وَاللهُ يَشْفِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءِ فِيكَ، مِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ،
===
وجملة قوله: (والله يشفيك) جملة معترضة بين الجار ومتعلقه في محل النصب حال، وقوله: (من كل داء فيك) جار ومجرور متعلق بـ (أرقيك).
والمعنى: باسم الله أرقيك وأعالجك من كل داء ومرض فيك، حالة كون الله تعالى يشفيك ويعافيك من كل مرض فيك.
ويحتمل تعلق الجار والمجرور بـ (يشفيك) لقربه؛ والمعنى حينئذ: أرقيك وأقرأ عليك أسماء الله، والله يشفيك ببركة أسمائه من كل داء ومرض فيك.
والجار والمجرور في قوله: (من شر النفاثات في العقد) بدل من الجار والمجرور قبله؛ أي: وأرقيك من شر وضرر السواحر النفاثات؛ أي: النفاخات بنفسهن في العقد؛ أي: في عقد الحبل التي عقدنها كما قرأن عليه سحرًا؛ أو المعنى: والله يشفيك من كل داء فيك، ويشفيك ويعافيك من شر وضرر السواحر اللاتي قرأن السحر على عقد الحبل التي عقدنها عند قراءة السحر على الحبل.
وحاصل المعنى: باسم الله أرقيك من كل داء فيك، ومن شر وضرر النساء أو النفوس السواحر اللاتي ينفثن وينفخن في العقد؛ أي: في عقد الوتر أو الحبال عند القراءة على تلك العقد ليسحرن بها، جمع نفاثة - بالتشديد - صيغة مبالغة يراد منها: تكرار الفعل والاحتراف، من النفث وهو شبه النفح يكون في الرقية ولا ريق معه، فإن كان معه ريق .. فهو التفل، يقال منه: نفَثَ الرَّاقِي، ينفث - بالضم - وينفث - بالكسر - إذا نفخ على المريض بعد القراءة.
و(العقد) جمع عقدة؛ ح وهي ما يعقده الساحر ويربطه ويمسكه على وتر - بفتحتين - القوس أو حبل أو شعر وهو ينفث عليه، وأصله: من العزيمة،
стр. 9942
وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
===
ولذلك يقال لها: عزيمة؛ كما يقال لها: عقدة، ومنه يقال للساحر: معقد.
أو المعنى: والله يشفيك ويعافيك من كل داء فيك، ويسلمك من شر السواحر اللاتي ينفثن وينفخن في عقد الحبل إذا قرأن عليه السحر.
(و) يسلمك ويحفظك (من شر) وحسد كل (حاسد إذا حسد) ك؛ أي: إذا أراد حسدك وأظهر ما في نفسه من الحسد، وعمل بمقتضاه ترتيب مقدمات الشر ومبادي الإضرار بالمحسود قولًا أو فعلًا.
والتقييد بذلك؛ لما أن ضرر الحسد قبله إنما يحيق ويضر بالحاسد؛ لاغتمامه بنعمة المحسود؛ والحسد: أن تتمنى زوال نعمة المحسود عنه مطلقًا، دينية كانت أو دنيوية، يقال: حسده يحسده؛ من باب دخل.
وقال بعضهم: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضًا، ولا ينال في الخلوة إلا جزعًا وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزنًا واحتراقًا، ولا ينال من الله إلا بغضًا ومقتًا. انتهى، انتهى من "الحدائق".
وقوله: (ثلاث مرات) منصوب على أنه مفعول مطلق لقال؛ أي: قال هذا الذكر قولًا ثلاث مرات.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١٢)(٣٥٦)؛ لضعف سنده لما تقدم، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث عائشة الأول بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
стр. 9943
(١٥٥) - ٣٤٦٩ - (٦) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ هِشَامٍ الْبَغْدَادِيُّ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ خَلَّادٍ الْبَاهِلِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مِنْهَالٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ،
===
(١٥٥) - ٣٤٦٩ - (٦) (حدثنا محمد بن سليمان بن هشام) الشطوي - بفتح المعجمة والمهملة - (البغدادي) ضعيف، من الحادية عشرة، مات سنة خمس وستين ومئتين (٢٦٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا أبو بكر) محمد (بن خلاد) بن كثير (الباهلي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (م د س ق).
(حدثنا أبو عامر) العقدي - بفتحتين - عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس ومئتين (٢٠٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال كل من وكيع وأبي عامر: (حدثنا سفيان) بن سعيد الثوري، ثقة إمام، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي أبي عتاب الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من الخامسة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة (١٣٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن منه (ل) بن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي، صدوق ربما وهم، من الخامسة، ووثقه ابن معين والنسائي. يروي عنه: (خ عم).
(عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي، ثقة ثبت فقيه، من الثالثة،
стр. 9944
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ؛ يَقُولُ: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّة، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ"، قَالَ: "وَكَانَ أَبُونَا إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ
===
قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين (٩٥ هـ)، ولم يكمل عمره خمسين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من سباعياته، وحكمهما: الصحة، ولم يقدح في هذا السند محمد بن سليمان البغدادي؛ لأنه إنما ذكره على سبيل المقارنة ليس مقصودًا في السند؛ لأنه إنما قارنه بأبي بكر بن خلاد.
(قال) ابن عباس: (كان النبي ﷺ يُعوِّذُ الحسنَ والحسين) ابني فاطمةَ وعلي رضي الله تعالى عنهما - بضم الياء وكسر الواو المشددة - من التعويذ (يقول) في تعويذهما: (أعوذ) كما وأحصنكما وأستحفظكما من كل سوء (بكلمات الله التامة) باتصافها بكل الكمالات وتنزهها عن كل النقائص.
وقال في "العون": قوله: "التامة" أي: الخالية عن العيوب أو الوافية في دفع ما يتعوذ منه، وأعوذكما (من كل شيطان) مارد؛ أي: متمرد (و) من شر كل دابة (هامة) وهي - بتشديد الميم -: واحدة الهوام؛ وهي ذوات السموم؛ كالحية والعقرب (ومن) شر (كل عين لامة) أي: مصيبة لمن نظرت إليه بلمم؛ واللمم: كل داء ينقص تمييز وعقل من أصابه؛ كالخبل والجنون والإغماء والوسوسة؛ أي: من كل عين تصيب من نظرت إليه بسوء ومرض.
ثم (قال) النبي ﷺ : (وكان أبونا) الأكبر وجدُّنا الأعلى؛ لأنه كان جد العرب (إبراهيم) الخليل ﵇ (يعوذ) ويستحصن
стр. 9945
بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ - أَوْ قَالَ -: إِسْمَاعِيلَ وَيَعْقُوبَ"، وَهَذَا حَدِيثُ وَكِيعٍ.
===
ويستحفظ (بها) أي: بكلمات الله التامة (إسماعيل وإسحاق) ولديه في صغرهما؛ أي: بقرائتها عليهما (أو قال) النبي ﷺ والشك من ابن عباس أو ممن دونه: يعوذ بها (إسماعيل ويعقوب) بن إسحاق (وهذا) المذكور لفظ (حديث وكيع) بن الجراح، وأما أبو عامر .. فروى معنى هذا الحديث لا لفظه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء، باب حديث أبي ذر أي مسجد وضع في الأرض، وأبو داوود في كتاب السنة، باب في القرآن، والترمذي في كتاب الطب.
فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول منها للاستدلال، وواحد للاستئناس، وأربعة للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9946
(٦٤) - (١٢٩٣) - بَابُ مَا يُعَوَّذُ بِهِ مِنَ الْحُمَّى
(١٥٦) - ٣٤٧٠ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ الْأَشْهَلِيُّ، عَنْ دَاوُودَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
===
(٦٤) - (١٢٩٣) - (باب ما يعوذ به من الحمى)
(١٥٦) - ٣٤٧٠ - (١) (حدثنا محمد بن بشار) العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (٢٥٢ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا أبو عامر) العقدي - بفتح المهملة والقاف - عبد الملك بن عمرو القيسي، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع أو خمس ومئتين. يروي عنه: (ع).
(حدثنا إبراهيم) بن إسماعيل الأنصاري (الأشهلي) مولاهم المدني، ضعيف، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ت س). وفي "التهذيب": ضعفه الجمهور، ووثقه ابن معين، وضعف الترمذي هذا الحديث يروي عنه: (ت ق).
(عن داوود بن حصين) الأموي مولاهم أبي سليمان المدني، ثقة، إلا في عكرمة، ورمي برأي الخوارج، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) البربري الهاشمي مولاهم المكي، ثقة عالم بالتفسير، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
فهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه إبراهيم الأشهلي، وثقه أحمد، وضعفه الجمهور، وفيه داوود بن الحصن، فهو منكر فيما رواه عن عكرمة.
стр. 9947
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى وَمِنَ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولُوا: "بِاسْمِ اللهِ الْكَبِير، أَعُوذُ بِاللهِ الْعَظِيمِ مِنْ شَرِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ"،
===
(أن النبي ﷺ كان يعلمهم) أي: يعلم الناس العوذة والعلاج والرقية (من الحمى) والسخو نة (و) العلاج (من الأوجاع) والآلام الحادثة في البدن (كلها) - بالكسر - توكيد للأوجاع؛ كالصداع والزكام والرمد ووجع الأذن والأنف، وأمرهم (أن يقولوا) في علاجها: أتبرك (باسم الله الكبير) أي: العظيم المنزه عن كل النقائص المتصف بكل الكمالات (أعوذ) وأتحصن (بالله العظيم) أي: الشديد البطش على من خالفه (من شر) وضرر (عرق نعار) - بفتح النون وتشديد العين المهملة على وزن فعال - أي: متدفق الدم مضطربه؛ لشدة حرارة الحمى.
وفي "النهاية": نعر العرق بالدم؛ إذا ارتفع وعلا، وجرح نعار؛ أي: متفجر الدم، ونعور؛ إذا صوت دمه عند خروجه؛ واليعَّار - بالياء وتشديد العين - قال القاضي في "شرح الترمذي": النَعَّار - بفتح النون وتشديد العين -: هو الذي يرتفع دمه ويزيد فيحدث فيه الحر؛ واليعار: المضطرب من عكة الحمى وحرارتها، فهي الخلط فيه. وفي "النسخة الهندية": (يُعَارُّ) - بضم الياء وفتح العين وضم الراء المشددة - من العرارة؛ وهي الشدة وسوء الخلق، ومنه: إذا استعر عليكم شيء من النعم؛ أي: نَدَّ وَاسْتَعْصَى.
وأما (يَعَّار) - بفتح الياء والعين المشددة - .. فلم نجد له في كتب اللغة معنىً يناسب هذا المقام.
وقوله: (ومن شر حر النار) معطوف على: (شر عرق نعار).
стр. 9948
قَالَ أَبُو عَامِرٍ: أَنَا أُخَالِفُ النَّاسَ فِي هَذَا أَقُولُ: يَعَّارٍ.
(١٥٦) - ٣٤٧٠ - (م) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي حَبِيبَةَ الْأَشْهَلِيُّ،
===
(قال أبو عامر) العقدي راوي الحديث: (أنا أخالف الناس في) بعض ألفاظ (هذا) الحديث؛ لأني (أقول: يَعَّارِ) - بالياء والعين المشددة وكسر الراء - بدل قولهم: (نعار) بالنون المفتوحة وتشديد العين وكسر الراء في آخره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الطب، باب رقم (٢٦)، الحديث رقم (٢٥٧٥).
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وإبراهيم يضعف، وداوود بن حصين منكر فيما روى عن عكرمة، ثقة في غيره.
ودرجته: أنه ضعيف (١٣)(٣٥٧)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
ثم ذكر المؤلف المتابعة في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٥٦) - ٣٤٧٥ - (م) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني (الدمشقي) لقبه دحيم مصغرًا.
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) - مصغرًا - الديلي مولاهم المدني، اسمه دينار، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (٢٠٠ هـ) على الصحيح. يروي عنه: (ع).
(أخبرني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة) الأنصاري (الأشهلي) مولاهم المدني، ضعيف، من السابعة، ووثقه ابن معين؛ كما مر آنفًا، مات سنة خمس
стр. 9949
عَنْ دَاوُودَ بْنِ الْحُصَيْن، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ، وَقَالَ: "مِنْ شَرِّ عِرْقٍ يَعَّارٍ".
(١٥٧) - ٣٤٧١ - (٢) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ دِينَارٍ الْحِمْصِيُّ،
===
وستين ومئة (١٦٥ هـ). يروي عنه: (ت ق)، وفي "التقريب": (ت س).
(عن داوود بن الحصن) الأموي، ثقة إلا في عكرمة، من السادسة، مات سنة خمس وثلاثين ومئة (١٣٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم، ثقة، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس، عن النبي ﷺ .
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف (١٣)(٣٥٧) (م)؛ كالسند الذي قبله، وغرضه: بيان متابعة ابن أبي فديك لأبي عامر العقدي.
وساق ابن أبي فديك (نحوه) أي: نحو حديث أبي عامر (و) لكن (قال) ابن أبي فديك في رواية: (من شر عرق يعار)، وقد تقدم تفسيره.
* * *
ثم استدل المؤلف على الترجمة بحديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٥٧) - ٣٤٧١ - (٢) (حدثنا عمرو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار الحمصي) القرشي مولاهم أبو حفص، صدوق، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (د س ق). وثقه أبو داوود، ومسلمة وابن حبان، والنسائي.
стр. 9950
حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ ابْنِ ثَوْبَانَ، عَنْ عُمَيْرٍ أَنَّهُ سَمِعَ جُنَادَةَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ
===
(حدثنا أبي) عثمان بن سعيد بن كثير بن دينار القرشي مولاهم أبو عمرو الحمصي، ثقة عابد، من التاسعة، مات سنة تسع ومئتين (٢٠٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(عن) عبد الرحمن بن ثابت (بن ثوبان) العنسي - بالنون - الدمشقي الزاهد، صدوق يخطئ ورمي بالقدر وتغير بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس وستين ومئة (١٦٥ هـ)، وهو ابن سبعين. يروي عنه: (عم)، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
(عن عمير) - مصغرًا - ابن هانئ العنسي - بسكون النون ومهملتين - أبي الوليد الدمشقي الداراني، ثقة، من كبار الرابعة، قتل سنة سبع وعشرين ومئة (١٢٧ هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(أنه سمع جنادة بن أبي أمية) - بضم الجيم ثم نون - أبي عبد الله الأزدي الشامي، يقال: اسم أبيه كبير، مختلف في صحبته، فقال العجفي: تابعي ثقة، والحق أنهما اثنان؛ صحابي وتابعي، متفقان في الاسم وكنية الأب، وقد بينت ذلك في كتابي في الصحابة، ورواية جنادة الأزدي عن النبي ﷺ في "سنن النسائي"، ورواية جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت في الكتب الستة. يروي عنه: (ع).
(قال) جنادة: (سمعت عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبا الوليد المدني أحد النقباء البدري المشهور رضي الله تعالى عنه، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين (٣٤ هـ)، وقيل: عاش إن خلافة معاوية. يروي عنه: (ع).
стр. 9951
يَقُولُ: أَتَى جِبْرَائِيلُ ﵇ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ يُوعَكُ فَقَالَ: "بِاسْمِ اللهِ أَرْقِيكَ، مِنْ كُلِّ شَيءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ حَسَدِ حَاسِدٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ اللهُ يَشْفِيكَ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه عبد الرحمن بن ثوبان، وهو مختلف فيه.
أي: قال جنادة: سمعت عبادة بن الصامت، حالة كونه (يقول: أتى) وجاء (جبرائيل) الأمين ﵇ النبي ﷺ وهو) أي: والحال أنه ﷺ (يوعك) - بالبناء للمجهول - من وعك الثلاثي، يقال: وعكته الحمى؛ إذا أخذته السخونة؛ فهو موعوك؛ أي: محموم (فقال) له جبريل: (باسم الله أرقيك) أي: أعالجك بالقراءة عليك (من كل شيء) ومرض (يؤذيك) أي: يوصل الأذى والضرر (من حَسَدِ حاسدٍ) لك.
وقوله: (ومن كل) إصابة (عين) عائن .. متعلق بقوله: (الله يَشْفِيك) ويبرئك ويعافيك؛ أو معطوف على الجار والمجرور قبله على كونه بيانًا لكل شيء.
وقوله: "باسم الله أرقيك" الاسم هنا: يراد به المسمى؛ وهو الذات العلمية، فكأنه قال: بذات الله وقدرته؛ نظير قوله تعالى؛ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) أي: سبح ربك، فالاسم مقحم، ولفظة الاسم في أصله عبارة عن الكلمة الدالة على المسمى، والمسمى هو مدلولها، غير أنه قد يتوسع فيوضع الاسم موضع المسمى توسعًا.
وقوله: "من حسد حاسد" دليل: على أن الحسد يؤثر؛ أي: يتسبب في المحسود ضررًا يقع به؛ إما في جسمه بمرض أو في ماله، وما يختص به؛
стр. 9952
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
كولده بضرر، وذلك بإذن الله تعالى ومشيئته؛ كما قد أجرى عادته، وحقق إرادته، فربط الأسباب بالمسببات، وأجرى بذلك العادات، ثم أمرنا بدفع ذلك بالالتجاء إليه والدعاء له، وأحالنا على الاستعانة بالعوذ والرقى. انتهى من "المفهم".
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث عبادة أيضًا، ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده" عن زيد بن الحباب عن عبد الرحمن بن ثوبان بإسناده ومتنه، ورواه عبد بن حميد عن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن حبان في "موارد الظمآن"، والبغوي في "شرح السنة"، والطحاوي في "مشكل الآثار".
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب ثلاثة أحاديث:
الأول للاستئناس، والثاني للمتابعة، والأخير للاستدلال.
والله أعلم
стр. 9953
(٦٥) - (١٢٩٤) - بَابُ النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ
(١٥٨) - ٣٤٧٢ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالُوا: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ،
===
(٦٥) - (١٢٩٤) - (باب النفث في الرقية)
(١٥٨) - ٣٤٧٢ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن ميمون الرقي) العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (٢٤٦ هـ). يروي عنه: (س ق).
(وسهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي الرازي أبو عمرو الخياط الأشتر الحافظ، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قالوا) أي: قال كل من الثلاثة: (حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مالك بن أنس) بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي أبي عبد الله المدني الفقيه إمام دار الهجرة، رأس المتقنين وكبير المتثبتين حتى قال البخاري: أصح الأسانيد كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر، من السابعة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم بن شهاب (الزهري) المدني، ثقة إمام الأئمة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
стр. 9954
عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنْفِثُ فِي الرُّقْيَةِ.
(١٥٩) - ٣٤٧٣ - (٢) حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْنُ بْنُ عِيسَى
===
(عن عروة) بن الزبير، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ كان ينفث) وينفخ على المريض (في الرقية) أي: في معالجة المريض بالقراءة عليه بعد كل مرة، وفي "النهاية": النفث بالفم، وهو شبيه بالنفخ، وهو أقل وأخف من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق.
وفي "الإرشاد": النفث - بفتح النون وسكون الفاء بعدها مثلثة - وهو كالنفخ وأقل من التفل، معه ريق قليل أو بلا ريق. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة الأول بحديث آخر لها رضي الله تعالى عنها، فقال:
(١٥٩) - ٣٤٧٣ - (٢) (حدثنا سهل بن أبي سهل) زنجلة بن أبي الصغدي الرازي الحافظ العطار، صدوق، من العاشرة، مات في حدود الأربعين ومئتين (٢٤٠ هـ). يروي عنه: (ق).
(قال) سهل: (حدثنا معن بن عيسى) بن يحيى الأشجعي مولاهم أبو يحيى
стр. 9955
ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا بشْرُ بْنُ عُمَرَ قَالَا: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى. . يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ وَيَنْفِثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ. . كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ وَأَمْسَحُ بِيَدِهِ؛ رَجَاءَ بَرَكَتِهَا.
===
المدني القزاز، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار العاشرة، مات سنة ثمان وتسعين ومئة (١٩٨ هـ). يروي عنه: (ع).
(ح وحدثنا محمد بن يحيى) بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي النيسابوري، ثقة حافظ جليل، من الحادية عشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (خ عم).
(حدثنا بشر بن عمر) بن الحكم الزهراني - بفتح الزاي - الأزدي أبو محمد البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع، وقيل: تسع ومئتين (٢٠٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(قالا) أي: قال كل من معن بن عيسى وبشر بن عمر: (حدثنا مالك) بن أنس إمام دار الهجرة.
(عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة) رضي الله تعالى عنها.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات أثبات.
(أن النبي ﷺ كان) دائمًا (إذا اشتكى) ومرض. . (يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث) أي: ينفخ نفخًا لطيفًا على جسده (فلما اشتد وجعه) أي: مرضه الذي مات فيه. . (كنت) أنا (أقرأ عليه وأمسح بيده؛ رجاء بركتها).
قوله: (وأمسح عليه) أي: على جسده بعد قرائتي عليه (بيده) الشريفة (رجاء بركتها) وخيراتها.
стр. 9956
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وفيه: إذا مرض الإنسان. . فعليه أن يتعوذ بالمعوذات على نفسه وينفث ويمسح بيده على ما وصلت إليه يده من جسده، ولكم في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
قوله: (يقرأ على نفسه بالمعوذات) - بكسر الواو المشددة - هي سورة الفلق وسورة الناس، وجمع إما باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو باعتبار أن المراد بهما الكلمات التي يقع التعوذ بها من السورتين.
ويحتمل أن المراد بالمعوذات هاتان السورتان مع سورة الإخلاص، ويؤيده: ما أخرجه البخاري في فضائل القرآن: (كان إذا أوى إلى فراشه. . جمع كفيه، ثم نفث فيهما، ثم يقرأ: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس) وقال القرطبي: والمراد بالمعوذات: قل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ونحو قوله: (رب أعوذ بك من همزات الشياطين، وأعوذ بك رب أن يحضرون). انتهى من "المفهم".
وفي الحديث: استحباب النفث في الرقية، وقد أجمعوا على جوازه، واستحبه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وإنما رقى بالمعوذات؛ لأنها جامعات للاستعاذة من كل المكروهات جملةً وتفصيلًا؛ ففيها الاستعاذة من شر ما خلق، فيدخل فيه كل شيء، ومن شر النفاثات في العقد، ومن شر السواحر، ومن شر الحاسدين، ومن شر الوسواس الخناس. انتهى "نووي".
قال القسطلاني: والرقية بالمعوذات هو المطلب الروحاني، وإذا كان على لسان الأبرار. . حصل به الشفاء.
قال القاضي عياض: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي يمسه
стр. 9957
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الذكر؛ كما يتبرك بغسالة ما يكتب من القرآن والذكر. انتهى من "الإرشاد".
وقوله: (وينفث) من بابي نصر وضرب؛ أي: ينفخ على جسده نفخًا لطيفًا بلا ريق.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب المعوذات، وفي كتاب المغازي، باب مرض النبي ﷺ ووفاته، ومسلم في كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوذات والنفث، وأبو داوود في كتاب الطب، باب كيف الرقى.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9958
(٦٦) - (١٢٩٥) - بَابُ تَعْلِيقِ التَّمَائِمِ
(١٦٠) - ٣٤٧٤ - (١) حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا مُعَمَّرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ بِشْرٍ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ،
===
(٦٦) - (١٢٩٥) - (باب تعليق التمائم)
(١٦٠) - ٣٤٧٤ - (١) (حدثنا أيوب بن محمد) بن زياد الوزان أبو محمد (الرقي) مولى ابن عباس، ثقة، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين ومئتين (٢٤٩ هـ). يروي عنه: (د س ق).
(حدثنا معمر) - بتشديد الميم الثانية المفتوحة - بوزن محمد (ابن سليمان) النخعي أبو عبد الله الرقي، ثقة فاضل أخطأ الأزدي بتليينه، وأخطأ من زعم أن البخاري أخرج له، من التاسعة، مات سنة إحدى وتسعين ومئة (١٩١ هـ). يروي عنه: (ت س ق).
(حدثنا عبد الله بن بشر) - بكسر الموحدة وسكون المعجمة - الرقي القاضي، أصله من الكوفة، اختلف فيه قول ابن معين وابن حبان، وقال أبو زرعة والنسائي: لا بأس به، وحكى البزار أنه ضعيف في الزهري خاصة، من السابعة. يروي عنه: (س ق).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملي - بفتحتين - المرادي أبي عبد الله الكوفي الأعمى، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من الخامسة، مات سنة ثماني عشرة ومئة (١١٨ هـ)، وقيل قبلها. يروي عنه: (ع).
стр. 9959
عَنْ يَحْيَى بْنِ الْجَزَّار، عَنِ ابْنِ أُخْتِ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ الله، عَنْ زَيْنَبَ قَالَتْ: كَانَتْ عَجُوزٌ
===
(عن يحيى بن الجزار) العرني - بضم المهملة وفتح الراء ثم نون - الكوفي، قيل: اسم أبيه زبان - بزاي وموحدة - وقيل: بل لقبه، هو صدوق رُمِيَ بالغُلوِّ في التشيع، من الثالثة. يروي عنه: (م عم).
(عن ابن أخت زينب امرأة عبد الله) بن مسعود، ولم أر من ذكر اسم الابن ولا اسم الأخت، وأما زينب. . فهي زينب بنت معاوية، وقيل: بنت عبد الله بن معاوية، وقيل: زينب بنت أبي معاوية، وبهذا الأخير جزم أبو عمر بن عبد البر، ثم نَسَبها، فقال: بنتُ أبي معاوية بن عتاب بن الأسعد بن غاضرة بن حَطِيط بن جُشَم بن ثقيف، وابنةُ أبي معاوية الثقفية الكوفية رضي الله تعالى عنها. روَتْ عن: النبي ﷺ ، وعن زوجها ابن مسعود، وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم، ويروي عنها: ابنها أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، وابن أخيها أو ابن أختها، ولم يُسمّ اسم هذا الابن، وعمرو بن الحارث بن أبي ضرار، وبُسر بن سعيد، وعبيد بن السبَّاق، وغيرُهم من رواة حديثها.
أخرج حديثها في "الصحيحين" واللفظ لمسلم من طريق الأعمش عن شقيق بن سلمة عن عمرو بن الحارث الصحابي أخي جويرة بنت الحارث أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت: قال رسول الله ﷺ "تصدقن يا معشر النساء ولو من حليكن. . ." الحديث بطوله أخرجه مسلم في كتاب الزكاة، باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين. يروي عنها: (ع).
روى ذلك الابن؛ يعني: ابن أختها (عن) خالته (زينب) امرأة عبد الله (قالت) زينب: (كانت) امرأة (عجوز) من جيراننا في الكوفة، ولفظ:
стр. 9960
تَدْخُلُ عَلَيْنَا تَرْقِي مِنَ الْحُمْرَة، وَكَانَ لَنَا سَرِيرٌ طَوِيلُ الْقَوَائِم، وَكَانَ عَبْدُ اللهِ إِذَا دَخَلَ. . تَنَحْنَحَ وَصَوَّتَ، فَدَخَلَ يَوْمًا، فَلَمَّا سَمِعَتْ صَوْتَهُ. . احْتَجَبَتْ مِنْهُ، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى جَانِبِي فَمَسَّنِي فَوَجَدَ مَسَّ خَيْطٍ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْتُ:
===
(عجوز) بوزن فعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، فلا حاجة إلى تأنيث اللفظ؛ أي: كانت تلك العجوز (تدخل علينا) معاشر أهل بيتنا كثيرًا، حالة كون العجوز (ترقي) من باب رمى، أي: تعالج الناس (من) مرض (الحمرة) بالقراءة عليهم.
قال في "المنجد": الحمرة: مرض وبائي يُسبِّبُ حُمَّى وبُقَعًا حمراء في الجلد، ولا تدخل جرَاثيمُه الجسمَ إلا مِن خَدْشٍ أو جرح.
قالت زينب: (وكان لنا) معاشر أهل بيتنا (سرير طويل القوائم) والأرجُل (وكان عبد الله) بن مسعود زوجي في عادته (إذا دخل) البيت؛ أي: إذا أراد دخول بيتنا قادمًا من خارج، لا يدخل طولًا؛ خوفًا من كون الأجانب في الطريق حتى (تنحنح) أي: أظهر صوت التنحنح (وصوت) عطف مرادف لما قبله (فدخل) عبد الله علينا (يومًا) من الأيام بعدما تنحنح وصَوَّت.
(فلما سمعت) العجوز (صوته) أي: صوت عبد الله. . (احتجبت) أي: استترت العجوز (منه) أي: من عبد الله بدخول حجاب البيت (فجاء) عبد الله من خارج (فجلس إلى جانبي) أي: في جانبي؛ فـ (إلى) بمعنى (في) الظرفية (فمسني) أي: لمسني لمس مباشرة (فوجد مس خيط) أي: فعرف من لمسي لمس خيط؛ أي: لمس خيط علقته على عنقي؛ وهو الخيط الذي قرأت لي عليه العجوز المذكورة لمعالجة الحمرة التي أخذتني (فقال) عبد الله: (ما هذا) الخيط الذي علقته على عنقك؛ قالت زينب: (فقلت) لعبد الله: هذا الخيط
стр. 9961
رُقىً لِي فِيهِ مِنَ الْحُمْرَة، فَجَذَبَهُ وَقَطَعَهُ فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: لَقَدْ أَصْبَحَ آلُ عَبْدِ اللهِ أَغْنِيَاءَ عَنِ الشِّرْك، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ"،
===
(رقىً لي فيه) أي: هذا الخيط لي فيه رقىً؛ أي: معالجة (من الحمرة) التي أخذتني؛ والرقى - جمع رقية - وهي العوذة التي تعلق على الجسم.
قالت زينب: (فجذبه) أي: فجذب عبد الله ذلك الخيط ونزعه مني (وقطعه) مني (فرمى به) عني (وقال) عبد الله: والله (لقد أصبح) وكان (آل عبد الله) يعني: نفسه؛ أي: صار أهله وعياله الآن (أغنياء عن الشرك) أي: مستغنين عن الحاجة إلى أسباب الشرك؛ أي: عن أعمال المشركين، وإنما قلت ذلك؛ لأني (سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك) أي: كلها من أعمال الشرك، فيجب الاجتناب والابتعاد منها على أهل الإسلام.
فهذا المرفوع؛ أعني: قوله: "إن الرقى والتمائم. . ." إلى آخره؛ هو الذي روته زينب عن زوجها عبد الله بن مسعود.
وسنده من تساعياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو ابن أخت زينب، إلا إن قلنا: إنه صحابي، فجهالة الصحابي لا تضر السند؛ فالسند صحيح حينئذٍ، وكذا الحديث صحيح، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
وإلا نقل ذلك. . فالسند: ضعيف؛ لأن فيه مجهولًا، والحديث صحيح بغيره؛ كما سنبينه من الشواهد والمتابعات.
قوله: (ترقي من الحمرة) من رقى يرقي رقيةً؛ من باب رمى يرمي، وقال في "القاموس": الحمرة: لون معروف، وورم من جنس الطواعين.
قلت: فلعل المراد ها هنا: المعنى الثاني.
стр. 9962
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قوله: (أغنياء عن الشرك) يريد: أنه لا حاجة لهم إلى أن يستعملوا ما هو شرك.
قوله: "إن الرقى" - بضم الراء وفتح القاف مقصورًا - جمع رقية - بضم الراء وبسكون القاف - نظير مدىً ومدية: العوذة.
والمراد بها ها هنا: ما كان بأسماء الأصنام والشياطين، لا ما كان بالقرآن وأسماء الله تعالى وصفاته؛ فإنه مستحب متبرك به.
"والتمائم" جمع تميمة؛ أريد بها ها هنا: الخرزات التي تعلقها النساء في أعناق الأولاد على ظن أنها تؤثر وتدفع العين، فإن كانت من القرآن أو من وأسماء الله تعالى وصفاته بقصد التبرك والتعويذ. . فلا بأس بها.
قال الخطابي: جمع تميمة؛ وهي التعويذة التي لا يكون فيها أسماء الله تعالى وآياته المتلوة والدعوات المأثورة، تعلق على الصبي، وإن كان فيها ذلك بقصد التبرك. . فلا بأس.
و"التِّوَلَةُ" - بكسر التاء المثناة فوق وبضمها وفتح الواو واللام -: نوع من السحر يَجْلِبُ المرأةَ ويَجْذِبهَا إلى زوجها محبةً له، أو بالعكس.
وقال القاري: التِّوَلَةُ: نوع من السحر، أو خيط يُقرأ فيه من السحر، أو قرطاسٌ يكتب فيه شيء من السحر؛ للمحبة أوغيرِها.
قوله: "شرك" أي: كلها من أفعال المشركين؛ لأن كل واحد منها يُفْضِي إلى الشرك؛ إما جليًا وإما خفيًا.
قال القاضي: وأطلق الشرك عليها؛ إما لأن المتعارف منها في عهده ﷺ ما كان معهودًا في الجاهلية، وكان مشتملًا على ما يتضمن الشرك، أو لأن اتخاذها يدل على اعتقاد تأثيرها، وهو يفضي إلى الشرك.
стр. 9963
قُلْتُ: فَإِنِّي خَرَجْتُ يَوْمًا فَأَبْصَرَنِي فُلَانٌ فَدَمَعَتْ عَيْنِي الَّتِي تَلِيه، فَإِذَا رَقَيْتُهَا. . سَكَنَتْ دَمْعَتُهَا، وَإذَا تَرَكْتُهَا. . دَمَعَتْ، قَالَ: ذَاكِ الشَّيْطَانُ؛ إِذَا أَطَعْتِهِ. . تَرَكَك، وَإِذَا عَصَيْتِهِ. . طَعَنَ
===
وقيل: المراد: الشرك الخفي؛ بترك التوكل والاعتماد على الله .
قالت زينب: (قلت) لعبد الله: لم تقول هذا يا عبد الله؟ تعني: أن الرقى شرك، وهو ثابت لفظه في رواية أبي داوود؛ أي: لم تقول: إن الرقى شرك وتأمرني بالتوكل على الله تعالى وترك الاسترقاء؛ فإني وجدت في الاسترقاء فائدةً، وإنما قلت: إني وجدت في الاسترقاء فائدةً (فإني خرجت يومًا) أي: لأني خرجت يومًا من الأيام من بيتي (فأبصرني) أي: رآني (فلان) كناية عن الرجل المعين (فـ) بعدما أبصرني فلان (دمعت عيني) أي: سالت عيني دموعًا؛ فدمع ها هنا؛ من باب فتح؛ لأنه حلقي اللام؛ أي: سالت عيني (التي تليه) أي: التي تلي جهة فلان دموعًا في ذلك الوقت الذي أبصرني فيه (فإذا رقيتها) وعالجتها بقراءة الطبيب علي. . (سكنت) أي: انقطعت (دمعتها) وانكفت عن السيلان (وإذا تركتها) أي: تركت رقيتها بقراءة الطبيب علي. . (دمعت) أي: سالت دموعًا.
(قال) عبد الله لزينب: (ذاك) أي: سيلان دمعها مرةً، وانقطاعه مرة أخرى؛ أي: سبب ذلك (الشيطان) أي: عمل الشيطان.
وقوله: (ذاك) - بكسر الكاف - لأنه خطاب مؤنث؛ أي: إنما ذلك من عمل الشيطان وتسويله؛ وذلك أنك (إذا أطعته) ووافقته فيما يريد منك؛ وهو التغافل عن طاعة الله تعالى وذكره (تركك) أي: خلاك من نخس عينك وإسالة الدموع منها (وإذا عصيته) وخالفته باشتغالك بالأذكار. . (طعن) ونخس
стр. 9964
بِإِصْبَعِهِ فِي عَيْنِك، وَلكِنْ لَوْ فَعَلْتِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . . كَانَ خَيْرًا لَكِ وَأَجْدَرَ أَنْ تُشْفَيْنَ؛ تَنْضحِينَ فِي عَيْنِكِ الْمَاءَ وَتَقُولِينَ: أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ؛ اشْفِ أَنْتَ الشَّافِي
===
(بإصبعه في عينك) أي: في داخل عينك وأسال منك الدموع (ولكن لو) توكلت على الله وتركت الرقى و (فعلت كما فعل رسول الله ﷺ . . كان) الاعتماد والتوكل على الله تعالى والاكتفاء برقى النبي ﷺ (خيرًا لك) في دينك؛ لأنك توكلت على الله، واتبعت سنة الرسول ﷺ .
(وأجدر) أي: وأحق وأقرب إلى (أن تشفين) وتعافين من رمدك - بضم التاء وبسكون المعجمة وفتح الفاء وسكون الياء وفتح النون - على صيغة المبني للمجهول، و (أن) فيه مهملة، (تشفين) فعل مضارع مغير الصيغة مرفوع، وعلامة رفعه ثبوت النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، والياء ضمير المؤنثة المخاطبة في محل الرفع فاعل، والجملة صلة أن المصدرية، وأن مع صلتها في تأويل مصدر مجرور بحرف جر مقدر؛ تقديره: وكان ذلك أحق بشفائك، وأقرب إلى عافيتك.
ثم قال عبد الله: يا زينب؛ إن أردت السنة (تنضحين) أي: تقطرين (في عينك الماء وتقولين) عند وجع العين وغيرها: (أذهب) من الإذهاب؛ أي: أزل عني (الباس) أي: الشدة والضرر يا (رب الناس) أي: يا خالقهم ومربيهم (اشفـ) ـني من هذا الوجع وعافني (أنت الشافي) والمعافي من كل الأمراض.
يؤخذ من هذا الحديث جواز تسمية الله تعالى بما ليس في القرآن بشرطين؛ أحدهما: ألا يكون في ذلك ما يوهم نقصًا، والثاني: أن يكون له أصل ومادة في
стр. 9965
لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا.
===
القرآن، وهذا من ذاك؛ فإن له أصلًا في القرآن حيث قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (١)، قاله في "الفتح".
(لا شفاء) - بالمد والفتح - على أنه اسم لا النافية، وخبرها محذوف جوازًا؛ تقديره: موجود لنا أو لهذا المرض إلا بشفائك، قاله العيني.
(إلا شفاؤك) - بالرفع - بدل من محل اسم لا؛ لأنه في محل الرفع بالابتداء، أو من موضع لا مع اسمها، أو بدل من الضمير المستكن في خبر لا؛ كما تقرر ذلك كله في محله (شفاءً) بالنصب على المفعولية المطلقة لقوله: (اشف).
وجملة قوله: (لا يغادر) ولا يترك (سقمًا) أي: مرضًا. . صفة لقوله: (شفاء)، ومعنى: (لا يغادر) أي: لا يترك، و (سقمًا) - بفتحتين، ويجوز فيه ضم السين وتسكين القاف - أي: مرضًا.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطب، باب تعليق التمائم، إلا أنه لم يقل: (وأجدر أن تشفين. . .) إلى قوله: (في عينك الماء)، ولم يذكر بعض القصة، والباقي متنًا وسندًا نحوه، ورواه الحاكم في "المستدرك" في كتاب الطب، من طريق أم ناجية عن زينب.
فالحديث صحيح المتن؛ لأن له شواهد ومتابعات، ضعيف السند؛ لأن فيه راويًا مجهولًا؛ وهو ابن أخت زينب، ولكن تابعته أم ناجية في الرواية عن زينب؛ كما في "المستدرك"، وعمرو بن الحارث بن أبي ضرار أخو جويرية أم المؤمنين، فالحديث: ضعيف السند، صحيح المتن بغيره، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
стр. 9966
(١٦١) - ٣٤٧٥ - (٢) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْخَصِيب، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَن، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا فِي يَدِهِ
===
ثم استشهد المؤلف لحديث ابن مسعود بحديث عمران رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦١) - ٣٤٧٥ - (٢) (حدثنا علي) بن محمد (بن أبي الخَصِيب) - بفتح المعجمة وكسر المهملة - القرشي الكوفي، صدوق ربما أخطأ، من العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع) بن الجراح، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن مبارك) بن فضالة - بفتح الفاء وتخفيف المعجمة - ابن أبي أمية أبي فضالة البصري مولى زيد بن الخطاب، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة، مات سنة ست وستين ومئة (١٦٦ هـ). يروي عنه: (دت ق)، قال ابن معين تارة ثقة، وتارة: ضعيف، وذكره ابن حبان في "الثقات"، فهو مختلف فيه.
(عن الحسن) بن أبي الحسن البصري، اسمه يسار الأنصاري مولاهم، ثقة ثبت فاضل مشهور، من الثالثة، مات سنة عشر ومئة (١١٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عمران بن الحصين) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مبارك بن فضالة، وهو مختلف فيه.
(أن النبي ﷺ رأى رجلًا) من المسلمين (في يده
стр. 9967
حَلْقَةٌ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ: "مَا هَذِهِ الْحَلْقَةُ؟ "، قَالَ: هَذِهِ مِنَ الْوَاهِنَة، قَالَ: "انْزِعْهَا؛ فَإِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا".
===
حلقة) أي: خاتم أو سوار (من صفر) أي: من نحاس (فقال) له النبي ﷺ (ما هذه الحلقة؟ ) أي: ما هذا الخاتم، لِمَ اتخذْتَها ولَبِسْتَها؟ فـ (قال) الرجل له ﷺ : (هذه) الحلقة اتخذتها وقاية ورقية (من الواهنة) أي: من مرض الواهنة، فـ (قال) له النبي ﷺ : (انزعها) أي: انزع هذه الحلقة واخلعها عنك (فإنها) أي: فإن هذه الحلقة (لا تزيدك) أي: أن لُبْسها لا يزيدُك (إلا وهنًا) أي: ضعفًا في الإيمان حيث تركت التوكل على الله والاعتماد عليه في شفائك.
قوله: (من الواهنة) قال في "النهاية": الواهنة: عرق في المنكب يأخذ وجعه الإنسان وفي اليد كلها، فيرقى منها، وقيل: هو مرض يأخذ في العضد، وربما علق عليه جنس من الخرز، يقال له: خرز الواهنة، وهي تأخذ الرجال دون النساء.
وإنما نهاه عنها؛ لأنه إنما اتخذها على أنه تعصمه من الألم، فكانت عنده في معنى التمائم المنهي عنها. انتهى "سندي".
وفي "الزوائد": إسناده حسن؛ لما تقدم آنفًا.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي عامر الخزاز عن الحسن، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ورواه البيهقي في "سننه الكبرى" عن الحاكم به، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبي عامر الخزاز عن الحسن به بزيادة فيه، وابن حبان في كتاب الطب، باب فيمن تعلق شيئًا.
стр. 9968
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فدرجة هذا الحديث: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث ابن مسعود.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9969
(٦٧) - (١٢٩٦) - بَابُ النُّشْرَةِ
(١٦٢) - ٣٤٧٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ،
===
(٦٧) - (١٢٩٦) - (باب النشرة)
والنشرة - بضم النون وسكون الشين المعجمة -: نوع من الرقية يعالج بها المجنون، وقد جاء النهي عنها، ولعل النهي عنها كان عما كان منها مشتملًا على أسماء الشياطين والجن، أو كان بلسان غير معلوم، فلذلك جاء أنها سحر، سميت بالنشرة؛ لإنشار الداء وانكشاف البلاء.
قلت: ولعل المراد منها ها هنا: ما يداوى به المجنون؛ ليناسب الحديث الآتي في الترجمة. انتهى "سندي".
(١٦٢) - ٣٤٧٦ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م د س ق).
(حدثنا عبد الرحيم بن سليمان) الكناني أو الطائي، أبو علي الأشل المروزي نزيل الكوفة، ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة (١٨٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يزيد بن أبي زياد) الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعيف كبر فتغير وصار يتلقن، وكان شيعيًّا، من الخامسة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (١٣٦ هـ).
يروي عنه: (م عم)، وقال العجلي: هو جائز الحديث، وقال يعقوب بن سفيان: ويزيد بن أبي زياد وإن كانوا يتكلمون فيه لتغيره. . فهو على العدالة
стр. 9970
عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَص، عَنْ أُمِّ جُنْدَبٍ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ انْصَرَفَ، وَتَبِعَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا بِهِ بَلَاءٌ لَا يَتَكَلَّمُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ إِنَّ هَذَا ابْنِي وَبَقِيَّةُ أَهْلِي، وَإِنَّ بِهِ بَلَاءً لَا يَتَكَلَّمُ،
===
والثقة، وقال ابن شاهين في "الثقات": قال أحمد بن صالح المصري: يزيد بن أبي زياد ثقة، ولا يعجبني قول من تكلم فيه، وقال ابن سعد: كان ثقة في نفسه إلا أنه تغير في آخره، فجاء بالعجائب. انتهى من "التهذيب".
(عن سليمان بن عمرو بن الأحوص) الجشمي، ويقال: الأزدي الكوفي.
روى عن: أبيه، وأمه أم جندب ولها صحبة، ويروي عنه: يزيد بن أبي زياد، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال في "التقريب": مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (عم).
(عن) أمه (أم جندب) الأزدية صحابية رضي الله تعالى عنها، لها حديث واحد في النشرة. يروي عنها: (دق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه يزيد بن أبي زياد، وهو مختلف فيه.
(قالت) أم جندب: (رأيت رسول الله ﷺ حالة كونه قد (رمى جمرة العقبة من بطن الوادي) أي: من جانبه (يوم النحر، ثم انصرف) وذهب إلى منزله في منىً (وتبعته) أي: لحقته (امرأة من) قبيلة (خثعم) - بوزن جعفر - لم أر من ذكر اسمها (ومعها) أي: والحال أن مع تلك المرأة (صبي لها به) أي: بذلك الصبي (بلاء) وخلل عقل (لا يتكلم، فقالت) المرأة: (يا رسول الله؛ إن هذا) الصبي (ابني وبقية أهلي) بعد موتهم (وإن به) أي: بهذا الصبي (بلاء) أي: مس جن (لا يتكلم) أصلًا، فادع الله لي بشفائه.
стр. 9971
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "ائْتُونِي بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ"، فَأُتِيَ بِمَاءٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَمَضْمَضَ فَاهُ ثُمَّ أَعْطَاهَا، فَقَالَ: "أسْقِيهِ مِنْهُ، وَصُبِّي عَلَيْهِ مِنْهُ، وَاستَشْفِي اللهَ لَهُ"، قَالَتْ: فَلَقِيتُ الْمَرْأَةَ فَقُلْتُ: لَوْ وَهَبْتِ لِي مِنْهُ، فَقَالَتْ: إِنَّمَا هُوَ لِهَذَا الْمُبْتَلَى، قَالَتْ: فَلَقِيتُ الْمَرْأَةَ مِنَ الْحَوْلِ
===
(فقال رسول الله ﷺ لمن عنده: (ائتوني بشيء من ماء، فأتي) رسول الله ﷺ (بماء، فغسل) رسول الله ﷺ (يديه) بذلك الماء (ومضمض فاه) من ذلك الماء، فصب ماء مضمضته في ذلك الماء (ثم أعطاها) أي: ثم أعطى المرأة ذلك الماء (فقال) للمرأة: (اسقيه) أي: اسقي الصبي (منه) أي: من هذا الماء (و) قال رسول الله ﷺ أيضًا للمرأة: (صُبِّي) - بضم الصاد المهملة وكسر الموحدة المشددة - أمر للمخاطبة المؤنثة بصب الماء على الولد؛ أي: وأفرغي (عليه) أي: على هذا الولد (منه) أي: من هذا الماء (واستشفي الله) أي: واطلبي الشفاء والعافية من الله (له) أي: لهذا الولد؛ ببركة هذا الماء المبارك الذي اختلط به ريق النبي ﷺ (قالت) أم جندب رضي الله تعالى عنها: (فلقيت) تلك (المرأة) الخثعمية صاحبة الولد؛ أي: رأيتها بعد ذلك اليوم (فقلت) لها: (لو وهبت لي منه) أي: من ذلك المبارك شيئًا؛ لأتبرك به. . لكانت لك علي منة وجزاء وفضل عظيم.
(فقالت) المرأة الخثعمية صاحبة الولد: (إنما هو) أي: ذلك الماء المبارك مستحق (لهذا) الولد (المبتلى) بزوال عقله ومختص به، لا يقبل التوزيع والإهداء لغيره (قالت) أم جندب: (فلقيت) أنا، تلك (المرأة) الخثعمية صاحبة الولد المبتلى (من الحول) أي: بعد الحول وتمامه من ذلك الوقت
стр. 9972
فَسَأَلْتُهَا عَنِ الْغُلَامِ فَقَالَتْ: بَرَأَ وَعَقَلَ عَقْلًا لَيْسَ كَعُقُولِ النَّاسِ.
===
(فسألتها عن) حال (الغلام) والولد: هل برأ من ذلك الخبل أم هو على حالته الأولى؟ (فقالت) الخثعمية أم الولد في جواب سؤال أم جندب: نعم (برأ) الولد من خبله (وعقل) أي: رزق (عقلًا) كاملًا (ليس كعقول الناس) أي: مثل عقولهم، بل أعطي عقلًا أكمل من عقولهم؛ ببركة دعاء النبي ﷺ .
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن تقدم له تخريجه في كتاب المناسك، باب من أين ترمى جمرة العقبة رقم (١٠٧١)، الحديث رقم (٢٩٨٠).
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث الواحد.
والله أعلم
стр. 9973
(٦٨) - (١٢٩٧) - بَابُ الاسْتِشْفَاءِ بِالْقُرْآنِ
(١٦٣) - ٣٤٧٧ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْكِنْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِث، عَنْ عَلِيٍّ ﵁
===
(٦٨) - (١٢٩٧) - (باب الاستشفاء بالقرآن)
(١٦٣) - ٣٤٧٧ - (١) (حدثنا محمد بن عبيد بن عتبة بن عبد الرحمن الكندي) أبو جعفر الكوفي، صدوق، من الحادية عشرة. يروي عنه: (ق).
(قال: حدثنا علي بن ثابت) الدهان العطار الكوفي، صدوق، من كبار العاشرة، مات سنة تسع عشرة ومئتين (٢١٩ هـ). يروي عنه: (س ق).
(قال: حدثنا سعاد) بفتح السين المهملة وتشديد العين المهملة (ابن سليمان) الجعفي الكوفي، صدوق يخطئ وكان شيعيًّا، من الثامنة. روى عن: أبي إسحاق السبيعي، ويروي عنه: (ق)، وعلي بن ثابت الدهان، ذكره ابن حبان في "الثقات"، وله في "ابن ماجه" حديث واحد: (خير الدواء القرآن). انتهى "تهذيب".
(عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي ثقة، من الثالثة، مات سنة تسع وعشرين ومئة، وقيل قبل ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن الحارث) بن عبد الله الأعور الهمداني - بسكون الميم - الحوتي - بضم المهملة وبالمثناة فوق - أبي زهير الكوفي، صاحب علي بن أبي طالب، كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، وليس له عند النسائي سوى حديثين، مات في خلافة ابن الزبير، وهو من الثانية. يروي عنه: (عم).
(عن علي) بن أبي طالب ﵁.
стр. 9974
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "خَيْرُ الدَّوَاءِ الْقُرْآنُ".
===
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه الحارث الأعور.
(قال) علي: (قال رسول الله ﷺ : خير الدواء القرآن) إما لأنه دواء القلب فهو خير من دواء الجسد؛ وإما لأنه دواء للجسد، وتزداد المزية إيمانًا فوق إيمان، لكن شرط التداوي به حسن الاعتقاد، ومراعاة التقوى بامتثاله.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه ضعيف (١٤)(٣٥٨)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.
وقد تقدم ذكر هذا الباب برقم (١٢٨٤)، كما تقدم تخريج هذا الحديث فيه برقم (٣٤٤٥)، فهو مكرر متنًا وسندًا في بعض نسخ "سنن ابن ماجه"، منها النسخة التي حققها الشيخ محمد فؤاد عبد الباقي، ولم يكرر في نسخ أخرى من السنن، منها النسخة التي حققها الشيخ شعيب الأرنؤوط، ونسخة المكنز.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا هذا الحديث.
والله أعلم
стр. 9975
(٦٩) - (١٢٩٨) - بَابُ قَتْلِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ
(١٦٤) - ٣٤٧٨ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ؛
===
(٦٩) - (١٢٩٨) - (باب قتل ذي الطفيتين)
وهما: الخطان الأبيضان على ظهر الحية.
* * *
(١٦٤) - ٣٤٧٨ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي أبو محمد الكوفي، اسمه عبد الرحمن، ثقة، من الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن هشام بن عروة) بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قالت) عائشة: (أمر النبي ﷺ أمر إرشاد وندب (بقتل) الحية (ذي الطفيتين) أي: صاحب الخطين الأبيضين على ظهره؛ أي: أمر بقتل الحية التي على ظهرها الخطان الأبيضان؛ والطفيتان - بضم الطاء المهملة وسكون الفاء - مثنى الطفية؛ والمراد من الطفيتين هنا: الخطان الأبيضان على ظهر الحية.
стр. 9976
فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ الْبَصرَ وَيُصِيبُ الْحَبَلَ؛ يَعْنِي: حَيَّةً خَبِيثَةً.
===
وأصل الطفية: خوصة المُقْل، والجمع طفىً؛ كمدية ومدىً، شَبَّه الخطين على ظهرها بخُوصَتِي المُقْلِ؛ والخوص: كل ورق طويل رقيق؛ كورق النخل والنارجيل؛ والمقل: شجر يشبه ورقه ورق النخل، له ثمر صغار يؤكل، في الأرميا: (ميطى)، وربما يستعمل في النخلة، فلعل التشبيه إنما وقع في الطول والرقة.
(فإنه) أي: لأن ذا الطفيتين مضر مؤذ للإنسان أشد الإيذاء والضرر؛ لأنه (يلتمس البصر) أي: يطلب بصر الإنسان؛ لأنه يطمس بصره إذا نظر بعينه عين الإنسان (ويصيب الحبل) أي: يسقط حمل الإنسان من بطن أمه إذا نظرته الحامل.
وقوله: (يعني) النبي ﷺ بذي الطفيتين (حية خبيثة) تفسير من الراوي؛ أي: مؤذيةً تطلب الإنسان للدغه، أو طمس عينه، أو إسقاط حمله.
قيل: هي الأفعى مغبرة اللون، لونها كلون التراب على ظهرها خطان أبيضان، وهي معروفة عند العرب، تخرج في الليل على شارع الإنسان لِتَلْدَغَه.
والمعنى: أن هذه الحية تخطف البصر وتطمسه بمجرد نظرها إليه؛ لخاصة جعلها الله تعالى في بصرها إذا وقع على بصر الإنسان، وقيل: المعنى: أنها تقصد البصر باللسع والنهش، والتفسير الأول أصح وأشهر.
قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر، إذا وقع نظره على عين إنسان. . مات من ساعته، والله أعلم.
قوله: "ويصيب الحمل" معناه: أن المرأة الحامل إذا نظرت إلى حية من هذا النوع وخافت منها. . أسقطت حملها غالبًا، وإن أردت بسط الكلام في
стр. 9977
(١٦٥) - ٣٤٧٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْح، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
===
الحيات. . راجع "حياة الحيوان" للشيخ الدميري.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومسلم في كتاب السلام، باب قتل الحيات وغيرها، ومالك في "الموطأ" في كتاب الاستئذان، باب في قتل الحيات، وهو مرسل عنده، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٦٥) - ٣٤٧٩ - (٢) (حدثنا أحمد بن عمرو) بن عبد الله بن عمرو (بن السرح) - بمهملات - أبو الطاهر الأموي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م دس ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجود الأيلي الأموي مولاهم؛ مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ)، وقيل: سنة ستين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة إمام متقن، من
стр. 9978
عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ؛ فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ".
===
الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة فقيه، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (أن رسول الله ﷺ قال: اقتلوا الحيات) كلها إلا ما نهيتكم عن قتلها؛ وهي ذوات البيوت.
وقوله: (واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر) من عطف الخاص على العام؛ اهتمامًا بشأنه؛ أي: اقتلوا هذين النوعين منها خاصة؛ لأنهما أشد ضررًا من غيرهما، وتقدم تفسير ذي الطفيتين في مبحث حديث عائشة آنفًا (فإنهما) تعليل للأمر بقتلهما؛ أي: لأنهما (يلتمسان البصر) أي: يطلبان طمس بصر الإنسان بمجرد نظرهما إليه (ويسقطان الحبل) أي: الحمل من الحامل؛ يعني: أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما وفزعت. . أسقطت الحمل غالبًا.
قال السندي: الأبتر: هو الذي لا ذنب له، أو قصير الذنب.
"يلتمسان البصر" أي: أنهما إذا نظرا إلى الإنسان. . ذهب بصره بالخاصية فيهما، وقيل: إنهما يقصدان البصر بالسم.
"ويسقطان الحبل" والحبل: مصدر أطلق على المحمول؛ أي: يسقطانه بالخاصية فيهما أيضًا.
стр. 9979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: قوله: "اقتلوا الحيات" هذا الأمر وما في معناه من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات، فما كان منها متحقق الضرر. . وجبت المبادرة إلى قتله، كما قد أرشد إليه قوله: "اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يختطفان البصر، ويسقطان الحبل".
فخصهما بالذكر مع أنهما قد دخلا في العموم، ونبه على أن ذلك بسبب عظيم ضررهما، وما لم يتحقق ضرره؛ فما كان منها في غير البيوت. . قتل أيضًا؛ لظاهر الأمر العام في هذا الحديث، وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رواه مسلم في "صحيحه" برقم (٢٢٣٤)، ولأن نوع الحيات غالبه الضرر، فيستصحب فيه ذلك، ولأنه كله مروع بصورته، وبما في النفوس من النفرة منه، ولذلك قال ﷺ : "إن الله يحب الشجاعة، ولو على قتل حية" ذكره ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (ص ٤٤).
فشجع على قتلها، وقال فيما أخرجه أبو داوود من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "اقتلوا الحيات، فمن خاف ثأرهن. . فليس مني" رواه أبو داوود رقم (٥٢٤٩).
وأما ما كان منها في البيوت؛ فما كان في المدينة. . فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام، وصفة الإنذار هكذا: (أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان بن داوود ألا تؤذونا، ولا تظهرن لنا). انتهى "نووي".
لقوله ﷺ : "إن بالمدينة جنًا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا. . فآذنوه ثلاثة أيام"، وهل يختص ذلك الحكم بالمدينة، لأنا لا نعلم هل أسلم من جن غير أهل المدينة أحد أم لا؟ وبه قال ابن نافع،
стр. 9980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو لا يختص وينهى عن قتل جنان جميع البلاد حتى يؤذن ثلاثة أيام؛ وهو قول مالك، وهو الأولى؛ لعموم نهيه عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، ولقوله ﷺ : "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" متفق عليه، وذكر فيهن الحية، ولأنا قد علمنا قطعًا أن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة للنوعين، وأنه قد آمن به خلق كثير من النوعين؛ بحيث لا يحصرهم بلد، ولا يحيط بهم عدد، والعجب من ابن نافع، كأنه لم تكن له أذن سامع، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (١)، ولا قولَه ﷺ : "إن وفد جن نصيبين أتوني - ونعم الجن هم - فسألوني الزاد. . ." الحديث، رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
فهذه نصوصٌ في أنَّ من جن غير المدينة مَنْ أَسْلَم، فلا يُقتل شيء منها حتى يُحرَّجَ عليه؛ كما تقدم، فتفَهَّم هذا العَقْد وتمسَّك به، فهو الذي يجمع بين أحاديث الباب المختلفة. انتهى من "المفهم".
والحيات - جمع حية - ويطلق على الذكر والأنثى، وإنما دخلت الهاء عليه؛ لأنه واحد من جنس؛ كبطة ودجاجة، على أنه قد روي عن العرب (رأيت حيًّا على حية) أي: ذكرًا على أنثى؛ والحَيُّوتُ ذكَرُ الحيات، ذكره في "الصحاح". انتهى منه باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب بدء الخلق، باب وبث فيها من كل دابة، ومسلم في كتاب السلام، باب قتل الحيات وغيرها،