إيجاد حقيقة الإطعام.
وعن البيهقي: يحتمل إطعام المحاويج، أو الضيافة، أو هما جميعًا، وللضيافة في التحابب والتآلف أثر عظيم. انتهى من "السنوسي".
(وكونوا) أيها المؤمنون (إخوانًا) أي: موصوفين بأخوة الدين "بالتراحم، والتوادد، وترك التحاسد والتباغض (كما أمركم الله بذلك في كتابه العزيز؛ حيث قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا. . .﴾ الآيات إلى قوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١).
وفي قوله: "كما أمركم الله " أن المطلوب الأخوة في الطاعة لا في المعصية. انتهى "سندي".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المذكور بعده عند المؤلف.
فدرجته: أنه صحيح بما قبله من حديث ابن سلام، وبما بعده من حديث ابن عمرو بن العاص، وغرضه: الاستشهاد به لما قبله.
стр. 9231
(٥٣) -٣١٩٨ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبيبٍ، عَنْ أَبِي الْخَيْر، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ الْإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ:
===
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عبد الله بن سلام بحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٣) - ٣١٩٨ - (٣) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م ق).
(أخبرنا الليث بن سعد) الفهمي المصري، عالمها ثقة فقيه، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي الخير) مرثد بن عبد الله اليزني المصري، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة تسعين (٩٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن عمرو) بن العاص رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن رجلًا) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه (سأل رسول الله ﷺ فقال) الرجل في سؤاله: (يا رسول الله؛ أي الإسلام) أي: أي خصال الإسلام وأموره وأحواله (خير؟ ) أي: أنفع لصاحبه في الدنيا والآخرة؛ أي: أي خصلة من خصال الخير أكثر منفعةً لصاحبها في الدنيا والآخرة؟
فـ (قال) رسول الله ﷺ في جواب سؤاله: هي؛ أي: تلك
стр. 9232
"تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ".
===
الخصلة التي هي أنفع لصاحبها (تطعم الطعام) للمحاويج - بضم التاء - من أطعم الرباعي، فهو خبر لمبتدأ محذوف مع إضمار أن المصدرية؛ أي: هي أن تطعم الطعام للمحتاج؛ نظير قولهم: (تسمع بالمعيدي خير من أن تراه) فحذفت أن المصدرية التي تخلص الفعل للاستقبال؛ ليأتي الفعل بصورة المحتمل للحال؛ إظهارًا للرغبة في حصوله، والتعجيل به للمحتاج إليه، وبصورة المضارع؛ لتصور حالته العظيمة التي أثنى الله بها على مطعمه بقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (١)، وللرغبة في تجدد إعطائه واستمراره، وصرح بمفعوله الذي هو الطعام؛ احتراسًا من توهم التجوز بتطعم عن حديث حسنٍ أو علم نافع أو غير ذلك.
و"تطعم" من الخطاب العام، وليس المقصود السائل فقط؛ أي: أن تطعم يا من يصح منه الإطعام، ولأن ما روي حكمًا على الواحد .. فهو حكم على الجماعة، و"الطعام" اسم للمقتات؛ كما مر البسط فيه في الحديث السابق نقلًا عن السنوسي.
(وتقرأ السلام) معطوف على (تطعم) والتقدير؛ أي: وتلك الخصال النافعة في الإسلام: إطعام الطعام للمحاويج وغيرهم، وقراءتك السلام؛ أي: التحية الإسلامية (على مَنْ عرفْتَـ) ـهُ (و) على (من لم تعرفـ) ـه إذا كانوا مسلمين؛ أي: وأن تسلم على كل من لقيته، عرفته أم لم تعرفه، ولا تخص به من تعرفه؛ كما يفعله كثير من المعاصرين المتعصبين، ثم إن هذا العموم مخصوص بالمسلمين فلا يسلم ابتداءً على كافر؛ لأنه ليس من أهل التكرمة.
قال القاضي عياض: بذل السلام لكل أحد دليل على أنه مبتغىً به وجه الله
стр. 9233
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
تعالى، ولما كان التآلف والتوادد به نظام شمل الإسلام، وهو أحد أركان الشريعة .. حض ﷺ على السبب الجالب لذلك؛ من الإطعام وإفشاء السلام والتهادي؛ كما نهى عن ضد ذلك؛ من التقاطع والتدابر والتجسس والنميمة وذي الوجهين. انتهى منه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الاستئذان، باب السلام للمعرفة، وفي كتاب الإيمان، باب إفشاء السلام من الإيمان، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل، وأبو داوود في كتاب الأدب، باب أي الإسلام خير، والنسائي في كتاب الإيمان، باب أي الإسلام خير.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9234
(٢٢) - (١١٦٩) - بَابُ طَعَامِ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ
(٥٤) - ٣١٩٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زِيَادٍ الْأَسَدِيُّ، أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْن، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الْأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ".
===
(٢٢) - (١١٦٩) - (باب طعام الواحد يكفي الاثنين)
(٥٤) - ٣١٩٩ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله) بن سابور - بالمهملة - (الرقي) ثم الواسطي النجار، ويقال له: ابن خالويه، صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا يحيى بن زياد) بن أبي داوود (الأسدي) مولاهم أبو محمد الرقي، لقبه فُهَيْر - مصغرًا - صدوق عابد، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(أنبأنا) عبد الملك بن عبد العزيز (بن جريج) الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(أنبأنا أبو الزبير) الأسدي مولاهم المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : طعام الواحد) أي: طعام يشبع الواحد (يكفي) قوت (الاثنين، وطعام) يشبع (الاثنين يكفي) قوت (الأربعة وطعام) يشبع (الأربعة يكفي) قوت (الثمانية).
стр. 9235
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفي حديث جابر هذا: (أن طعام الاثنين يكفي الأربعة) وفي حديث أبي هريرة المذكور في "مسلم": (أن طعام الاثنين يكفي الثلاثة) فمرجع الأول؛ أعني: حديث جابر (النصف)، ومرجع الثاني؛ أعني: حديث أبي هريرة (الثلث).
وبينهما معارضة، ويجمع بينهما بأن معنى الحديثين: مطلق الطعام القليل يكفي الكثير، لكن أقصاه الضعف، وكونه يكفي مثله لا ينافي أن يكفي دونه، وقد وقع في حديث عمر بن الخطاب الآتي لابن ماجه في هذا الباب بعد حديث جابر بلفظ: (إن طعام الواحد يكفي الاثنين، وإن طعام الاثنين يكفي الثلاثة والأربعة، وإن طعام الأربعة يكفي الخمسة والستة).
قال المهلب: المراد بهذه الأحاديث: الحض على مكارم الأخلاق، والتقنع بالكفاية، وليس المراد: الحصر في مقدار الكفاية، وإنما المراد: المواساة، وأنه ينبغي للاثنين إدخال ثالث لطعامهما، وإدخال رابع أيضًا بحسب من يحضر.
وفي الحديث الإشارة إلى أن المواساة إذا حصلت .. حصلت البركة معها، فتعم الحاضرين.
وفيه أنه لا ينبغي للمرء أن يستحقر ما عنده، فيمتنع من تقديمه؛ فإن القليل قد يحصل به الاكتفاء، وقد وقع في حديث لابن عمر عند الطبراني ما قد يرشد إلى العلة في حكم حديث الباب، وأوله: (كلوا جميعًا ولا تفرقوا؛ فإن طعام الواحد يكفي الاثنين).
قال السندي: وفي الحديث حث على الاكتفاء بقليل الطعام، وعلى إيثار الإخوان بالطعام، وعلى أنه من قنع بقليل .. كفاه الله تعالى. انتهى منه.
فيوخذ منه أن الكفاية تنشأ عن بركة الاجتماع. انتهى من كلام الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٣٥).
стр. 9236
(٥٥) - ٣٢٠٠ - (٢) حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَلَّالُ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ،
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الأطعمة، باب فضيلة المواساة في الطعام القليل، وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة ونحو ذلك من حديث جابر.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٥٥) - ٣٢٠٠ - (٢) (حدثنا الحسن بن علي) بن محمد الهذلي أبو علي (الخلال) الحلواني - بضم المهملة - نزيل مكة، ثقة حافظ له تصانيف، من الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (خ م د ت ق).
(حدثنا الحسن بن موسى) الأشيب - بمعجمة ثم تحتانية - أبو علي البغدادي قاضي الموصل وغيرها، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع أو عشر ومئتين (٢١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا سعيد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي أبو الحسن البصري، أخو حماد بن زيد، صدوق له أوهام، وقال البخاري: صدوق حافظ، وقال الدوري عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: بصري ثقة، وقال ابن سعد - وقد روى عنه -: وكان ثقةً، ومنهم من يضعفه، فهو مختلف فيه، راجع "التهذيب"، من السابعة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
стр. 9237
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَهْرَمَانُ آلِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ طَعَامَ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْن، وَإِنَّ طَعَامَ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الثَّلَاثَةَ وَالْأَرْبَعَةَ، وَإنَّ طَعَامَ الْأَرْبَعَةِ يَكْفِي الْخَمْسَةَ وَالسِّتَّةَ".
===
(حدثنا عمرو بن دينار قهرمان آل الزبير) ابن شعيب القرشي مولاهم الأعور أبو يحيى البصري. روى عن: سالم بن عبد الله بن عمر، ويروي عنه: سعيد بن زيد الأزدي، قال زياد ابن أيوب عن ابن علية: كان لا يحفظ الحديث، وقال الميموني عن أحمد: ضعيف منكر الحديث، وقال إسحاق بن منصور عن ابن معين: لا شيء، وقال يعقوب بن شيبة عن ابن معين: ذاهب الحديث، وقال عمرو بن علي: ضعيف الحديث، روى عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ أحاديث منكرة، وقال أبو حاتم: مثله. انتهى من "التهذيب"، وقال في "التقريب": ضعيف، من السادسة. يروي عنه: (ت ق).
(قال) عمرو بن دينار: (سمعت سالم بن عبد الله بن عمر) ثقة فقيه، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
(عن جده عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمرو بن دينار الأعور، وهو ضعيف منكر الحديث؛ كما ذكروه فيما ذكرناه آنفًا.
(قال) عمر بن الخطاب: (قال رسول الله ﷺ : إن طعام الواحد يكفي) قوت (الاثنين، وإن طعام الاثنين يكفي) قوت (الثلاثة) أ (والأربعة، وإن طعام الأربعة يكفي) قوت (الخمسة) أ (والستة).
стр. 9238
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد من حديث سمرة بن جندب رواه البزار في "مسنده"، ورواه عبد بن حميد في "مسنده"، والطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عمر، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في أن طعام الواحد يكفي الاثنين، وأصله في "الصحيحين" وغيرهما.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند؛ لما تقدم، صحيح المتن بغيره من حديث جابر المذكور قبله، ومن حديث أبي هريرة المذكور في "مسلم"، وقد ذكرنا في الحديث الأول كيفية الجمع بينه وبينهما، فهذا الحديث: صحيح المتن بغيره، ضعيف السند، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والآخر للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9239
(٢٣) - (١١٧٠) - بَابٌ: الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعىً وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ
(٥٦) - ٣٢٠١ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ،
===
(٢٣) - (١١٧٠) - (باب: المؤمن يأكل في معىً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء)
والأمعاء جمع معي - بكسر الميم والتنوين - وتثنيته معيان؛ وهي المصارين، قال أبو حاتم: إنه مذكر، ولم أسمع أحدًا أنث المعي، وحكى ابن سيده لغةً بسكون العين وتحريك الياء.
* * *
(٥٦) - ٣٢٠١ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة ثبت له تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عفان) - بتشديد الفاء - ابن مسلم بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت، من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري ربيب شعبة، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال كل من عفان ومحمد بن جعفر: (حدثنا شعبة) بن
стр. 9240
عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ يَأكُلُ فِي مِعىً وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ".
===
الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عدي بن ثابت) الأنصاري الكوفي، ثقة رمي بالتشيع، من الرابعة، مات سنة ست عشرة ومئة (١١٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي حازم) سلمان الأشجعي مولاهم؛ مولى عزة الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات على رأس المئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : المؤمن يأكل في معىً) بكسر الميم وبالقصر (واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) وهذا ضرب مثلًا لهما؛ لأن المؤمن لا يأكل إلا الحلال، ويتوقى الحرام والشبهة، والكافر لا يبالي ما أكل، ومن أين أكل، وكيف أكل. انتهى "سندي".
وحكى القاضي عياض عن أهل الطب والتشريح أنهم زعموا أن أمعاء الإنسان سبعة:
المعدة.
ثم ثلاثة أمعاء بعدها متصلة:
الأبواب، والصائم، والرقيق، وهي كلها رقاق.
стр. 9241
(٥٧) - ٣٢٠٢ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ،
===
ثم ثلاثة غلاظ:
الأعور، والقولون، والمستقيم.
فالمؤمن يكفيه ملء أحدها، والكافر لا يكفيه إلا ملء كلها جميعًا، كذا في "عمدة القاري" (٩/ ٦٦٧).
وقيل: المراد بالسبعة أمعاء: صفات سبع:
الحرص، والشره، وبعد الأمل، والطمع، وسوء الطبع، والحسد، وحب السمن.
وقيل: شهوات الطعام سبع:
شهوة الطبع، وشهوة النفس، وشهوة العين، وشهوة الفم، وشهوة الأذن، وشهوة الأنف، وشهوة الجوع؛ وهي الضرورية التي بها يأكل المؤمن.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الأطعمة، باب المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر في سبعة أمعاء، ومسلم في كتاب الأطعمة باللفظ المذكور عن جابر وابن عمر، أما روايته عن أبي هريرة .. فهي: (المؤمن يشرب في معىً واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء).
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٥٧) - ٣٢٠٢ - (٢) (حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي
стр. 9242
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ، وَالْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعىً وَاحِدٍ".
===
الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبيد الله) بن عمر بن حفص بن عاصم العمري المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن نافع، عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(عن النبي ﷺ قال: الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معىً واحد) ومعنى هذا الحديث: مثل ما فسرنا به في الحديث السابق، وإن اختلف ترتيب سياقهما.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الأطعمة بلفظ: (المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر في سبعة أمعاء).
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 9243
(٥٨) - ٣٢٠٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ الله، عَنْ جَدِّهِ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعىً وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ".
===
(٥٨) - ٣٢٠٣ - (٣) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة إحدى ومئتين (٢٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن بريد بن عبد الله) بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري أبي بردة الصغير الكوفي، ثقة يخطئ قليلًا، من السادسة. يروي عنه: (ع).
(عن جده أبي بردة) الكبير عامر بن أبي موسى الأشعري، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة (١٠٤ هـ)، وقيل غير ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو موسى: (قال رسول الله ﷺ : المؤمن يأكل في معىً واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء) وقد تقدم أيضًا بسط معنى هذا الحديث في حديث أبي هريرة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الأطعمة بهذا اللفظ.
стр. 9244
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به أيضًا.
فائدة
ومعنى قوله ﷺ في هذه الأحاديث وغيرها: "المؤمن يأكل في معىً واحد ... " إلى آخره: أن المؤمن الذي يعلم أن مقصود الشرع من الأكل: ما يسد الجوع، ويمسك الرمق، ويقوى به على عبادة الله تعالى، ويخاف من الحساب على الزائد على ذلك .. يقل أكله ضرورةً، ولذلك قال ﷺ : "ما ملأ ابن آدم وعاءً شرًّا من بَطنه، حسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه؛ فإن كان ولا بد .. فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" رواه أحمد والترمذي وابن حبان في "الإحسان".
وعلى هذا؛ فقد يكون أكل المؤمن المذكور إذا نسب إلى أكل الكافر سبعًا، فيصير كأن له سبعة أمعاء يأكل فيها، والمؤمن له معىً واحد، وهذا أحد تأويلات الحديث، وهو أحسنها عندي. انتهى من "المفهم".
تتمة
واختلف العلماء في تأويل معنى هذا الحديث على ستة أقوال:
الأول منها: أنه ليس المراد من الحديث: حقيقة الأمعاء، ولا خصوص الأكل، وإنما المراد: التقلل من الدنيا والاستكثار منها، وكأنه عبر عن تناول الدنيا بالأكل، وعن أسباب ذلك بالأمعاء.
والثاني: المعنى: أن المؤمن يأكل الحلال، والكافر يأكل الحرام، والحلال أقل من الحرام في الوجود، نقله ابن التين.
стр. 9245
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
والثالث: المراد منه: كثرة أكل الكافر، وقلة أكل المؤمن، وإنما قاله رسول الله ﷺ في رجل بعينه، ولم يرد بيان أصل كلي؛ فـ (اللام) في الكافر والمؤمن للعهد الذهني.
والرابع: أن الحديث خرج مخرج الغالب، وليست حقيقة العد مرادةً منه، وتخصيص السبعة؛ للمبالغة في التكثير؛ والمعنى: أن من شأن المؤمن التقلل عن الأكل؛ لاشتغاله بأسباب العبادة، ولخشيته أيضًا من حساب ما زاد على ذلك والكافر، بخلاف ذلك؛ فإنه لا يقف مع مقصود الشرع، بل هو تابع لنفسه مسترسل فيها، غير خائف من تبعات الحرام، فصار أكل المؤمن إذا نسب إلى أكل الكافر .. كأنه بقدر السبع منه، ولا يلزم من هذا اطراده في حق كل مؤمن وكافر؛ فقد يكون في المؤمنين من يأكل كثيرًا؛ إما بحسب العادة، أو لعارض يعرض له؛ من مرض باطن، أو لغير ذلك.
ويكون في الكافر من يأكل قليلًا؛ إما لمراعاة عادة الصحة على رأي الأطباء، وإما للرياضة على رأي الرهبان، وإما لعارض؛ كضعف المعدة.
قال الطيبي: ومحصل القول في هذه الأحاديث: أن من شأن المؤمن الحرص على الزهادة، والاقتناع بالبلغة، بخلاف الكافر؛ فإذا وجد مؤمن أو كافر على غير هذا الوصف .. لا يقدح في الحديث.
والخامس: أن المراد: إثبات البركة في طعام المؤمن، ونفيها من طعام الكافر؛ وذلك لأن المؤمن يسمي الله عند أكله؛ فلا يشركه الشيطان، والكافر لا يسمي؛ فيشركه الشيطان، فلا يكفيه القليل، أو لأن المؤمن يقل حرصه على الطعام، فيبارك له فيه وفي مأكله، فيشبع من القليل، والكافر طامح البصر إلى المأكل؛ كالأنعام، فلا يشبعه القليل.