← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

وذهبَ مالكٌ إلى أنَّ الأرضَ لم تُخَمَّسْ، بل تكونُ كما فعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - في أرضِ السَّوادِ (١)، وللإمام أن يَمُنَّ بها على أهلِها كَما فعلَ رسولُ الله ﷺ في أهلِ مَكَة (٢). والجوابُ ما قدمتُه في "سورة الحَجِّ"، وأن المختارَ ما ذهبَ إليه الشافعيُّ أنها فُتِحَتْ صُلْحاً، فلم تغنَمْ. فإن قلتَ: فقد جعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - أرضَ السَّوادِ بين المسلمين، ولعل مصرفَ الأرضِ إلى اجتهادِ الإمامِ، فإمّا أن يقسِمَها، وإما أن يجعلَها فيئًا كما ذهبَ إليهِ أبو حنيفة (٣). قلنا: قال الشافعي -رحمَهُ اللهُ تعالى-: لا أعرفُ ما أقولُ في أرضِ السوادِ إلا ظَنًّا مقروناً إلى علم، وذلك أني وجدتُ أصحَّ حديثٍ يرويه الكوفيونَ عندَهم في السَّوادِ ليسَ فيه بيان، ووجدْتُ أحاديثَ من مُحَدّثيهم تخالِفُه (٤)، منْها أنهم يقولون: السوادُ صُلْحٌ، ويقولون: السوادُ عَنْوَةٌ، ويقولون: إن بعضَ السوادِ صلحٌ، وبعضه عَنْوَةٌ، ويقولون: إن حديثَ جريرٍ البَجَلِيِّ وهو أثبتُ حديثٍ عندهم: أخبرنا الثقةُ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: كانت بَجيلَةُ ربعَ الناسِ، فقسمَ لهم ربعَ السوادِ، فاستغلوه ثلاثًا أو أربعَ سنين -أنا شككْتُ- ثم قدمتُ على عمرَ بنِ الخطابِ، ومعي فلانةُ بنتُ فُلانٍ منهم -وسماها- لا يحضرُني ذكرُ اسمِها الآنَ، فقالَ عمرُ بنُ الخطابِ: لولا أني

стр. 1542

قاسِمٌ، لتركتكم على ما قُسِمَ لكمْ، ولكنّي أرى أن تَرُدُّوا على الناس. قال: وكان في حديثه: فأعاضني من حَقِّي نَيِّفًا وثمانين دينارًا. وكانَ في حديثه: فقالتْ فلانةُ: شهدَ أبي القادسيةَ، وثبتَ سهمُه، ولا أُسلّمه حتى يُعْطِيَني كذا، ويعطيني كذا، فأعطاها إياه. قال الشافعيُّ: وفي الحديثِ دَلاَلةٌ إذْ أعطى جَريرًا عِوَضاً عن سَهْمِه، والمرأةَ عِوَضاً عن سهمِ أبيها أنه استطابَ أَنْفُسَ الباقين، وهذا حلالٌ للإمامِ إذا افتتحَ القومُ أرضا عَنْوَةً، فأحصى من افْتَتَحَها، فطابوا أَنْفُساً عنْ حقوقِهم مِنْها، أن يجعَلَها الإمامُ وَقْفًا، وحقوقُهم منها الأربعةُ الأخماسِ، ويوفي أهلَ الخُمُسِ حَقَّهم (١)، إلَّا أن يدعَ البالغونَ منهم حقوقَهم، فيكونَ ذلك لهمْ، والحكمُ في الأرضِ كالحُكْم في المالِ. قال: وهذا أولى الأمورِ بعمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- عندنا في السَّواد وفُتوحِه، وإنما منعَنا أن نجعلَهُ يَقيناً بالدَّلالة؛ لأن الخبر الذي فيه متناقضٌ، واللهُ أعلمُ (٢). * * *

стр. 1543

سورة الممتحنة

стр. 1544

(من أحكام الجهاد) ٢٤٨ - (١) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١]ـ. خَرَّجَ البخاريُّ في "جامعه" عن سفيانَ قال: ثنا عمرُو بنُ دينارِ قال: حدثني الحسنُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ عَلِيُّ: أنه سمعَ عبدَ اللهِ بنَ أبي رافعٍ كاتبَ عَلِيٍّ يقول: سمعتُ عَلِيًّا يقول: بَعَثَني رسولُ اللهِ ﷺ أنا والزبيرُ والمقدادُ، فقال: "انْطَلِقوا حَتَّى تَأتوا رَوْضَة خاخ، فإنَّ بها ظَعينَة مَعَها كِتابٌ، فَخُذُوه مِنْها"، فذهبنا تَعادَى بنا خَيْلُنا حَتَّى أتينا الروضةَ، فإذا نحنُ بالظَّعينَةِ، فقلْنا: أَخْرِجي الكتابَ، قالتْ: ما معي مِنْ كتابٍ، فقلْنا لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ، أو لنلْقِبنَّ الثيابَ، فأخرجَتْهُ منْ عِقاصِها، فأتينا به النبيَّ ﷺ ، فإذا فيه: مِنْ حاطِبِ بنِ أَبي بَلْتَعَةَ إلى أناسٍ منَ المشركينَ مِمَّن بِمَكَّةَ يُخْبِرُهُم ببعضِ أمرِ النبيِّ ﷺ ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "ما هذا يا حاطِبُ؟ " قال: لا تعجَلْ عَلَيَّ يا رسولَ الله! قال: إني كنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا في قُريشٍ، ولم أكنْ من أَنْفُسِهم، وكان مَنْ معكَ منَ المهاجرينَ كانَ لهم قراباتٌ يَحْمونَ بِها أَهْلَهم وأَمْوالَهم بمكةَ، فأحببتُ إذْ فاتَني من النَّسَبِ فيهم أَنْ أَصْطَنِعَ إليهم يَداً يَحْمون بها قَرابتي، وما فَعَلْتُ ذلكَ كُفْرًا ولا ارْتداداً عنْ دِيني، فقالَ النبي ﷺ : "إنَّهُ قَدْ

стр. 1545

صَدَقَكُمْ"، قال عمرُ: يا رسولَ الله! دَعْني فأضربَ عنقَهُ، قال: "فإنَّه قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وما يُدْريكَ لَعَلَّ اللهَ اطلَعَ على أهلِ بَدْرٍ فَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لكُمْ" (١). قال عَمْرو: نزلتْ فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] , قال: لا أَدري الآيةُ في الحَديثِ (٢)، أو في قولِ عُمرو. إذا علمتَ هذا، فنقول: حَرَّمَ اللهُ سبحانَهُ في هذه الآيةِ على المؤمنين أن يُوالوا المشركينَ بالمودةِ، وأن يَدُلُّوهُمْ على عورَةِ المسلمين، وأَنْ يُحَذروهم من كَيْدهِم، وجعلَ ذلكَ ضَلالا عنْ سواءِ السبيلِ، فقالَ تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١)﴾ [الممتحنة: ١] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ [الممتحنة: ٩] وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٥١]. فإن قلتَ: فلمَ لمْ يخرجْ بذلك حاطِبٌ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه - عن الإيمان؟ قلتُ: لأنه فَعَلَ هذا بِجَهالَةٍ وتأويلٍ، وادَّعى بقاءَهُ على الإيمان، فَصَدَّقَهُ رسولُ الله ﷺ ، ولأنَّ اللهَ سبحانَهُ لعله قد غفرَ لأهلِ بدرٍ ما مَضى، وما يُستقبلُ من الذنوبِ، وحاطبٌ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - قد شَهِدَ بَدْرًا، والغفرانُ يستلزمُ الإيمانَ؛ فإنَّ اللهَ لا يغفرُ أن يُشْرَكَ به.

стр. 1546

وقد قَدَّمْتُ جُمَلاً في بيانِ حقيقةِ مُوالاةِ أعداءِ اللهِ -لَعَنَهُم اللهُ سبحانَه-. * وقد استنبطَ الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تَعالى- من هذهِ القصةِ أَنَّ الرجلَ إذا كانَ من ذَوي الهَيْئات، فَلِلإمام أن يعفوَ عنه، وإن لم يكنْ منهُم، كانَ للإمامِ عقوبَتُه (١). * ثم بينَ اللهُ سبحانَه العِلَلَ المُنَفِّرَةَ للقُلوبِ عن موالاةِ المشركينَ، وحَثَّهم على الاقتداءِ بإبراهيمَ ﵊، ﴿إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]؛ فإنه لا يُقْتَدى بهِ في هذا، فاستثناهُ (٢)، ولعلَّ هذا -واللهُ أعلمُ- كانَ من النبيِّ إبراهيمَ ﷺ قبلَ أن يُعْلِمَهُ اللهُ ﵎ أَنَّه لا يغفرُ الشِّرْكَ، أو لأمرٍ علمهُ من أبيهِ كَما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤] , وقد تبيَّنَ بهذا أن استغفارَ النبيِّ ﷺ لأبي طالبٍ ولعبدِ اللهِ بنِ أبيِّ ابنِ سلولَ إنَّما كانَ قبلَ نزولِ هذهِ الآية. وهذه السورةُ نزلتْ في قصةِ حاطبِ بنِ أبي بلتعةَ (٣)، وذلك حينَ توجَّه النبيُّ ﷺ إلى مكةَ غازياً غزوةَ الفَتْحِ، ولا شكَّ في أنَّ موتَ عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ قبلَ ذلكَ. * * * ٢٤٩ - (٢) ثم قالَ اللهُ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. * رويَ عن الحسنِ أنّها نزلتْ في قومٍ بينَهم وبينَ النبيِّ ﷺ عهدٌ، وهم

стр. 1547

خُزاعَةُ، وبنو عبدِ الحارثِ بنِ عبدِ منافٍ (١). أمرَ اللهُ سبحانَهُ المؤمنينَ أن يُوفوا لهم بالعَدْلِ، وأَنْ يبرُّوهم. ورويَ عن مجاهدِ: إنما أريدَ بها الذين لم يُقاتلوا المؤمنين، وآمنوا، وأقاموا الصلاة بمكَّةَ، ولم يُهاجروا (٢). وذهبَ قومٌ إلى أنها منسوخةٌ (٣): فقيل: بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وقيل: بقوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآية. وقيل: بقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية. والقولُ بالنسخِ ضعيفٌ؛ لعدمِ التعارُضِ في الآيتينِ. والصحيحُ ما رويَ عن الحسنِ ومجاهدِ، وأحسنُهما قولُ الحسنِ؛ بدليلِ قوله تَعالى بعدَ ذلك: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [الممتحنة: ٩] وبدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧] وبدليل ما روينا في "الصحيحين": أَنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه - كسا

стр. 1548

أخاً له مُشْرِكاً بمكَّةً حُلَّةً أعطاهُ إياها رسولُ الله ﷺ (١) , وغيرِ ذلك من أدلةِ الكتابِ والسُّنَّةِ. * * * ٢٥٠ - ٢٥١ (٣ - ٤) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠) وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ [الممتحنة: ١٠، ١١]. * قال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تَعالى-: ذكرَ عدةٌ منْ أَهْلِ العلم بالمغازي: أنَّ رسولَ الله ﷺ هادَنَ قُريشاً عامَ الحُدَيْبِيَة على أن يؤمِّنَ بعضهم بَعْضاً، وأَنَّ مَنْ جاءَ من المسلمين مرتدًّا، لم يردُّوه عليهم، ومنْ جاء النبيَّ ﷺ بالمدينةِ منهم، رَدَّهُ عليهم، ولم يُعْطِهم أن يردَّ عليهم منْ خرجَ منهم مسلمًا إلى غيرِ المدينةِ من بلادِ الإِسلامِ أو الشركِ، وإن كانَ قادرًا عليه. قال: ولم يذكرْ أحدٌ منهم أنه أعطاهُم في مسلم غَيْرِ أَهْلِ مَكَّةَ شيئًا منْ هذا الشَّرْط، فذكروا أنه أنزلَ عليه في مهادنتهم: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] , فتمَّ الصلحُ بينَ النبيِّ ﷺ وبينَ أهلِ مكةَ على هذا، حتى جاءَتْهُ أُمُّ كُلثومٍ بنتُ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ مسلمةً مهاجرةَ، فنسخَ اللهُ الصلحَ في النِّساء، وأنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، الآية إلى قوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا

стр. 1549

أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠] يعني: المهرَ إذا كانوا أَعْطَوْهُنَّ إياه. قال: وجاء أَخَواها يطلبانِها، فمنعَها ﷺ منهُما، وأخبرَ أن الله ﵎ نقضَ الصُّلْحَ في النساء، وحكم فيهن غيرَ حكمِه في الرجال. قال: وإنما ذهبتُ إلى أن النساءَ كُنَّ في الصُّلحِ، وحكمَ فيهن بأنه لو لم يدخلْ رَدُّهُن في الصُّلح لم يُعْطَ أزواجُهن فيهن عِوَضًا. وزعمَ بعضُهم أن النساءَ لم يدخُلْنَ في الصُّلحِ، واحتجَّ بما رواهُ معمرٌ عنِ الزهريِّ أنه قالَ في هذهِ القصةِ: وقال سُهَيلٌ: على أَلاّ يأتِيَكَ مِنّا رجلٌ، وإن كانَ على دينِكَ إلَّا رَدَدَتْهَ علينا (١). فإن قلتُم: فهل يجوزُ للإمامِ اليومَ أن يعقدَ الصلحَ مع المشركينَ على ما عقدَ عليهِ النبي ﷺ عامَ الحديبيةِ منْ شرطِ رَدِّ المسلمينَ؟ قلتُ: أما شرطُ ردِّ المسلمات، فلا يجوزُ؛ لأنه منسوخٌ، والعملُ بالمنسوخِ غيرُ جائز (٢). وأما رَدُّ الرجالِ، فإن شرطَ، رُدَّ من لهُ عشيرة تمنع منه. فقال الشافعي وأصحابُه: إنه يجوزُ شرطُ رَدّهِ؛ لأنه يأمن على إظهارِ دينه، وإن لم تكنْ لهُ عشيرةٌ، فلا يجوز شرطُ ردّه، وإن أطلقَ العَقْدُ فلا يجوزُ؛ لأنه دخلَ (٣) فيه من يجوزُ رَدُّه ومَنْ لم (٤) يجوز (٥). وفي هذا التفصيلِ نظرٌ؛ لأن النبي ﷺ أطلقَ العقدَ، ولاشكَّ أن بمكةَ كثيرًا مِمَنْ لا يقدرُ على إظهارِ دينه، ولأنه كانَ في قريشٍ من يُفْتَنُ عن دينهِ،

стр. 1550

ويمنع مِنْ إظهارِه، وله عشيرةٌ، فقد صاحَ أبو جَنْدَلٍ بأعلى صَوْتهِ، وهو يَرْسُفُ (١) في الحديدِ: يا معشرَ المسلمين! أُرَدُّ إلى المشركينَ يفتنوني عن دِيني؟! فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "يا أبا جَنْدَلٍ اصبرْ واحتِسبْ؛ فإنَّ اللهَ جاعلٌ لكَ ولِمَنْ معكَ منَ المستضعفين فَرَجًا ومَخْرَجاً" (٢)، وردَّ النبيَّ ﷺ أبا بصيرٍ، ولم يكنْ له عشيرةٌ تمنعهُ، وقتلَ أحدَ الرجلينِ اللذَيْنِ جاءا إليه، فقال: يا رسولَ الله! قد وَفَّيْتَ لَهُم، ونَجّاني اللهُ منهم، فأفهمَه أنه رادُّه إليهم مَرَّةً أخرى إِنْ جاؤوا في طَلَبه، والغالبُ على الظنِّ أنهم يقتلونه إن استَردُّوه وظَفِروه، فلحقَ بالساحلِ، وقصتهُ مشهورةٌ (٣). ويحتمل أن يقالَ: لا يجوزُ؛ لأن الله سبحانَه جعلَ لنبيه ﷺ ما لَمْ يكنْ لغيرِه، وجعلَ صُلْحَ الحُديبية لهُ فتحاً مبينًا، أو لأنَّ النبيَّ ﷺ إنَّما فعلَ ذلكَ تَعْظيماً للمسجدِ الحرامِ؛ بدليلِ قوله ﷺ لَمّا حَبَسَ القَصْواءَ حابِسُ اللَّيلِ: "والله لا يَسْأَلونَني خِطَّةً يُعَظِّمونَ فيها حُرُماتِ اللهِ إلَّا أَجَبْتُهُمْ إليها" (٤). وبهذا قال مالك وأصحابُه، فلا يجوزُ عندَهم رَدُّ المسلمِ بحالٍ (٥). * ثم نَصَّ اللهُ سبحانَه على تحريمِهِنَّ على المشركينَ، وعلى تحريمِ المشركينَ عليهِنَّ، وهذا أَصرَحُ في التحريمِ من الذي في سورةِ البقرةِ.

стр. 1551

(من أحكام الطلاق) ٢٥٢ - (٥) ثم حَرَّمَ اللهُ على المسلمين استدامَةَ نِكاح الكَوافِرِ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾ [الممتحنة: ١٠]. * المُرادُ بهِ الكوافِرُ من نِساء مكةَ وما أَشْبَهَهُن من غيرِ أهلِ الكِتاب، فقيل: نزلتْ في عمرَ بنِ الخَطَّابِ، كانتْ له امرأتانِ بمكَّةَ، فطلقَهما يومئذٍ -يعني: حين نزلتْ هذه الآية-، وتزوجَ إحداهما معاويةُ، والأخرى صفوانُ بنُ أُمَيّة (١). فإن قلتَ: فمقتضى إطلاقِ النهي عنِ الإمساكِ أنَّ المرأةَ إذا كانتْ كافرة أن تقعَ فرقتُها على الفورِ كَما هو (٢) مُقْتضى النهي، وأنها لا تقعُ فرقتُها بالكفرِ، وإنما تقعُ بالتسريح كما فعل عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه -، فما الحكمُ في ذلكَ عندَ أهلِ العلم؟ قلتُ: أما الفورُ، فهو معتبر بالإجماع في حَق من لم يدخلْ بها، فمتى

стр. 1552

ما أسلمَ زوجُ المرأةِ التي لم يدخُلْ بها زوجُها، أو ارتدَّتْ، تعجلَتِ الفرقةُ اتفاقاً، ولا يفتقرُ إلى طلاقٍ (١). وفي اشتراطِ عرضِ الإِسلامِ عليها قَوْلان للمالكية (٢). وأَمَّا المدخولُ بها: فقال مالكٌ: إن لحقتْهُ في الإِسلامِ، دامَ نِكاحُها، وإن عرضَ عليها وأَبَتْ، وقعتِ الفرقةُ بينهما (٣). وقال الشافعيُّ: تقفُ الفرقةُ على انقضاءِ العِدَّةِ (٤)، وخَصَّصَ العُمومَ، واستدلَّ بأنَّ أبا سفيان بنَ حربٍ أسلمَ بِمَرِّ الظَّهرانِ، ورجعَ إلى مكةَ، وهندٌ بنتُ عتبةَ مقيمةٌ على الكُفر، فأخذتْ بلحيتِه، وقالَت: اقتُلوا الشيخَ الضالَّ، ثم أسلمتْ هندٌ بعدَ إسلامِ أبي سفيانَ بأيامٍ كثيرةٍ (٥). وكذا إذا ارتدَّت وكانَتْ مَدْخولاً بها، وقَّتَ الفرقةَ على انقضاءِ العِدَّةِ، وأخذَ اعتبارَ العِدَّةِ من دَلالةِ السنَّةِ، على عكسِ هذا الأصلِ، وهو إذا أسلمَتْ قبلَهُ، فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ، تَعَجَّلَتِ الفرقةُ بينَهما، وإن كانَ بعد الدخولِ، وقفت الفرقَةُ على انقضاء العِدَّة؛ لِما روى أهلُ العِلْم بالمغازي أَن ابنةَ الوليدِ بنِ المُغيرةِ أسلمَتْ قبلَ زوجِها صفوانَ بنِ أميةَ.

стр. 1553

قال ابنُ شهابٍ: وهربَ صفوانُ من الإِسلام، ثم جاءَ إلى النبيِّ ﷺ ، وشهدَ حُنينًا والطائفَ مُشْرِكًا. قال: وكان بينَ إسلامِ صفوانَ وبينَ امرأتِه نحو من شَهْرٍ (١). وكذلكَ أسلمَتْ أُمُّ حكيمٍ بنتُ الحارثِ بنِ هشامٍ، وكانتْ تحتَ عِكْرمَةَ بنِ أبي جَهْلٍ، وهربَ من بلادِ الإِسلام، ثم أتى النبي ﷺ ، فبايَعهُ، فثبتا على ذلك النكاحِ (٢). وكذلك حكيمُ بنُ حِزامٍ سبقتْهُ امرأته بالإِسلام. وغيرُهم (٣). قال ابنُ شهابٍ: ولم يبلغْنا أن امرأةً هاجرتْ إلى اللهِ ورسولهِ وزوجُها كافرٌ مقيم بدارِ الكفرِ إلا فَرَّقَتْ هجرتُها بينَها وبينَ زوجِها، إلا أن يقدمَ زوجُها مُهاجِراً قبلَ أن تنقضيَ عِدَّتُها (٤). وبهذا قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ (٥). * وقد عُلِمَ بهذا أنَّ الفرقةَ لا تقفُ على الطلاقِ، وإنما هذا فسخٌ للنكاح، فلا يجتمعُ مسلم وكافرةٌ على نِكاح إلا ما أحلَّه اللهُ تعالى وخصَّه من نِكَاحِ أهل الكتاب، فالنهيُ معناهُ الإعلامُ بحُرْمتِهنَّ، وقمعُ النفوسِ عن التعلُّق بنكاحهنَّ؛ بدليلِ قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].

стр. 1554

* وأوجب اللهُ سبحانَهُ على المسلمينَ أن يؤتوا المشركينَ ما أَنْفقوا من مُهورِ النساء، وجعلَ ذلكَ للمسلمينَ على المُشركين، كَما للمشركينَ على المسلمين، وجَعَلَ (١) ذلك حُكْمًا بينهم. قال الشافعيُّ -رحمَهُ الله تعالى-: وحكمَ لهم في مثل هذا المعنى حُكمًا ثابتاً، فقال: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾، كأنه -واللهُ أعلمُ- يريدُ: فلم يَعْفوا عنهم إذا لم يعفوا عنكم مهور نسائكم، ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١١] يعني: من مهورهن، إذا فاتت امرأةٌ مشركةٌ أتتنا مسلمة قدْ أعطاها مئةً من مَهْرها، وفاتت امرأة مسلمة إلى الكُفَّارِ، وقد أعطاها مئة، حُسِبَتْ مئةُ المسلمِ بمئةِ المُشركِ، فقيل: تلك العقوبة، ونكتبُ بذلك إلى أصحابِ عهودِ المشركين، حَتىّ يعطيَ المشركُ ما قَصَصْناهُ من مَهْرِ امرأتِه بالمُسْلِمِ الذي فاتتهُ امرأتُهُ إليهم، ليسَ له غيرُ ذلك (٢). واختلف قولُ الشافعيِّ هَلْ هذا الحكمُ عامٌّ أو خاصّ بصلحِ الحُدَيبية، فجعله في أَحَدِ قوليه عامّا؛ فإذا جاءتنا امرأة من دارِ الحربِ مهاجرةً قَدْ سَلَّمَ لها زوجُها مَهْرَها، وجبَ على الإمامِ أن يؤتيَ زوجَها ما أنفقَ إذا جاءنا طالباً ما أنفقَ. وجعلَه في القولِ الثاني خاصًّا بصلحِ الحُدَيبية؛ فإن الله سبحانَه جعلَه عِوَضاً لِما شُرِطَ من رَدِّ النِّساء، فلما رَدَّ اللهُ سبحانَهُ هذا، أوجب رَدَّ ما أَنْفَقوا في مهورهن (٣).

стр. 1555

وأما في زمانِنا، فلا يجبُ أن يُدْفَعَ إليهم شيءٌ, ولا يجبُ عليهم أن يَدْفعوا إلينا شيئًا، وهذا ما اختارهُ المزني (١)، وقال به مالكٌ (٢) - رحمَهُما اللهُ تعالى- * * *

стр. 1556

سورة الجمعة

стр. 1557

(من أحكام صلاة الجمعة) ٢٥٣ - (١) قوله ﷻ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. أقولُ: اشتملتْ هذهِ الآيةُ على جملتين: الجملة الأولى: الأمرُ بالسَّعْي عندَ النِّداءِ، والمرادُ بهِ التسبُّبُ والعملُ، لا السَّعْيُ على الأقدام، قالَ اللهُ ﵎: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ (١) [الليل: ٤]. وإن كانَ المشيُ على القدمينِ مستحباً، فالسعيُ عليهما مكروهٌ (٢)، روى أبو هُريرةَ -رضيَ الله تَعَالى عنه - قالَ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "إذا أُقُيمَتِ الصَّلاةُ، فَلا تَأتوها وأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتوها وَعَلَيْكُمُ السَّكينَةُ، فما أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فاتكمْ فَأَتِمُّوا؛ فإنَّ أَحَدَكمْ في صَلاةٍ ما دامَ يَعْمَدُ إلى الصَّلاةِ" (٣).

стр. 1558

* وقد اتفقَ الناسُ أن الأمرَ للوجوب على أعيانِ المؤمنين. ويروى عن مالِكِ -رحمَهُ اللهُ تَعالى- روايةٌ شاذَّة: أنَّ الجمعةَ مستحبّهٌ، وأن الأَمرَ على الاستِحْباب؛ تشبيهًا لها بصلاةِ العيدِ (١). ويروى عن بعضِ أهلِ العلمِ أنها فرضٌ على الكِفَايةِ (٢). * وقد اتفقَ أهلُ العلمِ على تَخْصيص هذا العُموِم، فأخرجَ منه المرأةُ والمريضُ. فأما المرأةُ؛ فإنا لأنها غيرُ داخلةِ في خِطابِ الذُّكورِ، أو لأنَّ النساءَ كُنَّ يتركْنَ الحضورَ في الصَّدْرِ الأولِ، ولم يُنْكَرْ عليهِنَّ. وأما المريضُ، فلكونهِ خارِجًا بعدَمِ استطاعةِ السعيِ (٣). * واختلفوا في المُسافِرِ والعبدِ، فذهب داودُ إلى وجوبِ الجُمعة عليهما؛ لظاهرِ الآيةِ (٤). وذهب الجمهورُ إلى عدمِ وجوبِها عليهما (٥)، واستدلوا بما رُوي عن النبيّ ﷺ : أنه قالَ: "الجُمُعَةُ حَقٌ واجِبٌ على كُل مسلمٍ، إلَّا على أَرْبَعَةٍ:

стр. 1559

عبدٍ مَمْلوكٍ، أو امرأةٍ، أو صَبِيٍّ، أو مريضٍ" (١)، وفي رواية أخرى: "إلَّا على خَمْسَةٍ" وفيه: "أو مسافر" (٢) ولكنَّ الحديثَ مرسَلٌ، قال البيهقيّ: ولكنه مرسلٌ جيدٌ، وله شواهِدُ يَقْوى بها (٣). * فإن قلتُم: قد قدمت صفةَ النداءِ ووقته العام، فمتى وقتُ هذا النداء. قلنا: وقته إذا جلسَ الإمامُ على المنبر. روينا في "صحيح البُخاريّ" عن السائبِ بنِ يزيدَ: أنَّه قال: كان النداءُ يومَ الجُمُعَةِ إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ على عهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعمر، فلما كانَ زمنُ عثمانَ، وكثرَ النَّاسُ، زادَ إليه الندا (٤) الثالثَ (٥). فإن قلتم: فإذا كانَ هذا وقتَ النداءِ الموجبِ للسعيِ، فيلزمُ ألاّ يجبَ السعيُ على منْ هوَ خارجَ البلدِ؛ إذ (٦) لا فائدةَ لسعيِه حينئذٍ؛ لفواتِ الصلاةِ عليهِ، ولا يجبُ السعيُ قبلَه لمفهومِ خطابِ الشرعِ. قلنا: قد قالَ قومٌ بأنهُ لا يجبُ عليهِ السعيُ. وقالَ الجمهورُ بوجوبه (٧).

стр. 1560

ثم اختلفَ هؤلاءِ: فمنهم من قال: يجب عليهِ إذا كانَ بحيثُ لو انصرفَ من الجمعةِ يؤُويه الليلُ إلى أهلِه، وبِه قِالَ الأوزاعيُّ عن معاويةَ (١). وروى ابنُ عمرَ أنَّه قال: إنَّما الغسلُ على من تجبُ عليهِ الجمعةُ، والجمعةُ على من يأتي أهلَهُ؛ أي: ليلاً (٢) (٣). واستدلُّوا بما رُوي: "الجُمُعَةُ على مَنْ آواهُ اللَّيْلُ إلى أَهْلِهِ" (٤)، أو كما قال. والأثَرُ ضعيفٌ (٥). ومنهم مَنْ قالَ: تجبُ عليهِ إذا كانَ على ثلاثَةِ أميالٍ، واستدلُّوا بأنَّ أصحابَ العَوالي كانوا يأتونَ الجُمُعَةَ في زَمَنِ النبيَّ ﷺ ، وذلكَ على ثلاثَةِ أميالٍ (٦). ومنهم من قال: تجبُ عليه إذا كانَ بحيثُ يسمعُ النِّداءَ، واستدلُّوا بما

стр. 1561

رُوي عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ: أنَّه قال: "إنَّما تجبُ الجُمُعَةُ عَلى مَنْ سَمِعَ النداءَ، فمن سمعَهُ، فلم يأتِه، فقد عَصى رَبَّهُ" (١) ورويَ عنهُ مرفوعاً إلى النبيِّ ﷺ : "الجُمُعَةُ عَلى مَنْ يَسْمَعُ النِّداءَ" (٢). وبالأخير قال الشافعيُّ (٣). وعن مالكٍ قولانِ كالأخيرينِ (٤). * ومفهومُ الخِطاب يقتضي أنَّه لا يَجِبُ السعيُ قبلَ النِّداءِ، وإذا لم يَجِبِ السعيُ، جازَ له أن يعملَ بما يُناقِضُ السَّعْيَ ويُبْطِلهُ مثلَ السفرِ إلى مَوْضِعٍ لا جُمُعَةَ فيه. وبهذا قالَ الشافعيُّ في أحدِ قولَيه (٥)، وهو مذهبُ عمرَ -رضي الله تعالى عنه- رُويَ عنهُ أنَّه أبصرَ رَجُلاً عليهِ أُهْبَةُ السفرِ يقولُ: لولا أنَّ اليومَ يومُ جُمعةٍ، لخرجتُ، فقال: اخرجْ؛ فإن الجمعةَ لا تحبِسُ عن سَفَرٍ (٦). وروى الزهريُّ مُرْسَلاً: أن النبيَّ ﷺ خرجَ لسفرٍ يومَ الجمعةِ منْ أولِ النهار (٧).

стр. 1562

ورويَ عن سعيدِ بنِ المُسَيِّبِ وعمرَ بنِ عبدِ العزيز: أنهُ لا يُنْشِئُهُ يومَ الجمعةِ حتَّى يُصَلِّيَها (١). ورويَ عن معاذِ بنِ جبلِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- ما دلَّ على ذلك، وبهِ قالَ الشافعيِّ في قولهِ الآخر (٢). فصل واعلموا -رحمكم اللهُ- أنَّ الجمعةَ وردَ بيانُ فعلِها من النَّبي ﷺ على هيئةِ مخصوصةِ مخالفةٍ لسائرِ الصلواتِ، فصلاها ركعتينِ، وخَطب فيها خطبتين قائمًا، وقعدَ بينَهما، وفعلَها في جماعةٍ، وفي مَحَلِّ استيطانِ، وفي مسجدِ واحدِ، وكان يتطَهَّرُ لها بالاغتسالِ، ويقرأُ فيها بشيءِ مخصوصٍ، وهو: الجمعةُ، والمنافقون، وسَبِّحْ، والغاشِية. ولما رأى أهلُ العلمِ والاستنباطِ أنَّ هذهِ الأفعالَ والأحوالَ المقترنةَ بهذه العبادةِ التي ظهرَ بقصدِ الشارع الاعتناءُ بها لها مناسبة بهذهِ العبادة، اعتبروها، واشترطوها في خصوصِ هذه العبادة، ولم يختلفوا إلَّا بحسبِ اختلافِهم فيما ظهرَ لهمْ بالدليلِ على أن قصدَ الشارع لم ينهضْ في ذلكَ سبباً للوجوب، وها أنا أتكلمُ في هذه الأمورِ بحسبِ ما يليقُ بكتابي هذا، ولا أُخليهِ عن ذلكَ؛ لعظمِ موقعِ الجمعةِ من دينِ اللهِ ﵎، فأقول: * أما الصلاةُ، فقد اتفقَ المسلمون على أَنَّها رَكْعتانِ. وأمَّا الخُطْبة: فقدِ اتفقَ جُمهورُ العلماءِ على أنها واجبة.

стр. 1563

وقَال قَليلٌ منهم: الخطبةُ سُنَّةٌ، وليستْ بواجبةِ كسائرِ المواعظِ، وبه قالُ ابن الماجشون المالكيُّ (١). وهو ضعيفٌ؛ لنقلِ الخلفِ عن السلفِ، ولأنها تخالفُ سائرَ المواعظِ؛ لترتيبِها، ولأنها داخلة في ذكرِ اللهِ سبحانَهُ الذي أمرَ بالسعيِ إليه (٢). ولهذا قال الشافعيُّ بوجوبِ الألفاظِ الراتبةِ في خطبةِ رسولِ اللهِ ﷺ ؛ من حَمْدِ اللهِ ﵎، والصَّلاةِ على نبيِّه محمدٍ ﷺ ، والوصيةِ بتقوى اللهِ تعالى، وقراءةِ القرآنِ، وبوجوبِ الجلوسِ بينَ الخطبتين (٣)، وإنْ خالفَهُ في ذلكَ مالكٌ (٤). * وأمَّا الجماعةُ فقدِ: اتفقوا على اشتراطِها. ولكن اختلفوا في أَقَلِّ الجمعِ بحسبِ اختلافِ أهلِ اللسانِ في ذلك، هل هو اثنان، أو ثلاثة. ثم اختلف هؤلاء هل الإمامُ في الاثنينِ أو الثلاثةِ، أو لا؟ فمنهم من قال: يكفي واحدٌ مع الإمام (٥).

стр. 1564

ومنهم من قال: لا بُدَّ من اثنين غيرِ الإمام (١). ومنهم من قالَ: لا بدَّ من ثلاثةٍ غيرِ الإمام، وهو قولُ أبي حنيفة (٢)، وربَّما استدلَّ بما رُوي مرفوعاً: "الجمعةُ واجبةٌ على كلِّ قريةٍ فيها إمامٌ، وإن لم يكونوا إلَّا أرَبعةً" (٣)، ولكنه ضعيفٌ لا يَصِحُّ (٤). ولما رأى الشافعيُّ ضعفَ هذا الاستدلالِ، تَمَسَّكَ بأقلِّ ما سمع، فقال: سمعتُ عدداً من أصحابِنا يقولون: تجبُ الجمعةُ على كُلِّ أهلِ دارِ مقامٍ إذا كانوا أربعينَ رَجُلًا، وكانوا أهلَ قريةِ، فقلنا به، وكان أقل ما علمناه قيل به، ولم يجزْ عندي أن أدعَ القولَ به، وقد روي حديثٌ لا يثبتهُ أهلُ الحديثِ أَنَّ النبيَّ ﷺ جَمَّعَ حينَ قدمَ المدينةَ بأربعينَ رجلًا (٥)، ولكنه يشهدُ له ما روى عبدُ الرحمنِ بنُ كعبِ بنِ مالكٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- قال: كنتُ قائداً أبي حين ذهبَ بصره، فإذا خرجْتُ به إلى (٦) الجُمعةِ، فسمع الأذانَ، صَلَّى على أبي أُمامَةَ أسعدَ بنِ زُرارةَ، واستغفرَ له، فقلتُ له: يا أبت! أَرَأَيتَ استغفارَكَ لأبي أُمامَةَ كلَّما سمعتَ الأَذانَ للجمعة، ما هو؟ فقال: أي بنيَّ!

стр. 1565

إنه كانَ أولَ من جَمَّعَ بنا في هَدْمٍ من حَرَّةِ بَني بياضَةَ يقالُ له: نقيع الخَضَمات، قال: قلت: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: أربعون رجلًا (١). فإن قيلَ: هذا يعارضُه ما قالَ الزهريُّ: كانَ مُصْعَبٌ بن عمير (٢) أولَ من جَمَّعَ الجمعةَ بالمدينةِ للمسلمينَ قبل أن يقدمَها رسولُ اللهِ ﷺ ، وأنه جَمَّعَ بهم وهم اثنا عَشَرَ رجلًا (٣). قلنا: لا يعارضُه، فقولُ عبدِ الرِحمنِ مُتَّصِل، وقولُ الزهريِّ منقطعٌ، كيفَ والجمع بينهما ممكنٌ؟ وذلكَ أن النقباءَ الذين بايعوا رسولَ اللهِ ﷺ البيعةَ الأولى كانوا اثني عَشَرَ نقيباً، منهم أسعدُ بنُ زُرارةَ، فطلبوا من النبيِّ ﷺ أن يبعثَ إليهم رجلًا من أصحابِه يُعَلِّمُهم القرآنَ، ويُفَقِّهُهم في الإسلام، ويَؤُمُّهم في صلاتِهم، فبعثَ إليهم مُصْعَباً، فالزهريُّ أضافَ التجميعَ إلى مُصْعَبٍ بمعونةِ النقباءِ، وكعب بنُ مالكٍ أضافَ التجميعَ إلى أسعدَ؛ لنزول مصعب عندَهُ أولاً، ولخروجِه إلى دُورِ الأنصارِ يدعوهم إلى الإسلام، فالزهري (٤) يريد عددَ النقباءِ الذين كانوا له ظَهْراً، وكعبٌ يريدُ عددَ مَنْ صَلَّى معه مِمَّنْ أسلمَ من أهلِ المدينة مع النقباء (٥).

стр. 1566

وبقولِ الشَّافعيِّ قالَ أحمدُ (١)، وهو قولُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ (٢). وأمَّا مالِكٌ، فلاحظَ المعنى، فلم يكتفِ بالأربعةِ، ولم يوجبِ الأربعين، بل اشترط جَمْعاً يمكنُ أن يتقرب بهم قربة اعتبارًا بمكانِ يجوز فيه الجمعةُ، وبمحلِّ استيطانِها (٣). * وأمَّا محلُّ الاستيطانِ: فقد اتفقَ عليه أهلُ العلمِ، والدليلُ عليه أنَّ النَّبي ﷺ جَمَّعَ بينَ الظُّهرِ والعَصْرِ يومَ عَرَفَةَ، ثم راح إلى الموقفِ، وكانَ ذلكَ يومَ جُمعة. قال الشَّافعي: وقد كانَتْ مِنًى ينزلُها الحاجُّ، ما علمتُ رسولَ اللهِ ﷺ ولا أَحَداً من الأَئِمَّةِ صلَّى بها جمعةَ قطُّ، وعرفةُ هكذا أيضاً، ما علمنا أَحَداً صَلَّى بها جمعةَ قَطُّ (٤). وزادَ أبو حنيفةَ فاشترطَ المِصْرَ والسُّلطانَ زيادةَ على الاستيطانِ (٥)، واستدل بما رُوي عن عَلِي -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: أنَّه قالَ: لا تشريقَ ولا جمعةَ إلَّا في مِصْر جامعِ (٦). * وأمَّا المسجدُ.

стр. 1567

فرآهُ مالِكٌ والشافعيُّ أشدَّ مناسبةً من المِصْرِ والسلطانِ (١)؛ لأنَّ المصرَ والسلطانَ غيرُ مناسبينِ لأحوالِ الصلاةِ؛ بخلافِ المسجِد، حتَّى اختلفَ أصحابُ مالكٍ في المسجدِ، هل يُشْتَرَطُ أن يكونَ راتِباً للجُمعة، وأن يكونَ مسقوفاً (٢). * وأمَّا اتِّخاذُ الجمعة: فاشترطه مالكٌ والشافعيُّ، ولستُ أعلمُ -وقتَ كتابي لهذا الكتابِ- مَنْ خالفَهُمَا ووافَقَهما. * وأمَّا الاغتسالُ: فذهبَ أهلُ الظاهرِ إلى وُجوبه (٣)، وهو مذهبٌ قويٌّ، وأحاديثُهُ صحيحةٌ، وتأويلُها صعبٌ، وما يُروى من قوله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَبِها ونِعْمَتْ، ومَنِ اغْتَسَلَ، فالغُسْلُ أَفضَلُ" (٤)، فضعيفٌ (٥). واستدلَّ الجمهورُ أيضاً بأنَّ عثمانَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- دخلَ، وعمرُ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهُ- يخطُب، فقال له عمرُ: أَيَّةُ ساعةٍ هذه؟ فقال: واللهِ

стр. 1568

ما زدت حينَ سمعتُ النداءَ على أنِ انقلبت فَتَوضأْتُ، ثمَّ جئتُ، فقال: والوضوءُ أيضاً، وقد علمتَ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كانَ يأمرُ بالغُسْلِ (١)؟! وهذا لا دليلَ فيهِ أَيْضاً؛ لأنَّ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- لم يُقِرَّهُ، بلْ أنكرَ عليهِ ولامَهُ، واحتجَّ عليهِ بأنَّ النَّبي ﷺ كانَ يأمرُ بالغُسْل. * وأمَّا القراءةُ: فتستحبُّ القراءةُ بما قرأَ بهِ رسولُ اللهِ ﷺ عند مالكٍ والشافعيِّ (٢). وجعلها أبو حنيفةَ كسائرِ الصَّلَواتِ (٣). الجملة الثَّانية: الأمرُ بتركِ البيعِ. وتركهُ واجبٌ، قال ابنُ عباس: يَحْرُمُ البيعُ حينئذٍ. وقال عَطاءٌ: تحرمُ الصناعاتُ كلُّها (٤). فإذا خالَفَ وباعَ، فقالَ قومٌ بفسخِ البيعِ (٥)، وقالَ قومٌ: لا يفسخُ (٦).

стр. 1569

ومستندُ القولَيْن أن النهيَ في الشيءِ الحلالِ هل يقتضي فَسادَ المنهيِّ عنه، أولاً؟ وفي ذلك خلافٌ بينَ أهلِ العلمِ بالنظرِ وشرائطِ الاستدلال. * * * ٢٥٤ - (٢) قوله ﷻ : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]. * أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالانتشارِ، والأمرُ إمّا محمولٌ على الإباحةِ، أو على الاستِحباب (١)؛ لما فيهِ من فَصْلِ النافلةِ عن الفريضةِ، وذلك مستحبٌّ (٢)؛ لمِا روينا في "صحيح مسلم" عن السائبِ بن يزيدَ قال: صليتُ معَ معاوية الجمعةَ في المَقْصورة، فلما سلمتُ قمتُ، من مَقامي فصليتُ، فلمَّا دخلَ، أرسلَ إليَّ فقالَ: لا تَعُدْ لِما فعلتَ، إذا صَلَّيْتَ الجمعةَ، فلا تَصِلْها بصلاةٍ حتَّى تتكلمَ أو تخرجَ؛ فإن نبيَّ اللهِ ﷺ أمرَنا بذلك أَلَّا نُوصِلَ صلاةً بصلاةٍ حتى نتكلمَ أو نخرجَ (٣). ورويَ عن ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في تطوُّعِ النبيِّ ﷺ قال: وكانَ لا يصلِّي بعدَ الجمعةِ حتَّى ينصرفَ، فيصلي رَكْعتين في بيته (٤). وأمَّا حملُه على الوجوبِ فلا يجوزُ؛ لِما رُوي: أن النبيَّ ﷺ جلسَ بعدَ الجمعةِ لوفدٍ قدموا عليه (٥).

стр. 1570

* وأمر اللهُ سبحانَه بالابتغاءِ منْ فَضْلِه، وهو التجارةُ، والأمرُ للإرشادِ (١)، ولا يجوزُ أن يُحْمَلَ على الوجوب؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ لمَ يَبْتع تِجارةً بعد مهاجَرِه إلى المدينة. * وأمرَ بذكرِه كثيرًا، فيحتملُ أن يكونَ أرادَ مطلقَ الذِّكْر (٢). ويحتملُ أن يكونَ أرادَ النافِلَةَ بعدَها (٣)، وقد بينَ ذلكَ النبيُّ ﷺ فقال: "إذا صَلَّى أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ، فَلْيصَل بَعْدَها أَرْبَعاً" (٤)، وفي رواية: "مَنْ كانَ منكُمْ مُصَلِّياً، فَلْيصَلِّ، بَعْدَ الجُمُعِةَ أربعاً"، أخرجَهُ مسلم في "صحيحه". * * * ٢٥٥ - (٣) قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]. * روينا في "صحيح مسلم": أنَّ النَّبي ﷺ كانَ يخطُبُ قائِماً يومَ الجمعةِ، فجاءت عِيرٌ منَ الشامِ، فانفتلَ النَّاسُ إليها حتَّى لم يبقَ إلَّا اثنا عَشَرَ رجلًا، فأنزلتْ هذه الآيةُ التي في الجُمعة: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٥) [الجمعة: ١١].

стр. 1571

قال الشافعيِّ: ولم أعلمْ مُخالفاً أنها نزلت في خُطْبَةِ النبيِّ ﷺ (١). فإن قلتَ: فقد روى البخاريُّ في "صحيحه" عن جابرِ بنِ عبد اللهِ -رضي الله تعالى عنهما- قالَ: بينما نحنُ نصلّي مع النَّبي ﷺ ، إذ أقبلتْ عِيرٌ تحملُ طَعاماً، فالتفتوا إليها، حتَّى ما بقيَ معَ رسولِ الله ﷺ إلَّا اثنا عَشَرَ رجلًا، فنزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٢) [الجمعة: ١١]. قلتُ: قولُ جابرٍ مُؤَوَّلٌ على أنَّه أرادَ بالصَّلاةِ الخُطْبَةَ، أو انقضاءَ الصلاةِ؛ بدليلِ قولهِ ﷺ : "فإن أَحَدَكُمْ في صَلاة ما دامَ يعمدُ إليها" (٣)، وهذا هوَ اللائق بحالِ الصَّحابَةِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- فإنهم لا يقطعونَ الصّلاةَ بعدَ الدخولِ فيها. وقال الفاسي (٤): ذَكَرَ أبو داودَ في "مراسيلِه": أنَّ خطبةَ النبيّ ﷺ هذه التي انْفَضُّوا منها إنَّما كانَتْ بعدَ صلاةِ الجمعةِ، وظنوا أنهم لا شيءَ عليهم في الانْفِضاضِ عن الخطبةِ، وأنه قبلَ هذهِ القصَّةِ إنَّما كان يُصَلِّي قبلَ الخُطبة (٥). قال القاضي عِياضٌ: وهذا أشبهُ بحالِ الصّحابة -رضي اللهُ تَعالى عنهم- والمَظْنون بهمَ أنهم ما كانوا يدعونَ الصلاةَ مع النبيّ ﷺ ، ولكنهم ظَنُّوا

стр. 1572

جوازَ الانصرافِ بعدَ انقضاءِ الصَّلاة، قال (١) وقد أنكرَ بعضُ العلماءِ كونَ النبيِّ ﷺ خطبَ بعدَ صلاةِ الجُمعة لها (٢). إذا علمتَ هذا ظهر لكَ من هذهِ القصة دلالة لمن يقولُ بانعِقاد الجمعةِ باثني عشرَ، وهي دلالةٌ قويَّةٌ، وجوابُ الشافعيِّ بأنه محمولٌ على أنهم رَجَعوا، أو رجعَ منهم تمامُ الأربعين دَعْوى لا برهانَ عليها. * وفي الآيةِ دلالة على أن النبيَّ ﷺ كان يخطُبُ قائماً (٣)، وهو كذلكَ؛ كما قدمتُهُ من تَخْريجِ "مسلم"، ولنقلِ الخَلَفِ عن السَّلَفِ، ولا خِلافَ فيه عندَ أهلِ العلمِ. دخل كَعْبُ بن عُجْرَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- المسجدَ، وعبدُ الرحمن بنُ أُمِّ الحَكَمِ يخطُبُ قاعداً، فقال: انظروا إلى هذا الخبيثِ يخطبُ قاعِداً، وقد قالَ اللهُ : ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ (٤) [الجمعة: ١١]! * * *

стр. 1573

سورة الطلاق

стр. 1574

(من أحكام الطلاق) ٢٥٦ - (١) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]. * أقولُ: خاطبَ اللهُ سبحانَهُ رسولَه ﷺ ، وأُمَّتُهُ مُرادةٌ معه، فأمرهم بطلاقِ النساءِ لِعِدَّتِهِنَّ، وبينَ النَّبي ﷺ أن عِدَّتَهنَّ هي الطهرُ (١). روينا في "الصحيحين" عن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أنَّه طَلَّقَ امرأَتَهُ وهي حائضٌ، فذكرَ ذلك عمرُ للنبيّ ﷺ ، فَتَغَيَّظَ رسولُ اللهِ ﷺ ، ثم قال: "فَلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتَّى تَطْهُرَ، ثمَّ تَحيضَ فَتَطْهُرَ، فإن بَدا لَهُ أن يُطَلِّقَها، فَلْيُطَلِّقْها طاهِراً قَبْلَ أَنْ يَمَسَّها، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي (٢) أَمَرَ اللهُ" (٣).

стр. 1575

* وقد أجمعَ أهلُ العلم على العملِ بهذا البيانِ، وقَسموا الطلاقَ إلى سُنَّةٍ وبِدْعَةٍ. فالسنَّةُ التي أمرَ اللهُ سبحانَهُ بها، وبيَّنَها رسولهُ ﷺ هو أن يُطَلِّقَها في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فيه. والبدعةُ أن يطلقها في الحَيْض، أو في طُهْر مَسَّها فيه، وهو حرامٌ (١)؛ لمخالفةِ أمرِ اللهِ سبحانهَ، ولقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق: ١]. ثم اختلفَ أهلُ العلمِ في شرطينِ لطلاقِ السُّنة: أحدهما: هل من شَرْطِه أن يقع الطلاقُ بعدَ نِكاحٍ أو رَجْعَةٍ؟ فلو طَلَّق في الطهرِ الثَّاني طلقةً ثانيةً من غيرِ أن يتقدمَها رجعة، فهو طلاقٌ لغيرِ السنَّة، أو لا؟ والثاني: هل من شرطهِ أن تقعَ تطليقةٌ واحدةٌ، وأمَّا الثلاث جملة فطلاق بدعة أو لا؟. وباشتراطِهما قالَ مالكٌ (٢)، وخالفَهُ في الأول أبو حنيفة (٣)، وخالفه فيهما الشافعيُّ (٤).

стр. 1576

فإن خالفَ الرجلُ وطلَّقَ امرأتَه لغيرِ عدَّتِها التي أمرَ اللهُ تَعالى أن يطلَّق لها النساءُ؛ بأن طَلَّقها في الحَيْض؛ كما فعلَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: فقالَ بعضُ أهل الظاهرِ: لا ينفذُ طلاقهُ (١)، وهو خَطَأٌ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أمرَهُ بالرَّجعة، ولا تكون الرجعةُ إلَّا بعدَ وقوعِ الطلاقِ. وفي بعض رواياتِ هذا الحديثِ عنِ ابنِ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما- قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة (٢). ثم قال سائرُ أهلِ العلم: يؤمَرُ بالرجعةِ كما أمرَ النبيّ ﷺ ابنَ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- إمّا وُجوباً، فإذا امتنعَ أجبَرهُ السُّلطانُ كما رآهُ مالكٌ (٣)، وإمّا استحباباً كما رآهُ أبو حنيفةَ، والشافعيّ، وأحمدُ (٤)، والثوريُّ (٥). وقولُ مالكٍ، أظهرُ، وقولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، أَقْيَسُ. ثم إذا امتثلَ وراجعَ فإلى مَتى يمتدُّ تحريم الطلاق؟ ذهب مالكٌ والشافعيُّ إلى أنَّه يمتدّ إلى أن تطهرَ ثم تحيضَ، ثم تطهرَ،

стр. 1577

ثم إن شاءَ طلَّق، وإن شاءَ أمسكَ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما - (١). وقال أبو حنيفةَ وسائرُ الكوفيين وبعضُ الشافعيةِ: إذا طَهُرَتْ من تلكَ الحيضةِ، فله أن يطلِّقَ إن شاء (٢)؛ لما روى يونسُ بنُ جبير قال: قلت لابن عمرَ: رجلُ (٣) طلقَ امرأتَه وهي حائض، قال: تعرفُ أنَّ ابن عمرَ طلقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فأتى عمر (٤) النَّبي ﷺ ، فذكر له ذلكَ، وأمرَهُ أن يراجعَها، فإذا طَهُرَتُ، فأرادَ أْن يطلِّقَها، فَلْيُطَلِّقها (٥). وكذا رواهُ أنسُ بن سيرينَ، وسعيدُ بنُ جُبيرِ، وزيدُ بنُ أسلمَ، وأبو الزُّبيرِ. فإن قلتَ: فإذا طلقها في طُهرِ مَسّها فيه، فهل يؤمَرُ بالرجعة؛ كما إذا طَلَّقها في الحيضِ؛ لأنَّه طلاقُ بدعة؟ قلت: لم يردْ فيه خبر، وأظنُّ مذهبَ مالكِ أنَّه لا يؤمرُ بالرجعة بالحيض (٦) (٧)، وظاهرُ مذهبِ الشَّافعي أنَّه يؤمرُ (٨).

стр. 1578

* وقد استنبطَ الفقهاءُ من أمرِ اللهِ سبحانَهُ بطلاقِ النساءِ لعدَّتِهن أن المرأةَ التي لا عِدَّةَ عليها إذا طُلِّقَتْ أنَّه لا حَرَجَ في طَلاقِها في حالِ الحَيْضِ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتطلَّقُ لَها، ولا تجبُ عليها عدَّةٌ فيطوَّل عليها (١)، والله أعلمُ. * وأمرنا اللهُ سبحانَهُ بإحصاءِ العِدَّةِ لِيُعْرَفَ الوقتُ الذي تجوزُ فيه الرجعةُ، والوقتُ الذي لا تَجوزُ فيه، وذلك حَتّى تنقضيَ عِدَّتُها (٢). * ثم نهانا اللهُ سبحانَهُ أن نخرجَهُنَّ من بيوتهنَّ اللاتي طُلِّقْنَ فيها، ونَهاهُنَّ أن يخرجْنَ، إلَّا أن يَأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنَةٍ، ومن زنا (٣) فإنَّها تخرجُ لإقامةِ الحَدِّ عليها (٤). وقال الشافعيِّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: الفاحشة أن تبدُوَ على أهلِ زَوْجِها، فيأتي من ذلكَ ما يُخاف منه الشِّقاقُ بينَها وبينَهم، فإذا فعلتْ، حَلَّ لهم إخراجُها (٥)، وكانَ عليهم أن يُنْزِلوها منزلاً آخر (٦)، وأسندَ ذلكَ إلى ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٧) -، واستدلَّ له بحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ

стр. 1579

الآتي قريباً -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-، وسيأتي الكلامُ عليه أيضاً -إنْ شاء الله تعالى-. * وأشارَ اللهُ سبحانَهُ إلى عِلَّةِ الحُكْم، وهو تَمامُ الِعشْرَةِ وبَقاءُ الزوجيَّةِ بينَهما بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أي: رجعةً. فإن قلتَ: فإذا كانتِ الرجعةُ عِلَّةً لإيجابِ السُّكنى، فهلاّ كانْت علَّة لتحريمِ إيقاعِ الثلاثِ جملةً؛ لِما فيهِ من تركِ الرجعة. قلنا: قد ذكرَ الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- هذه الشُّبْهَةَ، فقال للقائِل بها: فما تقولُ في المدخولِ بِها إذا أرادَ زوجُها أن يطلقها اثنتينِ، وهو يملكُ الرجعةَ؟ قال: هذا ليس بِسُنَّةٍ، قال: فيلزمُكَ أن تقولَ: سنةٌ؛ لأنَّه يملكُ الرجعة، قال: فما تقولُ في رجلٍ لم يبق له إلَّا واحدةٌ، وفي رجلٍ لم يدخلْ بامرأته؛ أيوقعَ هذان الطلاقانِ سنةً؟ قال: نعم، قال: فكيفَ يوقعُ سُنَّةً، وهو لا يملكُ الرجعة؟ (١) * * * ٢٥٧ - (٢) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. * أي: فإذا شارَفْنَ انقضاءَ الِعدَّةِ، فأردتم إمساكَهُن، فأمسكوهُنَّ بمعروفٍ، وهو ألَّا يقصدوا بالرجعة ضرارَهُنَّ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ أو ﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]،

стр. 1580

وهو تركُهُنَّ على التسريحِ من غيرِ أخذِ شيءٍ من أموالهنَّ ضِراراً لهُنَّ (١). * وأمرَ الله سبحانَهُ بالإشهاد في الرَّجْعَةِ والفِراق. وقد اتفقَ النَّاسُ على أنَّ الطلاقَ من غيرِ إشهادٍ جائزٌ (٢). وأمَّا الرجعةُ: فيحتملُ أن تكونَ في معنى الطلاق؛ لأنها قَرينَتُهُ، فلا يجبُ فيها الإشهادُ، ولأنها حَقٌّ للزوج، فلا يجبُ عليهِ الإشهادُ على قبضه. ويحتمل أن يجبَ الإشهادُ، وهو ظاهرُ الخِطاب. وبالأول قالَ مالكٌ، والشافعيُّ في الجديد (٣). وبوجوبِ الإشهادِ قالَ في القديمِ (٤)، وأجازه في روايةِ الربيعِ (٥). فمن أوجبَ الإشهادَ لزَم عندَه ألا تجوزَ الرجعةُ إلَّا بالقولِ، ولا تجوزَ بالفعلِ، ولزمَ عنده ألا تصحَّ بالكنايةِ؛ لأنَّ الشهودَ لا يَطَّلعِون على النِّيَّةِ. والذين لم يُوجِبوا الإشهادَ اختلفوا في جَوازِ الإمساكِ بالفعلِ: فقال الشافعيُّ: لا تَجوزُ الرجعة بالفعل (٦).
следующие страницы →