(٧٢) - (١٢١٩) - بَابُ النَّهْيِ عَنْ إِلْقَاءِ الطَّعَامِ
(١٥٢) - ٣٢٩٧ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا وَسَّاجُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ وَسَّاجٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ألْمُوَقَّرِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْبَيْتَ
===
(٧٢) - (١٢١٩) - (باب النهي عن إلقاء الطعام)
(١٥٢) - ٣٢٩٧ - (١) (حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف) بن سَرْجٍ - بالجيم - (الفريابي) نزيل بيت المقدس، صدوق تكلم فيه الساجي، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا وساج بن عقبة بن وساج) - بتشديد المهملة ثم جيم - الأزدي، مستور، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا الوليد بن محمد الموقري) - بضم الميم وبقاف مفتوحة مشددة - أبو بشر البلقاوي مولى بني أمية، متروك، من الثامنة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة (١٨٢ هـ). يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا) محمد بن مسلم ابن شهاب (الزهري) ثقة إمام، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع). (عن عروة) بن الزبير.
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه الوليد بن محمد، وهو متروك.
(قالت) عائشة: (دخل) علينا (النبي ﷺ البيت) أي:
стр. 9487
فَرَأَى كِسْرَةً مُلْقَاةً، فَأَخَذَهَا فَمَسَحَهَا ثُمَّ أَكَلَهَا وَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ؛ أَكْرِمِي كَرِيمًا؛ فَإِنَّهَا مَا نَفَرَتْ عَنْ قَوْمٍ قَطُّ فَعَادَتْ إِلَيْهِمْ".
===
حجرتي (فرأى كسرة) أي: قطعة من الخبز (ملقاةً) أي: مرميةً على الأرض (فأخذها) أي: فأخذ النبي ﷺ تلك الكسرة من الأرض (فمسحها) أي: فمسح تلك الكسرة من الغبار والوسخ؛ أي: فمسح الغبار عنها (ثم أكلها) أي: ثم أكل تلك الكسرة (وقال) لي: (يا عائشة؛ أكرمي) طعامًا (كريمًا) لأنه من نعمة الله تعالى بحفظها في صحفتها أو سفرتها (فإنها) أي: فإن الأطعمة والأقوات (ما نفَرَت) - بفتح الفاء - من باب ضرب؛ أي: ما شرَدَتْ وهَرَبَتْ (عن قوم) لكفرهم بها وعدم شكرهم عليها (قط) أي: في زمن من الأزمنة الماضية، ولفظ (قط) ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي (فعادت) ورجعت (إليهم) عقوبة لهم على كفرانهم بها.
قال السندي: قوله: (ثم أكلها) قد ورد أنه ما أكل تمرةً وجدها كذلك؛ خوفًا من أن تكون صدقةً، فكأن الاحتمال في الكسرة كان بعيدًا، فلذلك أكلها.
(ما نفرت) أي: الكسرة.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وفي "الزوائد": في إسناده الوليد بن محمد، وهو ضعيف، قلت: أشار الدميري إلى أنه متهم بالوضع، والله أعلم. انتهى منه.
فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف (١٦)(٣٣٩)؛ لضعف سنده ولا شاهد له، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 9488
(٧٣) - (١٢٢٠) - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْجُوعِ
(١٥٣) - ٣٢٩٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا هُرَيْمٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ؛
===
(٧٣) - (١٢٢٠) - (باب التعوذ من الجوع)
(١٥٣) - ٣٢٩٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسحاق بن منصور) السلولي - بفتح المهملة وضم اللام الأولى - نسبة إلى بني سلول بنت ذهل بن شيبان مولاهم أبو عبد الرحمن، صدوق تكلم فيه؛ للتشيع، من التاسعة، مات سنة أربع ومئتين، وقيل: بعدها (٢٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا هريم) - مصغرًا - ابن سفيان البجلي أبو محمد الكوفي، صدوق، من كبار التاسعة. يروي عنه: (ع)، وقال في "التهذيب": وثقه ابن معين وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال عثمان بن أبي شيبة: هو صدوق ثقة.
(عن ليث) بن أبي سليم بن زنيم - بالزاي والنون مصغرًا - واسم أبيه أيمن، وقيل: أنس، وقيل: زياد، وقيل: عيسى، صدوق اختلط جدًّا فترك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن كعب) المدني أبو عامر، مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (ت ق).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه كعبًا المدني، وهو مجهول، تفرد بالرواية عنه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف.
(قال) أبو هريرة: (كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم؛
стр. 9489
إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ".
===
إني أعوذ بك من الجوع) أي: من الألم الذي ينال الحيوان من خلو المعدة عن الغذاء، يؤدي تارةً إلى المرض، وتارةً إلى الموت.
(فإنه) أي: فإن الجوع (بئس الضجيع) أي: المضاجع، فهو فعيل بمعنى المفاعل؛ وهو ما يلازم صاحبه في المضجع، كذا في "المرقاة"، وقال السندي: والضجيع - بفتح فكسر -: من ينام في فراشك؛ أي: بئس الصاحب الجوع الذي يمنعك من وظائف العبادات؛ كالسجود والركوع.
وقال الطيبي رحمه الله تعالى: الجوع يضعف القوى، ويشوش الدماغ، فيثير أفكارًا رديئةً، وخيالاتٍ فاسدةً، فيخل بوظائف العبادات والمراقبات، ولذلك خص بالضجيع الذي يلازمه ليلًا، ومن ثم حرم الوصال، وقد يستدل بهذا الحديث لما قيل من أن الجوع المجرد لا ثواب فيه.
(وأعوذ بك من الخيانة) وهي ضد الأمانة، قال الطيبي: هي مخالفة الحق بنقض العهد في السر، والأظهر أنها شاملة لجميع التكاليف الشرعية؛ كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ. . .﴾ الآية (١)، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ (٢) شامل لجميعها.
(فإنها بئست البطانة) أي: الخصلة الباطنة هي ضد الظاهرة، وأصلها: في الثوب، فاستعير لما يستبطنه الإنسان من أمره، ويجعله بطانة حاله، قال في "المغرب": بطانة الشيء: أهله وخاصته؛ مستعارة من بطانة الثوب، قاله في "المرقاة".
стр. 9490
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة، فالحديث ضعيف متنًا وسندًا (١٧)(٣٤٠)، فلا شاهد له ولا متابع.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 9491
(٧٤) - (١٢٢١) - بَابُ تَرْكِ الْعَشَاءِ
(١٥٤) - ٣٢٩٩ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ بَابَاهْ الْمَخْزُومِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَيْمُونٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَدَعُوا
===
(٧٤) - (١٢٢١) - (باب ترك العشاء)
(١٥٤) - ٣٢٩٩ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله) بن سابور - بالمهملة - (الرقي) ثم الواسطي النجار، ويقال له: ابن خالويه، صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن عبد الله بن باباه) بفتح الموحدتين من غير همزة (المخزومي) المكي، ضعيف، من الثامنة. يروي عنه: (ق)، ضعفه ابن عدي، وقال: إنه يسرق الحديث.
(حدثنا عبد الله بن ميمون) شيخ إبراهيم بن عبد السلام، مجهول، من الخامسة، قال في "التقريب": هو عندي الذي لقبه القداح، راجع "التهذيبين". يروي عنه: (ق).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة. يروي عنه: (ع). مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها.
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إبراهيم بن عبد السلام، وهو متفق على ضعفه.
(قال) جابر: (قال رسول الله ﷺ : لا تدعوا) أي: لا
стр. 9492
الْعَشَاءَ وَلَوْ بِكَفٍّ مِنْ تَمْرٍ؛ فَإِنَّ تَرْكَهُ يُهْرِمُ".
===
تتركوا أكل (العشاء) وهو ما يؤكل وقت العشاء أو وقت العتمة (ولو) كان تعشيكم (بكف من تمر؛ فإن تركه) أي: ترك العشاء (يهرم) - بضم التحتانية - أي: يسرع إليكم الهرم؛ والهرم - بفتحتين -: كبر السن، يقال: هرم؛ من باب علم، فهو لازم، والمتعدي أهرمه الله وهرمه - بفتح الراء - والمعنى: أن ترك العشاء يضعفه، ويلحقه بمن كبر سنه.
وفي "التحفة": لأن النوم مع خلو المعدة يورث تحليلًا للرطوبات الأصلية لقوة الهاضمة. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، وله شاهد من حديث أنس رواه الترمذي في "الجامع" في الأطعمة، باب ما جاء في فضل العشاء، وقال: هذا حديث منكر، وعنبسة راويه يضعف في الحديث، وعبد الملك بن علاف مجهول.
وأورد ابن الجوزي هذا الحديث في "الموضوعات" في كتاب الأطعمة، باب الأمر بالعشاء، وقال ابن حبان: لا أصل لهذا الحديث.
فدرجته: أنه ضعيف السند، موضوع المتن (١٨)(٣٤١)، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 9493
(٧٥) - (١٢٢٢) - بَابُ الضِّيَافَةِ
(١٥٥) - ٣٣٠٠ - (١) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّس، حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُغْشَى مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ".
===
(٧٥) - (١٢٢٢) - (باب الضيافة)
(١٥٥) - ٣٣٠٠ - (١) (حدثنا جُبارة بن المُغلِّس) الحماني - بكسر المهملة وتشديد الميم - ضعيف، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا كثير بن سليم) الضبي، ضعيف، من الخامسة. يروي عنه: (ق).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من ثلاثياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه جبارة وشيخه، وهما ضعيفان؛ كما مر مرارًا.
(قال) أنس: (قال رسول الله ﷺ : الخير) والأجر (أسرع) وأعجل (إلى) أهل (البيت الذي يغشى) - بضم الياء وفتح الشين المعجمة - على صيغة المبني للمجهول؛ أي: يغشى ويسرع أهله لضيافة الأضياف (من الشفرة) أي: بالشفرة؛ أي: يسرع أهله بالسكين (إلى) قطع (سنام البعير) لقرى الأضياف، قال السندي: قوله: (يغشى) أي: يغشاه الأضياف ويزدحمون فيه فيسرع أهله بالشفرة والسكين إلى قطع سنام البعير للأضياف بعد نحره؛ مسارعة إلى تقديم القرى لهم.
والشفرة - بفتح المعجمة وسكون الفاء -: السكين الكبير، ولكن المراد هنا: مطلقها، صغيرة كانت أو كبيرة؛ لأنها لقطع اللحم؛ لأن العرب كانوا
стр. 9494
(١٥٦) - ٣٣٠١ - (٢) حَدَّثَنَا جُبَارَةُ بْنُ الْمُغَلِّسِ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ نَهْشَلٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ،
===
يبدؤون به إذا نحروا الإبل للضيف، فالخير الذي هو جزاء لهذا العمل يحصل قبل تمام هذا العمل؛ فإنه يجيء قيل أن يضع السكين في السنام؛ والسنام: الأكمة التي في وسط ظهر الإبل، وفي "الزوائد": في إسناده جبارة وكثير، وهما ضعيفان. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف (١٩)(٣٤٢)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف للترجمة ثانيًا بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٦) - ٣٣٠١ - (٢) (حدثنا جبارة بن المغلس) الحماني أبو محمد الكوفي، ضعيف، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا المحاربي) عبد الرحمن بن محمد بن زياد المحاربي أبو محمد الكوفي، لا بأس به، وكان يدلس، قاله أحمد، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (١٩٥ هـ). يروي عنه: (ع).
قال المزي في "الأطراف" رقم (٥٦٩١): هكذا وقع في جميع الأصول، وهو وهم، والصواب ما هو مذكور في الحديث الذي قبله عن كثير عن أنس، والله أعلم.
(حدثنا عبد الرحمن بن نهشل، عن الضحاك بن مزاحم) وعنه المحاربي، كذا وقع عنده في جميع النسخ، وهو خطأ، والصواب: (حدثنا عبد الرحمن
стр. 9495
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: قَال رَسُول اللهِ ﷺ : "الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ".
(١٥٧) - ٣٣٠٢ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ،
===
المحاربي عن نهشل بن سعيد) بن وردان الورداني البصري الأصل، سكن خراسان، متروك، وكذبه إسحاق بن راهويه، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن الضحاك بن مزاحم) الهلالي أبي القاسم الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، مات بعد المئة. يروي عنه: (عم).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه جبارة بن المغلس، وهو متفق على ضعفه.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : الخير) والأجر (أسرع) وأعجل (إلى) أهل (البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة) أي: بالشفرة والسكين (إلى سنام البعير) أي: من سنام البعير بعد نحره، لا حيًّا.
فهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف متنًا وسندًا (٢٠)(٣٤٣)؛ كالذي قبله؛ لاتحاد راوييهما ومتنيهما، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ثم استأنس المؤلف ثالثًا للترجمة بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٥٧) - ٣٣٠٢ - (٣) (حدثنا علي بن ميمون الرقي) العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
стр. 9496
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِك، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ".
===
(حدثنا عثمان بن عبد الرحمن) بن مسلم الحراني، المعروف بالطرائفي، صدوق أكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، فضعف بسبب ذلك حتى نسبه ابن نمير إلى الكذب، وقد وثقه ابن معين، من التاسعة، مات سنة اثنتين ومئتين (٢٠٢ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(عن علي بن عروة) القرشي الدمشقي، متروك، من الثامنة. يروي عنه: (ق).
(عن عبد الملك) بن أبي سليمان ميسرة العرزمي - بفتح المهملة وسكون الراء وبالزاي المفتوحة - صدوق له أوهام، من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عطاء) بن أبي رباح أسلم القرشي مولاهم المكي، ثقة فقيه فاضل، لكنه كثير الإرسال، من الثالثة، مات سنة أربع عشرة ومئة (١١٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه علي بن عروة، وهو أحد الضعفاء المتروكين، وقال ابن حبان: يضع الأحاديث على قلته.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : إن من السنة) أي: إن من الطريقة المسلوكة بين أهل المروءة، أو من سنة الله وشرعه ندبًا (أن يخرج الرجل) الذي زاره إنسان من بيته ومجلسه (مع ضيفه) الذي زاره (إلى باب الدار) أي: إلى باب داره؛ توديعًا له وإكرامًا له.
стр. 9497
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الدميري: روى ابن أبي الدنيا أن أبا عبيد القاسم بن سلام زار أحمد بن حنبل، قال أبو عبيد القاسم: فلما قمت أنا من عند أحمد .. قام أحمد معي توديعًا، قال أبو عبيد: فقلت له - أي: لأحمد -: لا تفعل يا أحمد القيام معي للتوديع، فقال الشعبي وهو معنا: (من تمام إكرام الزائر أن تمشي معه إلى باب الدار) أي: إلى باب دارك توديعًا له، فجعل علي بن عروة هذا الكلام الذي قاله الشعبي حديثًا موضوعًا، وضعه من عند نفسه عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ .
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه ضعيف؛ لضعف سنده، بل هو موضوع (٢١)(٣٤٤)، وضعه علي بن عروة، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
وكلها ضعاف موضوعات، غرضها: الاستئناس بها للترجمة.
والله أعلم
стр. 9498
(٧٦) - (١٢٢٣) - بَابٌ: إِذَا رَأَى الضَّيْفُ مُنْكَرًا .. رَجَعَ
(١٥٨) - ٣٣٠٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتَوَائِيِّ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: صَنَعْتُ طَعَامًا فَدَعَوْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَجَاءَ
===
(٧٦) - (١٢٢٣) - (باب: إذا رأى الضيف منكرًا .. رجع)
(١٥٨) - ٣٣٠٣ - (١) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الكوفي الرؤاسي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن هشام) بن أبي عبد الله سنبر - بوزن جعفر - (الدستوائي) أبي بكر البصري، ثقة، من كبار السابعة، مات سنة أربع وخمسين ومئة (١٥٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه (ع).
(عن سعيد بن المسيب) بن حزن، ثقة ثبت، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(عن علي) بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) علي: (صنعت) وطبخت (طعامًا) أي: مأكولًا (فدعوت رسول الله ﷺ لأكله (فجاء) رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 9499
فَرَأَى فِي الْبَيْتِ تَصَاوِيرَ فَرَجَعَ.
(١٥٩) - ٣٣٠٤ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْجَزَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ بْنُ مُسْلِمٍ،
===
إلى بيت (فرأى) أي: أبصر رسول الله (في) جوانب (البيت تصاوير) أي: تماثيل حيوان على الستارة (فرجع) وراءه ولم يجلس ولم يأكل الطعام، ولفظ النسائي: (صنعت طعامًا، فدعوت النبي ﷺ ، فجاء فدخل فرأى سترًا فيه تصاوير فخرج وقال: إن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه تصاوير).
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: النسائي في كتاب الزينة، باب التصاوير.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث علي بحديث سفينة مولى رسول الله ﷺ رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٩) - ٣٣٠٤ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله) بن مسلم (الجزري) - بجيم وزاي - أبو محمد البصري، يلقب عبويه - بتشديد الموحدة - مقبول، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عفان بن مسلم) بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري، ثقة ثبت ربما وهم، من كبار العاشرة، مات بعد سنة تسع عشرة ومئتين بيسير. يروي عنه: (ع).
стр. 9500
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، حَدَّثَنَا سَفِينَةُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ رَجُلًا أَضَافَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا،
===
(حدثنا حماد بن سلمة) بن دينار الربعي البصري، ثقة عابد أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه في آخره، من كبار الثامنة، مات سنة سبع وستين ومئة (١٦٧ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا سعيد بن جمهان) - بضم الجيم وإسكان الميم - الأسلمي أبو حفص البصري، صدوق له أفراد، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (عم).
ووثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج بحديثه، لأنه مختلف فيه.
(حدثنا سفينة أبو عبد الرحمن) مولى رسول الله ﷺ يقال: كان اسمه مهران، فلقب سفينة؛ لكونه حمل شيئًا كثيرًا في السفر، مشهور له أحاديث رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (م عم).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سعيد بن جمهان، وهو مختلف فيه.
(أن رجلًا) من المسلمين لم أر من ذكر اسمه (أضاف) ودعا (علي بن أبي طالب) مع عائلته فاطمة الزهراء رضي الله تعالى عنهما إلى بيته؛ يعني: عزمهما الرجل؛ ليطعمهما طعام العزومة، فالرجل هو الداعي، وعلي مع عائلته هما المدعوان إلى بيت الرجل (فصنع) الرجل (له) أي: لعلي وعائلته؛ أي: طبخ له (طعامًا)، هذا ظاهر عبارة المؤلف.
وفي "العون": (أن رجلًا ضاف علي بن أبي طالب) بلا همزة، من ضاف الثلاثي، أي: صار الرجل ضيفًا عند علي، يقال: ضافه ضيف؛ أي: نزل عنده
стр. 9501
فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: لَوْ دَعَوْنَا النَّبِيَّ ﷺ فَأَكَلَ مَعَنَا، فَدَعَوْهُ فَجَاءَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى عِضَادَتَيِ الْبَابِ فَرَأَى قِرَامًا
===
ضيف (فصنع) علي (له) أي: للرجل (طعامًا) ليطعم علي بن أبي طالب له قال في "المصباح": ضافه ضيفًا؛ إذا نزل عنده، وأضفته وضيفته؛ إذا أنزلته.
قال ثعلب: ضِفْتَه؛ إذا نزلْتَ به، وأنت ضيف عنده، وأضفْتَه - بالألف - إذا أنزلته عليك ضيفًا. انتهى.
وفي "النهاية": ضِفْتُ الرجلَ؛ إذا نزلْتَ به في ضيافتِه، وأَضفْتهُ؛ إذا أنزلته عندك ضيفًا لك. انتهى.
والمعنى هنا: أي: صَنَع الرجلُ طعامًا وأَهْدَى إلى عليٍّ، لا أنه دعا عليًّا إلى بيته؛ كما هو ظاهر لفظ رواية ابن ماجه، ذكره الطيبي.
(فقالت فاطمةُ) لعلي: (لو دعونا النبي ﷺ إلى بيتنا (فأكل معنا) رسولُ الله ﷺ هذا الطعام، وجواب (لو) الشرطية محذوف؛ تقديره: لكان أحسنَ وأبركَ لنا، أو (لو) للتمني لا جوابَ لها (فدعوه) ﷺ ، أي: فدعا عليٌّ وفاطمةُ ومن معهما رسولَ الله ﷺ إلى بيتِهم؛ ليأكل الطعام معهم (فجاء) رسول الله ﷺ إلى بيتهم، فقام قدام الباب (فوضع يده) الشريفة (على عضادتي الباب) أي: باب بيت علي.
والعضادتان - بكسر العين -: هما الخشبتان المنصوبتان على جنبتيه؛ أي: على جانبي الباب، عليهما يركز الباب.
(فرأى) رسول الله ﷺ في داخل البيت (قرامًا) أي: ستارة
стр. 9502
فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ فَرَجَعَ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ: الْحَقْ، فَقُلْ لَهُ: مَا رَجَعَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَنْ أَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا".
===
معلقة (في ناحية البيت) أي: في داخله (فـ) أبى عن الدخول و (رجع) إلى بيته (فقالت فاطمة لعلي: الحق) أي: أدرك رسول الله ﷺ ؛ فإنه رجع (فقل له) ﷺ : (ما رَجَعكَ) هو من رجع الثلاثي المتعدي؛ نحو قولك: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ (١)؛ أَيْ: أيُّ سببٍ منعك من الدخول علينا ورَجَعك ورَدَّك (يا رسول الله؟ ) فـ (قال) رسول الله ﷺ في بيان السبب المانع له من الدخول: (إنه) أي: إن الشأن والحال (ليس لي أن أدخل بيتًا مزوقًا) - بتشديد الواو المفتوحة - أي: مزينا بالنقوش، وأصل التزويق: التمويه، قال الخطابي: وتبعه ابن الملك، كان ذلك مزينًا منقشًا.
وقيل: لم يكن منقشًا، ولكن ضرب ونصب مثل حجلة العروس، ستر به الجدار، وهو رعونة يشبه أفعال الجبابرة.
وفيه تصريح بأنه لا يجاب دعوة فيها منكر، كذا في "المرقاة".
قوله: (فرأى قرامًا) - بكسر القاف؛ مثل كتاب -: ثوب رقيق من صوف فيه ألوان من العهون، ورقوم ونقوش يتخذ سترًا، يغشى به الأقمشة والهوادج، كذا في "المرقاة"، وفي "المصباح": القرام - بوزن كتاب -: الستر الرقيق، وبعضم يزيد: وفيه رقم ونقوش. انتهى.
قوله: (ما رجعك) قال في "القاموس": رجع رجوعًا: انصرف، والشيء عن الشيء، وإليه رجعًا: صرفه ورده؛ كأرجعه. انتهى.
وفي "المصباح": رجع من سفره، وعن الأمير يرجع رجوعًا ورجعًا ورجعى - بضم وسكون -: هو نقيض الذهاب.
стр. 9503
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ويتعدى بنفسه في اللغة الفصحى، فقال: رجعت عن الشيء وإليه، ورجعت الكلام وغيره؛ أي: رددته، وبها جاء القرآن، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾، وهذيل: تعديه بالألف. انتهى، انتهى من "العون".
قال السندي: قوله: (إن رجلًا أضاف علي بن أبي طالب) أي: نزل على علي ضيفًا، أو أن أضاف بمعنى: ضاف؛ والمراد: أن الرجل صنع طعامًا، وأهدى إلى بيت علي، وليس المعنى: أنه دعا عليًّا إلى بيته؛ كما هو ظاهر عبارة المؤلف، ويحتمل أن يكون تقديره: أضافه، ثم حذف المفعول، وعلى هذا، فعلي بالرفع فاعل.
(قرامًا): هو الستر الرقيق (ما رجعك؟ ) هو من الرجوع المتعدي لا من الرجوع اللازم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ (١).
(مزوقًا) أي: مزينًا. انتهى منه.
وقال الحافظ في "الفتح": ويفهم من الحديث أن وجود المنكر في البيت مانع عن الدخول فيه.
وقال ابن بطال: فيه أنه لا يجوز الدخول في الدعوة يكون فيها منكر مما نهى الله ورسوله عنه؛ لما في ذلك من إظهار الرضا بها، ونقل مذاهب القدماء في ذلك، وحاصله: إن كان هناك محرم وقدر على إزالته .. فلا بأس، وإن لم يقدر .. فليرجع، قال صاحب "الهداية" من الحنفية: لا بأس أن يقعد ويأكل إذا لم يكن ممن يقتدى في ذلك، فإن كان ولم يقدر على منعهم .. فليخرج؛ لما فيه من شين الدين، وفتح باب المعصية، قال: وهذا كله بعد الحضور، وإن علم قبله .. لم يلزمه الإجابة. انتهى مختصرًا، انتهى من "العون".
стр. 9504
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الأطعمة، باب إجابة الدعوة إذا حضرها مكروه.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث علي بن أبي طالب.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول منهما للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9505
(٧٧) - (١٢٢٤) - بَابُ الْجَمْعِ بَيْنَ السَّمْنِ وَاللَّحْمِ
(١٦٠) - ٣٣٠٥ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَرْحَبِيُّ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ
===
(٧٧) - (١٢٢٤) - (باب الجمع بين السمن واللحم)
(١٦٠) - ٣٣٠٥ - (١) (حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (٢٤٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا يحيى بن عبد الرحمن) بن مالك بن الحارث (الأرحبي) - بفتحتين بينهما راء ساكنة - نسبة إلى أرحب؛ بطن من همدان، الكوفي، قال الدارقطني: صالح يعتبر به، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: ربما خالف، وقال في "التقريب": صدوق ربما أخطأ، من التاسعة، فهو مختلف فيه. يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا يونس بن أبي يعفور) - بفتح التحتانية وسكون المهملة وضم الفاء آخره راء - وفي بعض النسخ: آخره بالموحدة، وهو تحريف من النساخ، اسمه: وقدان - بالقاف - وقيل: واقد العبدي الكوفي، روى عن أبيه، قال ابن معين: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": صدوق يخطئ كثيرًا، من الثامنة. يروي عنه: (م ق)، فهو مختلف فيه.
(عن أبيه) وقدان - بسكون القاف - وقيل: اسمه واقد العبدي الكوفي مشهور بكنيته وهو الكبير، ثقة، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ) تقريبًا. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 9506
قَالَ: دَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ وَهُوَ عَلَى مَائِدَتِهِ فَأَوْسَعَ لَهُ عَنْ صَدْرِ الْمَجْلِسِ فَقَالَ: بِاسْمِ الله، ثُمَّ ضَرَبَ بيَدِهِ فَلَقِمَ لُقْمَةً ثُمَّ ثَنَّى بِأُخْرَى ثُمَّ قَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ طَعْمَ دَسَمٍ مَا هُوَ بدَسَمِ اللَّحْمِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؛ إِنِّي خَرَجْتُ إِلَى السُّوقِ أطْلُبُ السَّمِينَ لِأَشْتَرِيَهُ فَوَجَدْتُهُ غَالِيًا، فَاشْتَرَيْتُ بِدِرْهَمٍ مِنَ الْمَهْزُولِ وَحَمَلْتُ
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه يحيى بن عبد الرحمن، ويونس بن أبي يعفور، وهما مختلف فيهما.
(قال) أبو يعفور: (دخل عليه) أي: على ابن عمر والده (عمر) بن الخطاب (وهو) أي: والحال أن ابن عمر (على مائدته) أي: على سفرته للأكل منها، قال السندي: المراد بها: السفرة لا الخوان؛ لأنهم لا يأكلون عليها (فأوسع) ابن عمر (له) أي: لأبيه عمر (عن صدر المجلس) وأوله؛ ليأكل معه (فقال) عمرُ تبركًا: (باسم الله) على أكله (ثُمَّ) بعد التسميةِ (ضرَبَ) أي: أَخذَ (بيده) الطعامَ من السفرة؛ مِن ضَربَ الترابَ للتيمم؛ أي: نَقلَه (فلَقِمَ لُقمة، ثم ثنَّى بأخرى) أي: لقم لقمة أخرى مرة ثانية (ثُم قال) عمر لابنه عبدِ الله: (إني لَأَجِدُ) في هذا الطعام (طَعْم دسمٍ ما هو) أي: ليس ذلك الدسمُ (بدسمِ اللحم) فما هو؟ أي: فما ذلك الدسم الذي وجدتُه في طعامكم هذا؟
(فقال عبدُ الله: يا أمير المؤمنين؛ إني خرجتُ) من بَيْتِي (إلى السوق) حالة كوني (أَطْلُب) وأقصدُ (السمين) أي: شراءَ الكبش السمينِ؛ أي: كثيرَ اللحم وحَسَنِه (لأشترِيَه) لِأَكْلِ عيالي، وفي بعض النسخ: (أطلبُ السَّمْنَ) وهو من تحريف النساخ؛ بدليل ما بعده (فوجدته) أي: فوجدت ذلك السمينَ (غاليًا) أي: رافعَ السعر كثيرَ الثمن (فاشتريتُ بدرهم) واحد بدلَ السمين (من) لحم الكبش (المهزول) وهو ضد السمين (وحملت) أي: أخذت من
стр. 9507
عَلَيْهِ بِدِرْهَمٍ سَمْنًا، فَأَرَدْتُ أَنْ يَتَرَدَّدَ عِيَالِي عَظْمًا عَظْمًا، فَقَالَ عُمَرُ: مَا اجْتَمَعَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَطُّ إِلَّا أَكَلَ أَحَدَهُمَا وَتَصَدَّقَ بِالْآخَر، قَالَ عَبْدُ اللهِ: خُذْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَلَنْ يَجْتَمِعَا عِنْدِي إِلَّا فَعَلْتُ ذَلِكَ، قَالَ: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ.
===
السوق صبًا (عليه) أي: على لحم المهزول (بدرهم) واحد (سمنًا) وهو الزبد المصفى من المخيض بعرضه على النار؛ أي: أخذت وزدت عليه بدرهم سمنًا؛ لأصب في القدر على اللحم المهزول الذي لا دسم له (فأردت) أي: قصدت بأخذ ذلك المهزول (أن يتردد) ويصطك (عيالي) ذلك المهزول بأسنانهم (عظمًا عظمًا) أي: عظمًا بعد عظم.
(فقال عمر) لولده عبد الله: ولكن (ما اجتمعا) أي: ما اجتمع اللحم والسمن (عند رسول الله ﷺ قط) أي: في زَمنٍ من الأزمنة الماضية له (إلا أكل أحدهما، وتصدق بالآخر).
فـ (قال عبد الله) لوالده عمر: (خذ يا أمير المؤمنين) الآن ما قدمنا وقربنا إليك من الطعام المشتمل على اللحم والسمن، وكله منا ولا تتركه علينا (فلن يجتمعا) أي: فلن يجتمع اللحم والسمن (عندي) في المستقبل .. (إلا فعلت ذلك) الذي فعله رسول الله ﷺ بهما؛ من تصدق أحدهما، وأكل الآخر.
(قال) عمر: ولكن أنا (ما كنت لأفعل) ذلك الجمع بينهما في الأكل؛ أي: ما كنت مريدًا الجمع بينهما في الأكل، بل آكل أحدهما، وأتصدق الآخر، وأفعل كما فعل الرسول بهما.
واللام في قوله: (لأفعل) لام الجحود، والفعل منصوب بعدها بأن مضمرة وجوبًا؛ لصدق ضابطها على هذه اللام؛ كما قاله بعض الأدباء:
стр. 9508
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وكل لام قبلها ما كانا ... أو لم يكن فللجحود بانا
كما ذكرنا ذلك في كتبنا النحوية.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
ولله أعلم
стр. 9509
(٧٨) - (١٢٢٥) - بَابٌ: مَنْ طَبَخَ .. فَلْيُكْثِرْ مَاءَهُ
(١٦١) - ٣٣٠٦ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ الْخَزَّازُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الصَّامِت، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
===
(٧٨) - (١٢٢٥) - (باب: من طبخ .. فليكثر ماءه)
(١٦١) - ٣٣٠٦ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا عثمان بن عمر) بن فارس العبدي البصري، أصله من بخارى، ثقة، قيل: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، من التاسعة، مات سنة تسع ومئتين (٢٠٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عامر الخزاز) - بمعجمات - صالح بن رستم المزني مولاهم البصري، صدوق كثير الخطأ، من السادسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي عمران الجوني) عبد الملك بن حبيب الأزدي البصري مشهور بكنيته، ثقة، من كبار الرابعة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (١٢٨ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله بن الصامت) الغفاري البصري، ثقة، من الثالثة، مات دون المئة بعد السبعين. يروي عنه: (م عم).
(عن أبي ذر) الغفاري جندب بن جنادة رضي الله تعالى عنه.
(عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
стр. 9510
قَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ مَرَقَةً .. فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَاغْتَرِفْ لِجِيرَانِكَ مِنْهَا".
===
(قال) النبي ﷺ : (إذا عملت) يا أبا ذر، وطبخت (مرقة) سواء كانت من لحم أو غيرها؛ كالسلق والبطاطس والطماطم؛ والمعنى: إذا طبخت لحمًا، أو طبخت قدرًا من غير اللحم؛ كالسلق وغيره .. (فأكثر ماءها) أي: ماء تلك المرقة؛ لتهدي لجيرانك (واغترف) بالملعقة (لجيرانك منها) أي: من تلك المرقة؛ أي: أعط غرفة منها لجيرانك.
قال في "القاموس": غرف الماء يغرفه؛ من باب ضرب: أخذه بيده؛ كاغترفه؛ والغرفة: - بفتح الغين المعجمة -: المرة. انتهى.
ولفظ مسلم: (يا أبا ذر؛ إذا طبخت) لحمًا وجعلت له (مرقةً .. فأكثر ماءها) أي: ماء المرقة (وتعاهد) تذكر (جيرانك) بتلك المرقة وأهدها إليهم، وواسهم بها؛ لتوفي حقوق الجيران، وفي "السنوسي": وهذا أمر ندب وإرشاد إلى مكارم الأخلاق.
قال الأبي: قوله: (جيرانك) جمع جار، ولكن يخصصه قوله في الحديث الآخر: (ثم انظر أهل بيت من جيرانك) فبالبيت الواحد يخرج من العهدة.
ومعنى (وتعاهد جيرانك) أي: وابحث عن أحوالهم وأعطهم من المرقة إن احتاجوا إليها.
وفيه فضل الإيثار، وأن يقلل الرجل من ترفهه وتنعمه؛ ليسد حاجة أخيه المسلم.
وقوله: "فأكثر ماءها" فيه تنبيه لطيف على تيسير الأمر على البخيل؛ إذ الزيادة المأمور بها إنما هي فيما ليس له ثمن، وهو الماء؛ ولذلك لم يقل: إذا طبخت مرقة .. فأكثر لحمها أو طبيخها؛ إذ لا يسهل ذلك على كل أحد، وهذا الأمر على جهة الندب والحض على مكارم الأخلاق، وإرشاد إلى محاسنها؛ لما
стр. 9511
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
يترتب عليه من المحبة وحسن العشرة والألفة، ولما يحصل له من المنفعة ودفع الحاجة والمفسدة؛ فقد يتأذى الجار بقتار قدر جاره؛ وهو - بضم القاف -: دخان ذو رائحة خاصة ينبعث من الشواء والطبيخ؛ أي: يتأذى برائحة قدر جاره وعياله وصغار أولاده، ولا يقدر على التوصل إلى ذلك، فتهيج من ضعفائهم الشهوة، ويعظم على القائم عليهم الألم والكلفة، وربما يكون يتيمًا أو أرملة ضعيفة، فتعظم المشقة ويشتد منهم الألم والحسرة، وكل ذلك يندفع بتشريكهم في شيء من الطبيخ يدفع إليهم، فلا أقبح من منع هذا النزر اليسير الذي يترتب عليه هذا الضرر الكبير. انتهى من "المفهم". انتهى من "الكوكب".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب البر والصلة، باب استحباب طلاقة الوجه، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في إكثار ماء المرقة.
فدرجته: أنه صحيح، لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
ولله أعلم
стр. 9512
(٧٩) - (١٢٢٦) - بَابُ أَكْلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ
(١٦٢) - ٣٣٠٧ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْغَطَفَانِيِّ، عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ الْيَعْمُرِيِّ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَامَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَطِيبًا فَحَمِدَ الله
===
(٧٩) - (١٢٢٦) - (باب أكل الثوم والبصل والكراث)
(١٦٢) - ٣٣٠٧ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا إسماعيل) بن إبراهيم بن مقسم، المعروف بـ (ابن علية) الأسدي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثلاث وتسعين ومئة (١٩٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سعيد بن أبي عروبة) مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة البصري السدوسي، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سالم بن أبي الجعد) رافع (الغطفاني) الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة، من الثالثة، مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (٩٨ هـ)، وقيل: مئة، أو بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن معدان بن أبي طلحة اليعمري) الشامي، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (م عم).
(أن عمر بن الخطاب) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قام) على المنبر (يوم الجمعة خطيبًا) أي: واعظًا للناس (فحمد الله)
стр. 9513
وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لَا أُرَاهُمَا إِلَّا خَبِيثَتَيْنِ؛ هَذَا الثُّومُ وَهَذَا الْبَصَلُ، وَلَقَدْ كُنْتُ أَرَى الرَّجُلَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ يُوجَدُ رِيحُهُ مِنْهُ فَيُؤْخَذُ بِيَدِهِ حَتَّى يُخْرَجَ بِهِ إِلَى الْبَقِيعِ؛
===
تعالى أي: وصفه بكمالاته (وأثنى) عمر (عليه) تعالى؛ أي: نزهه عن جميع النقائص (ثم) بعد حمد الله وثنائه (قال) عمر: (يا أيها الناس؛ إنكم تأكلون شجرتين) أي: بقلتين (لا أراهما) أي: لا أرى ولا أظن تلكما الشجرتين (إلا خبيثتين) أي: إلا منتنتين؛ هما: (هذا الثوم وهذا البصل) اللتان تنتفعون بهما في الإدام وفي الزكام.
ثم قال عمر: (و) الله (لقد كنت أرى الرجل) من المسلمين (على عهد) وزمان (رسول الله ﷺ يوجد ريحه) أي: ريح واحد من هاتين الشجرتين (منه) أي: من ذلك الرجل (فيؤخذ بيده) الجار والمجرور في محل الرفع نائب فاعل، أو الباء زائدة؛ أي: يأخذ الآخذ منا يده (حتى يخرج به) أي: بذلك الآكل من المسجد (إلى البقيع) أي: إلى جهة البقيع؛ لئلا يؤذي الناس برائحتهما.
والبقيع: مقبرة أهل المدينة شرقي المسجد النبوي.
وقوله: (حتى يخرج به) على صيغة المجهول؛ أي: تأديبًا له على ما فعل من الدخول في المسجد مع هذه الرائحة الكريهة، ولعل في الإخراج إلى البقيع تنبيهًا على أنه لا ينبغي له صحبة الأحياء، بل ينبغي له صحبة الأموات الذين لا يتأذون بمثل رائحته، أو للإشارة إلى أنه التحق بالأموات الذين لا يذكرون الله ولا يصلون؛ حيث تسبب لمنع نفسه من المساجد، ويحتمل أنهم وضعوه تلك الجهة؛ للتعزير. انتهى "سندي".
стр. 9514
فَمَنْ كَانَ آكِلَهُمَا لَا بُدَّ .. فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا.
===
ثم قال عمر: (فمن كان) منكم أيها الناس (آكلهما) أي: مريدًا أكل هاتين الشجرتين الخبيثتين حالة كونه (لا بد) ولا غنىً له من أكلهما؛ لشدة احتياجه إليهما .. (فليمتهما) جواب من الشرطية؛ أي: فليزل رائحتهما (طبخًا) لهما؛ أي: بطبخهما في القدر، أو بقليهما على المقلاة، أو من جهة الطبخ.
ففي الحديث إخراج من وجد منه ريح الثوم أو البصل أو الكراث أو الفجل من المسجد، وفيه أيضًا: إزالة المنكر باليد لمن أمكنه، وهذا موضع الترجمة.
قوله: (فمن كان آكلهما) بصيغة اسم الفاعل؛ أي: فمن كان منكم مريدًا أكلهما لحاجته إليهما (فليمتهما) أي: فليمت رائحتهما؛ أي: فليزلها طبخًا؛ أي: فليزل ويذهب رائحتهما (طبخًا) أي: بالطبخ؛ لئلا يؤذي الناس بها.
وإماتة كل شيء: كسر قوته وحدته، ومنه قول بعضهم: قتلت الخمر؛ إذا مزجها بالماء وكسر حدتها.
وهذا يدل على أن النهي إنما هو في النيء دون المطبوخ.
قيل: أول نتنهما على بني إسرائيل حين طلبوهما في أرض التيه عقوبةً لهم. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتابِ المساجد، باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا من قربان المساجد، والنسائي في كتاب المساجد، باب من يخرج من المسجد، وأخرجه المؤلف أيضًا في كتاب إقامة الصلاة، باب من أكل الثوم .. فلا يقربن المسجد.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة، والله أعلم.
* * *
стр. 9515
(١٦٣) - ٣٣٠٨ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ أُمِّ أَيُّوبَ قَالَتْ: صَنَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث عمر بحديث أم أيوب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٣) - ٣٣٠٨ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبيد الله) مصغرًا (ابن أبي يزيد) المكي مولى آل قارط بن شيبة.
وفي "النسخة الأحمدية": عن عبد الله - مكبرًا - وهو غلط، ثقة كثير الحديث، وقال ابن المديني وابن معين والعجلي وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال ابن سعد: ثقة كثير الحديث، وقال ابن عيينة: مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) أبي يزيد المكي حليف بني زهرة، يقال: له صحبة، وثقه ابن حبان، من الثانية. يروي عنه: (د ت ق).
(عن أم أيوب) الأنصارية الخزرجية بنت قيس بن سعد بن امرئ القيس زوجة أبي أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنهما، روت عن النبي ﷺ ، ويروي عنها: عبيد الله بن أبي يزيد عن أبيه عنها أنهم تكلفوا للنبي ﷺ طعامًا فيه بعض هذه البقول، فقربوه، فكرهه ... الحديث، وكان أبوها خال زوجها، ويروي عنها: (ت ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) أم أيوب: (صنعت) أي: طبخت (للنبي صلى الله عليه وسلم
стр. 9516
طَعَامًا فِيهِ مِنْ بَعْضِ الْبُقُولِ فَلَمْ يَأْكُلْ، وَقَالَ: "إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُوذِيَ صَاحِبِي".
(١٦٤) - ٣٣٠٩ - (٣) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَنْبَأَنَا أَبُو شُرَيْحٍ،
===
طعامًا فيه من بعض البقول) وفي رواية الترمذي: (طعامًا فيه من بعض هذه البقول) من الثوم والبصل والكراث ونحوها، فـ (من) في كلا الروايتين زائدة؛ أي: فيه بعض هذه البقول التي يأكلونها (فلم يأكل) منه (وقال) في الاعتذار عن عدم أكله: (إني أكره أن أوذي صاحبي) وملازمي جبريل الأمين ﵇.
وفي حديث جابر عند الشيخين: (فإني أناجي من لا تناجي) خطابًا لأم أيوب.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الرخصة في الثوم مطبوخًا، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث عمر بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٤) - ٣٣٠٩ - (٣) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن حرملة بن عمران أبو حفص التجيبي المصري، صاحب الشافعي، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا أبو شريح) مولى زيد بن صوحان، مقبول، من السابعة ذَكَرهُ ابنُ حبان في "الثقات". يروي عنه: (ق).
стр. 9517
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ نِمْرَانَ الْحَجْرِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْر، عَنْ جَابِرٍ أَنَّ نَفَرًا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ ، فَوَجَدَ مِنْهُمْ رِيحَ الْكُرَّاثِ فَقَالَ: "أَلَمْ أَكُنْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ أَكْلِ هَذِهِ الشَّجَرَةِ؟ ! إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الْإِنْسَانُ".
===
(عن عبد الرحمن بن نمران) بكسر النون وسكون الميم (الحجري) - بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم - كذا وقع في جميع النسخ، وهو خطأ، صوابه: (عن عبد الله بن نمران)، قال في "التقريب": وهو مجهول، من الثامنة. يروي عنه: (ق)، روى عن أبي الزبير، ويروي عنه: أبو شريح، روى عنه الحديث الذي روى ابن ماجه في أكل الكراث، وقال: لم يُرْوَ عن عبد الله بن نمران غَيْرُ هذا الحديث، ولم أر من ذكره بجرح ولا تعديل.
(عن أبي الزبير) المكي محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر) بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن في سنده عبد الله بن نمران، وهو مجهول لم أر من ذكره بجرح ولا تعديل.
(أن نفرًا) وجماعة من المسلمين (أتوا) أي: جاؤوا (النبي ﷺ ، فوجد) النبي ﷺ (منهم) أي: من فيهم (ريح الكراث) وهو بقل معروف يشبه ورقه ورق الثوم (فقال) لهم رسول الله ﷺ : (ألم أكن) أنا (نهيتكم) فيما مضى من الزمان (عن أكل هذه الشجرة) والبقلة؟ ! والاستفهام تقرير، بل نهيتكم عن أكلها (إن الملائكة تتأذى) وتتضرر (مما يتأذى منه الإنسان) فينبغي للإنسان ترك أكل هذه البقول المنتنة؛ للاحتراز عن إيذاء الملائكة ﵈.
стр. 9518
(١٦٥) - ٣٣١٠ - (٤) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ نُعَيْمٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ نَهِيكٍ،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث عمر بحديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٥) - ٣٣١٠ - (٤) (حدثنا حرملة بن يحيى) بن حرملة التجيبي المصري، ثقة، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين. يروي عنه: (م س ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني) عبد الله (بن لهيعة) بن عقبة الحضرمي المصري، صدوق، من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ولكن روى عنه هنا ابن وهب، فهو ثقة فيما روى عن العبادلة، فلا يقدح في السند، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
(عن عثمان بن نعيم) بن قيس الرعيني - مصغرًا - ثم الذبحاني - بضم الذال وسكون الموحدة ومهملة - نسبة إلى ذبحان؛ بطن من رعين المصري، روى عن: المغيرة بن نهيك، ويروي عنه: ابن لهيعة، و (ق)، قال في "التقريب": مجهول، من السادسة.
(عن المغيرة بن نهيك) الحجري - بفتح المهملة وسكون الجيم - المصري،
стр. 9519
عَنْ دُخَيْنٍ الْحَجْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "لَا تَأْكُلُوا الْبَصلَ"، ثُمَّ قَالَ كَلِمَةً خَفِيَّةً: "النِّيءَ".
===
مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (ق)، قال الذهبي: ما روى عنه غير عثمان بن نعيم.
(عن دخين) - بالخاء المعجمة مصغرًا - ابن عامر (الحجري) - بفتح المهملة وسكون الجيم - أبي ليلى المصري، ثقة، من الثالثة، مات سنة مئة (١٠٠ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(أنه سمع عقبة بن عامر الجهني) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، وكان فقيهًا فاضلًا، مات في قرب الستين (٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عثمان بن نعيم، وشيخه المغيرة بن نهيك؛ وهما مجهولان، لم أر من ذكرهما بجرح ولا تعديل، وأما ابن لهيعة .. فهو ثقة هنا؛ لأنه روى عنه أحد العبادلة، وهو ثقة فيما روى عنه العبادلة؛ كما مر آنفًا.
أي: سمع عقبة بن عامر، حالة كونه (يقول: إن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: لا تأكلوا البَصلَ) فإنها بقلة خبيثة (ثم قال) رسول الله ﷺ بعد قوله: "لا تأكلوا البصل" (كلمة خفية) أي: خفي عني سماعها؛ لأنه خفض صوته وقت تكلُّم تلك الكلمة، ولعل تلك الكلمة لفظة (النيء) أي: قال: "لا تأكلوا البصل النيء" أي: غير المطبوخ؛ فإن المطبوخة أزيلت رائحتها وأميتت بالطبخ، فلا حرج في أكلها.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد؛ وهو حديث عمر بن الخطاب المذكور أول هذا الباب.
стр. 9520
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فهذا الحديث: سنده حسن؛ لما ذكرنا آنفًا، ومتنه صحيح بغيره، وغرضه: الاستشهاد به لحديث عمر، فهو صحيح المتن، حسن السند.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أربعة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثلاثة الأخيرة للاستشهاد.
ولله أعلم
стр. 9521
(٨٠) - (١٢٢٧) - بَابُ أَكْلِ الْجُبْنِ وَالسَّمْنِ
(١٦٦) - ٣٣١١ - (١) حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ،
===
(٨٠) - (١٢٢٧) - (باب أكل الجبن والسمن)
(١٦٦) - ٣٣١١ - (١) (حدثنا إسماعيل بن موسى) الفزاري أبو محمد الكوفي نسيب (السدي) أو ابن بنته أو ابن أخته، صدوق يخطئ رمي بالرفض، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (د ت ق).
(حدثنا سيف بن هارون) البرجمي - بضم الموحدة والجيم - أبو الورقاء الكوفي، ضعيف، أفحش ابن حبان القول فيه، من صغار الثامنة. يروي عنه: (ت ق)، قال النسائي: ضعيف، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو سعيد الأشج: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سيف بن هارون، وكان ثقة، وقال ابن عدي: له أحاديث ليست بالكثيرة، وفي رواياتِه بَعْضُ النكْرَة، وصحح ابن جرير حديثه في "تهذيبه"، روى له الترمذي وابن ماجه حديثًا واحدًا في السؤال عن الفِرَاءِ والجُبن والسمن ... الحديث، فهو مختلف فيه.
(عن سليمان) بن طرخان (التيمي) أبي المعتمر البصري، نزل في التيم فنسب إليهم، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة (١٤٣ هـ)، وهو ابن سبع وتسعين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي عثمان) عبد الرحمن بن مل - بتثليث الميم وتشديد اللام - (النهدي) - بفتح النون وسكون الهاء - مشهور بكنيته، ثقة ثبت عابد مخضرم، من كبار الثانية، مات سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، وقيل بعدها، وعاش مئة وثلاثين سنة، وقيل أكثر. يروي عنه: (ع).
стр. 9522
عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاء، فَقَالَ: "الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِه، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ
===
(عن سلمان الفارسي) الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، ويقال له: سلمان الخير، أصله من أصبهان، أول مشاهده الخندق، مات سنة أربع وثلاثين، ويقال: إنه بلغ ثلاث مئة سنة. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سيف بن هارون، وهو مختلف فيه.
(قال) سلمان: (سئل رسول الله ﷺ عن) حكم أكل (السمن) وهو زبد صفي من المخيض بالنار (والجبن) - بضم الجيم وسكون الباء - لَبن يُجَمَّدُ.
(والفراء) قال القاري - بكسر الفاء والمد - جمع الفراء - بفتح الفاء مدًا وقصرًا - وهو حمار الوحش، قال السندي: وهذا المعنى هو مقتضى جمعه في الحديث مع المأكولات.
قال القاضي: وقيل: هو ها هنا جمع الفرو الذي يلبس، ويشهد له صنيع بعض المحدثين كالترمذي؛ فإنه ذكره في باب لبس الفرو، وذكره ابن ماجه في باب السمن والجبن.
وقال بعض علمائنا: صنيع ابن ماجه هذا غلط، بل الفرا جمع الفرو الذي يلبس؛ لأن محله في كتاب اللباس؛ كما ذكره الترمذي فيه، وإنما سألوه عنها؛ حذرًا من صنيع أهل الكفر في اتخاذهم الفراء من جلود الميتة من غير دباغ، ويشهد له أن علماء الحديث أوردوا هذا الحديث في كتاب اللباس. انتهى، انتهى "تحفة الأحوذي".
(فقال) رسول الله ﷺ في جواب سؤالهم: (الحلال ما أحل الله) أي: بين تحليله (في كتابه، والحرام ما حرم الله) أي: بين تحريمه
стр. 9523
فِي كِتَابِه، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ .. فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ".
===
(في كتابه) يعني: إما مبينًا، وإما مجملًا بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)؛ لئلا يشكل بكثير من الأشياء صح تحريمها بالحديث وليس بصريح في الكتاب.
قال الشوكاني في "النيل": المراد من هذه العبارة وأمثالها مما يدل على حصر التحليل والتحريم في الكتاب العزيز: هو باعتبار اشتماله على جميع الأحكام، ولو بطريق العموم، أو الإشارة، أو بطريق الأغلب، لحديث: "إني أوتيت القرآن ومثله" وهو حديث صحيح. انتهى، انتهى من "التحفة".
(وما سكت) أي: والذي سكت الكتاب (عنه) أي: عن بيانه، أو وما أعرض الله عن بيان تحليله وتحريمه رحمة من غير نسيان .. (فهو مما عفا عنه) أي: عن استعماله وأباح في أكله، وفيه: أن الأصل في الأشياء الإباحة، ويؤيده قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٢). انتهى منه.
وهذه الأشياء الثلاثة المذكورة في هذا الحديث ما صرح الكتاب بحلها ولا حرمتها، وهي مندرجة في المسكوت عنها ظاهرًا، وهذا هو الظاهر الموافق للفظ الحديث.
بقي في الحديث إشكال؛ وهو أن الحديث بظاهره يقتضي ألا يثبت شيء من الحلال والحرام بالسنة، وهو خلاف الواقع، وخلاف ما يعطيه حديث: "ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه ... " الحديث.
وقد ذم ﷺ من لم يأخذ بما حرم في الحديث، ويعتذر
стр. 9524
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بأن ما وجد في القرآن .. فلا بد من صرف الحديث عن ظاهره، بأن المراد بما أحله الله في كتابه، وما حرم أعم مما حلله وحرمه تفصيلًا وتعيينًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١) وأمثاله، وعلى هذا؛ فهذه الأشياء المذكورة في الحديث مندرجة فيما أحل، لا فيما سكت عنه.
أما السمن .. فقد ورد في "الصحيحين" وغيرهما، وأما الجبن .. ففي "أبي داوود" عن ابن عمر: (أن النبي ﷺ أتي بتبوك بجبنة، فدعا بسكين، فسمى وقطع ... ) الحديث.
وأما الفرا .. فإن كان جمع فرا بمعنى حمار الوحش .. فقد وردت في "الصحيحين" وغيرهما، وإن كان جمع فروة .. فقد علم طهارة الجلد إذا دبغ، سواء كان جلد مذكاة أو ميتة، فليس المراد في الحديث حينئذ: بيان أن هذه الأشياء مندرجة في المسكوت عنه فتكون حلالًا، بل بيانُ ضابطٍ في معرفة الحلال والحرام على العموم والإطلاق بحديث يعرف منها حال هذه الأشياء وغيرها، فالحديث موافق لحديث: "إن الله أمركم بأشياء فامتثلوها، ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها، وسكت لكم عن أشياء رحمةً منه، فلا تسألوا عنها".
وبالجملة: فالحديث يقتضي أن الأصل في الأشياء الحل. انتهى من "سندي".
تنبيه
اعلم: أن بعض أهل العلم قد استدل على إباحة أكل التنباك وشرب دخانه
стр. 9525
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (١)، وبالأحاديث التي تدل على أن الأصل في الأشياء الإباحة.
قال الشوكاني في "إرشاد السائل إلى أدلة المسائل" - بعدما أثبت أن كُلَّ ما في الأرض حلال إلا بدليل - ما لفظه: إذا تقرر هذا .. علمت أن هذه الشجرة التي سماها بعض الناس التنباك، وبعضهم التوتون .. لم يأت فيها دليل يدل على تحريمها، وليست من جنس المسكرات، ولا من السموم، ولا من جنس ما يضر آجلًا أو عاجلًا؛ فمن زعم أنها حرام .. فعليه الدليل، ولا يفيد مجرد القال والقيل. انتهى.
قلت: لا شك في أن الأصل في الأشياء الإباحة، لكن بشرط عدم الإضرار، وأما إذا ما كانت مضرة في الآجل أو العاجل .. فكَلَّا ثُمَّ كَلَّا، وقد أشار إلى ذلك الشوكاني رحمه الله تعالى بقوله: (ولا من جنس ما يضر آجلًا أو عاجلًا)، وأكل التنباك وشرب دخانه مضر بلا مرية، وإضراره عاجلًا ظاهر غير خفي، وإن كان لأحد فيه شك .. فليأكل منه وزن ربع درهم أو سدسه، ثم لينظر كيف يدور رأسه، وتختل حواسه، وتتقلب نفسه؛ بحيث لا يقدر أن يفعل شيئًا من أمور الدنيا أو الدين، بل لا يستطيع أن يقوم أو يمشي، وما هذا شأنه .. فهو مضر بلا شك.
فقول الشوكاني: (ولا من جنس ما يضر آجلًا أو عاجلًا) .. ليس بصحيح، وإذا عرفت هذا .. فقد ظهر لك أن إضراره عاجلًا هو الدليل على عدم إباحة أكله وشرب دخانه، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. انتهى من "تحفة الأحوذي".