← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

واستدلُوا بكونهم لا تَحِلُّ نِساؤُهم إجماعًا، فخرجوا بذلكَ من سُنَّةِ أَهْلِ الكتابِ في النكاح، فكذلكَ في الذبائحِ؛ لأن الأصلَ فيهما التحريمُ. وبقيةُ الآيةِ قد تقدَّم شرحُه في "سورةِ البقرةِ" و"النساءِ". * * *

стр. 1017

(من أحكام الطهارة) ١٠٩ - (٦) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. * أوجبَ اللهُ سبحانَه بهذه الآية الوضوءَ على المُؤمنين، وَبيَّنه النبيُّ ﷺ كَما فرضَه اللهُ تعالى بفعله، وقال: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ مَنْ أحدَثَ حَتّى يَتَوَضَّأَ" (١). * وقد أجمعتِ الأمةُ على وُجوبه؛ كما فرضَهُ اللهُ سُبحانه. * وعَلَّق اللهُ سبحانَه فَرْضَه بالقيامِ إلى الصَّلاةِ. فيحتملُ أن يُرادَ به حقيقةُ التعليق، فيجبُ الوضوءُ عندَ كُلِّ قيامٍ إلى الصلاةِ.

стр. 1018

ويحتملُ أن يُرادَ به التعريفُ لوقتٍ خاصٍّ، وهو وقتُ الحَدَثِ، وبهذا المعنى خَصَّه عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآنِ. فقال ابنُ عباسٍ -رضي اللهُ تعالى عنهما-: إذا قُمتم إلى الصَّلاةِ وأنتم مُحْدِثون (١). وقال زيدُ بنُ أَسْلَمَ: إذا قمتم إلى الصلاةِ من النومِ (٢). وحكيَ عن عِكْرِمَةَ وابنِ سِيرينَ (٣): أنهما حَمَلا الخِطاب على حقيقتِه في التعليقِ، فأوجبا الوضوءَ لكلِّ صلاة. قال ابنُ سيرينَ: كانَ الخُلَفاءُ يتوضَّؤونَ لكلِّ صلاةٍ (٤). وهما مَحْجوجانِ باتفاقِ العامَّةِ من أهلِ العلمِ، وببيانِ النبيِّ ﷺ ؛ فإنه كانَ يُصَلِّي الصَّلَواتِ بالوضوءِ الواحدِ، ولعلَّ الخلفاءَ فَعلوا ذلكَ للفَضْلِ، لا للحَتْم. * فأوجَب الله سبحانهُ غسلَ الوجهِ واليدين إلى المِرْفقين، اتَّفق (٥) العلماءُ على وُجوبِ ذلكَ (٦)، وإنَّما اختلَفوا في تفاصيلهِ، فاختلَفوا في البَياضِ الذي خَلْفَ العِذارِ (٧)، ودونَ الأُذُنِ.

стр. 1019

- فذهبَ الشافعيُّ وأبو حَنيفةَ إلى أنهُ من الوَجْهِ (١). - وقال مالِكٌ: ليسَ من الوَجْهِ (٢). والوَجْهُ مشتقٌّ من المُواجَهةِ: فمنهمُ من رَأى اسمَ الوَجْهِ صادقًا عليه، ومنهم مَنْ لم يَرَ ذلك. وهذا أيضًا سَبَبُ اختلافِهم فيما نزلَ من اللِّحْيَةِ عن منابِتِها. فأوجبَ مالكٌ غَسْلَهُ (٣)، ولم يوجِبْه أبو حنيفةَ (٤). واختلفَ قولُ الشافعيِّ في ذلك (٥). * وأما اختلافهُم في اليدِ، ففي موضِعَينِ: أحدُهما: في الحكم. والثاني: في كيفيةِ الاستدِلالِ. أما الحكمُ:

стр. 1020

فقال جمهورُ أهلِ العلم: يجبُ إدخالُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ (١). وقال زُفَرُ (٢)، وأبو بكرِ بنُ داودَ (٣)، ومالكٌ في راويةِ أشهبَ: لا يجبُ (٤). وأما الاستِدْلالُ: فإنَّ زُفَرَ ومُوافقيهِ أخذوا بظاهِرِ المعنى المشهورِ الموضوعِ لـ (إلى)، وهو الغايةُ. وأما الجُمهورُ، فجعلوها بمعنى (مع)، وذلك شائعٌ في اللسانِ، جائزٌ عند كافَّةِ الكوفيينَ وبعضِ البَصْريِّين، قال امْرُؤ القيسِ: [البحر الطويل] لَهُ كفَلٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَهُ النَّدَى ... إلى حاركٍ مثلِ الغَبيطِ المُذَأَبِ (٥) واستدلَّ الشافعيةُ، أو بعضُهم، بما روى (٦) جابرٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ-: أن النبي ﷺ كان إذا توضّأَ، أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيه (٧)، وقالوا: هذا بيان لِما وردَ في الآية مُجْمَلًا، وأفعالُه ﷺ تُحْمَلُ على الوُجوبِ في بَيانِ المُجْمَلِ.

стр. 1021

وفي هذا ضَعْفٌ، فإن لفظَ الآيةِ ليسَ بِمُجْمَلٍ، بل هو في معنى الغايةِ أظهرُ من المَعِيّةِ؛ إذ هو المعنى الموضوعُ له، ولا تستعملُ في المعيةِ إلا تَجَوُّزًا. وبعضُ أهلِ البَصْرَةِ مَنَعَهُ. وحاولَ بعضُهم دلالَتَها مع بقائِها على أصلِ وَضْعِها، فقال: (إلى) هاهنا للإخراج، لا للإدخال؛ لأنَّ اسمَ اليدِ يُطْلَقُ (١) على العُضْوِ إلى المَنْكِبِ، فلو لم تردْ هذه الغايةُ، لوجبَ غَسْل اليدِ إلى المَنْكِبِ، فلما دخلتْ (إلى)، أخرجَتْ عن الغَسْلِ ما زادَ على المِرْفقَيْنِ، فانتهى الإخْراجُ إلى المِرْفقَيْنِ، فكأنه قالَ: واغْسِلُوا أيديَكُمْ، واتركوا من (٢) المَناكِبَ إلى المرافقِ. وفي هذا بعدٌ ظاهرٌ؛ لما فيه من إيصالِ الغايةِ بمعنى غيرِ مذكورِ، وفصلِها عن مَعْنًى مذكورٍ مقصودٍ، واحتمالُ مجاز (٣) الاستِعارةِ أهونُ من ارتكابِ هذا المَجازِ البعيد. ثم قال بعضُهم: وإن سَلَّمْنا أن (إلى) هنا معناها الغايةُ، فالمُغَيَّا يدخلُ في الغايةِ إذا كانت من جنِسه، والمِرْفَقُ من جنسِ اليدِ، ولا يدخلُ إن كانَ من غيرِ جنسه؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وما قالهُ هذا غيرُ خالٍ من النِّزاع، بل الصحيحُ عدمُ الدخولِ مُطْلَقًا، ووجهُ الدَّلالَةِ عندي من حَديثِ جابِرٍ -رضي الله تعالى عنه- قوله: كانَ إذا توضّأَ أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيهِ، وهذا يدلُّ على التكْرار، مع أنه لم يُنْقَلْ أَنَّ

стр. 1022

النبيَّ ﷺ اقتصرَ على دونَ المِرْفَقِ، فدلَّ على دُخوله وُجوبًا. فإن قال قائل: كلمة (كان) لا تدلُّ على الاستغراقِ، على الصحيح عند الأصوليين. قلتُ: لا تدلُّ على الاستِغْراقِ في ذي الأقسامِ والأنواع، وأما إن لم يكنْ للفعلِ أقسامٌ وأنواعٌ، كالوضوء، فإنها تدلُّ على التكرارَ وَضْعًا وعُرْفًا، أو عُرْفًا لا وَضْعًا؛ كما اختارهُ بعضُ المحققين. فإن قال: لعلَّه ﷺ فعلَ ذلكَ طَلَبًا لإطالةِ الغُرَّةِ، فهو محمولٌ على الاستِحْباب. قلت: لا يُحملُ مثلُ هذا على طلبِ الغُرَّةِ، وإنَّما يُحمل عليه مثلُ ما رُوي عن أبي هريرةَ ﵁: أنه غسلَ يَدَه اليُمنى حتى شرعَ في العَضُدِ، ثم اليُسْرى كذلك، ثم غسلَ رِجْلَه اليُمنى حتى شرعَ في الساقِ، ثم اليُسْرى كذلك، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضأ" (١) لإشعارِ الشُّروعِ في الأعضاءِ بطلبِ الفضيلةِ، وعدمِ إشعارِ الإرادة بذلك. وهذا كلهُّ إن صَحَّ حديثُ جابرِ، ولستُ أعلمُ صِحَّته (٢)، أما إذا لم يَصحَّ، فحجَّتُهم أظهرُ وأقوى. * ثم أَمَرَهُم سُبْحانَه بِمَسحِ الرأسِ، وهو واجبٌ بإجماعِ العُلماء، لكنهمُ اختلفوا في مِقْدارِ الواجبِ منه. - فذهب مالكٌ، والمُزَني، وأحمدُ -في إحدى الروايتين- إلى مَسْحِ كُلِّهِ

стр. 1023

كسائرِ أعضاءِ الوضوء (١)؛ بدليلِ قولهِ تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. - وقَدَّرَهُ أبو حَنيفةَ بالرُّبُعِ (٢). - وذهبَ الشافعيُّ وجماعةٌ إلى أن الفرضَ مسحُ بعضِه (٣). واستدلَّ الحنفيةُ بما روى المغيرةُ بنُ شعبةَ -رضي الله تعالى عنه-: أنَّ النبيَّ ﷺ مسحَ بِناصِيَتِهِ وعِمامَتِهِ (٤). والشافعيُّ لما رأى تخصيصَ فعلِه ﷺ بعضَ الرأسِ، ورأى الناصِيَةَ لا تتقدرُ بربعِ الرأس، اكتفى بما يقعُ عليه اسم المسحِ، وبما يقعُ عليه اسمُ الرأس. فإن قال: فحديثُ المغُيرةِ يدلُّ على وجوبِ مسحِ الجميعِ؛ لما فيه من التكميلِ بالعِمامَةِ، ولو لم يجبِ الجميعُ، لما كَمَّلَ بالعِمامة التي هي حائِلٌ. قلنا: إنما ينتهِضُ (٥) دليلُها للذي يُجَوِّزُ المَسْحَ على العِمامة، وينزلُها منزلةَ الرأس، وهو أحمدُ، ووافقه على ذلك جماعةٌ (٦).

стр. 1024

وأما عندَ من لا يُجَوِّزُهُ؛ كمالِكٍ والشافعيِّ وأبي حنيفةَ، فلا يدلُّ (١). وضُعِّفَ الاستدلالُ به على إيجابِ الجميعِ؛ لمخالفةِ القِياسِ؛ لما فيه من الجَمْعِ بينَ الأصلِ والبَدَلِ في فِعْلٍ واحِدٍ، وذلك لا يجوزُ. والذي يظهرُ لي قوةُ الاستدلالِ به، وأنه موافق للقياسِ، وذلك أنه عُضْوٌ تدعو الحاجَةُ إلى سَتْرِهِ، ولا مَشَقَّةَ في مَسْحِ بَعْضِهِ، فوجبَ مسحُ المَيْسور؛ والاكتفاءُ بالبدلِ عن المَعْسورِ كما يُفْعَلُ في الجَبيرَةِ، ويخالفُ الخُفَّينِ؛ فإن في كشفِ بعضِ مَحَلِّ الفَرْضِ مشقةً، وقد يدعو نزعُ البعضِ إلى نزعِ الجميع، بخِلافِ العِمامة. والعجبُ من الشافعيَّة كيف اعتمدوا هذا التَّضْعيفَ، وقالوا: يُسْتَحَبُّ (٢) التكميلُ بالعِمامةِ، فجمعوا بين البَدَلِ والمُبْدَلِ، وتحكَّموا، وجعلوا الأصلَ فَرْضًا، والبَدَلَ نَفْلًا، فهو خِلافُ الأصول؛ فإنه ما جازَ أن يكونَ بَدَلًا في النَّفْلِ، جازَ أن يكونَ بَدَلًا في الفَرْضِ، ولم نجدْ شيئًا يكونُ بَدَلًا في النَّفْلِ، ولا يكونُ بَدَلًا في الفَرْضِ. ثم اختلفَ أصحابُهم وغيرُهم من أهلِ المعاني في معنى الباء. فذهبَ مَنْ قالَ بقولِ مالِكٍ إلى أن الباء إمّا زائدةٌ، وإما معناها الإلصاقُ الذي هُوَ موضوعٌ لها حقيقةً، أي: أَلْصِقوا المَسْحَ برؤوسِكُمْ (٣). وقيل: إن معناها الاستعانة والاعتمادُ، وإن في الكلامِ حذفًا وقلبًا، فإنَّ (مَسَحَ) يتعدّى إلى المُزالِ عنه بنفِسه، وإلى المُزيلِ بالباء، فالأصلُ:

стр. 1025

امسحوا رؤوسَكُم بالماء، ونظيرُه قولُ الشاعرِ (١): [البحر الكامل] ومَسَحْتِ بِاللِّثَتَيْنِ عَضْفَ الإثْمِدِ يقولُ: إن لِثاتِك تضربُ إلى السُّمْرَةِ، فكأنكِ مَسَحْتِها بمسحوقِ الإثْمِدِ، فقلبَ مَعْمولَيْ مَسَحَ (٢). وذهبَ بعضُ من قالَ بالتقدير إلى أنَّ معناها التبعيضُ (٣)، أي: من رُؤوسِكُم، وهو معنًى صحيحٌ شائعٌ في اللسانِ، قال به الكوفيون وبعضُ البَصْريين، قال عَنْتَرَةُ: [البحر الكامل] شَرِبَتْ بِماءِ الدُّحْرُضَيْنِ فَأَصْبَحَتْ ... زَوْراءَ تَنفِرُ عنْ حِياض الدَّيْلَمِ (٤) أي: من ماءِ الدّحرضين. وأجابَ الشافعيُّ عن احتجاجِه بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، فقال بِمَسْحِ الوجهِ في التَّيَمُّمِ بدلًا من غَسْلِه، فلا بدَّ أن يأتيَ بالمَسْحِ على جميعِ مواضِع الغَسْلِ منه، ومسحُ الرأسِ أصلٌ، فهذا فرقُ ما بينهما. * ثم أمرهمُ اللهُ سبحانه بغسلِ الرِّجْلَيْنِ، أو مَسْحِهما، على اخْتِلافِ القراءتين.

стр. 1026

وقد أجمعَ المسلمون على فَرْضِيَّة ذلك، لكنهم اختلفوا في أنواعِ طهارتهما. فالذي عليهِ عَمَلُ الناسِ، وقال به الجُمهورُ: أنَّ طهارَتَهُما الغَسْلُ (١). أما على قراءةِ النَّصْبِ، فالدَّلالَةُ ظاهِرةٌ. وأما على قراءةِ الخَفْض، فقيلَ: المرادُ بالمَسْح الغَسْلُ. قال أبو زيدٍ: المسحُ خَفيفُ الغَسْلِ، يقولُ العربُ: مسحَ اللهُ ما بك، أي: غَسَلَكَ وطَهَّرَكَ من الذنوبِ، فكذلك المسحُ يكون في الرِّجْلِ (٢) هو الغَسْلُ الخفيفُ (٣). وقيل: إنه خَفْضٌ على الجِوار، فهو معطوف في اللفظِ دونَ المعنى (٤)، وذلكَ جائزٌ موجودٌ في لسانِ العربِ؛ كقولهم: جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ (٥). قال الشاعر (٦): [البحر الطويل] كَأَنَّ ثَبيرًا في عَرَانينِ وَبْلِهِ ... كبيرُ أناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ

стр. 1027

وقال آخَرُ (١): [البحر الطويل] فَهَلْ أَنْتَ إنْ ماتَتْ أَتانُكَ راحِلٌ ... إلى آلِ بِشطامِ بنِ قيسٍ فخاطب وقال آخَرُ (٢): [البحر الكامل] لَعِبَ الزَّمانُ بِها وغَيَّرَها ... بَعْدي سوافي المُورِ والقَطْرِ بخفض القطر. ويدلُّ على أن المرادَ به (٣) الغسلُ فعلُ النبيِّ ﷺ ذلكَ في جميع الحالاتِ والمواطِنِ، ولم يُنْقَلْ إلينا قَطُّ أنه مَسَحَ القَدَمَيْنِ، ولو كانَ واجبًا أَو جائزًا، لَبَيَّنَهُ عن اللهِ سُبحانه كما أوجَب ذلك عليه. وذهبتِ (٤) الشيعةُ إلى أن الواجبَ المسحُ دونَ الغسلِ (٥)، واحتجُّوا بقراءةِ الخَفْضِ (٦)، وأجابوا عن قراءةِ النَّصْبِ بأنها عَطْفٌ على المَوْضِعِ؛

стр. 1028

كقولِ الشاعر (١): [البحر الوافر] مُعاوِيَ إِنَّنا بشر فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنا بالجِبال ولا الحَديدَا ويُروى هذا المذهبُ عن بعضِ الصَّحابةِ والتابعين (٢). قال محمدُ بنُ جَريرِ الطَّبَرِيُّ (٣)، والجُبَّائيُّ من المُعْتَزِلَة (٤): الواجبُ أحد الأَمْرَيْنِ؛ كالكَفَّارَةِ المُخَيِّرَةِ؛ إذْ ليسَ إحدى القِراءتينِ أَوْلَى منَ الأُخْرى. وقال بعضُ أهلِ الظاهرِ: يجبُ الجمعُ بين الغَسْلِ والمَسْحِ (٥). * واختلفوا في دُخولِ الكَعْبينِ، كَما اختلَفوا في دُخول المِرْفَقَيْنِ. * واختلفوا أيضًا في المُرادِ بالكَعْبَيْنِ. فقال الجُمهورُ من أهلِ العلمِ: هما العَظْمان النَّاشِزانِ عندَ مفصِلِ الساقِ والقَدَمِ (٦).

стр. 1029

وقال محمدُ بنُ الحَسَنِ وبعضُ أصحابِ الحديثِ: هما العَظْمانِ النّاتِئانِ في ظَهْرِ القدمِ (١). والدليلُ للجُمهورِ ما رواه البخاريُّ عن محمدِ بنِ زيادٍ قال: سمعتُ أبا هريرةَ، وكان يَمُرُّ بنا والناسُ يتوضَّؤون من المطْهَرَةِ، فقال: أَسْبغوا الوُضوءَ؛ فإن أبا القاسِم ﷺ قال: "وَيْلٌ للأَعْقابِ منَ النارِ" (٢). * وكذلكَ اختلفوا في الترتيبِ لهذهِ الأفعالِ. فذهبَ الجُمهور من الصحابةِ والتابعين إلى أنه ليسَ بواجبٍ، وبه قالَ مالكٌ، وأبو حنيفة (٣)، وداودُ (٤)، والمُزنيُّ (٥)؛ لأن الواو لا تَقْتَضي تَرْتيبًا، ولا نَسَقًا، وإنما تقتَضي مُطْلَقَ الجَمْعِ. وذهبَ الشافعيُّ، وأحمدُ (٦)، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ إلى وجوبِ الترتيبِ (٧).

стр. 1030

ويدلُّ لهم أن الفاءَ تقتضي الترتيبَ، وقد عُلِّقَتْ طَهارةُ الوجهِ بالقيام، فدلَّ على أنه لا يجوزُ أن يتقدمَ غيرُهُ عليه، ولأنَّ اللهَ سبحانه قطعَ النظيرَ عن النظيرِ، فأدخلَ مَمْسوحًا بينَ مغسولَيْنِ، وقَدَّمَ القريبَ على ما هو أقربُ منه، فقدَّمَ اليَدَيْنِ على الرأسِ، وهو محلُّ الوَجْهِ، فدلَّتْ هذه المقاصِدُ والأَماراتُ على وجوبِ الترتيبِ. وقولُ الأولينَ: إن الواوَ لا تقتضي نَسَقًا ولا تَرْتيبًا غيرُ مُسَلَّمٍ (١)، بلْ نُحاةُ الكوفةِ قائلونَ باقْتِضائِها الترتيبَ (٢)، ولم يُنْقَلْ إلينا أن النبيَّ ﷺ تركَ الترتيبَ في وضوئه، بل تَوَضَأَ مُرَتبًا، وقالَ: "هذا وُضوءٌ لا يقبلُ اللهُ الصلاةَ إلا بهِ" (٣). وأحسنُ عندي من ذلكَ كلِّه في الاستِدْلالِ ما استدلَّ بهِ الشافعيُّ في الكتابِ القديمِ من قولهِ ﷺ في الصَّفا: "نَبْدَأُ بما بَدَأَ اللهُ بهِ" (٤)، فجعلَ بِدايةَ اللهِ سُبْحانهُ سَبَبًا للتقديم (٥). * إذا تقرَّرَ هذا، فقد روى غير واحدِ من الصحابةِ عن النبيِّ ﷺ :

стр. 1031

أنّهُ مَسَحَ على الخُفَّيْنِ (١). قال الحسنُ البصريُّ -رضي الله تعالى عنه-: حَدَّثنَي سبعونَ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ : أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يمسحُ على الخُفَّيْنِ (٢). فيحتملُ أن يكونَ هذا قبلَ نُزولِ هذهِ الآيةِ، فيكونَ منسوخًا؛ كما رُوي عن عليٍّ وابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-: سبقَ الكتابُ المَسْحَ على الخُفَّيْنِ (٣). ويحتملُ أن يكونَ بعدَ نزولِ هذه الآيةِ، فيكونَ: إمّا ناسِخًا لهذه الآية عندَ من يَجَوِّزُ النَّسْخَ للكتابِ بالسُّنَّةِ، وإما مُبيِّنًا لها أنَّ المرادَ بها غيرُ لابِسِ الخُفِّ، ولأجلِ هذا توقَّفَ قومٌ، وشَكُّوا في جوازه. وذهب ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُما- إلى أنه كانَ قبلَ نُزولِ المائدةِ، وقالَ: واللهِ مَّاَ مَسَحَ رسولُ الله ﷺ بعدَ المائدةِ (٤). ويروى مَنْعُ المَسْحِ عن عائِشَةَ، وعليٍّ، وابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهم (٥) -.

стр. 1032

واستقرَّ على هذا مذهبُ الشيعةِ (١)، وهو روايةٌ عن مالِكٍ (٢)، وأنكرها أصحابُه، وبعضُهم تأَوَّلَها على أنه كانَ يُؤثرُ الوُضوء على المَسْحِ. وذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ وعامَّتُهم منَ الصحابةِ والتابِعينَ إلى جوازِه (٣)، وتمسَّكوا بروايةِ جَريرِ بنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ له عن النبيِّ ﷺ ، وكان يعجبُهم حديثُه؛ لأنَّ إسلامَهُ بعدَ نزولِ المائدةِ في شهرِ رمضانَ سنةَ عَشْرٍ، وفي بعضِ رواياتِه التصريحُ بأنه رأى النبيَّ ﷺ يمسحُ على الخُفَّينِ بعدَ نُزولِ المائدةِ (٤). روى البَيْهَقِيُّ في "سُنَنِهِ" عن إبراهيمَ بنِ داودَ -رضيَ الله تعالى عنه-: أنه قالَ: ما سمعتُ في المسحِ على الخُفيْنِ أَحْسَنَ من حديثِ جريرٍ (٥) -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-. وأما ما رُوي عنِ ابنِ عباسٍ من الإنكارِ، فإنه كانَ قبلَ أن يعلمَ ثبُوتَ المَسْحِ عن رسولِ الله ﷺ ، فلما ثبتَ عندَهُ، قال به. قال أبو بكرِ بنُ المُنْذِرِ: وروي عن موسى بن سَلَمَةَ بإسنادٍ صحيح: أنه (٦) رخص فيه (٧).

стр. 1033

وأما عائشةُ، فإنها أحالَتْ على عَلِيٍّ، فقالت للسائِلِ: ائْتِ عَلِيًّا؛ فإنه أعلمُ بذلكَ مني، فأتيتُ عَليًّا وسألتهُ عن المسحِ على الخفين، فقال: كانَ رسولُ الله ﷺ يأمرُنا أن نمسحَ على الخُفَّينِ يومًا وليلةً، وللمسافرِ ثلاثة أيامٍ، خرجه مسلم (١). وما رُويَ من قولِ عليٍّ: سبقَ الكتابُ المَسْحَ على الخُفَّين، قال ابنُ المنذر: فليسَ لهُ إسنادٌ موصولٌ صحيحٌ تقومُ به حُجَّةٌ (٢). * ولما أحكمَ اللهُ سبحانَه فرضَ الوضوء، بيَّنَ لنا فَريضةَ الغُسْلِ، فقالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]، وقال في موضعٍ آخَرَ: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]. * والتطهُّرُ والاغتسالُ يَقَعُ في اللسانِ على إفاضةِ الماءِ على البَدَنِ، معَ إِمرارِ اليدِ، وبدون إِمرارها؛ كما هو مذهبُ الجُمهور (٣). وأوجبَ مالكٌ (٤) والمُزنيُّ (٥) إمرارَ اليَد. * وبين النبيُّ ﷺ ما فرضَهُ اللهُ سبحانَهُ بقولِه وفعلِهِ. روينا في "صحيح البُخاريِّ" و"مُسْلِمٍ" عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا اغْتَسَلَ من الجَنَابَةِ، غسلَ وجهَهُ ويَدَيْه، ثم توضَّأ وضُوءَهُ للصلاة، ثم اغتسل، ثم يُخَلِّلُ بيديه شَعْرَهُ، حتى إذا ظَنَّ أنه

стр. 1034

قَدْ أروى بَشَرَتَهُ، أفاضَ عليهِ الماءَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثم غسلَ سائرَ جسده (١). وقال ﷺ لأمِّ سَلَمَةَ لَمّا قالَتْ: يا رسولَ الله! إني امرأةٌ أَشدُّ ضَفْرَ رَأْسي، أَفَأَنْقُضُهُ لغسلِ الجنابة؟ فقال: "لا، وإنَّما يكفيكِ أن تَحْثي على رأسِكِ الماءَ ثلاثَ حَثَياتٍ، ثم تُفيضي عليكِ الماءَ، فإذا أنتِ قَدْ طَهُرْتِ" (٢). وليسَ بينَ الحديثينِ اختلافٌ، فحديثُ عائشةَ في بيانِ الأفضلِ، وحديثُ أمِّ سلمةَ في بيانِ الواجبِ. وقد تقدَّمَ الكلامُ على الجَنابَةِ وحَدِّ المرضِ والسَّفَر، وبيانِ المُلامَسَةِ، وبيانِ الصَّعيدِ، وغيرِ ذلكَ من المباحِثِ النفيسةِ في "سورةِ النساء". * وبيَّنَ اللهُ سُبْحانه هُنا، وفي "سور النِّساءِ" صِفَةَ التيمُّمِ فقال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. * وقد قدمتُ قريبًا بيانَ الوَجْهِ، وأنه مشتقٌّ من المُواجَهَةِ. * وأما اليدُ فتقعُ لغةً على الكَفِّ معَ الساعدِ، وتقعُ عليهما مع العَضُدِ. ولأجلِ هذا الاشتراكِ وقعَ الاختلافُ بينَ أهلِ العلم. فحملَ كثيرٌ منهمْ مُطْلَقَ اليَدِ على المُقَيَّدِ في الوضوء. واستدلُّوا بحديثِ ابنِ الصِّمَّةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: مررتُ بالنبيِّ ﷺ وهو يبولُ، فمسح بجدارٍ، ثم يَمَّمَ وجْهَهُ وذِراعيه (٣).

стр. 1035

وبما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه-: أن النبيَّ ﷺ قال: "التيمُّمُ ضَرْبتان: ضَرْبةٌ للوجهِ، وضربةٌ لليدينِ إلى المرفقين" (١). وبهذا قال عليٌّ وابنُ عمرَ (٢)، ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو حنيفةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٣) -. وحملَهُ قومٌ على الكفينِ. واستدلوا بما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن عمارِ بنِ ياسرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أنه قال: بعثني رسولُ الله ﷺ في حاجَةٍ، فأَجْنَبْتُ، فلمْ: أجدِ الماءَ، فَتَمَرَّغْتُ في الصَّعيدِ كما تَمَرَّغُ الدابَّةُ، ثم أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فذكرتُ ذلكَ له، فقال: "إنما يكفيكَ أن تقولَ بيديكَ هكذا" ثم ضربَ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثم مسحَ الشِّمالَ على اليمينِ، وظاهرَ كَفَّيْهِ ووَجْهَهُ (٤). وبهذا قالَ الأوزاعيُّ، وأحمدُ، وإِسْحاقُ، وعامَّةُ أصحابِ الحديثِ (٥). فيحتمل أنهم رَجَّحوا حديثَ عَمَّارٍ؛ لصِحَّته، وأنهم حَملوا غيرَه على الاستحباب، والآخرونَ إنما قَدَّموا حديَث ابنِ الصِّمَّةِ على حديثِ عَمّارِ؛ لاتفاقِهِ، واختلافِ حديثِ عمارٍ. فروى الزهريُّ عن عُبيدِ الله بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ عن أبيهِ: أن عَمّارَ بنَ

стр. 1036

ياسرٍ قال: تيمَّمْنا معَ رسولِ الله ﷺ إلى المناكِبِ (١). وروى الزهريُّ أيضًا عن عُبيد اللهِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عُتبةَ عنْ أبيه: أن عمارَ بنَ ياسرٍ قال: كنا معَ رسولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فنزلتْ آيةُ التيمم (٢)، فتيممنا مع رسولِ الله ﷺ إلى المناكِب (٣). فهذا تصريحٌ بان هذا أولُ تَيمُّمٍ كان حينَ نزلتْ آيةُ التيمم. فلا تخلو روايتُه التي قَدَّمناها: إمّا أن تكونَ ناسِخَةً لهذه؛ لخلوِّها عن (٤) هذا التاريخ بالأولية، أو تكونَ مخالفةً لها من غير نسخ، فالأخذُ بمَنْ لم تختلفْ روايتُه أولى ممَّنِ اختلفَتْ روايتُه، ولأنُه أشبهُ بالقرآن من روايتي عمار، وأشبهُ بالقياس؛ لأن التيمُّمَ بَدَلٌ من الوُضوء، وينبغي أن يكونَ البَدَلُ مِثْلَ المُبْدَلِ منه. ويظهرُ لي بَحْثٌ في الجَمْعِ بينَ حديثِ عَمَّارٍ وغيرِه من الأحاديثِ، وبينَ رواياتِ عمارٍ أيضًا، وهو أن النبيَّ ﷺ قصدَ أن يردَّ على عَمَّارٍ فِعْلَهُ، ويبينَ له غلطَهُ، حيثُ عَمَّ بدنه بالتمرُّغِ، وتركَ الضربَ باليدينِ والمسحِ بهما، فبينَ له كيفيةَ العملِ، وأنه لا بدَّ من الضربِ باليدينِ، ولم يردْ بيان مقدارِ الواجب، فقال لهُ: "وأما أنت يا عَمَّارُ فلمْ يكُنْ ينبغي لكَ أن تَتَمَعَّكَ كما

стр. 1037

تَتَمَعَّكُ الدابَّةُ، إنَّما كان يُجزيك" وضربَ رسولُ الله ﷺ بيدِه إلى الأرضِ إلى الترابِ، ثم قال هكذا، فنفخَ فيها، ومسحَ وجهَه ويديه إلى المفْصِلِ (١). وفي لفظٍ آخرَ: "إنما يكفيكَ أن تقولَ بيديكَ هكذا" (٢)، ثم ضربَ الأرضَ، ولو كانَ مقصودُه بيانَ مقدارِ الواجبِ دونَ كَيْفِيَّتِهِ لقالَ له: إنه كانَ يكفيكَ هذا. فإن قلتَ: فقد وردَ في بعضِ ألفاظِه: قال عمارٌ لعمرَ: تَمَعَّكْتُ، فأتيتُ النبي ﷺ ، فقالَ: "يكفيكَ الوجه والكفين" (٣). قلنا: يحتملُ أن عمارًا قصدَ الاحتجاجَ على عمرَ لمّا منعَ التيمُّمَ عنِ الجَنابة، فروى عنِ النبي ﷺ جوازَ التيمُّم عن الجنابةِ، فنقلَ بالمعنى أصلَ الجَواز، ولم يقصِدْ بيانَ الكيفية، فاختصرَ في الكلامِ، وحذفَ لَفْظَةَ "إنما"؛ كما اختصرَ أبو موسى في بعضِ طرقِ هذا الحديث؛ حَيْثُ قصدَ الردَّ والاحتجاجَ على عبدِ الله لما قالَ بما قالَ عمرُ. روى شقيقُ بنُ سَلَمَةَ قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ وأبي موسى، فقال أبو موسى: أرأيتَ يا أبا عبدِ الرحمن إذا أجنبْتَ فلم تجدْ ماءً، كيفَ تصنعُ؟ فقالَ عبدُ اللهِ: لا (٤) نصلِّي حتى نجدَ الماءَ، فقال أبو موسى: فكيفَ تصنعُ

стр. 1038

بقولِ عَمَّارٍ حينَ قالَ النبيُّ ﷺ : "كان يكفيك" (١)، فاختصر، فدلَّ على أنهم لم يُريدوا حقيقةَ سِياقِ لفظِ النبيِّ ﷺ . ويحتملُ أن عَمَّارًا عَبَّرَ بالكَفَّينِ، وأراد بهما اليدين تَجَوُّزًا؛ بدليلِ ما رُوي في بعضِ طرقِ حديثِ عَمار "وأن تمسح بيدكَ إلى المِرْفقين" (٢). فإن قلتَ: فقولُه: "ثم مسحَ الشِّمالَ على اليمين، وظاهرَ كَفيهِ ووجهَه"، يدلُّ على أنه قصدَ أن يبينَ له مقدارَ الواجبِ في التيمُّم. قلنا: مسحه بالشِّمال على اليمين يحملُ على طلب (٣) تَخفيفِ الغُبار؛ كما وردَ في بعضِ ألفاظه: "ثم نَفَضَها" (٤)، ثم بيَنَ لهُ مسحَ الوجهِ، وسكتَ عن اليدينِ، والسكوتُ يحتملُ أن يكونَ من عمارٍ، بدليلِ ما وردَ في بعضِ طرقِه: "وأن تَمْسَحَ بيديكَ إلى المِرْفَقَيْنِ"، والقضيةُ واحدةٌ. ولو حملنا بيانه ﷺ على بيانِ مقدارِ الواجبِ في التيمُّم، لكان مقدِّمًا لفرضِ اليدِ على الوجهِ في التيمُّم؛ بدليل ما ورد في بعض رواياته: "ثم مسحَ وجهه" (٥)، بلفظةِ (ثم) الموجبةِ للترتيب، ولم يردْ عن النبيِّ ﷺ تقديمُ اليدين على الوَجْهِ في وضوءٍ ولا تيمُّمٍ، لا قولًا ولا فعلًا.

стр. 1039

وهذا البحثُ يرفعُ الاختلافَ بين الأحاديثِ من طرقٍ كثيرة: أحدها: في مقدار الواجبِ، فيكونُ الواجبُ مسحَ الوجهِ والذراعين. ثانيها: في كيفيةِ المسحِ، ففي حديثِ عَمّارٍ ضربةٌ واحدةٌ، وفي غيره من الأحاديث الأمرُ بالضربتين، فيكون الواجبُ ضربتين، كما هو قول الجمهور. وثالثها: بطلانُ ترتيبِ الوجهِ على اليدين. ورابعها: الجمعُ بين روايتيه، فيكونُ مرةً ذكرَ الحديثَ مستوفًى، ومرةً ذكرَ بعضَه مختصرًا، فيزولُ بذلك الاختلافُ في روايته. وأما روايةُ المناكِب فتحمَلُ على أنهم فَعلوا ذلكَ طَلَبًا لإطالَةِ الغُرَّةِ كما يَفْعلون في الوُضوء، وأقرَّهُمْ عليه رسولُ الله ﷺ ، وإطالة الغرة مستحَبٌّ في التيمُّمِ على الأَصَحِّ عندَ الشافعية. فَلْيُنْظَرْ في هذا، فإن كانَ حَسنًا، فمنَ اللهِ، وله الحمدُ، وإن كان خَطَأً، فمنِّي، وأنا أستغفرُ اللهَ الكريمَ. وحُكيَ عن الزُّهْرِيِّ ومحمدِ بنِ سلمة (١): أنهما أوجبا التيمُّمَ إلى المَنْكِبين؛ لما قدمتهُ من حديثِ عمار. * إذا تمَّ هذا، فإن الباء في قولِه: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] يجوزُ أن تكون للإلْصاقِ، أو للاعتِمادِ، أو للزيادَةِ والتوكيدِ؛ كما قدمتُ ذلكَ آنفًا، ولا يجوزُ أن تكونَ للتبعيضِ، وهذا مِمَّا يدلُّ لِمَنْ منعَ التبعيضَ في مَسْحِ الرأسِ، وأوجبَ تعميمَه بالمَسْحِ.

стр. 1040

* وفي الآيةِ دليل على أن الجُنُبَ يجوزُ له أن يتيمَّمَ (١). وعلى هذا استَقَّر الأمرُ بعدَ الخِلافِ في الصَّدْرِ الأَوَّلِ، فكان عمرُ وعبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ لا يجوزان التيمُّمَ للجُنُب (٢). روى البخاريُّ عن شَقيقِ بنِ سَلَمَةَ قال: كنتُ عندَ عبدِ اللهِ وأبي موسى، فقال له أبو موسى: أرأيتَ يا أبا عبد الرحمن إذا أجنَبَ فلم يجْد ماءً كيفَ يصنع؟ فقال عبدُ الله (٣): لا يصلي حتى يجدَ الماءَ، فقال أبو موسى: فكيف تصنعُ بقولِ عَمَّارٍ حينَ قال النبيُّ ﷺ : "كان يكفيك"؟ قال: ألم ترَ إلى عمرَ لم يقنعْ بذلكَ منه؟ فقال أبو موسى: فدعنا من قولِ عَمّارٍ، كيف تصنع بهذه الآية؟ فما دَرى عبدُ الله ما يقولُ، فقال: إنا لو رَخَّصْنا لهم في هذا، لأوشكَ إذا بردَ على أحدِهِمُ الماءُ أن يَدَعَهُ ويتيمَّمَ، فقلتُ لشقيقٍ: إنما كرهَ عبدُ الله لهذا؟ فقال: نعم (٤). وقيل: إن عمرَ وابن مسعود رَجَعا عن ذلك (٥)، والله أعلم. * وكنت قَدَّمْتُ أولاً أنَّ مفهوم قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لا يوجبُ تكَرار الوضوءِ لكلِّ صلاةٍ (٦)، خلافاً

стр. 1041

لابنِ سيرين (١)؛ لأجلِ فعلِ النبيِّ ﷺ بالوضوءِ الواحد (٢)، فهل يقتضي بمفهومه أنه يجبُ طلبُ الماءِ والتيمُّمُ لكلِّ صلاةٍ عندَ القيامِ، أو لا يجب كالوضوء (٣)؟ فباقتضاء المفهومِ قالَ الشافعيُّ ومالِكٌ (٤)، فأوجبا الطَّلَبَ والتيمُّمَ لكلِّ فريضةٍ. وبتركِ المفهومِ قال أبو حنيفةَ، فلم يوجبْ ذلك (٥). * فإن قلتَ: فهل يدلُّ هذا المفهومُ عندَ مَنْ قالَ به على أنه لا يجوزُ فِعْلُ التيمُّمِ قبلَ دخولِ الوقت؟ قلتُ: يجوزُ أن يُقال: لا يَدُلُّ؛ لأن المُعَلَّقَ بالشَّرْطِ إنَّما هو الوجوبُ، والوجوبُ في وقتٍ لا يمنعُ الجَوازَ في غيرهِ. ويجوزُ أن يقال: فيه دلالةٌ على التقييدِ بالوقتِ وجُوباً وجوازاً؛ فإنه عبادةٌ، وقد وردَ توقيتُ وجوبِها بوقتِ الصلاةِ، فلا يجوزُ في غيرهِ؛ كسائرِ

стр. 1042

العبادات، وإنما خرج الوضوءُ بفعلِ النبيِّ ﷺ الصَّلَواتِ بوضوءٍ واحد، أو لأنه طهارةٌ لا عبادةٌ كما ذهبَ إليه أبو حنيفةَ والثوريُّ، ولهذا لم يوجبا النِّيَّةَ في الوضوء، وأوجباها في التيمُّم؛ لأنه عبادة (١). وأما أبو حنيفةَ، فعلى أصلهِ في هذهِ المسألة منْ بُطلانِ المفهومِ، وأنه يجوزُ التيمُّمُ قبلَ دخولِ الوقتِ؛ كالوضوء.

стр. 1043

(من أحكام الحدود) (الحرابة) ١١٠ - (٧) قوله : ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]. * اتفقَ العلماءُ على أن حكمَ هذهِ الآيةِ واقعٌ على المحارِبين منَ المسلمين، وإن اختلفوا في سببِ نُزولِها. وبيانُها يَتَّضِحُ بذكرِ ثلاثةَ أقسام: القسم الأول: في حَدِّ المحاربة. وقد اتفقوا على أنها إشهارُ السلاحِ وقطعُ السبيلِ خارجَ المِصْرِ، وهذا هو الواقعُ على المحارَبَةِ في العُرْفِ (١). واختلفوا في مسائلَ وراءَ هذا: منها: إذا فعلَ المحارِبُ ذلكَ في المِصْر:

стр. 1044

فقال أبو حنيفة (١)، وعَطاءٌ، والثوريُّ (٢): لا تتعلقُ به هذه الأحكامُ، إلا إذا كان بالبريَّة (٣). وسَوّى مالِكٌ وأكثرُ الحنابِلَةِ بينَ المِصْرِ وغيرهِ (٤)، ووافقه الشافعيُّ على ذلكَ، وخالفَهُ في اشتراطِ الشَّوْكَةِ. فاشترط الشافعيُّ الشَّوْكَةَ والقَهْر في مَحَلٍّ ينقطعُ فيه الغوثُ، فإن تصورَ ذلكَ في المِصْرِ، كان فاعلُه محارِباً (٥). ولم يشترطْهُ مالِكٌ، فلو دخلَ إنسانٌ برجلٍ أو صبيٍّ موضِعاً، وأخذَ ما معه، كان محارباً، حتى جعل أصحابهُ من يسقي الناسَ المُسْكِرَ ليأخذَ ما معهُم محارباً (٦). ومنها: اشتراطُ السلاحِ: فاشترطه أبو حنيفة (٧)، ولم يشترطْه مالِكٌ والشافعيُّ (٨). فلو خرجَ بالعَصا، أو بالحِجارة، أو باليدِ، كان محارِباً؛ كما يكون

стр. 1045

الكافرُ إذا حارب بهِ حربياً، والمسلمُ مجاهداً، وهذا القولُ متعيِّنٌ، والله أعلم. القسم الثاني: في جزاء هذه الجناية. وقد حَصَرَ (١) اللهُ سبحانه جزاءها في أربعة أنواع، ونَسَّقَها بلفظ (أو) الموضوعة للتخييرِ حقيقةً، وللتنويعِ مَجازاً. فمن أهلِ العلمِ من حَمَلَها على موضوعِها الحقيقيِّ، فقال: الإمامُ مُخَيَّرٌ في قتلهِ أوصلبهِ [أو نفيه] أو قطعِه من خِلافٍ. ويروى عن الحسنِ، وإبراهيمَ، وابنِ المسيِّبِ، والضَّحَّاك، وعَطاءٍ، ومُجاهِدٍ (٢). ورواه الوالِبِيُّ عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما (٣) -. وبه قالَ مالكٌ وأبو ثَوْرٍ (٤). ومعنى التخييرِ عندَه: أن الأمرَ في ذلكَ منوطٌ باجتهادِ الإمامِ، فإن كانَ المحارِبُ من ذوي الرأي والتدبيرِ، فوجهُ الاجتهادِ قتلُه وصلُبه؛ لأن القطعَ

стр. 1046

لا يرفَعُ ضررَهُ، وإن كان من ذوي البَطْشِ دونَ الرأيِ، قَطَعَهُ من خلافٍ، وإن خَلا منَ الصفتين أخذَ بالضربِ والنفي. ومنهم: من جعلهَا للتنويعِ بِحَسَبِ أنواعِ الجرائمِ. فقال ابنُ عباسٍ: إذا قتلوا وأخذوا المالَ، قُتلوا وصُلِبوا، وإذا قَتَلوا ولم يأخذوا المالَ، قُتِلوا ولمْ يُصْلَبوا، وإذا أخذوا المالَ ولم يَقْتُلوا، قُطِعَتْ أيديهم وأرجلُهم من خلافٍ، ونفيُهم إذا هربوا أن يُطْلَبوا حتى يوجَدوا، فيقامَ عليهم الحَدُّ (١). وبه قال الحسنُ، وقتَادةُ، والأوزاعيُّ، وابنُ جُبَيْرٍ (٢). وبه أخذَ الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإن اختلفوا في التنويع (٣). ولكنَّ الشافعيَّ تبعَ تفسيرَ ابنِ عباسٍ، وخَرَّجَهُ في "مُسندِه" (٤) وله من الدليل قوله ﷺ : "لا يحلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلاّ بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعدَ إيمانٍ، أو زِنًى بعدَ إِحْصانٍ، أو قَتْلُ نَفْسٍ بغير حَقٍّ" (٥)، ولأن هذا أشبهُ باعتبارِ الشرعِ في العُقوبات. * واختلفوا في وقت الصَّلْبِ ومِقْدارهِ. فقال الشافعيُّ: وقتُه بعد القتلِ، ومقداره ثلاثةُ أيام، إلا أن يُخافَ عليه

стр. 1047

التغييرُ؛ لأن الله سبحانهَ بدأ بالقَتْلِ (١). وقال قومٌ: إنه يصلب حتى يموتَ جوعاً، وبه قالَ بعض (٢) الشافعيَّةُ (٣). وقال أبو يوسُفَ: يُصْلَبُ حَيًّا ثلاثةَ أيامٍ، فإن ماتَ، وإلا قُتِلَ (٤)، وحكى ابنُ القاصِّ هذا عن الشافعيِّ أيضاً، وأنكره سائِرُ الشافعيةِ، بل قال الشافعيُّ: أكرهُ أن يُقْتَلَ مَصْلوباً؛ لنهيِ رسولِ الله ﷺ عن المُثْلَةِ (٥) (٦) (٧). * وصفةُ قطعِ الأيدي والأرجُلِ من خِلافٍ: أن تُقطعَ يدُه اليُمنى من الكُوع، وتقطَعَ رجلُه اليسرى من مَفْصِلِ القَدَمِ، ثم إن عادَ قُطعت يدُه اليسرى ورجلُه اليُمنى (٨).

стр. 1048

* واختلفوا في صفةِ النَّفْيِ من الأرضِ. فقال أبو حنيفةَ وأهلُ الكوفة: هو السجنُ، لأنه إذا حُبِسَ فقدْ نُفِيَ عن التَّقّلُّبِ في الأرضِ (١)، ويروى عن مالكٍ (٢)، والشافعي (٣). وقال آخرون: هو أن يُنْفى من بلدٍ إلى بلدٍ، فيحبسَ في البلدِ الثاني إلى أن تظهرَ توبتُه، ويكون بينَ البلدينِ أقل مسافَةِ القَصْرِ. ويروى عن مالِكٍ (٤)، وخصَّ بالأرضِ مكانَ الجِناية، واستحسَنَهُ ابنُ سُرَيْجٍ من الشافعيةِ (٥). وقيل: يُطلبون بالحَدِّ أبداً، فيهربون، وأما أنه يُنْفى بعدَ أن يُقْدَر عليه، فلا، قاله ابنُ عباسٍ، وأَنَسٌ (٦)، والزُّهْرِيّ، وقَتادَةُ (٧)، ومالِكٌ (٨).

стр. 1049

وقال قومٌ: ينفى إلى بلدِ الشرك، قاله أنسٌ والزهريُّ (١): هكذا نُقِلَت هذه الأقاويلُ. ويظهر لي عدمُ الاختلافِ فيها، وأنها راجعةٌ إلى الاختلاف في التخيير والتنويع. فمن قال: يُسْجَنُ إذا أخاف السبيلَ، ولم يأخذْ مالاً ولا نفساً، وهو أبو حنيفة والشافعي، أرادَ (٢) إذا قُدِرَ عليهِ. ومن اختارَ حَبْسَهُ في بلدٍ آخرَ، فإنما اختارَه لكونه أبلغَ في الزَّجْر والإيحاش، وليقطع عليه اسمُ النفي، وليس هو في الحقيقِة مُخالفاً للأولِ؛ لأنه ما عُوقِبَ إلا بالحَبْسِ حَتّى تظهرَ توبتُه. ومن قال: يطلَبُ بالحَدِّ أبداً، فمراده: إذا وجَب عليهمُ الحَدُّ، ولم يُقْدَرْ عليهم، فإنَّ الإمَام يطلُبُهم أبداً لإقامةِ فرضِ الله سبحانه الذي بهِ صلاحُ البلادِ والعِباد، وهو في الحقيقةِ طلبُ الجزاءِ, لا حقيقةُ الجزاءِ. ومن قال: ينفى إلى بلدِ الشِّرْكِ، فمراده: إذا وجبَ عليه الحَدُّ، ولم يُقْدَرْ عليه، فلا يجوزُ للإمام أن يُقِرَّهُ في البلاد التي في طاعَتِه - وهي بلادُ الإسلامِ - من غيرِ إقامةِ حَدٍّ، فيجبُ عليهَ طلبُهُ، ولو تعزَّزَ في الجبالِ، واحتاجَ تجهيزَ جيوشٍ كثيرةٍ، فإما أن يُظفر به في أطرافِ بلادِ الإسلامِ، أو لا يُقْدَرَ عليهِ لخروجهِ عن مَحَلِّ وِلايةِ الإمامِ التي هيَ دارُ الإسلام، وإذا خرج منها، دخلَ دارَ الشركِ، وقد ﵀ سبحانه، وجعلَ له مَخْلَصاً من هذه العُقوبةِ بالتوبةِ، ومن دخُولِ دارِ الشرك، ولا يظنّ به أنه يأمرُ بإدخالِ

стр. 1050

مسلمٍ داراً أوجبَ اللهُ على المسلم الخُروجَ منها، ولأنه ربَّما فتنَهُ المشركون عن دينه، وأوقعناه في مَفْسَدَةٍ أكبرَ من الأولى. * إذا علمتَ هذا، ففي الآيةِ إشارةٌ إلى أن هذا الجزاءَ حَدٌّ خالِصٌ للهِ تعالى عقوبةً لهم لأجلِ محاربةِ الله تعالى، والفساد في أرضه، وهو متفق عليه. ويؤخَذُ منه أن المحارِبَ إذا قَتَل، وعفا عنه وليُّ الدم أنه لا يفيده العفو، وأنه إذا قَتَلَ مَنْ ليسَ كُفُؤاً له، أنه يُقْتلُ، وهو كذلك، وللشافعيِّ قولٌ ضعيفٌ أنه يفيدُهُ العفوُ، وأنه لا يُقْتلُ بغيرِ المُكافِئ. * ويؤخذ منه أيضاً أنه يُقْطَعُ إذا أخذَ المالَ، وإن كانَ دونَ نِصابِ السرقةِ، وبهذا قال مالِكٌ (١). وذهب الشافعيُّ إلى تحديده بالنِّصاب؛ قياساً على السرقة (٢). وليسَ هذا القياسُ بِمَرْضِيٍّ لفسادِ اعتبارِه، فإنَّ أمرَ المُحارَبَةِ أَغْلَظُ من السرقةِ، فلا يقاسُ المُغَلَّظُ على المُخَفَّفِ، كيفَ والحدودُ لا قياسِ فيها؟ ولأنه لم يُنقلْ في المالِ تحديدٌ من السُّنَةِ كما نُقِلَ في السرقة، ولا يَخْفى مثلُ هذا على أبي عبدِ الله، لكنَّهُ لما تردَّدَ عندَهُ القَتْلُ والقَطْعُ بينَ القِصاص والحَدِّ، جعلَهُ قِصاصاً في أحد القَوْلَيْن، ولم يجعلْه حَدًّا؛ لاعتبارِ الشارعِ (٣) بِدَرْءِ الحُدودِ وإسقاطِها، ولأجلِ هذا المدرَكِ اعتبرَ النِّصابَ احْتِيَاطاً لحدودِ الله، والله أعلم.

стр. 1051

القسم الثالث: في التوبةِ من هذهِ الجنايةِ. وقد قالَ بقبولِ توبةِ المُحارِبِ قبلَ القُدْرَةِ عليهِ كافَّةُ أهلِ العِلْم. ثم اختلفوا في الذي تُسْقِطُهُ التوبةُ. فقال الليثُ: يسقطُ بها حقوقُ اللهِ تَعالى، وحقوقُ الآدَمِيِّينَ من مالٍ ودمٍ (١)، أما حقوقُ اللهِ تَعالى، فللآية، وأما حقوقُ الآدميين، فلِما رُويَ أن عليَّ بنْ أبي طالبٍ - كرم اللهُ وجهَهُ في الجَنَّةِ - قبلَ توبةَ حارثةَ بنِ بَدْرِ (٢) التَّميميِّ، وأَمَّنَهُ، وكتبَ له كِتاباً (٣). وقال مالِكٌ في روايةٍ نَحْوَه (٤)، إلا أنه يُؤْخَذُ في المالِ بما وجد عينهُ في يده، ولا تتبع ذِمَّتَهُ؛ لأن إقرارَهُ في يده إقرارٌ على المُنْكَرِ، وكذا يؤخذُ بالدمِ إذا قام وليُّ المقتولِ بطلب دمه، وأما إذا لم يَطْلُبْهُ أحدٌ، فلا يؤخَذُ به. وقال الشافعيُّ، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ: تسقطُ عنهُ حقوقُ اللهِ تعالى فقط، وأما حقوقُ الآدميين، فلا تسقطُ، وبه قالَ الحنفيةُ (٥).

стр. 1052

وهو أصحُّ الأقوالِ؛ لأنَّ الله لم يذكرْ إلا جزاءه، وحَظَّهُ من العقوبةِ فقط، ثم عقبه بذكرِ التوبةِ، وأما حقوقُ الآدميينَ فقد تظاهَرَتِ النُّصوصُ على أنها لا تَسْقُطُ إلا بإسقاطِ صاحبها، وليسَ في الآيةِ تَعَرُّضٌ لذكِرها. * وأطلقَ اللهُ سبحانَه التوبَةَ هنا، ولم يقيدْها كما قَيَّدَها في آيةِ السَّرِقَةِ بالإصلاح، وهي على إطلاقِها، ولا يجوز أن تُقَيَّدَ بآيةِ السرقةِ (١)؛ لاختلافِ السببين، ولوضوحِ الفرق بين الجِنايَتين. وذلك أن المحارِبَ مجاهِرٌ بفعلهِ، فإذا تابَ، فالظاهِرُ من حاله أنه لم يَتُبْ تَقِيَّةً، وإنما رجعَ عمَّا كان عليه، والسارِق مُسْتَخفٍ بفعلهِ، فإذا تابَ حُمِلَ على التَّقِيَّةِ، ولما في قَبولِ توبةِ المُحارِبِ من الصَّلاحِ وتركِ الفتنة، بخلافِ السارقِ، ولهذا لا تقبلُ توبتُه بعدَ القدرة عليه. * إذا تمَّ هذا، فقد روى الشيخان عن أَنسِ بنِ مالِكٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: قدمَ ناسٌ من عُكْلٍ او عُرَيْنَةَ، فاجْتَوَوُا المدينةَ، فأمرَ النبيَّ ﷺ لهمْ بلِقاحٍ، وأَمَرَهُم أن يشربوا من أبوالِها وألبانِها، فلما صَحُّوا، قَتَلوا راعِيَ النبيِّ ﷺ ، واستاقوا النَّعَمَ، فجاءَ الخبرُ أولَ النَّهارِ، فبعثَ في آثارِهم، فلما ارتفعَ النَّهارُ، جيءَ بهم، فَأَمر بهم (٢)، فَقُطِّعتْ أيديهم وأرجلُهم، وسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وتُرِكوا في الحَرَّةِ يَسْتَسقونَ، فلا يُسْقَوْنَ (٣).

стр. 1053

وقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ في الجَمْعِ بين الحديثِ والآية. فقال بعضُهم: إنما سَمَلَ أَعْيُنَ أولئكَ؛ لأنهم سَمَلُوا أعينَ الراعي، فاقتصَّ منهم بمثلِ ما فعلوا، وهذا ما ذكرهُ مُسْلِمٌ في "صحيحه" (١). ورويَ عن الزُّهْرِيِّ أيضاً في قِصَّةِ العُرَنِيِّيْنَ أنه ذُكِرَ أنهم قَتلوا يَساراً مولى رسولِ الله ﷺ ، ثم مَثَّلوا به (٢) (٣). وقال الليثُ وابنُ سيرين: الحديثُ منسوخ بالآية (٤). وقال ابنُ شِهابٍ أيضاً بعدَ أن ذكرَ قِصَّتَهم: وذكروا - واللهُ أعلمُ - أن رسولَ الله ﷺ نُهِىَ بعدَ ذلكَ عنِ المُثْلَةِ بالآية التي في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، والتي بعدها، ونهى عن المُثْلَةِ وقال: "لا تُمَثِّلُوا بشيءٍ" (٥).

стр. 1054

(من أحكام الحدود) (السرقة) ١١١ - (٨) قوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. أوجبَ الله سبحانه علينا في هذهِ الآية قَطْعَ يَدِ السارقِ والسارقةِ، وأطلقَ ذلكَ في جَميع الأحوالِ والصِّفاتِ. وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على وجوبِ قطعِهما، واتفقوا على تَخْصيصِ هذا الإطلاقِ والعُمومِ ببعضِ الأحوالِ، فاشترطوا أشياءَ تُعارِضُ هذا العمومَ: منها: ما إذا سرقَ ما لَهُ فيهِ شبهةٌ؛ كالغانِم إذا سرقَ من الغنيمةِ قبل القسمةِ، وكالأبِ إذا سرقَ مالَ ابنِه؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ" (١).

стр. 1055

واختلفوا في تفاصيلِ ذلك في فروعٍ كثيرةٍ يطولُ بنا ذكرُها، وليس هو من غرضنا. ومنها: اشتراطُ النِّصابِ. فلم يعتبرْهُ أهلُ الظاهِرِ، وأوجَبوا القَطْعَ في القليلِ والكَثيرِ. وبه قالَ الحسنُ البَصْرِيُّ، وابنُ بنتِ الشافعيِّ، وطائفةٌ من المتكلِّمين (١). واستدلوا بظاهرِ الآية، وربما احتجُّوا بما روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- أن النبيَّ ﷺ قال: "لعنَ اللهُ السارقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يدُه، ويسرقُ الحَبْلَ، فتقطعُ يدُه" (٢). وقال سائرُ أهلِ العلمِ بِاشتراطِ النِّصابِ (٣)، واستدلُوا بما رُويَ عن عائِشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها -: أنها قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يقطعُ يدَ السارقِ إلا في رُبع دينارٍ فصاعِداً (٤). وفي رواية: لا تقطَعُ اليدُ إلا في رُبع دينارٍ فما فوقهِ (٥).
следующие страницы →