(من أحكام النكاح)
٢٢٧ - (١) قولُه ﷻ : ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٤٤].
* أقول: أرشدَ اللهُ سُبحانَهُ نبيَّهَ أَيّوبَ ﷺ إلى الحِيْلَةِ في دَفْعِ الحِنْثِ، وكان ذلكَ شريعةً له ﷺ .
واختلفَ علماءُ شريعتِنا هل يكونُ شريعةُ مَنْ مَضى مِنْ قبلِنا شَرعًا لنا إذا لمْ يوجدْ في شريعتِنا ما يُخالِفُها ولا ما يوافقُها؟
فذهب مالكٌ وطائفةٌ معه إلى أنها ليستْ بشرعٍ لنا، ولهذا قَالَ: لا يبرُّ الحالِفُ بمثلِ عَمَلِ أيوبَ ﵊.
وذهبَ الشافعيُّ وطائفة أخرى إلى أنَّه شَرعٌ لنا، ولهذا قَالَ: يَبَرُّ الحالِفُ بمثلِ عملِ أَيّوبَ النبيِّ ﵇ (١).
فإن قلتُم: فإنَّ الله سبحانَهُ قصَّ لنا عن شُعيبٍ النبيِّ ﷺ ، وكان أَعْمى أنَّه أَنْكَحَ إِحدى ابْنَتَيْهِ على عَمَلٍ لنفسِه من غيرِ استِئمارٍ لها، ولم يقلْ بهِ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ تعالى-.
قلنا: أما التزويجُ على عَمَلٍ، فقدْ قَالَ بهِ الشافعي (٢)؛ لِما روى سَهْلُ بنُ
стр. 1473
سعدٍ السّاعِدِيُّ قال: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالتْ: إنني وَهَبْتُ نَفْسي لَكَ، وقامَتْ، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! زوِّجْنيها إنْ لمْ يكنْ لكَ بِها حاجةٌ، فقال: "هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شيْءٍ تُصدِقُها؟ "، قال: ما عندي إلا إِزاري هذا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إزارُكَ إنْ أَعْطَيْتَها جَلَسْتَ وَلا إزارَ لَكَ، فالْتَمِسْ شيئًا"، قَالَ: ما أجدُ، قال: "فالتمسْ ولَوْ خاتَمًا منْ حَديدٍ"، فالتمسَ فلم يجد شيئًا، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "زَوَّجْتكها بِما مَعَكَ مِنَ القُرآن" (١).
وأما الوِلايَةُ على المرأةِ، فإنَ الوليَّ المُجْبرَ لا يحتاجُ إلى استئمار البكرِ، فقدْ قَالَ بهِ الشافعي أيضًا (٢).
وأما العَمى، فلا يقدَحُ في الوِلايةِ على الأَصَحَّ عندَ أَصحابه -رحمهم الله تعالى- (٣).
وأما منعُه هو وغيرُه تزويجَ إحدى المرأتينِ، فإن نبيَّ الله ﷺ لم يُنْكِح إِحداهما مبهمةً، وإنما عَرَضَ على موسى ﷺ إِحداهُما، وخَيَّرَهُ بينَهُما، فأخبرَهُ أنَّه يريدُ إنكاحَه إحدى ابنتيه، والظاهرُ أن موسى ﷺ عَينَ إِحداهُما، وإن كان الإبهامُ جائزًا في شريعته، فقياسُ شريعتِنا أنه لا يجوز.
وأما منعُه لكونِ الصَّداقِ للوَليِّ؛ فإنَّ النبي ﷺ نَهى عن نِكاحِ الشِّغار (٤).
стр. 1474
سُورَةُ مُحَمَّد ﷺ -
стр. 1475
(من أحكام الجهاد)
٢٢٨ - (١) قوله ﷻ : ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٤].
* أقولُ: لمَّا نصرَ اللهُ عبدَهُ ورسولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ يوم بدر، وقُتلَ مَنْ قتلَ، وأسرَ من أسرَ منَ المشركين، وفاداهم قبلَ الإثخانِ فيهم، عاتَبَهُ اللهُ سبحانَه على فعلِه، فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧].
* ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ في هذهِ الآية أيضًا صِفَةَ النِّكايةِ في عَدُوِّهِ، وبينَ مَقامَ المَن والفِداء، فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤]، أي: فافعلوا، حَتّى يضعَ المشركون أوزارَ حَربِهم من السلاحِ، فلا يقاتلونكم، إمّا بالدُّخول في الإسلام، أو ببذلِ الجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغرون (١).
وقيل: حَتّى تَضَعَ آثامَها، فلا يَبْقى على الأرضِ مشركٌ، وذلكَ بخُروج عيسى ﵇ (٢) -، روى ابنُ المُسَيّب عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ
стр. 1476
تعالى عنه -، عن النبي ﷺ أَنَّه قَالَ: "والَّذي نَفْسي بيَدِهِ! لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فيكُمُ ابنُ مَريم حَكَمًا عَدلًا، فيكسرَ الصَّليبَ، ويقتل الخِنْزيرَ، وتَضَعَ الحربُ أوزارَها، ويَفيضَ المالُ حَتَّى لا تقْبَلَهُ أحدٌ" (١).
* ثم يحتملُ أن تكونَ هذهِ الآيةُ واردةً لبيانِ صفةِ النِّكايةِ في العَدُوِّ، ولِحَصرِ ما يُفْعَلُ بالأَسيرِ، وإنهاء القتلُ حتى يكونَ الإثخانُ، ثُمَّ الأسرُ، ولا يجوزُ الأسرُ قَبْلَ الإِثخانِ، ثُمَّ المَنُّ والفِداءُ فقط.
وبهذا المعنى يقولُ مَنْ منعَ قَتْلَ الأُسارى، ولكنْ يُمَنُّ عليهِم، أو يفادَوْا.
قال الحَسَنُ البَصرِيُّ: دَفَعَ الحجاجُ أسيراً إلى ابنِ عُمَرَ ليقتلَهُ، فقالَ ابنُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: ليسَ بِهذا أَمَرَنا اللهُ ، فقرأ: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: ٤].
ويحكى عن عَطاءٍ والضَّحّاكِ (٢).
وادَّعى الحَسَنُ بنُ محمد التميميُّ أنَّه إجماعٌ منَ الصحابةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- (٣).
وذهبَ قومٌ إلى تَخْصيصِ هذا الحُكمِ (٤) بغيرِ العَرَب، وأَمّا العَرَبُ، فلا يجوزُ أن يُمَنَّ عليهم، ولا يُفادَوا، قالَهُ السُّدِّيُّ وغيرُه (٥).
стр. 1477
وذهبَ قومٌ إلى أنها عامَّةٌ منسوخةٌ (١) بالأمرِ بالقتلِ في (براءة) (٢)، وأنه لا يجوزُ أن يُمَنَّ على مُشْرِكٍ، ولا يُفادى إلا مَنْ لا يجوزُ قتلُهُ؛ كالصبيِّ والمرأةِ، ويُروى عنِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- (٣).
قَالَ الشافعيُّ: لمَ يَبْلُغْني عن ابنِ عباسِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - بإسنادٍ صحيحٍ، وإنَّما هو عندي من تفسيرِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ بروايةِ أولادِهِ عنهُ، وهو إسناد ضعيفٌ، والظاهرُ -واللهُ أعلم- أنَّها واردةٌ لبيانِ وقتِ الأَسْرِ، لا لحصر ما يفعلُ بالأسيرِ.
قَالَ ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: خُيِّرَ النبيُّ ﷺ في الأَسْرى بَيْنَ المَنِّ والفِداءِ، والقَتْلِ والاستِعْباد (٤)، يفعلُ ما يشاءُ، وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلمِ، فقدْ قَتَلَ رسولُ اللهِ ﷺ الأَسْرى صَبْرًا في غيرِ مَوْطِنٍ.
فإنْ قيلَ: إنَّ هذهِ الآيةَ نَسَخَتْ فِعْلَهُ.
قلنا: لو كانَ كذلكَ، لَبَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ ؛ لِما فُرِضَ عليهِ منْ بيانِ كِتابِهِ، وقد استعبدَ النِّساءَ، وأجمعتِ الصَّحابَةُ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- على استِعْباد أهلِ الكتابِ؛ ذكورِهم وإناثِهم، ولو كانتْ لِحَصْرِ ما يُفْعَلُ بالأَسير، لما جازَ الاسْتِرقاق، ولما أَجْمَعَتْ عليهِ الصحابةُ.
فإن قلتَ: فما الحكمُ في استرقاقِ العَرَبِ؟
قلنا: قال بعضُ العلماءِ: إنَّ النبي ﷺ لم يستعبدْ ذُكورَ العربِ، وكذا
стр. 1478
قَالَ الشافعيُّ في القديمِ: الحجازُ عندَنا ليس في أهلِه عربيٌّ علمتُهُ جَرى عليهِ سَبْيٌ في الإِسلامِ، ولا نعلمُ أنَّ أبا بكرِ سَبَى عَرَبِياً بَعْدَ أَهْلِ الرِّدَّةِ، ولكنْ أسرَهُم أبو بكرِ حتى خلاهم عمرُ.
وقد رُويَ عن أبي بكرِ شيءٌ في سبيِ بعضِ العربِ، وليس بثابتٍ، إنمَّا كانَ أَسَرَهُم.
وأحسبُ أَنَّ من قَالَ بِسِبائِهم (١) ذهبوا إلى هذا (٢).
ثم قال: أخبرنا محمدٌ، عن موسى بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن أبيهِ، عن السَّلوليِّ، عن معاذِ بنِ جبلِ: أَنَّ النبي ﷺ قَالَ يومَ حُنَيْنِ: "لَوْ كانَ ثابِتًا على أَحَدٍ منَ العَرَبِ سِباءٌ بعدَ اليوم، لثبتَ على هؤلاء، ولكنْ إنما هو أَسارٌ وفِداءَ" (٣).
ثم قال: ومنْ ثبتَ عندَهُ الحديثُ، زعمَ أنَّ الرِّق لا يَجْري على عَرَبِيّ بحالٍ، وهوَ قولُ الزهْرِيِّ، وسعيدِ بنِ المُسَيبِ، والشعبي، ويُروى عن عمرَ بنِ الخَطابِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، ومَنْ لم يُثبتِ الحديثَ عن النبي ﷺ ، ذهبَ إلى أن العربَ والعَجَمَ سَواءٌ، وأنه يجري الرقُّ حيثُ جَرى على العَجَمِ.
قال الربيعُ (٤): وبهِ يأخذُ الشافعي، واحتجَّ بأن النبي ﷺ سبى بَني
стр. 1479
المُصطَلِقِ، وهَوازِنَ، وقبائلَ من العربِ، وأجرى عليهم الرِّقَّ حَتَّى مَن عليهِم بَعْدُ (١).
وأُجيبَ عن الأَوَّلِ بأنَّ هذا الحديثَ لم يوجدْ في شيءٍ من طرقِ حديثِ سَبْي هَوازن، وبأَنَّ في سندِه موسى بن محمَّد بنِ إبراهيمَ، وليسَ هو بالقوَيِّ، وبأنَّ الذي رَواه عن موسى بن محمَّد يشبهُ أن يكونَ محمدَ بنَ عمرَ الواقديَّ، وهو ضعيفٌ.
* إذا تَمَّ هذا، فقد علمتَ أَنَّ الله سبحانَهُ عَلَّمَهم صفةَ القتلِ، وأنه ضَرْبُ العنقِ؛ لأنه أقوى في النكايةِ، وأقربُ إلى إِزْهاقِ الروحِ.
وقد بيَّنَ النبي ﷺ ذلكَ، ونهى عن المُثْلَةِ، قَالَ عِمْرانُ بنُ الحُصَيْنِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: ما خطبَ رسولُ اللهِ ﷺ إلَّا وأَمَرَنا (٢) بالصَّدَقَةِ، ونَهى عنِ المُثْلَةِ (٣).
وروى ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا بَعَثَ بِسَرِيَّةٍ قال: "لا تُمَثِّلُوا" (٤).
стр. 1480
٢٢٩ - (٢) قوله ﷻ : ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥].
وقد قَدَّمْتُ شيئًا من الكلامِ على هذهِ الآيةِ في "سورةِ الأنفالِ"، وسأزيدُ هنا ما يليقُ بهذا المَقام.
فأقول: يحتملُ أن يكونَ معنى قوله سبحانَهُ: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ التعليلُ، ويحتملُ أن يكون معنى هذه الجملةِ الحالُ، أي: فلا تَدْعوا إلى السّلْمِ في حالِ علُوِّكُمْ عليهم.
ولا بدَّ للمسلمينَ من ثلاثةِ أحوالٍ إذا التمسَ المشركونَ منهُمُ الصُّلْحَ:
الحالة الأولى: أن يكونَ على المسلمينَ في السّلْمِ مَضَرَّةٌ، فلا خَفاءَ في عَدَمِ (١) إجابتِهم.
الحالة الثانية: أن يكونَ للمسلمين فيهِ مصلحةٌ بأنْ يكونَ في المسلمينَ ضَعْفٌ وقِلَّةُ عددٍ لا خَفاءَ باستحبابِ الإجابةِ. وهل يجبُ؟ فيه وجهانِ عندَ الشافعيةِ:
أحدهما: يجبُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١]، ولما فيه من اتبِّاعِ الأصلح.
وأصحهما عندَهُم عدمُ الوجوبِ؛ لأن ما يتعلقُ بنظَرِ الإمامِ لا يكون
стр. 1481
واجباً عليه، وإن وجبَ عليه مراعاةُ الأصلحِ، والآيةُ منزلةٌ على (١) نظرِ الإمامِ في اتِّباعِ الأصلح للمسلمين، وفي هذا الاستدلالِ نظر لا يَخْفى.
الحالة الثالثة: أن يكون للمشركين فيهِ مصلحةٌ، وليس على المسلمين فيه مَضَرَّةٌ؛ بأنْ يكونَ المسلمونَ أَظْهَرَ منَ المشركين، وظاهرُ إطلاقِ الشافعيةِ أنهُ يجوزُ إجابتُهُم إذا رآهُ الإمامُ؛ لآيةِ الأنفالِ، وبه قَالَ فريقٌ من الناس (٢).
وقالت المالكيةُ بعدمِ الجوازِ (٣)، ووافقهم فريقٌ من الناسِ، لهذه الآية، وبهِ أقولُ؛ لأن الجهادَ فرض لا يجوزُ تركُه من غير عذرٍ ولا مصلحةٍ كسائرِ الفروضِ.
فإن قلتَ: هذا القولُ في إجابتهم إذا التَمَسوا الصُّلْحَ، فهلْ يجوزُ لنا ابتداؤهُم بطلبِ الصُّلْحِ؟
قلنا: ذهب قومٌ إلى أنه لا يجوزُ إلا في مَقامِ الضَّرورَةِ؛ لظاهرِ هذه الآيةِ، ولمفهومِ الخطابِ من آيةِ الأنفالِ.
وذهبَ الجُمهورُ من الفقهاءِ إلى أنه حَيْثُ جازَ إجابتُهم، جازَ ابتداؤهم؛ لما تقررَ أن الحُكْمَ في هذا مَنوطٌ بنظرِ الإمامِ، وقدِ التمسَ النبيُّ ﷺ الصلحَ من أهلِ مَكَّةَ، إمّا تَصريحاً، أو تلويحاً، وبهذا قالتِ الشافعيةُ، ولكن (٤) يلزمُ منهُ جوازُ طلبِ المسلمينَ للصلح (٥)؛ إن كانَ الصلحُ يختصُّ بمصلَحَته
стр. 1482
المشركونَ (١)، وهذا غير جائزٍ؛ لما فيه من إبطالِ فريضةِ الجهادِ من غيرِ عذرٍ ولا مَصلَحَةٍ، ولأجلِ هذا (٢) اخَتْرنا مقالةَ المالكيةِ.
* إذا تَم هذا، فأكثرُ (٣) مُدَةِ يصالح عليها المدَّةُ التي صالَحَ عليها النبيُّ ﷺ أهلَ مَكَّةَ، وهي عَشْرُ سنينَ في قولِ الشافعيِّ، ومنعَ الزيادةَ عليها (٤)، وجوزَ مالكٌ الزيادةَ عليها إذا رأى الإمامُ المصلحةَ في ذلك (٥).
стр. 1483
سُورَةُ الفَتْحِ
стр. 1484
(من أحكام الجهاد)
٢٣٠ - (١) قوله ﷻ : ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٥].
* دفعَ اللهُ سبحانَهُ القِتالَ والقَتْلَ عن المشركينَ لأجلِ المسلمينَ المَجْهولينَ الذينَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهم، وأَمّا لو لمْ يكنْ فيهم مسلمونَ، لجازَ قتلُهم وقِتالُهم بما يَعُمُّ منْ آلةِ الحَربِ، إذْ لا مَعَرَّة (١) ولا كَفّارَةَ في قَتْلِ نَسائِهم وذَراريّهِم إذا وقعَ خَطَأً؛ فقدْ نصبَ النبيُّ ﷺ على أهلِ الطائفِ مَنْجَنيقًا، أو عَرّادَةً (٢)، ونحن نعلمُ أن فيهم النساءَ والصِّبيان (٣) والوِلْدانَ (٤)، ونصبَ عَمْرُو بنُ العاصِ المَنْجَنيقَ على أهلِ الإسْكَنْدَرِيَّةِ (٥).
стр. 1485
* وقد استنبطَ الأوزاعيُّ من هذهِ الآيةِ وجوبَ كَفِّ القتالِ عن العَدُوُّ فيما إذا عَلَوُا الحُصونَ، وتَتَرَّسوا بالمُسلمين.
وقالَ الأوزاعيُّ: يكفُّ المسلمونَ عَنْ رَمْيِهِم، وإن بَرَزَ واحدٌ منهم رَمَوْهُ؛ فإنَّ اللهَ تَعالى يقول: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ﴾ [الفتح: ٢٥] حتى فرغ الآية، فكيفَ يرمي المسلمونَ مَنْ لا يرميهم من المشركين؟ (١)
قال الشافعيُّ: والذي تأَوَّلَ الأوزاعيُّ يحتملُ ما تَأَوَّلَهُ عليه، ويحتملُ أن يكونَ كَفُّهُ عنهم لِما سبق في عِلْمِه منْ أنَّه سَيُسْلِمُ منهم طائفةٌ، والذي قَالَ الأوزاعيُّ أَحَبَّ إلينا إذا لم يكنْ بنا ضرورةٌ إلى قِتالِ أهلِ الحِصنِ، ولكن لو اضْطُرِرنا إلى قِتالهم بأنْ نخافَهُم على أنفسِنا إنْ كَفَفْنا عن حَربِهم، قاتلناهم، ولم نتَعَمَّد قتلَ المسلمِ، فإن أَصَبْناه (٢)، كَفرنا (٣).
стр. 1486
سورة الحجرات
стр. 1487
(من أحكام الأضحية)
٢٣١ - (١) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١].
* قال مجاهدٌ: لا تفْتاتوا على رسولِ اللهِ ﷺ (١).
وقيل: لا تَذْبَحوا قبلَ أن يذبحَ النبيُّ ﷺ (٢).
* إذا تقرَّرَ أنَّ هذهِ الآيةَ نازلةٌ في تَقْديمِ الأضحِيَّةِ، فقدْ بيَّنَ النبيُّ ﷺ أولَ وَقْتِ الأضحية.
روى أَنَس -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلاةِ، فإنَّما ذَبَحَ لِنَفْسِهِ، ومنْ ذَبَحَ بعدَ الصَّلاةِ، فَقَد تَمَّ نُسُكُهُ" (٣).
وروى البراءُ بنُ عازِبٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَوَّلَ ما نَبدَأ به (٤) في يومنا هذا أَنْ نُصَلّيَ، ثمَّ نرجعُ فَنَنْحَرُ، فمنْ فعلَ ذلكَ، فقدْ أصابَ سنَّتَنا، ومَنْ ذَبَحَ قبلَ ذلكَ، فإنَّما هوَ
стр. 1488
لَحم لأهلِهِ، ليسَ منَ النسُكِ في شَيْءٍ" (١)، خَرَجَهُ مسلم في "صحيحه".
وروى بشير (٢) بنُ يسارِ: أَنَّ أبا بُردَةَ بنَ نِيارِ ذَبَحَ ضَحِيَتَهُ قبلَ أن يذبحَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الأَضْحى، فزعمَ أَنَّ رسولَ الله ﷺ أمرَهُ أن يعودَ بضَحِيتِهِ، قال أبو بردةَ: يا رسولَ الله! لا أجدُ إلا جَذَعاً، قَالَ: "وإنْ لمْ تجد إلا جَذَعاً، فاذْبَح" (٣)، خَرَّجَهُ مالِكٌ في "مُوَطئِهِ".
وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ، فلا يجوزُ الذبحُ قبلَ الصَّلاةِ، لكنِ استثنى عطاء وأبو حنيفةَ أهلَ القُرى والبَوادي، فَجَوَّزا لهم الذبْحَ بعدَ طُلوعِ الفجرِ الثاني (٤).
ثم اختلفوا:
فمنهم من اعتبرَ وقتَ الأُضْحيةِ بالزمانِ، وهم الشافعيُّ، وداودُ، وابنُ المنذرِ، وآخرون، وقالوا: يدخُل وقتُها إذا طلعتِ الشمسُ، ومَضى قدرُ صَلاةِ العيدِ والخُطْبتين، سواء صَلى المُضَحي أم لا، وسواءٌ صَلَّى الإمامُ أم لا، وسواءٌ ذبحَ الإمامُ أم لا (٥).
واعتبرَ الباقونُ وقتَها بفعلِ الإمام.
ثم اختلفَ هؤلاءِ:
стр. 1489
فذهبَ الحَسَنُ، وعطاءٌ، والأوزاعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأحمدُ، وإسحاقُ إلى أنه لا يدخُل وقتُها حتى يُصَلّيَ الإمامُ ويخطُبَ، وإن لم يذبحْ (١).
وذهبَ مالكٌ إلى أنه لا يدخُل وقتُها إلا بذَبْحِ الإمامِ (٢)، واستدلَّ بحديثِ أبي بُردَةَ بنِ نِيار.
والاستدلالُ بهِ مدخولٌ؛ لأنه وردَ في بعضِ روايتِه أنهُ ذبحَ قبلَ الصَّلاةِ، فأمرهُ (٣) رسولُ اللهِ ﷺ أن يعيدَ الذبحَ، ولا شَك في أن القصةَ واحدةٌ، وأنه إذا ذبحَ قبلَ الصَّلاة، فقد ذبحَ قبلَ ذبحِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ولا عكسَ، ولو جعلنا الذبحَ هو الوصفَ المؤثّرَ في عدم الإِجزاء؛ لتعارض الروايتان عنه في وقتٍ واحدٍ، وامتنعَ العملُ بهما جمَيعاً، وكان الرجوعُ إلى الحديثِ المعارِض لهما أَوْلى من العملِ بإحداهُما، ولو ترجَّحَتْ إحداهُما على الأخرى، فدلَّ على أن الوصفَ المؤثرَ في الحُكْمِ هو الصلاةُ كَما جاءَ في حديثِ أَنسٍ والبَراءِ، ولأنَّ التعليقَ بالصَّلاةِ عرفَ من قوله ﷺ ، والتعليقَ بالذبحِ عُرِفَ من قولِ الصَّحابِيِّ أو التابعيِّ؛ لأنه لو كانَ الذبحُ شرطَه، لَبَيَّنَهُ النبيُّ ﷺ ؛ لِما فَرَضَ اللهُ عليهِ من البَيان عندَ الحاجَةِ؛ إذ صدورُ بيانِه ﷺ كانَ في يومِ العيِد عندَ فعلِ هذهِ العبادةِ.
وقد مضى الكلامُ على انتهاءِ مدةِ الذبْحِ في "سورةِ الحَجِّ".
стр. 1490
(من أحكام الردة)
٢٣٢ - (٢) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [الحجرات: ٢].
* سببُ نزولِها:
قيلَ في أبي بكرٍ وعُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-، تنازَعا عندَ رسولِ اللهِ ﷺ حتى عَلَتْ أصواتُهما (١).
وقيل (٢): نزلت في ثابتِ بنِ قيسٍ، وكانَ جَهْوَرِيَّ الصَّوْتِ (٣).
وكانَ هذا خَصيصةً لرسولِ اللهِ ﷺ ؛ تشريفاً لِقَدرِه، وتَعْظيماً لِحُرمَتِه ﷺ ، حتى تواعدَ اللهُ سبحانهُ على هذا بحَبْطِ العَمَلِ.
ويؤخَذُ من هذا أن يقاسَ عليهِ ما هوَ أقبحُ منهُ في هَتْكِ حُرمَتِه ﷺ ؛ كالاستهزاءِ بهِ، وتركِ التوقيرِ لهُ؛ فإنهُ كُفْرٌ مُحبِطٌ للعمل، مُوجِبٌ للنارِ (٤)،
стр. 1491
نعوذُ باللهِ من ذلكَ، ونسألُه أن يرزقَنا القيامَ بِحَقِّهِ، ويجزِيَهُ عَنّا أفضلَ ما جَزى نَبِيًّا عَنْ أُمَّتِهِ، ﵌ كما صَلَّى على إبراهيمَ (١) إنه حميدٌ مجيدٌ.
стр. 1492
(من أحكام الشهادات)
٢٣٣ - (٣) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦].
* أوجبَ اللهُ سبحانهُ على المؤمنينَ التَّبيُّنَ والتثبُّتَ عندَ إخبارِ الفاسقِ وشهادتِه؛ لما فيهِ من الصَّلاح ودفعِ المشقةِ عنهم، وهذا حكمٌ مُجْمَعٌ عليه بينَ المُسلمين، وإنِ اختلفوا في صِفَةِ العَدالةِ، وقدْ قَدَمْتُ في "سورةِ البقرةِ" ما فيهِ كفايَةِ.
стр. 1493
(من أحكام البغاة)
٢٣٤ - (٤) قوله ﷻ : ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
* أوجبَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنينَ الصّلْحَ بينَ إخوانِهم منَ المُؤمنين، وهو أن يَدعُوهُم إلى حكمِ اللهِ ﷻ ، وأَلَّا يَبْدَؤوهم بقتالٍ إلا بعدَ الدُّعاءِ إلى حُكْمِ اللهِ سبحانَه، كما فعلَ أبو بكرِ في أهلِ الرِّدَّةِ، وعَلِيٌّ في أهلِ حَروراءَ، وغيرِهم -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-.
فإن أصَرَّتْ إحداهُما على البَغْيِ، وَجَبَ على المؤمنينَ قِتالُها حتى ترجعَ إلى حُكْمِ اللهِ سبحانَهُ، فإن فاءَتْ ورَجَعَتْ، وَجَبَ عليهمْ أن يُصلِحوا بينَهم بالعدلِ والقسط؛ كما ذكرَه اللهُ سبحانَه.
* وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الصُّلْحَ، ولم تُذْكَر تِباعَةٌ في دَمٍ ولا مالٍ.
قَالَ الشافعيُّ: فأشبَه هذا -واللهُ أعلمُ- أن تكونَ التِّباعاتُ في الجِراحِ والدِّماءِ، وما كانَ من الأموالِ ساقطاً بينهم (١).
ويحتملُ أن يصلح بينَهما بالحُكْم إذا كانوا قد فَعَلوا ما فيه حُكْمٌ، فيعطى
стр. 1494
بعضُهم من بعضِ ما وَجَبَ له (١)؛ لقوله تعالى: ﴿بِالْعَدْلِ﴾، والعدلُ أخذُ الحَق لبعضِ الناس منْ بَعْضٍ.
قال: وإنما ذَهَبْنا إلى أن القَوَدَ ساقِطٌ، والآيةُ تحتملُ المَعْنَيينِ؛ لما أخبَرَنا مُطَرّفُ بنُ مازِنٍ (٢)، عن مَعْمَرِ بنِ راشِدِ، عن الزهْريِّ قال: أدركتُ الفِتْنَةَ الأُولى في أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَتْ فيها دِماءٌ وأموالٌ، فلم يُقْتَصَّ فيها من دمِ ولا مالٍ ولا قَرحٍ أُصيبَ بوجهِ التأويل، إلا أَنْ يؤخَذَ مالُ رجلٍ فيدفَعَ إلى أصحابِه (٣).
وقال أيضًا في القديم: وقدْ ظهرَ عَلِيٌّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - على بعضِ مَنْ قاتَلَ، وفي أصحابِه من قَتَلَ منهُم، ومنهُمْ مَنْ قَتلَ من أصحابِه، وجَرَحَ، فلم يُقَد واحِدٌ من الفريقين من صاحبه من دمِ ولا جُرحٍ، ولم يغرمْهُ شيئًا علمنا (٤).
* وأحكامُ هذه الآيةِ ظاهر متفقٌ على أكثرها، وقد بَيَنَها اللهُ سبحانَهُ على أن المقصودَ من قِتالِ البُغاة إنما هُوَ كَفُّهُمْ عن البَغْيِ حتى يفيئُوا إلى الله، وليسَ المرادُ بهِ الانتقامَ منهم، فإذا أمكَنَ كَفُّهُمْ بقتالِ، فلا يُعْدَلُ إلى ما هوَ أغلظُ منه، ولا يُقْتلُ أسيرُهم، ولا يُذَفَّفُ (٥) على جَريحِهم، ولا تتلَفُ أموالُهم (٦).
стр. 1495
وقدْ فعلَ ذلكَ عليٌّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -، فقالَ يومَ الجَمَلِ: لا تتَّبعُوا مُدبِرًا، ولا تُجهزوا على جَريحٍ، ولا تغنَموا مالًا (١).
وقال أبو أمامَةَ: شهدْتُ صِفِّيْنَ، فكانوا لا يُجهزونَ على جَريحٍ، ولا يَقْتُلون مُوَلَيًا، ولا يَسْلُبون قتيلًا (٢).
وبهذا قَالَ الشافِعيُّ (٣).
وقال أبو حنيفةَ: يتبعُ مُدبِرُهم؛ لأنه لا يَحصُلُ فَيْئُهُمُ بالإدبار (٤).
ورأى الشافعيُّ حُصولَ الفيئةِ؛ لانْكِفافِ بعضِهم، واستدلَّ بفعلِ عَلِيّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -.
(من أحكام النكاح)
٢٣٧ - (٧) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
* تمسَّكَ بهذِهِ الآيةِ مالِكٌ -رحمَهُ اللهُ تَعالى- في تركِ اعتبارِ الكَفاءَةِ.
قَالَ ابنُ القاسِمِ: سألتُ مالِكاً عن نِكاحِ المَوالي في العربِ، فقالَ: لا بأسَ بذلك، أَلا تَرى إلى ما في كتابِ الله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١) [الحجرات: ١٣].
ويدلُّ له (٢) أيضًا ما رُوي عن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أن النبي ﷺ قَالَ: "يا بَني بَياضَةَ! أَنْكِحُوا أبا هِنْدٍ، وأَنْكِحوا إليه" (٣)، وكانَ حَجّامًا.
وزعمَ الزُّهْرِيُّ في هذهِ القِصَّةِ أَنَّهم قالوا: يا رسولَ اللهِ نزوجُ بناتِنا
стр. 1498
مَواليَنا؟ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١) [الحجرات: ١٣].
وقد عَمِلَ الصَّحابَةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- بذلك (٢)، فتزوجَتْ أختُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ من سَلْمانَ، وأُخْتُ أبي بكرٍ من بِلالٍ، وزَوَّجَ أبو حُذَيْفَةَ بْنُ عتبةَ بنِ رَبيعةَ بنتَ أخيه من سالم مولاهُ، وتزوجَ زيدُ بنُ حارثةَ بزينبَ بنتِ جَحشٍ، ثم ابنُه أسامةُ بنُ زيدٍ بفاطِمَةَ بنتِ قَيْسٍ (٣).
وفي تنزيلِ العَبْدِ القِنّ منزلةَ المَوْلى خِلافٌ عندَهُمْ.
وذهبَ الشافعيُّ إلى اعتبارِ الكَفاءةِ (٤)، وقال: أصلُ هذهِ (٥) الكفاءةِ مستنبطٌ من حديثِ بَريرةَ، وكانَ زوجُها غيرَ كُفْءٍ فخَّيَرها رسولُ اللهِ ﷺ (٦).
ويدلُّ لهُ (٧) ما رُوي عن عُمَر -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: أنه قال: لأمنعنَّ ذواتِ الأَحسابِ أن يُزَوَّجْنَ إلَّا منَ الأَكْفاءِ (٨).
وما رُويَ عن عائشةَ وابنِ عُمَرَ: العَرَبُ بعضُها أكفاءُ بعضٍ قبيلةٌ بقبيلةٍ،
стр. 1499
ورجلٌ برجلٍ، والمَوالي بَعْضُها أكفاءٌ لبعضٍ، قبيلةٌ بقبيلةٍ، ورجلٌ برجلٍ، إلَّا حائِكًا أو حجاماً (١).
وقولُ مالكٍ عندي أرجحُ وأَوْلى، فلهُ أن يقولَ: تخييرُهُ بَريرةَ لا يدلُّ على اعتِبارِ الكفاءَةِ، فإنَّما خَيَّرَها رسولُ الله ﷺ لِعَجْزِ الزوجِ عن القِيام بِواجباتِ الأَحرار، ونُقصانِه عن كمال (٢) الاستِمْتاعِ؛ لكوبه مَشْغولًا بخدمَةِ مولاهُ، وأما الأَثَرانِ، فَمَوقوفانِ، وقولُ الصَّحابَي ليسَ بِحُجَّةٍ، وإن سلم، فهما ضَعيفان، بل جاءتِ السنَّةُ بموافقةِ الكتابِ العزيز.
стр. 1500
سورة النجم
стр. 1501
(من أحكام النيابة في العبادات)
٢٣٨ - (١) قولُه ﷻ : ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٦ - ٣٩].
أقولُ: اشتملتْ هاتانِ الآيَتان على جُملتين:
أَمّا الجملَةُ الأولى، وهي قولُه تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] وما أشبَهَها، فقد ثبتَ في السنَّةِ أنها مخصوصة في حَمْلِ العاقِلَةِ لِدِيَةِ الخَطأ؛ خلافًا للأَصَمِّ وابنِ عُلَيَّة (١).
وأما الجملة الثانية، وهي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩]، فقيل: إنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢) [الطور: ٢١]، وضَعْفُ هذا القولِ لا يَخْفى، بل الصوابُ: أَنَّها محكمةٌ.
ولكن اتفقَ أهلُ العلمِ على أنَّها مخصوصةٌ بالإِجْماعِ والسُّنَّةِ.
стр. 1502
أما الإجماعُ، فأجمعَ المسلمونَ على وُجوب الصَّلاةِ على المَيِّتِ، وانتفِاعِه بالدُّعاء (١).
وأما السُّنَةُ، فما أخرجَه مسلم في "صحيحه" عن أبي هُريرة -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا ماتَ الإنسانُ انقطعَ عملُه إلَّا من ثلاثةِ أشياءَ: صَدَقَةٍ جارِيةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بهِ، أَوْ وَلَدٍ صالحٍ يَدعو له" (٢).
* إذا تَمَّ هذا، فالذي يُفْعَلُ عن المَيِّتِ لا يَخْلو إمّا أنْ يكونَ شيئًا قد وجبَ عليهِ في حياتهِ، أو يكونَ تطوُعًا، وها أنا أبيّنُ ما خُصَّ من هذا العُموم، فأقول:
* أما المُتَطَوَعُ بهِ:
- فأجْمَعوا على وُصولِ الدُّعاءِ، وأجمعوا على وصُول الصَّدَقَةِ (٣)؛ لِحَديثِ أبي هُريرةَ كما رَوَتْ عائِشَةُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها -: أَنَّ رجلًا قَالَ لرسولِ الله ﷺ : إنَّ أُمي افْتُلِتَتْ (٤) نَفْسُها، وأُراها لَوْ تَكَلَمَتْ، تَصَدَّقَتْ، أَفَأَتَصَدَّقُ عَنْها؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "نَعَمْ"، فَتَصَدَّقْ عَنْها (٥).
- واختلفوا في وُصولِ العِتْقِ، فقالَ قومٌ: لا يُعتقُ عنهُ؛ إذ لا ولاءَ لهُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ.
стр. 1503
وأحسِبُ الشافعيَّ قالَهُ (١) في الجَديد (٢).
وقالَ قومٌ: يعتَقُ عنهُ (٣)، وبهِ أقولُ؛ لما رَوى عبدُ الرَّحمنِ بْنُ أبي عَمْرَةَ: قلتُ للقاسمِ بنِ مُحَمَّدٍ: أينفعها -يعني أُمَّهُ- أنْ أُعْتِقَ عَنْها؟ فقالَ القاسمُ: إنَّ سعدَ بنَ عُبادة قَالَ لرسولِ اللهِ ﷺ : إنَّ أُمِّي هَلَكَتْ، فهلْ يَنْفَعُها أَنْ أُعْتِقَ عنها؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : "نعم" (٤).
وقد أعتقَتْ عائشةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنها - عَنْ أخيها، وقدْ ماتَ عَنْ (٥) غيرِ وَصِيَّةِ (٦).
- وأجمعوا على أنه يصلُه ما ليسَ من عَمَلِه إذا كانَ أصلُ وجودِه من عَمَلِه، ثم انقطعَ بموته، فإنه لا ينقطعُ؛ كالصَّدَقَةِ الجاريةِ، وهي الوقفُ والتّحبيسُ والعِلْمُ المنتفَعُ بهِ بعدَ موتِه، وإجراءُ نَهْرِ، وحَفْرُ بئرِ، وغَرسُ شَجَرَةِ، وقد وردَ ذلكَ عن رسولِ الله ﷺ (٧).
стр. 1504
- وأجمَعُوا على أنَّ الحَي لا يصلي عنِ المَيتِ، ولا يصومُ عنهُ (١).
وأما الحَجُّ، فَمَنْ جَوزَ النيابَةَ في حَجِّ التطوُّعِ، جَوزَ أن يحجَ عنهُ (٢).
ويدلُّ على انتفاعِ المَيتِ بهِ ما رَوى عَمْرُو بنُ شُعيبِ عن أبيهِ عن جَدِّهِ في وَصِيّهِ العاصِ بنِ وائلِ قال: فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّهُ لَوْ كانَ مُسْلِمًا، فَأَعْتَقْتُمْ، أو تَصَدَّقْتُمْ عنهُ، أو حَجَجْتُمْ عنهُ، بَلَغَهُ ذلكَ" (٣).
قال الشافعيُّ في القَديم: وبهذا أَخَذوا (٤).
* أَمّا ما وجَبَ عليهِ في حياتِه:
- فأجْمَعوا على أنه يجوزُ أن يُؤَدَّى عنِ المَيِّتِ ما وَجَبَ عليهِ منْ كَفّارَةٍ ونَذْرِ ودَيْنِ وغُرمِ وأداءِ حَجّ وزَكاةِ؛ لما رَوى ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- قال: أتتِ النبي ﷺ امرأةٌ، فقالَتْ: إنَّ أمي ماتتْ، وعليها حَجٌّ، قال: "حُجّي عن أُمّكِ" (٥).
- واختلفوا في الصومِ فذهبَ أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثورِ، والليثُ، وأهلُ الظاهرِ إلى
стр. 1505
جوازِه (١)؛ لما روى ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنْ ماتَ وعليهِ صِيامٌ، صامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ" (٢).
ولكنهم خَصُّوه بالنَّذْرِ؛ لما روى ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- قال: جاءتِ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالت: يا رسولَ اللهِ! إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعليها صَوْمُ نَذْرِ، أَفأَصومُ عنها؟ فقال: "أَرأيتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَكانَ يُؤَدِّي ذلكَ عَنها؟ " قالتْ: نعم، قَالَ: "فَصُومي عن أمِّكِ" (٣).
وجوَّزهُ الشافعيُّ في الكتابِ القديمِ مطلقًا، ولم يقيدُه بالنذرِ؛ إذ لا عِبْرَةَ بخصوصِ السببِ (٤).
واختاره النوويُّ من المتأخرينَ (٥).
ومنعَ النيابةَ في الصَّومِ في الكتابِ الجديدِ، لكنَّهُ يطعمُ عنه (٦).
وهو ضعيفٌ؛ لثبوتِ السنَّةِ بخِلافِه.
وأما الصلاةُ: فذهبَ الجُمهور إلى أن الصَّلاةَ لا تجوزُ عنهُ، وحكيَ عن عَطاء بنِ
стр. 1506
أبي رباح، وأحمدَ، وإسحاقَ: أنهم قالوا: تجوزُ الصَلاةُ عن المَيِّتِ، واختارهُ ابنُ أبي عَصرون من الشافعيةِ (١)، ويدلُّ لهم ما رَوَينا في البُخاريِّ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - أَمَرَ مَنْ ماتَتْ وعليها صَلاةٌ أَنْ يُصَلَّى عنها (٢).
وقالَ البغويُّ من الشافعيةِ: لا يبعُدُ أن يُطْعَمَ عن كُلّ صَلاةٍ مُدٌّ من طَعام (٣).
وهذا خَطَأٌ؛ فإنَّه لا مدخَلَ للقياسِ في هذا، والقياسُ أنه لا يَجِبُ شيءٌ من الطعام، وأنه لا مدخَلَ للطَّعام في الصَّلَواتِ بحالٍ، بخلافِ الصَوْم والحَجِّ (٤).
وهذا في المَيّتِ.
وأما الحَيُّ فَلا ينوبُ عنه أحدٌ في شيءٍ من العِباداتِ إلَّا في الحَجِّ المفروضِ إذا كانَ معضوباً (٥)، وفي حَجّ التطوُّعِ خِلافٌ، وقد تقدَّمَ ذكرُه في "سورةِ آلِ عمران".
стр. 1507
وبمنعِ النيابةِ في العِباداتِ البدنيَّةِ إلا ما خَصَّهُ الشرعُ أَخَذَ الشافعيُّ، ونصَّ عليهِ في "الأم" (١)، وبهِ قَالَ المعتزلةُ (٢)، وإياها أَختارُ؛ لهذه الآيةِ.
وقالَ قومٌ من الأصوليين: تجوزُ النيابةُ في جميعِ العباداتِ، إلَّا ما خرجَ بدليلٍ (٣)، واللهُ أعلم.
стр. 1508
سورة الواقعة
стр. 1509
(من أحكام مس المصحف)
٢٣٩ - ٢٤٠ (١ - ٣) قوله ﷻ : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩].
* هذه الآيةُ اختلفَ فيها أهلُ التَّفْسيرِ: فقالَ ابنُ عباسِ، وأَنَسٌ، ومجاهِدٌ: المُطَهَّرونَ: هُمُ الملائكةُ المُطَهَّرونَ من الذّنوبِ، والكتابُ المَكْنونُ هو الَّذي في السَّماءِ (١)، وبهذا احتجَّ أهلُ الظاهرِ، فَجَوَّزوا للمُحدِثِ مَسَّ المُصحَفِ (٢).
وقال قومٌ: المُطَهَّرونَ أي: المُتَطَهِّرونَ بالماءِ (٣).
قَالَ سَلْمانُ الفارِسيُّ لقومٍ سألوهُ عَنْ آيِ القرآنِ، وأرادوا منهُ الوُضوءَ؛ لكونه حينئذٍ مُحدِثاً: سَلُوا؛ فإني لا أَمَسُّهُ، وإنه لا يَمَسّهُ إلا المُطَهَّرونَ (٤).
وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ من الفُقهاء؛ كمالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ (٥).
стр. 1510
قَالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزنادِ، عن أبيهِ، عَمَّنْ أدركَ من فُقهاء أهل (١) المدينةِ الذين ينتهى إلى قولهم قال: وكانوا يقولونَ: لا يمسُّ القرآن إلا طاهرٌ (٢).
ويدلُّ على هذا فِعلُ (٣) أختِ عمرَ بنِ الخَطاب -رضي الله تعالى عنهما- لما دخلَ عليها، ومنعتْهُ أن يمسَّ القرآنَ حَتَّى يتطهرَ؛ كما هو مشهورٌ في قصةِ إسلامِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - (٤).
ويدلُّ عليه -وإنْ كانَ إطلاق (٥) لفظُ المَكْنونِ على ما في السَّماءِ، والمُطهَّرونَ على المُطّهرينَ من الذنوب، أظهر- ما رَوى الزهريُّ عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيهِ، عن جدهِ: أنَّ في الكِتابِ الذي كتبَهُ رسولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: أَنَّهُ لا يَمسُّ القرآن إلا طاهِرٌ (٦).
ورواه أيضًا سليمانُ بنُ موسى، عن سالمٍ، عن أبيهِ، عنِ النبي ﷺ (٧).