فَإِنَّهُ يَلْتَمِسُ الْبَصرَ وَيُصِيبُ الْحَبَلَ؛ يَعْنِي: حَيَّةً خَبِيثَةً.
===
وأصل الطفية: خوصة المُقْل، والجمع طفىً؛ كمدية ومدىً، شَبَّه الخطين على ظهرها بخُوصَتِي المُقْلِ؛ والخوص: كل ورق طويل رقيق؛ كورق النخل والنارجيل؛ والمقل: شجر يشبه ورقه ورق النخل، له ثمر صغار يؤكل، في الأرميا: (ميطى)، وربما يستعمل في النخلة، فلعل التشبيه إنما وقع في الطول والرقة.
(فإنه) أي: لأن ذا الطفيتين مضر مؤذ للإنسان أشد الإيذاء والضرر؛ لأنه (يلتمس البصر) أي: يطلب بصر الإنسان؛ لأنه يطمس بصره إذا نظر بعينه عين الإنسان (ويصيب الحبل) أي: يسقط حمل الإنسان من بطن أمه إذا نظرته الحامل.
وقوله: (يعني) النبي ﷺ بذي الطفيتين (حية خبيثة) تفسير من الراوي؛ أي: مؤذيةً تطلب الإنسان للدغه، أو طمس عينه، أو إسقاط حمله.
قيل: هي الأفعى مغبرة اللون، لونها كلون التراب على ظهرها خطان أبيضان، وهي معروفة عند العرب، تخرج في الليل على شارع الإنسان لِتَلْدَغَه.
والمعنى: أن هذه الحية تخطف البصر وتطمسه بمجرد نظرها إليه؛ لخاصة جعلها الله تعالى في بصرها إذا وقع على بصر الإنسان، وقيل: المعنى: أنها تقصد البصر باللسع والنهش، والتفسير الأول أصح وأشهر.
قال العلماء: وفي الحيات نوع يسمى الناظر، إذا وقع نظره على عين إنسان. . مات من ساعته، والله أعلم.
قوله: "ويصيب الحمل" معناه: أن المرأة الحامل إذا نظرت إلى حية من هذا النوع وخافت منها. . أسقطت حملها غالبًا، وإن أردت بسط الكلام في
стр. 9977
(١٦٥) - ٣٤٧٩ - (٢) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْح، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ،
===
الحيات. . راجع "حياة الحيوان" للشيخ الدميري.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب بدء الخلق، باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومسلم في كتاب السلام، باب قتل الحيات وغيرها، ومالك في "الموطأ" في كتاب الاستئذان، باب في قتل الحيات، وهو مرسل عنده، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث عائشة بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٦٥) - ٣٤٧٩ - (٢) (حدثنا أحمد بن عمرو) بن عبد الله بن عمرو (بن السرح) - بمهملات - أبو الطاهر الأموي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين (٢٥٠ هـ). يروي عنه: (م دس ق).
(حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (١٩٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(أخبرني يونس) بن يزيد بن أبي النجود الأيلي الأموي مولاهم؛ مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة (١٥٩ هـ)، وقيل: سنة ستين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة إمام متقن، من
стр. 9978
عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ؛ فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَلَ".
===
الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن سالم) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ثقة فقيه، من الثالثة، مات في آخر سنة ست ومئة (١٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات. (أن رسول الله ﷺ قال: اقتلوا الحيات) كلها إلا ما نهيتكم عن قتلها؛ وهي ذوات البيوت.
وقوله: (واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر) من عطف الخاص على العام؛ اهتمامًا بشأنه؛ أي: اقتلوا هذين النوعين منها خاصة؛ لأنهما أشد ضررًا من غيرهما، وتقدم تفسير ذي الطفيتين في مبحث حديث عائشة آنفًا (فإنهما) تعليل للأمر بقتلهما؛ أي: لأنهما (يلتمسان البصر) أي: يطلبان طمس بصر الإنسان بمجرد نظرهما إليه (ويسقطان الحبل) أي: الحمل من الحامل؛ يعني: أن المرأة الحامل إذا نظرت إليهما وفزعت. . أسقطت الحمل غالبًا.
قال السندي: الأبتر: هو الذي لا ذنب له، أو قصير الذنب.
"يلتمسان البصر" أي: أنهما إذا نظرا إلى الإنسان. . ذهب بصره بالخاصية فيهما، وقيل: إنهما يقصدان البصر بالسم.
"ويسقطان الحبل" والحبل: مصدر أطلق على المحمول؛ أي: يسقطانه بالخاصية فيهما أيضًا.
стр. 9979
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال القرطبي: قوله: "اقتلوا الحيات" هذا الأمر وما في معناه من باب الإرشاد إلى دفع المضرة المخوفة من الحيات، فما كان منها متحقق الضرر. . وجبت المبادرة إلى قتله، كما قد أرشد إليه قوله: "اقتلوا الحيات، واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يختطفان البصر، ويسقطان الحبل".
فخصهما بالذكر مع أنهما قد دخلا في العموم، ونبه على أن ذلك بسبب عظيم ضررهما، وما لم يتحقق ضرره؛ فما كان منها في غير البيوت. . قتل أيضًا؛ لظاهر الأمر العام في هذا الحديث، وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رواه مسلم في "صحيحه" برقم (٢٢٣٤)، ولأن نوع الحيات غالبه الضرر، فيستصحب فيه ذلك، ولأنه كله مروع بصورته، وبما في النفوس من النفرة منه، ولذلك قال ﷺ : "إن الله يحب الشجاعة، ولو على قتل حية" ذكره ابن أبي الدنيا في "قضاء الحوائج" (ص ٤٤).
فشجع على قتلها، وقال فيما أخرجه أبو داوود من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "اقتلوا الحيات، فمن خاف ثأرهن. . فليس مني" رواه أبو داوود رقم (٥٢٤٩).
وأما ما كان منها في البيوت؛ فما كان في المدينة. . فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام، وصفة الإنذار هكذا: (أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان بن داوود ألا تؤذونا، ولا تظهرن لنا). انتهى "نووي".
لقوله ﷺ : "إن بالمدينة جنًا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا. . فآذنوه ثلاثة أيام"، وهل يختص ذلك الحكم بالمدينة، لأنا لا نعلم هل أسلم من جن غير أهل المدينة أحد أم لا؟ وبه قال ابن نافع،
стр. 9980
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
أو لا يختص وينهى عن قتل جنان جميع البلاد حتى يؤذن ثلاثة أيام؛ وهو قول مالك، وهو الأولى؛ لعموم نهيه عن قتل الجنان التي تكون في البيوت، ولقوله ﷺ : "خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم" متفق عليه، وذكر فيهن الحية، ولأنا قد علمنا قطعًا أن النبي ﷺ قد بلغ الرسالة للنوعين، وأنه قد آمن به خلق كثير من النوعين؛ بحيث لا يحصرهم بلد، ولا يحيط بهم عدد، والعجب من ابن نافع، كأنه لم تكن له أذن سامع، وكأنه لم يسمع قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ (١)، ولا قولَه ﷺ : "إن وفد جن نصيبين أتوني - ونعم الجن هم - فسألوني الزاد. . ." الحديث، رواه مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي.
فهذه نصوصٌ في أنَّ من جن غير المدينة مَنْ أَسْلَم، فلا يُقتل شيء منها حتى يُحرَّجَ عليه؛ كما تقدم، فتفَهَّم هذا العَقْد وتمسَّك به، فهو الذي يجمع بين أحاديث الباب المختلفة. انتهى من "المفهم".
والحيات - جمع حية - ويطلق على الذكر والأنثى، وإنما دخلت الهاء عليه؛ لأنه واحد من جنس؛ كبطة ودجاجة، على أنه قد روي عن العرب (رأيت حيًّا على حية) أي: ذكرًا على أنثى؛ والحَيُّوتُ ذكَرُ الحيات، ذكره في "الصحاح". انتهى منه باختصار.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب بدء الخلق، باب وبث فيها من كل دابة، ومسلم في كتاب السلام، باب قتل الحيات وغيرها،
стр. 9981
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وأبو داوود في كتاب الأدب، باب في قتل الحيات، والترمذي في كتاب الأحكام والفوائد، باب ما جاء في قتل الحيات.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:
الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9982
(٧٠) - (١٢٩٩) - بَابُ مَنْ كَانَ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ
(١٦٦) - ٣٤٨٠ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ الْفَأْلُ الْحَسَنُ
===
(٧٠) - (١٢٩٩) - (باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة)
(١٦٦) - ٣٤٨٠ - (١) (حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (٢٣٤ هـ). يروي عنه (ع).
(حدثنا عبدة بن سليمان) الكلابي الكوفي، ثقة ثبت، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين ومئة، وقيل بعدها. يروي عنه (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة. أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (كان النبي ﷺ يعجبه) أي: يحبه وينشطه ويهيجه على المضي في حاجته (الفأل الحسن) أي: اللفظ الحسن، والفعل الطيب، قيل له: ما الفأل يا رسول الله؟ قال: "هو الكلمة الحسنة" تسمعها عند بداية حاجتك؛ كيا راشد، ويا فائز، ويا ناجح؛ كما في رواية حديث أنس عند البخاري.
стр. 9983
وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ.
===
(و) كان ﷺ أيضًا (يكره الطيرة) أي: التشاؤم بمرور الطير، ولكن المراد بالطيرة هنا: الفأل القبيح؛ لأنها في مقابلة الفأل الحسن؛ وهي أن تسمع في حال طلب حاجتك من يقول: يا محروم، يا مصعب، يا متعب، يا عاص، يا عيصُ، أو ترى من يفعل فعلًا سيئًا وأمرًا قبيحًا؛ كأن ترى من يسرق أموال الناس أو يغصبها، أو من يقتل الناس ظلمًا أو يضربهم ظلمًا، فلا تتطير بذلك وامض في حوائجك.
وزيد في رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة عند مسلم: (وخيرها) أي: خير الطيرة (الفأل الصالح) وهو أن تسمع في حال طلب الضالة مثلًا من يقول: يا واجد، يا غانم، أو في طلب حاجتك: يا ياسر، يا فائز، يا سهل، يا سهيل، أو ترى من يفعل الخيرات؛ كتوزيع الأموال والتصدق بها وقسم الغنائم أو الفيء أو التركة.
والمعنى: (وخيرها) أي: وخير أنواع الطيرة بالمعنى اللغوي الأعم من المأخذ الأصلي (الفأل) أي: الفأل الحسن بالكلمة الحسنة، لا المأخوذة من الطيرة، ولعل الشارح أراد دفع هذا الأشكال، فقال: أي الفأل خير من الطيرة. انتهى.
والمعنى: أن الفأل محض خير؛ كما أن الطيرة محض شر، فالتركيب من قبيل قولهم: (العسل أحلى من الخل، والشتاء أبرد من الصيف). انتهى من "المرقاة".
وفي "السنوسي": الضمير في قوله: (وخيرها) راجع إلى الطيرة، ومعلوم أنه لا خير فيها فيما تقتضيه المفاضلة من الشركة في الخير هو بالنسبة إلى زعمهم، أو يكون من باب قولهم: (العسل أحلى من الخل).
стр. 9984
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال النووي: وأما الفأل. . فمهموز، ويجوز ترك همزه، وجمعه فؤول؛ كفلوس وفلس، وقد فسره النبي ﷺ بالكلمة الطيبة والصالحة والحسنة.
قال العلماء: يكون فيما يسر وفيما يسوء، والغالب فيه السرور، والطيرة: لا تكون إلا فيما يسوء، قالوا: وقد تستعمل مجازًا في السرور. . . إلى آخره، وفي "القاموس": الفأل ضد الطيرة؛ كأن يسمع مريض: يا سالم، أو يا طالب، أو يا واجد، ويستعمل في الخير والشر، والطيرة: ما يتشاءم به من الفعل الرديء. انتهى "مرقاة".
وحاصل معنى الطيرة والفأل: أن الطيرة: أن يسمع الإنسان قولًا، أو يرى أمرًا يخاف منه ألا يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله، والفأل نقيض ذلك؛ وهو أن يسمع الإنسان قولًا حسنًا، أو يرى شيئًا يستحسنه يرجو منه أن يحصل له غرضه الذي قصد تحصيله. انتهى.
وإنما كان ﷺ يعجبه الفأل الحسن؛ لأنه تنشرح له النفس، وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الأمل وحسن الظن بالله تعالى، وقال تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي" وإنما كان يكره الطيرة، لأنها من أعمال أهل الشرك، ولأنها تجلب ظن السوء بالله تعالى، كما روى أبو داوود عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "الطيرة شرك، ثلاثًا، وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أبو داوود (٣٩١٠). أي: من اعتقد في الطيرة ما كانت عليه الجاهلية تعتقده فيها. . فقد أشرك مع الله تعالى خالقًا آخر، ومن لم يعتقد ذلك. . فقد تشبه بأهل الشرك، ولذلك قال: "وما منا" أي: ليس على سنتنا.
وقوله: "إلا" هي إلا الاستثنائية، ومعنى ذلك: أن المتطير ليس على سنة
стр. 9985
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
النبي ﷺ إلا أن يمضي لوجهه ويعرض عنها، غير أنه قد لا يقدر على الانفكاك عنها؛ بحيث لا تخطر مرة واحدة؛ فإن إزالة تأثيرها من النفوس لا تدخل تحت استطاعتنا، ولذلك قال النبي ﷺ في حديث معاوية بن الحكم لما قال له: ومنا رجال يتطيرون، فقال: "ذلك شيء يجدونهم في صدورهم، فلا يصدهم".
وفي بعض النسخ: (فلا يضرهم)، لكنه إذا صح تفويضه إلى الله تعالى، وتوكله عليه وداوم على ذلك. . أذهب الله تعالى عنه ذلك، ولذلك قال: "ولكن الله يذهبه بالتوكل" رواه أحمد ومسلم وأبو داوود.
وقد روى أبو أحمد بن عدي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه ﷺ قال: "إذا تطيرتم. . فامضوا، وعلى الله فتوكلوا " رواه ابن عدي في "الكامل"، ولكن في إسناده لين، انظر "الفتح" (١٢/ ٣٢٣). انتهى من هامش "المفهم".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطب، باب الفأل، ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا عدوى ولا هامة ولا طيرة، وأحب الفأل الصالح".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث أبي هريرة بحديث أنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
стр. 9986
(١٦٧) - ٣٤٨١ - (٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَأُحِبُّ الْفَأْلَ الصَّالِحَ".
===
(١٦٧) - ٣٤٨١ - (٢) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ). يروي عنه: (ع).
(أنبأنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة إمام أئمة الجرح، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (١٦٠ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه (ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (قال النبي ﷺ : لا عدوى) أي: لا سراية لمرض عن صاحبه إلى غيره (ولا طيرة) - بكسر الطاء وفتح الياء - هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير؛ أي: اسم مصدر لتطير الخماسي؛ من باب تفعل، يقال: تطير تطيرًا وطيرة، وتخير ويتخير تخيرًا وخيرة، ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما؛ أي: لا تشاؤم ولا تقابح بالكلمة القبيحة والفعلة السيئة حتى تمنعه وتصده عن المضي في حاجته.
(وأحب الفأل الصالح) أي: أحب أن أسمع الكلمة الحسنة عند ذهابي لقضاء حاجتي، وأن أرى الفعلة الطيبة عند ذلك؛ كأن أسمع في حال طلب الضالة إنسانًا يقول: يا واجد، يا تاجر، يا غانم، وكأن أرى من يقسم الأموال ويصرف الصدقات، وقد بسطنا الكلام على الفأل الحسن والفأل القبيح في
стр. 9987
(١٦٨) - ٣٤٨٢ - (٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ زِرٍّ،
===
حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فراجعه.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطب، باب لا عدوى، ومسلم في كتاب السلام، باب الطيرة والفأل، وأبو داوود في كتاب الطب، باب في الطيرة، والترمذي في كتاب السير، باب في الطيرة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث أبي هريرة بحديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٦٨) - ٣٤٨٢ - (٣) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي.
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن سفيان) بن سعيد الثوري الكوفي، ثقة حجة، من السابعة، مات سنة إحدى وستين ومئة (١٦١ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سلمة) بن كهيل بن حصين الحضرمي الهمداني الكوفي، قال النسائي وابن حبان: ثقة، من الرابعة. يروي عنه: (ع).
(عن عيسى بن عاصم) الأسدي الكوفي، ثقة، من السادسة. يروي عنه: (د ت ق).
(عن زر) - بكسر أوله وتشديد الراء - ابن حبيش - بمهملة وموحدة ومعجمة
стр. 9988
عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ"، وَمَا مِنَّا إِلَّا،
===
مصغرًا - ابن حباشة الأسدي الكوفي أبي مريم، ثقة فاضل مخضرم، من الثانية، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث وثمانين (٨٣ هـ) وهو ابن مئة وسبع وعشرين. يروي عنه: (ع).
(عن عبد الله) بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (قال رسول الله ﷺ : الطيرة) أي: التشاؤم والتقابح بمرور الطير، أو بالكلمة القبيحة، أو بالفعلة القبيحة؛ لأن المراد بالطيرة هنا: الفأل القبيح؛ لأنها في مقابلة الفأل الصحيح؛ وهي أن تسمع في حال طلب حاجتك من يقول: يا محروم، يا مصعب، يا متعب؛ أو ترى من يفعل فعلًا سيئًا وأمرًا قبيحًا؛ كأن ترى من يسرق أموال الناس أو يغصبها مثلًا. . (شرك) لاعتقادهم أن الطيرة تجلب لهم نفعًا أو تدفع عنهم ضرًا؛ فإذا فعلوا بموجبها. . فكأنهم أشركوا بالله في ذلك، ويسمى شركًا خفيًّا، ومن اعتقد أن شيئًا سوى الله ينفع أو يضر بالاستقلال. . فقد أشرك شركًا جليًّا.
قال القاضي: إنما سماها شركًا؛ لأنهم كانوا يرون ما يتشاءمون به سببًا مؤثرًا في حصول المكروه، وملاحظة الأسباب في الجملة: شرك خفي، فكيف إذا انضم إليها جهالة وسوء اعتقاد. هنا تم الحديث، وما بعده من قول ابن مسعود.
(وما منا) معاشر الأمة أحد (إلا) من يخطر له من جهة الطيرة شيء ما؛ لتعود النفوس بها، فحذف المستثنى كراهية أن يتلفظ به.
قال التوربشتي: أي: إلا من يعرض له الوهم من قبل الطيرة، وكره أن يتم
стр. 9989
وَلكِنَّ اللهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ.
===
كلامه ذلك؛ لما يتضمنه من الحالة المكروهة، وهذا نوع من أدب الكلام يكتفى به دون المكروه منه بالإشارة، فلا يضرب لنفسه مثل السوء.
قال الخطابي: معناه: إلا من قد يعتريه ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه، فحذف اختصارًا للكلام، واعتمادًا على فهم السامع. انتهى.
قال السيوطي: يسمى في البديع بالاكتفاء، وهذه الجملة الأخيرة؛ أي: من قوله: (وما منا. . .) إلى آخره. . ليست من قول النبي ﷺ وإنما من قول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وهو الصواب.
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: الفرق بين الطيرة والتطير: أن التطير هو الظن السيئ الذي في القلب، والطيرة هو الفعل المرتب على الظن السيئ.
(ولكن الله) (يذهبه) أي: يذهب ذلك الشرك الذي هو الطيرة (بالتوكل) أي: بسبب الاعتماد عليه والاستناد إليه سبحانه.
وحاصله: أن الخطرة ليس بها عبرة؛ فإن وقعت غفلةً. . لا بد من رجعة، والله أعلم. انتهى من "العون".
قال السندي: قوله: "شرك" إذا اعتقد لها تأثيرًا؛ أو معناه: أنها من أعمال أهل الشرك، أو مفضية إليه باعتقادها مؤثرة، أو المراد: الشرك الخفي.
(وما منا إلا) أي: وما منا أحد إلا ويعتريه شيء ما منه في أول الأمر قبل التأمل، وقد ذكر كثير من الحفاظ أن جملة قوله: (وما منا. . .) إلى آخره من كلام ابن مسعود مدرج في الحديث، ولو كان مرفوعًا. . كان المراد: وما منا؛ أي: من المؤمنين من الأمة.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطب، باب في الخط وزجر الطير، والترمذي في كتاب السير، باب ما جاء في الطيرة، قال
стр. 9990
(١٦٩) - ٣٤٨٣ - (٤) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
===
أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن كهيل، وروى شعبة عن سلمة هذا الحديث قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا الحديث: (وما منا، ولكن الله يذهبه بالتوكل)، قال سليمان: هذا عندي من كلام ابن مسعود مدرج في الحديث، ولو كان مرفوعًا. . كان المراد: وما منا؛ أي: من المؤمنين من الأمة.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٦٩) - ٣٤٨٣ - (٤) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوص) سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي الحافظ، متقن، من السابعة، قال ابن معين: ثقة ثبت، مات سنة تسع وسبعين ومئة (١٧٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن سماك) بن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري أبي المغيرة، صدوق، من الرابعة، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بأخرة، فكان ربما يلقن، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة (١٢٣ هـ). يروي عنه: (م عم).
(عن عكرمة) الهاشمي مولاهم المكي، ثقة، عالم بالتفسير وغيره، من الثالثة، مات سنة أربع ومئة، وقيل بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
стр. 9991
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ
===
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) ابن عباس: (قال رسول الله ﷺ : لا عدوى) أي: لا مجاوزة للعلة والمرض من صاحبها إلى غيره بالمجاورة والقرب، وهذا الكلام يحتمل أن المراد به: نفي ذلك وإبطاله من أصله، وعبارة "الكوكب": أي: لا سراية لمرض عن صاحبه إلى غيره.
(ولا طيرة) في الشرع؛ أي: لا تشاؤم بالفعلة السيئة ولا بالمقالة القبيحة، وقيل: معناه: لا تشاؤم بمرور الطير إلى جهة اليسار، وأصله فيما قالوا: إن العرب كانوا في الجاهلية إذا خرجوا لحاجةٍ، فإن رأوا الطير عن يمينهم أو الظباء تمر على يمينهم. . فرحوا به واستمروا في حاجتهم، وإن طار عن يسارهم. . تشاءموا به ورجعوا، ورُبَّما هَيَّجُوا الطَيْر لِتَطِيرَ، فيعتمدوا على ذلك، فكان ذلك يَصدُّهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرعُ وأبطلَه، ونهى عنه وأخبر أنه لا تأثيرَ له في جَلْبِ نفعٍ ولا في دفع ضر.
قال البوصيري: والطيرة منشؤها عِيافةُ الطير وزَجْرُها؛ فإن طارت تُجاهَ اليمن. . تفاءلوا بالخير، ومنه اشتقت كلمة التيامن، وإن طارت باتجاه الشام. . كان فألًا رديئًا، ومنه اشتقت كلمة التشاؤم، وأصل التيامن: أنَّ أصل العرب من اليَمَنِ وكانت كلُّ الهِجْرَات منهم باتجاهِ الشمال منه، فما طار صوب الوطن الأصلي. . حصل معه الحب والحنين للوطن، فكان فأل خير، وما طار صوب مناطق الهجرة. . كان فيه إحساس الغربة، فكان الفأل الرديء، ثم نسي الناس أصل هذه الفكرة، وبقيت العادة في عيافة الطير وزجره.
والتيامن والتشاؤم كل هذا منهي عنه؛ لأن الكهانة ادعاء معرفة الغيب وما سيكون، ولا يعرف الغيب إلا الله وحده، وقد حرم الإسلام العمل بهذه الأمور؛
стр. 9992
وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ".
===
لأنها من أبواب السحر، وقد بسطنا الكلام على هذا في شرح المقدمة من هذا الكتاب، فراجعها.
(ولا هامة) أي: ولا تشاؤم بصياح الهامة والبومة في القرية ليلًا أو جنب الدار؛ والهامة بتخفيف الميم على الصحيح المشهور عند الجمهور، وقال جماعة منهم: بتشديدها؛ أي: لا تشاؤم بالبومة، ولا حياة لهامة الموتى؛ إذ كانوا يزعمون أن عظم الميتة يصير هامة ويحيا ويطير.
(ولا صفر) أي: ولا تشاؤم بدخول شهر صفر في الشرع؛ أي: لما يتوهمون أن فيه تكثر الدواهي والفتن، وقيل: إن الصفر حية في البطن تهيج عند جوع صاحبها، وربما قتلت صاحبها، وكانت العرب ترى أنها أعدى من الجرب، فنفى النبي ﷺ ذلك بقوله: "ولا صفر" والمعنى عليه: لا سراية لصفر من صاحبه إلى غيره؛ كما تزعمه العرب.
قوله أيضًا: "ولا هامة" أي: لا تشاؤم بنزول الهامة في القرى أو جنب الدار في الليل وصياحها؛ لأنهم يزعمون أن ذلك يدل على موت صاحب القرية ورئيسها أو صاحب الدار إذا صاحت جنب الدار، وقيل: هي دابة تخرج من رأس القتيل ظلمًا، أو تتولد من دمه، فلا تزال تصيح في الليل جنب داره حتى يؤخذ بثأره، كذا تزعمه العرب، فكذبهم الشرع. انتهى "مناوي".
وفي "المرشد": الهامة - بتخفيف الميم وجوز تشديدها -: هي دابة تظهر في الليل وتختفي في النهار، من الطيور لها جناح كجناح الطيور، ووجه كوجه الهرة، في الأرميا: (أرنغو). انتهى منه.
وقد نفى الإسلام هذه العقائد الباطلة التي هي من عقائد الجاهلية، فكذبهم الشرع. انتهى "مناوي".
стр. 9993
(١٧٠) - ٣٤٨٤ - (٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ أَبِي جَنَابٍ، عَنْ أَبِيه،
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث أبي هريرة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧٠) - ٣٤٨٤ - (٥) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن أبي جَنَابٍ) - بجيم ونون خفيفتين آخره موحدة - مشهور بالكنية، اسمه يحيى بن أبي حية - بمهملة وتحتانية - الكلبي الكوفي، ضعفوه لكثرة تدليسه، من السادسة، مات سنة خمسين ومئة (١٥٠ هـ)، أو قبلها. يروي عنه: (دت ق)، واسم أبي حية حي، قاله في "التهذيب".
قال أبو نعيم: لم يكن بأبي جناب بأس إلا أنه كان يدلس، وكذا قال أحمد وابن معين وأبو داوود عن أبي نعيم، وقال الدورقي عن ابن معين: لا بأس به، وقال عثمان الدارمي عن ابن معين: صدوق، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وبالجملة: فهو مختلف فيه.
(عن أبيه) أبي حَيَّة الكلبي الكوفي، والد أبي جناب، اسمه حَيٌّ - بفتح أوله وتشديد التحتانية - مقبول، من الثالثة. يروي عنه: (ق). روى عن ابن عمر، ويروي عنه ابنه أبو جناب، وقال في "التهذيب": حي أبو حية الكلبي الكوفي والد أبي جناب. روى عن: ابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ويروي عنه: ابنه أبو جناب، قال أبو زرعة: محله الصدق، له في "ابن ماجه" حديث واحد. انتهى، وهو هذا الحديث، وحينئذ فهو صدوق.
стр. 9994
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَلَا هَامَةَ"، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ الْبَعِيرُ يَكُونُ بِهِ الْجَرَبُ فَتَجْرَبُ بِهِ الْإِبِلُ قَالَ: "ذَلِكَ الْقَدَرُ؛
===
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه أبا جناب، وهو مختلف فيه، وأبوه حي صدوق؛ كما بيناه آنفًا.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله ﷺ : لا عدوى ولا طيرة ولا هامة) وقد بسطنا الكلام على هذه الثلاثة في الأحاديث السابقة فراجعها، فلا عود ولا إعادة.
(فقام إليه) ﷺ حين قال الرسول ذلك الكلام (رجل) من الحاضرين عنده، لم أر من ذكر اسمه، وفي حديث أبي هريرة: (فقام أعرابي) أي: رجل من سكان البوادي (فقال) الرجل: (يا رسول الله؛ البعير) من الأبعرة (يكون به الجرب) داء معروف (فـ) يدخل ذلك البعير الأجرب في الإبل المجتمعة أو الراعية و (تجرب) من باب طرب؛ كما في "المختار" (به) أي: بسبب دخول ذلك البعير الأجرب فيها (الإبل) التي دخل فيها كلها؛ أي: يأخذ كلها الجرب؛ أي: يكون ذلك البعير الأجرب سببًا لوقوع الجرب بجميعها؛ كانوا يعتقدون أن الممرض إذا دخل على الأصحاء. . أمرضهم، فنفى النبي ﷺ ذلك وأبطله بقوله: "لا عدوى".
فلما أورد الرجل الأعرابي عليه الشبهة. . (قال) له النبي ﷺ : (ذلك) أي: إصابة الجرب كلها بسبب دخول البعير الأجرب فيها (القدر) أي: هو القضاء الذي قدره الله تعالى وقضى عليها في سابق علمه
стр. 9995
فَمَنْ أَجْرَبَ الْأَوَّلَ؟ ! ".
===
قبل خلق السماوات والأرض (فـ) قال رسول الله ﷺ للرجل الأعرابي؛ إزالة لشبهته: (من أجرب الأول؟ ! ) أي: فمن أصاب بالجرب البعير الأول الذي أصاب الإبل كلها بجربه؟ ! أي: ممن سرى إليه الجرب؛ فإن قالوا: من بعير آخر. . لزم التسلسل، وهو محال عقلًا وشرعًا، أو قالوا: بسبب آخر. . فعليهم أن يبينوه، وإن قالوا: الفاعل في الأول هو الفاعل في الثاني. . ثبت المدعى؛ وهو أن الذي فعل ذلك بالجميع هو الله سبحانه، فالجواب في غاية الرشاقة والبلاغة. انتهى من "القسطلاني على البخاري".
وقد سبق للمؤلف هذا الحديث في المقدمة في باب القدر.
وعبارة "المرشد" في المقدمة: (قال) رسول الله ﷺ : (ذلك) الجرب الذي عم الإبل كلها هو (القدر) - بفتحتين - هو الأمر المقدر عليها المكتوب عليها أزلًا، أو سببه القدر؛ أي: القضاء الذي قضي عليها أزلًا، لا مخالطة البعير الأجرب.
فإن قلت: بالعدوى. . (فمن أجرب) البعير (الأول؟ ! ) أي: فكما أن الله سبحانه هو المؤثر في جرب البعير الأول. . كذلك هو المؤثر في جرب سائر الإبل، فلا عدوى.
وحديث ابن عمر هذا انفرد به ابن ماجه في روايته بهذا السند، ولكن أخرج هذا المتن الترمذي في كتاب القدر من طريق ابن مسعود، بل وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داوود في كتاب الطب من طريق أبي هريرة إلا قوله: (ذلك القدر) فهو مما تفرد به ابن ماجه.
فهذا الحديث درجته: أنه صحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث أبي هريرة وابن مسعود، إلا ما تفرد به ابن ماجه من قوله: (ذلك القدر) فهو حسن؛
стр. 9996
(١٧١) - ٣٤٨٥ - (٦) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا يُورِدُ الْمُمْرِضُ عَلَى الْمُصِحِّ".
===
لكون هذا السند حسنًا، وغرضه بسوقه: الاستشهاد به، فهذا الحديث: متنه صحيح بغيره إلا تلك الزيادة؛ أي: صحيح متنه بغيره، حسن سنده؛ لما تقدم آنفًا.
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث أبي هريرة بحديث آخر له رضي الله تعالى عنه، فقال:
(١٧١) - ٣٤٨٥ - (٦) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن مسهر) القرشي الكوفي قاضي الموصل، ثقة له غرائب بعدما أضر، من الثامنة مات سنة تسع وثمانين ومئة (١٨٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله ﷺ : لا يُورِد) - بضم الياء التحتانية وكسر الراء - من أورد الرباعي المبني للفاعل؛ أي: لا يدخل (المُمْرِضُ) - بضم الميم الأولى وكسر الراء - على صيغة اسم الفاعل، ومفعول الإيراد محذوف؛ تقديره: أي: لا يدخل إبله المراض (على المُصَحِّ) أي:
стр. 9997
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
على إبل صاحب الإبل الصحاح - وهو بضم الميم وكسر الصاد وتشديد الحاء المهملة - على صيغة اسم الفاعل؛ والممرض: صاحب الإبل المراض؛ والمصح: صاحب الإبل الصحاح.
والمعنى: لا يورد ولا يدخل صاحب الإبل المراض إبله على إبل صاحب الإبل الصحاح؛ لأنه ربما أصابها المرض بفعل الله تعالى وقدره الذي أجرى به العادة، لا بطبعها وتأثيرها، فيحصل لصاحب الإبل الصحاح ضرر بمرضها، وربما حصل له ضرر أعظم من ذلك باعتقاده العدوى بطبعها فيكفر، والله أعلم. انتهى "نووي"، وجملة الإيراد خبرية اللفظ، إنشائية المعنى، قصد بها النهي.
وفي رواية للبخاري: (لا يوردن) بزيادة نون التوكيد على صريح النهي، والنهي هنا نهي إرشاد على سبيل الحذر والاحتياط، ولا يستلزم الاعتقاد بالعدوى بكونه علة تامة في التأثير.
قال السندي: الممرض: الذي كان له إبل مرضى، والمصح: صاحب الصحاح، وهو نهي للممرض أن يسقي ويرعى إبله مع إبل المصح.
قال النووي: قال جمهور العلماء: الحديثان - يعني: حديث: (لا عدوى) المذكور قبل هذا الحديث، وحديث: (لا يورد ممرض) - هما صحيحان يجب الجمع بينهما، قالوا: وطريق الجمع بأن يقال: إن حديث: (لا عدوى) المراد به: نفي ما كانت الجاهلية تزعمه وتعتقده أن المرض والعاهة تعدي بطبعها لا بفعل الله تعالى وقدره.
وأما حديث: (لا يورد ممرض). . فأرشد فيه إلى مجانبة ما يحصل الضرر عنده في العادة بفعل الله تعالى، وكذا: (فر من المجذوم فرارك من الأسد).
стр. 9998
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فنفى في الحديث الأول العدوى بطبعها، ولم ينف حصول الضرر عند ذلك بقدر الله تعالى وفعله.
وأرشد في الثاني إلى الاحتراز مما يحصل عنده بفعل الله تعالى وإرادته وقدره، فهذا الذي ذكرناه من تصحيح الحديثين والجمع بينهما هو الصواب. انتهى منه.
قال القرطبي: في بحث هذا الحديث - أعني: حديث: (لا يورد ممرض. . .) إلى آخره - الورود: هو الوصول إلى الماء، يقال: أورد إبله؛ إذا أوصلها إليه، فصاحب الإبل مورد، والإبل موردة.
وممرض: اسم فاعل؛ من أمرض الرجل؛ إذا أصاب ماشيته مرض، قاله يعقوب؛ ومصح: اسم فاعل؛ من أصح؛ إذا أصابت ماشيته عاهة، ثم صحت، قاله الجوهري.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الطب، باب لا هامة، ومسلم في كتاب السلام، باب لا عدوى ولا طيرة، وأحمد بن حنبل، وابن أبي شيبة في "مصنفه" في كتاب الأدب، باب من رخص في الطيرة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ستة أحاديث:
الأول للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 9999
(٧١) - (١٣٠٠) - بَابُ الْجُذَامِ
(١٧٢) - ٣٤٨٦ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ وَمُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى وَمُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالُوا: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ فَضَالَةَ،
===
(٧١) - (١٣٠٠) - (باب الجذام)
(١٧٢) - ٣٤٨٦ - (١) (حدثنا أبو بكر) ابن أبي شيبة (ومجاهد بن موسى) الخوارزمي وهو الختلي - بضم المعجمة وتشديد المثناة المفتوحة - أبو علي نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (٢٤٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(ومحمد بن خلف) بن عمار أبو نضر (العسقلاني)، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ستين ومئتين (٢٦٠ هـ). يروي عنه: (س ق).
(قالوا: حدثنا يونس بن محمد) بن مسلم البغدادي أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، مات سنة سبع ومئتين (٢٠٧ هـ). يروي عنه: (ع).
(حدثنا مفضل بن فضالة) ابن أبي أمية أبو مالك البصري، أخو مبارك، ضعيف، من السابعة. يروي عنه: (دت ق)، قال في "التحفة": كذا في "التقريب"، وقال في "تهذيب التهذيب" في ترجمته: روى عن: أبيه، وحبيب بن الشهيد، وغيرهما، وعنه: يونس بن محمد المؤدب وغيره، قال الدوري عن ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في "الثقات"، له في السنن حديث واحد عن حبيب عن ابن المنكدر عن جابر: (أخذ رسول الله ﷺ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة. . .) الحديث، فهو مختلف فيه.
стр. 10000
عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِر، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ مَجْذُومٍ فَأَدْخَلَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ
===
(عن حبيب بن الشهيد) الأزدي أَبِي محمد البصري، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ)، وهو ابن ست وستين سنة. يروي عنه: (ع).
(عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير - مصغرًا - التيمي المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات سنة ثلاثين ومئة (١٣٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (ع).
(عن جابر بن عبد الله) الأنصاري الخزرجي المدني رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مختلفًا فيه؛ وهو مفضل بن فضالة.
(أن رسول الله ﷺ أخذ بيد رجل مجذوم) قال الأردبيلي: المجذوم الذي وضع رسول الله ﷺ أو عمر رضي الله تعالى عنه يده في القصعة وأكل معه. . هو معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي. انتهى من "العون".
(فأدخلها) أي: أدخل رسول الله ﷺ يد المجذوم (معه) أي: مع يده (في القصعة) ليأكل معه؛ والقصعة - بفتح القاف وسكون المهملة -: إناء الأكل معروف، يجمع على قصاع، وفي رواية الترمذي: (فأدخله معه)، وفي رواية أبي داوود: (فوضعها معه)، وتذكير الضمير في قوله: (أدخله معه) في رواية الترمذي بتأويله بالعضو، وفي إدخال يده معه في القصعة غاية التوكل من جهتين؛ أحدهما: الأخذ بيده، وثانيهما: الأكل
стр. 10001
ثُمَّ قَالَ: "كُلْ ثِقَةً بِالله، وَتَوَكُّلًا عَلَى اللهِ".
===
معه، وأخرج الطحاوي عن أبي ذر: (كل مع صاحب البلاء؛ تواضعًا لربك وإيمانًا).
(ثم قال) رسول الله ﷺ للمجذوم: (كل) معي يا مجذوم (ثقة بالله) - بكسر المثلثة - مصدر بمعنى الوثوق؛ كالعدة والوعد، وهو مفعول مطلق منصوب بعامل محذوف وجوبًا؛ تقديره: أي: كل معي أثق بالله وثوقًا في حفظه إياي من مرضك؛ أي: اعتمادًا عليه وتفويضًا للأمر إليه (وتوكلًا على الله).
والجملتان حالان من ضمير (معي) ثانيتهما مؤكدة للأولى؛ أي: كل معي، حالة كوني واثقًا بالله متوكلًا عليه في حفظه إياي من مرضك هذا، ويحتمل كونهما مستأنفتين، ويحتمل أنهما من كلام الراوي؛ أي: قال ذلك ثقة بالله وتوكلًا عليه.
قال السندي: الجذام: داء كالبرص يتسبب منه تساقط اللحم والأعضاء، قيل: الظاهر أن قوله: "ثقة بالله" من كلام الرسول ﷺ .
قال الأردبيلي: قال البيهقي: أخذه ﷺ بيد المجذوم ووضعها في القصعة وأكله معه. . في حق من يكون حاله الصبر على المكروه، وترك الاختيار في موارد القضاء، وقوله ﷺ : (فر من المجذوم؛ كما تفر من الأسد)، وأمره ﷺ في مجذوم بني ثقيف بالرجوع. . في حق من يخاف على نفسه العجز عن احتمال المكروه والصبر عليه، فيحترز بما هو جائز في الشرع من أنواع الاحترازات. انتهى.
قال النووي: قال القاضي: قد اختلفت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 10002
(١٧٣) - ٣٤٨٧ - (٢) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ،
===
في قصة المجذوم: فثبت عنه الحديثان المذكوران؛ يعني: حديث: "فر من المجذوم"، وحديث: "المجذوم في وفد ثقيف".
وروي عن جابر أن النبي ﷺ أكل مع المجذوم، وقال له: "كل ثقة بالله وتوكلًا عليه".
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان لنا مولىً مجذوم، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي.
قال: وقد ذهب عمر وغيره من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، والصحيح الذي قاله الأكثرون، ويتعين المصير إليه. . أنه لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط لا على الوجوب.
وأما الأكل معه. . ففعله رسول الله ﷺ ؛ لبيان الجواز. انتهى ما قاله النووي. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: أبو داوود في كتاب الطب، باب في الطيرة، والترمذي في كتاب الأطعمة، باب ما جاء في الأكل مع المجذوم.
ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما تقدم آنفًا، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث جابر بحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(١٧٣) - ٣٤٨٧ - (٢) (حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، لقبه دحيم - مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة،
стр. 10003
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ ح وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْخَصِيبٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ جَمِيعًا، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، عَنْ أُمِّهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْن،
===
مات سنة خمس وأربعين ومئتين (٢٤٥ هـ). يروي عنه: (خ دس ق).
(حدثنا عبد الله بن نافع) بن أبي نافع الصائغ المخزومي مولاهم أبو محمد المدني، ثقة صحيح الكتاب في حفظه لين، من كبار العاشرة، مات سنة ست ومئتين (٢٠٦ هـ)، وقيل بعدها. يروي عنه: (م عم). روى عن ابن أبي الزناد، ويروي عنه دحيم.
(عن) عبد الرحمن (بن أبي الزناد) عبد الله بن ذكوان المدني مولى قريش، صدوق تغير حفظه لمَّا قَدِم بَغدادَ، وكان فقيهًا، من السابعة، مات سنة أربع وسبعين ومئة (١٧٤ هـ). يروي عنه: (م عم).
(ح وحدثنا علي) بن محمد (بن أبي الخَصِيب) اسمه الوَشَّاءُ القرشيُّ الكوفي، صدوق ربما أخطأ، من العاشرة، مات سنة ثمان وخمسين ومئتين (٢٥٨ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا وكيع، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند) الفزاري مولاهم أبي بكر المدني، صدوق ربما وهم، من السادسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة (١٤٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(جميعًا) أي: كل من ابن أبي الزناد وعبد الله بن سعيد رويا (عن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان) بن عفان الأموي المدني، وهو أخو عبد الله بن الحسن بن الحسن لأمه، صدوق، من السابعة، قتل سنة خمس وأربعين ومئة (١٤٥ هـ). يروي عنه: (ق).
(عن أمه فاطمة بنت الحسين) بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية،
стр. 10004
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "لَا تُدِيمُوا النَّظَرَ إِلَى الْمَجْذُومِينَ".
(١٧٤) - ٣٤٨٨ - (٣) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ،
===
زوج الحسن بن الحسن بن علي، ثقة، من الرابعة، ماتت بعد المئة وقد أسَنَّتْ. يروي عنها: (د ت ق).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
وهذان السندان من سداسياته، وحكمهما: الصحة؛ لأن رجالهما ثقات.
(أن النبي ﷺ قال: لا تُدِيمُوا) أي: لا تُكثروا (النظرَ إلى المجذومين) وإنما نهى عن كثرة النظر إليهم؛ لأنه إِذا دَاوم وأَكْثَر النظَر إلى المجذوم. . حَقَّرَهُ ورأَى لنفسه فضلًا عليه، وتَأَذَّى به المنظُور إليه، وأَنْكَر قَلْبهُ.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ولكن رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل في "زيادات المسند"، والبيهقي في "الكبرى"، وأبو بكر بن أبي شيبة في "مسنده"، وأحمد في "المسند"، والطيالسي في "مسنده"، والطبري في "تهذيب الآثار"، وغيرهم.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث جابر بحديث شريد بن سويد الثقفي رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(١٧٤) - ٣٤٨٨ - (٣) (حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حُجْرٍ - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (٢٣٧ هـ). يروي عنه: (ق).
(حدثنا هشيم) - مصغرًا - ابن بشير - بوزن عظيم - ابن القاسم بن دينار.
стр. 10005
عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ يُقَالُ لَهُ: عَمْرٌو، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْجِعْ؛ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ".
===
السلمي أبو معاوية الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، من السابعة، مات سنة ثلاث وثمانين ومئة (١٨٣ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن يعلى بن عطاء) العامري، ويقال: الليثي الطائفي، ثقة، من الرابعة، مات سنة عشرين ومئة (١٢٠ هـ)، أو بعدها. يروي عنه: (م عم).
(عن رجل من آل الشريد) بن سويد الثقفي (يقال له) أي: لذلك الرجل: (عمرو) بن شريد - بفتح المعجمة - ابن سويد الثقفي أبو الوليد الطائفي، ثقة، من الثالثة. يروي عنه: (خ م د س ق).
قال العجلي: حجازي تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات".
(عن أبيه) شريد - بوزن طويل - ابن سويد - مصغرًا - الثقفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، شهد بيعة الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا. يروي عنه: (م د س ق).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) شريد بن سويد: (كان في وفد ثقيف) أي: في الجماعة الوافدين منهم على رسول الله ﷺ لمبايعته على الإسلام (رجل مجذوم) أي: مبتلىً بالجذام فأراد أن يبايع رسول الله ﷺ بيده بلا واسطة (فـ) لما علم رسول الله ﷺ ما أراده من مبايعته. . (أرسل إليه) أي: إلى ذلك المجذوم (النبي ﷺ فقال له رسول الله ﷺ : (ارجع) إلى منزلك ولا تتعب نفسك (فـ) إنا (قد بايعناك) بالكلام.
стр. 10006
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال السندي: قوله: "ارجع؛ فقد بايعناك" قيل: رده خوفًا على أصحابه؛ لئلا يروا لأنفسهم فضلًا عليه، فيدخلهم العجب، أو خوفًا عليه؛ لئلا يحزن المجذوم لرؤية الناس فيقل صبره على البلاء، وقيل: لأن الجذام يتعدى عادة، وقيل: لئلا يظن أحد العدوى إن حصل له جذام، والله أعلم. انتهى.
قوله: "فارجع" أي: إلى مكانك فاجلس فيه ولا تتحرك عنه؛ يعني: أنه ﷺ بايعه بلا مصافحة، وهذا القول منه ﷺ ؛ لحفظ الضعفاء، وأما الأقوياء. . فلا يبالون بالاختلاط معه، ومن أجل هذا الحديث قال العلماء: إن المجذوم يمنع من المساجد ومن الاختلاط بالناس، وهل يثبت لزوجته خيار في فسخ نكاحه؟ فيه خلاف، وقد أثبت مالك والشافعي الخيار، بخلاف الحنفية، والتفصيل في كتب الفروع.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب السلام، باب اجتناب المجذوم ونحوه، والنسائي في كتاب البيعة، باب بيعة من به عاهة، وأحمد في "المسند".
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: ثلاثة أحاديث:
الأول للاستدلال، والأخيران للاستشهاد.
والله أعلم
стр. 10007
(٧٢) - (١٣٠١) - بَابُ السِّحْرِ
(١٧٥) - ٣٤٨٩ - (١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَحَرَ النَّبِيَّ ﷺ يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ،
===
(٧٢) - (١٣٠١) - (باب السحر)
(١٧٥) - ٣٤٨٩ - (١) (حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة متقن له تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (٢٣٥ هـ). يروي عنه: (خ م دس ق).
(حدثنا عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة حافظ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (١٩٩ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن هشام) بن عروة بن الزبير القرشي الأسدي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة خمس أو ست وأربعين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن أبيه) عروة بن الزبير، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين (٩٤ هـ). يروي عنه: (ع).
(عن عائشة) أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات حفاظ.
(قالت) عائشة: (سحر النبي ﷺ ببناء الفعل للفاعل، ونصب (النبي) على أنه مفعول مقدم على فاعله؛ للاهتمام والاعتناء به (يهودي) فاعل مؤخر للاستهجان والاستقباح له؛ أي: صنع بالنبي ﷺ يهودي (من يهود) المدينة من (بني زريق، يقال له: لبيد بن الأعصم) أي: يسمى بهذا الاسم.
стр. 10008
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
فإن قلت: قد صرح الراوي في هذه الرواية بأنه كان يهوديًّا، وقد وقع في رواية لابن عيينة عند البخاري (٥٧٦٥): (رجل من بني زريق حليف ليهود، كان منافقًا)، وبين الروايتين معارضة، فكيف الجمع بينهما؟
قلت: جمع بينهما الحافظ في "الفتح" بأن من أطلق أنه يهودي. . نظر إلى ما في نفس الأمر، ومن أطلق عليه منافقًا. . نظر إلى ظاهر أمره، ويحتمل أنه قيل له: يهودي؛ لكونه من حلفائهم لا أنه كان على دينهم.
وبنو زُريق بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار واليهود حِلْفٌ وإخاء قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام. . تبرأ الأنصار منهم، وقد أخرج البيهقي في "دلائل النبوة" (٧/ ٩٢) من طريق عمرة عن عائشة قالت: كان لرسول الله ﷺ غلام يهودي يخدمه، يقال له: لبيد بن أعصم، وكان تعجبه خدمته، فلم تزل به يهود حتى سحر النبيَّ ﷺ .
وقد بين الواقدي السنة التي وقع فيها السحر فيما أخرجه عنه ابن سعد بسند له إلى عمر بن الحكم مرسلًا، قال: لما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية في ذي الحجة، ودخل المحرم من سنة سبع. . جاءت رؤساء اليهود إلى لبيد بن الأعصم، وكان حليفًا في بني زريق، وكان ساحرًا، فقالوا له: يا أبا الأعصم؛ أنت أَسْحَرُنَا، وقد سحرنا محمد، فَلِمَ لا تصنعُ شيئًا ونحن نجعل لك جُعلًا على أن تصنع لنا سحرًا يَنكَؤُه، فجعلوا له ثلاثة دنانير، ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي: (فأقام أربعين ليلة).
وقال السهيلي: لم أقف في شيء من الأحاديث المشهورة على قدر المدة التي مكث النبي ﷺ فيها في السحر، حتى ظفرت به في "جامع
стр. 10009
حَتَّى كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّئَ وَلَا يَفْعَلُهُ،
===
معمر" عن الزهري: أنه لبث ستة أشهر، وأيده الحافظ بحديث أخرجه أحمد في "مسنده" (٦/ ٦٣) بإسناد موصول صحيح، راجع "فتح الباري" (١٠/ ٢٢٦) والله أعلم، وفي مسند يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: سحر النبي ﷺ عن عائشة سنةً؛ أي: حُبس عنها سنة، حتى كاد يغض بصره عنها.
وهذا الحديث يدل على أن السحر موجود، وأن له أثرًا في المسحور، وقد دل على ذلك مواضع كثيرة من الكتاب والسنة، بحيث يحصل بذلك القطع بأن السحر حق، وأنه موجود، وأن الشرع قد أخبر بذلك؛ كقصة سحرة فرعون بقوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١)، ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (٢). . . إلى غير ذلك مما تضمنته تلك الآيات من ذكر السحر والسحرة.
وبالجملة: فهو أمر مقطوع به؛ بإخبار الله تعالى ورسوله ﷺ عن وجوده ووقوعه، فمن كذب بذلك. . فهو كافر مكذب لله تعالى ورسوله ﷺ ، منكر لما علم مشاهدةً وعيانًا، ومنكر ذلك إن كان مُسْتتِرًا به. . فهو الزنديقُ، وإن كان مظهرًا. . فهو المرتد. انتهى من "المفهم".
والسحر لغةً: كُلُّ ما لطُفَ وخَفِيَ، واصطلاحًا: كل ما خفي سببه، أو تُخيِّلَ على غير حقيقته، وقد بسطنا الكلام عليه في تفسيرنا "الحدائق" في مظانه.
قالت عائشة ﵂: سحَرَهُ يهودي (حتى كان النبي ﷺ يخيل) ويصور (إليه) ﷺ (أنه يفعل الشيء) أي: فَعَلَ الشيءَ (ولا يفعله) أي: والحال أنه لم يفعل ذلك الشيء حقيقة؛ أي: يظن
стр. 10010
قَالَتْ: حَتَّى كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ دَعَا ثُمَّ دَعَا ثُمَّ قَالَ: "يَا عَائِشَةُ؛ أَشَعَرْتِ أَنَّ أللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟
===
أنه فعل شيئًا لم يفعله؛ أي: كان يتخيل إليه أنه وطئ زوجاته وليس بواطئ، وهذا التخيل بالبصر لا لخلل تطرق إلى العقل والقلب، بل السحر تسَلَّط على جسده الشريف وظواهر جواهره اللطيفة، لا على قلبه وعقله واعتقاده، وهذا لا يُدْخِلُ لَبْسًا على الرسالة، وفسر القاضي عياض هذا التخييلَ بقوله: يحتمل أن يكون المراد بالتخييل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة. . فَتَر عن ذلك؛ كما هو شأن المعقود.
(قالت): واستمر كذلك مسحورًا (حتى كان ذات يوم) أي: كان في يوم من الأيام، ولفظ: (ذات) مقحم (أو) قالت عائشة - والشك من عروة أو ممن دونه -: أي: أو قالت عائشة: حتى إذا (كان) رسول الله ﷺ (ذات ليلة) أي: كان في ليلة من الليالي (دعا رسول الله ﷺ أي: طلب الشفاء من سحره من الله تعالى (ثم دعا) مرةً ثانية (ثم دعا) مرةً ثالثة؛ إظهارًا للعجز والافتقار، وعلمًا منه بأن الله هو الكاشف للكروب والأضرار، وقيامًا بعبادة الدعاء عند الاضطرار.
وفيه دليل على استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهات وتكريره، وحسنُ الالتجاء إلى الله تعالى.
(ثم) بعدما دعا ثلاث مرات (قال) لي: (يا عائشة؛ أشعرت) - بفتح همزة الاستفهام التقريري وفتح الشين المعجمة والعين المهملة وكسر التاء - خطابًا لعائشة؛ أي: أعلمت، فالهمزة للاستفهام التقريري؛ أي: هل علمت (أن الله) (أفتاني) أي: أجابني (فيما استفتيته فيه) أي: فيما
стр. 10011
جَاءَنِي رَجُلَانِ؛ فَجَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلِي،
===
دعوته؟ ! فسمى الدعاء استفتاءً؛ والجواب فتيا؛ لأن الداعي طالب، والمجيب مستفت، فاستعير أحدهما للآخر، على طريق الاستعارة التصريحية التبعية. انتهى من "المفهم".
أي: أجابني فيما سألته عنه، وفي رواية عمرة عند البيهقي في "الدلائل": (قد أنبأني بوجعي) وذلك أنه (جاءني رجلان) في منامي.
ووقع في رواية عمرة في "الدلائل" (٧/ ٩٢): (فبينما رسول الله ﷺ ذات ليلة نائم. . إذا أتاه ملكان)، وهذا يدل على أن قصة إتيان الملكين إنما وقعت في المنام، وحمله الحافظ في "الفتح" على أنه ﷺ كان بصفة النائم وهو يقظان، فتخاطبا وهو يسمع، وذكر أنه وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد بسند ضعيف جدًّا: (فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان).
وأخرج النسائي وابن سعد والحاكم وعبد بن حميد عن زيد بن أرقم: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل، فقال: إن رجلًا من اليهود سحرك. . . إلى آخره، ودل ذلك على أن أحد الملكين كان جبريل، وذكر الحافظ أن الآخر ميكائيل، ولم أقف على مَأْخَذِه، والله أعلم.
(فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي) وفي رواية: (عند رجلي) بتشديد الياء على صيغة التثنية.
ومعنى: "جاءني رجلان" أي: ملكان في صورة رجلين، وظاهره أن ذلك كان في اليقظة، ويحتمل أن يكون منامًا، ورؤيا الأنبياء ﵈ وحي. انتهى "مفهم".
стр. 10012
فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلَّذِي عِنْدَ رِجْلِي أَوِ الَّذِي عِنْدَ رِجْلِي لِلَّذِي عِنْدَ رَأْسِي: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَم، قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟ قَالَ: فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ
===
(فقال) الرجل (الذي) هو جالس (عند رأسي لـ) لرجُل (الذي) هو جالس (عند رجلي أو) قال: (الذي عند رجلي للذي عند رأسي) والشك من الراوي: (ما وجع) هذا (الرجل) أي: ما مرضُه؟ وفي رواية ابن عيينة عند البخاري: (ما بال الرجل؟ ).
والحاصل: أن أحدهما سأل الآخر عن وجع رسول الله ﷺ ، وهذا اللفظ يدل على أن ما أصاب رسول الله ﷺ إنما كان نوعًا من المرض حدث بسبب سحر.
فـ (قال) الآخر: هو؛ أي: هذا الرجل (مطبوب) أي: مسحور، يقال: طُبَّ الرجل - بضم الطاء - إذا سُحر، ويقال: إنهم كنوا عن السحر بـ (الطب) تفاؤلًا؛ كما قالوا للديغ: سليم (قال) الآخر السائل أولًا: (من طبه) أي: سحره؟ (قال) المسؤول أولًا: طبه (لبيد بن الأعصم، قال) السائل أولًا: (في أي شيء) طبه؟ أي: سحره (قال) المسؤول أولًا: طبه (في مشط) - بضم الميم وسكون المعجمة - هي الآلة التي يُسرَّح بها شعر الرأس واللحية، وقد تكسر ميمه، وقد تضم شينه أيضًا، يجمع على أمشاط، وقد يطلق المشط: على العظم العريض في الكتف، وعلى سُلَاميات ظهر القدم، وعلى نبت صغير يقال له: مشط الذنب.
وقال القرطبي: يحتمل أن الذي سحر فيه النبي ﷺ أحد هذه الأربع.
(و) في (مشاطة) - بضم الميم وفتح المعجمة مخففة وبعد الألف طاء
стр. 10013
وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذِي أَرْوَانَ"،
===
مهملة - وهي الشعر الذي يسقط ويخرج من الرأس أو اللحية عند تسريحه، وفي حديث ابن عباس: (من شعر رأسه ومن أسنان مشطه).
ووقع في البخاري: (في مشاقة) - بالقاف بدل الطاء؛ وهو الواحدة من مشاقِّ الكَتَّان - وهو ما سقط من الكتان والحرير ونحوها عند المشط، وقيل: هي المشاطة من الشعر.
(و) في (جف) - بضم الجيم والفاء المشددة - أي: وطئه أيضًا في جُف (طلعة ذكر) وفي رواية مسلم: (وجب) - بالباء الموحدة المشددة وضم الجيم في الروايتين - وهما بمعنىً واحد، والجف وكذا الجب: وعاء طلع النخل؛ أي: الغشاء الذي يكون عليه عند طلوعه.
قال شمر: أراد بالجب: داخل المطلعة إذا أخرج عنها الكفري؛ كما يقال لداخل الركية - أي: البئر - من أسفلها إلى أعلاها: جب.
وقيل فيه: إنه من القطع؛ يعني به: ما قطع من قشورها، ويطلق على الذكر والأنثى، ولذلك قيده في الحديث بإضافته إلى (طلعة) وبإضافة طلعة إلى (ذكر) أي: طلعة نخل مذكر، ورواه بعضهم بتنوين (طلعة) على أن قوله: (ذكر) صفة لـ (جف).
(قال) السائل منهما: (فأين هو؟ ) أي: في أي مكان هو؟ أي: ما طَبَّه فيه من الأمور الثلاثة المذكورة (قال) المجيب منهما: هو مدفون (في بئر ذي أروان) - بالهمز - وكذا وقع في بعض روايات البخاري، وفي جميع روايات مسلم، وفي بعض روايات البخاري: (بئر ذروان) - بالذال المفتوحة والراء الساكنة - وكلاهما صحيح، والأول أجود وأصح، وادعى ابن قتيبة أنه الصواب، وهو قول الأصمعي؛ وهي بئر في المدينة في بستان بني زريق. انتهى "نووي".
стр. 10014
قَالَتْ: فَأَتَاهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: "وَاللهِ يَا عَائِشَةُ؛ لَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاء،
===
وذكر الحافظ أنه في الأصل: (بئر ذي أروان) ثم سُهِّلت الهمزةُ؛ لكثرة الاستعمال، فصارت ذروان.
وفي رواية ابن عيينة عند البخاري: (تحت راعوفة في بئر ذي أروان)، والراعوفة: حجر يوضع على رأس البئر لا يستطاع قلعه، يقوم عليه المستقي، وقد يكون أسفل البئر؛ ليكون عليه المستقي للبئر.
(قالت) عائشة: (فأتاها) أي: فأتى تلك البئر وجاءها (النبي ﷺ في أناس) أي: مع أناس (من أصحابه) وهذا صريح في أن النبي ﷺ ذهب إلى البئر بنفسه، ووقع في "دلائل النبوة" للبيهقي: (فلما أصبح. . غدا رسول الله ﷺ ، وغدا معه أصحابه إلى البئر).
لكن وقع في حديث ابن عباس عند ابن سعد: (فبعث إلى علي وعمار، فأمرهما أن يأتيا إلى البئر).
وعنده في مرسل ابن الحكم: (فدعا جبير بن إياس الزرقي؛ وهو ممن شهد بدرًا، فدله على موضعه من بئر ذروان، فاستخرجه)، ويقال: إن الذي استخرجه قيس بن محصن الزرقي.
قال في "الفتح": ويجمع بأنه أعان جبيرًا على ذلك، وباشره بنفسه، فنسب إليه، وأن النبي ﷺ وجههم أولًا، ثم توجه فشاهدها بنفسه، والله أعلم.
(ثم) بعدما أتاها (جاء) إلى عائشة ورجع إليها (فقال) لها: (والله؛ يا عائشة لكأن ماءها) أي: ماء تلك البئر (نقاعة الحناء) فيه دليل على جواز
стр. 10015
وَلَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ"،
===
الحلف وإن لم يستحلف، ونقاعة الحناء - بضم النون -: الماء الذي يخرج فيه لونه إذا نقع وبل فيه.
قال في "المنجد": والحناء - بكسر الحاء المهملة وبالمد -: شجر يتخذ ورقه للخضاب الأحمر المعروف، وزهره أبيض كالعناقيد، واحدتها حناءة، وجمعه حُنآن - بضم أوله - يعني: أن ماء تلك البئر كالماء الذي ينقع فيه الحناء؛ يعني: أنه تغير لونه لرداءته أو لما خالطه مما ألقي فيه.
(ولكأن نخلها) أي: النخيل التي حولها (رؤوس الشياطين) في التناهي في كراهتها وقبح منظرها، وقيل: الشياطين: حيات عرفاء قبيحة المنظر هائلة جدًّا. انتهى "قسطلاني".
يعني: أنها مستكرهة مستقبحة المنظر والمخبر، وهذا على عادة العرب إذا استقبحوا شيئًا. . شبهوه بأنياب الأغوال، ورؤوس الشياطين.
يعني - والله أعلم -: أن تلك الأرض التي فيها النخل والبئر خراب لا تعمر؛ لرداءتها، فبئرها معطلة، ونخلها مشذبة؛ أي: مقطوعة الأغصان ومقشرة اللحاء بمهملة.
وتغير ماء البئر: إما لطول إقامته، وإما لما خالطه مما ألقي فيه. انتهى من "المفهم".
وفي رواية عمرة عند البيهقي في "الدلائل": (وإذا نخلها الذي يشرب من مائها قد التوى سعفه؛ كأنه رؤوس الشاطين)، ويحتمل: أن يكون شبه طلعها برؤوس الشياطين؛ لقبح منظرها، ويحتمل أن يكون المراد بالشياطين: الحيات، وهناك شجر الزقوم، شبهت فروعها برؤوس الشياطين، فشبه رسول الله ﷺ النخل بالزقوم، والله أعلم.