(٣٣) - (١٢٦٢) - بَابُ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ
(٧٧) - ٣٣٩١ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَارِثِ الْمِصْرِيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
===
(٣٣) - (١٢٦٢) - (باب الحبة السوداء)
(٧٧) - ٣٣٩١ - (١) (حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة. يروي عنه: (م ق)، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ).
(ومحمد بن الحارث) بن راشد بن طارق الأموي المصري المؤذن، يقال له: صدْرَةُ، صدوقٌ يُغْرِبُ، من العاشرة، مات سنة إحدى وأربعين ومئتين (٢٤١ هـ). يروي عنه: (ق).
(المصريان) كلاهما (قالا: حدثنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي، ثقة ثبت حجة عالم مصر وفقيهها، قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (١٧٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عقيل) - مصغرًا - ابن خالد بن عقيل - مكبرًا - الأيلي - بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام - أبي خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة ثم الشام ثم مصر، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين ومئة (١٤٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة إمام من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(أخبرني أبو سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري
стр. 9732
وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاء مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ"، وَالسَّامُ: الْمَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ: الشُّونِيزُ.
===
المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(وسعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة حجة، من الثانية، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه: (ع).
(أن أبا هريرة) رضي الله تعالى عنه (أخبرهما).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أنه) أي: أن أبا هريرة (سمع رسول الله ﷺ يقول: إن في الحبة السوداء شفاء) أي: عافية وتحصنًا (من كل داء) أي: من كل مرض؛ من الرطوبة والبلغم؛ وذلك لأنه حار يابس، فينفع في الأمراض التي تقابله. انتهى من بعض الهوامش، وفي "العيني": هو الكمون الأسود، ويسمى: الكمون الهندي.
ومن منافعه أنه يجلو ويشفي من الزكام إذا قلي واشتم، ويقتل الدود إذا أكل على الريق، وإذا شرب منه مثقال .. نفع من البهر - الدفع - وضيق النفس، ويحدر الطمث المحتبس. انتهى باختصار.
(إلا السام) أي: إلا الداء الذي يكون عنه الموت في علم الله تعالى، وفي رواية البخاري: قال ابن شهاب في تفسير السام والحبة: (والسام) - بتخفيف الميم - (الموت، والحبة السوداء: الشونيز) - بفتح الشين المعجمة وحكي ضمها - ويقال له: الشينيز أيضًا، وهو اسمها الفارسي، ويقال: إن أصله: (شش هينز) وهو الكمون الأسود، أو الخردل، أو ثمرة البطم - بضم الموحدة وسكون
стр. 9733
(٧٨) - ٣٣٩٢ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ يَحْيَى بْنُ خَلَفٍ،
===
المهملة -: الحبة الصفراء، والعرب تسمي الأصفر أسود، وفي "العيني": هو الخضراء، والعرب تسمي الأخضر أسود، والأسود أخضر. انتهى.
قلت: وهذا التفسير الذي فسروا به الحبة السوداء كله غير مطابق، ولعله تفسير ممن لم يرها ولم يعرفها، والتفسير المطابق لحقيقتها: هي الحلبة السوداء نزرعها في فصل الخريف مع الحلبة المعروفة، ولها رائحة طيبة، ومنافعها لا تحصى؛ كما أشار النبي ﷺ إلى ذلك.
واسمها في اللغة الأرمية الشرقية: (حبسودا) وفي الغربية منها: (أسمودي) وهي في الحبشة تزرع كثيرًا كل سنة، وهي من النجم الذي لا ساق له.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطب، باب الحبة السوداء، ومسلم في كتاب السلام، باب التداوي بالحبة السوداء، والترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الحبة السوداء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "الكبرى".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٧٨) - ٣٣٩٢ - (٢) (حدثنا أبو سلمة يحيى بن خلف) الباهلي البصري الجوباري - بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة - صدوق، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (٢٤٢ هـ). يروي عنه: (م د ت ق).
стр. 9734
حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ؛ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ".
===
(حدثنا أبو عاصم) النبيل الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الثيباني البصري، ثقة ثبت، من التاسعة، مات سنة اثنتي عشرة ومئتين (٢١٢ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن عثمان بن عبد الملك) المكي المؤذن، لقبه مستقيم، لين الحديث، من الخامسة. يروي عنه: (ق). قال ابن معين: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: منكر الحديث، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
(قال) عثمان: (سمعت سالم بن عبد الله) بن عمر بن الخطاب، ثقة فقيه، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
حالة كونه (يحدث عن أبيه) عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عثمان بن عبد الملك، وهو مختلف فيه.
(أن رسول الله ﷺ قال): أيها الناس (عليكم) أي: الزموا التداوي (بهذه) البقلة (الحبة السوداء؛ فإن فيها) أي: في هذه الحبة (شفاء) أي: عافية (من كل داء) ومرض (إلا السام) أي: إلا المرض الذي علم الله فيه الموت به.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة المذكور قبله.
стр. 9735
(٧٩) - ٣٣٩٣ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ الله، أَنْبَأَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعْدٍ
===
فدرجته: أنه صحيح بما قبله وإن كان سنده حسنًا؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عائشة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٧٩) - ٣٣٩٣ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبيد الله) بن موسى بن أبي المختار باذام العبسي الكوفي أبو محمد، ثقة كان يتشيع، من التاسعة، قال أبو حاتم: كان أثبت الناس في إسرائيل، مات سنة ثلاث عشرة ومئتين (٢١٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق الهمداني السبيعي أبو يوسف الكوفي، ثقة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب - بمثناة فوقانية مشددة - الكوفي، ثقة ثبت وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن خالد بن سعد) مولى أبي مسعود الأنصاري البدري الكوفي، ثقة، من الثانية. يروي عنه: (خ س ق)، قال يحيى بن معين: ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
стр. 9736
قَالَ: خَرَجْنَا وَمَعَنَا غَالِبُ بْنُ أَبْجَرَ فَمَرِضَ فِي الطَّرِيق، فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَعَادَهُ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ وَقَالَ لَنَا: عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاء، فَخُذُوا مِنْهَا خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَاسْحَقُوهَا ثُمَّ اقْطُرُوهَا فِي أَنْفِهِ بِقَطَرَاتِ زَيْتٍ فِي هَذَا الْجَانِبِ وَفِي هَذَا الْجَانِبِ؛
===
(قال) خالد: (خرجنا) معاشر الرفقة من الكوفة إلى المدينة (ومعنا غالب بن أبجر) - بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الجيم بعدها راء - غير منصرف، الصحابي رضي الله تعالى عنه (فمرض) غالب (في الطريق، فقدمنا المدينة وهو) أي: والحال أن غالبًا (مريض، فعاده) أي: فعاد غالبًا من مرضه (ابن أبي عتيق) عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأبو عتيق كنية أبيه محمد.
قال خالد بن سعد: (وقال لنا) معاشر الرفقة ابن أبي عتيق عبد الله بن محمد الزائر للمريض: (عليكم) أي: الزموا أيها الرفقة تداوي هذا المريض (بهذه الحبة السوداء، فخذوا منها) والفاء فاء الفصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، تقديره: إذا عرفتم ما قلت لكم وأردتم بيان كيفية المداواة بها .. فأقول لكم: خذوا (خمسًا) منها، أي: من حباتها (أو سبعًا) أو تسعًا منها مثلًا، مع رعاية الأوتار (فاسحقوها) أي: فدقوا تلك الحُبَيْبَاتِ المأخوذة (ثم اقطروها) أي: صبوها (في أنفه) أي: في أنف المريض مخلوطةً (بقطرات زيت) من الزيتون أولًا (في هذا الجانب) اليمين (و) ثانيًا (في هذا الجانب) اليسار.
وقد ذكر الأطباء في علاج الزكام العارض معه عطاس كثير أنه تقلى الحبة السوداء، ثم تدق حتى تصير دقيقًا ناعمًا، ثم تنقع وتبل في زيت، ثم يقطر منها في الأنف ثلاث قطرات، في كل أنف، فلعل غالب بن أبجر كان مزكومًا، فلذا
стр. 9737
فَإِنَّ عَائِشَةَ حَدَّثَتْهُمْ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ شِفَاء مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ السَّامُ"، قُلْتُ: وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: الْمَوْتُ.
===
وصفه ابن أبي عتيق له، ثم استدل ابن أبي عتيق على ما وصفه لغالب بقوله: (فإن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها (حدثتهم) أي: حدثت للناس الحاضرين عندها، وفي رواية البخاري: (حدثتني) بالإفراد.
فهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(أنها) أي: أن عائشة (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن هذه الحبة السوداء شفاء) أي: دواء (من كل داء) أي: من كل مرض ومزيلة له بإذن الله تعالى؛ أي: من كل داء يحدث من الرطوبة والبرودة (إلا أن يكون) ويقدر من ذلك الداء (السام) أي: الموت فحينئذٍ لا شفاء لذلك المريض ولا دواء، أما الأمراض الحارة اليابسة؛ كالرمد .. فلا تنفع فيها.
قال خالد بن سعد الراوي عن ابن أبي عتيق عن عائشة: (قلت) لابن أبي عتيق: (وما السام؟ ) أي: وما حقيقة السام؟
(قال) لي عبد الله بن محمد بن أبي عتيق في جواب سؤالي: السام هو (الموت) قال في "الفتح": لم أعرف السائل ولا القائل، وأظن السائل أنه خالد بن سعد، والمجيب أنه ابن أبي عتيق الراوي عن عائشة.
فقد تحصل مما ذكر في هذا السند أن منصور بن المعتمر عن خالد بن سعد الكوفي مولى أبي مسعود البدري الأنصاري - من الثالثة - عن عبد الله بن محمد أبي عتيق بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق أبو بكر هو المعروف بابن أبي عتيق، وعبد الله بن محمد أبي عتيق هذا صدوق فيه مِزَاح - من الثالثة - هو الذي روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها، يروي عنه: (خ م س ق)، وأما
стр. 9738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المريض في هذه القصة .. فهو غالب بن أبجر - بموحدة وجيم - على وزن أحمد، ويقال له: ابن ذِيخٍ - بكسر الذال المعجمة بعدها تحتانية ثم معجمة - ويقال له: ابن ذَرِيخ المزني الصحابي رضي الله تعالى عنه، له حديث واحد، نزل الكوفة. يروي عنه: (د) ليس له حديث في الكتب الخمسة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطب، باب الحبة السوداء.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وقد قال أئمة الطب؛ كابن البَيطَارِ: إن طبع الحبة السوداء حار يابس، وهي مذهبة للنفخ نافعة من حمى الربع والبلغم، مفتحة للسدد والريح، مجففة لِبلَّةِ المعدة، وإذا دقت وعجنت بالعسل وشربت بالماء الحار .. أذابت الحصى وأدرت البول والطمث، وفيها جلاء وتقطيع، وإذا نقع منها سبع حبات في لبن امرأة وسعط به صاحب اليرقان .. أفادت، وإذا شرب منها وزن مثقال بماء .. أفاد من ضيق النفس، والضماد بها ينفع من الصداع البارد.
وقال ابن أبي حمزة: تكلم ناس في هذا الحديث وخَصُّوا عمومه وردُّوهُ إلى قول أهلِ الطب والتجربة، ولا خلاف في غلط ذلك؛ لأنا إذا صدقنا أهل الطب ومدار علمهم غالبًا إنما هو على التجربة التي بناؤها على ظن غالب .. فتصديق من لا ينطق عن الهوى أولى بالقبول من كلامهم. انتهى.
وقال في "الكواكب": يحتمل إرادة العموم؛ بأن يكون شفاء للجميع، لكن بشرط تركيبه مع غيره ولا محذور فيه، بل يجب إرادة العموم؛ فهو أمر ممكن،
стр. 9739
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وقد أخبر الصادق عنه، واللفظ عام؛ بدليل الاستثناء، فيجب القول به، وحينئذٍ فينفع من جميع الأدواء. انتهى من "الإرشاد".
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9740
(٣٤) - (١٢٦٣) - بَابُ الْعَسَلِ
(٨٠) - ٣٣٩٤ - (١) حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خِدَاشٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
===
(٣٤) - (١٢٦٣) - (باب العسل)
(٨٠) - ٣٣٩٤ - (١) (حدثنا محمود بن خداش) - بكسر المعجمة ثم مهملة خفيفة آخره معجمة - الطالقاني نزيل بغداد، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ)، وله تسعون سنة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا سعيد بن زكريا القرشي) المدائني، صدوق لم يكن بالحافظ، من التاسعة. يروي عنه: (ت ق).
(حدثنا الزبير بن سعيد) بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب (الهاشمي) المدني نزيل المدائن، لين الحديث، من السابعة، مات بعد الخمسين ومئة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن عبد الحميد بن سالم) أبي سالم مولى عمرو بن الزبير، مجهول، من الرابعة. يروي عنه: (ق)، روى عن أبي هريرة، ويروي عنه: الزبير بن سعيد الهاشمي.
قال البخاري في "التاريخ الكبير": لا نعرف له سماعًا من أبي هريرة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، روى له ابن ماجه حديثًا واحدًا في ترجمة سعيد بن زكريا، فهو مختلف فيه. انتهى من "التهذيب".
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
стр. 9741
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ كُلَّ شَهْرٍ .. لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنَ الْبَلَاءِ".
(٨١) - ٣٣٩٥ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرِ بَكْرُ بْنُ خَلَفٍ،
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الضعف؛ لأنه منقطع؛ لعدم سماع عبد الحميد من أبي هريرة، ولأن عبد الحميد بن سالم ضعفه الجمهور؛ لأنه مجهول، وإن وثقه ابن حبان.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من لعق) من باب سمع؛ أي: لحس بلسانه، قال السندي: لعق الشيء؛ إذا لحسه وتناوله بلسانه أو بإصبعه، يقال: لعقه يلعقه لعقةً؛ واللعقة - بالضم -: ما يأخذه الإنسان في اللقمة.
فاللعقة بمعنى اللقمة فهما متساويان لفظًا ومعنىَ؛ أي: من لقم (العسل ثلاث غدوات) أي: صباحات على الريق؛ أي: لقم فيها مرة واحدة (كل شهر لم يصبه عظيم) أي: شديد (من البلاء) والمرض.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (٦)(٣٥٠)؛ لضعف سنده ومتنه بالانقطاع، بل ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات"، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨١) - ٣٣٩٥ - (٢) (حدثنا أبو بشر بكر بن خلف) البصري ختن المقرئ، صدوق، من العاشرة، مات بعد سنة أربعين ومئتين. يروي عنه: (د ق).
стр. 9742
حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ سَهْلٍ، حَدَّثَنَا أَبُو حَمْزَةَ الْعَطَّارُ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أُهْدِيَ لِلنَّبِيِّ ﷺ عَسَل فَقَسَمَ بَيْنَنَا لُعْقَةً لُعْقَةً، فَأَخَذْتُ لُعْقَتِي ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَزْدَادُ أُخْرَى؟ قَالَ: "نَعَمْ".
===
(حدثنا عمر بن سهل) بن مروان المازني التميمي البصري سكن مكة، صدوق يخطئ، من التاسعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا أبو حمزة العطار) إسحاق بن الربيع البصري الأبلي - بضم الهمزة والموحدة وتشديد اللام - صدوق تكلم فيه للقدر، من السابعة. يروي عنه: (ق).
(عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، واسم أبيه يسار - بالتحتانية والمهملة - الأنصاري مولاهم، ثقة فقيه فاضل، من الطبقة الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عمر بن سهل، وهو مختلف فيه.
(قال) جابر: (أهدي) بالبناء للمفعول (للنبي ﷺ عسل) أي: أهداه له بعض المسلمين، ولم أر من ذكر اسم المهدي له (فقسم) النبي ﷺ ذلك العسل (بيننا) معاشر الحاضرين (لعقة لعقة) لكل من الحاضرين.
قال السندي: اللعقة - بالضم -: ما تأخذه بالملعقة أو بإصبعك.
قال جابر: (فأخذت لعقتي، ثم قلت) لرسول الله ﷺ : (يا رسول الله؛ أزداد أخرى) أي: أطلب أن تزيد لي لعقة أخرى، فـ (قال) لي: (نعم) أزيدك لعقة أخرى إن شاء الله تعالى، فزادني لعقة أخرى.
стр. 9743
(٨٢) - ٣٣٩٦ - (٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَاب، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَص،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(٨٢) - ٣٣٩٦ - (٣) (حدثنا علي بن سلمة) بن عقبة القرشي اللبقي - بفتح اللام والموحدة ثم قاف - النيسابوري، صدوق، من كبار الحادية عشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ)، يقال: إن البخاري روى عنه. يروي عنه: (خ ق).
(حدثنا زيد بن الحباب) - بضم المهملة وبموحدتين - أبو الحسين العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة، مات سنة ثلاث ومئتين (٢٠٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(حدثنا سفيان) بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي، ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن أبي الأحوص) عوف بن مالك بن نضلة - بفتح النون وسكون الضاد المعجمة - الجشمي الكوفي مشهور بكنيته، ثقة، من الثالثة، قتل قبل المئة في ولاية الحجاج على العراق. يروي عنه: (م عم).
стр. 9744
عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءَيْنِ: الْعَسَل، وَالْقُرْآنِ".
===
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات؛ وهو مرفوع أيضًا.
والقاعدة: أنه إذا اختلف في رفع الحديث ووقفه .. فالمرجح قول من رفع؛ لما عنده من زيادة العلم، فعبد الله بن مسعود رفع هنا الحديث إلى النبي ﷺ .
(قال) ابن مسعود: (قال رسول الله ﷺ : عليكم) أي: الزموا أيها المؤمنون التداوي والمعالجة (بالشفاءين: العسل، والقرآن) سميا بالشفاءين؛ لوصف الله تعالى كلًّا منهما بالشفاء؛ فإنه قال في العسل: ﴿ايَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ (١)، وقال في القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق محمد بن إسحاق عن علي بن سلمة به، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، فالحديث روي مرفوعًا وموقوفًا على عبد الله، فالرفع مقدم على الوقف؛ كما مر آنفًا، وله شاهد من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، رواه مالك في "الموطأ".
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح متنًا وسندًا، وله شاهد من القرآن
стр. 9745
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أيضًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث جابر بن عبد الله.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستئناس، والثاني للاستدلال، والثالث للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9746
(٣٥) - (١٢٦٤) - بَابُ الْكَمْأَةِ وَالْعَجْوَةِ
(٨٣) - ٣٣٩٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ شهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ،
===
(٣٥) - (١٢٦٤) - (باب الكمأة والعجوة)
(٨٣) - ٣٣٩٧ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أسباط بن محمد) بن عبد الرحمن بن خالد بن ميسرة القرشي مولاهم أبو محمد الكوفي، ثقة، ضعف في الثوري، مات سنة (٢٠٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا) سليمان بن مهران (الأعمش) الكاهلي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن جعفر بن إياس) أبو بشر بن أبي وحشية - بفتح الواو سكون المهملة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية - اليشكري، ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، وضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد، من الخامسة، مات سنة خمس، وقيل: ست وعشرين ومئة (١٢٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
стр. 9747
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاء لِلْعَيْن، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ؛ وَهِي شِفَاء مِنَ السَّمِّ".
===
(عن أبي سعيد) الخدري سعد بن مالك الأنصاري (وجابر) بن عبد الله الأنصاري المدنيين رضي الله تعالى عنهم.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه.
(قالا: قال رسول الله ﷺ : الكمأة) - بفتحتين بينهما ميم ساكنة - نوع (من المن) قال في "المنجد": الكمء: نبات يقال له أيضًا: شحم الأرض، يوجد في فصل الربيع تحت الأرض ويطلع بسرعة، وهو أصل مستدير؛ كالقلقاس لا ساق له ولا عرق، لونه يميل إلى غبرةٍ، كمَأَ وكَمُؤَ كَمْأةً (وماؤها شفاء للعين) إذا قطر فيها؛ والمن: هو الذي أنزله الله تعالى على بني إسرائيل، وقال الراغب: قيل: المن: شيء كالطَّلِّ فيه حلاوة يسقط على الشجر، قال القاضي: فأفاد أن المن لم يكن طعامًا واحدًا؛ كما يقوله المفسرون، وإنما كان أنواعًا، ومنه الكمأة.
(والعجوة) صنف من تمر المدينة (من الجنة؛ وهي) أي: العجوة (شفاء) أي: دواء (من السم).
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه النسائي في "الكبرى" في الوليمة، ورواه أحمد في "مسنده"، وروى الشيخان والترمذي الجملة الأولى منه.
ودرجته: أنه صحيح إن كان سنده حسنًا؛ لأن له شواهد، وغرضه: الاستدلال به، والله أعلم.
стр. 9748
(٨٣) - ٣٣٩٧ - (م) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الرَّقِّيَّانِ قَالَا: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنِ هِشَامٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ إِيَاسٍ، عَنْ أَبِي نَضرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،
===
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٨٣) - ٣٣٩٧ - (م) (حدثنا علي بن ميمون) الرقي العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئة (١٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(ومحمد بن عبد الله الرقيان) كل منهما ابن سابور - بالمهملة - الرقي ثم الواسطي النجار، ويقال له: ابن خالويه، صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(قالا: حدثنا سعيد بن مسلمة بن هشام) بن عبد الملك بن مروان الأموي، نزيل الجزيرة، ضعيف، من الثامنة، مات بعد التسعين ومئة. يروي عنه: (ت ق).
(عن الأعمش عن جعفر بن إياس) بن أبي وحشية اليشكري، من الخامسة، مات سنة خمس، وقيل: ست وعشرين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي نضرة) مالكِ بن نضْلَة الجشمي والد أبي الأحوص، صحابي قليل الحديث، رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (عم).
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، غرضه: بيان متابعة سعيد بن مسلمة لأسباط بن محمد في الرواية عن الأعمش، ولكن سعيد بن مسلمة، ضعيف، وفائدة المتابعة: بيان كثرة طرقه.
стр. 9749
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
(٨٤) - ٣٣٩٨ - (٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاح، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ سمِعَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ
===
(عن النبي ﷺ وساق سعيد بن مسلمة (مثله) أي: مثل حديث أسباط بن محمد.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي سعيد وجابر بحديث سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٤) - ٣٣٩٨ - (٢) (حدثنا محمد بن الصباح) بن سفيان الجرجرائي، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (د ق).
(أخبرنا سفيان بن عيينة) الهلالي الكوفي المكي، ثقة، من الثامنة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عبد الملك بن عمير) بن سويد اللخمي حليف بني عدي الكوفي، ويقال له: الفرسي - بفتحتين - ثم مهملة؛ نسبة إلى فرس له سابق، كان يقال له: القبطي - بكسر القاف وسكون الموحدة - وربما قيل ذلك أيضًا لعبد الملك، ثقة فصيح عالم تغير حفظه وربما دلس، من الرابعة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(سمع عمرو بن حريث) بن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي، صحابي صغير رضي الله تعالى عنه، مات سنة خمس وثمانين (٨٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(يقول) عمرو بن حريث: (سمعت سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل)
стр. 9750
يُحَدِّثُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّ الْكَمْأَةَ مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَاؤُهَا شِفَاءُ الْعَيْنِ.
===
العدوي أبا الأعور أحد العشرة المبشرة رضي الله تعالى عنهم، مات سنة خمسين (٥٠ هـ) أو بعدها بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(يحدث عن النبي ﷺ .
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن الكمأة) نوع (من المن الذي أنزلـ) ـه (الله) (على بني إسرائيل، وماؤها شفاء) أي: دواء لرمد (العين) ووجعها إذا قطر فيها.
قوله: (أن الكمأة من المن) - بفتح الكاف وسكون الميم - وجمعه كمًا؛ نظير شجرة، وعكس ابن الأعرابي، فقال: الكمأ: مفرد، والكمأة جمع، على خلاف القياس، وقيل: قد تطلق الكمأة على الواحد وعلى الجمع، وقد جمعوها على أكمؤٍ؛ كفلس وأفلس؛ كما قال الشاعر:
(ولقد جنيتك أكمؤًا وعساقلًا ... ولقد نهيتك عن بنات الأوبر)
وهي: نبات لا ورق لها ولا ساق، توجد في أرض النجد غالبًا وقت الربيع والخريف، اسمها في الأرميا: (القندالى).
والعساقل: الكبار البيض التي يقال لها: شحمة الأرض في الأرميا: (حَنْغُدَى) وهي تؤكل بعد القلي بالملح.
وبنات الأوبر: صغارها مرة، وهي سَامَّة لَا تُؤكل.
وقوله: (من المن) و (من) هنا بمعنى: الكاف التشبيهية.
والمعنى: الكمأة كالمن الذي أنزل الله على بني إسرائيل؛ بمعنى أنها تشبهه من حيث إن الكمأة تطلع بقدرة الله تعالى بلا كسب يتعلق بها؛ أي: من غير
стр. 9751
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كلفة منا ببذر ولا حرث ولا سقي، بل تنبت في وسط الليل بعد الغروب، وتؤكل عند الطلوع؛ كما أن المن ينزل عليهم فضلًا من الله تعالى من غير سبب منهم.
والمن: شيء مثل السكر والعسل أنزله الله تعالى على بني إسرائيل في أرض التيه على أشجارها، ويقال له: الترنجبين فيتناولونه ويأكلونه، وإنما نالت الكمأة هذا الثناء؛ لأنها من الحلال الذي ليس في اكتسابه شبهة.
قوله: (وماؤها للعين) قال القاضي عياض في "شرح مسلم": قال بعض أهل العلم بالطب في معنى هذا الحديث: إما لتبريد العين من بعض ما يكون فيها من الحرارة؛ فتستعمل فيها مفردة؛ وإما لغير ذلك؛ فمركبة مع غيرها. انتهى من "المفهم".
قال الخطابي في "شرحه على البخاري" (٢/ ١٨٠٠): قوله: (وماؤها شفاء للعين) بأن يربي به الكحل أو التوتيا أو نحوهما مما يكتحل به فينتفع بذلك، وليس بأن يؤخذ بحتًا فيكتحل فيتدواى به؛ لأن ذلك يؤذي العين ويقذيها، وهو الذي اختاره ابن الجوزي.
ويؤيده ما حكاه الحافظ من قول الغافقي في "المفردات": ماء الكمأة أصلح الأدوية للعين إذا عجن به الإثمد واكتحل به؛ فإنه يقوي الجفن، ويزيد البصر قوةً، ويدفع عنها النوازل.
واختار النووي: أن ماءها مجردًا شفاء للعين مطلقًا، فيعصر ماؤها، ويجعل في العين منه. انتهى.
وسبب هذا الحديث ما أخرجه الطبري من طريق ابن المنكدر عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كثرت الكمأة على عهد رسول الله ﷺ ، فامتنع قوم من أكلها، وقالوا: هي جدري الأرض، فبلغه ذلك،
стр. 9752
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فقال: "إن الكمأة ليست من جدري الأرض، إلا إن الكمأة من المن". ذكره الحافظ في "فتح الباري" (١/ ١٦٣ و ١٦٤).
وأخرج الترمذي: (٢٠٦٨) عن أبي هريرة: أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: إن الكمأة جدري الأرض، فقال النبي ﷺ : "الكمأة من المن". انتهى من "الكوكب".
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: وقد رأيت وغيري في زمننا من كان عمي وذهب بصره حقيقةً، فكحل عينه بماء الكمأة مجردًا، فشفي وعاد إليه بصره؛ وهو الشيخ العدل الأمين الكمال بن عبد الله الدمشقي، صاحب صلاح ورواية للحديث، وكان استعماله لماء الكمأة اعتقادًا في الحديث وتبركًا به، والله أعلم. انتهى "نووي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ (١)، ومسلم في كتاب الأشربة، باب فضل الكمأة ومداواة العين، والترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الكمأة والعجوة، والدارمي في كتاب الرقاق، وأحمد في "المسند" والنسائي في "الكبرى".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي سعيد وجابر بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 9753
(٨٥) - ٣٣٩٩ - (٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الصَّمَد، حَدَّثَنَا مَطَرٌ الْوَرَّاقُ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَذَكَرْنَا الْكَمْأَةَ، فَقَالُوا: هِيَ جُدَرِيُّ الْأَرْض، فَنُمِيَ الْحَدِيثُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ
===
(٨٥) - ٣٣٩٩ - (٣) (حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقةٌ، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ) يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عبد الصمد) عبد العزيز بن عبد الصمد العمي أبو عبد الصمد البصري، ثقةٌ حافظ، من التاسعة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ)، ويقال بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(حدثنا مطر الوراق) بن طهمان أبو رجاء السلمي مولاهم الخراساني، صدوق كثير الخطأ، وحديثه عن عطاء ضعيف، من السادسة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (١٢٥ هـ)، ويقال: سنة تسع وعشرين ومئة. يروي عنه: (م عم).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (١١٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه.
(قال) أبو هريرة: (كنا) معاشر الصحابة (نتحدث عند رسول الله ﷺ فذكرنا) في حديثنا ذلك (الكمأة، فقالوا) أي: قال بعضنا: (هي جدري الأرض) بضم الجيم وفتح الدال المهملة (فنمي) أي: رفع (الحديث) أي: أخبر حديثنا في شأن الكمأة (إلى رسول الله ﷺ أي: قولنا فيها: هي جدري الأرض.
стр. 9754
فَقَالَ: "الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّة، وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السَّمِّ".
(٨٦) - ٣٤٠٠ - (٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِي، حَدَّثَنَا الْمُشْمَعِلُّ
===
(فقال) رسول الله ﷺ ردًّا وإنكارًا لكلامنا فيها: (الكمأة من المن) أي: كالمن الذي أنزل على بني إسرائيل في حصولها من غير اكتساب وعمل وسبب من الإنسان.
(والعجوة): نوع جيد من أنواع تمر المدينة (من الجَنَّة) أي: كثمار الجَنَّة في كونها نافعة غير مضرة (وهي) أي: العجوة (شفاء) أي: دواء (من) ألم (السم) ومزيلة لضرره؛ أي: ليست كثمار الدنيا في كونها نافعة من جهة ومضرة من جهة أخرى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الطب، باب ما جاء في الكماة والعجوة، وقال: هذا حديث حسن غريب.
ودرجته: أنه صحيح وإن كان سنده حسنًا؛ لأن له شواهد مما تقدم وغيره، وغرضه: الاسشهاد به.
* * *
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي سعيد وجابر بحديث رافع رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(٨٦) - ٣٤٠٠ - (٤) (حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرَّحمن بن مهدي) بن حسان الأزدي البصري، ثقةٌ، من التاسعة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا المشمعل) بضم الميم الأولى وسكون المعجمة وفتح الميم الثانية
стр. 9755
ابْنُ إِيَاسٍ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْت رَافِعَ بْنَ عَمْرٍو والْمُزَنِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "الْعَجْوَةُ وَالصَّخْرَةُ مِنَ الْجَنَّةِ"، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حَفِظْتُ الصَّخْرَةً مِنْ فِيهِ.
===
وكسر المهملة وتشديد اللام (ابن إياس) وقيل: ابن عمرو بن إياس (المزني) البصري، ثقةٌ، من الرابعة. يروي عنه: (ق).
(حدثني عمرو بن سليم) - مصغرًا - المزني البصري، ثقةٌ، من الرابعة.
روى عن رافع بن عمرو المزني حديث العجوة والصخرة من الجَنَّة. يروي عنه: (ق).
(قال) عمرو بن سليم: (سمعت رافع بن عمرو المزني) أخا عائذ بن عمرو، صحابي سكن البصرة، وبقي إلى خلافة معاوية، ومنهم من قال فيه: عامر بن عمرو رضي الله تعالى عنه. يروي عنه: (د س ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) رافع بن عمرو: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: العجوة) التي هي نوع من تمر المدينة (والصخرة) التي في بيت المقدس نازلان (من الجَنَّة) إلى الدنيا؛ لينتفع بهما أهلها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (قال) لنا (عبد الرَّحمن) بن مهدي بهذا السند: قال رافع بن عمرو رضي الله تعالى عنه: (حفظت) هذا الحديث حتى لفظ (الصخرة من فيه) أي: من فمه ﷺ أتى بهذه الجملة تأكيدًا لقوله: سمعت رسول الله ﷺ .
ويحتمل أن يكون هذا من كلام ابن بشار؛ أي: قال ابن بشار: سمعت لفظ الصخرة من فيه؛ أي: من فم شيخي المشمعل بن إياس لا من ثبته، والله أعلم.
стр. 9756
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ولكن رواه أحمد في "مسنده" عن عبد الرَّحمن بن مهدي ويحيى القطان وعبد الصمد بن عبد الوارث، كلهم عن المشمعل به مسندًا، ورواه مسدد أيضًا في "مسنده"، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، رواه الحاكم في "المستدرك"، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح الإسناد والمتن؛ لأن له شواهد إلَّا لفظ الصخرة فهي ضعيفة، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: خمسة أحاديث:
الأول للاستدلال، والثاني للمتابعة، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9757
(٣٦) - (١٢٦٥) - بَابُ السَّنَى وَالسَّنُّوتِ
(٨٧) - ٣٤٠١ - (١) حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَرْجٍ الْفِرْيَابِيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السَّكْسَكِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي عَبْلَةَ
===
(٣٦) - (١٢٦٥) - (باب السنى والسنوت)
قال في "النهاية": السنى: هو العسل، وقيل: الرُّبُّ، وقيل: هو الكمون، وقيل: نبت معروف من الأدوية له خمل إذا يَبِس وحرَّكَتْهُ الريحُ .. سمعْتَ له زَجَلًا، الواحدة: سناة.
وفي "المنجد": هو نباتٌ كأنه الحناء، حبُّه مفَرْطَحٌ، ويروى بضم السين، والفتح أفصح.
والسَّنُّوت: قال في "النهاية": هو العسلُ.
* * *
(٨٧) - ٣٤٠١ - (١) (حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرج) - بالمهملة المفتوحة وراء ساكنة وجيم في آخره - وفي بعض النسخ: سريج - بالتصغير - (الفريابي) - بكسر الفاء وسكون الراء وتحتانية وموحدة - نسبة إلى بلد في الترك يسمى فرياب، أبو إسحاق، نزيل بيت المقدس، صدوق تكلم فيه الساجي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، من العاشرة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا عمرو بن بكر) بن تميم (السكسكي) الشامي، متروك، من التاسعة. يروي عنه: (ق).
(حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة) - بسكون الموحدة - واسمه: شِمْر - بكسر المعجمة - ابن يقظان بن عبد الله الرملي، وقيل: الشامي، يكنى: أبا إسماعيل،
стр. 9758
قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُبَيٍّ ابنَ أُمِّ حَرَامٍ وَكَانَ قَدْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ الْقِبْلَتَيْنِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "عَلَيْكُمْ بِالسَّنَى وَالسَّنُّوتِ؛
===
ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(قال) إبراهيم: (سمعت أبا أبي) الأنصاري، قيل: اسمه عبد الله بن عمرو، وقيل: عبد الله بن كعب، (ابن أم حرام) بالنصب صفة لأبي أُبي، أو عطف بيان له، أو بدل منه، وأمه أم حرام بنت ملحان امرأة عبادة بن الصامت، وخالة أنس، اسمها قيل: الغميصاء - بالغين المعجمة - وقيل: الرميصاء، هو صحابي نزل بيت المقدس، وهو آخر من مات من الصحابة بها رضي الله تعالى عنه، وزعم ابن حبان أن اسمه: شمعون. يروي عنه: (د ق).
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عمرو بن بكر السكسكي، وهو متروك، قال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به.
(وكان) أبو أبي (قد صلى مع رسول الله ﷺ إلى (القبلتين) أي: إلى الكعبة وبيت المقدس؛ أي: قال إبراهيم بن أبي عبلة: سمعت أبا أُبي حالة كونه (يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ... ) الحديث.
أي: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (عليكم) أي: الزموا التداوي (بالسنى) - بفتح المهملة وبالقصر -: نبت معروف من الأدوية - كما مر آنفًا - الواحدة منها سناة، وقيل: نبات كأنه الحناء.
(و) الزموا التداوي بـ (السنوت) - بفتح السين المهملة والنون المشددة المضمومة، بوزن تنور -: اسم نبت يسمى بالرب أو الكمون.
стр. 9759
فَإِنَّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا السَّامُ؟ قَالَ: "الْمَوْتُ"، قَالَ عَمْرٌو: قَالَ ابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: السَّنُّوتُ: الشِّبِتُّ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُوَ الْعَسَلُ الَّذِي يَكُونُ فِي زِقَاقِ السَّمْن، وَهُوَ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
هُمُ السَّمْنُ بِالسَّنُّوتِ لَا أَلْسَ فِيهِمُ ... وَهُمْ يَمْنَعُونَ جَارَهُمْ أَنْ يُقَرَّدَا
===
(فإن فيهما) أي: في السنى والسنوت (شفاء من كلّ داء إلَّا السام، قيل) له ﷺ : (يا رسول الله؟ وما السام؟ قال) رسول الله ﷺ في جواب السائل: السام هو (الموت، قال عمرو) بن بكر السكسكي: (قال) لنا إبراهيم (بن أبي عبلة: السنوت): هو (الشبت) - بكسر الشين المعجمة والموحدة آخره مثناة فوقية مشددة - قال في "المنجد": هو نبات كالثمرة، يقال له: زِرُّ الدجاج.
وقال عمرو بن بكر: (وقال) قوم (آخرون) أي: غير ابن أبي عبلة (بل هو) أي: السنوت (العسل الذي يكون) مدخرًا محفوظًا (في زقاق السمن) جمع زق؛ وهو القربة التي في أوعيته السمن وأوانيه؛ والسمن: الزبد المصفى من المخيض بعرضه على النار.
(وهو) أي: وشاهده؛ أي: وشاهد هذا التفسير (قول الشاعر:
همُ السَّمْنُ بالسَّنُّوتِ لا ألْسَ فِيهمُ ... وهم يمنعون جارهم أن يُقَرَّدا)
بالبناء للمفعول؛ من التقريد؛ وهو الخداع، والألف للإطلاق.
(هم) أي: أولئك القومُ الممدوحون (السمنُ) المخلوطُ (بالسنوت) أي: بالعسل؛ أي: رائحتُهم كالعسل المخلوط بالسمن (لا أَلْسَ) أي: لا خِيانةَ فيهم (وهم يمنعون) أي: يحفظون (جارهم أن يُقَرَّدَا) أي: من أن يُخدع ويُغبن جارُهم في أموره؛ ينصحون له لئلا يغبن.
стр. 9760
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (٧)(٣٥١)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا هذا الحديث الضعيف.
والله أعلم
стр. 9761
(٣٧) - (١٢٦٦) - بَابٌ: الصَّلَاةُ شِفَاءٌ
(٨٨) - ٣٤٠٢ - (١) حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُسَافِرٍ، حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ مِسْكِينٍ، حَدَّثَنَا ذُؤَادُ بْنُ عُلْبَةَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،
===
(٣٧) - (١٢٦٦) - (باب: الصلاة شفاء)
(٨٨) - ٣٤٠٢ - (١) (حدثنا جعفر بن مسافر) بن راشد التنيسي أبو صالح الهذلي، صدوق ربما أخطأ، من الحادية عشرة، مات سنة أربع وخمسين ومئتين (٢٥٤ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا السري بن مسكين) المدني، مدني مقبول، من التاسعة. يروي عنه: (ق)، قال في "التهذيب": روى عن ذؤاد بن علبة، ويروي عنه: جعفر بن مسافر، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال: مستقيم الحديث، روى له ابن ماجة حديثًا واحدًا؛ وهو حديث: (اشكمت درد).
(حدثنا ذؤاد) بضم الذال المعجمة ثم همزة مفتوحة آخره دال مهملة (ابن علبة) - بضم المهملة وسكون اللام بعدها موحدة - الحارثي أبو المنذر الكوفي، ضعيف عابد، من الثامنه. يروي عنه: (ت ق)، روى عن ليث بن أبي سليم، ويروي عنه: السري بن مسكين، قال الدوري عن ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن أبي مريم عن ابن معين: لا يكتب حديثه.
(عن ليث) بن أبي سليم - مصغرًا - اسمه أيمن بن زنيم - بالزاي والنون مصغرًا - القرشي مولاهم أبي بكر الكوفي، صدوق اختلط جدًّا ولم يتميَّزْ حديثه فتُرِك، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (١٤٨ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مجاهد) بن جبر أبي الحجاج المخزومي مولاهم المكي، ثقةٌ ثبت
стр. 9762
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: هَجَّرَ النَّبِيُّ ﷺ فَهَجَّرْتُ فَصَلَّيْتُ ثُمَّ جَلَسْتُ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "اشِكَمَتْ دَرْدْ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: "قُمْ فَصَلِّ؛ فَإِنَّ فِي الصَّلَاةِ شِفَاءً".
===
إمام في التفسير وفي العلم، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه ليث بن أبي سليم، وهو متروك، وفيه ذؤاد بن علبة، وهو أيضًا ضعيف.
(قال) أبو هريرة: (هجَّر) من التهجير؛ وهو التبكير إلى الشيء والمبادرةُ إليه؛ أي: بكَّر (النبي ﷺ إلى المسجد (فهَجَّرْتُ) أي: بكرت أنا أيضًا إلى المسجد (فصلَّيْتُ) أنا صلاة النافلة، لعلها صلاة الضحي، أو تحية المسجد (ثم) بعد صلاتي (جلست) جنبه ﷺ (فالتفتَ إليَّ) أي: إلى جهتي (النبي ﷺ فقال) لي النبي ﷺ بلغة الفارسية: (اشكمت) أي: وجعت (دَرْدْ) أي: بطنك؟ بمعنى: أتشتكي بطنك؟ أي: وجعه؛ كما فسره كذلك بعض الرواة، فـ (قلت) له: (نعم) أشتكي بطني (يا رسول الله) فـ (قال) لي: (قم فصل) أيضًا (فإن في الصلاة شفاء) من كلّ داء حسية أو معنوية.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف (٨)(٣٥٢)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به.
* * *
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فقال:
стр. 9763
(٨٨) - ٣٤٠٢ - (م) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ نَصرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا ذُؤَادُ بْنُ عُلْبَةَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ: اشِكَمَتْ دَرْدْ؛ يَعْنِي: تَشْتَكِي بَطْنَكَ؟ بِالْفَارِسِيَّة، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: حَدَّثَ بهِ رَجُلٌ لِأَهْلِهِ
===
(٨٨) - ٣٤٠٢ - (م) (قال أبو الحسن القطان) اسمه: علي بن إبراهيم بن سلمة القزويني الحافظ، تلميذ المؤلف، وهو من كلام أبي عيسى الجلودي تلميذ أبي الحسن القطان.
(حدثنا إبراهيم بن نصر) لَمْ أرَ مَنْ ذكَرَ ترجمته.
(حدثنا أبو سلمة) الحكم بن عبد الله بن خُطاف - بضم المعجمة آخره فالله - العامِلي - بكسر الميم - نسبة إلى عاملة من قضاعة الشامي الأُرْدُنِيُّ، قال أبو حاتم: كذاب متروك الحديث، من السابعة. روى عنه: (ق).
(حدثنا ذؤاد بن علبة) عن ليث عن مجاهد عن أبي هريرة.
وهذا السند من سداسياته أيضًا، وحكمه: الضعف (٨)(٣٥٢) (م)؛ لأن فيه أبا سلمة الحكم بن عبد الله، وهو كذاب متروك، وفيه أيضًا ليث بن أبي سليم، وغرضه: بيان متابعة أبي سلمة للسري بن مسكين في رواية هذا الحديث عن ذؤاد بن علبة.
(فذكر) أبو سلمة (نحوه) أي: نحو حديث السري (وقال) أبو سلمة: (فيه) أي: في ذلك النحو؛ أي: قال في تفسير الكلمة الفارسية: قوله: (اشكمت درد؛ يعني) النبي ﷺ بهذا السؤال: (تشتكي بطنك؟ بالفارسية) ففي الكلام تقديم وتأخير.
قال أبو الحسن القطان: (قال أبو عبد الله) بن ماجة: (حدث به) أي: بهذا الحديث؛ أي: قال (رجل) أي: بهذه الكلمة الفارسية (لأهله) أي:
стр. 9764
فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِ.
===
لزوجه (فاستعدوا) أي: فاستعدى أهله واستعانوا (عليه) أي: على الانتقام منه بالوالي؛ لأنهم ظنوا أنَّها كلمة سب وشتم؛ أي: رفعوه إلى القاضي؛ لينتقم لهم منه؛ لظنهم أنَّها كلمة قذف بالزنا، يقال: استعديت الأمير على فلان فأعداني؛ أي: استعنت به عليه؛ لينتقم لي منه ظلامتي، والاسم منه العدوى؛ وهي المعونة؛ والاستعداء: طلبك إلى الوالي ليعديك على من ظلمك؛ أي: لينتقم لك منه.
تتمة
قوله: (فإن في الصلاة شفاء) قال الموفق: الصلاة قد تبرئ من الم الفؤاد والمعدة والأمعاء وكذلك من كلّ الآلام، ولذلك ثلاث علل:
الأولى: أنَّها أمر إلهي حيث كانت عبادة؛ يريد أنَّها تدفع الأمراض بالبركة.
والثانية: أن النفس تلهو فيها عن الألم، ويقل إحساسها فتستظهر القوة عليه؛ فإن قوة الأعضاء والمعدة بمصَالحِه وحواسه التي سمتها الأطباء طبيعة .. هي الشافية الأمراض بإذن خالقها، والماهر من الأطباء يعمل كلّ حيلة في تقويتها إن كانت ضعيفة، وفي انتباهها إن كانت غافلة، وفي إلفاتها إن كانت معرضة، وفي استزادتها إن كا نت مقصرة؛ تارة بتحريك السرور والفرح، وتارة بالحياء والخوف والخجل، وتارة بتذكيرها وشغلها بعظائم الأمور وعواقب المصير وأمر المعاد؛ والصلاة تجمع ذلك كله أو أكثره؛ إذ يَحُضُّ العبدَ فيها خوف ورجاء وأمل وتذكر الآخرة وأحوالها، وكثير من الأمراض المزمنة تُشْفَى بالأوهام.
والثالثة: أمر ظني؛ وذلك أن الصلاة رياضة فاضلة للنفس؛ لأنَّها تشتمل على انتصاب وركوع وسجود وتورك، وغير ذلك من الأوضاع التي تتحرك معها
стр. 9765
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أكثر المفاصل، وينغمز فيها أكثر الأعضاء، سيما المعدة والأمعاء وسائر آلات التنفس والغذاء عند السجود، وما أنفع السجود الطويل لصاحب النزلة والزكام، وما أنفع السجود لانصباب النزْلَةِ إلى الحلْق، وما أشد إعانة السجود الطويل على فتح سدد المنخرين في علة الزكام وإنضاج مادته، وما أقوى معاونة السجود على هضم الطعام من المعدة والأمعاء وتحريكِ الفُضول المُتَخَلِّقةِ فيها وإخراجها؛ إذ عنده تنحصر الآلات بازدحام، ويتساقط بعضها على بعض، وكثيرًا ما تستر الصلاة النَّفسَ، وتمحقُ الهم والحزن، وتُذيب الآمال الخائبة، وتكشفُ عن الأوهام الكاذبة، ويصفُو فيها الذهنُ، وتُطفِي نارَ الغضب. انتهى منه.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستئناس، والثاني للمتابعة.
والله أعلم
стр. 9766
(٣٨) - (١٢٦٧) - بَابُ النَّهْيِ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ
(٨٩) - ٣٤٠٣ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ؛ يَعْنِي: السُّمَّ.
===
(٣٨) - (١٢٦٧) - (باب النهي عن الدواء الخبيث)
(٨٩) - ٣٤٠٣ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن يونس بن أبي إسحاق) السبيعي أبي إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلًا، من الخامسة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئة (١٥٢ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي، ثقةٌ إمام في التفسير، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (١٠٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (نهى رسول الله ﷺ نهي كراهة مع عدم الحاجة إليه؛ بأن يكون هناك دواء غيره يغني عنه، ويقوم مقامه من الطاهرات، قاله الشافعي (عن) التداوي بـ (الدواء الخبيث) قيل: هو النجس أو الحرام أو ما ينفر عنه الطبع، وفسره المؤلف بقوله: (يعني) النبي ﷺ بالخبيث: (السم) وكذا في رواية الترمذي والتفسير من الراوي أو ممن بعده.
стр. 9767
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الخطابي: (الدواء الخبيث) قد يكون خبثه من وجهين؛ أحدهما: خبث النجاسة؛ وهو أن يدخله المحرم؛ كالخمر ونحوها من لحوم الحيوان غير المأكولة اللحم، وقد يصف بعض الأطباء الأبوال وعذرة بعض الحيوان لبعض العلل، وهي كلها خبيثة نجسة، وتناولها محرم إلَّا ما خصته السنة من أبوال الإبل، وقد رخص فيها رسول الله ﷺ لنفر عرينة وعكل، وقاعدة السنن؛ أن يُقَرَّ كلّ شيء منها في محله، وألا يضرب بعضها ببعض، وقد يكون خبث الدواء أيضًا من جهة الطعم والمذاق، ولا ينكر أن يكون ذلك؛ لما فيه من المشقة على الطباع، ولكره النفس إياه، والغالب أن طعوم الأدوية كريهة، ولكن بعضها أيسر احتمالا وأقل كراهة. انتهى، انتهى من "العون".
قوله: (يعني السم) هذا تفسير الخبيث من أبي هريرة أو ممن دونه، قال الحافظ في "الفتح": وحمل الحديث على ما ورد في بعض طرقه أولى، وقد ورد في آخر الحديث متصلًا به؛ يعني: السم. انتهى.
قال الماوردي وغيره: السموم على أربعة أضرب؛ منها: ما يقتل كثيره وقليله؛ فأكله حرام للتداوي ولغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١)، ومنها: ما يقتل كثيره دون قليله، فأكل كثيره الذي يقتل حرام للتداوي وغيره، والقليل منه إن كان مما ينفع في التداوي .. جاز أكله تداويًا، ومنها: ما يقتل في الأغلب، وقد يجوز إلَّا يقتل، فحكمه كما قبله، ومنها: ما لا يقتل في الأغلب، وقد يجوز أن يقتل، فذكر الشافعي في موضعٍ إباحة أكله، وفي موضعٍ تحريم أكله، فجعله بعض أصحابه على حالين؛ فحيث أباح أكله .. فهو إذا
стр. 9768
(٩٠) - ٣٤٠٤ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَرِبَ سُمًّا
===
كان للتداوي، وحيث حرم أكله .. فهو إذا كان غير منتفع به في التداوي. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطب، باب الأدوية المكروهة، والترمذي في كتاب الطب، باب فيمن قتل نفسه بالسم، قال أبو عيسى: الخبيث يعني: السم. وأحمد، والحاكم.
فدرجة هذا الحديث: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
* * *
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(٩٠) - ٣٤٠٤ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع) بن الجراح.
(عن) سليمان (الأعمش) ثقةٌ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي صالح) ذكوان السمان، ثقةٌ، من الثالثة، مات سنة إحدى ومئة (١٠١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : من شرب) وتجرع (سمًا) - مثلثة السين المهملة - أي: سمًا قاتلًا من الأدوية، قال السندي:
стр. 9769
فَقَتَلَ نَفْسَهُ .. فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا".
===
ينبغي حمل (شرب) على معنى: (دخل جوفه وباطنه) فإنه قد يخلط بالماء فيشرب، وقد يخلط بالطعام فيؤكل.
(فقتل نفسه .. فهو) أي: فذلك الشارب في الدنيا (يتحساه) أي: يتحسى ذلك السم ويشربه ويتجرعه في الآخرة (في نار جهنم) وجهنم: اسم لطبقة من نار الآخرة غير منصرف؛ إما للعجمة والعلمية، وإما للتأنيث والعلمية، حالة كونه (خالدًا) أي: ماكثًا فيها مكثًا طويلًا، وحالة كونه (مخلدًا فيها أبدًا) أي: في نار جهنم؛ أي: مؤبدًا فيها لا خروج له منها ولا موت، هذا في حق المستحل بشربه، أو المراد: المكث الطويل فيها؛ لأن المؤمن لا يبقى في النار خالدًا مؤبدًا، قاله العيني. انتهى من "العون".
قلت: هكذا روي هذا الحديث عن الأعمش بزيادة (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)، وهكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة بغير ذكر (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا)، ورواية أبي الزناد هكذا وصلها البخاري في "صحيحه" بغير ذكر هذه الزيادة، وهذا؛ أي: حديث أبي هريرة الذي لَمْ يذكر فيه زيادة: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) أصح؛ أي: من حديثه الذي ذكرت فيها هذه الزيادة؛ أعني: زيادة: (خالدًا مخلدًا فيها أبدًا) لأن الروايات إنما جاءت بأن أهل التوحيد يعذبون في النار، ثم يخرجون منها، ولم تذكر أنهم مخلدون فيها، فهذه الزيادة وهم من الأعمش؛ لأنَّها تخالف الروايات التي جاءت بأن أهل التوحيد يعذبون في النار ثم يخرجون منها.
قلت: هذه الزيادة زادها الأعمش، وهو ثقةٌ حافظ، وزيادة الثقة مقبولة، فتأويل هذه - كما مر آنفًا - أولى من توهيمها. انتهى "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري: في كتاب الطب، باب
стр. 9770
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
شرب السم، ومسلم في كتاب الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، وأبو داوود في كتاب الطب، باب الأدوية المكروهة، والترمذي في كتاب الطب، باب فيمن قتل نفسه بسم، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الجنائز، باب ترك الصلاة على من قتل نفسه.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
* * *
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم