← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

القسم الثالث: في التوبةِ من هذهِ الجنايةِ. وقد قالَ بقبولِ توبةِ المُحارِبِ قبلَ القُدْرَةِ عليهِ كافَّةُ أهلِ العِلْم. ثم اختلفوا في الذي تُسْقِطُهُ التوبةُ. فقال الليثُ: يسقطُ بها حقوقُ اللهِ تَعالى، وحقوقُ الآدَمِيِّينَ من مالٍ ودمٍ (١)، أما حقوقُ اللهِ تَعالى، فللآية، وأما حقوقُ الآدميين، فلِما رُويَ أن عليَّ بنْ أبي طالبٍ - كرم اللهُ وجهَهُ في الجَنَّةِ - قبلَ توبةَ حارثةَ بنِ بَدْرِ (٢) التَّميميِّ، وأَمَّنَهُ، وكتبَ له كِتاباً (٣). وقال مالِكٌ في روايةٍ نَحْوَه (٤)، إلا أنه يُؤْخَذُ في المالِ بما وجد عينهُ في يده، ولا تتبع ذِمَّتَهُ؛ لأن إقرارَهُ في يده إقرارٌ على المُنْكَرِ، وكذا يؤخذُ بالدمِ إذا قام وليُّ المقتولِ بطلب دمه، وأما إذا لم يَطْلُبْهُ أحدٌ، فلا يؤخَذُ به. وقال الشافعيُّ، ومالِكٌ، وأبو ثَوْرٍ، وأحمدُ: تسقطُ عنهُ حقوقُ اللهِ تعالى فقط، وأما حقوقُ الآدميين، فلا تسقطُ، وبه قالَ الحنفيةُ (٥).

стр. 1052

وهو أصحُّ الأقوالِ؛ لأنَّ الله لم يذكرْ إلا جزاءه، وحَظَّهُ من العقوبةِ فقط، ثم عقبه بذكرِ التوبةِ، وأما حقوقُ الآدميينَ فقد تظاهَرَتِ النُّصوصُ على أنها لا تَسْقُطُ إلا بإسقاطِ صاحبها، وليسَ في الآيةِ تَعَرُّضٌ لذكِرها. * وأطلقَ اللهُ سبحانَه التوبَةَ هنا، ولم يقيدْها كما قَيَّدَها في آيةِ السَّرِقَةِ بالإصلاح، وهي على إطلاقِها، ولا يجوز أن تُقَيَّدَ بآيةِ السرقةِ (١)؛ لاختلافِ السببين، ولوضوحِ الفرق بين الجِنايَتين. وذلك أن المحارِبَ مجاهِرٌ بفعلهِ، فإذا تابَ، فالظاهِرُ من حاله أنه لم يَتُبْ تَقِيَّةً، وإنما رجعَ عمَّا كان عليه، والسارِق مُسْتَخفٍ بفعلهِ، فإذا تابَ حُمِلَ على التَّقِيَّةِ، ولما في قَبولِ توبةِ المُحارِبِ من الصَّلاحِ وتركِ الفتنة، بخلافِ السارقِ، ولهذا لا تقبلُ توبتُه بعدَ القدرة عليه. * إذا تمَّ هذا، فقد روى الشيخان عن أَنسِ بنِ مالِكٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: قدمَ ناسٌ من عُكْلٍ او عُرَيْنَةَ، فاجْتَوَوُا المدينةَ، فأمرَ النبيَّ ﷺ لهمْ بلِقاحٍ، وأَمَرَهُم أن يشربوا من أبوالِها وألبانِها، فلما صَحُّوا، قَتَلوا راعِيَ النبيِّ ﷺ ، واستاقوا النَّعَمَ، فجاءَ الخبرُ أولَ النَّهارِ، فبعثَ في آثارِهم، فلما ارتفعَ النَّهارُ، جيءَ بهم، فَأَمر بهم (٢)، فَقُطِّعتْ أيديهم وأرجلُهم، وسُمِلَتْ أَعْيُنُهُمْ، وتُرِكوا في الحَرَّةِ يَسْتَسقونَ، فلا يُسْقَوْنَ (٣).

стр. 1053

وقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ في الجَمْعِ بين الحديثِ والآية. فقال بعضُهم: إنما سَمَلَ أَعْيُنَ أولئكَ؛ لأنهم سَمَلُوا أعينَ الراعي، فاقتصَّ منهم بمثلِ ما فعلوا، وهذا ما ذكرهُ مُسْلِمٌ في "صحيحه" (١). ورويَ عن الزُّهْرِيِّ أيضاً في قِصَّةِ العُرَنِيِّيْنَ أنه ذُكِرَ أنهم قَتلوا يَساراً مولى رسولِ الله ﷺ ، ثم مَثَّلوا به (٢) (٣). وقال الليثُ وابنُ سيرين: الحديثُ منسوخ بالآية (٤). وقال ابنُ شِهابٍ أيضاً بعدَ أن ذكرَ قِصَّتَهم: وذكروا - واللهُ أعلمُ - أن رسولَ الله ﷺ نُهِىَ بعدَ ذلكَ عنِ المُثْلَةِ بالآية التي في سورة المائدة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، والتي بعدها، ونهى عن المُثْلَةِ وقال: "لا تُمَثِّلُوا بشيءٍ" (٥).

стр. 1054

(من أحكام الحدود) (السرقة) ١١١ - (٨) قوله : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٨]. أوجبَ الله سبحانه علينا في هذهِ الآية قَطْعَ يَدِ السارقِ والسارقةِ، وأطلقَ ذلكَ في جَميع الأحوالِ والصِّفاتِ. وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على وجوبِ قطعِهما، واتفقوا على تَخْصيصِ هذا الإطلاقِ والعُمومِ ببعضِ الأحوالِ، فاشترطوا أشياءَ تُعارِضُ هذا العمومَ: منها: ما إذا سرقَ ما لَهُ فيهِ شبهةٌ؛ كالغانِم إذا سرقَ من الغنيمةِ قبل القسمةِ، وكالأبِ إذا سرقَ مالَ ابنِه؛ لما روي عنه ﷺ أنه قال: "ادرؤوا الحُدودَ بالشُّبُهاتِ" (١).

стр. 1055

واختلفوا في تفاصيلِ ذلك في فروعٍ كثيرةٍ يطولُ بنا ذكرُها، وليس هو من غرضنا. ومنها: اشتراطُ النِّصابِ. فلم يعتبرْهُ أهلُ الظاهِرِ، وأوجَبوا القَطْعَ في القليلِ والكَثيرِ. وبه قالَ الحسنُ البَصْرِيُّ، وابنُ بنتِ الشافعيِّ، وطائفةٌ من المتكلِّمين (١). واستدلوا بظاهرِ الآية، وربما احتجُّوا بما روى البخاريُّ ومسلمٌ عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه- أن النبيَّ ﷺ قال: "لعنَ اللهُ السارقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ، فَتُقْطَعُ يدُه، ويسرقُ الحَبْلَ، فتقطعُ يدُه" (٢). وقال سائرُ أهلِ العلمِ بِاشتراطِ النِّصابِ (٣)، واستدلُوا بما رُويَ عن عائِشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها -: أنها قالت: كان رسولُ اللهِ ﷺ لا يقطعُ يدَ السارقِ إلا في رُبع دينارٍ فصاعِداً (٤). وفي رواية: لا تقطَعُ اليدُ إلا في رُبع دينارٍ فما فوقهِ (٥).

стр. 1056

وفي رواية: لم تقطَعْ يدُ السارقِ في عهدِ رسولِ الله ﷺ في أقلَّ منْ ثَمَنِ المِجَنِّ (١). وقالت أيضاً: سِمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "تقطع اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعداً" (٢). وللظاهرية أن يقولوا: هذه الرواياتُ، وإن قويَ ظهورُها، فالحديثُ الأولُ الموافقُ لظاهرِ القرآنِ أقوى منها، فإنه يَحْتَمِلُ أن تكونَ قالتْ ذلكَ بالاجتهادِ في بعضِها، وبعضُها ليس فيه أكثرُ من دَلالةِ المفهومِ، وذلك لا يُقاوِمُ المَنْطوقَ. ولكنه يدلُّ للجماعةِ ما رُوي عن عمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عَنْ جَدِّهِ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تقطع يدُ السارقِ في (٣) دونِ ثمنِ المِجَنِّ" قال: وكان ثمنُ المِجَنِّ على عهدِ رسولِ الله ﷺ عشرةَ دراهِمَ (٤)، وروي في حديثِ ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- أن ثمنَ المِجَنِّ ثلاثةُ دراهمَ (٥)، فإن صَحَّ هذا، أو حديثٌ مثلُه، ففيهِ التصريحُ بالدَّلالَةِ على المَقْصودِ بالنُّطقِ والمَفهومِ، فحينئذ ينقطعُ نزاعُهم، ولا تبقى لهم حُجَّةٌ.

стр. 1057

وأما الحديثُ الذي يدلُّ لهم، فالجوابُ عنه ممكنٌ، وهو أن يقال: إن هذا اللفظ للمبالغة كما بولِغَ بالقليلِ المحدودِ عن الكثيرِ في قوله ﷺ : "من بنى لله مسجِداً، ولو مثلَ مِفْحَصِ قَطَاةٍ (١)، بنى اللهُ له بيتاً في الجنة" (٢). ثم اختلف القائلون باعتبار النِّصابِ في قدره على أقوال كثيرة، والمشهورُ منها ثلاثة أقوال. أحدها: قولُ مالِكٍ وأهلِ الحجاز (٣): أنه ثلاثةُ دراهمَ من الفضة، وربعُ دينارٍ من الذهب، أو ما يساوي ثلاثةَ دراهمَ من سائِر الأشياء، فجعلَ الدراهمَ وربعَ الدينار أصلين في أنفسِهما، وجعلَ الدراهمَ أصلاً في غيرِهما. واستدلُّوا (٤) بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها - سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "تُقْطَعُ اليدُ في ربعِ دينارٍ فصاعداً" (٥)، وبما روى ابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما -: أن النبيَّ ﷺ قطعَ في مِجَنٍّ قيمتُه ثلاثةُ دراهم (٦). القول الثاني: ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنه ربعُ دينارٍ فقط (٧)، وأنه أصلٌ

стр. 1058

للدراهِم ولسائرِ الأشياء، فلا تقطع يدُه في الثلاثَةِ الدراهمِ إلا أن تساويَ رُبْعَ دينارٍ، واعتذر عن حديثِ ابنِ عمرَ بأن صرفَ الدنانير (١) كان عندَهم يومئذٍ اثْنَي عَشَرَ دِرْهَماً، بدليلِ فعِلهم في الدِّيةِ، حيث جعلوا الديةَ من الدنانيرِ ألفَ دينارٍ، ومن الدراهِم اثْنَي عَشَرَ ألفَ درهمٍ، فالعبرةُ عندَه بربعِ الدينارِ كما وردَ في لفظِ النبي ﷺ . الثالث: قول أبي حنيفةَ و (٢) أهلِ العراق أنه عشرةُ دراهمَ (٣)، وأنها أصلٌ لسائرِ الأشياءِ، واعتمدوا على حديثِ ابنِ عمرَ المتقدِّمِ في اعتبارِ الدراهمِ، وأما المقدارُ فإنهم لما رأوا جماعةً من الصحابة كابنِ عباسٍ وغيرِه خالفوا ابنَ عمرَ في قيمةِ المِجَنِّ فقالوا: كانَ ثمنُ المِجَنِّ على عهدِ رسولِ الله ﷺ عَشَرَةَ دَراهِمَ، وجَب أَلَّا تُقْطَعَ اليدُ إلا بيقينٍ. ومنها - أعني الشروطَ المعارضَةَ للعُموم -: الحِرْزُ. فاشترطه جميعُ فقهاءِ الأمصارِ (٤)، وإنما اختلفوا في تفاصيلِ المسائلِ، وما الذي يجوز أن يكونَ حِرْزاً، وما لا يجوزُ. ولم يعتبْرهُ أهلُ الظاهرِ؛ لظاهرِ الآية (٥). والذي يظهرُ لي أن الحِرْزَ ليسَ شَرْطاً لوجوبِ القَطْعِ، وإنما هو شرطٌ

стр. 1059

في تحقيقِ السرقةِ ووقوعِ اسمِ السارقِ على من أخذَ من هذا المكان؛ فإن السرقةَ أخذُ المالِ على حينِ خُفْيَةٍ (١) منَ الأعين، مع قيامِ ملاحَظَتِها، أو ما يقومُ مقامَها من الأحرازِ الموجِبَةِ للاستِخْفاء في العادة، ومنه قولهم: فلان يسارقُ النظرَ إلى فلان، إذا راقَبَ غَفْلَتَهُ لينظر إليه، فالحِرْزُ رُكْنٌ في السرقةِ لا تتصور إلَّا به، لا شرطٌ في وجوبِ القطعِ، ولهذا لا يقال لمن خان أمانته: سارق، وإن كانَ أخذه خفيةً؛ لعدمِ الحرزِ منه، ولا يقال لمن غصب أو اختلس: سارق، وإن أخذه من الحرز؛ لعدم الاستخفاء. ويدلُّ لما قلتُه ما روى أبو الزبير، عن جابرٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: أضافَ رجلٌ رجلاً، فأنزلَهُ في مشربةٍ له، فوجدَ متاعاً له، فاختانَهُ، فأتى به أبا بكرٍ، فقال: خَلِّ عنه، فليسَ بسارقٍ، وإنما هي أمانةٌ اختانَها (٢). ولو كانَ الأمر على ما قالَ أهلُ الظاهرِ مُطْلَقاً، لوجبَ القَطْعُ على الخائِنِ، ولم يقلْ بهذا أحدٌ من أهلِ العلمِ، وإنَّما اختلفوا في فروعِ المسائل في تفاصيل الحرز. وذلك كما اختلفوا في النَّبَّاشِ. فقال مالكٌ والشافعيُّ: هو سارقٌ يجبُ عليهِ القَطْعُ (٣)؛ لوجودِ معنى السرقة، وهو أخذُ المالِ خفيةً من حِرْزٍ له في العرف والعادة. وقال أبو حنيفةَ والثوريُّ: ليسَ بسارقٍ، فلا قطعَ عليه (٤)؛ لأنه أخذَ

стр. 1060

المالَ من غيرِ حرزٍ؛ لأنه في موضعِ ليسَ فيه ساكنٌ، وإنما تكونُ السرقةُ حيثُ تتقى الأعين، ويُحفظ من الناس. وعلى نفي السرقةِ عَوَّلَ مُحَقِّقُو أصحابهِ فيما (١) وراء النهر (٢). * فإن قلت: قال الله : ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، وإنما هما يمينان. قلنا: قال الزَّجَّاجُ وأبو زكريا الفَرَّاءُ: كُلُّ مُوَحَّدٍ من خَلْقِ الإنسانِ إذا ذُكِر مضافاً إلى اثنين فصاعداً، جُمعَ، فقيل: قد هُشِمَتْ رُؤوسُهما، ومُلِئَتْ ظُهورُهما وبُطونُهما ضرباً، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤]، وقوله تعالى: ﴿مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]، وذلك لأن الإضافةَ تبينُ أنَّ المرادَ بالجَمْعِ التثنيةُ، فإذا قلتَ: اتَّسَعَتْ (٣) بطونُهما، عُلِم أَنَّ للاثنينِ بطنين، والتثنيةُ فيهما أغنتْكَ عن التثنية في بطن (٤). * وأجملَ اللهُ سبحانهَ ذِكْرَ اليدِ، وهي تقعُ على الكَفِّ وحدَهُ، وعليه معَ الساعدِ، وعليهما مع العَضُدِ، ولم يبيِّنْ أنها اليمينُ أو الشِّمالُ. فاستَدْلَلْنا على بيانِها (٥)، فوجَدْنا المُرادَ بها اليمين. روي عن أبي بكرِ وعمرَ، ولا مُخالِفَ لهما (٦).

стр. 1061

وأنَّ مَحَلَّ القَطْع مَفْصِلُ الكوع (١)؛ لما روي عن أبي بكرٍ وعمرَ أيضًا -رضي الله تعالى عنهما (٢) -. وروي عن بعضِ السلفِ أنه قال: تُقْطَعُ الأصابِعُ دونَ الكَفِّ، وقيل: إنها إحدى الروايتينِ عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه (٣) -. وقالتِ الخوارجُ: من المنكب (٤). فإن قلتَ: ذكرَ اللهُ سبحانه في المحاربِينَ قطعَ أيديهم وأرجلِهم منْ خِلافٍ، ولم يذكرْ في السرقَةِ غيرَ قطعِ اليدِ، فما الحكمُ إذا قُطِعَ، ثم سرَقَ ثانياً، أيُقْطَعُ أم لا؟ وهَلْ تقطَعُ يدُه كما هي المذكورةُ في القرآن، أو رِجْلُه؟ قلت: من أجل هذا قال عطاءٌ: إذا قُطعت يُده اليمنى، فلا يعادُ عليه القطع (٥).

стр. 1062

وهو مَحْجوج بالكافَّةِ من أهلِ العلم، فالذي عليه الناسُ أن تُقْطَعَ رجلُه اليسرى (١). لكن قالَ ابنُ المنذر: ثبتَ عن أبي بكرٍ وعمرَ أنهما قَطَعا اليدَ بعدَ اليدِ، والرِّجْلَ بعد الرِّجْل (٢) (٣). ثم إن عادَ. فذهبَ قومٌ منهمْ عليُّ بنُ أبي طالبٍ -رضي الله تعالى عنه- والزهريُّ، وحمادُ بنُ أبي سليمان، وأحمدُ إلى أنه لا قطعَ (٤). قال الزهريُّ: لم يبلغْنا في السُّنَّةِ إلا قطعُ اليدِ والرجلِ (٥). والجمهورُ كأبي حنيفةَ (٦)، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأحمدَ - في إحدى الروايتين عنه - على أنه تُقطع يدُه اليسرى، ثم إن عاد فرجلُه اليمنى (٧)، ثم

стр. 1063

إن عادَ فالتَّعْزيرُ عند مالكٍ والشافعيِّ (١)، وعن مالكٍ روايةٌ بقتلِه (٢)؛ لحديثٍ ورد فيه (٣)، لكنهم ضَعَّفوهُ (٤)، والله أعلم. * * * ١١٢ - (٩) قوله : ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٩]. قد تقدمَ الكلامُ على التوبةِ في "سورة النساء"، والصحيحُ قبولُها كما جاء في القرآن العزيز؛ خلافاً للجمهور، وللشافعيِّ في قوله الجديد، وقد تقدم ذلك مستوفًى.

стр. 1064

(من أحكام أهل الكتاب) ١١٣ - (١٠) قوله في اليهود ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. نزلت هذه الآيةُ في اليهودِ لمّا جاؤوا رسولَ الله ﷺ ، وحَكَّموهُ في أمرِ اللَّذَيْنِ زنَيا منهم. والقصة مشهورةٌ في "الصحيحين" وغيرهما من حديثِ عبدِ الله بنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - قال: إنَّ اليهودَ جاؤوا إلى رسولِ الله ﷺ ، فذكروا له أن امرأةً منهم ورجلاً زنيا، فقال لهم رسولُ الله ﷺ : "ما تَجدونُ في التوراة في شأنِ الرَّجْم؟ " فقالوا: نفضحُهم، ويُجلدون، فقال (١) عبدُ الله بنُ سَلامٍ: كذبتم، فيها آيةُ الرَّجْمِ (٢)، فأتوا بالتوراة، فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلَها، وما بعدَها، فقال له عبدُ الله بنُ سلامٍ: ارفعْ يَدكَ، فرفع يَدهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقال: صَدَقَ يا مُحَمَّدُ، فأمرَ

стр. 1065

بِهِما ﷺ ، فَرُجما، قال: فرأيتُ الرَّجُلَ يَجْنَأُ على (١) المرأة يَقيها الحِجارةَ (٢). فخير اللهُ سبحانه نبيَّه ﷺ بينَ الحُكم بينَهُم، والإعراضِ عنهم إذا جاؤوا. وأمر اللهُ سبحانَه نبيَّه ﷺ بالحُكْمِ بينَهم في آيةٍ أخرى، فقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]. فحُكي عن جماعةٍ، منهم ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: أنهم قالوا: هذا الأمرُ ناسِخٌ لما تقدَّمَ من التخيير في موضع آخر (٣)، فليس للإمام رَدُّهُمْ إلى أحكامهم (٤). وقال قومٌ: بل الآيتان مُحْكَمتان، وإنما ذكرَ اللهُ التخيير في موضعٍ، وسكت عنهُ في موضعٍ آخرَ، والمعنى: فاحْكُمُ بينَهم بما أنزلَ اللهُ إن شئتَ (٥).

стр. 1066

قال بعضُهم: الآيةُ معطوفةٌ على آية التخييرِ، والناسخُ والمنسوخُ لا رَبْطَ بينَهُما، ولا عَطْفَ (١). وهذا الاستدلالُ ضعيفٌ؛ لأن العطفَ بالواو لا يدلُّ على الرَّبْطِ، وإنما يدلُّ على التأخيرِ، أو الترتيبِ على قولِ بعضِ النحاةِ، والصوابُ أن يستدلَّ على عَدَمِ النَّسْخِ بعدَمِ التعارُض، إلا إن ثَبَتَ في ذلك (٢) توقيفٌ، فيتَّبَعُ. * وقد اختلفَ الفقهاءُ في حكمِ هذه الآيةِ على ثلاثةِ أقوالٍ. - منهم من عَمِلَ بظاهِرِ هذه الآية، فقال: الإمامُ مخيرَّ في الحكمِ بينَهُم إنْ جاؤوه، وأما إذا لم يَجيئوهُ، فلا حكم له عليهم، وبهذا قالَ مالِكٌ (٣). - ومنهم من قال: يجبُ عليه الحكمُ بينهم إن جاؤوه، وكأنهم رأَوُا التخييرَ مَنْسوخاً، وبهذا قال أبو حنيفة (٤)، وللشافعي قولانِ كالمَذْهَبين (٥). ومنهم من قال: يجبُ على الإمامِ الحكمُ بينَهُم، وإن لمْ يترافَعوا إليه، واحتجوا بإجماع المسلمين على وجوب قطعِ يدِ الذِّمِّيِّ إذا سرق، وكأنه رأى الآيةَ الثانيةَ ناسخةً للتخيير والتقييد. قال بعضُ الفقهاءِ: وإذا قلنا بالتخيير، فمتى حَكَمَ بينَهم، لَزِمَهُمُ الحُكْمُ، وليس لهم رَدُّهُ، بالإجماع؛ لفعلِ النبيِّ ﷺ ذلك (٦)، ولقوله تعالى

стр. 1067

في ذمهم: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١]. قال المفسِّرون: إنَّ رَجُلاً وامرأةً من أشرافِ أهلِ خَيْبَرَ زَنَيا، فكان حَدُّهُما الرَّجْمَ، فكرهتِ اليهودُ رَجْمَهُما؛ لشرفِهما، فبعثوا الزانيين إلى بني قُرَيْظَةَ ليسألوا مُحَمَّداً ﷺ عن قضائِهِ في الزانيين إذا أَحْصَنا، ما حَدُّهُما؟ وقالوا: إن أفتاكُمْ بالجَلْدِ فَخُذوهُ، واجْلِدوا الزانيَيْنِ، وإن أفتاكُمْ بالرَّجْمِ، فلا تَعْمَلوا به، فذلكَ قولُه تعالى: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ (١) [المائدة: ٤١]. وهذا القولُ حَسَنٌ قَوِيٌّ، وهو يُبْطِلُ تَفْريعَ الشافعيَّةِ، فإنَّهم قالوا - على قول التخيير -: إنه إذا حكمَ بينَهم، لم يلزمْهُم حكمُه، وإن دعا أحدُهما الحاكمَ ليحكُمَ بينَهما، لم يجبْ على الآخَرِ الحُضورُ (٢). وهذا التفريعُ ضعيفٌ بعيدٌ من تحقيقِ الشافعيةِ (٣)؛ فإن التخييرَ من الله سبحانه للإمام، لا لَهُم، فما كانَ اللهُ ﵎ ليُخَيِّرَهُمْ في حكمٍ، ولِما ثبتَ من فعلِ النبيِّ ﷺ . * فإن قيل: بِمَ حكمَ النبيُّ ﷺ فيهم؟ قلنا: اختلفتْ جواباتُ العلماءِ في ذلك، وهو مَبْنِيٌّ على الخِلاف الذي قدمتُه في سورةِ النساء، هل يُشْتَرَطُ الإسلامُ في الرَّجْمِ أو لا؟

стр. 1068

فذهبَ الشافعيُّ إلى عدمِ اشتراطِه، وله من الدليل هذه الآيةُ، وحديثُ ابنِ عمَر المتقدمُ، ونُسِبَ إلى الشافعيِّ أنه قال (١): إنما حَكَم فيهم بشريعةِ الإسلام (٢). وذهبَ مالِكٌ وأبو حنيفةَ إلى اشتراطِ الإسلامِ (٣)، وأجابوا عن هذه الآيةِ بأنه حكمَ بشريعةِ موسى ﵊، وكان ذلك قبلَ نُزولِ الحُدود، ولهم من الدليل قولُه تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، معَ تقييدِ قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]. قالوا: وشريعَةُ مَنْ قبلَنا شريعةٌ لنا حتى يقومَ الدليلُ على تركِها. وفي هذا الجوابِ نظرٌ من وجهين: أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٨]، فجعل الحكمَ لكتابنا المُنْزَلِ على نبيِّنا ﷺ المُصَدِّقِ لما بينَ يديهِ منِ الكتاب والمهيمنِ عليه. وثانيهما: قوله في حديث ابن عمرِ: "ما تجدونَ في التوراة في شأن الرجم؟ "، وهذا يدلُّ على أن شريعتَه قد نزَلَتْ ﵊ (٤) -.

стр. 1069

وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، فالمراد به (١): انْقادوا لحكم التوراة، وبهذا قال أبو هريرةَ وغيرُه، ومحمدٌ منهم (٢). فإن قالوا: الأمرُ للنبيِّ ﷺ بأن يحكمَ بما أنزلَ اللهُ يجوزُ أن يكونَ إشارةً إلى ما كُتِبَ في التوراةِ من القِصاص، وذكرُهُ للرجْمِ يحتملُ أن يكونَ عَلِمَ عنهم ما كَتَموه من الرَّجْمِ. قلنا: الأصلُ عدمُ عِلْمه بشريعتِهم، واتباعُه ما أنزلَ اللهُ سبحانه إليه، واتباعُ السُّنَّةِ وتقريرها أولى من تأويلِها ونسخِها. * واستنبطَ بعضُ أهلِ العلم من قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ [المائدة: ٤٣] على جواز التحكيمِ ولزومهِ لغيرِ الإمام، ولأن الحكمَ حَقُّ الخَصْمَيْن على الحاكمِ، لا حَقُّ الحاكِمِ على الناس. وإليه ذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ في أحدِ قوليه. وقالَ في القول الآخر: التحكيمُ جائزٌ، وليسَ بلازمٍ، وإنما هو فتوى؛ لما فيه من تقدم آحاد الناسِ الولاة، وفي ذلك خَرْمُ قاعِدَةِ الوِلاية. ويمكن أن يُجابَ عن قوله تعالى: ﴿يُحَكِّمُونَكَ﴾ بأنَّ كلَّ حاكِمِ مُحَكَّمٌ، وإذا ترافَعَ خَصْمان إلى حاكمٍ، فقدْ حَكَّماهُ في أمرِهِما، وإن كان حاكماً، ويدلُّ عليهِ قولُه تَعالى في المسلمينَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. * * * ١١٤ - (١١) قوله : ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ

стр. 1070

قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. قد تقدم الحكمُ على هذه الآيةِ في "سورةِ البقرةِ"، وكيفيةُ الجمعِ بين الآيتين. * وقد تمسَّك أبو حنيفةَ بظاهرِ هذهِ الآيةِ في (١) قتلِ المُسلمِ بالذِّمِّيَ (٢)، وفي قتلِ الحُرِّ بالعبدِ، وقد تقدَّمَ الجوابُ عنِ التَّمَسُّكِ بهذا العمُوم. * وذكر اللهُ سبحانَهُ في آيةِ البقرةِ القِصاصَ في القَتْلى، وذكر هنا القِصاصَ في الأَعْضَاءِ والجُروحِ، فَخَصَّ بالذِّكْرِ شيئاً، وعَمَّ بعدَ ذلكَ سائرَ الجُروحِ. * والقصاصُ هو المُساواةُ والمُماثَلَةُ، وذلك يوجبُ أن تُؤْخَذَ العينُ اليمينُ بالعينِ اليمينِ، واليُسرى باليُسرى، واليد اليمين باليدِ اليمين، واليُسرى باليُسرى، الكُلُّ بالكُلِّ، والبعضُ بالبعضِ، وضابطُه أن كلَّ جرحٍ أَمْكَنَ فيهِ القِصاصُ والمُماثَلَةُ، ولم يُخْشَ منه الموتُ، فقد وجبَ فيهِ القِصاصُ. وكذلكَ لفظُ القصاص يقتضي أن يُقْتَصَّ بالآلة التي جُنِيَ بِها. وقد بين النبيُّ ﷺ ذلك بفعله، فشدخَ رأسَ يهوديٍّ، كما شدَخَ رأسَ جاريةٍ (٣)، وتفصيل هذا يستدعي ذكرَ مسائلَ كثيرةٍ، وقد اتفقَ العلماءُ على وُجوبِ المُماثَلَةِ، وإنِ اخْتَلفوا في تفاصيلِها (٤) (٥).

стр. 1071

١١٥ - (١٢) قوله : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: ٤٨]. قد قَدَّمْتُ قريباً ما قيلَ في هذه الآيةِ. * * * ١١٦ - (١٣) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١]. * حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآيةِ على المؤمنين أن يَتَّخِذوا اليهودَ والنَّصارى أولياءَ، أي: أنصاراً وأَصْدِقاءَ أَخِلاَّءَ يُلْقون إليهِمْ بالمَوَدَّةِ، وبِسِرِّ المؤمنين، ومَنْ يَفْعَلُ ذلكَ فإنَّهُ منهُم؛ كعبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وأَصحابِه، الذي قال: يا رسول الله! إني امْرُؤٌ أَخْشى الدَّوائِرَ، وقِصَّتُهُ مشهورةٌ مع النبيِّ ﷺ لما أرادَ أن يقتلَ بني النَّضيرِ، وكانوا حُلَفاءَهُ (١). وحرَّمَ اللهُ سبحانه في غيرِ هذه الآية مُوالاةَ الكافِرين تَحْريماً مُطْلَقاً كَهذهِ الآيةِ، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ

стр. 1072

أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]؛ والحُكْمُ في هذا على العُمومِ والإطلاق (١). وليس البِرُّ والإقْساطُ لهم والصدقةُ عليهم من الموالاة، فقد ندبَ اللهُ سبحانَه إليهما (٢) فقال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] الآية، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. وأما معاشرتُهم بالمجالَسَةِ، فلا شَكّ أنها مكروهةٌ غيرُ مُحَرَّمَةٍ؛ لما فيه من الإيناسِ لعدوِّ اللهِ ورسوله. رويَ عن أبي موسى -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنه قدمَ إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، فقال: إنَّ عندَنا كاتِباً نصرانِيًّا، من حالِه وحالِه، فقال: مالَكَ ولَهُ قاتَلَكَ الله! أما سمعتَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥١]؟ ألا اتَّخَذْتَ حنيفاً؟ قال: قلتُ: لهُ دينُه ولي كتابَتُهُ، قال: لا أُكرمُهُمْ إذْ أهانَهُمُ اللهُ، ولا أُعِزُّهُمْ إذْ أَذَلَّهُمُ اللهُ، ولا أُدنيهم إذْ أقْصاهُمُ الله (٣). * وفي هذه الآيةِ دَلالةٌ على أن اليهوديَّ يَرِثُ النَّصْرانِيَّ، وبالعَكْس (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١].

стр. 1073

(من أحكام الصلاة) (الأذان) ١١٧ - (١٤) قوله : ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [المائدة: ٥٨]. أقول: قد أَعْلَمَنا اللهُ سبحانَه أنَّ النِّداءَ إلى الصَّلاةِ من شعارِ هذا الدينِ، وعملِ المؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨]، وقال في "سورةِ الجُمُعَةِ": ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. وقد علمنا من هذا الخطاب أيضًا أن المرادَ بالصَّلاةِ المَكْتوبةُ؛ لأنه ليسَ ثَمَّ صلاةٌ يجبُ السَّعْيُ إليها إلا فَريضَةَ الجُمعةِ. قال أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ بعدَ أن ذكرَ الآيتين: وكانَ بيِّناً (١) -والله أعلم- أنهُ أرادَ المكتوبةَ بالآيتينِ معاً، قال: وشرعَ (٢) رسولُ اللهِ ﷺ الأَذانَ للمكتوباتَ، ولم يَحْفَظْ عنه أحدٌ علمتُه أنه أمرَ بالأذان لغيرِ صلاة مكتوبة، بل حفظَ الزُّهريُّ عنه أنه كانَ يأمرُ في العيدين المؤذِّنَ يقولَ: الصلاةَ جامِعَةً (٣).

стр. 1074

* وعلى مشروعيةِ الأذانِ أجمعَ المُسلمون، وتميز به المؤمنون، فكانَ (١) النبيَّ ﷺ إذا غَزا قَوْماً، فإنْ سمعَ نِداءً, لم يَغزُ، وإن لم يسمعْ، أغارَ (٢)، وفعلَه النبيُّ ﷺ ، وأمرَ بهِ، حَضَراً وسَفَراً، فقال لمالِكِ بنِ الحُوَيْرِثِ ولصاحبه: "إذا كُنْتُما في سَفَرٍ، فَأَذِّنا، وأقيما، ولْيَؤُمَّكُما أَكْبَرُكُما" (٣). * ثم اختلفوا في هذهِ المشروعية، هل هي على الوجوب، أو على الندب؟ فذهبَ الشافعيُّ وأبو حنيفةَ إلى أنه سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ للجماعة والمُنْفَرِدِ، وهو في حَقِّ الجَماعةِ آكَدُ؛ لأنه لم يكنْ في صدرِ الإسلامِ، وإنما شَرَعَهُ رسولُ اللهِ ﷺ لجمعِ الناسِ للصَّلاةِ، وإعلامِهم بها (٤). وذهبُ (٥) مالِكٌ وبعضُ الشافعيةِ إلى أنه فرضُ عَيْنٍ في مَساجدِ الجَماعاتِ، ولم يَرَهُ على المنفردِ فَرْضاً ولا سُنَّةً (٦).

стр. 1075

وذهبَ بعضُ أهلِ الظاهرِ إلى أنه واجبٌ على الأعيانِ (١). وقال بعضُهم: بل على الجَماعة (٢). وقال بعضُهم: في السَّفَرِ خاصَّةً، واستدلُّوا بفعل النبيِّ ﷺ وأمرِه ودوامِه عليه (٣). * إذا تقررَ هذا، فقد فَهِمْنا من الآية أن النِّداءَ للصَّلاة لا يكونُ إلا بعدَ دخُولِ وَقْتِها؛ لأنه لا يُنادى لفعلِ شَيْءٍ قبلَ جَوازِ فِعْلِه، وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ في جميعِ الصَّلَواتِ، إلا صلاةَ الصُّبْحِ. فذهبَ مالِكٌ والشافعيُّ إلى جَوازه قبلَ الفَجْرِ (٤)؛ لقوله ﷺ : "إن بِلالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلوا واشربوا حتى تَسْمعوا أَذانَ ابنِ أُمِّ مَكْتومٍ" (٥). قال الشافعيُّ في كتابِه القديمِ: أخبرنا بعضُ أصحابِنا عن الأعرج عن إبِراهيمَ بنِ محمدِ بنِ عمارةَ عن أبيهِ عن جَدِّهِ عنْ سعد القُرظيّ قال: أَذَّنَّا في زمانِ النبيِّ ﷺ ، وفي زَمَنِ عُمَرَ بالمدينة، فكان أذانُنا للصبحِ لوقتٍ واحدٍ في الشتاءِ لِسُبُعٍ ونصْفٍ يَبْقى، وفي الصَّيْفِ لِسُبُعٍ يبقى (٦). قال: وأخبرَنا ابنُ أبي الحباب الخزاعيُّ، وكانَ قد زادَ على الثمانين،

стр. 1076

أو راهَقَها، قال: أدركْتُ منذُ كنتُ آلَ أبي مَحْذوَرَة يُؤَذِّنونَ قَبْلَ الفَجْرِ بِلَيْلٍ، وسمعتُ منهم مَنْ يحكي ذلك عن آبائه (١). وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يؤذَنُ لها إلا بعدَ الفَجْرِ؛ كسائرِ الصَّلَوات (٢). واستدلَّ بما رُوي أنَّ بلالاً أذَّنَ قبلَ الفَجْرِ، فأمره النبيُّ ﷺ أن يرجع ينادي: ألا إنَّ العبدَ قَدْ نام (٣). وأجاب الشافعيُّ فقال: قد سمعتَ تلكَ الرِّوايةَ، فرأينا أهلَ الحَديثِ منْ أَهْلِ ناحِيَتِكَ لا يُثْبِتونَها، يزعُمون أنها ضعيفةٌ، ولا تقومُ بمثلِها حُجَّةٌ على الانفِراد. واحتجَّ أيضاً في القديم بفِعْل أهلِ الحَرَمينِ، وساقَ الكلامَ فيه، إلى أن قال: هذا منَ الأُمور الظاهِرَةِ، ولا شَكَّ أنَّ أهلَ المَسْجِدَيْنِ، والمُؤَذِّنينَ والأَئِمَّةَ الذين أَقَرُّوهُمْ لم يُقيموا من هذا على غَلَطٍ، ولا أَقَرُّوه، ولا احتاجوا فيه إلى عِلْمِ غيرِهم، ولا لغيرِهم الدخولُ بهذا عليهم (٤). وذهب قومٌ إلى أنه لا بُدَّ من أَذانَيْن: أذانٍ قبلَ الفَجْرِ، وأذانٍ بعدَه اتبِّاعاً لما كانَ في عَهْدِ رسولِ الله ﷺ .

стр. 1077

وبه قال محمدُ بنُ حزمٍ، إلا أنه يكونَ قبلَ الفجرِ بزمنٍ (١) يَسيرٍ بقَدْرِ ما يهبطُ هذا، ويصعَدُ هذا، فيجوز (٢). * فإن قلت: فبيِّنْ لنا صفةَ النِّداءِ الذي ذكرَهُ اللهُ سبحانَه، وصفةَ الإقامَةِ التي سَنَّها النبيُّ ﷺ . قلنا: اختلفَتِ الرِّواياتُ في ذلك. أما الأذانُ: ١ - فقالَ الشافعيُّ: أنبأنا (٣) مسلمُ بنُ خالدٍ، عن ابنِ جُريجٍ قال: أخبرني عبدُ العزيزِ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ: أنَّ عبدَ الله بْنَ مُحَيْريزٍ أخبرَهُ، وكان يتيماً في حِجْر أبي مَحْذورَةَ حينَ جَهَّزَهُ إلى الشامِ، فقلتِ لأبي مَحْذورة: أيْ عَمِّ! إِنِّي خارجٌ إلى (٤) الشامَ، وأنِّي أخشى أن أُسألَ عن تأذينِك، فأخبرْني أبا مَحْذورَةَ، قال: نعم، خرجْتُ في نَفَرٍ، فكنّا ببعضِ طريقِ حُنَيْنٍ، فَقَفَلَ رسولُ الله ﷺ من حنينٍ (٥)، فلقينا رسولَ الله ﷺ في بعضِ الطريق، فَأَذَّنَ مؤذِّنُ رسولِ الله ﷺ بالصَّلاةِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فسمِعْنا صوتَ المُؤَذِّنِ ونحنُ مُتَّكِئون، فصرخنا نَحْكيهِ ونستهزئُ به، فسمعَ النبيُّ ﷺ ، فأرسلَ إلينا إلى أن وَقَفْنا بينَ يديه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَيُّكُمُ الَّذي سَمِعْتُ صَوْتَهَ قدِ ارتَفَعَ؟ "، فأشارَ القومُ كُلُّهم إليَّ، فصدَقوا، فأرسلَ كُلَّهُمْ وحَبَسني، فقال: "قمْ فأَذِّنْ بالصَّلاة"، فقمت، ولا شيءَ أكرهُ إليَّ منْ

стр. 1078

رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا مِمَّا يأمرُني به، فقمتُ بينَ يَدَيْ رَسولِ الله ﷺ ، فألقى على رسولُ الله ﷺ التَّأْذينَ هُوَ نَفْسُهُ فقال: قُل: "اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، أشهدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، أشهدُ أن مُحَمَّداً رسولُ الله"، ثم قال: "ارجعْ وامدُدْ منْ صوتك، ثم قُلْ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسولُ الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسولُ اللهِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، حَيَّ على الفَلاحِ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلا اللهُ" ثم قضيتُ التأذين، ثم دعاني وأعطاني صُرَّةً فيها شيءٌ من فِضَّةٍ، ثم وضَعَ يدَه على ناصِيَتِه (١)، ثم أَمَرَّها على وَجْهِهِ، ثُمَّ منْ بينِ يَدَيهِ إلى كَبدِهِ، ثم بَلَغَتْ يَدُهُ إلى سُرَّةِ أبي مَحْذورَةَ، ثم قالَ رسول الله ﷺ : "بارَكَ الله فيكَ، وبارَكَ عليكَ" فقلت: يا رسول الله! مُرْني بالتأذينِ بِمَكَّةَ، فقالَ: "قدْ أمرتُكَ بهِ"، وذهب كُلُّ شيءٍ كانَ لرسولِ اللهِ ﷺ من كَراهِيَةٍ، وعادَ ذلكَ كُلُّهُ مَحَبَّةً لرسولِ الله ﷺ ، فَقَدِمْتُ على عَتَّابِ بْنِ أسيدٍ عامِلِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فَأَذَّنْتُ بالصَّلاةِ عنْ أمرِ رسولِ الله ﷺ . قال ابنُ جُرَيْجٍ: وأخبرني بذلك مَنْ أَدْرَكْتُ منْ آلِ أبي مَحْذورةَ على نحوِ ما أخبرَني ابنُ مُحَيْريزٍ. قال الشافعيُّ: وأَدْرَكْتُ إبراهيمَ بنَ عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ يؤذِّنُ كما حكى (٢) ابنُ مُحَيْريزٍ، وسمعتُه يُحَدِّثُ عن أبيهِ، عنِ ابنِ مُحَيْريزٍ، عنْ أبي مَحْذورَةَ، عنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنى ما حَكى ابنُ جُرَيْج. قال: وسمعتهُ يقيمُ فيقولُ (٣): اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، أشهدُ أن لا إله

стр. 1079

إلا الله، أشهدُ أن مُحَمَّداً رسولُ الله، حَيَّ على الصَّلاةِ، حَيَّ على الفَلاحِ، قدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إلهَ إلَّا الله. قال الشافعيُّ: وحَسِبْتُني سَمِعْتُه يَحْكي الإقامَةَ خَبَراً كما حَكى الأذانَ (١). وعلى هذا عَمَلُ أهلِ مَكَّةَ، وإيّاهُ اعتمَدَ الشافِعِيُّ -رحمه الله تعالى (٢) - فَرَبَّعَ التكبيرَ، ثم رَجَّعَ بالشَّهادَتَينِ، وأَوْتَرَ الإقامة، إلا لفظَ الإقامة؛ لما سَمِعَهُ من آلِ أبي محذورة. ولما رَوى أنسُ بنُ مالِكٍ -رضيَ الله تعالى عنه - أَنَّ بِلالاً أُمِرَ أَنْ يَشْفَعَ الأَذان، ويُوترَ الإقامةَ، إِلَّا لَفْظَ الإقامَةِ (٣). ولما روى عبدُ اللهِ بنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - قال: كان الأذانُ على عهدِ رسولِ الله ﷺ مَثْنى مَثْنى، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَّ المؤذِّنَ إذا قال: قد قامَتِ الصَّلاةُ، قال مَرَّتينِ (٤).

стр. 1080

٢ - وذهب مالِكٌ إلى ما عليهِ عَمَلُ أهلِ المدينة (١)، فَثَنَّى التكبيرَ، ورَبَعَّ الشهادتينِ، ولم يُرَجِّعْ، ثم باقي الأَذان مَثْنى. وقد رُوِيَ تَثْنِيَةُ التكبير في أَوَّلِ الأذانِ عنْ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ، وأبي مَحْذورةَ أيضاً. كما روي عنه التربيع في التكبير، وأوتر الإقامةَ كالشافعيِّ، إلا كلمةَ الإقامَةِ، فإنَّهُ لم يُثَنِّها. ويدلُّ لهُ ما رَوى أنسُ بنُ مالِكٍ - رضىَ اللهُ تعالى عنه - أَنَّ بِلالاً أُمِرَ أنْ يَشْفَعَ الأذانَ، ويُوتِرَ الإقامَةَ. ولم يرهُ الشافِعيُّ مخالِفاً تقَدَّمَ عن أنسٍ أيضاً، فقال: هذا ثابتٌ، وبه نقولُ، فنجعلُ الإقامَةَ وِتْراً، إلا في مَوْضِعَيْنِ: اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ، في أولِ الأذان، وقَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، فإنَّهما (٢) شَفْعٌ (٣). وحملَ المُطْلَقَ في روايةِ أنسٍ على المُقَيَّدِ. وهو جوابٌ حَسَنٌ، لكنَّ مالِكاً لم يعتَمِدْ إلا على عَمَلِ أهلِ المدينة. قال مالِكٌ: لم يَبْلُغْني في النِّداءِ والإقامَةِ إلَّا ما أَدْرَكُتْ الناسَ عليه، فأَمَّا الإقامَةُ، فإنَّها لا تُثَنَّى، وذلكَ الذي لم يَزَلْ عليهِ أهلُ العِلْمِ ببلدِنا (٤). وهو معتمدٌ قويٌّ لأنَّ هذا شيءٌ طريقُه النقلُ، ولو كانَ حصلَ فيه نقصٌ أو زيادةٌ أو تغييرٌ، لَعُلِمَ عندَهم، بل ما عُلِم إلا أنهُ كانَ على هذا، فروى مالِكٌ عن عَمِّهِ أبي سُهَيْلِ بنِ مالِكٍ عن أبيهِ: أنه قال: ما أعرفُ شيئاً ممّا

стр. 1081

أدركْتُ عليهِ الناسَ إلا النِّداءَ بالصلاةِ (١). ٣ - وذهبَ أبو حنيفةَ إلى ما عليهِ أهلُ الكوفةِ، فربَّعَ التَّكبيرَ، وثَنَّى بقيةَ الأذانِ، ولم يرجِّعْ (٢). واحتجُّوا بحديثِ ابنِ أبي ليلى، وفيه أَنَّ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ رأى في النَّوْمِ رَجُلاً، فأقامَ على جِذْمِ (٣) حائِطٍ، وعليه رِداءان أَخْضَرانِ، فَأَذَّنَ مَثْنى، وأقامَ مَثْنى، وأنه أخبرَ بذلكَ رسول اللهِ ﷺ ، فقامَ بلالٌ فأذَّنَ مَثْنى، وأقامَ مَثْنى (٤). وأجابَ عنهُ الشافعيُّ فقال: لا يُعْلَمُ عبدُ الرَّحْمنِ بنُ أبي ليلى رأى بِلالاً قَطُّ، عبدُ الرحمنِ بالكوفةِ، وبلالٌ بالشام، وبعضُهم يُدخِلُ بينَه وبينَ عبدِ الرحمنِ رجلاً لا نعرفهُ، وليسَ يقبلُه أهلُ الحديث (٥) (٦).

стр. 1082

قال البَيْهَقِيُّ: وهو (١) حديثٌ مُخْتَلَفٌ فيه على عبدِ الرحمنِ، فرُوي عنهُ عن عبدِ الله بنِ زيد، ورُوي عنه قال: حدثنا أصحاب مُحَمَّدٍ ﷺ : أن عبدَ اللهِ بنَ زيد. ورُوي عنه عن معاذِ بنِ جبلٍ في قصةِ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ. ثم قال: قال محمدُ بنُ إسْحاقَ بنِ خُزَيْمَةَ: عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى لم يَسْمَعْ من مُعاذِ بنِ جَبَلٍ، ولا منْ عبدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ صاحِبِ الأذانِ، ثم قال: وكذلكَ لم يسمعْ من بِلال (٢). وقد ذهبَ إلى إفرادِ الإقامَةِ من العراقِيِّينَ الحسنُ البَصْري، وابنُ سيرينَ (٣). ٤ - وذهب أحمدُ بنْ حَنبَلٍ وداودُ إلى أنَّ العملَ بهذهِ الرواياتِ على التَّخْييرِ، لا على الحَتْمِ كما قالَ في صَلاةِ الخَوْفِ (٤). * ثم اختلفوا في التَّثْويبِ، وهو قولُ المؤذنِ في صَلاةِ الصُّبْحِ: الصلاةُ خيرٌ من النَّوْمِ، هل يُشْرَعُ أو لا؟ فذهبَ الجُمهورُ إلى مَشْروعِيَّتِهِ، وبه قالَ الشافِعِيُّ في القديم (٥).

стр. 1083

وأباهُ آخَرون، وبه قالَ الشافِعيُّ في الجَديد؛ لكونِهِ لم يردْ في الحديث المُتَّصِلِ الثابِتِ عنِ ابنِ مُحَيريزٍ عنْ أبي مَحْذورة (١). ولكنه قد ثَبَتَ اتِّصالُهُ عن محمدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ أبي مَحْذورَةَ عن أبيهِ عن جَدِّهِ قال: قلت: يا رسولَ الله! عَلِّمْني سُنَّةَ الأَذانِ، فعلَّمَهُ إياها، وقال: "وإن كانَ صلاةُ الصبحِ قُلْتَ: الصلاةُ خيرٌ من النومِ، الصَّلاةُ خيرٌ من النوم، اللهُ أكبر، اللهُ أكبر، لا إله إلا اللهَ" (٢). * إذا تمَّ هذا، فالنداءُ هو رَفْعُ الصَّوْتِ بالقول، وإذا لم يُرْفَعِ الصوتُ، فليسَ بنداءٍ. فحينئذٍ يُسْتَنْبَطُ من الآيةِ الكَريمَةِ أَنَّ من شَرْطِ الأذانِ رَفْعَ الصَّوْتِ، ولا تتَأَدَّى سُنَّتُه بأنْ تُفْعَلَ سِرًّا، ولهذا لم يُشْرَعْ للنِّساءِ أذانٌ، وكذا للمنفردِ عندَ مالِكٍ، وهو قولٌ للشافعيِّ أيضاً. ويستنبطُ منه أن المؤذنَ مهما اشتدَّ رَفْعُ صوتهِ، كانَ أفضلَ، ولهذا أمرَ النبيُّ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ زيدٍ بالإلْقاءِ على بلالٍ، فقال: "قُمْ مع بِلالٍ، فَأَلْقِ عليهِ ما رأيتَ، فَلْيُؤَذِّنْ؛ فإنَّه أَنْدى صَوْتاً منكَ" (٣).

стр. 1084

وَرَغَّبَ رسولُ الله ﷺ في رَفْعِ الصوتِ بالأذان، فقالَ أبو سعيدٍ الخُدْرِيُّ: "فإنه لا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلا شَهِدَ لهُ يومَ القِيامة"، قال أبو سعيدٍ: سمعتهُ مِنْ رسولِ الله ﷺ (١).

стр. 1085

(من أحكام الأيمان) ١١٨ - ١١٩) (١٥ - ١٦) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [المائدة: ٨٧ - ٨٨]. * قالَ ابنُ عَبّاسٍ وغيرُه منَ المُفَسِّرينَ: نزلَتْ في قومٍ منْ أصحابِ النبيِّ أرادوا أن يَرْفُضوا الدنيا، ويُحَرِّموا على أَنْفُسِهِمُ المَطاعمَ الطَّيِّبَةَ والمَشارب اللَّذيذَةَ، وأن يَصوموا النَّهارَ، ويَقوموا اللَّيْل، ويُخْصوا أَنْفُسَهم، فأنزلَ اللهُ سبحانَه هذه الآيَة (١). وروى البخاريُّ نحوَهُ (٢).

стр. 1086

* ونهى (١) اللهُ سبحانَه بهذهِ الآيةِ عَبْدَهُ المؤمنَ أن يُحَرِّمَ على نفِسه ما أَحَلَّهُ له. فإنْ فعلَ ذلكَ تشريعاً، فهو كُفْرٌ (٢). وإن فَعَلَهُ تزَهُّداً كَفِعْلِ الصحابَةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم - فهو مكروهٌ (٣)؛ وفاقاً للشيخِ أبي حامدٍ (٤)، والجُمهورِ من الشافعيةِ (٥)، وخلافاً للقاضي أبي الطَّيِّبِ. وإن حَرَّمَهُ بلسانهِ دونَ اعتقادِه، فهو كَذِبٌ حَرامٌ يستغفرُ اللهَ سبحانَه منه، ولا يحرمُ عليهِ، ولا يجبُ عليه شيءٌ من الكَفَّارةِ. وقال أبو حَنيفةَ: هو يمينٌ تجبُ بهِ الكفَّارةُ، فهو كما لو قالَ: واللهِ لا فَعَلْتُ كَذا (٦). * وهذا مُتَفَرِّعٌ عن مسألة أخرى، وهي هل اليمينُ تُحَرِّمُ فِعْلَ المَحْلوفِ عليهِ، أو لا؟ فقال الشافعيُّ ومالِكٌ: اليمينُ لا تُحَرِّمُ (٧).

стр. 1087

وقال أبو حَنيفةَ: اليمينُ تُحَرِّمُ (١). واختارَهُ ابنُ العَرِبيِّ المالِكِيُّ (٢)، قال: لأنَّ الحالِفَ إذا قالَ: واللهِ لا دَخَلْتُ الدَّارَ، فإنَّ هذا القولَ قَدْ مَنَعَهُ منَ الدُّخولِ حتى يُكَفِّرَ، فإنْ أقدمَ على الفعلِ قبلَ الكفارةِ، لزمَهُ أداؤها، والامتناعُ هو التحريمُ بعينهِ، والباري تَعالى هو المُحَرِّمُ، وهو المُحَلِّلُ، ولكنَّ تحريمَهُ قد يكونُ ابتداءً كمحرَّماتِ الشريعَةِ، وقد يكونُ بأسبابٍ يُعَلِّقُها بأفعالِ المُكَلَّفينِ؛ كتعليقِ التَّحريمِ بالطَّلاقِ، والتَّحريمِ باليَمين، ويرفعُ هذا التحريمَ الكفّارَةُ والنِّكاحُ بِحَسَبِ ما رَتَّبَ سبحانَه منَ الأحكامِ (٣). ولكنه ضَعَّفَ إلحاقَ أبي حنيفةَ قولَه: حَرَّمْتُ على نَفْسي كذا بقولِه: واللهِ لا فَعَلْتُ كذا، قال: لأنهُ باليَمين حَرَّمَ، وأَكَّدَ التَّحريمَ بذكرِ اللهِ تعالى، وبغيرِ اليمينِ حَرَّمَهُ وحدَهُ دونَ ذكرِ الله تعالى، وكيفَ يُلْحَقُ ما لم يُقْرَنْ به ذكرُ اللهِ تعالى بما قُرِنَ بهِ ذكرُ اللهِ تعالى؟ ثم قال: وهذا الإلحاقُ لا يَخْفى تَهاتُرُهُ (٤) على أحدٍ (٥) (٦). والذي أراهُ أنَّ الإلحاقَ صَحيحٌ؛ لأن اللهَ سبحانَه سَمَّى تحريَم المرأةِ على نَفْسِها يميناً، وأوجَبَ فيه الكَفَّارَةَ، وقال تعالى في سورة التحريم:

стр. 1088

﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. وإنَّما استثنى مالِكٌ والشافِعيُّ من تحريمِ الرجلِ على نفسِه ما خَلا الزَّوْجَةَ، فلم يُوجِبا فيها الكَفَّارَةَ، وسيأتي الكلامُ على هذا في "سورةِ التحريمِ" -إن شاء الله تعالى-. * * * ١٢٠ - (١٧) قوله ﵎: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. * ذكر اللهُ سبحانَهُ اليمينَ في آيتينِ من كتابهِ العزيز، وقَسمها إلى لَغْوٍ وغَيْرِه. - فأما اللَّغْوُ، فقد ذكرتُ اختلافَ العلماءِ فيه. وأما حقيقَتُه، فهو ما كانَ باطلاً وما لا يُعْتَدُّ بهِ منَ القول، ومنه قيلَ لولد الناقَةِ الذي لا يُعْتَدُّ بهِ في الدِّيَةِ: لَغْوٌ. وحقيقةُ هذا الاسمِ واقعةٌ على الأقوالِ جميعِها، إما وَضْعاً، وإمّا شَرْعاً، لكنه فيما اختارَهُ الشافِعيُّ أَظْهَرُ وقوعاً. - وأما غيرُ اللَّغْوِ، فذكرَها اللهُ سبحانَهُ بِوَصْفَيْنِ في الآيتينِ، فقال في إِحداهُما: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، وكَسْبُ القلب هو قَصْدُه للشيءِ، وعَزْمُهُ عليه، وبهذا أخذَ الشافعيُّ، وجعلَ الكَسْبَ مُفَسِّراً للوَصْفِ الآخَرِ الذي هُو العَقْدُ.

стр. 1089

وقال في الأُخْرى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. والعَقْدُ هو ربطُ الشيءِ بشيءٍ، وهو (١) هاهنا رَبْطُكَ القَصْدَ القائِمَ بالقَلْبِ بالمَقْصود بواسِطَةِ القَسَمِ، وهذه الحقيقةُ موضوعةٌ لما تُصُوِّرَ حَلُّه. * وقد وصفَ اللهُ سبحانه رَفْعَ اليمينِ بالحِلِّ، فقالَ تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، وهذا المعنى يَقْتضي أن يكونَ اليمينُ على ظَنِّ شَيْءٍ، والحقيقةُ بخلافِه لَغْوٌ؛ لأنه ليسَ بعقدٍ يُتَصَوَّرُ حَلُّه. وبهذا المعنى أخذَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ، وسفيانُ، وأحمدُ، وجعلوا العَقْدَ المذكور هنا مفسِّراً للكَسْب المَذْكور في سورة البقرة (٢). وقال الشافعيُّ: لا إِثْمَ فيه، وعليهِ الكَفَّارَةُ؛ لأنها يَمينٌ مُكْتَسَبَةٌ بالقَصْدِ إليها (٣). * ومن أجل هذا أيضاً اختلَفوا في وجوبِ الكَفّارَةِ في اليَمينِ الغَموسِ، وهي اليمينُ على شيءٍ ماضٍ أَنَّهُ ما كان، وهو قَدْ كانَ، وتعمَّدَ الكذبَ على ذلك. فقال مالكٌ، والأوزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ (٤):

стр. 1090

لا كفَّارةَ لها (١)؛ لأنها ليستْ بمُنْعَقِدَةٍ؛ لعدمِ تصوُّرِ حَلِّها، وإنما هيَ مَكْرٌ وخديعة، واختارَهُ ابنُ المنذرِ (٢). واحتجُّوا من السنَّةِ بقولهِ ﷺ : "من حَلَفَ على يمينٍ يقْتَطعُ بها مالَ امْرِئً مُسْلِمٍ، وهو فيها فاجِرٌ، لقيَ الله وهوَ عليهِ غَضْبانُ" (٣). وقال الشافعيُّ تجبُ الكفارةُ؛ لأنها مُكْتَسَبَةٌ بالقلبِ (٤). وأجيبَ عن الحديثِ بأنه ﷺ علَّقَ ذلكَ باليمينِ، وباقتطاعِ مالِ المسلمِ، والكفارةُ لا تهدمُ ظلمَ المُسلمِ، ولو كان حُجَّةً، لوجبَ أن تكونَ الكفارةُ في اليمينِ الغَموس التي لا اقْتِطاع فيها لمالِ مسلمٍ، وهم لا يقولون بذلك. وهذا الجوابُ ضعيف، فإن الظاهرَ أن التقييدَ بمالِ المُسلمِ للتَّعريفِ والتَّعظيمِ، لا للتَّقييدِ، بدليلِ قوله: "وهو فيها فاجر". فإن قلتَ: فما حقيقةُ اليمينِ التي عُلَّقَتْ بها هذهِ الأحكامُ؟ قلنا: هو تعليقُ القسمِ بالشيءِ العظيمِ على تركِ شيءٍ أو فعلِه. وسُمِّيَتِ اليمينُ يَميناً؛ لأن العربَ كانتْ إذا أعطتْ مواثيقَها، مَدَّتْ أَيْمانَها؛ تأكيداً للمواثيق، فأطلق لفظُ اليمينِ على القولِ المصاحِبِ
следующие страницы →