وهي على ضربين (١):
فِعلٌ لا قُرْبَةَ فيهِ، بلْ فَعَلَهُ بطريقِ العادةِ؛ كالأكلِ والشربِ، والنوم والقيامِ، والقعودِ والركوب، فهذا يدلُّ على إباحَتِهِ، وينتفي عنهُ التحريمُ؛ لِعِصْمَتِهِ ﷺ ، ولكونه لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وينتفي عنه الكراهَةُ؛ لندورِ فِعْلِ المَكروهِ منهُ، وإنْ كانَ قدْ يفعلُهُ لتبيينِ الجَوازِ، أو (٢) لغيرِ ذلكَ منَ الوجوهِ.
فهذا عندي، وإنْ كانَ مُباحاً، فَيُستحبُّ لأمَّتهِ متابعَتُه ﷺ فيه؛ لكون عادتِه أَحْسَنَ العاداتِ، ومقرونةً بأَزْكى البركاتِ.
وقد تابعَهُ في ذلكَ كثيرُ من الصَّحابة ﵃ وقل مَنْ رأيتُه من المُصنِّفينَ ذَكَرَ اسْتِحْبابَ ذلكَ (٣)، ولكنَّ نَظَرَهُمْ في ذاتِ الفِعْلِ، لا في نفسِ المُتَابَعَةِ.
والضربُ الثَّاني: فعلٌ يظهر فيه قَصْدُ القُرْبَة.
وقَدْ قَدَّمنا أَنَّ مأخَذَ السُّنَّةِ من ثلاثةِ أوجهٍ:
وجهانِ مُتَّفَقٌ عليهِما عندَ أهلِ العلمِ، فيعرف وجوبُ فعله وندبُه من
стр. 177
الوجْهَين، إن كانَ بياناً لنصٍّ في واجبٍ، كان واجبًا، وإن كان بَياناً لنصٍّ في مُسْتَحَبٍّ، كانَ مُسْتَحباً، وإن كانَ بياناً لمُجْمَلٍ مأمورٍ بهِ حَتْماً، كان واجِباً، وإن كانَ المأمورُ بهِ نَدْباً، كانَ مُسْتَحباً (١).
وأمَّا الوجهُ الثالثُ الذي قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ، وهوَ أن يَفْعَلَ الشيءَ ابتداءً من غيرِ سَبَبٍ (٢)، فاختَلفَ أهلُ العلمِ فيهِ أيضاً على أربعة مذاهبَ (٣):
فمذهبُ مالِكٍ وأكثرِ أهلِ العراقِ وأبي سعيد الإصْطَخْريّ وأبي العباس ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يُحْمَلُ على الوُجوب.
وقالَ قومٌ: يُحْمَلُ على النَّدْب، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ.
وقال قومٌ: يُحْمَلُ على الإباحَةِ، ويُروى عن مالكٍ.
وقالَ قومٌ بالوقفِ، فلا يُحْمَلُ على الوجوبِ ولا على النَّدْبِ إلَّا بِدليلٍ، وهو قَوْلُ الصَّيْرَفيِّ، واختيارُ أبي إِسْحاقَ الشِّيرازِيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- (٤).
أحدُهما: أن يقولَ أحدٌ قولًا، أو يفعلَ فِعْلاً بِحَضْرَتِهِ، ولا يُنْكِرُهُ عليهِ، فهذا يَدُلُّ على جوازِ ذلكَ الشيءِ.
والثاني: أن يَفْعلَ فِعلاً بغيرِ حَضْرَتِهِ، لكنَّ مثلَ ذلكَ لا يَجوزُ أن يَخْفى عليهِ في العادَةِ، ولم يُنْقَلْ أنَّه ﵊ أنكرَهُ، فهذا أيضاً يُسْتَدَلّ بهِ على جوازِ ذلكَ الشيءِ، ولكنهُ أضعفُ دَلالةً مِنَ الأولِ.
* * *
الفصل الثَّاني في بيانِ أنواعِ السُّنَّةِ
وهي تنقسم إلى مُتَّصِلٍ وغيرِ مُتَّصِلٍ.
والمُتَّصِلُ ينقسِمُ إلى مُتواتِرٍ وآحادٍ، وبعضهم يقسمُهُ إلى مُتَواتِرٍ ومُسْتَفيضٍ وآحادٍ (١).
стр. 180
فالمتواتر: ما استوى طرفاهُ ووسَطُهُ في الروايةِ عَنْ جَمْع لا يُمْكِنُ تَواطُؤُهُمْ على الكذبِ، وأن يكونَ مُسْتَنَدُهُ غيرَ النَّظَرِ والاسْتِدلالِ (١).
وهذا يفيدُ العلمَ الضَّرورِيَّ (٢)؛ خِلافاً للبَلْخِيِّ منَ المُعْتَزِلَةِ، والدَّقَّاقِ منَ الأَشْعَرِيَّةِ.
وهو قليلٌ جِدًّا (٣).
والمستفيض: ما كانَ من أخبارِ الآحادِ، ولكنْ تلَقَّتْهُ الأمَّةُ بالقَبول، فَعَمِلوا بهِ كُلُّهُمْ، أو عَمِلَ بهِ البَعْضُ، وتَأَوَّلَهُ الباقونَ (٤)، وذلكَ كقولهِ ﷺ :
стр. 181
"إنَّما الأَعْمالُ بالنّيَّاتِ" (١)، وما أشْبَهَهُ.
والآحاد: ما عدا ذلكَ (٢).
وهو يُوِجِبُ العَمَلَ مُطْلَقاً (٣)، خالفَتِ القِياسَ مُطْلَقاً، أو قياسَ الأُصولِ، عَمَّتِ البَلْوى بالحادثة، أو لمْ تَعمَّ.
ولا عِبْرَةَ بخِلاف ابنِ داودَ وشُذوذٍ منَ النَّاسِ؛ حيثُ مَنَعوا العَمَلَ بِها (٤).
ومنعَ مالكٌ العَمَلَ بِها إذا خالفَتِ القياسَ (٥).
стр. 182
ومنعَ أبو حنيفةَ (١) إذا خالَفَتْ قِياسَ الأُصولِ (٢)، أو كانَتْ فيما تعُمُّ به البَلْوى (٣).
стр. 183
وهي لا توجبُ القَطْعَ واليقينَ؛ خلافًا لبعضِ أصحابِ الحديثِ.
فإنَّ منهم من قال: ما تَجَلّى إسنادُه، أوجبَ العِلْمَ؛ كَمالِكٍ، عن نافعٍ، عنِ ابن عُمَرَ- ﵃.
ومنهم منْ قالَ: ما حواه صحيحاً البُخاريِّ ومُسْلِمٍ يفيدُ العِلْمَ.
قال الشيخُ أبو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ وغيرُه: يُفيدُ العِلْمَ النَّظَرِيَّ لا الضَّرورِيَّ؛ لأنَّ الأمةَ أجمعتْ على أن ما فيهما ثابتٌ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ ، والأُمَّةُ مَعْصومَةٌ مِنَ الخَطَأ (١).
وأكثرُ المحقِّقينَ منَ الأصوليين وغيرهم على أن ذلكَ لا يفيد العلم (٢). وإحدى المُقَدّمتينِ في الاستدلالِ غيرُ مُسَلَّمَةٍ، فكأنهم يقولونَ: أجمعَتِ الأمَّةُ على وُجوبِ العَمَلِ بالظَّنِّ، وقد غلب على ظَنِّهِمْ أنَّ ما فيهما صحيحٌ،
стр. 184
فنتيجةُ هذا أَنَّ ما فيهما يَجِبُ العَمَلُ به.
ولمُخالِفِهم أن يقولَ: قَدْ ظَنَّتِ الأُمَّةُ بثبوتِ جميعِ ما فيهما عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ ، والأُمَّةُ معصومة عن الخَطأ في ظَنِّها، فينتجُ ذلكَ أنَّ ما فيهما ثابِتٌ قَطْعاً ويَقيناً، فالظنُّ في طريقِ إفادَتِهما العِلْمَ، لا في إفادَتِهما العمل.
وهُوَ عندي مَذْهَبٌ قَوِيٌّ، ولكنَّه لا يَخْتَصُّ بالصَّحيحينِ، بلْ كلُّ حديثٍ غلبَ على ظنِّ عامَّةِ أهلِ العلمِ بالحديثِ ثبوتُه وصِحَّتُهُ، فهو كَذلكَ، واللهُ أعلمُ.
ثم المُتَّصِلُ ينقسم إلى: صَحيحٍ، وحَسَنٍ، وضعيفٍ.
فالأَوَّلانِ حُجة على ما قاما عليه، وإن تفاوتا في الصِّحَّةِ والحُسْن.
وأمَّا الضَّعيفُ، وإن تنوعتْ أنواعُه، فلا يجوزُ إقامةُ الحجةِ به (١).
стр. 185
وأمَّا غيرُ المتصل، فإنَّه يقعُ على المُرسَل، والمُعْضَل، والمُنْقَطع، والموقوف (١).
فالمُرْسَل: قولُ التابعيِّ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ .
والمُعْضَلُ والمُنْقَطعُ في معناهُ (٢) عندَ قومٍ، ومنهم مَنْ فرَّقَ بينهما بأحوالٍ مخصوصةٍ، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بالحديث (٣) في كتبهم (٤)، وقد أَوَّلوها في اصطلاحاتِهم.
стр. 186
وكلُّها (١) لا تقومُ بها حُجَّةٌ، ولا يثبتُ لها حكمٌ عندَ جماهيرِ أهلِ العلم.
وذهب مالكٌ وأبو حَنيفةَ في آخرين إلى صِحَّةِ الاحتجاجِ بالمرسَلِ.
وأمَّا الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنُه- فقالَ في كتابهِ الجديدِ: المنقطعُ مختلِفٌ، فمن شاهدَ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ من التّابعين، فحدَّثَ حديثاً منقطِعا عنِ النَّبي ﷺ ، اعتُبِرَ عليهِ بأمور.
منها: أن يُنْظَرَ إلى ما أرسلَ من الحديثِ، فإن شاركه فيه الحُفَّاظُ المأمونونَ، وأَسْنَدوه إلى رسولِ اللهِ ﷺ بمِثْلِ معنى ما رَوى، كانتْ هذهِ دلالةً على صحَّةِ حفظِه.
وإن انفردَ بإرسالِ حديثٍ لم يشاركْهُ فيه غيرُه، قُبِل ما ينفردُ به، ويُعْتبَرُ عليه بأن يُنْظَرَ هلْ يوافِقُه مرسَلُ غيره ممَّن قُبِلَ عنهُ العلمُ في غيرِ رجالِه الذين قُبِلَ عنهم، فانْ وُجِدَ ذلك، كانتْ دلالةً تقوِّي مُرْسَلَهُ، وهي أضعفُ منَ الأُولى.
وإن لم يُوجَدْ ذلكَ، نُظِر إلى بعضِ ما رُوِيَ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قولًا لَهُ، فإن وُجِدَ موافقاً ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ، كانتْ في هذهِ دلالةٌ على أنَّه لم يأخذْ مُرْسَلَه إلَّا من أَصْلٍ يَصِحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وكذلكَ إن وُجِدَ عَوامٌ من (٢) أهلِ العِلْمِ يُفتون بمثلِ معنى ما رُوي عن النبيِّ ﷺ ، ثم يعتبرُ عليهِ بأنْ يكونَ إذا سَقَى مَنْ روى عنهُ، لم يكنْ مجهولاً، ولا مَدْفوعاً من الروايةِ عنه، فَلْيُستدلَّ بذلك على صِحَّة ما رواهُ، أو يكونَ إذا شاركَ أحدًا من الحفَّاظ في حديثٍ لم يخالِفْهُ، وإنْ خالفهُ،
стр. 187
وُجِدَ حديثُه أنقصَ، ففي هذهِ دلائلُ على صِحَّةِ مخرجِ حديثهِ.
ومتى خالفَ ما وَصَفْتُ، أضرَّ بحديثه حتَّى لا يسع أحداً قَبولُ مُرْسَلِهِ.
ثم قالَ بعدَ كلامٍ: فأمَّا مَنْ بعدَ كِبارِ التَّابعينَ الذين كَثُرَتْ مشاهدتُهم لبعضِ أصحابِ النبيِّ ﷺ ، فلا أعلمُ منهمْ واحدًا يُقْبَلُ مُرْسَلُهُ لأمورٍ:
أحدُها: أنَّه أشدُّ تجوُّزاً فيما يروون عنه.
والآخَرُ: أنَّه يُؤخَذُ عليهم الدلائلُ فيما أرسلوه بضَعْفِ مخرجهِ بكثرةِ الإحالةِ في الأخبارِ، وإذا كَثُرَتِ الإحالةُ، كانَ أمكنَ للوَهْم وضعفِ مَنْ يُقبلُ عنهُ.
ثم قال أيضاً بعد كلامٍ آخَرَ: ومن نَظَر في العلم بِخِبرَةٍ وقلةِ غفلةٍ، استوحشَ من مُرْسَلِ كلِّ مَنْ دونَ كبار التَّابعينَ بدلائِلَ ظاهرةٍ فيها، فإن قالَ قائِلٌ: فَلِمَ فَرَّقْتَ بينِ التَّابعينَ المتقدِّمينَ الذين شاهدوا أصحابَ النبيِّ ﷺ ، وبينَ مَنْ شاهدَ بعضهَم دون بعض؟ قلتُ له: لِبعدِ إحالَةِ مَنْ لم يشاهدْ أكثرَهُم (١).
стр. 188
وأمَّا الموقوفُ على بعضِ الصحابةِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهمْ- مثلَ أَنْ يقولَ بعضُهم قولًا؛ أو يفعلَ فِعْلاً، فإنِ انتشرَ قولُه أو فعلُه في علماءِ الصحابةِ، وسكتوا عن مخالفتهِ والإنكارِ عليه، فهو حُجة يجبُ العملُ بها؛ خِلافاً لداودَ؛ لأنَّ العادَةَ في أهلِ الاجتهاد إذا سمعوا جَواباً في حادثةٍ حَدَثَتْ، اجتهدوا، وأَظْهروا ما عندَهُم، فإذا لم يُظهروا الخِلافَ، دَلَّ على أنهم قد رَضُوا بذلك.
واختلفوا فيه: هلْ يكونُ إجماعاً؟
فقالَ فريقٌ من الشافِعِيَّةِ: يكونُ إجماعاً.
ويروى عن أبي حنيفةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعالى.
وقال فريقٌ منهمْ: لا يكونُ إجماعًا، ونُسِبَ إلى الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تَعالى- في قوله الجديدِ (١).
стр. 189
وأمَّا إذا لم ينتشرْ، ولم يُعْرَفْ له مُخالِفٌ:
فَذَهَبَ الشافعيُّ في قولهِ الجديد إلى أنَّه ليسَ بِحُجَّةٍ.
وقالَ قومٌ من الفُقهاء: هو حُجَّةٌ، وإليه ذهبَ الشافعيُّ في القديم.
وقالتِ الحنفيةُ: إذا خالفَ القِياسَ، كان توقيفاً عنْ رسول الله ﷺ ، ويُقَدَّمُ على القِياس؛ لأنَّ فَتْوى الصَّحابيِّ بما يخالِف القياسَ دليلٌ على أنَّه إنَّما قالَ بذلكَ عن توقيفٍ عن رسولِ الله ﷺ (١).
стр. 190
الفصلُ الثالثُ في ترتيبِ بعضِها على بعضٍ
والسُّنَّةُ تنقسمُ إلى جميعِ الأقسامِ الواردةِ في الكِتاب؛ مِنَ الحقيقةِ والمَجاز، والعامِّ والخاصِّ، والمُجْمَلِ والمُبيَّنِ، والمُقَيَّدِ والمُطْلَقِ، والنّاسِخِ والمَنْسوخ.
فالمَجازُ مرتَّبٌ على الحقيقةِ، والعامُّ مرتَّبٌ على الخاصِّ، والمُجْمَلُ مرتَّبٌ على المُفَسَّرِ، والمُطْلَقُ مرتَّبٌ على المُقَيَّدِ، والمنسوخُ مرتَّبٌ على الناسخِ.
ولولا طَلَبي للاختصارِ وخَوفُ الإطالةِ، لَبيَّنْتُ جميعَ هذهِ الأقسامِ وغيرِها، ولكنْ فيما مضى من هذه المقدِّمَةِ كفايةٌ لذوي الاعْتبار والاسْتِبْصار.
* * *
الفصلُ الرابعُ تقديمُ بعضِها على بعضٍ
وذلك لا يكون إلَّا بعد تعذُّر الجَمْع بينها والعَمَلِ بجميعها (١)، وترتيبِ بعضِها على بعض، وذلكَ بأنْ يكونَ لفظُ الشَّيئينِ المتعارِضَيْنِ نَصًّا: بيِّناً، ولم يُعْلَمِ الناسخُ منهما، فحينئذِ يصيرُ المجتهِدُ إلى تقديمِ بعضِها على بعضٍ بوجه من وجوهِ الترجيح، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بالنَّظَر والفَتْوى.
стр. 191
فمنها وجوهٌ مرجِّحَةٌ من قِبَلِ الإسناد، ووجوه مُرَجِّحَةٌ من قبلِ المتنِ.
فالذي من قبلِ الإسنادِ (١): مثل أنْ يكونَ أحدُ الراويَينِ صغيراً، والآخرُ كبيرًا، فتقدَّمُ (٢) روايةُ الكبيرِ؛ لأنَّه أضبطُ، أو يكون أحدُ الراويينِ أفقَهَ أو أقربَ إلى رسول الله ﷺ ، أو يكونَ مباشِراً للقصةِ، أو تتعَلَّقُ (٣) القصةُ به، أو يكونَ أكثرَ صحبةً، أو يكونَ أحسنَ سياقاً للحديثِ، أو يكونَ متقدِّمَ (٤) الإسلام، أو يكون أورعَ وأشدَّ احتياطًا، أو يكونَ من أهل المدينةِ، أو لم يضطربْ لفظُه، و (٥) لم تختلفِ الروايةُ عنه، مع كونِ مقابِلِهِ ليس من أهلِ المدينة، و (٦) اضطربَ لفظُه، أو اختلفتِ الروايةُ عنه. والأصحُّ: أن كثرةَ الرواةِ موجِبٌ للترجيح، بخلافِ الشهادةِ، خلافًا لبعض الشَّافعية (٧).
стр. 192
والذي من قبلِ المتينِ مثل (١): أن يكونَ أحدُهُما نُطْقاً، والآخرُ دليلَ النطقِ (٢)، فالنطق أولى، أو أن (٣) يكونَ أحدُهما يجمعُ النطقَ والدليلَ، والآخرُ يختصُّ بأحدهما، فالجامعُ أولى؛ لأنَّه أَبْيَنُ، أو يكونَ أحدُهما موافقاً لدليلٍ من كتابٌ أو سنةٍ أو قياس، ويكونَ أحدهُما عملَ بِه الأئمةُ الأربعةُ وأهلُ الحرمينِ، ويكون أحدُهُما قولاً وفعلاً، والآخر أحدهما، فهو أولى، أو يكون قُصِد بأحدِهما الحكمُ، والآخرُ لم يقصدْ به، أو يكونَ أحدُهما وردَ على غيرِ سبب، فهو أولى ممَّا وردَ على سبب؛ لأنَّه مختلَفٌ في عمومِه، أو يكون أحدُهما (٤) مُثْبتاً أو ناقلاً من العادة إلى العبادة، أو يكونَ فيه احتياط، فيقدَّم على مقابلِهِ، والأصحُّ: أن الذي يقتضي الحَظْرَ مقدمٌ على الذي يقتضي الإباحة؛ لأنَّه أَحْوَطُ (٥).
стр. 193
وقد مضى الكلامُ على وجوهِ الأدلةِ وشرائطِ الاستدلال في الخطاب، وبقي الكلامُ في معناها الذي هو القياسُ.
وها أنا أذكر فيه جملةً نافعةً ليتمَّ نفع كتابي هذا (١) إن شاء الله تعالى.
* * *
стр. 194
(القول في القياس)
فصل: اعلموا (١) -رحمكمُ اللهُ الكريم وإياي-: أن اللهَ سبحانه أنعمَ على عِباده، ومَنَّ عليهم، فركَّبَ فيهم عقولاً دلَّهم بها على الفرقِ بين المُخْتَلِفِ، والجَمْعِ بين المُؤْتَلِفِ، ونصبَ لهم إلى دَرْكِ الصوابِ علاماتٍ يأتمُّون بها، بدلالاتٍ (٢) يهتدون بها، فقال ﷻ : ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦] ليبتليهم (٣)، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجز واحدٌ، فما أعظمها (٤) من نعمةٍ يثابُ العبد مع (٥) الخطأ فيها! فلله الحمدُ والشكرُ عليها.
وقد كثرت أقوالُ العلماءِ في حدِّ القياس.
فقال الشافعيُّ: هو الاجتهادُ (٦).
وقال غيره (٧): هو فعلُ القياس (٨)، وقيلَ غيرُ ذلك.
стр. 195
وفي الحقيقة: ردُّ الحادثةِ إلى حكمٍ بمعنًى فيه هو فيها، أو إلى أشبهِ الأمورِ بها (١).
* ثم اعلموا -رحمكمُ اللهُ- أن الألفاظ كما هي متفاوتةٌ في البيان، كذلك القياسُ متفاوتٌ أيضاً.
فأَبْيَنُهُ وأوضحُهُ أن يُحرّم الله سبحانَه، أو رسولُه ﷺ القليلَ من الشيء، فيُعْلَمَ أن كثيرَهُ مثلُ قليلِه في التحريمِ، وأولى منه؛ لفضلِ الكَثْرَةِ.
وكذا إذا حَمِد على اليسيرِ من الطاعةِ، أو ذمَّ على القليلِ من المَعْصِيَةِ. وذلك كما حرّم اللهُ سبحانه التأفيفَ للوالدَيْنِ، فالضربُ مثلُه، أو أولى منه.
وقد يمتنعُ (٢) بعضُ أهل العلم من تسميةِ هذا قياساً (٣)، ويقول: هذا
стр. 196
معنى ما أحلَّ الله وما حَرَّمَ، وما حَمِدَ وما ذَمَّ؛ لأنَّه داخل معه (١) في جملته، فهو هو بعينِه، لا قياسَ عليه.
ويليه في ذلك (٢) الوضوح ما صُرِّحَ بهِ بلفظِ التعليلِ؛ كقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]، وكقوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [المائدة: ٣٢] الآية، وكقوله ﷺ : "إنَّما نهيتكم من أجل الدافَّةِ" (٣).
ويليهِ في الوضوحِ ما كان ذكرُه لا يفيدُ غيرَ التعليلِ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١] الآية، وهذا المعنى المذكورُ موجودٌ في النبيذ، فيكونُ حراماً.
ويليه في الوضوحِ كونُ الفرعِ مساويًا للأصلِ في المعنى، وذلك كإيجاب نفقةِ الوالدِ عندَ العجزِ عن الاستقلالِ؛ قياساً على نفقةِ الولدِ عندَ العجزِ عن استقلاله بنفسه.
ويليهِ في الوُضوح ألَّا يكونَ فيه شبَهٌ (٤) منهُ، وإنَّما فيه خَصيصةٌ من خصائِصِه، وذلك كسجودِ التلاوةِ يجوزُ فعلُهُ على الراحِلَةِ، وذلكَ من
стр. 197
خَصائِصِ النَّوافلِ، فيكونُ غيرَ واجبٍ مثلَها.
ويليهِ في الوضوح كونُ الفرع فيه شَبَهٌ منْ معنَيينِ، وهو في أحدِهما (١) أكثُر شبهًا، فيردُّ إليه (٢)، وذلك كالعبدِ يشبهُ الحرَّ في أنَّ عليهِ صومًا وصلاةً وحدًّا، ولهُ نكاحٌ وطلاقٌ، وقتلُهُ حَرامٌ، وفيهِ الكفارةُ، ويشبهُ البهيمةَ في أنُه مالٌ مُتَقَوَّمٌ، فجعلَ الحكم في قيمته عنَد قتلِهِ خطأً على عاقِلَةِ الجاني؛ قياسًا على الحُرِّ، وجعل جراحَهُ من قيمتِهِ كجراحِ الحُرِّ من دِيَتِه.
ويليه في الوضوح أن يُعَلَّقَ الحُكْمُ على اسمٍ مشتَقٍّ من صِفَةٍ، فيغلبُ على (٣) الظَّنِّ أَنه عِلَّةُ الحُكْم، فيقاسُ علَيه، كقوله ﷺ : "لا تَبيعوا الطعامَ بالطعامِ إلا مِثْلًا بمِثْلٍ" (٤)، وكقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ
стр. 198
وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
* وللقياس أمورٌ تفسدهُ، وأمورٌ أخرى تعارِضُه، كما في الألفاظِ، وقد ذكرها أهلُ العلمِ بِصَنْعَةِ القياسِ.
وعلى الجملة، فهو ميزانُ العقولِ، ومَيْدانُ الفُحولِ.
قال أبو عبدِ الله الشافعيُّ: ولا يقيسُ إلَّا من جمعَ الآلةَ التي لهُ القياسُ بها، وهي العلمُ بأحكامِ كتابِ الله تعالى: فرضِه، وآدابِه، وناسخِه، ومنسوخِه، وعامِّه، وخاصِّه، وإرشادِه.
ويستدلُّ على ما احتملَ التأويلَ منه بسننِ رسولِ الله ﷺ ، فإن (١) لم يجدْ سنَّةً، فبإجماعِ المسلمينَ، فإن لم يمكنْ إجماع، فبالقياسِ.
ولا يكونُ لأحدٍ أن يقيسَ حتى يكونَ عالِمًا بما مضى قبلَهُ من السُّنَنِ، وأقاويلِ السَّلَفِ، وإجماعِ الناسِ واختلافِهم، ولسانِ العرب.
ولا يكونُ له أن يقيسَ حتى يكونَ صحيحَ العقلِ، وحتى يفرِّق بينَ المُشْتَبهِ، ولا يَعْجَل بالقولِ به دونَ التثبُّتِ، ولا يمتنعَ من الاستماعِ ممَّن خالفَه؛ لأنه قد يلقنه بالاستماع لترك الغفلةِ، ويزدادَ به (٢) تثَبُّتًا فيما اعتقدَ منَ الصواب. وعليهِ في ذلك بلوغُ جهدهِ، والإنصافُ من نفسِه حتى يعرفَ مِنْ أينَ قالَ ما يقول، وتركَ ما يترك. ولا يكونَ بما قالَ أعنى منه بما خالفَهُ حتى يعرفَ فضلَ ما يصيرُ إليه على ما يُتركُ إنْ شاءَ الله تعالى.
قال: فأمَّا مَنْ تَمَّ عقلُهُ، ولم يكنْ عالِمًا بما وَصَفْنا، فلا يَحِلُّ له أن يقولَ
стр. 199
بقياسٍ، وذلك أنه لا يعرفُ ما يقيسُ عليه، كما لا يحلُّ لفقيهٍ عاقلٍ أن يقولَ في ثمنِ درهم ولا خبرةَ لهُ بسوقهِ. ومنْ كانَ عالِمًا بما وصَفْنا بالحفظِ، لا بحقيقةِ المعرفةِ، فليس لهُ أن يقولَ أيضًا بقياسٍ؛ لأنه قد يذهبُ عليه عَقْلُ المَعاني.
وكذلك لو كان حافظٌ مقصرَ العقل، أو مقصرًا عن (١) لسانِ العربِ، لم يكنْ له أن يقيسَ؛ من قِبَلِ نقصِ عقله عن الآلةِ التي يجوزُ بها القياس، ولا نقول: يسع هذا، -والله أعلم- أن يقول أبدًا إلا اتّبَاعًا لا قياسًا (٢).
فإنْ قلتُمْ: فبيّنْ لنا كيفَ صِفَةُ القياسِ، ولقد كَبُرَ علينا أَمْرُهُ وعَظُمَ لدينا خَطْبُهُ.
قلتُ: هو كما ذكرتُمْ، وهو سَهْلٌ على من أعطاه اللهُ عقلاً وفَهْمًا، فكل عِلْم عَطاءٌ من الله الكريمِ، فنسأله عطاءً مؤدِّيًا لحقِّه، موجبًا لمزيدِه.
وها أنا أذكُر لكم صفَتَه، وأبينُ لكم طريقَهُ بأسهلِ بيانٍ وأوضَحِهِ إنْ شاءَ الله تعالى.
فاعلموا -رحمكمُ اللهُ تعالى- أَنَّ الله ، وكذا رسولُه ﷺ إذا خاطَبَ الِعبادَ بحُكْمٍ، فالغالبُ أن يكونَ هناك مَعْنىً وعلاَمةٌ للحُكْمِ تدلُّ على أنَّ ما لم يذكر، و (٣) فيه ذلكَ المَعْنى أنه في مَعْناهُ، وقد لا يكون للحُكْمِ المَذْكورِ مَعْنًى، وذلك في القليل النادرِ، فتعرّفوا أولًا معنى الحكمِ وعلَّتَهُ، ثم قيسوا عليه الحوادث التي لم تذكر إذا وجدتُم ذلكَ المعنى فيها، فإنْ بيَّن الله سبحانَهُ، ورسولهُ ﷺ علَّةَ الحُكْمِ ومعناهُ في ذلك
стр. 200
الخِطابِ، أو في خطاب آخَرَ، أو وُجدَ إجماعٌ من عامَّةِ أهلِ العلمِ على أنَّ عِلَّةَ الحُكْمِ كَذا، أَلْحَقْتُمْ بذلكَ الحُكمِ الحادثةَ التي لم يُنَصَّ على حُكْمِها، وإن لم تجدوا شيئاً من ذلك، فاستدلُوا على إدراكِ المعنى الذي حكمَ الله سُبحانَه ورسولُهُ ﷺ لأجله.
والدلالةُ عليهِ من وجوهٍ:
منها: أن يذكرَ اللهُ سبحَانهُ عندَ ذكر الحُكْمٍ صفةً لا يفيدُ ذكرُها غيرَ التعليلِ؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ٩١]، وكقوله ﷺ في الهرة: "إنَّها من الطَوّافين عليكم (١) والطَّوّافات" (٢).
ومنها: أن يكونَ الحكمُ في عَيْنٍ، ويذكرَ من صفتِها ما يميزُها عن سائر صِفاتها، فيغلبُ على الظن أن تلكَ الصفةَ علَّةُ الحُكْم ومعناه. فقدْ تكونُ نفسُ الصفةِ علَّةَ الحكمِ، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦].
وقد تكونُ الصفةُ (٣) مشتملةً على العِلَّةِ؛ كقوله ﷺ : "من باعَ نَخْلاً بعدَ أَنْ يُؤَبَّرَ فثمرتُها للبائعِ، إلَّا أنْ يشترطَها المُبْتاع" (٤)، فالتأبيرُ الذي هو يشتمل
стр. 201
على الظهور علَّةُ الدخول والخروج، فيلحقُ بهِ ما في معناه، كما إذا بيعتِ الدابَّةُ، فإنْ ظَهَرَ ولدُها، فهو للبائع، إلا أن يشترطَ المُبتاعُ.
وكذا قولُه ﷺ : "لا يَقْضي القاضي وهُوَ غَضْبانُ" (١)، فالغضبُ مشتملٌ على معنى شغلِ القلبِ وتَشَوُّشِهِ، وفي معناهُ الجوعُ والعطشُ والخوفُ، وما أشبهه.
ومنها: أن يكونَ في العينِ التي يُحْكَم فيها مَعْنًى يقارِنُ الحكمَ، لا يُوجَدُ الحكم إلا وجد (٢) معه، ولا يزولُ الحكمُ إلا يزولُ معه (٣)، وذلك كالشِّدَّةِ
стр. 202
المُطْرِبَةِ في الخَمْر، فيلحقُ بها سائرُ الأَنْبِذَةِ.
ومنها: أن تكونَ العينُ التي وقع الحكم فيها تحتملُ معانيَ، فيدلُّ الدليلُ على بُطْلانِ تلكَ المعاني، إلا واحدًا (١)، فيغلبُ على الظَّنِّ أنه عِلَّةُ الحُكْم، وذلكَ كما يقولُ الشافعيُّ للحنفيِّ: الخُبْزُ يحرم فيه الربا، فلا يخلو إما أن يكون للكيل أو للوزنِ أو للطُّعْمِ، وباطلٌ أن يكونَ للكيلِ؛ لأنه غيرُ مَكيلٍ، وباطلٌ أن يكونَ للوزنِ؛ لأنه لو كان للوزن لما جاز إسلام الدراهمِ في الموزونات (٢)، فعلمنا أنه للطُّعم.
стр. 203
فإن لم تجدوا شيئاً من المعاني، فردُّوا الحادثةَ إلى أشبهِ الأَحْكامِ فيها (١)، وذلكَ قد يكون بالشبهِ لبعضِ الأصولِ، وقد يكونُ بوجودِ خصيصة من خصائصِ بعضِ الأصولِ كما قَدَّمْتُ، واللهُ أعلم.
وبهذهِ الطرقِ استنبطَ الفقهاءُ الأحكامَ، وإنَّما اختلفوا في تعيينِ المعاني التي قاسُوا، فرحِمَهُمُ الله، ورضيَ عنهم.
стр. 204
(خاتمة المقدِّمة)
ولما انتهى بنا القولُ إلى فراغِ هذه المُقَدَّمَةِ الكريمةِ التي ذكرنا فيها أصولَ الفقهِ وقواعدَه، وشرحْنا فيها صفةَ لِسانِ العرب، واتِّساعَ معانيها.
من أنها تأتي بالكلامِ عامًّا تريدُ به العامَّ، وتأتي به عامًّا تريدُ به الخاصَّ، وتريدُ بالكلامِ ظاهرَه دونَ باطنِه، وتريدُ بهِ باطنَه دونَ ظاهرِه، وتريدُ بالأمرِ الوجوبَ والإلزامَ، وتريدُ به النَّدْبَ والاختيارَ، وتريدُ بهِ الإرشادَ، وغيرَ ذلكَ من صُنوفِ كلامِها.
فإنَّ الله أنزلَ على نبيِّه محمَدٍ ﷺ كتابَهُ العزيزَ باللِّسانِ العربيِّ المُبين، وجعلَ إليه بيانَ جميعِ ذلك، فقالَ ﷻ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤]، فلا نعلمُ أنَّ خِطابًا عامًّا في كتابِ الله ﷻ يُرادُ به العُمومُ، أو يرادُ به الخُصوصُ، أو يرادُ به ظاهرُه دونَ باطنِه، أو باطنُه دونَ ظاهرِه إلَّا من بيانِه ﷺ ، وقد وصفَهُ -اللهُ ﷻ بأنه يَهْدي إلى صِراطٍ مستقيمِ، فقالَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣]، وأوجب على الكافَّةِ من خَلْقِهِ طاعَتهُ، وجعلَ طاعتَه سبحانَه في طاعَتِه ﷺ ، فقالَ تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فبيَّنَ عنِ اللهِ -جَلَّ
стр. 205
جَلالُهُ- كما ذكره، وهدى إلى صِراطٍ مستقيمٍ كما وصف.
فلا تجدُ في القرآن فرضًا ولا حكمًا إلَّا وقد بينه ﷺ ، فإنْ كان نصًّا، بيَّنَهُ كما نصَّه الله تعالى له، فإن كانَ أحكمَ اللهُ فرضَهُ، وجعل إليهِ بيانَه، فقد بينه، وبيَّن صفتَه، وكيفيته، وبين لنا سننًا وآدابًا تُكَمِّلُهُ، كفرض الصلاةٍ، والزكاةِ، والحجِّ، والنكّاحِ، والعدَّةِ، والرَّضاعِ. وبَيَّنَ عنِ الله تعالى فرضهُ ونَدْبَهُ وإرشادَهُ، وبيّنَ ناسخَ الكتابِ من منسوخِه، وغير ذلك.
ولما كان النبيُّ ﷺ في البيانِ عن الله، بهذا المَنْصِبِ الأعلى، ذهب أبو عبد الله الشافعيُّ ﵁ مذهبًا حسنا اخترناهُ لأنفسنا، وارتضَيناه لغيرنا، وهو أنه لا يوجد له سُنَّةٌ منسوخَةٌ بالكتِابِ العزيزِ إلا ومع الكتابِ سُنَّةٌ أخرى تبينُ أن سنَّته الأولى منسوخةٌ (١)؛ لما فرضَ عليه من البيانِ والاتّباع، فقال ﷻ : ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [الأحزاب: ٢]، ولئلَّا تدخُلَ الشُّبْهَةُ على أحدٍ من الناسِ إذا تعارضَتْ عندهُ السنةُ والكتابُ؛ كما أمرَ اللهُ سبحانَه بَغْسل الرِّجلينِ في الوضوء، ومسحِ النبيُّ ﷺ على الخُفَّيْنِ (٢)، فنقولُ: لعلَّ مسحَ النبيِّ ﷺ على الخفينِ كان قبلَ الأمرِ بَغْسلِ الرجلين، فتكونُ السُّنَّةُ (٣) منسوخةً بالكِتاب، فأقدِّمُ المقطوعَ بهِ على المَظْنون؛ فنقولُ: لو كانتِ السُّنَّةُ في ذلك منسوخةً بالكتاب، لبيَّنَ النبيُّ ﷺ
стр. 206
ذلك عن الله تعالى بالقولِ كما أمَرهُ بالبيان، فلا يتخلفُ ﷺ عنْ أمر ربه سبحانه.
فإن قيل: فقد بين بالفعل، فغسلَ قدميهِ.
قلت: الفعلُ لا يكون بيانًا لرفع الفِعْلِ الأولِ في مقامِ النسخِ.
فإن قيلَ: فإذا كان الكتابُ العزيزُ لا يبينُه إلاّ النبيُّ ﷺ ، والسُّنَّةُ كالقرآن في اتِّساعِ المعاني المذكورةِ في اللسانِ العربيةِ، فمن يُبينُ لنا عمومها أنه على عُمومِه، أو على غير عُمومِه؟ وأن ألفاظَ السنَّةِ على ظواهرِها، أو على غيرِ ظواهرِها؟
قلنا: إمَّا أن تبُينها سنةٌ أخرى مثلُها، أو قولُ عامَّةٍ من أهلِ العلمِ، أو الراوي الذي حملَ الحديثَ سماعًا منه ﷺ ، وإلا فُتتركُ على عُمومها، ولا يعدلُ بها عن ظواهرها إلا بدليلٍ ممَّا ذكرنا، هكذا ذكر الإمام أبو عبد الله الشافعيُّ رضي الله تعالى عنه (١).
وها أنا أبينُ -إن شاء الله تعالى- في مقاصد كتابي هذا فرائضَ القرآنِ وأحكامَهُ، وحلاَلَهُ وحرامَهُ، على مَبْلَغِ عِلْمي، ومُنْتَهى فَهْمي، وأوثرُ فيهِ الاختصارَ على التطويلِ والإكثارِ؛ لكونه عِلْمًا لا تُدْرَك غايتُه، ولا تُنال نهايتُه، وقد يُنالُ بقليل القول ما لا يُدْرَكُ بكثيرهِ.
وأسألُ الله الكريمَ المَنَّانَ الهِدايَة والرِّعَايةَ والعِصْمةَ والوقايةَ، بفضلهِ ورحمتهِ، آمين.
стр. 207
سُوْرَةُ البَقَرَةِ
стр. 208
(من أحكام الصَّلاة)
(القبلة)
١ - (١) قوله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥].
أقول:
اختلفَ أهلُ العلمِ في هذه الآيةِ اختلافًا كثيرًا، فمنهم من أَوَّلَها، ومنهم منْ خَصّصَها، ومنهم من جَعَلَها ناسِخَةً، ومنهم من جعلها منسوخةً:
- فقال مالك وأصحابه: هي منسوخةً بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
ورويَ القولُ بهذا عن ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما-، رواه الترمذي، وأنه كان يجوزُ للرجلِ أن يصليَ حيثُ (٢) شاءَ (٣).
стр. 209
وأما المُؤَوِّلونَ،- فاختلفوا أيضًا:
فقال مجاهد والحسنُ: لما نزلت: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، قالوا: أينَ ندعوهُ؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) [البقرة: ١١٥]، هكذا نقل البَغَوِيُّ (٢).
وقال بعضهم (٣): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا﴾ معناه: فأيَّ مكانٍ تصلون فيه، فثمَّ وجهُ الله، فقد جُعِلَتْ لكمُ الأرضُ مسجدًا.
وقال بعضُ أصحابِ المعاني (٤): هيَ مخصوصةٌ بالنَّبيِّ ﷺ حين صَلَّى على النجاشِي، واستقبلَ جهتَهُ (٥).
وأما المخصصون بالمصلين، فقال ابنُ عباسٍ - رضي الله تعالى
стр. 210
عنهما-: خرجَ نفرٌ من أصحاب رسولِ الله ﷺ في سَفَر قَبْلَ تحويلِ القِبْلَةِ إلى الكعبةِ، فأصابَ الناسَ ضبابٌ، وحضرتِ الصلاةُ، فتحرَّوا القبلةَ وصلَّوا، فلما ذهبَ الضبابُ، استبانَ لهم أنهم لم يُصيبوا، فلما قَدِموا، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنزلت هذه الآية (١).
ورُوي نحوُه عن عامرِ بنِ ربيعةَ، ولكنَّه لم يقل: قَبْلَ تحويلِ الِقْبَلةِ، وذكر أن فيهم رسولَ الله ﷺ (٢)، ويُروى هذا القولُ عن النَّخَعِيِّ (٣)، لكنْ قالَ الترمذيُّ في حديث عامرِ بنِ ربيعةَ: ليس إسنادهُ بذلك القويِّ (٤)، لا نعرفهُ إلا من حديثِ أَشْعَثَ السَّمَّانِ، وأشعثُ بنُ سعيدٍ أبو الربيعِ يُضَعَّفُ في الحديث (٥).
وثبتَ في "صحيح مسلمٍ" عن ابنِ عمر -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنها نزلتْ في المسافِرِ يُصلي التطوُّعَ حيثما توجهتْ به راحلتُه (٦). قالَ البيهقيُّ: هذا أصحُّ ما رُويَ في نزول هذه الآية (٧).
стр. 211
* فعلى قولِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في الآيةِ دليلٌ على أنْ المصليَ إذا صلَّى بالاجتهادِ، ثم تبينَ لهُ الخطأ، لا إعادةَ عليه. وبهذا قال جمهورُ أهلِ العلم.
وقال قومٌ (١): عليهِ الإعادةُ قياسًا على من أخطأ في الوقت، وصلَّى قبلَهُ؛ إذْ عليهِ الإعادةُ اتِّفاقًا.
وللشافعيِّ قولٌ -مع هذا- أَنَّهُ إذا تيقَّنَ الخطأَ، وتيقَّنَ الصَّوابَ، فعليه الإعادةُ (٢).
* وعلى قولِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في الآيةِ دليل على جوازِ صلاةِ التطوُّعِ إلى غيرِ جِهَةِ الِقبْلَةِ للمسافِرِ، وقد ثبَتَ ذلكَ من فِعْلِهِ ﷺ (٣).
وأما من قالَ: إنها ناسخةٌ (٤)، قال: هي ناسخةٌ للصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لأن اليهودَ أنكروا رُجوعَ النبيِّ ﷺ إلى الكَعْبَةِ، وتركَه بيتَ المقدسِ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]،
стр. 212
فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وأنزلَ (١): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥].
وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأن الناسخَ للصّلاة إلى بَيْتِ المقدسِ إنما هو قولُه : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فإذا جاء بعده نصٌّ أو ظاهرٌ على وفقه، لا يكونُ ناسِخًا، وإنما يكون مبيِّنًا ومؤكِّدًا.
وجملة هذه الأقاويل سبعةٌ (٢)، وما ثبت أنه السببُ في نزولها، تعيَّن حَمْلُها عليه، ولا حاجةَ إلى التأويلِ مع وجودِه، ولا يجوزُ القول بالنَّسْخِ حينئذ مع ثبوت السببِ المخصِّصِ للآية لبعض الأحوال، والله أعلم.
٢ - (٢) قوله- : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ
стр. 213
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤].
أقولُ: أمرَ اللهُ ﷻ نبيَّه ﷺ ، وجميعَ المؤمنينَ بالتوجُّه إلى شطرِ المَسْجِدِ الحرامِ.
* والمسجدُ الحرامُ يقعُ على البيت (١)، ويقعُ على مَكَّةَ.
قال اللهُ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان مَسْراهُ من بيتهِ (٢)، كَما ورد في رواية أبي ذَرٍّ ﵁ (٣).
ويقع على جميعِ الحَرَمِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨].
والمرادُ بالمسجدِ الحرام هنا (٤) الكعبةُ باتِّفاقِ المسلمين؛ لِما روى ابنُ عبّاسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ لما دخلَ البيتَ (٥)، دعا في نواحيه كُلِّها، ولمْ يُصَلِّ فيهِ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتينِ في قبلِ الكعبةِ، ثم قال: "هذهِ القِبْلَةُ" (٦).
стр. 214
والشَّطْرُ يقعُ في لسانِ العرب على النِّصْفِ (١)، ويقعُ على الجِهَةِ، والنَّحْوِ (٢)، قال خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ: [البحر الوافر]
أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رسولا ... وما تُغْني الرسالَةُ شَطْرَ عمرِو (٣)
وقال ساعِدَةُ بن جُؤَيَّةَ: [البحر الوافر]
أقولُ لأُمِّ زِنباعٍ أقيمي ... صدورَ العِيْسِ شَطْرَ بني تميمِ (٤)
وقال لقيطٌ الإياديُّ: [البحر البسيط]
وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطَعَا (٥)
وقال قيسُ بنُ العيزارة يصفُ لقْحَتَهُ (٦): [البحر البسيط]
إنَّ النُّفوسَ بها داءٌ يُخامِرُهَا ... فَشَطْرُها بَصَرُ (٧) العَينينِ مَحْسُورُ (٨)
стр. 215
قال الشافعي: يريدُ تلقاءها: بَصَرُ (١) العينين (٢).
وهذا المعنى هو المرادُ باتِّفاقِ المسلمين، فعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: أنهُ قالَ: شَطْرُهُ: قِبَلُهُ (٣).
وعن ابنِ عباسِ ومجاهد: شطرُه: نَحْوُهُ (٤).
وفي حرف ابن مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ (٥).
وهذا كلُّه مع غيرِه من أشعارِ العربِ وأصحابِ الأدِلَّة يبينُ أن توليةَ (٦) شطرِ الشيءِ قصدُ عينِ الشَّيءِ، قال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى- إذا قلت: اقصد شطر كذا، كأنك قلت: اقصدْ معروفَ قصدِ عينِ كذا (٧).