على قَضايا وأسبابٍ، ولم تُخَصَّ بها أَسْبابُها, ولم تقصرْها عليها، وذلكَ كآيةِ القَذْفِ (١) واللِّعانِ (٢) والظّهار (٣)، وغيرِ ذلك، وكقوله ﷺ : "الوَلدُ للفِراشِ، ولِلعاهِرِ الحَجَرُ" (٤)، وكقوله ﷺ في بئر بُضَاعَة: "الماءُ طَهورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ؛ إلَّا ما غَيَّرَ طَعْمَهُ أو ريحَهُ" (٥)، وغيرِ ذلك.
ولكنْ ينبغي للناظِرِ أن ينظرَ في قرائنِ الألْفاظ، وشواهِدِ الأحْوالِ، فإنْ لم يجدْ ما يدلُّ على تَعْدِيَةِ الحُكْمِ، أو قَصْرِهِ، نظرَ في الأدِلَّةِ الخارجَةِ، فإنْ لم يجدْ أُمْضِيَتِ الأَلْفاظُ على حَقائِقِها وأَوْضاعِها؛ كما هوَ مذهبُ الإمامِ أبي عبدِ اللهِ الشافعيِّ رحمهُ اللهُ تعالى (٦).
* * *
стр. 142
القولُ في مَعرفة المُتشابه والمُتعارض
أما المُتشَابه (١)، فإنَّه ورَد على معنيينِ مختلفينِ في آيتينِ من كتاب اللهِ ﷻ :
إحداهما: قولُه ﷻ : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)﴾ [آل عمران: ٧] فهذه الآية قد كَثُر فيها كلامُ أهلِ العِلْمِ من الخَلَفِ والسَّلَفِ؛ لعِظَمِ شأنِها، فاختلفوا في حقيقةِ المُتَشابهِ، وفي موضِع الوَقْفِ منها عندَ التّلاَوةِ.
أما المحكم، فقالَ ابنُ عَبّاسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: المُحْكَماتُ
стр. 143
اللَّواتي هُنَّ أُمُّ الكِتاب مثلُ قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخِرِ الثلاثِ الآياتِ، وهُنَّ أُمُّ كل كتاب نزلَ (١).
والمُتشابِهاتُ: ما اشْتبَهَ على اليَهودِ حينَ سَمِعوا ﴿آلم﴾ فقالوا: هذا بالجُمَّلِ أَحَدٌ وسبعونَ، وهذا غايةُ أَجَلِ هذهِ الأُمَّة، فلما سمعوا ﴿آلر﴾ وغيرَها، اشْتبَهَتْ عليهم (٢).
وقال جابرٌ ﵁: المُتشابهُ ما لا يُعلم تعيينُ تأويلِه؛ كقيامِ الساعةِ، وخُروجِ دابّهِ الأرضِ، ويأجوجَ ومَأجوجَ.
وقال عبد الملك بن جُريج: هو ما لا سبيلَ إلى مَعْرِفَتِهِ، والمَرْءُ مُبتلًى باعتقادِ حَقيقَتِهِ لا غَيْر، كَصِفَةِ اليَدِ والوَجْهِ والاسْتِواءِ؛ لأنَّه تَخَالَفَ فِيهِ السَّمْعُ والعَقْلُ (٣)؛ لاشْتِباهِ لَفْظِهِ بما لا يَليقُ بمعناهُ، والحِكْمَةُ فيهِ اعترافُ العبدِ بعَجْزِهِ، فَيَذِلُّ لمَولاه، فالحكيمِ إذا صَنَّفَ كِتاباً؛ ربَّما أَبْهَمَ فيما أَفْهَمَ؛ ليرجِعَ الطالبُ في ذلكَ إليهِ، فيأخَذ مِمَّا لَدَيهِ، ويعترفَ بِعَجْزِهِ وافْتِقارهِ إليه.
وقال بَعْضُهُمْ: المُتَشابِهُ: هو القصصُ والأَمْثالُ، والمُحْكَمُ: هوَ الحلالُ والحَرامُ (٤).
وهذا ضعيف جدًا (٥).
стр. 144
وأَمَّا الوَقْفُ على المَوضِعِ الذي تَمَّ بهِ المَعْنى (١)، فهوَ على قوله سبحانَه: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ على قولِ منْ زَعَم أنَّ الراسخينَ لم يعلموا تأويلَهُ، وهمْ أكثرُ أهلِ العلمِ منَ المُفَسِّرينَ وغَيْرِهم، ويكونُ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مُبْتَدَأَّ بَعدَ وَقْفٍ، ويشهدُ له قراءةُ عبدِ اللهِ: (إنْ تأويلُه إلَّا عندَ اللهِ) (٢)، وقراءَةُ أُبَيٍّ وابنِ عباس ﵄، (ويقولُ الرَّاسخونَ) (٣) الآية.
الثانية: قوله ﷻ : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ
стр. 145
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: ٢٣] فقيلَ: متشابِهاً في العَدْلِ والإِعجاز، وقيل غيرُ ذلك مِمّا هو في معناهُ (١).
و ﴿مَثَانِيَ﴾ قال ابنُ عَبّاسٍ ﵁: يُحْمَلُ بعضُها على بعضٍ (٢).
وهذانِ النوعانِ -أعني نَوعَي المُتَشابِهِ- مِمّا اخْتَصَّ بهما القرآنُ، وكذا السُّنَّةُ المُحَمَّدِيَّةُ -على صاحبِها أفَضلُ الصلاة والسلام-.
وهذا النوعُ الثاني من المتشابِهِ على قسمين:
أحدهما: الاقْتِصاصُ (٣)، وهو الاتِّباعُ، مأخوذٌ من قولِهِم: اقْتَصَّ الأَثَرَ إذا اتّبَعَهُ (٤)، وهو أن يكونَ كلامٌ في سورةٍ مَقْرونا بلامِ الذكْرِ، فيقتصُّ العالِمُ ذلكَ من كلامٍ آخَرَ، إمّا في تلكَ السورةِ، وإمّا في سورةٍ أخرى؛ كقولِ اللهِ ﷻ : ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] والآخرةُ دارُ ثوابٍ وجَزاءٍ لا عَمَلَ فيها، فهذا مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ [طه: ٧٥].
ومثلُه قولُ اللهِ : ﴿وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾ [الصافات: ٥٧] , والمُحْضَرُ مأخوذٌ من قولهِ تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ
стр. 146
مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦] , ومن قوله تَعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ [مريم: ٦٨].
ومن الاقتصاصِ قولُهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١] فيقال: إنها مقتصَّة من أربعِ آياتٍ:
إحداهن: قولُه تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] , فهم في هذه الآيةِ الملائكةُ -عليهمُ الصلاةُ والسلامُ-.
الثانية: قولُه تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] , فهم في هذه الآيةِ الأنبياءُ -عليهمُ الصَّلاة والسلامُ-.
الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣] فهم في هذهِ الآيةِ أمةِ محمدٍ ﷺ .
الرابعة: قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤] فهم في هذه الآيةِ الأعضاءُ.
ومنَ الاقتصاصِ قولُه تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢] , قُرِئَ بتخفيفِ الدالِ، وقُرِئ بتشديدها في غيرِ السَّبعْ (١)، فَمَنْ شَدَّدَ، فهو
стр. 147
مِنْ: نَدَّ إذا انْفَرَدَ، وهذا المعنى مُقْتَصٌّ من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٦] ومَنْ خَفَّفَ فهو من تَفاعَلَ منَ النِّداءِ، وهذا المعنى مُقْتَصّ من قوله تَعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف: ٤٤]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ﴾ [الأعراف: ٤٨]، وما أشبه هذا من الآيات التي فيها ذكر النداء.
ومنهُ قولُه تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦٤]، فالبشرى: الجَنَّةُ، مُقَتصَّة من قوله تعالى: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
وقد يكونُ الاقتصاصُ مُتَّصِلاً؛ كقولِ اللهِ : ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، فبيانُ الرسول مُقْتَصٌّ منَ الآيةِ الأولى المُتَّصِلَةِ بهذه، وهي قولُه تعالى: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥].
القسمُ الثَّاني: التَّفسيرُ والبيانُ (١)، ويسميهِ بعضُ أهلِ العلم بالقُرْآنِ: الجَوابَ، وهو شديدُ الشَّبَهِ بالنوعِ الأولِ، وهو متصلٌ ومنفصلٌ كالقِسْم الأولِ.
فالمتصل: كقولِ اللهِ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١]، فبيان هذا قولُه تعالى: ﴿قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١]، ومثْلُه قولُ اللهِ
فصل
وأمَّا المُتَعارِضُ، فمعرفتُه مُهِمَّةٌ عندَ أهلِ العِلْم، وبسببها تتفاوتُ العُلماء في دَرَجاتِهم، وسأذكرُ من ذلكَ جُمْلَةً نفيسةً إنْ شاءَ اللهُ تعَالى.
فأقول: التعارُضُ (١) على ثلاثةِ أقسامٍ:
الأول: تعارضُ العامِّ والخاصِّ، والمُطْلَقِ والمُقَيَّدِ، والمُجْمَلِ والمُبَيَّنِ (٢).
فهذا يُقضى فيه بالخاصِّ على العامِّ، والمُقَيَّدِ على المُطْلَقِ، والمُبَيَّن على المُجْمَل، ويُعْمَلُ بالدليلَينِ كما قَدَّمْتُ أمثلةَ ذلك، وفي الحقيقةِ ليسَ بِمُتعارضٍ، ولا بِمُخْتَلِفٍ (٣).
стр. 150
الثَّاني: تعارضُ العامِّ والعامِّ.
فإنْ كانا عامَّينِ من كُل الوجوه؛ فهو كَتَعارُضِ النَّصَّينِ، وسيأتي بَيانُ حُكْمِهِ.
وإنْ أمكنَ أن يُخَصَّ عُمومُ كُلِّ واحدٍ منهما بالآخَر، فهذا لا يُقْضَى بأحدِهما على الآخر، إلَّا بدليل يَدُل على المَخْصوصِ منهُما، أو ترجيع لأحدِهما على الآخَرِ، وهذا كثيرٌ موجودٌ في الكِتاب والسُّنَّة، لكنْ دون الأَوَّلِ (١).
ومثالُهُ من الكِتابِ (٢): قولُه : ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، وهذا عامٌّ في النكاحِ وفي مُلْكِ اليَمينِ، معَ قولهِ تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وهذا عام في الأَجْنَبياتِ والقَريباتِ، فَيَحْتَمِلُ تحريمَ الجَمْع بين الأختين بملكِ اليمين؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]، ويَحْتَمِلُ تحليلَهُما؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، والتحريمُ أَحْوَطُ، فكانَ أَرْجَحَ، ولهذا قالَ عثمانُ وعلى ﵄: أحلَّتْهُما آيةٌ، وحَرَّمَتْهُما آية، والتحريمُ أولى (٣). ونحو هذا من الكِتابِ العزيز.
стр. 151
ومثْلُه منَ السنَّةِ (١) ما رُوِي عنهُ ﷺ من النَّهْي عنِ الصلاةِ في الأوقاتِ المكروهةِ (٢)، مع قوله ﷺ : "مَنْ نامَ عَنْ صَلاةٍ أَو نَسِيَها، فَلْيصَلِّها إذا ذَكَرَها" (٣).
فإنَّه يَحْتَمِلُ أنهُ أرادَ بالنَّهْيِ عنِ الصَّلاةِ في الأوقاتِ المذكورةِ الصَّلاةَ التي لا سَبَبَ لَها؛ بدليل هذا الحديثِ.
ويَحْتَمِلُ أنهُ أرادَ بالصَّلاة عندَ الذِّكْرِ إذا ذَكَرَها في غيرِ وقْتِ الكَراهَة؛ بدليل نَهْيِهِ ﷺ ، فقضى الشافعيّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- بِجَوازِ ما لها سَبَبٌ (٤)؛ بدليل ما رُوِيَ أَنَّ النبيَّ ﷺ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي بعدَ الصُّبْحِ رَكْعَتينِ، فسألَهُ فقالَ: هما رَكْعَتا الفَجْرِ، فأقرَّهُ ﷺ على ذلك (٥).
стр. 152
هذا في تقديم أَحَدِ المُتَعارِضَيْنِ على الآخَرِ (١).
وقد يُقضى لِكُلِّ واحدٍ من المُتعارِضَينِ على معارضه من الطَّرَفَينِ جَميعاً؛ لقيامِ الدليلِ (٢)، وذلكَ كما رُوي عنه ﷺ : "خَيرُ الشُّهودِ مَنْ شِهَد قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ" (٣)، مع ما رُويَ عنهُ: "شَرُّ الشُّهودِ مَنْ شَهِدَ قَبْلَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ" (٤)، فقال أصحابُه:
стр. 153
الأولُ: محمولٌ إذا شهدَ وصاحِبُ الحَقِّ لا يعلَمُ أنَّ لهُ شاهدًا، فإن الأَولى أن يشهدَ، وإن لم يُسْتشهَدْ؛ لِيَصِلَ المَشْهودُ له إلى حَقِّهِ.
والثاني: مَحْمولٌ عليهِ إذا عَلِمَ مَنْ لَهُ الحَقُّ أَنَّ له شاهِداً، فلا يجوزُ للشاهدِ أن يبدأَ بالشهادةِ قبلَ أن يستشهدَ؛ لما فيهِ منَ الحِرْصِ (١).
الثالثُ (٢): تَعارُضُ النَّصَّين: ومن ضرورةِ تعارُضِهِما ولوازمِه أنهُ لا يقعُ إلَّا في وَقْتَينِ؛ أحدُهما بعدَ الآخَر، وحُكْم ذلكَ أن يُنْسَخَ الأولُ بالثاني (٣). والنَّسْخُ واقعٌ في السُّنَّةِ (٤)، وفي القرآنِ المَجيدِ؛ خلافًا لأبي مُسْلِمٍ الأَصْفَهانِيِّ، ولا الْتِفاتَ إلى مقالتهِ، فلا يُشْتَغَلُ بالرَّدِّ عليهِ مع وُرودِ النَّصِّ بذلكَ في الكتاب العزيز، قال اللهُ تَعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦].
* * *
стр. 154
(القول في الناسخ والمنسوخ)
ثم اعلموا أَنَّ عِلْمَ النَّسخِ جليلٌ، وقدرَهُ عظيمٌ لا يَسْتغني عنهُ حامِلُ القرآنِ العزيزِ، ولا يجوزُ لأحدٍ من أهلِ الِعْلمِ والفَتْوى الخَوضُ في الأحكامِ قبلَ معرفتهِ؛ كما ورد ذلكَ عنِ الصَّحابةِ رضيَ اللهُ تَعالى عنهم.
ولهذا أفردَهُ أهلُ العِلم بالذِّكْرِ والتَّصنيفِ، وها أنا أذكرُ في كتابي هذا قواعِدَهُ التي يُبْتَنى عليها، وأُصولَهُ التي يَسْتَنِدُ إليها؛ ليكْمُلَ نَفْعُهُ، وتظهرَ بركتُه -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-، وأشرحُه في خمسةِ فصولٍ مع الإيجازِ والاختصارِ، وأبينهُ بياناً شافياً، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
* * *
الفصل الأول في معنى النسخ وحقيقته
اعلموا أن النسخَ في لسانِ العربِ اسمٌ مُشْتَرَكٌ بينَ معنيينِ (١).
стр. 155
أحدُهما: النَّقْلُ؛ كقولكَ: نسختُ الكتابَ، إذا نقلتَ ما فيهِ، قالَ اللهُ : ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩].
قال ابنُ عباسٍ وغيرُه -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم-: إنَّ أعمالَ العِباد تكتبُها الحَفَظَةُ منَ اللَّوحِ المَحْفوظِ قبلَ عَمَلِهِمْ لَها، ثم يقابَلُ بذلكَ ما يَحْدُثُ منْ عملِهم وحركاتِهم في الدُّنيا، فيجدونَ الأمرَ على ما اسْتَنْسَخوا من اللَّوحِ المحفوظِ (١).
والنسخُ الذي نريدُ بيانَه ليسَ منْ هذا المَعْنى؛ خلافًا للنَّحّاسِ؛ حيثُ تَوَهَّمَهُ (٢)، وقدْ غَلَّطوهُ فيه.
المعنى الثَّاني: الإزالَةُ؛ كقولهِم: نَسَخَتِ الشَّمْسُ الظِّلَّ، ونَسَخَتِ الرِّياحُ الآثارَ، وهذا المعنى هو المُرادُ بالنَّسْخِ (٣).
وأَمّا حقيقَتُه، فاعلموا -رَحِمَكُم اللهُ الكَريم وإيَّايَ-: أَنَّ القرآنَ المجيدَ كلامُ اللهِ ﷻ ، وصِفَةٌ من صفاتِهِ القديمةِ، غيرُ مُحْدَثٍ ولا مَخْلوقٍ، وأَنَّ اللهَ ﷻ حكيمٌ يحكم لا مُعَقِّبَ لحُكْمِهِ، عليمٌ يعلمُ جميعَ الكائِناتِ قبلَ أنْ تكونَ على ما تكونُ بعدَ أنْ تكونَ، ويعلمُ مُبْتَدَأَها ومُنْتَهاها، وصفَتَها على ما قَدَّرَها بحِكْمَتِهِ، أحاطَ بكُلِّ شَيءِ عِلْماً، وأَحْصى كُلَّ شيءٍ عَدَداً، فهو عالِمٌ بخلقِهِ قبلَ إيجادِهم، وعالمٌ بما يتعبَّدُهُم به، وما يَنْهاهُمْ عنهُ، وما يُقِرُّهم عليهِ من التعبُّدات، وما ينقُلُهم عنه، ويعلمُ مُدَّةَ تعبُّدِهم، وابتداءَ نَقْلِهِم.
стр. 156
فأمر اللهُ ﷻ عبادَه بفرائضَ في وَقْتٍ، ثم نَقَلَهُمْ عنْها في وقتٍ آخَرَ، وقدْ عَلِم ذلكَ ﷻ في الأَزَلِ، لا أَؤلِيَّةَ لعلمِه، ولا مُعَقّب لحُكْمِه، فعَل ذلك بهم بحكمةٍ عَلِمَها، ولقدرة ابتدَعَها (١)، ولُطْفاً بعباده، إمَّا لتخفيفِ المَشَقَّةِ عليهم، أو لتَضْعيف الحَسَناتِ لهم، سبحانَ اللهِ ﷻ ، وتقدَّسَتْ أَسْماؤُه، وتَعالى عَمَّا يقولُ الظَّالِمون عُلُوًّا كبيرًا.
ولَمَّا طبعَ اللهُ الحكيمُ (٢) على قلوبِ قومٍ بقدرتهِ ولطيفِ حكمتهِ، أَذْهَبَ أَنْوارَها، وأعمى أبصارَها عَنْ جَلِيِّ قدرتهِ وبديع حكمتهِ وعظيمِ علمهِ، فاعتقدَ قومٌ أنَّ النسخَ بَداءٌ (٣)؛ لِتَقَلُّبهِ وتنَقُّلِهِ، وأَطْلقَوا ذلكَ على اللهِ تعالى، وإنْ كانوا أرادوا بالبَداءِ هو أن يَظْهَرَ لهُ ما كانَ خَفِيًّا عليهِ؛ كما هُوَ حَقيقَةً في اللّسانِ، فذلكَ كُفْرٌ، تَعالَى اللهُ عَمَّا يَقولونَ (٤) عُلُوًّا كَبيراً، وإنْ كانوا أَرادوا تأويلاً آخَرَ، فهوَ ضَلالٌ مُبينٌ، نَسْألُ اللهَ الكَريمَ السَّلامَةَ مِنَ الزَّيغِ والضَّلالِ، والهدايةَ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ بفَضْلِه ورَحْمَتِه.
ودَخَلَتِ الشُّبْهَةُ على قومٍ آخَرينَ، فاعتقدوا أنَّ القرآنَ مَخْلوقٌ، فنسألُ اللهَ الكريمَ الهدايةَ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ بفضلِه ورحمتِه، إنهُ ذو الفَضْل العظيمِ.
* * *
стр. 157
الفصل الثَّاني في أقسام النسخ والناسخ والمنسوخ
أمَّا النَّسْخُ فإنَّه على ضَرْبَينِ:
أحدُهما: أن تنُسخ الآيةُ وتُرفَعَ، ولا يُعْرَفَ لها ناسِخٌ منَ الكِتابِ، وذلكَ لا يُعْرَفُ إلَّا من طَريقِ الأخبارِ؛ كما رُوِيَ أنَّه كانتْ سورةُ الأحزابِ تعدلُ سورةَ (البقرةِ) (١)، وأنهُ نزلَتْ سورةٌ نَحْوٌ من (براءة) (٢)، ثم رُفِعَ ذلكَ، ونُسِخَ حِفْظُهُ منَ الصدورِ، وهذا النسخُ يدخُلُ الأحكامَ والأخبارَ والقَصَصَ والصِّفاتِ والأسماءَ، فللهِ سبحانَه أن ينسخَ ذلكَ كُلَّهُ بإزالَةِ حِفْظِه، ويفعلَ ما يشاءُ (٣).
الثَّاني: أن تُنْسَخَ الآيةُ، ويُعْرَفَ ناسِخُها.
* وأمَّا الناسخ: فعلى ضَرْبين:
أحدُهما: أن ينسخَ حُكْماً إلى حُكْمٍ؛ كنسخِ العَفْوِ والصَّفْحِ عن المشركينَ إلى وجوبِ قِتالهم (٤)، وكنسخِ المُصابَرَةِ من العَشَرَةِ إلى الاثنينِ (٥).
стр. 158
والثاني: أنْ يَنْسَخَ حُكْمًا إلى غيرِ حُكْمٍ؛ تَخْفيفاً ورِفْقاً بالعباد، وذلكَ كنسخِ قِيامِ الليلِ (١).
* وأمَّا المنسوخُ: فعلى أربعةِ أقسامٍ (٢):
الأول: ما نُسِخَ حكمُه وبقيَ رسمُه؛ كآية العِدَّةِ (٣) حَولاً كامِلاً (٤)، وآيةِ الصَّفْحِ والإعراضِ، وآيةِ المُصابَرَة للعَشَرَةِ إلى الاثنينِ (٥)؛ خلافًا لشذوذٍ منَ النَّاس (٦)، وهذا أكثرُ المنسوخِ (٧).
والثاني: ما نُسخَ (٨) رسمُه، فلا (٩) يُتلى على أنَّه قرآنٌ، لكنْ بقيَ حُكْمُه
стр. 159
في الدِّين، وحِفْظُهُ في الصُّدورِ؛ كآيةِ الرَّجْمِ، (والشيخُ والشيخةُ إذا زَنَيا فارْجُموهما البتَّةَ نكالاً منَ اللهِ واللهُ عزيزٌ حَكيمٌ)؛ خلافًا لشُذوذٍ من النَّاسِ أيضاً.
الثالث: ما نُسِخَ رَسْمُه وحُكْمُه مَعاً (١)، ولكن بقيَ حفظُه في الصّدور.
وهذا والذي قبلَهُ طريقُهما الأخبارُ، مثائه ما نُقِلَ عن عائِشَةَ ﵂: أَنَّها قالَتْ: "كانَ فيما نَزَلَ مِنَ القُرآنِ: (عَشْرُ رَضَعاتٍ مَعْلوماتٍ) يُحَرِّمْنَ" (٢). قالتْ عائشةُ ﵂ "فَنَسَخَهُنَّ: (خَمْسُ رَضَعاتٍ مَعْلوماتٍ يُحَرِّمْنَ)، فتوفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ في القُرْآنِ" (٣).
الرابعُ: ما نُسِخَ رَسْمُه وحُكْمُه، وزالَ حِفْظُه منَ الصُّدور، وذلكَ كما يُروى من سورة الأحزاب، وهذا أيضاً طريقه الأخبار (٤).
стр. 160
* وينقسمُ المنسوخُ أَيضاً إلى ثلاثةِ أقسامٍ بتقسيمٍ آخرَ:
أحدُها: أن يُنْسَخَ الحُكْمُ إلى غيرِ حُكْمٍ؛ تَخْفيفاً ورِفقاً بالعبادِ، وذلكَ كنسخِ قيامِ الليلِ.
ثانيها: أن يَنْسَخَ حُكْماً إلى حكمٍ، ونحن مُخيَّرون في فعلِ المنسوخ وتركِه، وذلكَ كآيةِ المُصابَرَةِ للعشرةِ إلى الاثنينِ (١).
ثالثها: أن يَنْسَخَ حكمًا إلى حُكْمٍ، ولا يَجوزُ فِعْلُ المَنْسوخِ، كالصَّفْح والإعراضِ (٢).
* * *
الفصلُ الثالث فيما يَجوزُ نسخُه وما لا يجوزُ (٣)
فالذي يجوزُ نسخُهُ: الأمرُ والنهيُ، وما يجوزُ وقوعُه على وَجْهَين (٤)؛ كسائرِ الأحكام.
والذي لا يجوزُ نسخُه: الأخبارُ، وكل ما أخبرَ اللهُ -تعالى- أنهُ كانَ أو
стр. 161
سيكونُ؛ كأخبارِ الجَنَّةِ والنارِ، والبَعْثِ، وتخليدِ الكافرينَ في النَّارِ، وتخليدِ المؤمنينَ في الجنةِ، وكلُّ ما لا يجوزُ أن يقعَ إلَّا على وجهٍ واحدٍ؛ كإخبارِ اللهِ -تَعالى- عن صِفاتِه، من العلمِ والحكمةِ والقدرةِ، وغيرِ ذلك (١).
وكذلكَ الإجماعُ لا يجوزُ أن يُنسَخَ؛ لأنَّه لا يكونُ إلَّا بعدَ موتِ النبيِّ ﷺ (٢)، فإذا وجدنا الإجماعَ على خلافِ النصّ، علمنا أن ثَمَّةَ دليلاً نَاسخاً، وهو الناسخُ، لا الإجماعُ، وإنَّما يكونُ الإجماعُ دليلاً على الناسخ (٣).
* * *
الفصلُ الرابعُ فيما يجوزُ أن يكونَ ناسخاً، وما لا يجوز
وله سبعة أقسام:
الأولُ: نسخُ القرآنِ بالقرآنِ: وذلك جائزٌ بالإجماعِ (٤).
стр. 162
الثَّاني: نسخ السُّنَّةِ بالسُّنَّةِ: وذلكَ جائزٌ بالإجماع (١).
وهو كثيرٌ في الحديثِ يميزهُ أهلُ العلمِ بالحديثِ بأوقاته، وأهلُ العلمِ بالفقهِ وأصولهِ.
وربَّ حديثين تَعارضا، يجوزُ أنْ يكونَ كل واحدٍ منهما ناسِخاً للآخَرِ يميزُ الناسخَ منهما بالتأحُّر أهلُ العلمِ بالحديث.
وربَّ حديثين تعارَضا يُظَنُ أحدُهما ناسخاً للآخر، وهما في الحقيقة متَّفقان غيرُ متعارضَينِ؛ لإمْكانِ تنزيلِهما على حالينِ، أو يكونُ (٢) أحدُهما مُبيِّناً للآخَرِ، يبيِّن ذلكَ وينزلُه منازلَهُ أهلُ العلم والفَتْوى (٣).
وقد غَلِطَ فيهِ مِنَ العلماءِ منْ أدخلهُ في الناسِخِ والمَنْسوخِ؛ لِظَنِّهِم
стр. 163
اختلافَهُ، وليس عندَ أهلِ العلمِ بمختَلِفٍ؛ وفي هذا يتفاوتُ نظرُ العُلماء -رضيَ اللهُ تَعالى عنهمْ- ولهذا قالَ الإمامُ أبو عبد اللهِ أحمدُ بنُ حَنْبَلٍ - رضي اللهُ تَعالى عنهُ-: ما عَرَفْنا ناسِخَ الحَديثِ ومنسوخَهُ حتَّى صَحِبْنا محمدَ بنَ إدريس- رضي الله تعالى عنه (١) -.
الثالث: نسخُ القرآنِ بالسُّنَّةِ: وفيهِ اختلافٌ بينَ أهلِ العلم (٢):
فقالَ أهلُ الظَّاهرِ: يجوزُ مُطْلَقاً (٣)؛ بدليل ما رُوي أنَّ أهلَ قُباءٍ تركوا استقبالَ بيتِ المقدسِ لَمَّا أخبرَهُمْ رجل أنَّ القبلةَ قد حُوِّلَتْ إلى الكعبةِ (٤)،
стр. 164
وهوَ من أخبارِ الآحادِ، وهذا لا يستقيمُ إلَّا على قولِ من يقولُ: إن استقبالَ بيتِ المقدسِ كان بِقُرآنٍ.
وقال قوم: يجوزُ بالسُّنَّةِ المُتواتِرَةِ، دونَ الآحادِ، وهو قولُ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ؛ لأنَّ القرآنَ دليل قاطِعٌ، والمتواتِرُ كذلكَ، فاستَوَيا، وتعادَلا؛ بخِلافِ الآحاد.
وقالتِ الشافعيَّةُ: لا يجوزُ مُطْلقاً؛ لقول الله ﵎: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والسُّنَّةُ ليستْ مثلَ القرآنِ؛ لأنَّ القرآنَ مُعْجزٌ، والسنةُ غيرُ معجزةٍ، والقرآنُ قديمٌ، والسنةُ حديثةٌ، ولقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [يونس: ١٥].
الرابع: نسخُ القرآنِ بالإجماعِ: وهو غيرُ جائزٍ (١)؛ خلافًا لشذوذٍ من النَّاس (٢).
الخامس: نسخُ السُّنَّةِ بالقُرآنِ (٣): جوَّزَهُ الجُمْهورُ، ومنعَهُ الشافعيُّ
стр. 165
-﵁؛ لأنَّ السُّنَّةَ مبينةٌ للقرآنِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، ولا يجوز أن يكون المبيَّن ناسخاً للمبيِّنِ.
وأُجيبَ عن ذلكَ: بأنَّ المنسوخَ من السُّنَّةِ بالكتابِ ليسَ هو المُبيِّنَ للكتابِ والمُفَسِّرَ له، إنَّما المنسوخُ الأمرُ والنَّهْيُ الواردُ في السُّنَّةِ. هكذا نُقِلَ المنعُ عنِ الشافعيِّ، وأطلقه جماعةٌ، وليسَ الأمرُ على الإطلاقِ؛ فالشافعيُّ ﵁ لا يقولُ: إِنَّ السُّنَّةَ لا تُنْسَخُ بالقُرْآنِ مُطْلَقاً، بل يجوزُ أن تنُسخَ بالقرآنِ؛ بشرطٍ، وهو أن يكونَ معَ القرآنِ سُنَّةٌ أخرى تخالِف السُّنَّةَ المنسوخةَ، وتوافقُ الآيةَ الناسِخَةَ (١)؛ ليتمَّ بيانُه ﷺ وموافقتُه أمرَ الله ﷻ ، ولا يوجدُ ناسِخٌ من القُرآنِ (٢) إلَّا ومعهُ سُنَّةٌ منَ النبيِّ ﷺ مقارِنةٌ لهُ، إمَّا قولٌ، أو فِعْلٌ، أو إِقرارٌ.
ومثالُ ذلكَ معاهَدَةُ النبيِّ ﷺ المُشْركينَ عامَ الحُدَيْبيَةِ أن يَرُدَّ إليهمْ مَنْ جاءهُ منهمْ، فأنزل اللهُ مَنع رَدِّ النساءِ، فقَالَ: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ
стр. 166
مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، فامتنعَ النبيُّ ﷺ من رَدِّ النساءِ إليهم (١).
فالجُمهور يقولونَ: نَسَخَ القرآنُ ما فَعَلَهُ مَعَهُمْ منَ العَهْدِ، واستقلَّ القرآنُ ببيانِ النَّسْخ.
والشافعيُّ يقولُ: نَسَخَهُ القُرْآنُ، ولم يستقلَّ وَحْدَهُ ببيانِ النسخِ، بل استقلَّ بانضمامِ السُّنَةِ إليه، وهو مَنْعُ النبيّ ﷺ للنِّساءِ منَ الرُّجوعِ.
فافهموا مذهبَ الشَّافعي ﵁ المذهبَ المَرْضِيَّ الذي أَرْتَضيهِ وأختارُه مذهباً؛ فإنَّه لو جازَ أن يَنْسَخَ القُرْآنُ السُّنَّةَ من غيرِ أن تصحَبَهُ سُنَّةٌ أُخرى، لم يعرف بيانُ السُّنَّةِ للكِتاب أصلًا، ولا موقعُها منه، ولَجاز أن يُرَدَّ كثيرٌ من السُّنَن (٢).
فإذا قلنا: لا تقطَعُ يدُ السارق في الشيءِ التّافِهِ؛ للسُّنَّة؛ قالَ القائلُ: السُّنَّةُ منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
ولجاز أن يقولَ: إنّما رجمَ النَّبِيُّ ﷺ الزانيَ الثَّيِّبَ قبلَ نزولِ آيةِ الجَلْدِ (٣)، وإنَّما مَسَحَ على الخُفِّ قبلَ نزولِ آيةِ الوُضوءِ (٤)، وغيرَ ذلكَ من
стр. 167
الآياتِ، وإلا فَبيِّنوا الدليلَ على أنَّ السُّنَّةَ بعدَ ذلك (١).
ولأجلَ هذا قالَ أبو عبد الله الشافعيُّ ﵁ هذهِ المقالَةَ.
السادس والسابع: نسخُ الإجماع بالقرآنِ، ونسخُ الإجماعِ بالسُّنَّةِ: مستحيلٌ وغيرُ جائزٍ اتّفاقاً (٢).
* * *
الفصل الخامس في الطَّريق إلى معرفة الناسخ والمنسوخ
ويعلمُ ذلكَ في كتابِ اللهِ ﷻ من وجُوهٍ:
أحدها: الإجماعُ على خِلافِ النَّصِّ (٣)؛ لقيامِ الدليلِ القاطعِ على عِصْمَةِ الأُمَّة.
الثَّاني: يُعْلَم بصريحِ النُّطق؛ كقوله تعالى: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦].
الثالث: يُعْلَمُ ببيانِ النبيِّ ﷺ ؛ كقوله تَعالى في الزَّواني: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ
стр. 168
فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] فقال النَّبي ﷺ : "خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلاً" (١)، الحديث، عندَ مَنْ جَعل آيةَ الإمساك مَنْسوخَةً بالحُدودِ، وسيأتيَ بيانُ ذلكَ وتحقيقُهُ عندَ الكَلامِ على الأَحْكام- إن شاءَ اللهُ تعالى-.
الرابعُ: يُعْلَمُ بتأخُّرِ أحدِ اللَّفْظَينِ عنِ الآخَرِ، فالآيةُ المَدَنِيَّةُ تنسَخُ المَكِّيَّةَ، وهو كثيرٌ في القرآنِ، والمدنيةُ المتأخّرَةُ تنسخُ المدنيةَ المتقدِّمَةَ، وهو أكثر منسوخِ القرآن، والمكية المتأخرة تنسخ المكية المتقدمة، وقلَّ أنْ يوجَدَ هذا النوعُ ظاهِراً مُتَّفقاً عليهِ عندَ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ نُزولَ ذلك قبلَ تشريعِ الأَحْكامِ.
ويجبُ على طالبِ علمِ القرآنِ أن يعلمَ (٢) المَكِّيَّ من المدني.
وقد مَيَّزَ أهلُ العلمِ ذلكَ، وبيَّنوه بَياناً خاصًّا، وذكروا لهُ أيضاً علاماتٍ ودَلائِلَ.
قالوا: كُلُّ سورَة فيها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ وليس فيها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهي مكية، وفي "الحَجِّ" اخْتلافٌ.
وكلُّ سورة فيها: ﴿كلا﴾ فهي مكية؛ لأنه ردٌّ ورَدْع.
وكلُّ سورةٍ في أولها حروف المُعْجَمِ مثل ﴿الر﴾، و ﴿حم﴾ وشِبْهُهُ، فهي مكية، سوى "سورة البقرةِ" و "آلِ عِمرانَ"، وفي "الرعدِ" اختلافٌ.
стр. 169
وكلُّ سورةٍ فيها قصةُ آدمَ ﵊ وإبليسَ -عليه لعنةُ اللهِ- فهي مكية، سوى "سورةِ البقرةِ".
وكلُّ سورةٍ فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهي مدنية.
وكلُّ سورةٍ فيها ذِكْرُ المنافقينَ، فهي مدنية، سوى "سورة العنكبوت". قال هشامُ بنُ عروةَ، عن أبيهِ: ما كانَ من السُّوَرِ فيه حَدٌّ أو فريضَةٌ، فهي مدنيةٌ، وما كان فيها ذِكْرُ الأُمَمِ الخاليةِ والقُرونِ الماضيةِ، فهي مكيةٌ (١).
* ويعرف التأخُّرُ بينَ المَدَنِيِّ بإخبارِ الصَّحابي أَنَّ هذا نَزَلَ بعدَ هذا.
أما إذا قالَ الصحابيُّ: هذهِ الآيةُ منسوخة، لم يُقبَلْ قولُه حتَّى يُبيِّنَ الناسخَ، فينظر فيه (٢).
ومنَ النَّاسِ من قالَ: ينسخُ بخبرهِ، ويقلَّدُ فيه.
ومنهم مَنْ قالَ: إذا ذكرَ الناسِخَ، لم يُقَلَّدْ فيهِ، بلْ يُنْظَرُ فيه، فإن لمْ يذكُرِ الناسِخَ، قُبِل، وقُلِّدَ فيه؛ لأنَّه لا يُهْمَلُ ذكرُ الناسِخِ إلَّا عندَ حُصولِ القَطْعِ لهُ بأنه ناسخٌ، وأن الآية المعارِضَةَ له منسوخةٌ. وأمَّا إذا ظَنَّ النَّسْخَ، ولم يَقْطَعْ، ذكرَ الناسِخَ لينظرَ فيه غيرُه.
والصحيحُ هو الأولُ، والدليلُ عليه أنَّه يجوزُ أن يكونَ قد اعتقدَ النَّسخَ بطريقٍ لا توجبُ النسخَ، فلا يجوزُ أن يُتْرَكَ الحكمُ الثابتُ من غيرِ نظرٍ واستدلالٍ.
* ويُعرفُ الناسخُ من المنسوخِ في الحديث بهذه الطَّريق المذكورة (٣).
стр. 170
فيُعلمُ بالإجماعِ (١)؛ كما أجمعوا على جَلْدِ شاربِ الخَمْرِ، وإنْ عادَ مِراراً كثيرة.
ويُعلمُ بصريحِ النُّطق؛ كقولِ النبيَّ ﷺ : "كُنْتُ نَهَيتكمْ عنْ زِيارَة القُبورِ، فَزوروها" (٢).
ويُعلمُ بإخبارِ الصَّحابيِّ أنَّ هذا وردَ بعدَ هذا؛ كما رُوِيَ أنَّهُ كانَ آخِرُ الأمرينِ من رسولِ اللهِ ﷺ تَرْكَ الوُضوءِ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ (٣).
وأمَّا إذا أسلمَ راوي أَحَد الخَبَرَينِ بعدَ موتِ راوي الخبرِ الآخَرِ، أو بعدَ قِصَّتِه التي رواها، ففيه احتمالان عندَ الشيخِ أبي إسحاقَ الشيرازِيِّ رحمهُ اللهُ تَعالى (٤).
ومثالُه ما روى طَلْقُ بنُ عَلِي ﵁: أَنَّ النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ
стр. 171
مَسِّ الذَّكَرِ، وهو يَبني مسجدَ المدينةِ، فلم يوجِبْ منهُ الوضوءَ (١).
مع ما رَوى أبو هُريرةَ ﵁ منْ إيجابِ الوُضوءِ بِمَسِّهِ (٢)، وأبو هريرةَ أسلمَ عامَ خَيْبَر بعدَ بناءِ المسجدِ، فَيُحْتَملُ أن يُنْسَخَ حديثُه بحديثِ أبي هُريرةَ؛ لأنَّ الظاهرَ أنَّه لم يسمعْ ما رواه إلَّا بعدَ هذهِ القِصَّةِ فيه، ويُحْتَمَلُ ألاّ يُنْسَخَ؛ لجوازِ أن يكونَ سمعَه قبلَ أن يُسْلِمَ، أو أرسلَهُ عَمَّن قَدُم إسلامُه. ولا خِلافَ في أَنَّ خبرَ أبي هُريرة (٣) أرجحُ في مَتْنهِ وسندِه من حديث طَلْقٍ بوُجوهٍ:
أحدُها: تأخُّرُ إسلامِ راويهِ.
стр. 172
ثانيها: الاحتياطُ، فخبر أبي هريرة أَحْوَطُ.
ثالثها: النَّقْلُ، فخبرُ أبي هريرة ناقل من العادَةِ إلى العِبادَةِ.
رابعُها: الإثباتُ، فخبرُ أبي هريرة مُثْبِتٌ للوضوءِ، وخبرُ طَلْقٍ نافٍ له.
وللترجيحِ وُجوهٌ أُخَرُ ذكرَها أهلُ العلمِ بالفقهِ وأصولِه، وسأذكرُ منها جملة نافعة عندَ الكَلامِ على السُّنَّةِ إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 173
القول في السُّنَّة وأنواعها وترتيبها وتقديم بعضها على بعض
وفي ذلك أربعةُ فُصولٍ
الفصلُ الأولُ في السُّنَّة
والسُّنَّة: هي الطريقةُ (١)، وحَدُّها: ما رُسِم ليُحْتَذى به (٢).
وسُنَّتُهُ ﷺ متشعِّبةُ الأطراف، مُتَّسِعَةُ العُلوم، وهي ما شَرَعَهُ النبيُّ ﷺ وَبيَّنَهُ ونَصَحَ بهِ لأمَّتِهِ منَ الأحكامِ والآدابِ، وتصفيةِ الباطنِ، ومكارمِ الأخلاقِ، والإرشادِ إلى صحيحِ التدبيرِ والسياساتِ، والتنبيهِ على حكمِها، والإخبارِ عَمَّا كانَ وما يكونُ، وغيرِ ذلك مِمَّا نُقِلَ إلينا من أقوالِهِ وأفعالِهِ وإقرارِه ومعجزاتِه وجميعِ أحوالِه، فكلُّها حَقٌّ مِنْ عندِ اللهِ ﷻ .
قال اللهُ -سُبْحانَهُ-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
стр. 174
فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وقال ﷻ : ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقالَ ﷻ : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].
وغَرَضي في كتابي هذا بيانُ أحكامِ السُّنَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بالأحكامِ، وهي تنقسمُ إلى أفعالٍ وأقوالٍ وإقرارٍ منهُ ﷺ .
فأمَّا أقوالُه، فإنها تنقسمُ إلى جميعِ الأقسامِ الواردَةِ في كتابِ اللهِ ﷻ من العُمومِ والخُصوصِ، والحَقيقَةِ والمَجازِ، وغيرِ ذلك؛ لاتِّحادِ طريقِ بيانِهما الذي هو الخِطاب.
ثُمَّ منها ما يكونُ بَياناً للكتابِ؛ مِنْ تخصيصِ عُمومِه، وتقييدِ مُطْلَقِهِ، وتبيينِ مُجْمَلِهِ، وتَكْميلِ سُنَّتِهِ وآدابِه، وغيرِ ذلك من الوجوه.
ومنها ما يكونُ اتِّباعاً لنصِّ الكتابِ من غيرِ زيادَةٍ.
ومنها ما يكونُ ابتداءً مِمّا لم يكنْ لهُ أصلٌ في الكِتاب (١)، ومنْ أهلِ العلمِ من خالفَ في هذا (٢).
стр. 175
وجميعُ الأقسامِ حَقٌّ مِنَ اللهِ -سُبْحانَهُ- منسوبٌ علمُها إلى الكتابِ (١) العزيز.
قال الشافعيُّ ﵁: وليستْ تنزِلُ بأحدِ من أهلِ دينِ اللهِ نازِلَةٌ إلَّا وفي كتاب اللهِ الدَّليلُ على سَبيلِ الهُدى فيها، قالَ اللهُ : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وذكرَ جملةَ من الآياتِ البَيِّناتِ (٢).
والشافعيُّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعالى- أخذَ هذا مِمَّا رَوى عَلْقَمَةُ، عنْ عبدِ اللهِ ﵁ أنَّه قالَ: لَعَنَ اللهُ الواشِماتِ والمُسْتَوشِماتِ والمُتَفَلِّجات للحُسْنِ المُغَيِّراتِ لِخَلْقِ اللهِ، فبلغَ ذلك امرأةً من بني أَسَدِ يُقال لَها: أُمُّ يَعْقوبَ، فجاءَتْ فقالتَ: إنَّهُ قدْ بَلَغَني أنَّكَ لعنتَ كَيْتَ وكَيْتَ، فقال: وما لي لا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، ومَنْ هُو في كِتابِ اللهِ؟! فقالتْ: لقدْ قرأتُ ما بينَ اللَّوحَيْنِ، فما وَجَدْتُ فيهِ ما تقولُ، فقالَ: لَئِنْ كنتِ قَرَأْتِهِ، لَقَدْ وَجَدْتِهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، قالت: بلى، فإنَّهُ قدْ نهى عنه (٣).
وأَمّا أفعالُه ﷺ ، فإنَّها يقعُ بها جميعُ أَنواع البيانِ؛ منَ المُجْمَلِ، وتَخْصيصِ العُمومِ، وتقييدِ المُطْلَق، وتأويلِ الظّاهر، والنَّسْخِ، وغير ذلك (٤).
стр. 176
وهي على ضربين (١):
فِعلٌ لا قُرْبَةَ فيهِ، بلْ فَعَلَهُ بطريقِ العادةِ؛ كالأكلِ والشربِ، والنوم والقيامِ، والقعودِ والركوب، فهذا يدلُّ على إباحَتِهِ، وينتفي عنهُ التحريمُ؛ لِعِصْمَتِهِ ﷺ ، ولكونه لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وينتفي عنه الكراهَةُ؛ لندورِ فِعْلِ المَكروهِ منهُ، وإنْ كانَ قدْ يفعلُهُ لتبيينِ الجَوازِ، أو (٢) لغيرِ ذلكَ منَ الوجوهِ.
فهذا عندي، وإنْ كانَ مُباحاً، فَيُستحبُّ لأمَّتهِ متابعَتُه ﷺ فيه؛ لكون عادتِه أَحْسَنَ العاداتِ، ومقرونةً بأَزْكى البركاتِ.
وقد تابعَهُ في ذلكَ كثيرُ من الصَّحابة ﵃ وقل مَنْ رأيتُه من المُصنِّفينَ ذَكَرَ اسْتِحْبابَ ذلكَ (٣)، ولكنَّ نَظَرَهُمْ في ذاتِ الفِعْلِ، لا في نفسِ المُتَابَعَةِ.
والضربُ الثَّاني: فعلٌ يظهر فيه قَصْدُ القُرْبَة.
وقَدْ قَدَّمنا أَنَّ مأخَذَ السُّنَّةِ من ثلاثةِ أوجهٍ:
وجهانِ مُتَّفَقٌ عليهِما عندَ أهلِ العلمِ، فيعرف وجوبُ فعله وندبُه من
стр. 177
الوجْهَين، إن كانَ بياناً لنصٍّ في واجبٍ، كان واجبًا، وإن كان بَياناً لنصٍّ في مُسْتَحَبٍّ، كانَ مُسْتَحباً، وإن كانَ بياناً لمُجْمَلٍ مأمورٍ بهِ حَتْماً، كان واجِباً، وإن كانَ المأمورُ بهِ نَدْباً، كانَ مُسْتَحباً (١).
وأمَّا الوجهُ الثالثُ الذي قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ، وهوَ أن يَفْعَلَ الشيءَ ابتداءً من غيرِ سَبَبٍ (٢)، فاختَلفَ أهلُ العلمِ فيهِ أيضاً على أربعة مذاهبَ (٣):
فمذهبُ مالِكٍ وأكثرِ أهلِ العراقِ وأبي سعيد الإصْطَخْريّ وأبي العباس ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يُحْمَلُ على الوُجوب.
وقالَ قومٌ: يُحْمَلُ على النَّدْب، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ.
وقال قومٌ: يُحْمَلُ على الإباحَةِ، ويُروى عن مالكٍ.
وقالَ قومٌ بالوقفِ، فلا يُحْمَلُ على الوجوبِ ولا على النَّدْبِ إلَّا بِدليلٍ، وهو قَوْلُ الصَّيْرَفيِّ، واختيارُ أبي إِسْحاقَ الشِّيرازِيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- (٤).
أحدُهما: أن يقولَ أحدٌ قولًا، أو يفعلَ فِعْلاً بِحَضْرَتِهِ، ولا يُنْكِرُهُ عليهِ، فهذا يَدُلُّ على جوازِ ذلكَ الشيءِ.
والثاني: أن يَفْعلَ فِعلاً بغيرِ حَضْرَتِهِ، لكنَّ مثلَ ذلكَ لا يَجوزُ أن يَخْفى عليهِ في العادَةِ، ولم يُنْقَلْ أنَّه ﵊ أنكرَهُ، فهذا أيضاً يُسْتَدَلّ بهِ على جوازِ ذلكَ الشيءِ، ولكنهُ أضعفُ دَلالةً مِنَ الأولِ.
* * *
الفصل الثَّاني في بيانِ أنواعِ السُّنَّةِ
وهي تنقسم إلى مُتَّصِلٍ وغيرِ مُتَّصِلٍ.
والمُتَّصِلُ ينقسِمُ إلى مُتواتِرٍ وآحادٍ، وبعضهم يقسمُهُ إلى مُتَواتِرٍ ومُسْتَفيضٍ وآحادٍ (١).
стр. 180
فالمتواتر: ما استوى طرفاهُ ووسَطُهُ في الروايةِ عَنْ جَمْع لا يُمْكِنُ تَواطُؤُهُمْ على الكذبِ، وأن يكونَ مُسْتَنَدُهُ غيرَ النَّظَرِ والاسْتِدلالِ (١).
وهذا يفيدُ العلمَ الضَّرورِيَّ (٢)؛ خِلافاً للبَلْخِيِّ منَ المُعْتَزِلَةِ، والدَّقَّاقِ منَ الأَشْعَرِيَّةِ.
وهو قليلٌ جِدًّا (٣).
والمستفيض: ما كانَ من أخبارِ الآحادِ، ولكنْ تلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبول، فَعَمِلوا بهِ كُلُّهُمْ، أو عَمِلَ بهِ البَعْضُ، وتَأَوَّلَهُ الباقونَ (٤)، وذلكَ كقولهِ ﷺ :