← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

أبي رباح، وأحمدَ، وإسحاقَ: أنهم قالوا: تجوزُ الصَلاةُ عن المَيِّتِ، واختارهُ ابنُ أبي عَصرون من الشافعيةِ (١)، ويدلُّ لهم ما رَوَينا في البُخاريِّ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - أَمَرَ مَنْ ماتَتْ وعليها صَلاةٌ أَنْ يُصَلَّى عنها (٢). وقالَ البغويُّ من الشافعيةِ: لا يبعُدُ أن يُطْعَمَ عن كُلّ صَلاةٍ مُدٌّ من طَعام (٣). وهذا خَطَأٌ؛ فإنَّه لا مدخَلَ للقياسِ في هذا، والقياسُ أنه لا يَجِبُ شيءٌ من الطعام، وأنه لا مدخَلَ للطَّعام في الصَّلَواتِ بحالٍ، بخلافِ الصَوْم والحَجِّ (٤). وهذا في المَيّتِ. وأما الحَيُّ فَلا ينوبُ عنه أحدٌ في شيءٍ من العِباداتِ إلَّا في الحَجِّ المفروضِ إذا كانَ معضوباً (٥)، وفي حَجّ التطوُّعِ خِلافٌ، وقد تقدَّمَ ذكرُه في "سورةِ آلِ عمران".

стр. 1507

وبمنعِ النيابةِ في العِباداتِ البدنيَّةِ إلا ما خَصَّهُ الشرعُ أَخَذَ الشافعيُّ، ونصَّ عليهِ في "الأم" (١)، وبهِ قَالَ المعتزلةُ (٢)، وإياها أَختارُ؛ لهذه الآيةِ. وقالَ قومٌ من الأصوليين: تجوزُ النيابةُ في جميعِ العباداتِ، إلَّا ما خرجَ بدليلٍ (٣)، واللهُ أعلم.

стр. 1508

سورة الواقعة

стр. 1509

(من أحكام مس المصحف) ٢٣٩ - ٢٤٠ (١ - ٣) قوله ﷻ : ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٧ - ٧٩]. * هذه الآيةُ اختلفَ فيها أهلُ التَّفْسيرِ: فقالَ ابنُ عباسِ، وأَنَسٌ، ومجاهِدٌ: المُطَهَّرونَ: هُمُ الملائكةُ المُطَهَّرونَ من الذّنوبِ، والكتابُ المَكْنونُ هو الَّذي في السَّماءِ (١)، وبهذا احتجَّ أهلُ الظاهرِ، فَجَوَّزوا للمُحدِثِ مَسَّ المُصحَفِ (٢). وقال قومٌ: المُطَهَّرونَ أي: المُتَطَهِّرونَ بالماءِ (٣). قَالَ سَلْمانُ الفارِسيُّ لقومٍ سألوهُ عَنْ آيِ القرآنِ، وأرادوا منهُ الوُضوءَ؛ لكونه حينئذٍ مُحدِثاً: سَلُوا؛ فإني لا أَمَسُّهُ، وإنه لا يَمَسّهُ إلا المُطَهَّرونَ (٤). وإلى هذا ذهبَ جماعةٌ من الفُقهاء؛ كمالِكٍ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ (٥).

стр. 1510

قَالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي الزنادِ، عن أبيهِ، عَمَّنْ أدركَ من فُقهاء أهل (١) المدينةِ الذين ينتهى إلى قولهم قال: وكانوا يقولونَ: لا يمسُّ القرآن إلا طاهرٌ (٢). ويدلُّ على هذا فِعلُ (٣) أختِ عمرَ بنِ الخَطاب -رضي الله تعالى عنهما- لما دخلَ عليها، ومنعتْهُ أن يمسَّ القرآنَ حَتَّى يتطهرَ؛ كما هو مشهورٌ في قصةِ إسلامِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - (٤). ويدلُّ عليه -وإنْ كانَ إطلاق (٥) لفظُ المَكْنونِ على ما في السَّماءِ، والمُطهَّرونَ على المُطّهرينَ من الذنوب، أظهر- ما رَوى الزهريُّ عن أبي بكرِ بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيهِ، عن جدهِ: أنَّ في الكِتابِ الذي كتبَهُ رسولُ اللهِ ﷺ لِعَمْرِو بنِ حَزْمٍ: أَنَّهُ لا يَمسُّ القرآن إلا طاهِرٌ (٦). ورواه أيضًا سليمانُ بنُ موسى، عن سالمٍ، عن أبيهِ، عنِ النبي ﷺ (٧).

стр. 1511

وكذلك أمرَ النبيُّ ﷺ بحفظِه وكَنِّه، فنهانا أن نسافرَ بالقرآنِ إلى أرضِ العدوِّ (١). والواجبُ على كُلِّ أحدٍ أَلَّا يمسَّ القُرآنَ إلا مُتَطَهِّراً من الحَدَثِ والخَبَثِ؛ تعظيماً لحرمتِه، وتشريفاً وتكريماً لكرامتِه؛ فإنَّ الله ﷻ وَصَفَهُ بأنهُ قرآنٌ كريمٌ، وأنه في كتابٍ مكنونٍ، وأنه لا يمُّسه إلا المُطَهَّرونَ، ثم أنزلَه على نَبيِّنا ﷺ ، وجعلَه بين ظَهْرانينا، فكرمُه باقٍ عندَنا، وكنُّه واجبٌ علينا، ولا يمسُّه إلا المُطَهَّرون مِنَّا، فحرمتُه وكرامتُه باقيةٌ لا تزولُ. ولا حُجَّةَ لِمَنْ أباحَ مَسَّهُ للمُحدِثِ؛ فإنَّ الله سبحانَهُ أعلمَنا أنَّه لا يمسُّه إلا المطهرونَ، فهلْ قال: ويمسُّه غيرُهم؟ فالآيةُ حجَّةٌ عليهم، لا لَهُم. فإن قالوا: معنى الآيةِ الخبرُ، لا النهيُ كما هو لفظُها، وهذا لا يقتضي التَّحريمَ، فيرجعُ إلى الأصلِ، وهو الإباحةُ وبراءةُ الذمة. قلنا: لفظُ الآيةِ الخبرُ، ومعناها النهيُ؛ بدليلِ قراءةِ مَنْ قرأَ: (لا يمسَّهُ) بفتح السين. فإن قالوا: ذلكَ الكتابُ لا تنالُه غيرُ أيديهم. قلنا: المرادُ بالكِتابِ هناكَ هو ما دلَّ على هذا القرآنِ المكتوبِ عندَنا، فالمكنونُ في ذاتِه شيءٌ واحدٌ، فالذي في السَّماءِ هوَ الذي في الأرض، ولا يجوزُ أن يكونَ مُحتَرَماً مكرَّماً في السَّماءِ، غيرَ محترَمٍ ولا مكرَّمٍ في الأرض (٢).

стр. 1512

وبتحريمِ مَسِّهِ على المُحدِثِ أخذَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي ﵀ (١) - حتى قال كثيرٌ من أصحابه: يجبُ أَلَّا يمسَّه الصبي المُمَيِّزُ إلا مُتَطَهِّراً (٢)، وحتى قَالَ بعضُ أصحابه: يجبُ أَلَّا يمسَهُ (٣) إلا مَنْ كان متطهِّرًا مِنَ الخَبَثِ في جميعِ بَدَنِه، ولو كانَ العضوُ الماسُّ للقرآنِ طاهرًا، والنجاسةُ في سائرِ بدنهِ (٤). وحَتى قال بعضُهم: لا يجوزُ لمنْ تنَجَّسَ فوهُ أن يقرأَ القرآنَ حَتَّى يطهِّرَه. وقد منعَ النبي ﷺ الجنبَ والحائضَ من قراءةِ القُرآنِ (٥). وكُلَّ ذلكَ أختارُ وأدينُ اللهَ ﵎ به، ولهذا كرهَ مالِكٌ

стр. 1513

رحمَهُ اللهُ- قراءةَ القرآن في الأَسواقِ والطُّرقاتِ (١). وإنَّما قلْنا: يجوزُ قراءةُ القرآن للمحدِثِ؛ لقولِ عَلِيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: إنَّ النبي ﷺ كانَ لا يَحجُزُهُ شيءٌ عن قراءةِ القرآن إلا الجنابةُ (٢). * ويؤخذُ من الآيةِ أنَّ من تهاوَنَ بالقرآنِ بأنْ ألقاهُ على قارعَةِ الطريقِ (٣)، أو قاذورةٍ، أو مزبلةٍ، أو استخفَّ به في كلامِه: أَنَّه كافِرٌ، نَعوذُ باللهِ العظيمِ من الاسْتِخفاف بهِ، أو بكتبه، أو بآياتِه (٤).

стр. 1514

سورة المجادلة

стр. 1515

(من أحكام الظهار) ٢٤٢ - (١) قولُه : ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢]. * سببُ نزولِ هذهِ الآيةِ ما روينا أَنَّ أوسَ بنَ الصَّامِتِ ظاهَرَ منِ امرأتِه خَوْلَةَ بنتِ مالكِ بنِ ثَعْلَبةَ، قالت: فجئتُ رسولَ اللهِ ﷺ أَشْكو إليه، ورسولُ اللهِ ﷺ يُجادِلُني فيه، ويقولُ: "اتَّقِ الله، فإنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ"، فما برحْتُ حَتَّى نزلَ القرآنُ: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ (١) [المجادلة: ١]. قال الشافعيُّ - رحمَهُ اللهُ تَعالى-: سمعْتُ مَنْ أَرْضى منْ أهلِ العلمِ بالقُرآن يَذْكُرُ أَنَّ أهلَ الجاهليةِ كانوا (٢) يُطَلقونَ بِثَلاثٍ: الظِّهارِ، والإيلاءِ، والطَّلاقِ، فأقرَّ اللهُ سبحانَه الطَّلاقَ طَلاقًا، وحَكَم في الإِيلاءِ أَنْ يُمْهَلَ المُؤْلي أربعةَ أَشْهُرٍ، ثم جَعَلَ عليهِ أن يَفيءَ، أو يطلقَ، وحَكَمَ في الظهارِ بالكَفَّارة.

стр. 1516

فإذا تظاهرَ الرجلُ من امرأتِه يريدُ طَلاقَها، أو يريدُ تحريمَها بلا طَلاق، فلا يقعُ بهِ طلاقٌ بحالٍ، وهو مُظاهِرٌ (١). * والظَّهارُ أن يقولَ لزوجته: أنتِ على كَظَهْرِ أُمِّي؛ كما ذكرَ اللهُ تَعالى، فيكونُ مشبَّهًا بالظَّهْر الذي هُوَ مَحَل الرُكوبِ، ويُشَبِّهونَ بهِ المرأةَ، كما أنَّ الزوجةَ موطوءة للزوج، فَكَنَّوا بالظّهارِ عَمَّا يُسْتَهْجَنُ ذِكْرُهُ، وأضافُوا الظَّهْرَ إلى الأُمِّ؛ لأَنَّها أُمُّ المُحَرماتِ. * فأبطلَ اللهُ سبحانَهُ الظَّهارَ، وحَرَّمَهُ تَحْريمًا مُغَلظاً؛ لما فيهِ من المُنْكَرِ والزورِ والكذبِ. * وعلى تحريمِ هذهِ الصفَةِ منَ الظَّهار أَجْمَعَ المسلمون (٢). * واختلفوا فيما إذا شبه امرأته بغيرِ ظَهْر أمَّهِ: فقالَ مالكٌ (٣)، وكذا الشافعيُّ في أَظْهَرِ قولَيْه: هو ظِهار. وقالَ في القول الآخرِ: لا يكونُ ظِهارًا (٤). وقال أبو حنيفةَ: يكون الظهارُ بكل عُضْو يحرُمُ النظرُ إليه (٥).

стр. 1517

* واختلفوا (١) فيما إذا شَبَّهَها بغيرِ الأمِّ منَ المَحارِمِ: فقالَ مالكٌ والشافعيُّ: هو ظِهارٌ (٢). وقال قومٌ: لا ظِهارَ إِلَّا في الأُمِّ (٣). فمالِكٌ ومَنْ وافَقَهُ في المسألتينِ نَظَروا إلى المعنى، ومخالِفُهم إلى إيماءِ الخِطابِ. * وعُمومُ الخِطاب يقْتَضي أن يَصِحَّ الظِّهارُ من كلِّ زوجٍ مكلَّفٍ (٤)، فيصحُّ الظِّهارُ من الحُرِّ والعبدِ، ومن المُسلمِ والكافِر، ومن الخَصِيّ والمَجْبوب (٥). وهو كذلك. * ويقتضي بعُمومه أنْ يصحَّ في الأَمَةِ؛ لأَنَّها من جماعَةِ النساءِ كالزوجة. وبهِ قالَ مالِكٌ (٦)، والثوريُّ، وجماعةٌ (٧).

стр. 1518

وبه قالَ عطاءٌ أيضًا، إلا أنَّه لم يوجِبْ إلَّا نِصْفَ الكَفارَةِ (١). وقالَ أبو حنيفةَ، والشافعي، وأحمدُ (٢)، وأبو ثَوْرٍ (٣): لا يصحُّ في الأمةِ، وأوقعوا النساءَ المُقيداتِ بالإضافةِ على الزوجاتِ (٤)؛ اعتبارًا بالوِفاق في الإيلاءِ في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] فإنهن ذواتُ الأزواج اتفاقًا، وبه قالَ عكرمة (٥). وقال الأوزاعي: إن كانَ يَطَأُ أَمَتَهُ، فهو مُظاهِر منها، وإنْ لم يَطَأ، فهو يمين، وفيه كفارةُ يمينٍ (٦). * ثم اختلفوا في حقيقةِ هذهِ الإضافةِ، هل هيَ في المُزَوَّجاتِ، وهو الأقربُ، أو فيمَنْ يصحُّ للمظاهِر نكاحُهُن، وإن لم يكن في نِكاح؟ وبالأولِ قالَ الشافعيُّ (٧)، وداود (٨)، وأبو ثورٍ (٩)، وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ (١٠) -رضيَ اللهُ تعالى عنه -.

стр. 1519

وبالثاني قالَ مالِكٌ، وأبو حنيفةَ (١)، والثوريُّ، والأوزاعيُّ (٢)، وهو قولُ عُمَرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (٣). وفرقَ قومٌ بينَ أن يطلِّقَ بأنْ يقولَ: كُلُّ امرأةٍ أتزوجُها فهيَ عليَّ كَظَهْرِ أُمِّي، فلا يَصِح، وبينَ أن يعيِّنَ أو يُقَيِّدَ بأنْ يقولَ: إن تزوجْتُ فلانَة، أو من قريةِ كَذا، أو قبيلةِ كذا، فيصحُّ. وبه قالَ ابنُ أبي ليلى (٤). * إذا تَمَّ هذا، فقد اختلفوا في حقيقةِ الظّهارِ، هل هوَ كالطَلاقِ، أو كاليمين؟ ومن أجلِ هذا ثارَ بينَهُمُ اختلافٌ في تَظاهُرِ المرأةِ من زوجِها. فمن جعلَهُ كالطَّلاقِ قال: لا يَصِحُّ، ولا يلزمُ بهِ شيءٌ، وبهِ قالَ مالكٌ والشافعيُّ (٥). ومن جعلَهُ كاليمينِ، أوجبَ عليها كَفَّارَةَ الظّهارِ (٦). ومنَ العُلماء مَنْ أوجبَ عليها كفارةَ يَمينٍ (٧).

стр. 1520

٢٤٣ - (٢) قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣)﴾ [المجادلة: ٣]. * اختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في حَقيقة العَوْدِ الذي ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى: فقالَ مجاهدٌ وطاوسٌ: لَمّا كانَ الظّهارُ منْ طَلاقِ الجاهليةِ، وأبطلَهُ اللهُ سبحانَهُ، وحَرَّمَهُ؛ لما فيهِ من المُنْكَرِ والزورِ، أوجبَ فيهِ على الَّذين يعودونَ إلى فِعْلِهِ في الإِسلامِ الكفارةَ، فالموجبُ (١) للكَفَّارةِ هو الظِّهارُ الَّذي حَرَّمَهُ اللهُ سبحانَهُ، لا أمر زائد عليه، وحمل العودَ على هذا، وهو قولٌ منقاسٌ، واللفظُ يحتمِلُه (٢). وخالَفَهُما جمهورُ أهلِ العلمِ، وقالوا: لا يجبُ الكَفَّارَةُ إلا بالظِّهارِ والعَوْدِ (٣). ثمَّ اختلفَ هؤلاءِ: فقالَ داودُ وأصحابهُ: العَوْدُ أَنْ يذكُرَ (٤) لفظَ الظّهارِ مَرَّة ثانية (٥). وضُعفَ بأنه تأكيدٌ، والتأكيدُ لا يَصْلُحُ موجِبًا للكَفارة. قال البخاري في "جامِعِه": ولأن اللهَ سبحانه لم يدلَّ على المُنْكَرِ وقولِ الزورِ (٦).

стр. 1521

* ولمّا رأى الباقونَ أَنَّ مُرادَ المُتَظاهِرِ بالظِّهارِ تحريمُ الزوجةِ على نَفْسِه وَطْئاً أَوْ إمْساكاً، وأَنَّه إذا حَقَّقَ ما أرادَهُ من تَحْريِمها بالطلاقِ عَقِبَ الظِّهارِ، فلا كَفَّارَةَ عليه، جَعَلوا عَوْدَ المُتَظاهِرِ نَقْضَ ما قالَ من التحريمِ (١). وتكونُ اللامُ بمعنى (في) أي: فيما قالوا؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] أي: في يوم القيامة، وكما في قوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. واختلفوا في تعيينِ هذا النَّقْضِ: فقالَ مالكٌ -في رواية-: العودُ هُوَ الوطْءُ نفسُه (٢)، تشبيها له بالحِنْثِ في اليمين، فكما لا تجبُ الكَفَّارَةُ إلا بالحِنْثِ، لا تجبُ الكَفَّارةُ في الظِّهار إِلاّ بالوطْءِ (٣). وهذا القولُ باطلٌ؛ لأنَّ الله سبحانَهُ أوجبَ الكَفّارَةَ من قبلِ أَنْ يَتَماسَّا، فلو كانَ العَوْدُ هوَ الوطْءُ لوجبَ الشيءُ قبلَ وُجوبِهِ، فدلَّ على أن الَّذي تجبُ بهِ الكَفَّارَةُ أمرٌ غيرُ الوطْءُ. والروايةُ المشهورةُ الصحيحةُ أنَّ العَوْدَ هو إرادةُ الوطْءِ، لا الوطْء (٤)، وبهذا قالَ أبو حنيفةَ، وأحمدُ؛ لأنه عادَ فيما قالَ من تحريمِ المرأة (٥). وقال الشافعيُّ: العَوْدُ هو إمساكُ المرأةِ بعدَ الظِّهارِ زمانًا يمكِنُ فيه

стр. 1522

الطَّلاقُ، فهذا لم يُحَققْ ما أرادَ من تَحْريمِها بالطَّلاقِ، فإمساكُه يدلُّ على أنه عائدٌ فيما قالَ؛ بدليلِ أَنَّ رفعَ الإمساكِ يرفعُ الكَفارَةَ، وهو إذا طَلَّقَ عقيبَ الظهارِ، فبقاءُ الإمساكِ يدلُّ على بَقاءِ الكَفارَةِ (١). قالَ الشافعي - رحمَهُ اللهُ تَعالى-: الذي حَفِظْتُ مِمَّا سمعت في الذين يعودون لِما قالوا أَنَّ المُتَظاهِرَ حَرَّمَ امرأتهُ بالظهارِ، فإذا أتتْ عليهِ مدةٌ بعدَ القولِ بالظهار، لم يُحَرِّمْها بالطَّلاقِ الَّذي يحرمُ بهِ، ولا بشيءٍ يكونُ له مخرجٌ من أن يحرم به، فقد وجبتْ عليهِ كَفارَةُ الطهارِ، كأنهم يذهبون إلى أنه إذا أمسَكَ ما حَرَّمَ على نَفْسِه أنه حَلالٌ، فقد عادَ لِما قالَ، فخالَفَهُ، فأَحَلَّ ما حَرَّمَ. قال: ولا أعلمُ مَعْنًى أَوْلى بهِ من هذا. قال: ولا أعلمُ مُخالفًا في أَنَّ عليهِ كفارةَ الظهارِ، وإنْ لمْ يتظاهَرْ ظِهاراً آخَرَ (٢). ولما رأى مالكٌ ﵀ عدمَ ظُهور مَعْنى العَوْدِ في الإمساكِ، جعلَ العَوْدَ إرادةَ الوطْءِ والإمساكَ جميعًا. وقولُ مالِكٍ أقربُ إلى المَعْنى، وقولُ الشافِعيِّ أَحْوَطُ في وجُوبِ (٣) الكَفارَةِ، واللهُ أعلمُ. * ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ هذهِ الكَفارَةَ وخِصالَها، وأنها إِعْتاقٌ، فإن لمْ يجدْ، فصيامُ شهرينِ مُتَتابِعَيْنِ، فإن لم يَسْتَطعْ، فإطعامُ سِتينَ مسكيناً.

стр. 1523

وقد أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّها على التَّرتيبِ كما بيَنَها اللهُ تَعالى (١). وأطلقَ اللهُ سبحانَهُ الرَّقَبةَ، ولم يُقيِّدْها بالإِيمان كما قَيدَها في كَفّارَةِ القَتْلِ: فأخذ أبو حنيفةَ -رحمهُ اللهُ تَعالى- بالإطلاقِ، فأجازَ عتقَ الرقبةِ الكافرةِ ما لم تكنْ وثنيةً ولا مرتدة (٢). والشافعي -رحمهُ اللهُ تَعالى- حملَ هذا الإطلاقَ على التقييدِ في القَتْل؛ كما هو مذهبُه، في حَمل المطلقِ على المقيدِ عندَ اختلافِ السبَبِ (٣). ووافقَهُ مالكٌ على اشتراطِ الإيمانِ (٤). فإن قلتَ: فهل تجدُ في السُّنَّةِ دليلاً على اشتراطِ الإيمانِ؟ قلت: نعم، رُوي عن معاويةَ بنِ الحَكَم قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّ جاريةً لي كانَتْ ترعى غَنَماً، فَجِئْتُها وفقدتُ شاةً من الغنمِ، فسألتُها عَنْها، فقالَتْ: أكلَها الذئبُ، فأسِفْتُ عليها، وكنتُ من بني آدمَ، فلطَمْتُ وَجْهَها، وعليَّ رقبة (٥)، أَفَأُعْتِقُها؟ فقالَ لَها رسولُ اللهِ ﷺ : "أينَ الله؟ "، قالت: في السَّماءِ، فقال: "مَنْ أَنا؟ " فقالت: أنتَ رسولُ اللهِ (٦)، قالَ: "فَأَعْتِقْها؛

стр. 1524

فإنَّها مُؤْمِنَةٌ" (١)، فسؤالُ النبي ﷺ لها عنِ الإيمانِ، وعدمُ سؤالِه عنْ صِفَةِ الكَفَّارَةِ وسَبَبِها، وتركُ الاستِفْصال معَ قيامِ الاحتمالِ يُنْزَلُ منزلَةَ العُموم في المقالِ. ثم إطلاقُ الرقبةِ تقْتَضي أن تُجْزِئَ المَعيبةُ. وبالإطلاقِ قالَ قوم من أهلِ العلمِ. والجُمهورُ ذهبوا إلى تقييدِ هذا الإطلاقِ بالقياسِ على الهَدايا والضَّحايا؛ لكونِ الجميعِ قربةَ لله تعالى. ثم اختلفَ هؤلاء في تفصيلِ العَيْبِ الذي يَضُرُّ، والَّذي لا يَضُرُّ، وتفصيلُ ذلكَ مذكورٌ في كتبِ الفقهِ (٢). * وذكرُ الرقبةِ يقتضي أنه لا يجوزُ (٣) أن يعتقَ نصفَ رقبةٍ: وبهذا قالَ مالكٌ (٤). والأصَحُّ عندَ الشافعيةِ الإِجْزاء إذا كانَ الباقي حُرًّا؛ لأنه في مَعْنى الرقبةِ الواحدةِ (٥).

стр. 1525

* ثمَّ بينَ اللهُ سبحانَهُ مَحَلَّ هذهِ الكَفّارةِ، وأنه من قَبْلِ أنْ يَتَماسّا: فحملَ مالك وأبو حنيفةَ والشافعيُّ -في أحد قوليه- المماسَّةَ على حَقيقَتِها منَ المُلامَسَةِ التي هيَ دُونَ الجِماع (١)، ومَعْلومٌ أنه إذا حَرَّمَ عليهِ المباشرةَ فيما دونَ الفرجِ، فتحريمُ الوَطْءِ في الفرج أَوْلى، فيحرمُ الجميعُ عندَهُ، إما لفَحْوى الخِطاب كما ذكَرْنا، وإما لحَمْلِ الاسمِ المشتركِ على جميعِ معانيهِ. وأَلْحَقَ مالكٌ التَّلَذُّذَ بالنَّظَرِ بالمُباشرةِ (٢). وحَمَلَ الشافعيُّ -رحمهُ اللهُ تعالى- المُماسَّةَ في القَوْلِ الآخرِ، وهو الجديدُ، على الوطْءِ في الفَرْجِ (٣)، وبهِ قالَ الثوريُّ (٤)، وأحمدُ (٥). فإن قيلَ: فإذا خالفَ المُتَظاهِرُ ومَسَّ امرأتَهُ قبلَ أن يُكَفرَ، فكيفَ الحكمُ؟ قلنا: ذهبَ قوم إلى أَنَّه لا يلزَمُه شيءٌ؛ لأنَّ وقتَ الكَفّارة قد فاتَ، ولا يجبُ قَضاؤُها إلَّا بأمرٍ جَديدٍ، وهو معدومٌ (٦). وذهبَ الجمهورُ إلى وجوبِ الكفارةِ (٧)، واستدلُوا بما رَوى ابنُ عباسٍ

стр. 1526

رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: أن رجلًا أتى النبي ﷺ وقد ظاهَرَ منِ امرأتِهِ، فوقَعَ عليها، فقال: يا رسولَ الله! إني ظاهَرْتُ منِ امرأتي، فوقعتُ عليها من قبلِ أن أُكَفِّرَ، قالَ: "فما حَمَلَكَ على ذلكَ يَرْحَمُكُ الله؟ "، فقال: رأيتُ خَلخالَها في ضَوْءِ القَمَرِ، قال: "فلا تَقْرَبْها حتى تَفْعَلَ ما أَمَرَ الله" (١). ثم اختلفوا: فذهبَ قومٌ إلى أَنَّ عليهِ كَفارتينِ: كفارةً عن العَزْمِ على الوطْءِ، وكفارة عن الوطْءِ، ويُروى عن عَمْرِو بنِ العاصِ، وقبيصة (٢) بنِ ذُؤيب، وسَعيدِ بنِ جبير، وابنِ شهابٍ (٣). وذهب جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ؛ كمالِكٍ، والشافِعي، وأبي حنيفَةَ، وأحمدَ (٤)، والثوريِّ، والأوزاعيّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ (٥)، وداودَ إلى أنَّ الواجبَ كفارةٌ واحدةٌ، واستدلُوا بأنَّ سَلَمَةَ بنَ صَخْرٍ البَياضِيَّ ظاهَرَ مِنِ

стр. 1527

امرأتِه، ثم وَقَعَ عليها قبلَ أن يكفِّرَ، فأتى رسولَ اللهِ ﷺ ، وذكر لهُ ذلكَ، فأمرَهُ أن يُعْتِقَ رقبةً، فإنْ لمْ يجدِ الرقبةَ، فَلْيَصُمْ شَهرينِ مُتتابعين من قبلِ أن يتماسّا، فإن لم يستطعِ الصَّوْمَ، فليطعمْ ستينَ مِسكينًا (١). * وأطلقَ اللهُ الإطعامَ، ولم يقيدْ مَحَلَّهُ، وإطلاقُه محمولٌ على تقييدِ غيرِه منْ أنواعِ هذهِ الكَفَّارَةِ عندَ عامةِ أهلِ العلمِ (٢)؛ خلافًا لابنِ حَزْمٍ؛ فإنه قالَ: من فَرْضُهُ الإطعامُ يجوزُ لهُ المَسُّ قبلَ التكفيرِ (٣). * وأطلق اللهُ سبحانَهُ الإطعامَ، ولم يبينْ مقدارَ طعامِ كلِّ مسكينٍ: فقالَ الشافعيُّ: طعامُهُ مُدٌّ بِمُدِّ رسولِ اللهِ ﷺ (٤): واستدلَّ عليهِ بما رُوي أن سَلَمَة بنَ صَخْرٍ البَياضِيَّ جَعَلَ امرأتَه عليهِ كظهرِ أُمِّه إِنْ غَشِيَها حَتَّى يَمْضيَ رَمضانُ، فَلمّا مَضى النصفُ منْ رمضانَ، سَمِنَتِ المَرْأَةُ وتَرَبَّعَتْ، فأعجبَتْهُ، فَغَشِيَها ليلاً، ثم أَتى النبيَّ ﷺ ، فذكرَ ذلكَ لهُ، فقالَ لهُ: "أَعْتِقْ رَقَبَةً"، فقال: لا أجدُ، قال: "صُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتابعَيْن"، قال: لا أستطيعُ، قال: "أطعمْ ستينَ مسكيناً"، قال: لا أجدُ، قال: فَأتِي النبيُّ ﷺ بعَرَقٍ فيهِ خَمْسَةَ عَشَرَ صاعًا، أو سِتَّةَ عَشَرَ صاعًا، قال: "فَتَصَدَّقْ بِهذا على سِتِّينَ مِسكيناً" (٥). ويستدلُّ عليه أيضًا بحديثِ الذي جامَعَ امرأتَه في شَهْرِ رمضانَ (٦).

стр. 1528

وبهذا قالَ مالِكٌ في روايةٍ، والروايةُ المشهورةُ عنه أنهُ مُدٌّ بِمُدِّ هِشامٍ (١) (٢)، ومُذُ هِشامٍ بِمُدٍّ ونصْفِ مُدٍّ بِمُدِّ رسولِ الله ﷺ ، وقيل: مُدَّانِ، وقيل: مُدٌّ وثُلُثٌ؛ لأن به تحصل الكفاية في الغداءِ والعشاءِ (٣). وأنكرَ الشافعيُّ هذا على مالكٍ، وقالَ: مَنْ شَرَعَ لكمْ مُدَّ هِشامٍ؟ وقد أنزلَ اللهُ ﵎ الكفاراتِ على رسولهِ قبلَ أن يولَدُ هشام، وكيفَ ترى المسلمين كَفروا في زَمَنِ رسولِ اللهِ ﷺ وبعدَه قبل أن يكونَ هشامٌ (٤)؟ وقال أبو حنيفةَ: طعامُه مُدَّانِ؛ اعتبارًا بِفِدْيَةِ الأَذى، واستدلُوا بحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - (٥). ولو اعتبروا هذهِ الكفارةَ بكفارةِ الفِطْر في رَمَضانَ، لكانَ أَحْرَى وأوْلى، فاعتبارُ الكَفَّارَةِ بِالكَفَّارَةِ أَشْبَهُ وأوْلى به، وأَمّا فِدْيَة الحَجِّ، فلا تشبهُ ما سِواها من الكفاراتِ في شيءٍ، واللهُ أعلم. * * *

стр. 1529

(من أحكام الزكاة) ٢٤٤ - ٢٤٥ (٣ - ٤) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المجادلة: ١٢، ١٣]. * أوجبَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنينَ الصدقةَ أمامَ مناجاةَ رسولَ اللهِ ﷺ , وأسقطَ هذا الفرص عَمَّنْ لم يجدْ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المجادلة: ١٢]. ثم نُسِخَ (١) الوجوبُ عن الموسرين بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]. فقيل: نزلتْ حينَ غَلَبَ أهلُ الجدَةِ الفُقراءَ على مُجالسةِ رسولِ اللهِ ﷺ ومُناجاتِه، فكرهَ الرسولُ ﷺ ذلك (٢).

стр. 1530

وقيل: كانَ رسولُ الله ﷺ يُؤْذى بكثرةِ النَّجْوى؛ وكانَ الشيطانُ يوسوسُ في أصحابِ النبي ﷺ ، ويقولُ: يوحى إلى النبي ﷺ بأمر كذا مما يَغُمُ المسلمين ذلك، وهو قوله: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠] فأمر اللهُ سبحانَه أَلَّا يناجيَ أحدٌ النبي ﷺ حتى يُقَدّمَ صَدَقَةً، فتوقَّفَ الناسُ عن النَّجْوى، ثم شَقَّ ذلك عليهم، فنسخَهُ اللهُ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ [المجادلة: ١٣] الآية (١). قيل: وهذا مما نُسِخَ قبل العملِ به (٢). وقيل: إن عَلِيًّا -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عملَ به. وروى ليثٌ عن مجاهدٍ قال: قالَ عَلِيُّ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: إنَّ في كتابِ اللهِ لآيةً ما عملَ بها أحدٌ قَبْلي، ولا يعملُ بها أحدٌ بعدي، كان لي دينارٌ، فصرفته، فكنتُ إذا ناجيتُ رسولَ الله ﷺ تصدَّقْتُ بدرهمٍ حَتَّى نَفِدَ، ثم نُسِخَتْ (٣). * * *

стр. 1531

سورة الحشر

стр. 1532

(من أحكام الجهاد) ٢٤٦ - (١) قوله : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥]. * روى البخاريّ في "صحيحه" عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ حرقَ نخلَ بني النضير، وقطع، وهي البُوَيْرَةُ، فأنزلَ اللهُ : ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا﴾ (١) [الحشر: ٥]. فأخذ بالآيةِ في قطعِ الأشجار، وبما قبلَها في تَحْريقِ البيوت مالكٌ والشافعيُّ (٢)؛ لبيانِ النبيِّ ﷺ ذلك بفِعْلِه. وثبتَ عن أبي بكرٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه -: أنه قال: لا تقطعن شجراً ولا تخربن عامرًا (٣). فذهبَ الليثُ بنُ سعدٍ، وأبو ثورٍ، وكذا الأوزاعيّ إلى منع ذلك (٤)، وقال: أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - كانَ أعلمَ بتأويلِ هذهِ الآيةِ،

стр. 1533

وقد نَهى عن ذلك، وعملَ بهِ أئمةُ المسلمين. قال الشافعي: لعل أمرَ أبي بكرِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - إنما هو لأنهُ سمعَ النبي ﷺ يُخْبرُ أَنَّ بلادَ الشامِ تفُتح على المسلمينَ، فلما كانَ مُباحًا له أن يقطع ويَترك، أجازَ التركَ نَظَرًا للمسلمين بالأصلحِ (١)، وقد قطعَ رسولُ اللهِ ﷺ يومَ بني النَّضير، فلما أشرع (٢) في النخلِ قيل له: قدْ وعدَكَها اللهُ تَعالى، فلو استبقَيْتَها لنفسك (٣)، فكف القطعَ استبقاءَ، لا أن القطعَ مُحرم، وقد قطعَ بِخَيْبَرِ، ثم قطعَ بالطائفِ. ثم قال: قال أبو يوسفُ: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ قسيطِ قال: لما بعثَ أبو بكرِ خالدَ بنَ الوليدِ إلى طُلَيْحَةَ وبَني تميمٍ، قالَ لهُ: وأَيُّما دارٍ غَشيتها، فَأمسِكْ عنها إنْ سمعْتَ أذانًا حتى تسأَلهُم ما يريدون، وما ينقمون، وأَيُّما دارٍ غَشيتَها فلم تسمعْ فيها أَذانا، فَشُنَّ عليها الغارةَ، واقتلْ، واحرق. قالَ أبو يوسف: ولا نرى أن أبا بكرِ نَهى عن ذلك بالشامِ إلَّا لعلمِه بأنَّ المسلمينَ سَيَظْهرون عليها، ويبقى ذلكَ لهمْ (٤). وهذا التأويلُ الذي ذكرَهُ الشافعي وأبو يوسفَ متعين، فقد رُوي عن النبي ﷺ أنه قال: "زُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ، فَرَأَيْتُ مَشارِقَ الأَرْضِ ومَغارِبَها، وسَيَبْلُغُ مُلْكُ أمَّتي ما زُوِيَ لِي مِنْها" (٥).

стр. 1534

٢٤٧ - (٢) قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]. * نزلتْ هذه السورةُ والآياتُ في بني النَّضيرِ حينَ أجلاهُم (١) رسولُ الله ﷺ . خَرَّجَ البخاريُّ في "صحيحه" عن سعيدِ بنِ جبيرٍ قال: قلتُ لابن عباسٍ: سورةُ الحَشْرِ، قال: لا، بل سُورةُ النَّضيرِ (٢). وخَرَّجَ عن الزُّهْرِيِّ عن عروةَ: كانَتْ على رأس ستةِ أشهُرٍ من وقعةِ بدرٍ قبلَ أُحُدٍ، ثم قالَ: جعلَه ابنُ إسحاقَ بعدَ بئرِ معونةَ (٣). وقد قدمتُ في "سورةِ الأنفالِ" اختلافَ الناسِ في الغنيمةِ، وأنَّ منهم مَنْ زعمَ أن الفيءَ والغنيمةَ سَواءٌ، وبه قالَ قتادَةُ، حتى زعمَ أن هذهِ الآيةَ ناسخةٌ لآية الأنفالِ والذي عليهِ عامَّةُ أهلِ العلمِ أن الآيتينِ مُحْكمتان، وأن الفيءَ غيرُ الغَنيمة، فالفيءُ ما أصابَه المسلمون بغيرِ قِتال؛ كما إليهِ الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦]. وهو ينقسمُ إلى ضربين:

стр. 1535

الضربُ الأول: ما تركهُ المشركون خَوْفًا من المسلمين؛ كما فعلَ بنو النضير، فهذا كانَ لرسولِ اللهِ ﷺ في حياتِه. روينا في "صحيح البخاري" عن مالكِ بنِ أوسِ بنِ الحدثانِ: أن عمرَ بنَ الخَطَّابِ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ، فقال: هل لكَ في عُثمانَ، وعبدِ الرحمنِ، والزبيرِ، وسعدٍ يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم، فلبثَ قليلاً، ثم جاءَ فقالَ: هل لكَ في عَبّاسٍ وعَلِيٍّ يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا، قال عباس: يا أميرَ المؤمنين! اقْضِ بيني وبينَ هذا، وهما يَخْتَصمان في التي أفاءَ اللهُ على رسولهِ من بني النضيرِ، فاسْتَبَّ عليٌّ وعباسٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما -، فقالَ الرهطُ: يا أميرَ المؤمنين! اقضِ بينَهما، وأَرِحْ أحدَهُما من الآخَرِ، فقالَ عمرُ: اتئدوا، وأَنْشُدُكُمْ (١) بالذي بِإذْنِه تقومُ السماواتُ، هل تعلمونَ أَن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا نُورثُ ما تركنا صدقة" يريدُ بذلكَ نفسَه؟ قالوا: قدْ قال ذلكَ، فأقبلَ عمرُ على عليٍّ وعباسٍ، فقال: أنشدكم بالله هل تعلمانِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قد قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدثُكم عن هذا الأمرِ، إنَّ اللهَ كانَ خَصَّ رسولَ الله ﷺ في هذا الفيءِ بشيءٍ لم يعطِهِ أحدًا غيرَه، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] , فكانت هذهِ خالصةً لرسولِ اللهِ ﷺ ، واللهِ ما اختارَها دونَكُم، ولا استأثَرَ بِها عليكم، لقدْ أعطاكُموها، وقَسَمَها فيكم حتى بقيَ هذا المالُ منها، فكان رسولُ اللهِ ﷺ ينفقُ على أهلهِ نفقةَ سنتهِ من هذا المالِ، ثم يأخذُ ما بقي فيجعلُه مَجْعَلَ مالِ اللهِ، فعملَ بذلكَ عليهِ في حياتهِ، ثم تُوُفِّيَ رسولُ الله ﷺ ، فقال أبو بكرٍ: فأنا وليُّ رسولِ الله ﷺ ، فقبضَه أبو بكرٍ فعملَ بهِ بما عَمِل رسولُ اللهِ ﷺ ، وأنتم حينئذ، وأقبل على علي وعباسٍ:

стр. 1536

تذكران أنَّ أبا بكرٍ عمل فيه كما تقولان، واللهُ أعلمُ إنه فيه لَصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابعٌ للحَقِّ، ثم تَوَفَّى اللهُ أبا بكر، فقلتُ: أنا وليُّ رسولِ اللهِ ﷺ وأبي بكرٍ، فَقَبَضْته سنتين من إمارتي، أعملُ فيه بما عملَ رسولُ اللهِ ﷺ وأبو بكر، واللهُ يعلم إني فيه لَصادقٌ بارٌّ راشدٌ تابع، ثم جِئْتُماني كلاكُما، وكلمتكُما واحدةٌ، وأمركما جميعًا، فجئتني -يعني عباسًا- فقلت لكما: إن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "لا نورثُ ما تركناهُ صدقةٌ"، فلما بدا لي أنْ أدفعَه إليكما، قلتُ: إن شئْتَ دفعتُه إليكُما على أنَّ عليكُما عهدَ الله وميثاقَه لتعملانِ فيه بما عملَ رسولُ الله ﷺ وأبو بكرٍ، وما عملتُ فيه منذ وليتُ، وإلَّا فَلا تُكَلِّماني، فقلتما: ادفعْه إلينا بذلكَ، فدفعتُه إليكما، أفَتَلْتَمِسانِ مني قضاءً غيرَ ذلكَ؟ فواللهِ الذي بإذنهِ تقومُ السماواتُ والأرضُ لا أقضي فيهِ بقضاءٍ غيرِ ذلكَ حتى تقومَ الساعَةُ، فإن عَجَزْتُما عَنْه، فادفعاه إليَّ؛ فإني أكفيكُماه (١). فإنْ قلتَ: فهل يدلُّ القرآنُ على أن النبيَّ ﷺ كان يملكُ كلَّ الفيءِ، أو يملكُ أربعةَ أخماسِهِ وخُمُسَ خُمُسِهِ، أو يملكُ خُمُسَهُ فقطْ، وأربعةُ أخماسِه لمن سَمّى اللهُ تعالى من ذَوي القربى واليتامى والمساكينِ وابنِ السبيل؟ قلت: أما الاحتمالُ الثالثُ، فلم يقلْ به أحدٌ علمتُه، وإن كانَ لفظُ القرآن يحتملُه (٢).

стр. 1537

وأما الاحتمالُ الثاني، فذهبَ أبو عبدِ اللهِ الشافعي إلى أنه ﷺ لا يملكُ إلَّا بعضَ الفيءِ, فلهُ أربعةُ أخماسِه وخُمُسُ خُمُسِهِ، والباقي لمن سماه الله تعالى فقط (١). والغنيمةُ والفيءُ يجتمعان في أَنَّ فيهما الخُمُسَ في جميعِهما لمنْ سماهُ اللهُ تعالى له في الآيتين معًا، ثم يفترق الحكمُ في الأربعةِ الأخماس كما (٢) بيَّنَ اللهُ تعالى على لسانِ نبيهِ ﷺ ، وفي فعله؛ فإنه قَسَمَ أربعةَ أخماسِ الغنيمةِ، والغنيمةُ هي المُوجَفَ عليهِ بالخيلِ والرِّكاب لِمَنْ حَضَرَ مِنْ غَنِيٍّ وفقيرٍ، والفيءُ هو ما لم يُوجَفْ عليه بخيلٍ ولا رِكابٍ، فكانَتْ سنةُ رسولِ اللهِ ﷺ في القُرى التي أفاءَ اللهُ عليه أَنَّ أربعةَ أَخْماسها لرسولِ اللهِ دَونَ المسلمينَ، يضعُها رسولُ اللهِ ﷺ حيثُ أرادَ اللهُ (٣). وهذا التقسيمُ لا يدلُّ عليهِ لفظُ القرآن، وإنما أخذَهُ الشافعي استدلالاً منَ الغنيمةِ، والذي يدلُّ عليه القرآنُ والسنةُ والاستنباطُ، وقالَ بهِ عامَّةُ أهلِ العلمِ أنه ﷺ كان يملكُ الكُل (٤). فإن قلت: ما وجهُ الدليلِ من الكِتاب والسنةِ؟ قلتُ: أما دلالةُ الكِتاب، فإن الله سبحانَه مَنَّ بهِ على رسولِ اللهِ ﷺ ، وجعلَهُ من فَيْئه عليه، لا من فَيْءِ أحدٍ منَ المقاتلين، بل جعلهُ اللهُ مما أخذَهُ بتسلُّطِه عليهم كما يتسلط الغانمون على عَدُوِّهم، فقالَ ﵎:

стр. 1538

﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦]. فإن قلتَ: فقد خصَّ اللهُ سبحانه ذوَي القُرْبى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل بالذكْرِ، وأشرَكَهُمْ معهُ، وأضافَهُ إليهم بِلام التمليكِ في الآية التي تليها. قلت: الإضافةُ إليهم معناه بيانُ المَصْرِف، لا حقيقةُ التمليكِ والتشريكِ، وإنما خَصَّهم اللهُ بالذكرِ ليقطعَ طمعَ المقاتِلين. ألمْ تَرَ إلى كيفيةِ صدورِ الخِطابِ معهم كيفَ قالَ اللهُ ﵎: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦]. ثم أعلمهم بعدَ أَنْ مَنَّ بها عليهِ ﷺ بوجوهِ البِرّ والإنفاقِ التي كانَ رسولُ الله ﷺ يفعلُها، فقال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الحشر: ٧]. ثم بيَّنَ وجهَ العِفَةِ في حِرْمانِهم، وأَنهم ليس لهم في الفيءِ نصيبٌ؛ لئلاّ يملكوه ويتداولوه بينهم، فقال تَعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. ثم أمرهُم بطاعتِه؛ لأن طاعته من طاعتِه ﷺ ، فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. ثم بيَّنَ القومَ المستحقينَ، وأنهم فقراءُ المهاجرينَ والأَنْصار، والذينَ مِنْ بعدِهم، فقالَ تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الآيات إلى قوله: ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ - ١٠]. وكل هذا يدلُّ دلالةً صريحةً على أن الفيءَ ليسَ كالغنيمةِ.

стр. 1539

وأما دلالةُ السنَّةِ فواضحةٌ من قولِ عمرَ وقَضائه الذي قَضى به، وقضى به أبو بكرٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- فجعلَه خاصًّا برسولِ اللهِ ﷺ ، وجعلَهُ مالًا تَرَكَهُ وخَلَّفَهُ، وإنما احتج عليهم بكونهِ لا يورَثُ، وقال: إن الله تَعالى خَصهُ في هذا الفيء بشيءٍ لم يعطِه أحدًا غيرَه، واستدل بالآيةِ الأَوى كما استدلَلْتُ بها، وقال: كانَتْ (١) خالصةً لرسولِ اللهِ ﷺ (٢)، ولم يقلْ علِيٌّ وعباسٌ ولا أحدٌ من الصحابةِ الذين حَضَروا، وهم من عُلماء أصحابِ رسول الله ﷺ : لم تكنْ خالصةً لهُ، بل ذوو قرابته واليتامى والمساكينُ مشاركونَ لهُ، ولو علمَ العباسُ وعَلِيٌّ لهم معه قسمًا ونصيبًا، لذكروه. وأمّا الاستنباطُ، فالذي يحيطُ بهِ العلمُ والنظرُ أنه لو كانَ أحدٌ مِمَّنْ سَمّاه الله سبحانه مُشاركاً لهُ، لكانَ لِذوي قرابته سَهْمٌ من خمسةٍ وعشرينَ سَهْماً يأخذونه من المالِ الذي كان بَيدِه وتركَه من مالِ الفيء ﷺ يأخذونه مُلْكاً لا إرْثاً، واليتامى كذلك، وللمساكينِ وابنِ السبيل كذلك، ولم يقلْ بهذا قائلٌ، ولم يُعْرَفْ له أصلٌ. وأيضًا لو كانَ أحدٌ مشاركاً، لهُ لما فُضلَ سهمُ سبيلِ الله على غيرِه من السِّهام، ويدل على التفضيلِ قولُ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -: وكانَ رسولُ اللهِ ﷺ ينفقُ منها على عِياله نفقَةَ سنتِه، وما فَضَلَ جعلَه في الكُراع والسِّلاحِ عُدَّةً في سبيل الله، وفي لفظٍ آخرَ: ثم يأخذُ ما بقيَ فيجعلُه مَجْعَلَ مالِ الله (٣).

стр. 1540

وقد تبيَّنَ بهذا أن ما قلناهُ هو الحَقُّ، وقضى به الشيخانِ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-، ولم يخالفْهما أحدٌ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وما قاله الشافِعِيُّ فغفلة من عالِمٍ، وقد أنكرَ أبو بكرِ بنُ المنذرِ على الشافعيِّ مقالَتهُ، قال: ولا نعلمُ أَحَداً قبلَ الشافعيِّ قالَ بالخمسِ في الفيء (١). الضرب الثاني من الفيء: ما أخِذَ من الكُفّارِ من غيرِ حربٍ، كالجِزْيةِ وعُشورِ تِجاراتهم: فقالَ الجُمهورُ: هو كالضَّرْبِ الأولِ (٢). وقالَ الشافعيُّ في الجديدِ: يُخَمَّسُ كالغنيمة. وقالَ في القديم: يقسَمُ الجميعُ على خَمْسَةِ أَسْهُمٍ (٣). فإن قلتَ: فقد حكيتَ عن مجاهدٍ أن الغنيمةَ تختصُّ بالأموالِ المنقولةِ، وأن الفَيْءَ يختصُّ بالأَرَضين، وإن أُخِذَتْ قَسْراً؛ لأن الله سبحانَهُ ذكر الفَيْءَ في القُرى، وذكرَ الغنيمةَ مُطْلَقا، ووعدْتَ بالكلام معه (٤). قلت: لا حُجَّةَ له فيما ذَكَرَ، بلِ الحُجَّةُ في فِعْلِ رسولِ الله ﷺ ، وقد ثبتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قسمَ خَيْبَرَ بينَ الغانِمين، ولم يجعلْها فيئًا (٥)، وبهذا أخذَ الشافعيُّ (٦).

стр. 1541

وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ الأرضَ لم تُخَمَّسْ، بل تكونُ كما فعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - في أرضِ السَّوادِ (١)، وللإمام أن يَمُنَّ بها على أهلِها كَما فعلَ رسولُ الله ﷺ في أهلِ مَكَة (٢). والجوابُ ما قدمتُه في "سورة الحَجِّ"، وأن المختارَ ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنها فُتِحَتْ صُلْحاً، فلم تغنَمْ. فإن قلتَ: فقد جعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - أرضَ السَّوادِ بين المسلمين، ولعل مصرفَ الأرضِ إلى اجتهادِ الإمامِ، فإمّا أن يقسِمَها، وإما أن يجعلَها فيئًا كما ذهبَ إليهِ أبو حنيفة (٣). قلنا: قال الشافعي -رحمَهُ اللهُ تعالى-: لا أعرفُ ما أقولُ في أرضِ السوادِ إلا ظَنًّا مقروناً إلى علم، وذلك أني وجدتُ أصحَّ حديثٍ يرويه الكوفيونَ عندَهم في السَّوادِ ليسَ فيه بيان، ووجدْتُ أحاديثَ من مُحَدّثيهم تخالِفُه (٤)، منْها أنهم يقولون: السوادُ صُلْحٌ، ويقولون: السوادُ عَنْوَةٌ، ويقولون: إن بعضَ السوادِ صلحٌ، وبعضه عَنْوَةٌ، ويقولون: إن حديثَ جريرٍ البَجَلِيِّ وهو أثبتُ حديثٍ عندهم: أخبرنا الثقةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: كانت بَجيلَةُ ربعَ الناسِ، فقسمَ لهم ربعَ السوادِ، فاستغلوه ثلاثًا أو أربعَ سنين -أنا شككْتُ- ثم قدمتُ على عمرَ بنِ الخطابِ، ومعي فلانةُ بنتُ فُلانٍ منهم -وسماها- لا يحضرُني ذكرُ اسمِها الآنَ، فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ: لولا أني

стр. 1542

قاسِمٌ، لتركتكم على ما قُسِمَ لكمْ، ولكنّي أرى أن تَرُدُّوا على الناس. قال: وكان في حديثه: فأعاضني من حَقِّي نَيِّفًا وثمانين دينارًا. وكانَ في حديثه: فقالتْ فلانةُ: شهدَ أبي القادسيةَ، وثبتَ سهمُه، ولا أُسلّمه حتى يُعْطِيَني كذا، ويعطيني كذا، فأعطاها إياه. قال الشافعيُّ: وفي الحديثِ دَلاَلةٌ إذْ أعطى جَريرًا عِوَضاً عن سَهْمِه، والمرأةَ عِوَضاً عن سهمِ أبيها أنه استطابَ أَنْفُسَ الباقين، وهذا حلالٌ للإمامِ إذا افتتحَ القومُ أرضا عَنْوَةً، فأحصى من افْتَتَحَها، فطابوا أَنْفُساً عنْ حقوقِهم مِنْها، أن يجعَلَها الإمامُ وَقْفًا، وحقوقُهم منها الأربعةُ الأخماسِ، ويوفي أهلَ الخُمُسِ حَقَّهم (١)، إلَّا أن يدعَ البالغونَ منهم حقوقَهم، فيكونَ ذلك لهمْ، والحكمُ في الأرضِ كالحُكْم في المالِ. قال: وهذا أولى الأمورِ بعمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- عندنا في السَّواد وفُتوحِه، وإنما منعَنا أن نجعلَهُ يَقيناً بالدَّلالة؛ لأن الخبر الذي فيه متناقضٌ، واللهُ أعلمُ (٢). * * *

стр. 1543

سورة الممتحنة

стр. 1544

(من أحكام الجهاد) ٢٤٨ - (١) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١]ـ. خَرَّجَ البخاريُّ في "جامعه" عن سفيانَ قال: ثنا عمرُو بنُ دينارِ قال: حدثني الحسنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيُّ: أنه سمعَ عبدَ اللهِ بنَ أبي رافعٍ كاتبَ عَلِيٍّ يقول: سمعتُ عَلِيًّا يقول: بَعَثَني رسولُ اللهِ ﷺ أنا والزبيرُ والمقدادُ، فقال: "انْطَلِقوا حَتَّى تَأتوا رَوْضَة خاخ، فإنَّ بها ظَعينَة مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوه مِنْها"، فذهبنا تَعادَى بنا خَيْلُنا حَتَّى أتينا الروضةَ، فإذا نحنُ بالظَّعينَةِ، فقلْنا: أَخْرِجي الكتابَ، قالتْ: ما معي مِنْ كتابٍ، فقلْنا لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لنلْقِبنَّ الثيابَ، فأخرجَتْهُ منْ عِقاصِها، فأتينا به النبيَّ ﷺ ، فإذا فيه: مِنْ حاطِبِ بنِ أَبي بَلْتَعَةَ إلى أناسٍ منَ المشركينَ مِمَّن بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُم ببعضِ أمرِ النبيِّ ﷺ ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "ما هذا يا حاطِبُ؟ " قال: لا تعجَلْ عَلَيَّ يا رسولَ الله! قال: إني كنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُريشٍ، ولم أكنْ من أَنْفُسِهم، وكان مَنْ معكَ منَ المهاجرينَ كانَ لهم قراباتٌ يَحْمونَ بِها أَهْلَهم وأَمْوالَهم بمكةَ، فأحببتُ إذْ فاتَني من النَّسَبِ فيهم أَنْ أَصْطَنِعَ إليهم يَداً يَحْمون بها قَرابتي، وما فَعَلْتُ ذلكَ كُفْرًا ولا ارْتداداً عنْ دِيني، فقالَ النبي ﷺ : "إنَّهُ قَدْ

стр. 1545

صَدَقَكُمْ"، قال عمرُ: يا رسولَ الله! دَعْني فأضربَ عنقَهُ، قال: "فإنَّه قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْريكَ لَعَلَّ اللهَ اطلَعَ على أهلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لكُمْ" (١). قال عَمْرو: نزلتْ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] , قال: لا أَدري الآيةُ في الحَديثِ (٢)، أو في قولِ عُمرو. إذا علمتَ هذا، فنقول: حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآيةِ على المؤمنين أن يُوالوا المشركينَ بالمودةِ، وأن يَدُلُّوهُمْ على عورَةِ المسلمين، وأَنْ يُحَذروهم من كَيْدهِم، وجعلَ ذلكَ ضَلالا عنْ سواءِ السبيلِ، فقالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٩] وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. فإن قلتَ: فلمَ لمْ يخرجْ بذلك حاطِبٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عن الإيمان؟ قلتُ: لأنه فَعَلَ هذا بِجَهالَةٍ وتأويلٍ، وادَّعى بقاءَهُ على الإيمان، فَصَدَّقَهُ رسولُ الله ﷺ ، ولأنَّ اللهَ سبحانَهُ لعله قد غفرَ لأهلِ بدرٍ ما مَضى، وما يُستقبلُ من الذنوبِ، وحاطبٌ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قد شَهِدَ بَدْرًا، والغفرانُ يستلزمُ الإيمانَ؛ فإنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرَكَ به.
следующие страницы →