← Книги сунны

Книги сунны · id 148271

جامع المسانيد لابن الجوزي

ابن الجوزي

Полный текст (4 002 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

(٦٧) مسند جَعْدَة بن خالد بن الصِّمَّة الجُشَميّ مولى أبي إسرائيل (١). (١٢٣٤) حدّثنا أحمد قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا شعبة قال: حدّثنا أبو إسرائيل الجُشَميّ عن شيخ لهم يقال له جَعدة: أنّ النّبيّ ﷺ رأى لرجلٍ رؤيا، قال فبعث إليه فجعلَ يقصُّها عليه، وكان الرّجلُ عظيمَ البطن، قال: فجعل يقول بإصبعه في بطنه: "لو كان هذا في غير هذا كان خيرًا لك". * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا شعبة قال: سمعت أبا إسرائيل قال: سمعْتُ جَعدة قال: سمعْتُ النبيَّ ﷺ ورأى رجلًا سمينًا، فجعلَ النبيُّ ﷺ يؤمِيء إلى بطنه ويقول: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيرًا لك". قال: وأُتي النبيُّ ﷺ برجل، فقالوا: إنّ هذا أرادَ أن يقتلَك. فقال له النبيُّ ﷺ : "لم تُرَعْ، [لم تُرَعْ]، ولو أردْتَ ذلك لم يُسَلِّطْك اللَّهُ عليَّ" (٢). * * * *

стр. 667

(٦٨) مسند جعفر بن أبي طالب (١) وهو حديث الهجرة إلى النَّجاشيّ. (١٢٣٥) حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يعقوب قال: حدّثنا أبي عن محمد بن إسحق قال: حدّثني محمد بن مسلم بن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي عن أمِّ سلمة زوج النبيِّ ﷺ قالت: لما نَزَلْنا أرضَ الحبشة جاورْنا بها خيرَ جارٍ: النَّجاشيّ، أمِنّا على ديننا، وعبَدْنا اللَّه لا نُؤذَى ولا نسمعُ شيئًا نكرهُه. فلمّا بلغ ذلك قُريشًا ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشيّ فينا رجلين جَلْدَين (٢)، وأن يُهدوا للنجاشيّ هدايا ممّا يُسْتَطْرَفُ من مَتاع مكّة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدَمُ (٣)، فجمعوا له أَدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بِطريقًا إلّا أهدَوا له هديّة، ثم بعثوا بذلك مع عبد اللَّه بن أبي ربيعة المخزوميّ وعمرو بن العاص، وأمروهما أمرَهم، وقالوا لهما: ادفَعوا إلى كلّ بطريق هديّته قبلَ أن تُكَلِّموا النجاشيَّ فيهم، ثم قدّموا للنجاشيّ هداياه، ثم سَلُوه أن يُسْلِمَهم إليكم قبل أن يُكلِّمَهم. قال: فخرَجا فقَدِما على النجاشيّ ونحن عندَه بخير دار وخير جار، فلم يبقَ من بطارقته بِطريقٌ إلا دَفَعا إليه هديَّته قبل أنْ يُكَلِّما النجاشيّ، ثم قالا لكلّ بِطريق: إنّه قد صَبَأ (٤) إلى بلد الملك منا غلمانٌ سفهاءُ، فارقوا دينَ قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مُبْتَدَع لا نعرفُه نحن ولا أنتم، قد بَعَثَنا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم لِيَرُدُّوهم إليهم، فإذا كلَّمْنا الملك فيهم فأشِيروا عليه بأن يُسلِمَهم إلينا ولا يُكَلِّمَهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا وأعلمُ بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم. ثم إنّهما قرّبا هداياهم إلى النجاشيّ

стр. 668

فقبلها منهما، ثم كلّماه فقالا له: أيّها الملك، إنه قد صَبَأَ إلى بلدك منّا غلمان سفهاءُ فارقوا دينَ قومِهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثَنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لِتَرُدَّهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلمُ بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيءٌ أبغضَ إلى عبد اللَّه ابن أبي ربيعة وعمرو بن العاص أن يسمع النجاشيُّ كلامهم. فقالت بطارقتُه حولَه: صدقوا أيّها الملك، قومُهم وأعلى بهم عينًا، وأعلمُ بما عابوا عليهم، فأسْلِمْهم إليهما فلْيَرُدّاهم إلى بلادهم وقومهم. قال: فغضب النجاشيّ ثم قال: لاها ايم اللَّه إذًا، لا أُسْلِمُهم إليهما، ولا أُكادُ، أقوامًا جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني علي مَنْ سواي حتى أدعوَهم فأسألَهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمْتُهم إليهما وردَدْتُهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك مَنَعْتُهم منهما وأحسنْتُ جِوارَهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللَّه فدعاهم، فلمّا جاءهم رسولُه اجتمعوا ثم قال بعضهم: ما تقولون للرجل إذا جِئْتموه؟ قالوا: نقول واللَّه ما عَلِمنا وما أمرَنا به نبيُّنا ﷺ ، كائنٌ في ذلك ما هو كائن. فلمّا جاؤوه وقد دعا النجاشيّ أساقِفتَه، فنشروا مصاحفهم حوله. سألَهم فقال: ما هذا الذي فارقْتُم فيه قومَكم ولم تدخلوا في ديني ولا دين أحدٍ من هذه الأمم؟ قالت: فكان الذي كلَّمَه جعفرُ بن أبي طالب، فقال له: أيُّها الملك، كُنّا قومًا أهلَ جاهليّة، نعبدُ الأصنامَ، ونأكلُ المَيتةَ، ونأتي الفواحشَ، ونقطعُ الأرحام، ونُسيء الجِوارَ، يأكلُ القويّ منّا الضعيفَ، فكُنّا على ذلك حتى بعثَ اللَّهُ رسولًا منّا نعرِفُ نسبَه وصِدقَه وأمانته وعفافَه، فدعانا إلى اللَّهِ لنُوَحِّدَه ونعبُدَه، ونخلعَ ما كُنا نعبُدُ وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرَنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصِلة الرَّحِمِ، وحُسن الجوار، وكفٍّ عن المحارم والدّماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكل مال اليتيمَ، وقذف المُحْصَنة. وأمرَنا أن نعبدَ اللَّهَ لا نُشركُ به شيئًا، وأمرَنا بالصّلاة والزّكاة والصّيام -قالت: فعدَّدَ عليه أُمورَ الإسلام- فصدَّقْناه وآمنا به واتَّبَعْناه على ما جاء به، فعبدْنا اللَّهَ وحده ولم نشرك به شيئًا، وحرَّمْنا ما حرَّم علينا، وأحْلَلْنا ما أحلَّ لنا. فعدا علينا قومُنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا لِيَرُدُّونا إلى عبادة الأوثان من عبادة اللَّه ، وأن نستحلَّ ما كنا نستحلُّ من الخبائث، قهرونا وظلمونا وشقُّوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا.

стр. 669

خرجْنا إلى بلدك، واخْتَرناك على مَنْ سواك، ورَغِبْنا في جوارك، ورجَونا ألّا نُظْلَمَ عندك أيُّها الملك. فقالت: قال له النجاشيُّ: هل معك ممّا جاء به عن اللَّه شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشيُّ: فاقْرَأْه عليّ. قالت: فقرأَ عليه صَدْرًا من (كهيعص)، قالت: فبكى -واللَّه- النجاشيُّ حتى أخْضَلَ لحيتَه، وبكَتْ أساقفتُه حتى أخضلوا مصاحفَهم حين سمعوا ما تُلِي عليهم. ثم قال النجاشي: إنّ هذا -والذي جاء به موسى- ليخرجُ من مشكاةٍ واحدةٍ، انطلقوا، فواللَّه لا أُسْلِمُهم إليكم أبدًا ولا أُكاد. قالت أمِّ سلمة: فلمّا خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: واللَّه لآتينّه غدًا أعيبُهم عندَه بما (١) أسْتَأْصِلُ به خضراءَهم. قالت: فقال له عبد اللَّه بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرّجلين فينا: لا تفعلْ، فإنَّ لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا. قال: واللَّه لأُخْبِرَنّه أنّهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبدٌ. قال: ثم غدا عليه الغدَ فقال له: أيُّها الملك، إنّهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرْسِل إليهم فسَلْهُم عمّا يقولون فيه. قالت: فأرسلَ إليهم يسألهم عنه. قالت: ولم ينزلْ بنا مثلُها، فاجتمع القومُ، فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألَكم عنه؟ قالوا: نقول واللَّه فيه ما قال اللَّهُ ، وما جاءَ به نبيُّنا، كائنٌ في ذلك ما هو كائن. فلمّا دخلوا عليه قال لهم: ما يقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: يقولون فيه الذي جاء به نبيُّنا، هو عبدُ اللَّه ورسوله وروحه، وكَلِمتُه ألقاها إلى مريمَ العذراءِ البتول. فضرب النجاشيُّ يدَه إلى الأرض، فأخذَ منها عودًا فقال: ما عدا عيسى ابنُ مريم ما قلتَ هذا العودَ. فتناخَرَت بطارقتُه حولَه حين قال ما قال، فقال: وإن نَخَرْتُم واللَّه، اذهبوا أنتم سُيومٌ بأرضي -والسُّيوم: الآمِنون- مَن سبَّكم غُرِّم، ثم من سبَّكم غُرِّم، ثم من سبّكم غُرِّم، ما أُحِبُّ إلى أن لي دَبْرًا ذهبًا وإنّي آذيتَ رجلًا منكم - والدَّبْر بلغة الحبشة: الجَبَل. رُدُّوا عليهما هداياهما فلا حاجةَ لي بها، فواللَّه ما أخَذَ اللَّه منّي الرّشوةَ حين ردَّ عليّ مُلكي فآخذَ الرِّشوة فيه، وما أطاعَ النّاسَ فِيَّ فأطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحَين، مردودًا عليهما ما جاءا به. وأقمْنا عنده بخير دارٍ مع خير جار.

стр. 670

قالت: فواللَّه إنّا على ذلك إذ نزل به - يعني من يُنازعه في مُلكه. قالت: فواللَّه ما عَلِمْنا حُزنًا قطُّ كان أشدّ من حزنٍ حَزِنّاه عند ذلك، تَخَوُّفًا أن يظهر ذلك على النجاشيّ، فيأتي رجلٌ لا يعرف من حقّنا ما كان النجاشيّ يعرف منه. قالت: فسار النجاشيّ وبينهما عَرض النيل، فقال أصحاب رسول اللَّه ﷺ : من رجلٌ يخرج حتى يحضُرَ وقعةَ القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت: فقال الزُّبير: أنا. قالت وكان من أحدثِ القومِ سِنًّا، فنفخوا له قِربةً فجعلَها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها مُلتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرَهم. قالت: ودعَونا اللَّه للنجاشيّ بالظُّهور على عدوّه والتَّمكين له في بلاده - فاستوسقَ (١) له أمر الحبشة، فكنّا عنده في خير منزلٍ حتى قَدِمْنا على رسول اللَّه ﷺ وهو بمكّة (٢). * * * *

стр. 671

(٦٩) مسند جُنادة بن أبى أميّة واسم أبي أمية كبير - أبي عبد اللَّه الأزديّ (١). (١٢٣٦) الحديث الأول: حدّثنا قال: حدّثنا حجّاج قال: حدّثنا لَيث: قال: حدّثني يزيدُ بن أبي حبيب عن أبي الخير أن جنادة بن أبي أميّة حدّثه: أنّ رجالًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ قال بعضُهم: إنّ الهجرة قد انقطعت. فاختلفوا في ذلك. قال: فانطلقتُ إلى رسول اللَّه ﷺ فقلتُ: يا رسول اللَّه، إنّ أُناسًا يقولون: إنّ الهجرة قد انقطعت، فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ الهجرةَ لا تنقطعُ ما كان الجهاد" (٢). (١٢٣٧) الحديث الثاني: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا محمد بن إسحق عن يزيد بن أبي حبيب عن مَرثد بن عبد اللَّه اليَزَنيّ عن حُذيفة الأزديّ عن جَنادة الأزدي قال: دخلْت على رسول اللَّه ﷺ في يوم جُمعة في سبعةٍ من الأزدِ أنا ثامنُهم وهو يتغدّى، فقال: "هَلُمّوا إلى الغداء" فقُلْنا: يا رسولَ اللَّه، إئا صيام. فقال: "أصُمْتُم أمس؟ " قُلْنا: لا. قال: "فتصومون غدًا؟ " قلنا: لا. قال: "فأفْطِروا". قال: فأكَلْنا مع رسول اللَّه ﷺ . فلما خرجَ وجلسَ على المِنبر دعا بإناء من ماءٍ، فشربَ وهو على المنبر والنّاسُ ينظرون، يُريهم أنّه لا يصومُ يومَ الجمعة (٣). * * * *

стр. 672

(٧٠) مسند جُندب بن جُنادة بن كعب أبي ذَرّ الغِفاريّ ويقال: اسمه جُنْدب بن السَّكَن، ويقال: بُرَير، ويقال: جُنادة. والأوّل أصحّ (١). (١٢٣٨) الحديث الأول: حديث إسلام أبي ذرّ: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يزيد بن هارون قال: حدّثنا سليمان بن المُغيرة قال: حدّثنا حُميد بن هلال عن عبد اللَّه بن صامت قال: قال أبو ذرّ: خرجْنا من قومنا غِفار -وكانوا يُحِلُّون الشهرَ الحرام- أنا وأخي أُنيس وأمُّنا (٢)، فانطلَقْنا حتى نَزَلْنا على خالٍ لنا ذي مالٍ وذي هيئة، فأكرَمنا خالُنا وأحسنَ إلينا، فحسدَنا قومُه، فقالوا له: إنّك إذا خرجْتَ عن أهلك خلفَك اليهم أُنيس، فجاءَ خالُنا فنثا ما قيل له. قال: فقلتُ: أمّا ما مضى من معروفك فقد كدَّرْتَه، ولا جِماعَ لنا فيما بعد. قال: فقرَّبْنا صِرْمَتنا فاحتملْنا عليها، وتغَطّى خالُنا بثوبه وجعلَ يبكي. قال: فانطلقْنا حتى نزلْنا بحضرة مكّة. قال: فنافَرَ أُنيسٌ رجلًا عن صِرْمتنا وعن مثلها، فأتى الكاهنَ فخيَّرَ أُنيسًا، فأتانا بصِرمتنا ومثلها. وقد صلَّيْت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسول اللَّه ثلاث سنين. قال: فقلتُ: لمن؟ قال: للَّه. قلتُ: فأين توجَّهُ؟ قال: حيث وجَّهَني اللَّهُ . قال: وأُصلّي عشاءً حتى إذا كان آخر الليل أُلْقِيتُ كأنّي خِفاءٌ، حتى تعلُوَني الشمسُ. قال: فقال أُنيس: إنّ لي حاجةً بمكّة، فاكْفِني حتى آتيَك. قال: فانطلق فراثَ عليّ، ثم أتاني، فقلتُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: لقيتُ رجلًا يَزْعُمُ أن اللَّهَ أرسلَه، على دينك. قال: قلتُ: ما يقول النّاسُ له؟ قال: يقولون: إنّه شاعر، وساحر، وكاهن، وكان أُنيس شاعرًا.

стр. 673

قال: فقد سَمِعْتُ قول الكاهن فما يقول بقولهم، وقد وضعْتُ قوله على أقراء الشّعر، فواللَّه ما يَلْتَئم على لسان أحد أنّه شعر. واللَّه إنّه لصادق وإنّهم لكاذبون. قال: فقلتُ له: هل أنت كافيّ حتى أنطلقَ فأنظرَ؟ قال: نعم، فكُنْ من أهل مكّة على حَذَرٍ، فإنّهم قد شَنِفوا له وتجهَّموا له. فانطلقْتُ حتى قَدِمْتُ مكّة، فتضَعَّفْتُ رجلًا منهم فقلت: أين هذا الرّجلُ الذي تَدْعونه الصابىء؟ قال: فأشارَ إليّ، قال: الصابىء. فمال أهلُ الوادي عليّ بكلّ مَدَرة (١) وعَظم، حتى خَرَرْتُ مغشيًّا عليَّ، فارتفعْتُ حين ارتفعتُ كأنّي نُصُب أحمرُ، فأتيْتُ زمزَمَ، فشرِبْتُ من مالْها وغسلْتُ عنّي الدّمَ، فدخلتُ بين الكعبة وأستارها، فلَبِثْتُ به يا ابن أخي ثلاثين من بين ليلة ويوم، مالي طعام إلّا ماءُ زمزم، فسَمِنْتُ حتى تكسَّر عُكَنُ (٢) بطني، وما وجدْتُ على كبدي سَخْفَةَ جوع. قال: فبينما أهلُ مكّة في ليلة قَمْراء إضحيان (٣)، فضرب اللَّه على أصمخة (٤) أهل مكّة، وما يطوف بالبيت غيرُ امرأتين، فأتَتا عليّ وهما تدعوان إسافًا ونائلة، فقُلْتُ: أنْكِحوا أحدَهما الآخر، قال: فما ثناهما ذلك، فأتَتا عليّ فقلت: وَهَنٌ مثلُ الخشبة، غير أنّي لم أَكْنِ. قال: فانْطَلَقَتا تُوَلْوِلان وتقولان: لو كان هنا أحدٌ من أنفارنا. قال: فاستقبلَهما رسولُ اللَّه ﷺ وأبو بكر وهما هابطان من الجبل، فقال: "مالكما؟ " قالتا: الصابىء بين الكعبة وأستارِها. قال (٥): "ما قالَ لكما"؟ قالتا: قال لنا كلمةً تملأ الفم. فجاء رسولُ اللَّه ﷺ هو وصاحبه حتى استلمَ الحَجَر، فطاف بالبيت ثم صلّى، قال: فأتيْتُه، فكنتُ أوّلَ من حيّاه بتحيّة الإسلام، فقال: "وعليك السلامُ ورحمة اللَّه. ممّن أنت؟ " قلت: من غِفار. فأهوى بيده فوضعها على جبهته، فقلتُ في نفسي: كَرِهَ أنّي انتميتُ إلى غِفار، قال: فأردْتُ أن آخذَ بيده، فقدَعني صاحبُه وكان أعلمَ به منّي، قال: "متى كنتَ ها هنا؟ " قال: كنتُ ها هنا منذ ثلاثين بين يوم وليلة. قال: "فمن كان

стр. 674

يُطْعِمُك؟ " قلتُ: ما كان لي طعامٌ إلّا ماء زمزمَ. قال: فسَمِنْتُ حتى تكسّرَ عُكَنُ بطني، وما وجدْتُ على كبدي سَخْفةَ جوع. فقال رسول اللَّه ﷺ : "إنّها مباركة، إنها طعام طُعم" قال أبو بكر: ائذن لي يا رسول اللَّه في إطعامه الليلة. قال: ففعل. فانطلق النّبيّ ﷺ وانطلقْتُ معهما حتى فتح أبو بكر بابًا، فجعلَ يقبِضُ لنا من زبيب الطائف، قال: وكان ذلك أوّلَ طعام أكلْتُه بها. فلَبِثْتُ ما لَبِثْتُ، ثم قال النبيُّ ﷺ : "إنّي قد وُجِّهْتُ إلى أرض ذات نَخْلٍ، ولا أحسَبُها إلّا يثربَ، فهل أنت مُبَلِّغٌ عنّي قومَك لعلّ اللَّه أن ينفعَهم بك ويأجُرُك فيهم؟ ". قال: فانطلقْتُ حتى أتيتُ أخي أُنيسًا، فقال لي: ما صنعتَ؟ قلتُ: صنعْتُ أنّي أسلمْتُ وصدّقْتُ. ثم أتيْنا أُمَّنا فقالت: مالي رغبةٌ عن دينكما، وإنّي قد أسلمْتُ وصدَّقتُ. فتحمَّلْنا حتى أتيْنا قومنا غفار، فأسلم بعضُهم قبلَ أن يقدَمَ رسول اللَّه ﷺ المدينة، وقال بعضهم (١): إذا قَدِمَ رسول اللَّه أسلَمْنا. فقَدِم رسول اللَّه ﷺ المدينة وأسلم بقيّتهم، وجاء أسلم (٢) فقالوا: يا رسولَ اللَّه، إخوانُنا نُسْلِم على الذي أسلموا عليه، فأسلَموا، فقال رسول اللَّه ﷺ : "غِفارٌ غَفَرَ اللَّهُ لها، وأسلمُ سالمَها اللَّه". انفرد بإخراجه مسلم من هذه الطّريق (٣). وقد أخرجاه من حديث ابن عبّاس عن أبي ذرٍّ مختصرًا (٤). نثا: أخبر. والصِّرمه: القطعة من الإبل نحو الثلاثين. ومعنى قوله: نافر، فاخر, فخيَّره: أي حكم بأنَّه خير. والخِفاء: كساء يُطرح على السِّقاء. وأقراء الشعر: أنواعه وطرقه. وقوله: فتضعّفْتُ رجلًا: أي رأيتُه ضعيفًا.

стр. 675

والنُّصُب: حجر يذبحون عليه فيحمرّ بالدّماء. والسَّخْفة: الخِفّة. والمراد بالهَن: الذَّكَر. والأنفار: من النّفر. وقَدَعني: كفّني. وقوله: "طعام طُعم": أي يُشْبَع منه. وشنِفوا: أبغضوا. وتجهَّموا: تنكَّرَت وجوهُهم. (١٢٣٩) الحديث الثاني: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي قال: سمعْتُ الأعمش يحدّث عن عمرو بن مُرّة عن عبد اللَّه بن الحارث عن حبيب بن حِماز عن أبي ذرّ قال: أقبلْنا مع رسول اللَّه ﷺ ، فنزلْنا ذا الحُلَيفة، فتعجَّلَتْ رجالٌ إلى المدينة، وبات رسول اللَّه ﷺ وبتْنا معه، فلمّا أصبح سأل عنهم، فقيل: تعجّلوا إلى المدينة، فقال: "تعجّلوا إلى المدينة والنساء، أما إنّهم سيَدَعُونها أحسنَ ما كانت" ثم قال: "ليت شعري، متى تخرجُ نارٌ من اليمن من جبل الوِراق، تُضيءُ منها أعناقُ الإبل بُروكًا ببُصرى كضَوء النَّهار" (١). (١٢٤٠) الحديث الثالث: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا الحكم بن نافع أبو اليمان قال: حدّثنا إسماعيل بن عيّاش عن عبد اللَّه بن أبي حُسين عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم عن أبي ذرّ قال: كنتُ أخدِمُ النبيَّ ﷺ ، ثم آتي المسجدَ إذا أنا فَرَغْتُ من عملي فأضطجعُ فيه، فأتاني النّبيّ ﷺ يومًا وأنا مضطجع، فغمزَني برجله فاستويْتُ جالسًا، فقال لي: "يا أبا ذَرٍّ، كيف تصنع إذا أُخْرِجْتَ منها؟ " فقلت: أرجع إلى مسجد النّبيّ ﷺ وإلى بيتي. قال:

стр. 676

"فكيف تصنعُ إذا أُخْرِجْتَ منها؟ " فقلت: إذن آخذ سيفي فأضربَ به من يُخْرِجني. فجعل النّبيّ ﷺ يدَه على منكبي فقال: "غفرانًا أبا ذرٍّ -ثلاثًا- بل تنقادُ معهم حيث قادوك، وتنساقُ معهم حيث ساقوك، ولو عبدٌ أسود". قال أبو ذرٍّ: فلمّا نُفِيتُ إلى الرِّبَذة أقمتُ الصلاة، فتقدّمَ رجلٌ أسودُ كان فيها على نَعَم الصَّدَقة، فلمّا رآني أخذ ليرجعَ وليُقَدِّمَني. فقلتُ: كما أنت، بل أنقادُ، لأمر رسول اللَّه ﷺ (١). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا كَهْمَس بن الحسن قال: حدّثنا أبو السّليل عن أبي ذرّ قال: جعل رسولُ اللَّه ﷺ يتلو عليَّ هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا. . .﴾ حتى فرغَ من الآية [الطلاق: ٢] ثم قال: "يا أبا ذرٍّ، لو أن النّاسَ كلِّهم أخذوا بها كَفَتْهم" قال: فجعلَ يَتلوها ويردِّدُها عليّ حتى نَعَسْتُ. ثم قال: "يا أبا ذرّ، كيف تَصْنَعُ إذا أُخْرِجْتَ من المدينة؟ " قلت: إلى السَّعَة والدَّعَة، أنطلق فأكون حمامةً من حمام مكّة. قال: "كيف تصنعُ إذا أُخْرِجْتَ من مكّة؟ " قال: قلت: إلى السَّعة والدَّعة، إلى الشام والأرض المقدَّسة. قال: "وكيف تصنعُ إذا أُخْرِجْتَ من الشّام؟ " قلتُ: إذن -والذي بعثك بالحقّ- أضعُ سيفي على عاتقي. قال: "أوَ خيرٌ من ذلك؟ " قلت: أو خير من ذلك؟ قال: "تسمعُ وتطيعُ وإن كان عبدًا حبشيًّا" (٢). * طريق لبعضه: حدّثنا أحمد قالَ: حدّثنا يحيى بن آدم قال: حدّثنا زهير عن مطرِّف الحارثي عن أبي

стр. 677

الجَهم عن خالد بن وُهبان (١) عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "كيف أنت وأئمّةً من بعدي يستأثرون بهذا الفيء؟ " قلت: إذنْ -والذي بعثَك بالحقِّ- أضعُ سيفي على عاتقي ثم أضربُ به حتى ألقاك أو ألحقَ بك. قال: "أفلا أدُلُّك على خيرٍ من ذلك؟ تصبِرُ حتى تلقاني" (٢). (١٢٤١) الحديث الرابع: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أبو اليمان قال: حدّثنا إسماعيل ابن عيّاش عن مُعان بن رِفاعة عن أبي خلف عن أنس بن مالك عن أبي ذرٍّ: عن النّبيّ ﷺ قال: "الإسلامُ ذَلولٌ لا يُرْكَبُ إلّا ذَلولًا" (٣). (١٢٤٢) الحديث الخامس: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أبو اليمان قال: حدّثنا ابن عيّاش عن البَخْتريّ بن عُبيد بن سلمان عن أبيه عن أبي ذرٍّ: عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "اثنان خيرٌ من واحد، وثلاثةٌ خيرٌ من اثنين، وأربعةٌ خيرٌ من ثلاثة. فعليكم بالجماعة، فإنّ اللَّه لن يجمعَ أُمّتي إلّا على هدى" (٤). (١٢٤٣) الحديث السادس: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا الحجّاج قال: حدّثنا عبد اللَّه قال: حدّثنا ابن لَهيعة حدّثنا يزيد بن أبي حبيب أن أبا سالم الجَيشانيّ أتى إلى أبي أُميّة في منزله فقال: إنّي سمعْتُ أبا ذرٍّ يقول: إنّه سمع رسول اللَّه ﷺ يقول: "إذا أحبَّ أحدُكم صاحبَه فليأتِه في منزله فلْيُخْبِرْه أنّه يُحبُّه للَّه" وقد جئتُك في منزلك (٥).

стр. 678

(١٢٤٤) الحديث السابع: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يونس قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن بُرْد أبي العلاء عن عُبادة بن نُسَيّ عن غُضَيف بن الحارث: أنّه مرّ بعمر بن الخطّاب، فقال: نعم الفتى غُضَيفٌ: فلَقِيه أبو ذَرٍّ فقال: أي أخي، استغفرْ لي. فقال: أنت صاحبُ رسولِ اللَّه وأنت أحقُّ أن تستغفر لي. فقال: إنّي سمعتُ عمر بن الخطّاب يقول: نعِم الفتى غُضَيفٌ، وقد قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ اللَّه ضربَ بالحقِّ على لسان عمر وقلبه" (١). (١٢٤٥) الحديث الثامن: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا موسى بن داود قال: أخبرنا ابن لَهيعة عن ابن هُبيرة عن أبي تميم الجيشاني قال: سمعْتُ أبا ذرٍّ يقول: كنتُ مُخاصِرَ النّبيّ ﷺ يومًا إلى منزله، فسمعْتُه يقول: "غيرُ الدَّجّال أخوفُ على أُمّتي من الدَّجّال". فلمّا خشِيتُ أن يدخلَ قلتُ: "يا رسول اللَّه، أيّ شيء أخوفُ على أُمّتك من الدّجّال؟ قال: "الأئمةَ المُضلِّين" (٢). (١٢٤٦) الحديث التاسع: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى عن سفيان قال: حدّثنا سليمان عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ألا أدُلُّك على كنزٍ من كُنوز الجنّة؟ لا حولَ ولا قوَّةَ إلّا باللَّه" (٣). (١٢٤٧) الحديث العاشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عفّان قال: حدّثنا أبو عَوانة عن سُليمان الأعمش عن مُجاهد عن عُبيد بن عُمير الليثي عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُعْطِيتُ خمسًا لم يُعْطَهُنّ أحدٌ من قبلي: بُعِثْتُ إلى الأحمر والأسود. وجُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطَهورًا. وأُحِلَّتْ لي الغنائمُ ولم تَحِلَّ لأحدٍ كان

стр. 679

قبلي، ونُصِرْتُ بالرُّعب، فَيَرْعَبُ العدوُّ وهو منّي مسيرةَ شهر. وقيل لي: سَلْ تُعْطَه، فاختبأتُ دَعوتي شفاعةً لأمّتي، فهي نائلة منكم -إن شاء اللَّه- من لَقِي اللَّه لا يُشرِكُ به شيئًا" (١). حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يعقوب قال: حدّثنا أبي عن ابن إسحق عن الأعمش. . فذكره. وقال (٢): كان مجاهد يرى أن الأحمرَ الإنس، والأسود الجنّ. قلت: والذي عليه المفَسِّرون أن الأحمرَ العجمُ، والأسودَ العربُ، والغالب على ألوان العرب السُّمْرَة، وعلى ألوان العجم البياض. وقال أبو عمرو: المراد بالأحمر الأبيض، ومنه قوله لعائشة: "يا حُميراء" (٣). (١٢٤٨) الحديث الحادي عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن عُبيد قال: حدّثنا الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن أبيه عن أبي ذرٍّ قال: كنتُ مع رسول اللَّه ﷺ في المسجد حين وَجَبَتِ الشمس، فقال: "يا أبا ذرٍّ، تدري أين تذهب الشمسُ؟ " قلتُ: اللَّه ورسوله أعلم. قال: "فإنّها تذهبُ حتى تسجدَ بين يدَي ربِّها ، فتستأذنَ في الرُّجوع فيُؤذَنَ لها، وكأنّها قد قيل لها: ارْجعي من حيثُ شئتِ، فترجع إلى مطلعها، فذلكَ مستقرّها" ثم قرأ: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]. أخرجاه (٤).

стр. 680

(١٢٤٩) الحديث الثاني عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أبو كامل قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن الأزرق بن قيس عن رجل من بني تميم عن أبي ذرّ قال: سمعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "صومُ شهر الصّبر وثلاثة أيّام من كلِّ شهر صوم الدَّهر، ويُذْهِبُ مَغَلَّةَ الصَّدر" قال: وقلت: وما مَغَلَّةُ الصدر؟ قال: "رجس الشيطان" (١). (١٢٥٠) الحديث الثالث عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أسود بن عامر قال: حدّثنا إسرائيل عن عاصم بن سليمان عن أبي عثمان عن أبي ذَرّ: عن النّبيّ ﷺ قال: "من صام ثلاثة أيّام من كلّ شهرٍ فقد صام الدّهرَ كلَّه" (٢). (١٢٥١) الحديث الرابع عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سليمان بن داود الهاشمي قال: حدّثنا إسماعيل بن جعفر قال: أخبرني محمد بن أبي حَرملة عن عطاء بن يَسار عن أبي ذَرّ قال: أوصاني حِبّي بثلاثٍ لا أدَعُهنّ إن شاء اللَّه: بصلاة الضُّحى، وبالوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كلّ شهر" (٣). (١٢٥٢) الحديث الخامس عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن عُبيد قال: حدّثنا الأعمش عن يحيى بن سامٍ عن موسى بن طَلْحَة عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "مَنْ كان منكم صائمًا من الشّهر ثلاثة أيام فليصمِ الثلاث البيض" (٤).

стр. 681

* طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا شعبة عن سليمان عن يحيى ابن سام عن موسى بن طلحة عن أبي ذرٍّ أنّه قال: قال رسول للَّه ﷺ : "إذا صُمْتَ من الشّهر ثلاثًا، فصم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" (١). (١٢٥٣) الحديث السادس عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا حُسين قال: حدّثنا يزيد [ابن عطاء عن يزيد] بن أبي زياد عن مجاهد عن رجل عن أبي ذرّ قال: خرج علينا رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتدرون أيُّ الأعمال أحبّ إلى اللَّه ؟ " قال قائل: الصلاة والزّكاة، وقال قائل: الجهاد. قال: "أحبُّ الأعمال إلى اللَّه الحبّ في اللَّه والبُغضُ في اللَّه" (٢). (١٢٥٤) الحديث السابع عشر: حدّثنا أحمد قال: قال: حدّثنا إسماعيل قال: حدّثنا أيوب عن أبي قِلابة عن رجلٍ من بني عامر قال: كنتُ كافرًا فهداني اللَّه للإسلام، وكنت أعزُبُ عن الماء ومعي أهلي، فتُصيبُني الجَنابةُ، فوقع ذلك في نفسي، وقد نُعِتَ لي أبو ذرٍّ، فحَجَجْتُ فدخلتُ مسجد مِنَى فعَرَفْتُه بالنَّعت، فإذا شيخ معروق آدم، عليه حِلّةُ قِطْرِي (٣)، فذهبتُ حتى قُمتُ إلى جانبه وهو يُصلّي، فسلّمْتُ عليه فلم يردّ عليّ، ثم صلّى صلاة أتمّها وأحسَنَها وأطْوَلَها، فلمّا فرغ ردّ عليّ، قلت: أنت أبو ذرّ؟ قال: إنّ أهلي ليزعُمون ذلك. قلتُ: كنتُ كافرًا فهداني اللَّهُ للإسلام، وأهَمَّني ديني، وكنتُ أعزُبُ عن الماء ومعي أهلي

стр. 682

فتُصيبني الجَنابة، فوقعَ ذلك في نفسي. فقال: هل تعرف أبا ذرٍّ؟ قلتُ: نعم. قال: فإنّي اجتويتُ المدينة (١) فأمر لي رسول اللَّه ﷺ بذَودٍ من إبل وغنم، فكنت أكون فيها، فكنت أعزُب عن الماء ومعي أهلي، فتُصيبني الجنابة، فوقع في نفسي أنّي قد هلكْتُ، فقعدْتُ على بعيرٍ منها، فانتهيتُ إلى رسول اللَّه ﷺ نصف النّهار وهو جالسٌ في ظلِّ المسجد في نفرٍ من أصحابه، فنزلتُ عن البعير ثم قلتُ: يا رسول اللَّه، هلكْتُ. قال: "وما أهلَكَك" فحدَّثْتُه، فضحك، فدعا إنسانًا من أهله، فجاءت جارية سوداء بعُسٍّ (٢) من ماءٍ ما هو بملآنَ، إنّه لَيَتَخَضْخَضُ، فاستترتُ بالبعير، فأمرَ رسولُ اللَّه رجلًا من القوم فسَتَرني، فاغتسلْتُ ثم أتَيْتُه فقال: "إنّ الصعيدَ الطيِّبَ طهور ما لم تَجِدَ الماء، ولو إلى عشر حِجَج، فإذا وجدْتَ الماءَ فأمْسِسْ بَشَرَتك" (٣). (١٢٥٥) الحديث الثامن عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا هاشم قال: حدّثنا المبارك بن فُضالة عن أبي نَعامة قال: حدّثني عبد اللَّه بن الصّامت عن أبي ذرّ: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا أبا ذرّ، إنها ستكون عليكم أئمّة يؤخِّرون الصلاة، فإذا أدركْتُموهم فصلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتَكم معهم نافلة". انفرد بإخراجه مسلم (٤). (١٢٥٦) الحديث التاسع عشر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الرزّاق قال: أخبرنا معمر عن سعيد الجُريري عن عبد اللَّه بن بُريدة الأسلميّ عن أبي الأسود عن أبي ذرّ قال:

стр. 683

قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّ أحسن ما غَيَّرْتُم به هذا الشيبَ الحِنّاءُ والكَتَم" (١). (١٢٥٧) الحديث العشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عفَّان قال: حدّثنا حمّاد بن سلمة عن علي بن زيد عن مُطَرِّف قال: قعدتَ إلى نفرٍ من قريش، فجاء رجل فجعلَ يُصلّي، يركعُ ويسجد، ثم يقوم، ثم يركع ويسجدُ لا يقعدُ. فقلتُ: واللَّه ما أرى هذا يدري: ينصرفُ على شَفْع أو على وِتْر. فقالوا: ألا تقومُ إليه فتقولَ له؟ فقمتُ فقلتُ: يا عبد اللَّه، ما أراك تدري: تنصرف على شفع أو على وتر. فقال: ولكنّ اللَّه يدري، سمعتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من سَجَدَ للَّه سجدةً كتبَ اللَّهُ له بها حسنة، وحطّ عنه بها خطيئةً، ورفع له بها درجة" فقلت: من أنت؟ فقال: أبو ذرّ. فرجعتُ إلى أصحابي فقلتُ: جزاكم اللَّهُ من جُلساءَ شرًّا، أمرْتُموني أن أُعَلِّمَ رجلًا من أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٢). (١٢٥٨) الحديث الحادي والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عفّان قال: حدّثنا عبد الواحد بن زياد قال: حدّثنا الحارث بن حَصيرة قال: حدّثنا زيد بن وهب قال: قال أبو ذرّ: لأن أحلفَ عشر مرّات أن ابن صائدٍ هو الدَّجّال أحبُّ إليَّ من أن أحلفَ مرّة واحدة أنّه ليس به. قال: وقال: إنّ رسول اللَّه ﷺ بعثَني إلى أُمّه فقال: "سَلْها: كم حَمَلَتْ به؟ " قال فأتيتُها فسألتُها: كَم حَمَلْتِ به؟ قالت: اثني عشر شهرًا. قال: ثم أرسلَني إليها فقال: "سَلْها عن صَيحته حين وقع". فرجعتُ إليها فسألْتُها، فقالت: صاحَ صَيحة الصبيِّ ابنِ شهر. ثم قال له رسول اللَّه ﷺ : "إنّي قد خَبَأْتُ لك خبيئًا" قال: خبأتَ لي خَطْمَ شاةٍ

стр. 684

عفراءَ والدُّخان. قال: فأراد أن يقول: والدُّخان، فلم يستطع، فقال الدّخّ الدّخّ. فقال رسول اللَّه ﷺ : "أخْسَأ، فلن تَعْدُوَ قَدْرَك" (١). وخطم الشاة: خطامها. والعفراء: البيضاء. والمعنى: أضمرتَ في نفسك ذلك. (١٢٥٩) الحديث الثاني والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عفّان قال: حدّثنا شُعبة قال: أخبرني حُميد بن هلال سمع عبد اللَّه بن الصّامت عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : يقطع صلاةَ الرجل إذا لم يكن بين يدَيه كآخرة الرَّحل: المرأةُ، والحمارُ، والكلبُ الأسود". قلت: ما بالُ الأسود من الأحمر؟ قال: ابن أخي، سألتُ رسول اللَّه ﷺ كما سألْتَني، فقال: "الكلبُ الأسودُ شيطان". انفرد بإخراجه مسلم (٢). (١٢٦٠) الحديث الثالث والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا مرحوم، قال: حدّثني أبو عمران الجَوني عن عبد اللَّه بن الصّامت عن أبي ذرّ قال: ركب رسولُ اللَّه ﷺ حِمارًا وأردَفَني خلفَه، وقال: "يا أبا ذرّ، إنْ (٣) أصابَ النّاسَ جوعٌ شديد لا تستطيع أن تقومَ من فراشك إلى مسجدك، كيف تصنع؟ " قلتُ: اللَّهُ ورسوله أعلم. فقال: "تَعَفَّفْ. يا أبا ذرّ، أرأيتَ إنْ أصابَ النّاسَ موتٌ شديد، يكون البيت فيه بالعبد -يعني القبر- كيف تصنعُ؟ " قلتُ: اللَّه ورسولُه أعلم. قال: "اصبر. يا أبا ذرّ. أرأيْتَ إن قتلَ النّاسُ بعضُهم بعضًا حتى تغرقَ حجارةُ الزّيت (٤) من الدّماء،

стр. 685

كيف تصنع؟ " قلتُ: اللَّهُ ورسولُه أعلم. قال: "اقْعُدْ في بيتك، وأَغْلِق عليك بابَك" قلتُ: فإن لم أُتْرَكْ. قال: "فأْتِ من أنت منهم فكن فيهم" قلت. فآخذ سلاحي؟ قال: "إذن تشاركَهم فيما هم فيه. ولكن إن خشيتَ أن يروعَك شعاعُ السيف، فأَلْقِ طرفَ ردائك على وجهك كي يبوءَ بإثمه وإثمك" (١). (١٢٦١) الحديث الرابع والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد العزيز بن عبد الصمد قال: حدّثنا أبو عمران الجَوني عن عبد اللَّه بن الصّامت عن أبي ذرّ: أن رسول اللَّه ﷺ قال: "يا أبا ذرٍّ، إذا طبخْتَ فأكثِرِ المَرَق، وتعاهدْ جيرانَك. أو اقْسِم بين جيرانك". انفرد بإخراجه مسلم (٢). (١٢٦٢) الحديث الخامس والعشرون: وبالإسناد عن أبي ذرّ قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، ما آنيةُ الحوض؟ قال: "والذي نفسي بيده، لآنيتُه أكثرُ من عدد نجوم السماء وكواكبها في الليلة المُظلمة المُصْحِية. آنيةُ الجنّة من شرب منها لا يظمأ آخرَ ما عليه، يَشخُبُ (٣) فيه مِيزابان من الجنّة، من شَرِبَ منه لم يظمأْ، عَرضُه مثلُ طوله، ما بين عمَان إلى أيلةَ. ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العَسل". انفرد بإخراجه مسلم (٤). (١٢٦٣) الحديث السادس والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمّد بن فُضيل قال: حدّثني فُلَيت العامريّ عن جَسرة العامريّة عن أبي ذرٍّ قال: صلّى رسول اللَّه ليلةً فقرأ آية حتى أصبح، يركع بها، ويسجد بها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] فلمّا أصبح قلتُ: يا رسول اللَّه، ما زِلْتَ تقرأُ هذه الآية حتى أصبَحْتَ، تركعُ بها، وتسجدُ بها. قال: "إنّي سألتُ ربّي

стр. 686

عزّ وجلّ الشّفاعة لأمَّتي فأعطانيها، وهي نائلةٌ إن شاء اللَّه لمن لا يُشرك باللَّه شيئًا" (١). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى قال: حدّثنا قُدامَة بن عبد اللَّه قال: حدّثتني جَسرة بنت دَجاجة أنها انطلقت معتمرةً، فانتهتْ إلى الرَّبَذة، فسمعْتُ أبا ذرّ يقول: قام رسول اللَّه ﷺ ليلةً من الليالي في صلاة العشاء فصلّى بالقوم، ثم تخلَّفَ أصحابٌ له يُصلّون، فلمّا رأى قيامَهم وتخلُّفَهم انصرفَ إلى رحله، فلما رأى القومَ قد أخلَوا المكانَ رجع إلى مكانه فصلّى، فجئتُ فقُمْتُ خلفَه، فأومأ إليَّ بيمينه، فقمتُ عن يمينه، ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي وخلفَه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله، فقُمْنا ثلاثتنا، يُصلّي كلُّ رجل منّا بنفسه، ويتلو من القرآن ما شاء اللَّه أن يتلو، وقام بآية من القرآن يُردِّدها حتى صلّى الغداة، فلمّا أصبحْنا أومأتُ إلى عبد اللَّه بن مسعود: أن سَلْه: ما أراد إلى ما صنعَ البارحة؟ فقال ابن مسعود بيده: لا أسألُه عن شيء حتى يُحْدِثَ إليَّ. فقلتُ: بأبي وأُمِّي، قمتَ بآيةٍ من القرآن ومعك القرآنُ، لو فعل هذا بعضُنا وَجَدْنا عليه! قال: "دعوتُ لأمّتي". قلتُ: فماذا أُجِبْتَ؟ أو: ماذا رُدَّ عليك؟ قال: "أُجِبْتُ بالَّذي لو اطّلَعَ عليه كثير منهم طلعةً تركوا الصلاة" قلت: "أفلا أُبَشِّرُ النّاس؟ قال: "بلى". فانطلقت مُعْنِقًا (٢) قريبًا من قذفة بحجر، فقال عمر: يا رسول اللَّه، إنّك إنْ تَبعثْ إلى النّاس بهذا يكسلوا عن العبادة. فناداه: أن ارجع، فرجع. وتلك الآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣). (١٢٦٤) الحديث السابع والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سُفيان قال: حدّثنا هشام بن عروة عن أبيه عن أبي مُراوح عن أبي ذرٍّ قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، أيُّ العمل أفضل؟ قال: "إيمانٌ باللَّه، وجهادٌ في سبيله" قال:

стр. 687

قلتُ: فأي الرّقاب أفضل؟ قال: "أنفسُها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا" قال: قلت: فإن لم أجدْ؟ قال: "تُعين صانعًا، أو تصنع لأخرق (١) " قلت: فإن لم أستطع؟ قال: "كُفّ أذاك عن النّاس، فإنّها صدقة تَصَدَّقُ بها عن نفسك". أخرجاه (٢). (١٢٦٥) الحديث الثامن والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عليّ بن إسحق قال: قال عبد اللَّه: حدّثني يونس عن الزّهريّ قال: سمعْتُ أبا الأحوص مولى لبني ليث يحدِّثُنا في مجلس ابن المسيّب وابن المسيّب جالس - أنّه سمع أبا ذرٍّ يقول: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا يزال اللَّهُ مُقْبلًا على العبد في صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرفَ وجهَه انصرف عنه" (٣). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا هارون قال: حدّثنا ابنُ وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال: سمعت أبا الأحوص مولى بني ليث يحدّثنا في مجلس ابن المسيّب -وابن المسيّب جالس- أنّه سمع أبا ذرٍّ يقول: إنّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا قام أحدُكم إلى الصلاة فإن الرّحمة تُواجِهُه، فلا يُحَرِّكِ الحصى" أو "لا يَمَسَّ الحصى" (٤).

стр. 688

* طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الرزّاق قال: أخبرنا سفيان عن ابن أبي ليلى عن عيسى عن عبد الرحمن (١) عن أبي ذرّ قال: سألت النّبيّ ﷺ عن كلّ شيء، حتى سألْتُه عن مسح الحصى، فقال: "واحدةً، أو دَعْ" (٢). (١٢٦٦) الحديث التاسع والعشرون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التّيمي عن أبيه عن أبي ذرّ قال: سألْتُ رسول اللَّه ﷺ : أيّ مسجد وُضعَ في الأرض أوّلُ؟ قال: "المسجدُ الحرام". قلتُ: ثم أيُّ؟ قال: "المسجد الأقصى" قلت: كم بينهما" قال: "أربعون سنة" قلتُ: ثمّ أيّ: قال: "ثم حيثما أدركْتَ الصلاة فصَلِّ، فكلُّها مسجد". أخرجاه في الصحيحين (٣). (١٢٦٧) الحديث الثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا إسماعيل عن الجُريري عن أبي السّلِيل عن نعيم بن قَعْنَب الرِّياحي قال: أتيتُ أبا ذرّ فلم أجده، ورأيتُ المرأة فسألتُها، فقالت: هو ذاك في ضيعة له، فجاء يقود -أو جاء يسوق- بعيرين، قاطرًا أحدَهما في عَجُز صاحبه، في عُنقٍ كلِّ واحدٍ منهما قربة، فوضع القربتين، قلت: يا أبا ذرّ، ما كان أحدٌ من النّاس أحبَّ إليّ أن ألقاه منك، ولا أبغضَ إليّ أن ألقاه منك. قال: للَّهِ أبوك، وما يجمع هذا؟ قال: قلت: إنّي كنتُ وأدتُ في الجاهلية، فكنتُ أرجو من لقائك أَن تُخْبِرَني أنّ لي توبة ومخرجًا، وكنتُ أخشى من لقائك

стр. 689

أن تُخْبِرَني أن لا توبة لي. قال: أفي الجاهليّة؟ قلت: نعم. قال: عفا اللَّه عمّا سلف. ثم عاج برأسه إلى المرأة فأمر لي بطعام، فالتوت عليه، ثم أمرَها فالتوت عليه، حتى ارتفعت أصواتُهما، قال: إيهًا، دعينا عنك، فإنّكن لا تَعدون ما قال لنا فيكنّ رسول اللَّه ﷺ . قلت: وما قال لكم فيهنّ رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: "المرأة ضِلَعٌ، فإن ذهبتَ تُقَوِّمُها تكسِرْها، وإن تَدَعْها ففيها أوَدٌ وبُلْغة (١) ". فولَّت فجاءت بثريدة كأنّها قطاة، فقال: كُلْ، ولا أَهُولَنّك، إنّي صائم. ثم قام يُصلّي، فجعل يُهَذِّبُ الرُّكوع ويُخَفِّفُه، ورأيْتُه يتحرّى أن أشبعَ أو أُقارب، ثم جاء فوضعَ يدَه معي، فقلتُ: إنّا للَّه وإنا إليه راجعونّ فقال: مالك؟ فقلت: من كنتُ أخشى من النّاس أن يَكْذِبَني فما كنتُ أخشى أن تَكْذِبَني. فقال: للَّه أبوك، إنْ كذبتُك كذبة منذ لقيتَني. فقلتُ: ألم تُخْبِرْني أنّك صائم ثم أراك تأكل؟ قال: بلى، إنّي صمت ثلاثة أيام من هذا الشهر فوجب لي أجرُه، وحلّ لي الطعامُ معك (٢). (١٢٦٨) الحديث الحادي والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عفّان قال: حدّثنا شعبة، قال علي بن مُدْرك أخبرني قال: سمعْتُ أبا زرعة يحدّث عن خَرَشَة بن الحُرِّ عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاثةٌ لا يكلِّمُهمْ اللَّهُ ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم، ولهم عذاب أليم" قلت: يا رسول اللَّه، من هم؟ خَسِروا وخابوا. قال: فأعاده رسول اللَّه ثلاث مرّات، قال: "المُسْبِلُ، والمُنْفِقُ سلعته بالحلف الكاذب، والمنّان". انفرد بإخراجه مسلم (٣). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الملك بن عمرو قال: حدّثنا سفيان عن منصور عن رِبعيِّ بن حِراش عن أبي ذرّ: عن النّبيّ ﷺ : "إنّ اللَّه يُحِبُّ ثلاثة ويُبغض ثلاثة: يُبغض الشيخ الزّاني،

стр. 690

والفقيرَ المختال، والمكثر البخيل. ويُحِبُّ ثلاثة: رجلٌ كان في كتيبةٍ، فكرّ يحميهم حتى قُتِل أو فتح اللَّهُ عليه، ورجلٌ كان في قومٍ فأدلجوا فنزلوا من آخر الليل، وكان النومُ أحبَّ إليهم ممّا يُعْدَل به، وقام يتلو آياتي ويتملَّقُني، ورجل كان في قوم، فأتاهم رجلٌ يسألُهم بقرابة بينه وبينهم، فبَخِلوا عنه، وخلف بأعقابهم حيث لا يراه إلّا اللَّهُ ومن أعطاه (١) ". * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا إسماعيل عن الجُريري عن أبي العلاء بن الشِّخِّير عن ابن الأحمس قال: لقيتُ أبا ذرّ فقلتُ: بَلَغَني عنك أنّك تُحَدِّثُ حديثًا عن رسول اللَّه ﷺ . فقال: أما إنه لا تخالُني أكذب على رسول اللَّه ﷺ بعدما سمِعْتُه منه، فما الذي بلَغك عنّي؟ قلت: بلَغَني أنّك تقول: "ثلاثةٌ يُحِمهم اللَّهُ وثلاثة يشنؤهم اللَّهُ " قال: قُلْتُه وسَمِعْتُه. قلتُ: فمن هؤلاء الذين يُحبهم اللَّه؟ قال: الرجل يلقى العدوَّ في فئة، فيَنْصِبُ لهم نحره حتى يُقتلَ أو يُفتحَ لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سُراهم، حتى يُحِبُّوا أن يَمَسُّوا الأرضَ، فينزلون، فيَتَنَحَّى أحدُهم فيُصلّي حتى يوقظَهم لرحيلهم. والرّجُل يكون له الجارُ يؤذيه جوارُه، فيصبرُ على أذاه حتى يفرِّقَ بينهما موتٌ أو ظَعْن". قلت: ومن هؤلاء الذين يشنؤهم؟ قال: "التّاجر الحلّاف، أو قال: البائع الحلّاف. والفقير المختال. والبخيل المنّان (٢). (١٢٦٩) الحديث الثاني والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى بن إسحق قال: أخبرنا ابن لَهيعة عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن أبي ذرّ قال:

стр. 691

قال رسول اللَّه ﷺ : "أيُّما رجلٍ كشف سِترًا فأدخلَ بصرَه من قَبلِ أن يؤذنَ له فقد أتى حدًّا لا يَحِلُّ أن يأتيَه، ولو أنّ رجلًا فقأَ عينه لهُدِرَتْ. ولو أنَّ رجلًا مرَّ على باب لا سِترَ عليه فرأى عورةَ أهله فلا خطيئة عليه، إنّما الخطيئة على أهل البيت" (١). (١٢٧٠) الحديث الثالث والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا مكّي بن إبراهيم قال: حدّثنا عُبيد اللَّه بن أبي زياد عن شهر بن حوشب عن ابن عمِّ لأبي ذرٍّ عن أبي ذرٍّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "من شَرِبَ الخمرَ لم يقبلِ اللَّهُ له صلاةً أربعين ليلةً، فإنْ تابَ تابَ اللَّه عليه، فإن عاد كان مثل ذلك" فما أدري في الثالثة أم في الرابعة قال رسول اللَّه ﷺ "فإن عاد كان حَتمًا على اللَّه أن يسقيَه من طينة الخَبال" قالوا: يا رسول اللَّه، وما طينة الخَبال؟ قال: "عُصارة أهل النّار" (٢). (١٢٧١) الحديث الرابع والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى بن غيلان قال: حدّثني رشدين عن سالم بن غَيلان التُّجِيبي حدّثه أن سليمان بن أبي عثمان حدّثه عن حاتم بن أبي عديّ -أو عديّ بن حاتم- الحِمصّي عن أبي ذرّ قال: قلت لرسول اللَّه ﷺ : "إنّي أُريد أن أبيتَ عندك الليلة فأُصلّيَ بصلاتك. قال: "لا تستطيع صلاتي" فقام رسول اللَّه ﷺ يغتسل، فسُتِرَ بثوب وأنا مُحَوِّل، فاغتسل، ثم فعَلْتُ مثل ذلك، ثم قام يُصلّي وقُمْتُ معه، حتى جعلْتُ أضربُ برأسي الجُدُرات من طول صلاته، ثم أتاه بلال للصلاة فقال: "إنك (٣) يا بلالُ لَتُؤَذِّنُ إذا كان الصُّبُحُ ساطعًا في السّماء، وليس ذلك الصبح، إنما الصُّبحُ هكذا معترضًا". ثم دعا بسَحور فتسحَّر (٤).

стр. 692

* طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا موسى بن داود قال: حدّثنا ابن لهيعة عن سالم بن غَيلان عن سليمان بن أبي عثمان عن عديّ بن حاتم الحمصيّ عن أبي ذرّ: عن النّبيّ ﷺ قال لبلال: "يا بلالُ، أنت تؤذِّن إذا كان الصبح ساطعًا في السماء، وليس ذلك بالصبح، إنّما الصُّبْحُ هكذا معترضًا" ثم دعاه بسَحوره. وكان يقول: "لا تزالُ أُمَّتي بخير ما أخَّروا السّحور وعجّلوا الفطر" (١). (١٢٧٢) الحديث الخامس والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أسود قال: حدّثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورِّق العِجليّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أرى ما لا تَرَون، وأسمعُ ما لا تسمعون. أطَّتِ السّماء (٢)، وحُقَّ لها أن تَئِط، ما فيها موضع أربع (٣) إلّا عليه مَلَكٌ ساجد. لو علمتم ما أعلمُ لضحِكْتم قليلًا ولبَكَيْتُم كثيرًا، ولا تلذَّذْتم بالنّساء على الفُرُشات، ولخَرَجْتُم على -أو إلى- الصُّعُدات تجأرون إلى اللَّه ". فقال أبو ذرّ: لوَدَدْتُ أنّي شجرة تُعْضَدُ (٤). (١٢٧٣) الحديث السادس والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا روح قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز عن أبي عمران الجوني عن عبد اللَّه (٥) بن الصّامت عن أبي ذرّ: عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لا تَحْقِرَنّ من معروفٍ شيئًا، فإن لم تَجِدْ فالْقَ أخاك بوجهٍ طَلق". انفرد بإخراجه مسلم (٦).

стр. 693

(١٢٧٤) الحديث السابع والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا وهب بن جرير قال: حدّثنا أبي قال: سمعْتُ حرملة يحدّث عن عبد الرحمن بن شماسة عن أبي بَصرة عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إنّكم يستفتحون مصر، وهي أرض يُسَمّى فيها القيراطُ، فإذا فَتَحْتُموها فأحْسِنوا إلى أهلها، فإن لهم ذِمَّةً ورَحِمًا، أو قال: ذِمّة وصِهْرًا، فإذا رأيت رجلين يختصمان في موضع لَبنةٍ فاخرج منها". انفرد بإخراجه مسلم (١). وقوله: "فإنّ لهم ذمّة ورحمًا" قولان: أنّ هاجر أمّ إسماعيل كانت قبطيّة. والثّاني: أن مارية أمّ إبراهيم كانت قبطيّة. وقوله: "إذا رأيْتَ رجلين يختصمان في موضع لبِنة" يشير إلى كثرة النّاس وازدحامهم (٢). (١٢٧٥) الحديث الثامن والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا سليمان بن داود، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان قال: حدّثني أبي عن مكحول أن عمر بن نُعَيم حدّثه أن أبا ذرّ حدّثهم: أن رسول اللَّه ﷺ يقول: "إنّ اللَّه يقبلُ عبدَه (٣)، أو: يغفر لعبده ما لم يقع الحجاب" قيل: وما وقوع الحجاب؟ قال: "تخرج النّفسُ وهي مُشركة" (٤). (١٢٧٦) الحديث التاسع والثلاثون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا شعبة عن حُميد بن هلال عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبي ذرّ:

стр. 694

عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "إنّ ناسًا من أُمّتي سِيماهم التَّحليقُ، يقرءون القرآن لا يُجاوِزُ حلوقَهم، يَمرُقون من الدّين كما يَمرُقُ السَّهمُ من الرَّمِيّة، هم شَرُّ الخَلْق والخليقة". انفرد بإخراجه مسلم (١). (١٢٧٧) الحديث الأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى عن ابن عجلان قال: حدّثني سعيد عن أبيه عن عبد اللَّه بن وَديعة عن أبي ذرّ: عن النّبيّ ﷺ قال: "من اغتسل أو تطهَّرَ، فأحسنَ الطهور، ولبِسَ من أحسن ثيابه، ومسَّ ما كتب اللَّه له من طيب أو دُهنِ أهلِه، ثم أتى الجمعةَ، فلم يَلْغُ، ولم يفرِّق بين اثنين، غفرَ اللَّه له ما بينه وبين الجمعة الأُخرى" (٢). (١٢٧٨) الحديث الحادي والأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا إسرائيل عن جابر بن ثابت بن سعد -أو سعيد- عن أبي ذرّ: أنّ النّبيّ ﷺ رجمَ امرأةً، فأمرَني أن أحفِرَ لها، فحَفَرْتُ لها إلى سُرَّتي (٣). (١٢٧٩) الحديث الثاني والأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا وكيع قال: حدّثنا المسعودي قال: أنبأني أبو عمر الدّمشقي عن عُبيد بن الخَشْخاش عن أبي ذرّ قال: أتيتُ النّبيَّ ﷺ وهو في المسجد، فجلسْتُ، فقال: "يا أبا ذرٍّ، هل صلَّيْتَ؟ قلت: لا. قال: "قم فصَلِّ" فقمتُ فصلّيْتُ ثم جلستُ، فقال: "يا أبا ذرّ، تعوَّذ باللَّه من شرّ شياطين

стр. 695

الإنس والجنّ". قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، وللإنس شياطين؟ قال: "نعم". قلتُ: يا رسول اللَّه، الصلاة؟ قال: خيرُ موضوع، من شاء أقلّ، ومن شاء أكثر. قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، فالصوم؟ قال: "قَرْضٌ مجزيّ (١)، وعند اللَّه مزيد". قلت: يا رسول اللَّه، فالصدقة؟ قال: "أضعاف مضاعفة". قلت: يا رسول اللَّه، فأيّها أفضل؟ قال: "جُهدٌ من مُقِلّ، أو سِرٌّ إلى فقير". قلت: يا رسول اللَّه، أيُّ الأنبياء كان أوّل؟ قال: "آدم" قلت: يا رسول اللَّه، ونبيٌّ كان؟ قال: "نعم، نبيّ مُكَلَّم". قال: قلت: يا رسول اللَّه، كم المرسلون؟ قال: "ثلاثمائة وبضعة عشر جمًّا غَفيرًا" وقال مرّة، "خمسة عشر". قلت: يا رسول اللَّه، أيّما أُنْزل عليك أعظم؟ قالَ: "آية الكرسي": ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢) [البقرة: ٢٥٥]. (١٢٨٠) الحديث الثالث والأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا هشام عن واصل عن يحيى بن عُقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي ذرّ: عن النّبيّ ﷺ قال: "عُرِضَتْ على أُمّتي بأعمالها حسنةً وسيّئةً، فرأيتُ من محاسن أعمالها إماطةَ الأذى عن الطّريق، ورأيتُ من سيّء أعمالها النُّخاعةَ في المسجد لم تُدْفَن". انفرد بإخراجه مسلم (٣).

стр. 696

(١٢٨١) الحديث الرابع والأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يزيد قال: حدّثنا حجّاج بن أرطاة عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن عبد اللَّه بن المقدام عن ابن شدّاد عن أبي ذرّ قال: كنتُ مع رسول اللَّه ﷺ ، فأتى رجلٌ فقال: إنّ الأَخِر (١) قد زنا. فأعرض عنه، ثمّ ثنّى (٢)، ثم ثَلَّث، ثم ربّع، فنزل النّبيّ ﷺ ، فأمرَنا فحفرْنا له حفرة ليست بالطّويلة، فرُجِمَ. فارتحلَ رسولُ اللَّه ﷺ كئيبًا حزينًا، فسِرْنا حتى نزلْنا منزلًا، فسُرّي عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال لي: "يا أبا ذرٍّ، ألم ترَ إلى صاحبكم، غُفِرَ له وأُدْخِلَ الجنّة" (٣). الأَخِر: المُدْبر المُتَخَلِّف. (١٢٨٢) الحديث الخامس والأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن جعفر قال: حدّثنا عوف عن مهاجر أبي خالد قال: حدّثني أبو العالية قال: حدّثني أبو مسلم قال: قلتُ لأبي ذرٍّ: أيُّ قيام الليل أفضل؟ قال أبو ذرٍّ: سألْتُ رسول اللَّه ﷺ كما سألتَني، شكّ عوف، فقال: "جوفُ الليل الغابر" أو: "نصف الليل، وقليلٌ فاعلُه" (٤). (١٢٨٣) الحديث السادس والأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أبو عامر قال: حدّثنا عبد الجليل بن عطيّة، حدّثنا مزاحم بن معاوية الضبّيّ عن أبي ذرّ: أنّ النّبيّ ﷺ خرج زمن الشّتاء والورق يتهافت، فأخذ بغُصنَين من شجرة، فجعل الورق يتهافتُ، فقال: "يا أبا ذرّ". قلت: لبَّيْك يا رسول اللَّه. قال: "إنّ العبدَ المسلم يُصلّي الصلاة يريدُ بها وجهَ اللَّه ، فتتهافتُ ذنوبُه كما يتهافتُ هذا الورق عن هذه الشجرة" (٥). (١٢٨٤) الحديث السابع والأربعون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أسود بن عامر حدّثنا أبو بكر بن عيّاش عن مُطرِّف عن أبي الجهم عن خالد بن وُهبان عن أبي ذرّ قال:

стр. 697

قال رسول اللَّه ﷺ : "من فارق الجماعة شبرًا خلع رِبقة الإسلام من عنقه" (١). (١٢٨٥) الحديث الثامن والأربعون: حدّثنا البخاري قال: حدّثنا يحيى بن بُكير قال: حدّثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال: كان أبو ذرّ يحدّث: أنّ النّبيّ ﷺ قال: "فُرِجَ سقفُ بيتي وأنا بمكّة، فنزل جبريل ففرَج صدري ثم غسله بماء زمزمَ، ثم جاء بطَسْتٍ من ذهبٍ ممتلىء حكمةً وإيمانًا فأفرَغه في صدري ثم أطبقَه، ثم أخذ بيدي فعَرَجَ بي إلى السّماء، فلمّا جئتُ إلى السماء الدُّنيا قال جبريلُ لخازن السماء: افتحْ، قال: من هذا: قال جبريل، قال: وهل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمّد، قال: أُرسل إليه؟ قال: نعم. فلمّا فتحَ عَلَونا السماء الدُّنيا، فإذا رجلٌ قاعدٌ، على يمينه أسْوِدَة وعلى يساره أسْوِدَة، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبيّ الصالح والابن الصالح، قلتُ لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدمُ، وهذه الأَسْوِدَةُ عن يمينه وعن شماله نَسَمُ بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنّة، والأسوِدة التي عن شماله أهل النّار، فإذا نظرَ عن يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. ثم عرج بي إلى السماء الثّانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال الأوّل، ففتح" قال أنس: فذكر أنّه وجدَ في السماوات آدمَ وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يُثْبِتْ كيف منازلُهم، غير أنّه ذكر أنّه وجدَ آدم في السماء الدُّنيا، وإبراهيم في السماء السادسة. قال أنس: "فلمّا مرّ جبريل بالنبيّ ﷺ بإدريس قال: مرحبًا بالنبيّ الصالح والأخ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إدريس. ثم مررت بموسى فقال: مرحبًا بالنبيّ الصالح والأخ الصالح، فقلت: من هذا؟ قال: هذا موسى. ثم مررت بعيسى فقال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبيّ الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا عيسى. ثم مررْتُ بإبراهيم، فقال: مرحبًا بالنبيّ الصالح والابن الصالح، قلت: من هذا؟ قال: هذا إبراهيم".

стр. 698

قال الزُّهريّ: فأخبرَني ابن حزم أن ابن عبّاس وأبا حيّة الأنصاريّ كانا يقولان: قال النّبيّ ﷺ : "ثم عُرج بي حتى ظهرْت لمستوى أسمعُ فيه صريف الأقلام". قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال رسول اللَّه ﷺ : "ففرضَ اللَّهُ على أُمّتي خمسين صلاة، فرجعْتُ حتى مَرَرْتُ على موسى، فقال: ما فرضَ اللَّهُ على أُمّتك؟ قلتُ: فرض خمسين صلاة، قال: فارجِعْ إلى ربّك، فإنَّ أُمَّتك لا تطيقُ ذلك، فوضع شَطْرَها، فرجعْتُ إلى موسى فقلت: وضعَ شَطرَها، فقال: ارجع إلى ربِّك، فإنّ أُمَّتَك لا تُطيق ذلك، فرجَعْتُ فوضع شَطرها، فرجَعْت إليه فقال: ارجعْ إلى ربِّك، فإنَّ أُمّتك لا تطيق ذلك، فرجَعْتُ فقال: هي خمس وهي خمسون، لا يُبَدّل القول لديّ. فرجعتُ إلى موسى فقال: ارجعْ إلى ربّك، فقلتُ: قد استَحْيَيْتُ من ربّي. ثم انطلق بي حتى انتهى إلى سدرة المُنْتَهى، فغَشِيَتْنا ألوانٌ لا أدري ما هي، ثم أُدْخِلْتُ الجنّة، فإذا فيها جنابذُ اللؤلؤ، وإذا ترابُها المسك". أخرجاه (١). والجنابذ: القِباب (٢). (١٢٨٦) الحديث التاسع والأربعون: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث قال: حدّثني أبي شعيبُ بن الليث قال: حدّثني الليث بن سعد قال: حدّثني يزيدُ بن أبي حبيب عن بكر بن عمرو عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن ابن حُجَيرة الأكبر عن أبي ذرّ قال: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، ألا تستعملُني؟ فضرب بيده على قلبي ثم قال: "يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف، وإنّها أمانة، وإنّها يوم القيامة خِزي وندامة، إلّا من أخذَها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها" (٣). * طريق آخر: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا زهير بن حرب قال: حدّثنا عبيد اللَّه بن يزيد قال: حدّثنا

стр. 699

سعيد بن أبي أيوب عن عبيد اللَّه بن أبي جعفر القرشيّ عن سالم بن أبي سالم الجيشاني عن أبيه عن أبي ذرٍّ: أن رسول اللَّه قال: "يا أبا ذرّ، إنّي أراكَ ضعيفًا، وإنّي أُحِبُّ لك ما أُحِبُّ لنفسي، لا تأمَّرَنّ على اثنين، ولا تولّيَنَّ مال يتيم". انفرد بإخراج الطريقين مسلم (١). (١٢٨٧) الحديث الخمسون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا يحيى بن سعيد عن عكرمة ابن عمّار قال: حدّثني أبو زُميل سِماك الحنفي قال: حدّثني مالك بن مَرْثَد بن عبد اللَّه قال: حدّثني أبي مَرْثدٌ قال: سألتُ أبا ذرٍّ قلت: كيف (٢) سألْتَ رسول اللَّه ﷺ عن ليلة القدر؟ قال: أنا كنتُ أسألَ النّاسِ عنها، قلتُ: يا رسولَ اللَّه، أخْبِرْني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي أو غيره؟ قال: "بل هي في رمضان". قلتُ: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قُبِضوا رُفِعَتْ، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: "بل هي إلى يوم القيامة" قال: قلت: في أيّ رمضان هي؟ قال: "التمسوها في العشر الأُول والعشر الأُخَر" ثم حدّث رسول اللَّه وحدّث، ثم اهْتَبَلْتُ غفلته فقلتُ: في أيّ العَشرين هي؟ قال: "ابتغوها في العشر الأواخر، لا تسألْني عن شيءٍ بعدها" ثم حدّث رسول اللَّه، ثم اهْتَبَلْتُ غفلته فقلتُ: يا رسول اللَّه، أقسمْتُ عليك بحقّي عليك لما أخبَرْتَني، في أيّ العَشر هي؟ فغَضِبَ عليَّ غضبًا لم يغضبْ عليّ مثلَه منذ صَحِبْتُه، وقال: "التمسوها في السبع الأواخر، لا تسألْني عن شيءٍ بعدها" (٣). (١٢٨٨) الحديث الحادي والخمسون: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا عبد اللَّه بن محمد ابن أسماء قال: حدّثنا مهدي قال: حدّثنا واصل عن يحيى بن عُقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الدُّؤلي عن أبي ذرّ:

стр. 700

عن النّبيّ ﷺ : أنّه قال: "يُصبح على كلّ سُلامى (١) من أحدكم صدقة، فكلُّ تسبيحة صدقةٌ، وكلُّ تحميدة صدقةٌ، وكلُّ تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقة، ويجزىء من ذلك ركعتان يركعهما من الضُّحى". انفرد بإخراجه مسلم (٢). (١٢٨٩) الحديث الثاني والخمسون: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدّارمي قال: حدّثنا مروان بن محمد الدّمشقي قال: حدّثنا سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذرّ: عن النّبيّ ﷺ فيما روى عن ربّه ﵎ أنّه قال: "يا عبادي، إنّي حرّمْتُ الظُلْمَ على نفسي وجعلْتُه بينكم مُحَرّمًا، فلا تَظالموا. يا عبادي، كلُّكم ضالٌّ إلّا من هدَيْتُه، فاسْتَهْدوني أهْدِكم. يا عبادي، كلُّكم جائعٌ إلّا من أطْعَمْتُه، فاستطعموني أُطْعِمْكم. يا عبادي، كلُّكم عارٍ إلّا من كَسَوْتُه، فاستكسوني أكسُكم. يا عبادي، إنّكم تُخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفرُ الذُّنوب جميعًا، فاستغفروني أغفرْ لكم. يا عبادي، إنّكم لن تبلُغوا ضَرّي فتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نَفعي فتنفعوني. يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخرَكم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجلٍ واحدٍ منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئًا. يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم وإنسكم وجنّكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ، ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا. يا عبادي، لو أنّ أوّلَكم وآخرَكم وإنسكم وجنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ وسألوني، فأعطيتُ كلّ واحدٍ مسألتَه، ما نقص ذلك ممّا عندي إلّا كما ينقص المِخْيَطُ إذا أُدْخلَ البحر. يا عبادي، إنّما هي أعمالُكم أُحْصِيها لكم ثم أوَفِّيكم إيّاها، فمن وجدَ خيرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّه، ومن وجَدَ غيرَ ذلك فلا يلومَنّ إلّا نفسه". قال سعيد: كان أبو إدريس الخَولاني إذا حدّث بهذا الحديث جثا على رُكبتيه. انفرد بإخراجه مسلم (٣).

стр. 701

* طريق لبعضه: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا ابن نمير قال: حدّثنا موسى بن المسيّب عن شهر عن عبد الرحمن بن غَنْم عن أبي ذرّ: عن النّبيّ ﷺ قال: "إنّ اللَّه يقول: يا عبادي، كلُّكم مذنبٌ إلّا من عافيت، فاستغفروني أَغْفِرْ لكم. وكلُّكم فقيرٌ إلّا من أغنيتُ. . . . إنّي جوادٌ ماجدٌ واجدٌ، أفعلُ ما أشاء، عطائي كلام، وعذابي كلام، إذا أردتُ شيئًا فإنّما أقول له كُن فيكون" (١). (١٢٩٠) الحديث الثالث والخمسون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا الأعمش عن شِمر بن عطيّة، عن أشياخه عن أبي ذرّ قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، أوْصِني. قال: "إذا عَمِلْتَ سيّئة فأتْبِعْها حسنة تَمْحُها". قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، أمِنَ الحسنات: لا إله إلّا اللَّه؟ قال: "هي أفضل الحسنات" (٢). (١٢٩١) الحديث الرابع والخمسون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عفّان قال: حدّثنا همّام قال: حدّثنا قتادة عن عبد اللَّه بن شقيق قال: قلتُ لأبي ذرّ: لو رأيتُ رسولَ اللَّه لسألْتُه. قال: وما كنتَ تسألُه؟ قال: أسأله: هل رأى ربَّه ؟ فقال: إنّي قد سألْتُه، فقال: "قد رأيتُه نورًا، أنّى أراه؟ ". هكذا رواه أحمد (٣). وهذا الحديث ممّا انفرد به مسلم، فأخرجه على وصفين: الوصفُ الأوّل: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدّثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد اللَّه بن شقيق عن أبي ذرّ قال:

стр. 702

سألْتُ رسول اللَّه ﷺ : هل رأيْتَ ربَّك؟ قال: "نورٌ، أنّى أراه". الوصف الثاني: حدّثنا مسلم قال: حدّثنا محمد بن بشّار قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثنا أبي عن قتادة عن عبد اللَّه بن شقيق قال: قلتُ لأبي ذرّ: لو رأيتُ رسول اللَّه ﷺ لسألْتُه. فقال: عن أي شيء كنتَ تسألُه؟ قال: كنتُ أسألُه: هل رأيتَ ربَّك؟ قال أبو ذرّ: قد سألْتُه فقال: "رأيتُ نورًا" (١). فهذا الحديث قد اختلفت ألفاظه، وقد ذكر أبو بكر الخلّال (٢) في كتاب "العلل" أنّ أحمد بن حنبل سُئل عن هذا الحديث فقال: ما زِلْتُ مُنكرًا لهذا الحديث، وما أدري ما وجهُه. وقال أبو بكر محمد بن إسحق بن خُزيمة: في القلب من صحّة سند هذا الحديث شيء؛ لأن عبد اللَّه بن شقيق كأنه لم يُثبت أبا ذرّ ولم يعرفْه، لأنّه قال: أتيتُ فإذا رجلٌ قائمٌ، فقالوا: هذا أبو ذرّ. قلتُ: فنجيب على تقدير الصحّة بجوابين: أحدهما: أن يكون المعنى: كيف أراه وحجابُه النور، فالنور مانع. والثّاني: أنّ أبا ذرّ أسلم قديمًا، ثم قَدِم بعد الخندق، فيحتمل أن يكون سألَ رسولَ اللَّه ﷺ قبلَ المعراج، فأخبرَه أنّ النّور يمنع من رؤيته، وقد قال بعد المعراج: "رأيتُ ربّي" (٣). (١٢٩٢) الحديث الخامس والخمسون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا إسماعيل عن يونس عن الحسن عن صَعْصَعة بن معاوية قال: أتيتُ أبا ذرّ قلت: مالك (٤)؟ قال: لي عملي. قلتُ: حدِّثْني. قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مسلمين يموتُ بينهما ثلاثةٌ من أولادهما لم يبلُغوا الحِنْثَ إلّا غُفِرَ لهما".

стр. 703

قلت: حدِّثني. قال: نعم، قال رسول اللَّه ﷺ : "ما من مُسلْم يُنْفِقُ من كلِّ مالٍ له زوجَين في سبيل اللَّه إلّا استقبلَتْه حَجَبَةُ الجنّة، كلُّهم يدعوه إلى ما عندَه". قلتُ: كيف ذاك؟ قال: إنّ كان رجالًا فرجلين، وإن كانت إبلًا فبعيرين. وإن كانت بقرًا فبقرتين (١). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: عبد الملك بن عمرو قال: حدّثنا قُرّة عن الحسن عن صعصعة بن معاوية قال: لقيتُ أبا ذرّ بالرّبَذة فقال: سمعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "من أنفقَ زوجَين من ماله في سبيل اللَّه ابْتَدَرَتْه حَجَبةُ الجنّة". وقال: سمعْتُ رسول اللَّه ﷺ يقول: "ما من مسلمَين يموتُ لهما ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنْث، إلّا أدخلَهم اللَّه الجنّة بفضل رحمته إيّاهم" (٢). (١٢٩٣) الحديث السادس والخمسون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا حسين قال: حدّثنا شيبان عن منصور عن ربعي عن خَرَشة بن الحُرّ عن المعرور بن سويد عن أبي ذرّ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "أُعْطِيتُ خواتيمَ سورة البقرة من بيت كنز من تحت العرش، لم يُعْطَهنّ نبيٌّ قبلي" (٣).

стр. 704

(١٢٩٤) الحديث السابع والخمسون: حدّثنا البخاري ومسلم قالا: حدّثنا قتيبة قال: حدّثنا جرير بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رُفيع عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ قال: خرجْتُ ليلةً مع الليالي فإذا رسول اللَّه ﷺ يمشي وحده ليس معه إنسانٌ، قال: فظننتُ أنّه يكره أن يمشيَ معه أحدٌ، قال: فمشيتُ معه ساعة، فقال: "إنّ المُكثرين هم المُقِلُّون يوم القيامة إلّا من أعطاه اللَّه خيرًا فنَفَحَ فيه يمينَه وشمالَه وبين يدَيه ووراءَه، وعَمِلَ فيه خيرًا". قال: فمشيتُ معه ساعة، فقال لي: "اجْلِسْ هاهنا" فأجلسَني في قاع حوله حجارة، فقال لي: "اجْلِسْ هاهنا حتى أرجعَ إليك" فانطلق في الحرّة حتى لا أراه، فلَبِثَ عنّي، فأطال اللُّبْثَ، ثم إنّي سَمِعْتُه وهو مُقبل وهو يقول: "إن سرق وإن زنى" قال: فلمّا جاء لم أصبرْ حتى قلت: يا نبيّ اللَّه، من تُكلِّم في جانب الحرَّة؟ فإنّي ما سَمِعْتُ أحدًا يرجعُ إليك شيئًا. قال: "ذاك جبريلُ، عرض لي في جانب الحَرَّة فقال: بَشِّرْ أُمَّتَك أنّه مَن مات لا يُشرِك باللَّه شيئًا دخل الجنّة" قلتُ: يا جبريلُ، وإن سرقَ وإن زنا؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنا؟ قال: نعم. قلت: وإن سرق وإن زنا؟ قال: نعم، وإن شَرِبَ الخمر" (١). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا أبو معاوية قال: حدّثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن أبي ذرّ قال: كنتُ أمشي مع النبيِّ ﷺ في حَرّة المدينة عشاءً ونحن ننظرُ إلى أُحُد، فقال: "يا أبا ذرّ" قلتُ: لبَّيك يا رسول اللَّه، قال: "ما أُحِبُّ أن لي أُحُدًا ذاك عندي ذهبًا، أُمسي ثالثةً وعندي منه دينارٌ إلًا دينارًا أرصُدُه - يعني لدين، إلّا أن أقولَ به في عباد اللَّه هكذا" وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره. قال: ثم مَشَينا فقال: "يا أبا ذرّ إنّ المُكْثِرين هم المُقِلّون يوم القيامة، إلّا من قال هكذا وهكذا وهكذا" فحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره. قال: ثم مشينا فقال: "يا أبا ذرّ، كما أنت حتى آتيَك" قال: فانطلق حتى توارى عنّي. قال: فسَمِعْتُ لَغَطًا وصوتًا، قلت: لعلّ رسول اللَّه ﷺ عُرض له، فهَمَمْتُ أن

стр. 705

أتبعه، ثم ذكرْتُ قوله: "لا تَبْرَحْ حتى آتيَكَ" فانتظرته حتى جاء، فذكرْتُ له الذي سمعْتُ، فقال: "ذاك جبريلُ أتاني فقال: مَنْ مات من أمّتك لا يُشْرِك باللَّه شيئًا دخلَ الجنّة. قال: قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: "وإن زنا وإن سرق" (١). * طريق آخر: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا عبد الصَّمَد قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا حسين عن ابن بُرَيدة أن يحيى بن يعمر حدّثه أن أبا الأسود الدؤلي حدّثه أن أبا ذرّ حدّثه قال: أتيتُ رسول اللَّه ﷺ فقال: "ما من عبد قال: لا إله إلّا اللَّه، ثم مات على ذلك إلّا دخل الجنّة" قلتُ: وإن زنا وإن سرق؟ قال: "وإن زنا وإن سرق" قلت: وإن زنا وإن سرق؟ ثلاثًا. ثم قال في الرّابعة: "على رغم أنف أبي ذرّ". قال: فخرج أبو ذرّ يجرّ إزارَه وهو يقول: وإن رَغِمَ أنفُ أبي ذرّ. وكان أبو ذرّ يحدّث بهذا بعدُ ويقول: وإن رَغِمَ أنف أبي ذرّ. أخرجاه في الصحيحين (٢). (١٢٩٥) الحديث الثامن والخمسون: حدّثنا أحمد قال: حدّثنا محمد بن عُبيد وابن نُمير -المعنى- قالا: حدّثنا الأعمش عن المعرور بن سويد عن أبي ذرّ قال: أتيتُ رسول اللَّه وهو في ظلّ الكعبة فقال: "هم الأخسرون وربّ الكعبة. هم الأخسرون وربّ الكعبة" فأخذني غَمٌّ، وجعلْتُ أتنفّسُ، قال: قلت: هذا شيء حدث فيّ. قال: قلت: من هم، فِداكَ أبي وأمّي؟ قال: "الأكثرون، إلّا من قال في عباد اللَّه هكذا وهكذا، وقليل ما هم. ما من رجلٍ يموتُ يترك غنمًا أو إبلًا أو بقرًا لم يُؤدِّ زكاتَها إلّا جاءته يوم القيامة أعظمَ ما تكون وأسمنَ، حتى تطأَه بأظلافها، وتنطَحُه بقرونها، حتى يُقْضى بين النّاس، ثم يعود أُولاها على أُخراها" وقال ابن نُمير: "كلّما نَفِدت أُخراهما عادت عليه أولاها". أخرجاه في الصحيحين (٣).
следующие страницы →