← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

يَرْتَجِزُ ويقول: [من بحر الرجز] باتوا نِياماً وابنُ هِنْدٍ لمْ يَنَمْ ... باتَ يقاسِيها غُلامٌ (١) كالزَّلَمْ خَدَلَّجُ السَّاقَيْنِ خَفَّاقُ القَدَمْ ... قَدْ لَفَّها الليلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ ليسَ بِراعي إبِلٍ ولا غنَمْ ... ولا بِجَزَّارٍ على ظَهْرِ وَضَمْ هذا أوانُ الشَّدِّ فاشْتدِّي زِيَمْ (٢). فِنهى الله المؤمنين أن يفعلوا كما فعلَ المشركون عامَ الحُدَيْبَيةِ معَ رسولِ الله ﷺ وأصحابِه حيثُ أَحَلُّوا شعائِرَ الله، ومنعوا الهديَ أن يبلغَ مَحِلَّهُ، وصَدُّوهُمْ عن البيتِ الحَرام؛ تعظيماً لشعائرِ الله ﷻ وتفخيماً لهذه الحُرُماتِ الخَمْسِ، وقد ذكرَها في غيرِ موضعٍ من كتابهِ العزيز، وعَظَّمَ أمرَها، وها أنا أفصلُها حُكماً حُكماً: الحكم الأول: الشهر الحرام: وقد كانت الجاهليةُ تحرِّمُه وتعظّمُهُ، ثم وردَ الشرعُ بذلكَ. فقالَ اللهُ سبحانه في هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [لمائدة: ٢]. وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]. وقال أيضاً: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤].

стр. 982

وقال أيضًا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]. وقال أيضًا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]. واستمر الحكمُ على ذلكَ في صدرِ الإسلامِ باتِّفاقِ أهلِ العلم. ثم اختلفوا في بقاِئه: فقال ببقاءِ حُرْمته ومَنْعِ القتال (١) فيه طاوسٌ، ومجاهدٌ (٢). وخالفهما الباقون، وزعموا نسخَ هذه الآية وما أشبهها (٣)، ولم أقفْ لهم على دليلٍ يدلُّ على ما ادَّعوه، وقد قدمتُ ما قالوه في "سورة البقرة"، ودعوى النسخ بعيدٌ؛ لأن "سورة المائدةِ" من آخرِ ما نزل. قالت عائشةُ -رضي الله تعالى عنها-: إنها آخرُ سورةٍ نزلتْ، فما وجدتُم فيها من حَلالٍ فاستَحِلّوه، وما وجدتم فيها من حَرَامٍ فحرّموه (٤)، ولأن "سورة براءة" من آخر ما نَزَل أيضاً؛ كما سيأتي بيانه قريباً -إن شاء الله تعالى-.

стр. 983

(من أحكام الحج) الحكم الثاني: الهَدْيُ: وهو الأنعامُ تُهْدَى إلى البيت العتيق. وقد ذكره الله سبحانه في مواضع (١) من كتابه العزيز، وجعلها من شعائره، فقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:٣٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة:١٩٦]. وقال تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. وسيأتي الكلامُ عليه -إن شاء الله تعالى-. الحكم الثالث: القلائد: يحتمل أن يكونَ المرادُ بها الهَدْيَ المُقَلَّدَةَ، وإنما أفردَها بالذكرِ إما (٢) تفخيماً وتعظيماً لشأنها، وإما أن التقليدَ يقومُ فعلُه مقامَ النطقِ في خروجها عن ملكِ مالكِها كالنذر. وبهذا أخذَ مالكٌ، فمتى قَلَّدَ هَدْيَهُ وأَشْعَرَهُ، وجبَ عليه ذبحُه، حتى لو

стр. 984

تعيَّبَ وخرَج عن (١) الإجزاءِ وجبَ عليه إبدالُه، ووجب عليه ذبُحه أيضاً (٢). ويحتمل أن يكون المرادُ بها أصحابَ القلائد، على حذف المضاف (٣). قال قَتادةُ: كان الرجلُ إذا خرجَ إلى الحجِّ يقلِّدُ بَدَنته من لِحاء شجرِ الحرمِ، فلا يعرض له (٤) أحد (٥). وحكي عن مجاهد أنه قال: لم يُنْسَخْ من المائدةِ إلا القلائدُ، نسخها قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٦) [التوبة: ٥]. قال بعضُ المتأخرين: وفي هذا نظرٌ؛ فإن أكثرَ أهلِ العلم على أن المائدَة نزلَتْ بعد (براءة)، والمتقدمُ لا ينسخُ المتأخِّرَ. وهذا الذي ذكره عن (٧) أهلُ العلمِ من التاريخ غيرُ مُسَلمٍ، فقد روى البخاريُّ في "جامعه" عن البراءِ -رضي الله تعالى عنه-: أنه قال: آخرُ آيةٍ نزلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخرُ سورةٍ

стр. 985

نزلت (براءة) (١)، ولأن (براءة) نزلت في سنةِ تسعٍ. وبعث رسولُ الله ﷺ علياً -رضي الله تعالى عنه- بعشرِ آياتٍ من أولِها إلى مكة؛ ليقرأها على أهلِ المَوْسِمِ بعدَما بعثَ أبا بكرٍ -رضي الله تعالى عنه - أميراً للموسم، وقال: "لا يُبَلِّغُ عَنِّي إلا رَجُلٌ منْ أهلِ بيتي"، فقرأها عليهم يومَ النَّحْرِ، ثم نادى: ألا لا يطوفَنَّ بالكعبةِ عُرْيانُ، ولا يطوفَنَّ بعدَ عامِنا هذا مُشركٌ (٢). و"سورةُ المائدة" فيها تحريمُ الخمرِ، وكان تحريمُه في السنةِ الثالثةِ، وفيها آيةُ التيمُّم، وكان نزولها في سنةِ أربعٍ، وفيها (٣) قولُه تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، وكان نزولُها بعرفاتٍ في حجَّةِ الوَداع في سنةِ عَشْرٍ كما ثبت ذلكَ في "الصحيحين" (٤) والله أعلم (٥).

стр. 986

ومرادُ مجاهِدٍ: المتقلدُ بلِحاء شجرِ الحَرَمِ (١). * وأما الهَدْيُ المُقَلَّدُ، فالحكمُ في تحريمها وتعظيمها باقٍ، ولا التفاتَ إلى منِ ادَّعى النَّسْخَ منِ المفسرين، فقد قلدَ النبيُّ ﷺ الهَدْيَ، وبعثَ بهِ ﷺ (٢) (٣). ولأجل هذا ذهَب مالكٌ إلى أنه إذا قَلَّدَ الهَدْيَ فلا يجوزُ له بيعُه، ولا هِبَته، ولا يورَثُ عنه إنْ مات، بخلاف الأُضْحِيَّةِ (٤). وعندَ الشافعيِّ لا يصيرُ هَدْياً إلا بالنُّطْقِ (٥)، وسيأتي مزيدُ كلامٍ على تقليد الهَدْيِ وإشعارِه في "سورة (٦) الحج" -إن شاء الله تعالى-. الحكم الرابع: قاصدو البيت الحرام: وقد نهى الله سبحانه في غير موضع من كتابه العزيز عن صَدِّهِمْ عنه،

стр. 987

وذمَّ من فعلَ ذلك فقال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤]. وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥]. والذي أذهبُ إليه وأعتقدُه مَذْهباً لكافةِ أهلِ العلمِ -إن شاء الله تعالى-: أنَّ هذا الحُكْمَ قد زالَ وبَطُلَ، فلا يجوزُ لنا أن نتركَ مُشْرِكاً يقصُد البيتَ، ولو ابتغى بذلك رضوانَ الله تعالى في زعمه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. فإن قال قائل: فلم عَمِلْتَ بهذِه الآية ولم تعملْ بآية المائدة (١)؟ قلت: لاتفاقِ أهلِ العلمِ على العمل بها دون غيرها. فأجمعوا على أن الحربيَّ يُمْنَعُ من دخولِ المسجد الحرام (٢) (٣). واختلفوا في الذِّمِّيِّ، فمنعه مالكٌ والشافعيُّ (٤)، وأباحه أبو حنيفةَ (٥).

стр. 988

فإن قال: فهل تجدُ دليلاً من السنَّةِ على تقديمِها غيرَ عملِ الكافَّةِ من أهلِ العلم؟ قلت: نعم، أما آيةُ (براءة)، فقد ثبتَ في الصحيحِ أن النبيَّ ﷺ بعثَ علياً في سنةِ تسعِ ينادي بها: أَلا لا (١) يَحُجَّ بعدَ العامِ مشركٌ (٢). وأما آيةُ المائدةِ، فروي أن نزولَها كان في عامِ الفتح في الحُطَمِ (٣) شُرَيْحِ البَكْرِيّ؛ كما قدمتهُ، وهذا كله يدلُّ على تأخرِ (براءة) عن المائدة، والله أعلم. - الحكم الخامس: شعائرُ الله: أي: معالمُ دينِ الله. وقد ذكرها الله سبحانه في مواضعَ من كتابه العزيز، فقال: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وقال أيضاً: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. واختلفوا في تأويله. فقيل: المرادُ به البُدْنَ المُشْعَرةَ. وقيل: مناسكُ الحجِّ. وقيل: ما حَرّمَ اللهُ في الإحرام. وقيل: حدودُ التحليل والتحريم. وقيل: حدودُ الحرم، فلا يجاوزها بغير إحرام (٤).

стр. 989

* ثم أمرنا الله سبحانه باصطياد الصيدِ إذا حللنا. وقد أجمع العلماء على أن الأمر في ذلك للإباحةِ، وعلى تحليلِ الاصطياد بعدَ التحلل (١). وفي ظني اتفاقُهم على تحريمِ الاصطيادِ حتى يكونَ التحليلُ الأكبر (٢)؛ لإشعارِ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، بذلك، فإنه لا يُسَمّى حلالاً قبل ذلك وإن رَمَى (٣) دون رَمْيِ جمرةِ العقبة، ولقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وما لم يتحلل التحليلَ الأكبرَ، فهو مُحَرمٌ، بدليل اتفاقهم على تحريم النساء. فإن قيل: فقد روي عن ابنِ عباس: أن هذهِ الآيةَ نزلَتْ لمَّا هَمَّ المُسلمون أن يُغيروا على أهل اليمامة حين أَتوا البيتَ الحرام، ومعهم

стр. 990

الحُطَمُ عندما سمعوا تلبيتهم، والمسلمون بالحديبية، وهذا (١) يعارض قولَه تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وقولَه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. فالجوابُ أنه لا تعارضَ بين الآياتِ، فإن الحطم إنما نَهَبَ سَرْحَ المدينة، ولم يحل مقلدَهُم، ولا صَدَّهم عن المسجد الحرام، ولا أحلَّ شعائَر الله تعالى التي تقرَّب (٢) بها، ولا هتكَ لهم شهرًا حرامًا، فلو صَدُّوه لكانوا قد تَعَدَّوا، وأحلُّوا شعيرة (٣) اللهِ والشهرَ الحرام أو الهدي المُقَلَّد، وأتى البيت الحرامَ، فلم يصدَّ المسلمين إلا كفارُ قريشٍ، فنهاهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: ٢]. فما نهاهم إلا عن الاعتداء، لا عن الاقتصاص، والله أعلم. * * *

стр. 991

(من أحكام الصيد والذبائح) ١٠٦ - (٣) قوله : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. أقول: فصَّل لنا ربُّنا ﷻ في هذه الآيةِ ما حَرَّمه علينا، وها أنا أذكره حُكْمًا حُكْمًا. * أما الميتةُ، فإنها حَرامٌ بإجماعِ المسلمين؛ لهذه الآية، ولغيرِها من الآيات. * واتفق أهلُ العلم على أن هذا اللفظَ ليسَ على عمومه، واختلفوا في المُخَصِّصِ (١) له. فذهبَ أبو حنيفةَ إلى تخصيصهِ بكل ما لاَ دمَ لهُ، وعمَّمه في سائِر المَيْتاتِ، بريَّةً كانَتِ الميتةُ أو بحريةً (٢).

стр. 992

واستدلَّ بأمر النبيِّ ﷺ بِمَقْلِ الذُّبابِ (١) إذا وقعَ في الطعامِ (٢)، ورأى أنَّ الدمَ علَّةُ التحريم، يوجدُ باحتباسِه، ويعدَمُ بإهراقه. وزاد قومٌ آخرون على ما استثناه ميتةَ البحر؛ لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ [المائدة: ٩٦]. وإليه ذهبَ مالكٌ (٣). وذهب الشافعيُّ إلى استثناءِ ميتةِ البحر خاصَّةً (٤)، فجمعَ بين الآياتِ والآثارِ. أما الآياتُ فخصَّ بخُصوصِ آيةِ البحرِ عمومَ قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]. واستدلَّ على تخصيصها لآية التحريم دونَ أن تكونَ آيةُ الميتةِ مخصِّصَةَ لصيدِ البحر بقوله ﷺ : "أحِلَّتْ لنا مَيْتَتانِ ودَمانِ" (٥) وبقوله ﷺ في البحر:

стр. 993

"هو الطَّهورُ ماؤهُ الحِلُّ مَيْتتهُ" (١)، وبما رواه جابر -رضي الله تعالى عنه-: أنهم أكلوا من الحوتِ الذي رماهُ البحرُ أيامًا، وتزودوا منه، وأنهم أخبروا بذلك رسولَ الله ﷺ ، فاستحسنَ فِعْلَهُم، وسألهم: "هل بقيَ منه شيء؟ " (٢) (٣). وضعف الشافعيُّ الاستدلالَ بأن ظاهرَ الكتابِ يقتضي تنويعَ المُحَرَّمِ إلى ميتةٍ ودمٍ، فالميتةُ تَحِلُّ بالذكاةِ، بخلافِ الدمِ، فلا يكون أحدُهما عِلَّةً لتحريم الآخر، ورأى أن العلَّة للمَقْلِ (٤) هو ما فَصَّلَتْه الإشارةُ النبويةُ من الداءِ بقوله: "فإنَّ في أَحَدِ جَناحَيْهِ داءً، وفي الآخَرِ دَواءً" (٥)، فجعله الشافعيُّ من بابِ العفوِ؛ لِمَشَقَّةِ الضَّرَر، وهذا من محاسنِ نظرهِ - رحمة الله عليه، وعليهم أجمعين (٦) -. فإن قال قائلٌ: فقد أفتى الشافعيُّ بتحليلِ جنينِ الذبيحةِ إذا خرجَ ميتًا (٧).

стр. 994

قلنا: ألحقهُ الشارعُ بالمُذَكَّى حُكْمًا ولَفْظًا، فقال ﷺ : "فإنَّ ذَكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ" (١). وبهذا القولِ قالَ مالكٌ (٢)، إلا أنه اشترطَ وجودَ ما يدلُّ على الحياةِ في الجنينِ من تمامِ الخَلْقِ وإنباتِ الشَّعرِ؛ لإشعارِ قوله ﷺ : "فإنَّ ذَكاتَه ذَكاةُ أُمِّه"؛ فإنه يقتضي كونَه مَحَلًا للذكاة، مع ما روي أن أصحابَ رسول الله ﷺ كانوا يقولون: إذا أشعرَ الجنينُ، فذكاتُه ذَكاةُ أُمِّهِ (٣). وأما الشافعيُّ فلم يشترطْ ذلكَ، وتمسك بالمعنى؛ فإنه إنما جعل ذكاتَه؛ ذَكاتَها لكونه جزءًا منها، فلا مَعْنى لاشتراطِ الحياةِ (٤)، مع ما روى ابنُ أبي ليلى قال: قال رسول الله ﷺ : "ذَكاةُ الجَنينِ ذَكاةُ أُمِّهِ، أَشْعَرَ أو لَمْ يُشْعِرْ" (٥)، لكن هذا مُرْسَلٌ، وابنُ أبي ليلى سَيِّئُ الحفظ عندَ أهل الحديث (٦).

стр. 995

* وأما الدمُ، فقد أطلقه الله سبحانه هنا، وقيدهُ في موضعٍ آخر بكونه دمًا مسفوحًا، والمسفوحُ هو المَصْبوبُ، قال طَرَفَةُ: [البحر الكامل] إنِّي وجَدِّكَ ما هَجَوْتُكَ وَإلا ... نْصابُ يُسْفَحُ فَوْقَهُنَّ دَم" (١) * وقد أجمع المسلمون على تحريمِ المسفوحِ؛ لهذه الآية، ولغيرها من الآيات (٢). * واختلفوا في غيرِ المسفوحِ. فقال الجمهورُ بتحليل القليلِ الغيرِ المسفوحِ؛ تقديمًا لمفهومِ التقييدِ على الإطلاق. وقال قومٌ بتحريمِ الدَّمِ مطلقًا، إما تقديمًا للقياس على المفهوم؛ فإن كلَّ حَرامٍ لا يَتبَعَّضُ ولا يُفَرَّقُ بين قليلهِ وكثيرِه، وإما حَمْلًا للمفهوم على الجامِدِ كالكَبد والطِّحالِ، بدليلِ الأثرِ: "أُحِلَّتْ لنا مَيْتتَانِ ودَمانِ، أَمَّا المَيْتَتانِ: فالحَوتُ والجَرادُ، وأما الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطَّحالُ" (٣) (٤). * ثم اختلفوا أيضًا: فمنهم من عمل بعمومِ اللفظ، فحكمَ بنجاسةِ الدمِ كله من الحيوانِ البرِّيِّ والبحريِّ (٥).

стр. 996

ومنهم من خَصَّهُ بغيرِ البحري، فأقاسَ دَم الصيدِ على ميتته، فخصَّصَ العمومَ بالقياسِ، وبهذا قالَ بعضُ الشافعيةِ، ومالكٌ في أحدِ قوليه (١)، والله أعلم. * وأما ما أُهِلَّ بهِ لغيرِ الله، فإنه حَرامٌ بإجماعِ المسلمين أيضًا، وقد حرمه اللهُ سبحانه في غير موضعين كتابه العزيز، وكرَّر تحريمهُ في أولِ هذهِ الآية، وفي وسطها، فقال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. * وأصلُ الإِهلال في اللسان: رفعُ الصوتِ عندَ رؤيةِ الهِلال، ثم أطلقَ على رفعِ الصوتِ مُطْلقًا (٢)، قال النابغةُ: [البحر الكامل] أَوْ دُرَّةٍ صَدَفيَّةٍ غَوَّاصُها ... بَهِجٌ متى يرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ (٣) ثم أُطلق على رفعِ الصوتِ باسمِ الصَّنَمِ عندَ الذَّبحِ، ثم أطلق على الذبحِ وحدَه؛ لملازمتِه رفعَ الصوتِ في عادتهم. وهو المرادُ في كتابِ الله تعالى حيث وردَ كما بينه اللهُ سبحانه هنا، فقال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. فإن قال قائل: فلعلَّ المرادَ بالذي في أولِ الآيةِ غيرُ الذي في آخرها،

стр. 997

فالمراد بالذي في آخرها ما ذُبح على النُّصُب، والمُراد بالذي في أولها ما رُفع بهِ الصوتُ بغيرِ اسم الله، ولم يُذْبَحْ، فيجبُ تحريمهُ إهانةً لشِعار الشركِ؛ كما يجبُ تعظيمُ ما أهِلَّ به للهِ من البُدْنِ تَعظيمًا لِشعائِر اللهِ سبحانه. قلت: ما أظن أحدًا من أهل العلم قالَ بهذا، بل هو حلالٌ إذا وقع في أيدي المسلمين قبلَ الذبحِ على النُّصُبِ، وإنما كررهُ الله سبحانه تأكيدًا لتحريمِه، فذكَره بلفظَي الحقيقةِ والمَجاز. * إذا تقرر هذا: فيحتملُ أن يكونَ المرادُ بقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣] العُمومَ لكلِّ ما ذُبِحَ لغير اللهِ، إما لصنمٍ، أو غيرِه. ويحتمل أن يكونَ المرادُ به الخصوصَ، وهو ما ذُبح باسمِ النُّصبِ خاصّةً؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣]. * ولأجل هذا اختلفَ أهلُ العلمِ في الذي ذبحَهُ الكتابيُّ باسمِ الكنائسِ، واسمِ موسى وعيسى- عليهما الصلاة والسلام-. فمنهم من حَلَّلَهُ، وقصرَ التحريمَ على النُّصُبِ، وإليه ذهبَ مالكٌ وأصحابه (١). وذهبَ الشافعيُّ إلى التعميمِ (٢)؛ عملًا باللفظِ والمعنى:

стр. 998

أما اللفظُ فلعمومِه. وأما المعنى، فلوجودِ التعظيمِ الذي هو علَّةُ التحريمِ حتى أطلقَ أصحابُه التحريمَ على ما يُذْبَحُ للسلطانِ عندَ استقباله؛ إذ المقصودُ بذلكِ التعظيمُ لا التكريمُ. * ثم ذكر الله سبحانه خمسةَ أشياءَ، وعَقَّبها بالاستثنناءِ، فقال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]. وبينَ النبيُّ ﷺ تحريمَ ذلك؛ كما ذكره الله سبحانه، فقالَ لعديِّ بنِ حاتِمٍ -رضي الله تعالى عنه- لمّا سألَه عن صيدِ المِعْراضِ (١): "إذا أصابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وإذا أصاب بِعرضِه، فقتلَ، فإنه وَقيذٌ (٢) فلا تأكلْ" (٣). * ولما حرم الله سبحانه الدمَ، وحرمَ هذه الأشياءَ، عقبها بذكرِ الذَّكاةِ، وجعل الذكاةَ علَّةَ التحليل، علمنا أن عِلَّةَ التحليل خُروجُ الدمِ بالذَّكاةِ، وأن عدمَ خروجِ الدمِ علةٌ للتحريمِ. فاستدللنا بذلك على أن كل حيوانٍ حلالٌ لا دمَ فيه؛ كالجرادِ لا يحتاجُ إلى ذكاةٍ.

стр. 999

وبهذا قال الشافعيُّ (١). وأوجب مالِكٌ الذكاة (٢). وذكاتُه قتلُه، إما بقطعِ رأسِه، أو غيرِ ذلك. واستدللنا أيضًا بذلكَ على أنَّ كلَّ حيوانٍ تحلُّ ميتتُه لا يَحتاج إلى ذكاةٍ؛ كصيدِ البحرِ، وهذا إجماع بين (٣) المسلمين أيضًا (٤). فإن قال قائل: فهل هذا الاستثناءُ متصلٌ أو منفصلٌ؟ وهل هو راجعٌ إلى المُحَرَّماتِ كُلِّها، أو يختصُّ بالأخيرِ منها؟ قلت: رجوع الاستثناء على الجملة الأخيرة، وهي ما أكل السبع مُتَّصِلٌ؛ لصدقِ اسمِ الأكيلِ عليه عندَ حُصول التذكية، وإن لم يزهقْ روحَه. وأما الأمورُ الأربعةُ، فمن لاحظَ وقوعَ اسمِ المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة عليها قبل الموت مجازًا، كان الاستثناءُ عندهُ مُتَّصِلًا أيضًا، وهذا هو الأقربُ إن -شاء الله تعالى-. ومن لاحظَ صدقَ الأسماءِ حقيقةً؛ إذ لا تسُمى هذه المحرماتُ قبلَ الموتِ منخنقةً ولا موقوذة ولا مترديةً ولا نطيحةً إلا على سبيل التجوُّز، منعَ عودَ الاستثناء إلى هذه الجملِ الأربعِ، اللهمَّ إلا أن يجوزَ حملُ اللفظِ الواحدِ على معنيين مختلفين، فيحمل الاستثناءُ على الاتصال في أكيلِ السبعِ، وعلى الانفصال في الذي قبله، وفي ذلك خلاف عندَ أهلِ النظر.

стр. 1000

وأما عودُه إلى الخنزير، فلا يجوزُ قطعًا؛ لأن الذكاةَ لا تعمل فيه شيئًا، وكذا لا يجوز عودُه إلى ما أُهِل بهِ لغير الله؛ لأنه استثناءٌ منقطعٌ؛ لاختلاف الحكم فيه (١). * إذا تمَّ هذا، فقد اتفقوا على أن الأكيلةَ والمنخنقةَ والموقوذةَ والمترديةَ والنطيحةَ إذا رُجي حياتُها، حَلَّتْ بالذكاة. وإن انتهتْ إلى حالٍ لا تُرجى حياتُها. فقال قوم: تحل بالذكاة، ويروى عن عليِّ وابنِ عباسٍ (٢). وبه قال أبو حنيفةَ (٣). وقال قومٌ: لا يحلُّ، وإليه ذهبَ الشافعيُّ وأبو يوسفَ (٤). وعن مالكٍ قولان، كالمذهبين (٥).

стр. 1001

* ثم بين النبيُّ ﷺ صفةَ الذكاةِ والآلَةَ التي يجوزُ بها الذكاةُ، ونهى عن السِّنِّ والظُّفُر (١). * ونهانا الله سبحانَه عن الاستقسامِ بالأزلام، وسماه فِسْقًا؛ لما فيه من أكلِ المالِ بالباطلِ، وإيقاعِ العداوةِ والبغضاءِ، وقدْ عافانا الله الكريمُ منه، فله الحمدُ. والاستقسامُ هو استقسامُ لحمِ الجَزورِ بالمَيْسِرِ. والأزلامُ هي السهامُ التي كانتِ الجاهليةُ يستقسمون بها، وكانت عشرة. منها سبعةٌ ذواتُ الحَظِّ والنصيب، وأسماؤها: الفَذُّ، والتَّوْأَمُ، والرَّقَيبُ، والجلسُ، والنافسُ، والمسبلُ، والمُعَلى. ومنها ثلاثةٌ بلا حَظٍّ ولا غُرْمٍ، وأسماؤها: الوغدُ، والسفيحُ، والمنيح (٢). وكانوا يجعلونها في خَريطةٍ، ويجعلونَ الجزورَ على ثمانيةَ عشَر سَهْمًا، ويخرجُها رجلٌ واحدًا واحدًا على أسمائهم، فللفذِّ سهمٌ، وللتوءَمِ سهمان، وللرقيبِ ثلاثةٌ، ومن بقيَ بلا سَهْمٍ، غرمَ ثمنَ الجَزورِ على قدر السهامِ. وقيل فيه من التأويل غيرُ ذلك، ولكن الظاهرَ ما ذكرتُه. * * *

стр. 1002

* قوله : ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣]. قد تقدم الكلامُ عليه. * * * ١٠٧ - (٤) قوله : ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤]. * أحل الله سبحانه بهذه الآية شيئين: الطيباتِ من الرزق، والصيدَ. * والمُراد بالطيبِ في هذه الآيةِ ما تَستطيبه نفوسُ العربِ. وعزاهُ الواحديُّ إلى عامَّةِ المفسرين، فقال: قال المفسرون: أحل الله للعرب ما استطابوا ممّا لم ينزلْ تحريمُه تلاوةً مثلَ الضبابِ، واليَرابيعِ (١)، والأرانب، وغيرها، فكلُّ حيوان استطابتهُ العربُ فهو حلالٌ، وكلُّ حيوانٍ استخبثتهُ العربُ، فهو حرامٌ (٢). وهذا التفسيرُ ظاهرٌ من قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. * ثم أحل الله الكريمُ لنا في هذه الآية صيدَ البرّ بإمساكِ الجَوارح المُكَلَّبةِ فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] أي: وصيدُ ما عَلَمْتُم من الجوارح، وأحله أيضًا لنا في غير هذه الآية بإصابةِ السلاح؛ حيث قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤].

стр. 1003

وبين النبيُّ ﷺ ذلكَ كما أحلَّه الله تُعالى، فقال لأبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ لما سأله: "فَما أَصَبْتَ بقوسِكَ فاذْكُرِ اسمَ اللهِ ، ثم كُلْ، وما أَصَبْتَ بكلبِك المُعَلَّمِ، فاذْكُرِ اسمَ اللهِ ، ثم كلْ، وما أصبتَ بكَلْبكَ الذي ليسَ بمُعَلَّمٍ، فأدركْتَ ذكاتَه، فَكُلْ" (١). * وقد اتفق العلماءُ على أن التعليمَ المذكورَ في الآية والحديثِ للاشتراطِ والتقييدِ، فيحل صيدُ المُعَلَّمِ، ويحرمُ صيدُ غيرِ المعلم، إلا أن يدركَ ذكاتَه. والحكمة في ذلك أنه يصير (٢) كسائرِ الآلاتِ التي لا اختيارَ لها، فيشترطُ فيه أن يُجيبَه إذا دعاه، وأن ينبعثَ إذا أشلاه (٣)، وأن ينزخر (٤) إذَا زجرهُ. * ثم لمّا خصصَ الله سبحانه تحليلَ صيدِها بكونِه مُمْسَكًا عَلينا، فهمنا تحريمَ ما أمسكتهُ الجائعة على غيرنا، وقد بينه النبيُّ ﷺ كذلك، فقال لعديِّ بنِ حاتِمٍ -رضي الله تعالى عنه- لما سأله: "إذا أَرْسَلْتَ كلْبَكَ، وذكرتَ اسمَ الله، فكلْ، فإن أكلَ منهُ، فلا تأكلْ منه (٥)؛ فإنما أمسكَ على نفِسه" قلت: فإن وجدْتُ مع كلبي كَلْبًا آخَرَ، فلا أدري أَيُّهما أخذَ، قال:

стр. 1004

"فلا تأكلْ، فإنما سَمَّيْتَ على كلبِك، ولم تُسَمِّ على غيره" (١). وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ (٢)، والثوريُّ (٣)، وهو (٤) قولُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٥) -، وبه نأخذُ. وذهب قومٌ إلى إباحةِ ما أكلَ منهُ الكلبُ؛ لقوله ﷺ لأبي ثعلبة الخشني: "إذا أرسلتَ كلبكَ المُعلَّم، وذكرتَ اسمَ اللهِ فَكُلْ"، قال أبو ثعلبة: قلت: وإن أكلَ منهُ يا رسول الله؟ قال: "وإن أكلَ" (٦)، رواه أبو داود. وبهذا قال مالكٌ والشافعيُّ في أضعفِ قوليه (٧). ويروى عن ابنِ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما (٨) -. قال أهلُ العلمِ بالترجيحِ (٩): وحديثُ عديّ أرجحُ؛ لكونه

стр. 1005

مُتَّفَقًا عليه، ولهذا رواه البخاريُّ ومسلمٌ. قلت: ولكونه أحوطَ. * ثم اختلفَ أهلُ العلم في اختِصاص الجوارحِ بالكلابِ. فقال فريقٌ منهم بالتخصيص، ومنعوا الصيدَ بغيرِها من جوارحِ السباعِ والطيورِ. وبه قالَ مُجاهد (١). وتمسكوا بظاهرِ قوله تعالى: ﴿مُكلَّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، واعتقدوه للتقييد لا للتعريف. وبعضُ هؤلاء استثنى البازِيَّ وحدَهُ (٢)؛ لحديثٍ رواه الترمذيُّ عن عديِّ بنِ حاتِمٍ -رضي الله تعالى عنه- قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن صيدِ البازي، فقال: "ما أَمْسَكَ عليكَ فَكُلْ" (٣). وقال جمهورُ العلماء بالتعميمِ.

стр. 1006

وبه قالَ فقهاءُ الأمصارِ (١)، ويروى عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٢) -. وتمسَّكوا: إما بالقياسِ على الكلابِ، فكل ما قَبِلَ التعليمَ فهو آلةٌ لذكاةِ الصيد، وإما بأنه مشتق من الكَلَبِ الذي هو الشدة، لا من اسمِ الكَلْب، فيكونُ معناه: مُغْرينَ للجوارحِ على الصيد، وبهذا فسرهُ ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-. * فإن قال قائل: فهل الإغراءُ أو الإرسالُ واجبٌ في الاصطيادِ، أولا؟. قلت: هو واجب في قولِ جمهور العلماء، فلا يَحِلُّ ما أمسكه الكلبُ باسترساله؛ لقوله تعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، أي: مُغْرين؛ كما فسره ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، وقوله ﷺ : "إذا أرسلتَ كلبكَ المُعَلَّمَ". فإن قال: فهل تجُدُ في الآية دليلًا غيرَ تفسير ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-؟ قلت: نعم، قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، أي: على الاصطياد؛ إذ لا يجوزُ عودُ الضَّميرِ على الأكل، ويكون المرادُ التسميةَ عندَ الأكل، وإذا تعيَّنَ ذلك، وتعين وجوبُ التسمية عند من يقول به، تعينَ القولُ عنده بوجوبِ الإرسال (٣).

стр. 1007

فإن قال: ما دلَّك على ما قلتَ من أن المرادَ التسميةُ عندَ الإرسال، لا عند الأكل؟ قلت: قوله ﷺ : "إذا أرسلت كلبكَ المعلَّمَ وذكرتَ اسمَ اللهِ فَكُلْ" (١). * وقد أجمع المسلمون على مشروعية التسمية عندَ الإرسالِ على الصيد، وعند الرمي، وعند الذبح. وإنما اختلفوا هل ذلك على الوجوب، أو على الندب؟ فقال أهلُ الظاهرِ بوجوبِها مطلقًا (٢)، وهو الصحيح عندَ أحمدَ في صيدِ الجوارحِ دونَ السهمِ (٣)، ويروى عن ابنِ سيرينَ وأبي ثورٍ (٤). وقال قومٌ باستحبابها مطلقًا، وبه قال الشافعيُّ ومالكٌ في إحدى الروايات عنه (٥). وقال جمهورُ أهلِ العلم: إن ترَكها سهوًا، حَلَّتِ الذبيحةُ والصيدُ، وإن تركَها عمدًا، فلا، وبه قالَ مالكٌ، وأبو حنيفةَ (٦)، والثوريُّ (٧).

стр. 1008

وسيأتي الكلام على ذلك -إن شاء الله تعالى- في الآية التي تليها، وهي قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥]. قال ابنُ عباسِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: طعامُهم: ذبائُحهم (١). * وقد أجمع العلماءُ على العملِ بهذه الآية، فأحلوا ذبائحَ أهلِ الكتاب كما أحلَّها الله تعالى، وإنما اختلفوا في بعضِ التفاصيل (٢). * وأطلق اللهُ سبحانه حِلَّ ذبائِحِهم، ولم يقيدْهُ بذكرِ التسميةِ كما ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨]. وهذا أيضًا مطلَق في أهل الكتاب وغيرِهم. فيحتمل أن يقيدَ إطلاقُه في المائدة بتقييده هناك، فلا تحل ذبائحُ أهل الكتابِ إلا إذا سمَّوا الله عليها. ويحتمل أن يقيدَ إطلاقُه في الأنعام بتقييده هنا، ويكون المعنى: فكلوا ممَّا ذُكِر اسمُ الله عليهِ من غيرِ ذبائحِ أهل الكتاب. فقال فريقٌ بالأول، فجعل آيةَ المائدةِ مقيدةً بآية الأنعامِ، فلا تحلُّ لنا ذبائحُ أهلِ الكتابِ إلا إذا علمْنا أنهم سَمَّوا اللهَ عليها، ذكر ذلك عنهم مَكَيُّ بنُ أبي طالب، ونسبه إلى عليٍّ وعائشةَ -رضي الله تعالى عنهما-، وهذا منه خطأٌ وغَفْلَةٌ، وإنما المرويُّ عن عليٍّ وعائشةَ وغيرِهما: أن ذبيحةَ

стр. 1009

الكتابيِّ لا تحل إذا سمعه يُسَمّي غيرَ الله، وهذا شيء قد قدمتُه (١) عندَ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣]. والذي عليه جمهورُ أهلِ العلمِ العملُ بآيةِ المائدةِ، وأن ذبائحَهم حلالٌ مطلقا؛ كما أطلقه اللهُ سبحانه، سواءٌ سَمَّوا اللهَ عليها، أم لا (٢). وادعى بعضُهم الاتفاقَ عليه (٣)، ونسبه إلى عليٍّ رضي الله تعالى عنه (٤). ثم اختلفت بهم (٥) الطرقُ. فرويَ عن أبي الدرداءِ وعُبادة بنِ الصامتِ وعِكرمة (٦): أنهم قالوا: آيةُ المائدةِ ناسخةٌ لآيةِ الأنعام (٧). والذي عليه جُمهور السلفِ والخلفِ العملُ بآية المائدة، فمن يشترطُ التسميةَ يقولُ بالتخصيص، ومن لم يشترطْها يقولُ بالتأويل، وأما القولُ بالنسخِ فبعيدٌ؛ لإمكانِ الجمعِ بين الآيتين (٨).

стр. 1010

والذي أختارهُ ما ذهبَ إليه أبو عبدِ الله الشافعيُّ -رحمه الله تعالى (١) -: أن (٢) التسميةَ غيرُ واجبة؛ فإن آية الأنعام مَخْصوصَةٌ بما ذُبح للأصنامِ، وذلك أن الجاهليةَ كانتْ تعظِّم آلهتَها، فتُهدي إليها، وتتقربُ إليها بالذبحِ عليها، وفعلُها هذا يتضمَّن ثلاثةَ أمورٍ قبيحةٍ شنيعةٍ: أحدها: الإهلالُ لغير اللهِ تعالى. وثانيها: ذبحُها تعظيمًا لآلهتها. وثالثها: تركُ ذكرِ اسم اللهِ عليها، وتعويضُه باسمِ آلهتها. ولا شكَّ أن قربانَ الإسلامِ بعكسِ ذلك، في هذهِ الأمورِ كلِّها، فحرم الله سبحانه قُربانَ الجاهليةِ، وكرر ذلكَ علينا، وعلقَ التحريمَ بكلِّ فردٍ من هذهِ الأمورِ الثلاثة التي تضمَّنها فعلُهم القبيحُ؛ تنبيهًا على اشتمالها على أنواعِ القبائحِ، فعلقه تارةً بالإهلالِ لغيرِ الله تعالى، وتارةً علَّقه بحقيقةِ الذبحِ على النُّصُب، وتارةً علَّقه بعدمِ ذكرِ الله تعالى، فقال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]. فإن قلت: فهلْ تجدُ في القرآن دليلًا على هذا؟ قلت: بل أدلةً: أحدها: الطلبُ من الله سبحانه لأهلِ الشركِ، وحَثُّه إياهُمْ على الأكلِ مِمَّا ذُكِرَ اسمُ الله عليه، فقال: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨] حتى جعلَ ذلكَ شرطًا في الإيمانِ. ثانيها: ذَمُّ الله سبحانه لهم على تركِ الأكلِ مما ذُكر اسمُ الله عليه،

стр. 1011

فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] الآية، فاستدللنا بهذا (١) على أن المرادَ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ما ذُبح باسمِ النُّصُبِ، والدليل على ذلك أيضًا وصفُه له بكونه فِسْقًا، والفِسْقُ ما أُهِلَّ بهِ لغيرِ الله؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٤، ١٤٥]، ولم يقل: أو فسقًا لم يُسَمَّ اللهُ عليه. فإن قلت: فإنا نجدُ في القرآنِ والسنةِ ظواهرَ تدلُّ على طلبِ التسمية؛ كقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤]، وقوله ﷺ : "إذا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ، وذَكَرْتَ اسمَ الله عليهِ، فَكُلْ" (٢)، وغير ذلك من الآثار. قلت: هذه الظواهرُ محمولة عندنا على الاستِحباب، والخِطابُ جرى على غالب الوجودِ من أحوالِهم، بدليلِ ما قدمتهُ. فإن قلتَ: فهل تجدُ في السنةِ دليلًا على ما قلتَ من صرفِ هذهِ الظواهرِ إلى ما أُريد بها؟ قلت: نعم، روى البخاريُّ عن هشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه (٣) عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: أن قومًا قالوا للنبي ﷺ : إن قومًا يأتونا باللَّحم لا ندري أَذَكَروا اسمَ اللهِ عليهِ، أم لا؟ فقال: "سَمُّوا عليهِ أنتم وكلوه" (٤)،

стр. 1012

فهذه التسميةُ هيَ المندوب إليها عندَ الأكلِ، وليست هي التسيمةُ عندَ الذكاة، ولو كانَ حَرامًا، لم يأمرْهُم. * * * ١٠٨ - (٥) قوله ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]. * إذا تَمَّ هذا، فهذه الإضافةُ للطَّعامِ الى أهلِ الكتابِ: يَحتمل أن يُرادَ بها عامَّةُ ذبائِحهم. ويحتملُ أن يُرادَ بها ما يَحِلُّ لهم مِمَّا يَطْعَمونه دونَ ما يحرم عليهم كذواتِ الظفرِ، وشحومِ الغنمِ والبقر. وبالمعنى الأولِ قالَ الشافعيُّ (١)، وابنُ وَهْبٍ، وابنُ عبدِ الحَكَمِ (٢). وبالمنع قالَ ابنُ القاسمِ (٣). وفرق أشهبُ بينَ ما كانَ مُحَرَّمًا بالتوراةِ، وما كانَ مُحرَّمًا من قِبَلِ أَنْفُسهم، فأباح ما ذبحوا مِمّا حَرَّموه على أنفسهم (٤). وكذلك اختلفَ قولُ مالكٍ في الشحوم (٥).

стр. 1013

وبالإباحةِ قالَ الشافعيُّ (١)، ويدلُّ له ما رُوي أنَّ عبدَ اللهِ بنَ مُغَفَّلٍ أصابَ جرابَ شَحْمٍ (٢) يومَ خَيْبَر، ورآه النبيُّ ﷺ ، وأقرَّهُ على أخذه، ولم ينهَه (٣). * واتفق عامةُ أهلِ العلمِ على أن المرادَ بأهلِ الكتاب اليهودُ والنصارى من بني إسرائيلَ والرومِ والحبشة، ومنهم السامرةُ (٤)؛ لما روي (٥): أن عاملًا لعمرَ كتبَ إليه: إن ناسًا من قِبَلِنا يُدْعَوْنَ السّامِرَةَ، يسبِتون يومَ

стр. 1014

السبتِ، ويقرؤون التوراةَ، ولا يؤمنون بيومِ البعثِ، فما ترى يا أمير المؤمنين في ذبائحهم؟ فكتبَ: هم طائفة من أهلِ الكتابِ، وذبائحُهم ذبائحُ أهلِ الكتاب (١) (٢). * واختلفوا في نَصارى العربِ: فذهبَ الجُمهور إلى تحليلِ ذبائحِهم (٣)؛ لعموم الكتاب، وهو قولُ ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما (٤) -. وذهبَ قومٌ إلى تحريمِها، فكان على وعمرُ -رضي الله تعالى عنهما- ينهيان عن ذبائحِ بني تغلِبٍ (٥)، وبه قال الشافعيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالى (٦) -. * وكذلك اختلَفوا في الصابِئينَ: فمنَ الناس من أطلقَ عليهمُ اسمَ أهلِ الكتِاب، وبهِ قال جابرُ بنُ زيدٍ، فألحقَهُمْ بأهله (٧). ومنهم من قالَ: لَيْسوا من أهلِ الكِتاب، وبه قالَ ابنُ عباسٍ ومُجاهِدٌ (٨).

стр. 1015

* وكذلك اختلَفوا في المَجوسِ. فذهبَ الجمهورُ إلى أنه لا تَحِلُّ ذَبائِحُهم، كما لا يَحِلُّ نِكاحُ نِسائِهم (١)؛ لكونهم ليسوا من أهلِ الكتاب، وهو قولُ عليٍّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه (٢) -. وذهب قومٌ إلى تَحْليِلها، وهو قولُ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما (٣) -؛ لقوله ﷺ : "سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الكِتاب" (٤). وخَصَّصَ الأَوَّلونَ الحديثَ ببعضِ الأحكامِ، وهو التقريرُ بِبَذْلِ الجِزْيَةِ،

стр. 1016

واستدلُوا بكونهم لا تَحِلُّ نِساؤُهم إجماعًا، فخرجوا بذلكَ من سُنَّةِ أَهْلِ الكتابِ في النكاح، فكذلكَ في الذبائحِ؛ لأن الأصلَ فيهما التحريمُ. وبقيةُ الآيةِ قد تقدَّم شرحُه في "سورةِ البقرةِ" و"النساءِ". * * *

стр. 1017

(من أحكام الطهارة) ١٠٩ - (٦) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]. * أوجبَ اللهُ سبحانَه بهذه الآية الوضوءَ على المُؤمنين، وَبيَّنه النبيُّ ﷺ كَما فرضَه اللهُ تعالى بفعله، وقال: "لا يقبلُ اللهُ صلاةَ مَنْ أحدَثَ حَتّى يَتَوَضَّأَ" (١). * وقد أجمعتِ الأمةُ على وُجوبه؛ كما فرضَهُ اللهُ سُبحانه. * وعَلَّق اللهُ سبحانَه فَرْضَه بالقيامِ إلى الصَّلاةِ. فيحتملُ أن يُرادَ به حقيقةُ التعليق، فيجبُ الوضوءُ عندَ كُلِّ قيامٍ إلى الصلاةِ.

стр. 1018

ويحتملُ أن يُرادَ به التعريفُ لوقتٍ خاصٍّ، وهو وقتُ الحَدَثِ، وبهذا المعنى خَصَّه عامَّةُ أهلِ العلمِ بالقرآنِ. فقال ابنُ عباسٍ -رضي اللهُ تعالى عنهما-: إذا قُمتم إلى الصَّلاةِ وأنتم مُحْدِثون (١). وقال زيدُ بنُ أَسْلَمَ: إذا قمتم إلى الصلاةِ من النومِ (٢). وحكيَ عن عِكْرِمَةَ وابنِ سِيرينَ (٣): أنهما حَمَلا الخِطاب على حقيقتِه في التعليقِ، فأوجبا الوضوءَ لكلِّ صلاة. قال ابنُ سيرينَ: كانَ الخُلَفاءُ يتوضَّؤونَ لكلِّ صلاةٍ (٤). وهما مَحْجوجانِ باتفاقِ العامَّةِ من أهلِ العلمِ، وببيانِ النبيِّ ﷺ ؛ فإنه كانَ يُصَلِّي الصَّلَواتِ بالوضوءِ الواحدِ، ولعلَّ الخلفاءَ فَعلوا ذلكَ للفَضْلِ، لا للحَتْم. * فأوجَب الله سبحانهُ غسلَ الوجهِ واليدين إلى المِرْفقين، اتَّفق (٥) العلماءُ على وُجوبِ ذلكَ (٦)، وإنَّما اختلَفوا في تفاصيلهِ، فاختلَفوا في البَياضِ الذي خَلْفَ العِذارِ (٧)، ودونَ الأُذُنِ.

стр. 1019

- فذهبَ الشافعيُّ وأبو حَنيفةَ إلى أنهُ من الوَجْهِ (١). - وقال مالِكٌ: ليسَ من الوَجْهِ (٢). والوَجْهُ مشتقٌّ من المُواجَهةِ: فمنهمُ من رَأى اسمَ الوَجْهِ صادقًا عليه، ومنهم مَنْ لم يَرَ ذلك. وهذا أيضًا سَبَبُ اختلافِهم فيما نزلَ من اللِّحْيَةِ عن منابِتِها. فأوجبَ مالكٌ غَسْلَهُ (٣)، ولم يوجِبْه أبو حنيفةَ (٤). واختلفَ قولُ الشافعيِّ في ذلك (٥). * وأما اختلافهُم في اليدِ، ففي موضِعَينِ: أحدُهما: في الحكم. والثاني: في كيفيةِ الاستدِلالِ. أما الحكمُ:

стр. 1020

فقال جمهورُ أهلِ العلم: يجبُ إدخالُ المِرْفَقَيْنِ في الغَسْلِ (١). وقال زُفَرُ (٢)، وأبو بكرِ بنُ داودَ (٣)، ومالكٌ في راويةِ أشهبَ: لا يجبُ (٤). وأما الاستِدْلالُ: فإنَّ زُفَرَ ومُوافقيهِ أخذوا بظاهِرِ المعنى المشهورِ الموضوعِ لـ (إلى)، وهو الغايةُ. وأما الجُمهورُ، فجعلوها بمعنى (مع)، وذلك شائعٌ في اللسانِ، جائزٌ عند كافَّةِ الكوفيينَ وبعضِ البَصْريِّين، قال امْرُؤ القيسِ: [البحر الطويل] لَهُ كفَلٌ كالدِّعْصِ لَبَّدَهُ النَّدَى ... إلى حاركٍ مثلِ الغَبيطِ المُذَأَبِ (٥) واستدلَّ الشافعيةُ، أو بعضُهم، بما روى (٦) جابرٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ-: أن النبي ﷺ كان إذا توضّأَ، أدارَ الماءَ على مِرْفَقَيه (٧)، وقالوا: هذا بيان لِما وردَ في الآية مُجْمَلًا، وأفعالُه ﷺ تُحْمَلُ على الوُجوبِ في بَيانِ المُجْمَلِ.
следующие страницы →