← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فإن خالفَ الرجلُ وطلَّقَ امرأتَه لغيرِ عدَّتِها التي أمرَ اللهُ تَعالى أن يطلَّق لها النساءُ؛ بأن طَلَّقها في الحَيْض؛ كما فعلَ ابنُ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: فقالَ بعضُ أهل الظاهرِ: لا ينفذُ طلاقهُ (١)، وهو خَطَأٌ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ أمرَهُ بالرَّجعة، ولا تكون الرجعةُ إلَّا بعدَ وقوعِ الطلاقِ. وفي بعض رواياتِ هذا الحديثِ عنِ ابنِ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما- قال: حُسِبَتْ عليَّ بتطليقة (٢). ثم قال سائرُ أهلِ العلم: يؤمَرُ بالرجعةِ كما أمرَ النبيّ ﷺ ابنَ عمرَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- إمّا وُجوباً، فإذا امتنعَ أجبَرهُ السُّلطانُ كما رآهُ مالكٌ (٣)، وإمّا استحباباً كما رآهُ أبو حنيفةَ، والشافعيّ، وأحمدُ (٤)، والثوريُّ (٥). وقولُ مالكٍ، أظهرُ، وقولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ، أَقْيَسُ. ثم إذا امتثلَ وراجعَ فإلى مَتى يمتدُّ تحريم الطلاق؟ ذهب مالكٌ والشافعيُّ إلى أنَّه يمتدّ إلى أن تطهرَ ثم تحيضَ، ثم تطهرَ،

стр. 1577

ثم إن شاءَ طلَّق، وإن شاءَ أمسكَ؛ لحديثِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما - (١). وقال أبو حنيفةَ وسائرُ الكوفيين وبعضُ الشافعيةِ: إذا طَهُرَتْ من تلكَ الحيضةِ، فله أن يطلِّقَ إن شاء (٢)؛ لما روى يونسُ بنُ جبير قال: قلت لابن عمرَ: رجلُ (٣) طلقَ امرأتَه وهي حائض، قال: تعرفُ أنَّ ابن عمرَ طلقَ امرأتَه وهي حائضٌ، فأتى عمر (٤) النَّبي ﷺ ، فذكر له ذلكَ، وأمرَهُ أن يراجعَها، فإذا طَهُرَتُ، فأرادَ أْن يطلِّقَها، فَلْيُطَلِّقها (٥). وكذا رواهُ أنسُ بن سيرينَ، وسعيدُ بنُ جُبيرِ، وزيدُ بنُ أسلمَ، وأبو الزُّبيرِ. فإن قلتَ: فإذا طلقها في طُهرِ مَسّها فيه، فهل يؤمَرُ بالرجعة؛ كما إذا طَلَّقها في الحيضِ؛ لأنَّه طلاقُ بدعة؟ قلت: لم يردْ فيه خبر، وأظنُّ مذهبَ مالكِ أنَّه لا يؤمرُ بالرجعة بالحيض (٦) (٧)، وظاهرُ مذهبِ الشَّافعي أنَّه يؤمرُ (٨).

стр. 1578

* وقد استنبطَ الفقهاءُ من أمرِ اللهِ سبحانَهُ بطلاقِ النساءِ لعدَّتِهن أن المرأةَ التي لا عِدَّةَ عليها إذا طُلِّقَتْ أنَّه لا حَرَجَ في طَلاقِها في حالِ الحَيْضِ؛ لأنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتطلَّقُ لَها، ولا تجبُ عليها عدَّةٌ فيطوَّل عليها (١)، والله أعلمُ. * وأمرنا اللهُ سبحانَهُ بإحصاءِ العِدَّةِ لِيُعْرَفَ الوقتُ الذي تجوزُ فيه الرجعةُ، والوقتُ الذي لا تَجوزُ فيه، وذلك حَتّى تنقضيَ عِدَّتُها (٢). * ثم نهانا اللهُ سبحانَهُ أن نخرجَهُنَّ من بيوتهنَّ اللاتي طُلِّقْنَ فيها، ونَهاهُنَّ أن يخرجْنَ، إلَّا أن يَأتينَ بفاحشةٍ مُبيِّنَةٍ، ومن زنا (٣) فإنَّها تخرجُ لإقامةِ الحَدِّ عليها (٤). وقال الشافعيِّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: الفاحشة أن تبدُوَ على أهلِ زَوْجِها، فيأتي من ذلكَ ما يُخاف منه الشِّقاقُ بينَها وبينَهم، فإذا فعلتْ، حَلَّ لهم إخراجُها (٥)، وكانَ عليهم أن يُنْزِلوها منزلاً آخر (٦)، وأسندَ ذلكَ إلى ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٧) -، واستدلَّ له بحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ

стр. 1579

الآتي قريباً -إنْ شاءَ اللهُ تعالى-، وسيأتي الكلامُ عليه أيضاً -إنْ شاء الله تعالى-. * وأشارَ اللهُ سبحانَهُ إلى عِلَّةِ الحُكْم، وهو تَمامُ الِعشْرَةِ وبَقاءُ الزوجيَّةِ بينَهما بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] أي: رجعةً. فإن قلتَ: فإذا كانتِ الرجعةُ عِلَّةً لإيجابِ السُّكنى، فهلاّ كانْت علَّة لتحريمِ إيقاعِ الثلاثِ جملةً؛ لِما فيهِ من تركِ الرجعة. قلنا: قد ذكرَ الشافعيِّ -رحمهُ اللهُ تعالى- هذه الشُّبْهَةَ، فقال للقائِل بها: فما تقولُ في المدخولِ بِها إذا أرادَ زوجُها أن يطلقها اثنتينِ، وهو يملكُ الرجعةَ؟ قال: هذا ليس بِسُنَّةٍ، قال: فيلزمُكَ أن تقولَ: سنةٌ؛ لأنَّه يملكُ الرجعة، قال: فما تقولُ في رجلٍ لم يبق له إلَّا واحدةٌ، وفي رجلٍ لم يدخلْ بامرأته؛ أيوقعَ هذان الطلاقانِ سنةً؟ قال: نعم، قال: فكيفَ يوقعُ سُنَّةً، وهو لا يملكُ الرجعة؟ (١) * * * ٢٥٧ - (٢) قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]. * أي: فإذا شارَفْنَ انقضاءَ الِعدَّةِ، فأردتم إمساكَهُن، فأمسكوهُنَّ بمعروفٍ، وهو ألَّا يقصدوا بالرجعة ضرارَهُنَّ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]؛ أو ﴿فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]،

стр. 1580

وهو تركُهُنَّ على التسريحِ من غيرِ أخذِ شيءٍ من أموالهنَّ ضِراراً لهُنَّ (١). * وأمرَ الله سبحانَهُ بالإشهاد في الرَّجْعَةِ والفِراق. وقد اتفقَ النَّاسُ على أنَّ الطلاقَ من غيرِ إشهادٍ جائزٌ (٢). وأمَّا الرجعةُ: فيحتملُ أن تكونَ في معنى الطلاق؛ لأنها قَرينَتُهُ، فلا يجبُ فيها الإشهادُ، ولأنها حَقٌّ للزوج، فلا يجبُ عليهِ الإشهادُ على قبضه. ويحتمل أن يجبَ الإشهادُ، وهو ظاهرُ الخِطاب. وبالأول قالَ مالكٌ، والشافعيُّ في الجديد (٣). وبوجوبِ الإشهادِ قالَ في القديمِ (٤)، وأجازه في روايةِ الربيعِ (٥). فمن أوجبَ الإشهادَ لزَم عندَه ألا تجوزَ الرجعةُ إلَّا بالقولِ، ولا تجوزَ بالفعلِ، ولزمَ عنده ألا تصحَّ بالكنايةِ؛ لأنَّ الشهودَ لا يَطَّلعِون على النِّيَّةِ. والذين لم يُوجِبوا الإشهادَ اختلفوا في جَوازِ الإمساكِ بالفعلِ: فقال الشافعيُّ: لا تَجوزُ الرجعة بالفعل (٦).

стр. 1581

وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: تجوزُ بالوَطْءِ. ثم اختلفا: فقالَ مالكٌ: لا تجوزُ الرجعةُ بالوَطْءِ إلَّا إذا نوى الرجعة (١). ولم يشترطْ أبو حنيفةَ ذلك (٢)؛ كالمظاهِر والمُؤْلي. * والقول الذي تَحْصُلُ به الرجعةُ عندَ منِ اشترطَ القولَ كُلُّ لفظٍ يدلُّ على الارتجاعِ؛ كقولكَ: راجَعْتك، وارتَجَعْتك، وَرَدَدْتُكِ إليَّ. وفي قوله: أمْسَكْتك، وَجْهانِ عندَ الشَّافعية: أحدهما: أنَّه كنايةٌ، فلا تصحُّ به الرجعةُ إلَّا بالنيَّةِ؛ لأنهُ يُستعملُ في الاستدامَةِ والبقاءِ على الحالةِ الأولى. والثاني: يصحُّ؛ لأنَّه عُرْفٌ في الإمساكِ وردَ بهِ القرآنُ، قال اللهُ تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ (٣) [الطلاق: ٢]. * وقَدَّرَ اللهُ سبحانَهُ نِصابَ الشَّهادَةِ في الطَّلاقِ والرَّجْعَةِ بشاهِدَيْن، وقِسْنا عليه كُلَّ أَمْرٍ ليس بمالٍ، ولا يقصدُ بهِ المالُ (٤). * * *

стр. 1582

٢٥٨ - (٣) قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٤]. معنى قوله تَعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: شَكَكْتُمْ في حُكْمِهِنَّ، لم تَعْلَموا عِدَّتَهُنَّ. وذلك أنهم سألوا، وقالوا: عَرَفْنا عِدَّةَ التي تَحيضُ، فما عدةُ التي لا تَحيضُ، والتي لم تَحِضْ بَعْدُ؟ فبينَ اللهُ سبحانَهُ ذلكَ بهذهِ الآيةِ، فواجب على الآيسَةِ ثلاثةُ أشهُرٍ، وكذا الصغيرةُ التي لم تَحِضْ. وعلى هذا أجمعَ المسلمونَ، حتَّى استنبطَ السَّلَفُ كابنِ عباسٍ، وجابرِ بنِ زيدٍ، والحَسَنِ، والشعبيِّ من مفهومِ هذا أنها إذا اعتَّدتْ بالأشهرِ حَتىّ شارَفَتِ انقضاءَها، ثم حاضَتْ، أنها تعتدُّ ثلاثةَ أقراء، فليست من اللائي لم يحضن (١). وبهذا قال كثيرٌ من الشافعيةِ، والأصحُّ عندهم أن تحسُب ما مَضَى قرءاً (٢). وهذا الحكمُ في حْقَّ الحُرَّةِ. وأمَّا الأَمَةُ: فمن يقولُ باندِراجِها في خِطاب الحُرَّةِ في عِدَّتِها، فهذا مثلُه (٣).

стр. 1583

ومن يقولُ بالتشطير هناك، فقد اختلفوا هنا على (١) ثلاثة أقوالٍ: فقال بعضُ الصحابِة: تعتدُّ بثلاثةِ أشهرٍ، وإليهِ ذهبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ (٢)، والشافعيُّ في القديم (٣)؛ لأنَّ الحَمْلَ لا يَتبَيَّنُ في أَقَلَّ من ثلاثةِ أشهر. وقالَ بعضُهم: تعتدُّ بشهرٍ ونصْفِ؛ كتشطيرِ الطلاقِ والحَدِّ، وبهِ قالَ الشافعيُّ في الجديد، وقالَ: إنه أَقْيَسُ، وإن كانَ الأولُ أَحْوَطَ (٤). وقالَ عمرُ: تعتدُّ بشهرينِ (٥)، وكأنَّهما عوضٌ من الحيضتينِ. وهو قولٌ أو وَجْهٌ للشَّافعيةِ (٦). وقد تقدمَ الكلامُ على ذواتِ الحَمْلِ، واللهُ أعلمُ. * * * ٢٥٩ - (٤) قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦].

стр. 1584

* اتفقَ أهلُ العلمِ على أنَّ الرجعيَّة (١) مُرادةٌ بالآية، وأنَّ الله سبحانَهُ أوجبِ لَها السُّكنى، وإذا وَجَبَتِ السُّكنى، وَجَبَتِ النفقةُ؛ لأنها تابعة للسُّكنى، وقد اتَّفقوا على ذلكَ أيضاً (٢). * وإنَّما اختلفوا في المَبْتُوتَةِ. فمنهم من لم يوجبْ لَها السُّكْنى، واستدلَّ بما رَوَتْ فاطمةُ بِنْتُ قيسٍ: أَنَّ أبا عَمْرِو بنَ حَفْصٍ طَلَّقَها أَلْبَتَّةَ، وهو غائبٌ، فأرسلَ إليها وكيلُه بشعير، فَسَخِطَتْهُ، فقال: واللهِ مالكِ علينا مِنْ شيءٍ، فجاءتْ رسولَ اللهِ ﷺ ، وذكرتْ له ذلكَ، فقالَ: "ليسَ لكِ عليهِ نَفَقَة"، وفي لفظ آخر: "ولا سُكْنى"، فأمرهَا أن تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قالَ: "تِلْكَ امرأةٌ يَغْشاها أَصْحابي، اعْتدِّي عندَ ابنِ أمِّ مكتومٍ؛ فإنهُ رَجُلٌ أعَمْى، تَضَعينَ ثِيابَكِ عنْدَهُ" (٣). وإذا لم تجبْ لها السُّكْنى، لم تجبْ لها النفقةُ. وبهذا قالَ أحمدُ (٤)، وداودُ (٥)، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ (٦). وذهبَ أبو حنيفةَ وموافقوه من الكوفيين إلى أنَّه يجبُ لَها السُّكنى والنفقةُ (٧). واستدلُّوا بِعُمومِ القرآنِ.

стр. 1585

وبما رُوي عَنْ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: أنَّه قالَ في حديثِ فاطمةَ هذا: لا نَدَع كِتابَ رَبِّنا، وفي بعضِ ألفاظِهِ: وسُنَّةَ نَبيِّنا لِقَوْلِ امرأةٍ جَهِلَتْ أو نَسِيْتَ (١)، ويريدُ بالسُّنَّةِ وجُوبَ النفقةِ حيثُ تَجِبُ السكنى. وبما رُوي عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: أنها قالت: ما لِفاطمةَ لا تتَّقي الله؟ يعني: في قولها: لا سُكْنى ولا نفقةَ (٢). وقال عروةُ بنُ الزُّبير لعائشةَ: ألمْ تَرَيْ إلى فُلانةَ بنتِ الحَكَمِ طَلَّقَها زَوْجُها أَلْبَتَّةَ، فخرجَتْ؟ فقالَتْ: بئْسَما صَنَعَتْ، قال: ألمْ تسمعي قولَ فاطمةَ؟ قالتْ: أَما إِنَّه ليسَ لَها خيرٌ في ذِكْرِ هذا الحديث (٣). ولما رأى مالِكٌ والشافعيُّ معارَضَةَ الصحابِة -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- لحديثِ فاطمةَ بنتِ قَيْسٍ إِمَّا بالرَّد كَما فعلَ عمرُ، وإمَّا بالتأويل؛ فإنه إنَّما رَخَّصَ لها لاستطالتَها على حَماتها، وبذاءةِ لِسانِها كما قالَ ابنُ عباسٍ، أو أنَّه إنَّما رَخَّصَ لها في الخروج منْ منزلها؛ لأنها كانَتْ في مكانٍ وَحْشٍ، فخيفَ على ناحيتها كما قالَتْ عائشةُ، معَ معارَضَةِ عُمومِ الكتابِ لهُ، وقيامِ الاستدلالِ بأن النبيَّ ﷺ لم يَدَعْها تَذْهَبُ حَيْثُ شاءَتْ، وإنَّما نَقَلَها إلى منزلٍ آخرَ لأحدِ الأمرينِ، إما البذاءة، وإما الاستيحاش، فحينئذٍ عَمِلا بِدَلالةِ الكِتابِ نُطْقاً، ومفهومِه، فأوجبا لها السُّكنى؛ لعموم الآيةِ، ولم يوجِبا لها النفقة (٤)؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فلم يوجبِ النفقةَ إلَّا للحواملِ، فأفهمَ أن غيرَ

стр. 1586

الحواملِ لا نفقةَ لهنَّ، حتَّى الرجعيةُ، ولكنه خرجَ من عموم هذا المفهومِ الرجعيةُ بالإِجماع، وأكدَ دلالةَ قولِه ﷺ : "ليسَ لك عليهِ نَفَقَةٌ". وأجمعوا على أن الحاملَ تستحقُّ النفقة حتَّى تَضَعَ حَمْلَها على كلِّ حال، وإذا وجبتْ لها النفقةُ، فقدْ وجبتْ لها السُّكْنى؛ لأنَّ النفقةَ تابعةٌ للسُّكْنى، والتابعُ يستلزمُ وجودَ المَتْبوعِ (١). ثم اختلفَ قولُ الشافعيِّ هَلِ النفقةُ للحَمْلِ؛ لأنَّ المطلقةَ البائنَ لا تستحقُّ نفقةً، أو للحاملِ بسببِ الحَمْل؛ لإضافةِ الوجوبِ إليها؟ وهذا هو الراجحُ من قوله (٢). * إذا تَمَّ هذا، وعلمتم أن عِدَّة الحوامِل أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، سواءٌ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ، أو مُتَوَفى عنهن؛ كما تقدمَ بيان ذلكَ في "سورةِ البقرةِ"، وأنَّ الحوامِلَ يستحققْنَ النفقةَ، فهل استِحْقاقُهُنَّ على كُلِّ حالٍ، سواءٌ كُنَّ مُطَلَّقاتٍ أو مُتَوَفى عنهن، كَما أنَّ هذا حُكْمُهُنَّ في العِدَّةِ؛ تقديماً لعمومِ هذهِ الآيةِ على عُمومِ آيةِ البقرةِ، فكذلك يطلَقُ عُموم هذهِ الآيةِ في الحواملِ، فيجب في الحاملِ المُتَوَفَّى عنها النفقةُ حَتَّى تضعَ، أو أَنَّه خاصٌّ بالمطلقة؟ قلنا فيه للسلفِ مذهبان: أحدهما: التعميمُ؛ لهذهِ الآيةِ وإيجاب النفقةِ للحاملِ المتوفَّى عنها، ويروى عن عَلِيٍّ، وابنِ عمرَ، وشُرَيْحٍ، والشعبيِّ، والنَّخَعِيِّ، وابنِ سيرينَ، والثوريِّ (٣).

стр. 1587

والثاني: التخصيصُ بالمطلقةِ، وتسقطُ نفقةُ الحاملِ المتوفَّى عنها كَما يسقطُ سائرُ النفقاتِ بالموت، ولأنَّ اللهَ سبحانَهُ قد نسخَ المَتاع إلى الحَوْل في حَقِّ الحائِل، فيتبعُها الحامِلُ، ويروى هذا القولُ عن جابرٍ، وابن عباسٍ، وابن المسيِّبِ، وعطاءٍ، وحَسَنٍ (١)، وبه قال الفقهاءُ الأربعةُ (٢)، وإسحاقُ (٣). * وجعل الله سبحانَهُ السُّكنى معتبرةً بوُجْدانِ الأزواجِ، فيجبُ على الأزواجِ أن يُسْكِنَّ المرأةَ على قَدْرِ سعته منزلاً يليقُ بِحالها؛ لأنَّه منَ الإمساكِ بالمعروفِ (٤). * وأوجَبَ اللهُ للوالدات المطلقاتِ إيتاءَ الأجورِ على أبِ الطفلِ إذا أرضَعَتْ له الأمّ ولدَها، وإطلاقُ الآيةِ يتناولُ ما إذا كانَ معَ الأبِ مَنْ يرضِعُهُ لَهُ بغيرِ أجرةٍ، فالأجرةُ واجبةٌ للأمِّ، وهو كذلكَ (٥). وفي وَجْهٍ للشَّافعيةِ لا تَجِبُ لَها على الأبِ في هذهِ الحالِ أجرةٌ (٦)، وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ اللهَ سبحانَهُ أطلق لها الاستحقاقَ، ولم يُجَوِّزِ الانتقالَ إلى الأخرى إلَّا عندَ التَّعاسُرِ؛ بأنْ تطلُبَ أكثرَ منْ أُجْرَةِ المثل، ولأنَّ الأمَّ بطفلِها أرفقُ وأشفقُ. وقَدْ تقدَّم الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ إلى آخر الآية. * * *

стр. 1588

سورة التحريم

стр. 1589

(من أحكام الأيمان) ٢٦٠ - ٢٦١ (١ - ٢) قوله تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ وَاللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ [التحريم: ١ - ٢]. * أقول: الكلامُ في هذهِ الآيةِ صَعْبٌ شديدٌ، ولهذا اختلفَ الصَّدْرُ الأولُ في هذهِ المسألةِ على بِضْعَةَ عَشَرَ قولاً، وهي تَتَّضِحُ -إنْ شاءَ اللهُ تَعالى- بالكلامِ في أمرينِ: الأمر الأول: سببُ نزولِ هذه الآية. فالذي ذهبَ إليهِ أهلُ التفسيرِ، واشْتُهِرَ عندَهُم أَنَّها نزلَتْ في مارِيَةَ جاريةِ النبيّ ﷺ . يروى أن النبيَّ ﷺ دخلَ على حَفْصَةَ في يومِ نَوْبَتِها، فخرجت لبعضِ شَأْنِها، فأرسلَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى ماريَةَ، وأدخَلَها بيتَ حَفْصَةَ، وواقَعَها، فلما رَجَعَتْ حَفْصَةُ، علمتْ بذلك، فغضبتْ، وبكتْ، وقالتْ: مالِي حُرْمَةٌ وحقٌّ عندكَ؟ فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "اسْكُتي، فَهِيَ حَرامٌ عَلَيَّ"، فأنزلَ اللهُ تَعالى هذهِ الآيةَ (١). والذي ذَهَبَ إليهِ أهلُ الحديثِ أَنَّها نَزَلَتْ في تركِه لِشُرْبِ العسل.

стр. 1590

روينا في "الصحيحين" عن عطاءٍ أَنَّه سمعَ عُبَيْدَ بنَ عُمَيْرٍ يقولُ: سَمِعْتُ عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- تقولُ: إن النَّبي ﷺ كانَ يمكُثُ عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ويشربُ عندَها عَسَلاً، فتواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنا دخلَ عليها النَّبي ﷺ ، فَلْتَقُلْ: إنِّي أجدُ منكَ ريحَ مَغافيرَ، هلْ أكلتَ مغافيرَ؟ (١) فدخلَ على إحداهُما، فقالتْ له ذلكَ، فقالَ: "لا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلاً عِنْدَ زَينبَ بنْتِ جَحْشٍ، ولَنْ أعودَ لَهُ"، فنزلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (٢) [التحريم: ١]. وفي بعضِ ألفاظ البُخاريّ: "ولكنِّي شربْتُ عَسَلاً عندَ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ولَنْ أعودَ لَهُ، وقدْ حَلَفْتُ لا تُخْبري بِذلِكَ أحدًا" (٣). قال بعضُ أهلِ العلمِ بالحديثِ: والصحيحُ في نزولِ هذهِ الآية أَنَّها في قِصَّةِ العَسَلِ، لا في قِصَّةِ مارِيَةَ، فلمْ تأتِ قِصَّةُ ماريةَ -رضيَ اللهُ تُعالى عنها - من طريقٍ صَحيح (٤). الأمر الثَّاني: هل التحريمُ الذي فرضَ اللهُ سبحانَهُ تَحِلَّتَهُ يمين، أو ليسَ بيمينٍ، وإنَّما صدرَ من النبيِّ ﷺ مطلَقُ التحريمِ؟

стр. 1591

الظاهرُ مِنَ القرآن أَنَّه لمْ يصدُرْ منَ النبيِّ ﷺ يمينٌ، وإنَّما جَعَلَه اللهُ سبحانَه يَميناً؛ لما فيهِ منَ الامتناعِ والحَثِّ على التَّرْكِ. روى سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ عنِ ابنِ عباس -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- أنهُ قالَ في الحَرام: يمينٌ يُكفِّرُها، لقدْ كانَ لكمْ في رسولِ اللهِ أُسوِةٌ حسنةٌ، يعني النبيَّ ﷺ ، كانَ حَرَّمَ جاريتَه، قال الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] فَكَفَّرَ عن يمينهِ، وَصَيَّرَ الحَرام يميناً (١). وروي عن عُمَرَ وعائِشَةَ أنهما قالا في الحَرامِ: يمينٌ يُكَفِّرُها (٢). وقال قومٌ: آلى النبيُّ ﷺ ، وَحرَّمَ (٣). قالَ قتادةُ: هو أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لحفصَةَ: "اسكُتي، فواللهِ لا أَقْرَبُها، وهيَ عَلَيَّ حَرامٌ (٤). وكذا قالَ زيدُ بنُ أسلمَ من أنَّ النَّبي ﷺ حَرَّمَ أُمَّ إبراهيمَ، قال: "أنتِ عَلَيَّ حَرامٌ، والله، لا أَمَسُّكِ" (٥)، (فأنزلَ اللهُ في ذلك). وقال مسروقٌ: آلى النبيُّ ﷺ ، وحَرَّمَ، فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ

стр. 1592

تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، فجعلَ الحَرام حَلالاً، وجعلَ في اليمين كَفَّارَةً (١) (٢). إذا تقررَ هذا، فالذين قالوا: إنَّ التحريمَ يمينٌ بكلِّ حالٍ، ولم يذكروا عن النَّبي ﷺ يميناً غيرَ التحريم، أَوْجَبوا فيه كفارةَ يمينٍ بكلِّ حالٍ، وإن نَوى الطلاقَ، أو الظِّهارَ أو التحريم، فلا شيءَ إلَّا كفارَةُ يمينٍ. وهو ظاهِرُ القرآنِ، وهذا مذهبُ ابنِ عباسٍ وجماعَةٍ من التّابعين. روينا في "صحيح البخاري" عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ أَنَّه سمعَ ابنَ عباسٍ يقولُ: إذا حَرَّمَ امرأته، ليسَ بشيء، وقالَ: لقدْ كانَ لكمْ في رَسولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ (٣). وفي "صحيحِ مسلم" عن ابن عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- قال: إذا حَرَّمَ الرجلُ امرأتهُ فهيَ يمين يُكَفِّرُها (٤). والذين قالوا: صدرَ منهُ يمين كما وردَ في بعضِ ألفاظِ البُخاري، اختلفوا. فمنهم من رآه كَذِباً، فهو كتحريمِ الماءِ، فلا شيءَ عليهِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧].

стр. 1593

وبهذا قالَ مسروقٌ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحمن، والشعبيُّ (١). ومن أهلِ العلمِ من شَبَّهَهُ بالظِّهارِ؛ لِما فيه من المُنْكَرِ وقولِ الزُّورِ والعَوْدِ إلى ما قالَ وهو قولُ إسحاقَ بنِ راهويه (٢). وذهبَ الجُمهور من أهلِ العلمِ إلى أنَّه لفظٌ صريحٌ في التحريمِ مصروفٌ (٣) بالنيةِ إلى وجوهِ التحريمِ من البَيْنونَةِ والطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ والظِّهارِ والامتناعِ باليمين، فحينئذ اختلفَتْ بهمُ الطرقُ: فذهبَ مالكٌ إلى أنَّه يقعُ بهِ ثلاثُ طلقاتٍ، سواءٌ كانَتِ المرأةُ مَدْخولاً بها، أم لا، لكن إن نوى أقلَّ من الثلاثِ في غيرِ المَدْخولِ بها قُبِلَ؛ لحصولِ البينونة (٤). ويروى هذا القولُ عن عَلِي، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وبهِ قالَ الحَسَنُ، والحَكَمُ (٥). وهذا من مالِكٍ على أصلهِ في الكناية الظاهرة؛ كقوله: حَبْلُكِ على غاِربِكِ، وأنتِ خَلِيَّةٌ؛ فإنَّه لا يقبلُ دعوى الزوجِ فيما دونَ الثلاثِ في المدخول بِها، ويقبلُ دعواهُ في غيرِ المدخول بها. وقيل: لا تقبلُ الدَّعوى سواءٌ كانتِ الزوجةُ مَدْخولاً بها، أم لا. وهو قولُ عبدِ الملكِ بنِ الماجشون، ويروى عنِ ابنِ أبي ليلى،

стр. 1594

ويروى عنهُ مثلُ قولِ مالِكٍ الأَوَّلِ (١). وقيل: يقعُ به في المدخولِ بها ثلاثٌ، وفي غيرِ المدخولِ بها واحدةٌ، وبه قال أبو مُصْعَبٍ، ومحمدُ بنُ الحَكَم المالكيان (٢)، ونُقِلَ عن مالكٍ قولٌ أنَّه يقعُ به طلقة واحدةٌ بائنةٌ سواءٌ المدخولُ بها وغيرُها (٣)، وهو ضعيفٌ مخُالِفٌ لقواعدِه؛ فإنَّه إنَّما ذهبَ إلى إيقاعِ الثلاثِ في الكناية الظاهرة، وإن كانَ لا يوقعُ الثلاثَ باللفظِ الصريحِ؛ لأنَّ الظاهرَ من هذهِ الألفاظِ البَيْنُونة، والبينونةُ لا تحصلُ إلَّا بالثلاثِ، أو بعِوَضٍ، ولم يكنْ هناك عِوَضٌ، فتعينَ الثلاثُ، وأمَّا البينونةُ بطلقةٍ واحدةٍ بغيرِ عِوَضٍ، فغيرُ معروفٍ في الشرع. وقال عبدُ العزيز بنُ سَلَمَةَ المالكي: تقعُ بهِ طلقة رجعيةُ (٤)، وهو مخالفٌ لمذهبِ مالكٍ في الكنايةِ الظاهرة. وذهب أبو حنيفةَ إلى أَنَّه إن نَوى الطلاقَ، وقعتْ طلقة واحدةٌ، بائنةٌ، وكذا إن نَوى ثلاثاً أو اثنتين، فلا تقعُ إلَّا واحدةٌ (٥)، وهذا على أصله أَنَّ الطلاقَ بالكِناية لا يقعُ إلَّا بالنيَّةِ، وأنه إذا نَوى العددَ بالطَّلْقَةِ الواحدةِ، فلا يفيد العدد. وأمَّا كونُها بائنةً، فلأنّ المرادَ بهذا اللفظ قطعُ العصمة، وقطعُها لا يحصُل إلَّا بالبينونة، ولم تكن ثلاثَ تطليقاتٍ، ولا اللفظُ يصلحُ للثلاثِ عنده، فجعله طلقةً بائنةً، وإن لم ينوِ شيئاً، فهو يمين، وإن نَوى الكَذِبَ، فَلَغْوٌ.

стр. 1595

وقالَ زُفَرُ مثلَ هذا القول، إلَّا أنَّه إنْ نَوى اثنتين، وقعتا (١). وذهبَ الشافعيُّ إلى أنَّه إن نوى الطلاقَ، كانَ طلاقاً، فإن نوى واحدةً، فواحدةً، وإن نَوى اثنتين أو ثَلاثاً، فما نوى، وإن نوى الظِّهارَ، كانَ ظهارًا؛ لانصراف الكنايات بالنية، ولأن أصلَه أنَّ اللفظَ في صريحِ الطلاقِ وكنايتهِ يقعُ للواحدةِ وللاثنتينِ وللثلاثِ بالنيَّة، بدليلِ حديثِ رُكانَةَ المشهورِ. وإن نوى تحريمَ عَيْنِها بغير طَلاقٍ ولا ظِهارٍ، لزمَهُ بنفسِ اللفظِ كفارةُ يميني كَما هو ظاهرُ القرآن، وإن لم يَنْوِ شيئًا، ففيه قولان: أظهرهما (٢): أن عليه كَفَّارةَ يمين. والثاني: قولُه لغوٌ لا شيءَ فيهِ (٣). ويروى مثلُ قوله عن أبي بكرٍ، وعمرَ، وغيرِهما من الصحابةِ والتابعينَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- (٤). وذهب الثوريُّ إلى أنَّه إن نَوى الطلاقَ، فطلاقٌ، وإن نوى واحدة أو عددًا، فما (٥) نوى، أو يَميناً، فهو ما نوى (٦)، وإلَّا، فلغوٌ؛ كأحدِ قولَي الشَّافعيِّ (٧). وذهبَ الأوزاعيُّ إلى مثلِ قولِ الثوريِّ، إلَّا أنَّه قال: إذا لم ينوِ شيئًا،

стр. 1596

لزمَهُ كفارَةُ يمينٍ، وهو كأحدِ قولَي الشَّافعيِّ أيضاً -رحمهم اللهُ تعالى- (١). * فإن قلتَ: هذا الذي شرحتَه في الزوجة، فما حكمُ الأَمَةِ إذا قال: هيَ عَلَيَّ حَرامٌ كَما ورد ذلك في مارية. قلتُ: ذهبَ الشافعيِّ إلى أنَّه إن نوى عتقَها، عتقَتْ، وإن نوى تحريمَ عينها، لزمَهُ كفارَةُ يمينٍ، وإن لم ينوِ شيئًا، وجب كفارَةُ يمينٍ، على الصَّحيح (٢). وقال مالك: هذا في الأَمَةِ لَغْوٌ لا يترتَّبُ عليه شيءٌ (٣). وفي هذا ضَعْفٌ لإخراجِهِ السَّبَبَ عن الحُكْمِ، إلَّا أن يكونَ مذهبُه أنَّ النبيَّ ﷺ آلى كما قالَهُ بَعْضُ مَنْ قَدَّمْتُ ذكرَهُ. وقالَ عامَّةُ أهلِ العلمِ: عليه كفارةُ يمينٍ بنفسِ التحريمِ؛ لظاهرِ القرآنِ (٤). ولكن قالَ أبو حنيفةَ: يحرُمُ عليهِ ما حَرَّمَهُ من أَمَةِ وطعامٍ وغيرِهِ، ولا شيءَ عليه حَتَّى يتناوله، فيلزمُهُ حينئذٍ كفارةُ يمينِ (٥). وذهبَ مالكٌ والشافعيُّ والجُمهورُ إلى أنَّه لَغْوٌ في غيرِ الزَّوجةِ

стр. 1597

والأَمَةِ (١)، والدليلُ عليه ما رُوي أن النبيَّ ﷺ مَرَّ بأبي إسرائيل وهو قائِمٌ في الشَّمسِ، فسألَ عنهُ، فقالوا: هذا أبو إسرائيلَ نذرَ أن يقومَ ولا يقعدَ، ولا يستظِلَّ ولا يتكلَّمَ، ويصومَ ولا يفطر، فقال: "مُروهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، ولْيَسْتَظِلَّ، ولْيَقْعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ" (٢)، ولم يأمرْهُ بكَفَّارَةٍ. * * *

стр. 1598

سورة المزمل

стр. 1599

(من أحكام قيام الليل) ٢٦٣ - ٢٦٢ (١ - ٤) قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٤]. * أمر اللهُ نبيَّه مُحَمَّداً ﷺ بقيامِ الليلِ إلَّا قليلاً منهُ، ثم بَيَّنَ القَدْرَ المأمورَ بهِ الذي اسْتبهَمَ لدخولِ الاستثناءِ، فقال: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٣ - ٤] فيكونُ المأمورُ به إما النِّصْفُّ، أو الثلثُ، أو الثُّلُثانِ، على وَجْهِ التخيير لَه ﷺ . فإن قلتَ: فهل المُبَيَّنُ المستثنى أو المستثنى منه؟ قلت: الحكمُ واحدٌ، سواءٌ جعلْنا التبيينَ للمستثنى منه، أو للمستثنى؛ للتلازمِ الذي بين المستثنى والمستثنى منه، ولكنه لا يجوز صرف البدلِ والبيانِ إلَّا إلى المستثنى منه؛ لأنَّه الفعل المأمورُ بهِ، وقد أمرَ اللهُ سبحانَهُ بالزيادةِ عليه، والنُّقصانِ منه، وأمَّا المستثنى، فإنه تركُ القيامِ، والتركُ ليسَ بمأمورٍ به؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. وهذا الأمرُ كانَ في صَدْرِ الإسلام، وكان رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه يقومون الليلَ حتَّى انتفخَتْ أقدامُهُم (١).

стр. 1600

* والمتعلِّقُ بهذهِ الأُمَّةِ من الأحكامِ خمسةٌ: الأول: الأمرُ هل هو للوُجوبِ أو الندبِ؟ ذهبَ أكثرُ أهلِ العلمِ أو عامَّتُهم إلى أنهُ للوجوبِ والحَتْمِ. وقالَ مَنْ لا يُعْتَدُّ بقوله: إنه للندب. وهو باطلٌ لا دليلَ عليه، بل الدليل واجبٌ على أنَّه للوجوبِ، وهو قولُه تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولا تكونُ التوبةُ والتخفيفُ إلَّا مِنْ واجِبٍ (١). الحكم الثَّاني: هل هذا الحكمُ خاصٌّ بالنبيِّ ﷺ ، أو شاملٌ لأمتَّهِ معه؟ فذهب أكثرُهُم أو عامَّتُهم إلى دخولِ أمتهِ في هذا الخِطاب (٢)؛ بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: ٢٠]، وبدليل قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]. وذهبَ مَنْ لا يُعْتَدُّ بقولهِ إلى خُروج أُمَّتِهِ منْ هذا الخِطاب (٣)، وهو باطلٌ، لِما ذكرتُه.

стр. 1601

الحكم الثالث: أجمعَ أهلُ العلم على أنَّ هذا الحكمَ منسوخٌ (١) في حَقِّ أُمَّتِهِ ﷺ بقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]. قال ابنُ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما:- كانَ بينَ أَوَّلِ المُزَّمِّلِ وآخرِها قريبٌ من سنَةٍ (٢). ثمّ يحتملُ أن يكونَ الناسخُ الذي أُمروا به، وهو ما تيَسَّرَ من القرآنِ أن يكونَ حَتْماً لازِماً. ويحتملُ أن يكون نَدْباً، ويكون هذا مِمَّا نسخَ الوجوبُ فيهِ بالندب (٣). فإن كانَ نَدْباً، فقد أجمعتِ الأُمَّةُ على [استحبابِ التهجدِ بالليلِ لكلِّ أحدٍ من الأمَّةِ، وإن كان حتماً -وهو الظاهرُ- فقد أجمعتِ الأُمَّةُ على] (٤) أنَّه لا يجبُ على أحدٍ من الأمةِ قيامُ شيءٍ من اللَّيل؛ لما روى طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ الله -رضيَ الله تعالى عنه- قال: جاءَ أعرابيٌّ من أهلِ نجدٍ ثائرَ الرأسَ يُسْمَعُ دَوِيُّ صوته ولا نَفْقَهُ ما يقولُ حتَّى دَنا من رسولِ اللهِ ﷺ ، فإذا هو يسألُ عن الإِسلام، فقالَ النبيُّ ﷺ : "خَمْسُ صَلَواتٍ في اليومِ واللَّيلَةِ"، قال: هلْ

стр. 1602

على غيرُها؟ قال: "لا، إلَّا أن تَطَوَّعَ" (١)، خَرَّجَهُ البخاريُّ ومسلمٌ. ثم هذا الحكمُ منسوخٌ بغيرهِ كما نُسِخَ بهِ غيرُه، وعلى هذا أكثرُ النَّاسِ (٢)؛ بدليل الإجماعِ على أنَّه لا يجبُ أكثرُ من خَمْسِ صلواتٍ، وبدليلِ حديثِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللهِ. قال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى-: ويقال: نُسِخَ ما في المُزَّمِّلِ بقولهِ : ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٨ - ٧٩] فأعلمَه أنَّ صلاةَ الليلِ نافلة لا فريضة، وأن الفرائضَ فيما ذكرَ من ليلٍ أو نهارٍ (٣). الحكم الرابع: دخولُ النَّبيِّ ﷺ معَ أُمَّتِهِ في النَّسخِ لقيامِ الليلِ. اختلفَ فيه أهلُ العلمِ: فالصحيحُ عندَ الشافعيةِ أنَّ الوجوبَ منسوخ في حَقِّه (٤). وذهبتِ المالكيةُ إلى بقاءِ الوجوبِ عليه (٥) ﷺ (٦)، قال ابنُ عباس -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما-: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ معناهُ: فرضٌ عليكَ خاصَّةً (٧).

стр. 1603

الحكم الخامس: أمرَ اللهُ سبحانَه بترتيلِ القرآنِ، وهو أن يُبيِّنَ القارىُء القرآنَ، ويتبعَ بعضَه بَعْضاً في تُؤَدَةٍ؛ بحيثُ يكونُ مُصَحّحاً للحروفِ، مُقيماً لَها بإخراجها من مَخارِجِها، فلا يجوزُ للقارئِ أن يتركَ هذا الترتيلَ، فيدرجَ بعضَ كلماتِه أو بعضَ حروفِه في بعضٍ، فبالترتيل يتفقَّهُ القارئُ، ويفهمُ مرُادَ الله (١). قالَ أبو الدَّرْداءِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: إياكم والهَذَّاذين الذين يَهُذُّون القرآنَ، ويُسرعون بقراءته؛ فإنَّما مثلهُ كمثلِ الأَجَمَةِ (٢) التي لا أَمْسَكَتْ ماءً، ولا أنبتَتْ كَلاً (٣). وعن إبراهيمَ، عن (٤) علقمة قال: قال ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه-: لا تنثُروهُ نثرَ الدَّقَل (٥)، ولا تَهُذوهُ هَذَّ الشِّعْر، قِفوا عندَ عجائِبِه، وحَرِّكوا بهِ القُلوبَ، ولا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورة (٦). * * * وهذا ما يَسَّرَ اللهُ الكريُم تعليقَه من آياتِ الأحكامِ، وإنْ كانَ قدْ بقيَ في القرآنِ المجيدِ آياتٌ كثيرة تتعلَّقُ بالأَحْكام تركْتُ الكلامَ عليها طَلَباً للاختصار، وذلكَ إمَّا لاندراجِها في أحكامِ الناسِخِ، أو في أحكامِ المنسوخ،

стр. 1604

أو لذكرِ أحكامِها في غيرِها، أو لغيرِ ذلكَ. والحمدُ للهِ الذي هدَانا لهذا، وما كُنا لنهتَدِيَ لولا أن هدانا الله. وأسألُ اللهَ الكريمَ البَرِّ الرحيمَ أن ينفعَني بهِ والمسلمينَ في الآخِرَةِ والأولى، ويجعلَه سببًا وزُلْفى إليهِ ربِّ العالمين، إنه كريمٌ وَهَّابٌ، والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين. وكانَ الفراغُ من تعليقهِ صبيحةَ يومِ الثلاثاءِ لخمسٍ بَقِيْنَ من شَهْرٍ جُمادى الأولى سنةَ ثمانٍ وثماني مئةٍ، وأرجو من فضلِ اللهِ الكريمِ وتمامِ نعمتِه أن يُيَسِّرَ لي وضعَ الكِتاب الذي أَهُمُّ بهِ في "أحكامِ القرآنِ المجيدِ المتعلقةِ بأصولِ الدِّياناتِ، وصَحيحِ الاعتقاداتِ" بطريقٍ قَدْ دَرَسَتْ، وآثارٍ قد طُمِسَتْ، ألا وهيَ طريقُ السَّلَفِ الصالحِ، والأَئِمَّةِ الناصحينَ، الخاليةِ من أضاليلِ الضالين، وزخرفةِ المُبْتَدِعين. ونسألك اللَّهُمَّ الهدايةَ والعِصْمَةَ وحُسْنَ الاتِّباعِ لكتابك، والاقتداءَ بسُنَّةِ رسولِكَ محمدٍ النَّبي الأميِّ (١)، اللهمَّ صَلِّ عليهِ وعلى آلَهِ كما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهيمَ، وعَلى آلِ إبراهيمَ، إنَّكَ حَميدٌ مجيد، يا كريم. * * *

стр. 1605

تراجم الأعيان في تيسير البيان

стр. 1606

تراجم الأعيان في تيسير البيان ١ - أبان بن عثمان بن عفان، الإمام الفقيه الأمير، أبو سعد بن أمير المؤمنين أبي عمرو الأموي المدني، سمع أباه، وزيد بن ثابت، حدث عنه عمرو بن دينار، والزهري، وأبو الزناد، وجماعة، له أحاديث قليلة، ووفادة على عبد الملك، قال عمرو بن شعيب: ما رأيت أحداً أعلم بحديثٍ ولا فقهٍ من أبان بن عثمان، مات سنة (١٠٥ هـ). انظر: "الطبقات الكبرى" (٥/ ١٥١)، و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٣٥٣)، و"تقريب التهذيب" (ترجمة: ١٤١). ٢ - إبراهيم بن السّري بن سهل، أبو إسحاق النحوي، أخذ عن ثعلب والمبرد، ولازم المبرد مدة طويلة، وكان يخدمه ويدفع له درهماً في اليوم مقابل تعليمه، وكان من أهل الدين والفضل، حسن الاعتقاد، جميل المذهب، وله مصنفات حسان في الأدب؛ كـ "النوادر"، و"معاني القرآن" وغيرهما. مات سنة (٣١١ هـ). انظر: "معجم الأدباء" (١/ ١٣٠)، و"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" (٤٥)، و"بغية الوعاة" (١/ ٤١١). ٣ - إبراهيم بن خالد، أبو ثور، ويكنى -أيضاً- أبا عبد الله، الكلبي البغدادي الفقيه الحافظ الحجة المجتهد مفتي العراق، كان أحد أئمة الدنيا فقهاً وعلماً وورعاً وفضلاً، صنف الكتب، وفرّع على السنن، وذبَّ عنها، مات سنة (٢٤٠ هـ) وقد عاش سبعين سنة أو أكثر. انظر: "تاريخ بغداد" (٦/ ٦٥)، و"سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٧٢)، و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٥١٢)، و"وفيات الأعيان" (١/ ٢٦). ٤ - إبراهيم بن علي بن يوسف، أبو إسحاق الفيروز أبادي الشيرازي الشافعي نزيل بغداد، الشيخ الإمام القدوة المجتهد، شيخ الإسلام، كان يضرب به المثل بفصاحته وقوة مناظرته، وكان ثقة فقيهاً زاهداً في الدنيا، ولم يتزوج، وبحسن نيته في العلم اشتهرت تصانيفه في الدنيا؛ كـ"المهذب"، و"التنبيه"، و"اللمع في أصول الفقه"، وغيرها. مات سنة (٤٧٦ هـ) ببغداد. انظر: "تهذيب الأسماء واللغات" للنووي (٢/ ١٧٢)،

стр. 1607

و"سير أعلام النبلاء" (١٨/ ٤٥٢)، و"العبر" (٣/ ٢٨٣)، و"طبقات السبكي" (٤/ ٢١٥). ٥ - إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الإسفراييني، الإمام العلامة الأوحد الأستاذ الأصولي الشافعي الملقب ركن الدين، أحد المجتهدين في عصره، وصاحب المصنفات الباهرة، كان فقيهاً متكلماً أصولياً، أقر له أهل العلم بالعراق وخراسان بالتقدم والفضل، بنى بـ"نيسابور" مدرسة لم يبن قبلها مثلها، ودرس فيها وحدَّث، ومن تصانيفه: "الرد على الملحدين" في خمس مجلدات. مات سنة (٤١٨ هـ). انظر: "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (١٧٨)، و "سير أعلام النبلاء" (١٧/ ٣٥٣). ٦ - إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود، أبو عمران النخعي الكوفي، فقيه العراق، روى عن علقمة ومسروق والأسود وطائفة، ودخل على أم المؤمنين عائشة ﵂ وهو صبي، وأخذ عنه حماد بن أبي سليمان الفقيه، وسماك بن حرب، وخلق كثير، كان من العلماء ذوي الإخلاص، وكانت له هيبة كهيبة الأمراء، وكان يصوم يوماً ويفطر يوماً، مات سنة (٩٥ هـ) كهلاً، قال الشعبي: ما خلف بعده مثله. انظر: "الطبقات الكبرى" (٦/ ٢٧٠)، و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٥٢٠)، و"تذكرة الحفاظ" (١/ ٧٣)، و"وفيات الأعيان" (١/ ٢٥). ٧ - أبو سعد بن أحمد بن أبي يوسف، تلميذ القاضي أبي عاصم العبّادي، وقاضي همذان، كان أحد الأئمة، له "شرح أدب القضاء" للعبادي، وهو المسمى "بالإشراف على غوامض الحكومات"، وكان له غرائب في الفقه والأصول، كان حياً في حدود الخمس مئة أو قبلها بيسير. انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي (٥/ ٣٦٥)، "وطبقات الإسنوي" (٢/ ٥١٩). ٨ - أبو سعيد بن المعلَّى الأنصاري المدني، يقال: اسمه رافع بن أوس، وقيل: الحارث، ويقال: نفيع، صحابي جليل، مات سنة (٧٤ هـ) وله أربع وستون سنة. انظر: "الإصابة في تمييز الصحابة" (٤/ ٨٨)، و"تقريب التهذيب" (ترجمة: ٨١٢٢). ٩ - أبو صالح: واسمه باذام، روى عن مولاته أم هانئ، وأخيها علي، وأبي هريرة، وعنه مالك بن مغول، والثوري، والكلبي، وغيرهم، كان عامة ما يرويه في التفسير، وقد ضعفه البخاري، ويحيى بن معين، والنسائي، وابن عدي، وعبد الحق الإشبيلي. وقال يحيى القطان: لم أر أحداً من أصحابنا تركه. مات سنة (١٢٠ هـ) تقريباً.

стр. 1608

انظر: "الطبقات الكبرى" (٥/ ٣٠٢)، و"سير أعلام النبلاء" (٥/ ٣٧)، و"ميزان الاعتدال" (١/ ٢٦٦). ١٠ - أبو عُبيد القاسم بن سلاّم الأزدي، مولى بني الأزد، الإمام في الفنون، كان مؤدباً، ولم يكتب الناس أصحَّ من كتبه ولا أكثر فائدة، قال إسحاق بن راهويه: يحبُّ الله الحق، أبو عبيد أعلم مني، ومن أحمد بن حنبل، ومن محمد بن إدريس الشافعي، من تصانيفه: "غريب الحديث"، و"الأموال"، و"الأمثال"، وغير ذلك. جاور بمكة إلى أن توفي سنة (٢٢٤ هـ). انظر: "معجم الأدباء" (١٦/ ٢٥٤)، و"إنباه الرواة" (٣/ ١٢)، و"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" (١٧٢)، و"بغية الوعاة" (٢/ ٢٥٣). ١١ - أحمد بن أبي أحمد، أبو العباس الطبري ثم البغداي الشافعي، تلميذ أبي العباس بن سريج، الإمام الفقيه شيخ الشافعية، حدث عن أبي خليفة الجمحي وغيره، وكان من أئمة الشافعية، وصنف في المذهب "كتاب المفتاح"، و"كتاب أدب القاضي" وغيرهما. توفي مرابطاً بطرسوس سنة (٣٣٥ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٣٧١)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٣/ ٥٩)، و"شذارت الذهب" (٢/ ٣٣٩). ١٢ - أحمد بن أبي طاهر بن محمد بن طاهر بن محمد بن أحمد، أبو حامد الإسفراييني، الأستاذ، العلامة، شيخ الإسلام، وشيخ الشافعية ببغداد، برع في المذهب، وأربى على المتقدمين، وعظم جاهه عند الملوك، انتهت إليه رئاسة الدين والدنيا ببغداد، وطبق الأرض بالأصحاب، وجمع مجلسه ثلاث مئة متفقه، وكان الناس يقولون: لو رآه الشافعي، لفرح به. مات سنة (٤٠٦ هـ). انظر: "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٦٨)، و"سير أعلام النبلاء" (١٧/ ١٩٣)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٤/ ٦١). ١٣ - أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوجردي، أبو بكر البيهقي الخراساني، -منسوب إلى "بيهق"، وهي: عدة قرى من أعمالَ نيسابور على يومين منها- الحافظ العلامة الثبت الفقيه شيخ الإسلام، كان على سيرة العلماء، قانعاً باليسير، متجملاً في زهده وورعه، بورك له في علمه، فصنف تصانيف عظيمة القدر، غزيرة الفوائد. قال إمام الحرمين: "ما من فقيه شافعي إلا وللشافعي عليه منة، إلا أبا بكر البيهقي، فإن المنة له على الشافعي"؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه. مات سنة (٤٥٨ هـ).

стр. 1609

انظر: "تبيين كذب المفتري" لابن عساكر (٢٦٥)، و"سير أعلام النبلاء" (١٨/ ١٦٣)،و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ١١٣٢)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٤/ ٨). ١٤ - أحمد بن علي، أبو بكر الرازي الحنفي، صاحب التصانيف، وإمام أصحاب الرأي في وقته، كان مشهوراً بالزهد والورع، ورد بغداد ودرس الفقه على أبي الحسن الكرخي، ولم يزل حتى انتهت إليه الرياسة، ورحل إليه المتفقهة، وله تصانيف كثيرة مشهورة، يحتج بها بالأحاديث المتصلة بأسانيد، مات سنة (٣٧٠ هـ) وله خمس وستون سنة. انظر: "تاريخ بغداد" (٤/ ٣١٤)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٣٤٠). ١٥ - أحمد بن عمر بن سريج، أبو العباس البغدادي القاضي الشافعي، الإمام، شيخ الإسلام، فقيه العراقين، صاحب التصانيف، وبه انتشر مذهب الشافعي ببغداد، وتخرج به الأصحاب، وقد ولي القضاء بشيراز، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني، توفي سنة (٣٠٦ هـ). ١٦ - أحمد بن فارس بن زكريا أبو الحسين اللغوي القزويني الرازي، كان إماماً في علوم شتى خصوصاً اللغة؛ فإنه أتقنها، وكان الصاحب بن عبَّاد يكرمه ويتتلمذ له، ويقول: شيخنا أبو الحسين ممن رزق حسن التصنيف وأمِنَ فيه من التصحيف، وقد كان فقيهاً شافعياً، فصار مالكياً، وقال: دخلتني الحميَّةُ لهذا البلد -يعني: الري-، كيف لا يكون فيه رجل على مذهب هذا الرجل. له كتاب: "المجمل"، و"مقاييس اللغة"، و"فقه اللغة"، و "غريب إعراب القرآن"، وغيرها. مات سنة (٣٩٥ هـ). انظر: "معجم الأدباء" (٤/ ٨٠)، و "نزهة الألباء" (٣٩٢)، و"إنباه الرواة" (١/ ٩٢)، و "البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" (ص: ٦١)، و "بغية الوعاة" (١/ ٣٥٢). ١٧ - أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس النحاس، أبو جعفر المصري النحوي، رحل إلى بغداد فأخذ عن المبرد والأخفش ونفطويه والزجاج وغيرهم، ثم عاد إلى مصر فأقام بها حتى موته، وقد روى عنه النسائي والطحاوي في الحديث، ومصنفاته تزيد على الخمسين منها: "إعراب القرآن"، و"معاني القرآن"، و"الناسخ والمنسوخ"، وغيرها. مات سنة (٣٣٨ هـ) وسبب موته أنه كان يقطعُ بحراً من العَروض على شاطئ النيل، فسمعه بعض العامة فقال: هذا الشيخ يسحر النيل، فركله برجله، فذهب في النيل، فكان آخر العهد به. انظر: "معجم الأدباء" (٤/ ٢٢٤)، و"إنباه الرواة" (١٠١)، و"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" (٦٢)، و"بغية الوعاة" (١/ ٣٦٢).

стр. 1610

١٨ - أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة، أبو جعفر الأزدي الحجري المصري الطحاوي الحنفي، (وطحا من قرى مصر)، ابن أخت المزني، الإمام العلامة الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، صنف في اختلاف العلماء، وكتاب "معاني الآثار"، مات سنة (٣٢١ هـ) عن بضع وثمانين سنة. انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٢٧)، و"تذكرة الحفاظ" (٣/ ٨٠٨). ١٩ - أحمد بن يحيى بن يسار أبو العباس الشيباني، المعروف بـ"ثعلب"، إمام الكوفيين في النحو واللغة والحديث، قال أبو بكر بن مجاهد: كنت عند أبي العباس، فقال: يا أبا بكر! اشتغل أهل القرآن بالقرآن ففازوا، واشتغل أهل الحديث بالحديث ففازوا، واشتغل أهل الفقه بالفقه ففازوا، واشتغلت أنا بزيد وعمرو، فليت شعري ماذا يكون حالي في الآخرة؟ فانصرفت من عنده تلك الليلة، فرأيت النبي ﷺ في المنام فقال: "أقرئ أبا العباس عني السلام، وقل له: أنت صاحب العلم المستطيل". رأى أحد عشر خليفةً، أولهم المأمون، وآخرهم المكتفي، وتوفي سنة (٢٩١ هـ) وقد بلغ تسعين سنة. انظر: "معجم الأدباء" (٥/ ١٠٢)، و"نزهة الألباء" (٢٩٣)، و"إنباه الرواة" (١/ ١٣٨)، و"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" (٦٥)، و"بغية الوعاة" (١/ ٣٩٦). ٢٠ - إسحاق بن إبراهيم، أبو يعقوب التميمي الحنظلي المروزي، نزيل نيسابور وعالمها، يعرف بابن راهويه، الإمام الحافظ الكبير، وشيخ أهل المشرق، كان أعلم الناس، وأخشى الناس لله، مع الثقة والحفظ، فما رئي أحد أحفظ منه، قال أبو حاتم: العجب من إتقانه وسلامته من الغلط مع ما رزق من الحفظ. مات سنة (٢٣٨ هـ) وله سبع وسبعون سنة. انظر: "سير أعلام النبلاء" (١١/ ٣٥٨)، و "تذكرة الحفاظ" (٢/ ٤٣٣). ٢١ - إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة، أبو محمد الحجازي ثم الكوفي، الأعور، السُّدِّيِّ، أحد موالي قريش، الإمام المفسر، وقيل: قد كان السدي أعلم بالقرآن من الشعبي، وكان عظيم اللحية جداً، وقد ضعفه بعضهم من جهة حفظه. مات سنة (١٢٧ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٥/ ٢٦٤). ٢٢ - إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر، أبو عبد الله الأصبحي المدني، الإمام الحافظ الصدوق، قرأ القرآن وجوّده على نافع، فكان آخر

стр. 1611

تلامذته وفاة، تلا عليه أحمد بن صالح المصري وغيره، وحدث عن أبيه، وخاله مالك بن أنس، وحدث عنه الشيخان وغيرهما، وكان عالم أهل المدينة ومحدثهم في زمانه، على نقص في حفظه وإتقانه، مات سنة (٢٢٦ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٠/ ٣٩١)، و "تذكرة الحفاظ" (١/ ٤٠٩). ٢٣ - إسماعيل بن علية بن مقسم الأسدي، أبو بشر، مولاهم البصري، وعلية هي أمه، الحافظ الثبت، أحد الأعلام وسيد المحدثين، كان ثقة ورعاً تقياً، مات سنة (١٩٣ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٩/ ١٠٧)، و"تذكرة الحفاظ" (١/ ٣٢٢). ٢٤ - إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل بن عمرو بن مسلم، أبو إبراهيم المزني المصري، الإمام العلامة، فقيه الملة، علم الزهاد، تلميذ الشافعي، كان قليل الرواية، لكنه كان رأساً في الفقه، وكان مجاب الدعوة، ذا تأله وزهد، وقد أخذ عنه خلق من العلماء، وبه انتشر مذهب الشافعي في الآفاق، قال الشافعي: "المزني ناصر مذهبي"، كان يغسل الموتى تعبداً واحتساباً، وهو الذي غسَّل الشافعي ﵀ مات سنة (٢٦٤ هـ) وله تسع وثمانون سنة. انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٢/ ٤٩٢)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٢/ ٩٣)، و"وفيات الأعيان" (١/ ٢١٧)، و"شذرات الذهب" (٢/ ١٤٨). ٢٥ - أشهب بن عبد العزيز بن دواد، أبو عمر القيسي العامري المصري، يقال: اسمه مسكين، وأشهب لقب له، الإمام العلامة الفقية مفتي مصر، قال فيه الشافعي: ما أخرجت مصرُ أفقه من أشهب، لولا طيش فيه، وقد كان فقيهاً حسن النظر والرأي. مات سنة (٢٠٤ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٩/ ٥٠٠)، و"العبر" (١/ ٣٤٥)، و"وفيات الأعيان" (١/ ٢٣٨)، و "شذارت الذهب" (٢/ ١٢). ٢٦ - الإمام محيي الدين يحيى بن شرف بن مري أبو زكريا النووي الحزامي الحوراني الشافعي، شيخ الإسلام، الإمام الأوحد القدوة، علم الأولياء، صاحب التصانيف النافعة، كان لا يضيع له وقتاً في ليل ولا نهار حتى في الطرق، وقد دام على هذا ست سنين، ثم أخذ في التصنيف والإفادة والنصيحة وقول الحق، هذا مع ما هو عليه من المجاهدة لنفسه، والعمل بدقائق الورع والمراقبة، وقد كان حافظاً للحديث وفنونه ورجاله وصحيحه وعليله، رأساً في معرفة المذهب الشافعي، مات سنة (٦٧٦ هـ). انظر: "تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٤٧٠)، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي (٥١٣).

стр. 1612

٢٧ - امرؤ القيس بن حُجْر بن الحارث بن عمرو بن حُجر، شاعر جاهلي، كان أبوه ملكاً، فعاش امرؤ القيس حياة مترفة، يشرب الخمر ويستمع للغناء، فنهاه أبوه؛ لأن هذه لم تكن من عادة أبناء الملوك، فلم ينته، فأبعده عنه، فخرج يطوف في أرض العرب، ولما جاء نبأ مصرع أبيه، أخذ يتأهب للأخذ بثأره، فأغار عدة مرات على بني أسد، تسانده قبيلتا تغلب وبكر، فأثخن في بني أسد، ثم هرب؛ لأن المنذر ملك الحيرة طلبه، فرحل إلى القسطنطينية، ثم عاد ومات في أنقرة، وهو من أصحاب المعلقات. انظر: "طبقات فحول الشعراء" (١/ ٥١)، و"الأغاني" (٩/ ٧٧). ٢٨ - أنس بن سيرين، حدث عن جندب البجلي، وابن عمر، وابن عباس، وعنه شعبة، والحمادان، وخلق كثير، وهو أخو الإمام محمد بن سيرين، وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، مات سنة (١٢٠ هـ). انظر: "الطبقات الكبرى" (٧/ ٢٥٧)، و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٦٢٢). ٢٩ - أيوب بن أبي تميمة كيسان الغزي، أبو بكر مولاهم البصري الأدمي، السختياني، الإمام الحافظ سيد العلماء، عداده في صغار التابعين، ولد عام توفي ابن عباس سنة (٧٨ هـ)، وقد كان ثقة ثبتاً في الحديث جامعاً، كثير العلم، حجة عدلاً، إليه المنتهى في الإتقان، وقد حج أربعين حجة. مات سنة (١٣١ هـ) بالبصرة زمن الطاعون وله ثلاث وستون سنة. انظر: "الطبقات الكبرى" (٧/ ٢٤٦)، و"حلية الأولياء" (٣/ ٣)، و"سير أعلام النبلاء" (٦/ ١٥)، و"تذكرة الحفاظ" (١/ ١٣٠)، و"طبقات الحفاظ" للسيوطي (١/ ٥٩). ٣٠ - بكر بن عبد الله بن عمرو، أبو عبد الله المزني البصري، الإمام القدوة الواعظ الحجة، أحد الأعلام، يذكر مع الحسن وابن سيرين، وأضرابهما، كان ثقة ثبتاً، كثير الحديث، حجة فقيهاً، وقد كان معروفاً بتواضعه وزهده، وكان مجاب الدعوة، مات سنة (١٠٨ هـ) على الأصح. انظر: "سير أعلام النبلاء" (٤/ ٥٣٢)، و"تقريب التهذيب" (ترجمة: ٧٤٣). ٣١ - تقي الدين عثمان بن المفتي صلاح الدين عبد الرحمن بن عثمان بن موسى، أبو عمرو الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي، المعروف بـ"ابن الصلاح" صاحب "علوم الحديث"، الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام، أفتى وجمع وألّف، تخرج به الأصحاب وكان من كبار الأئمة، ذا جلالة عجيبة، ووقار وهيبة، غزير المادة من اللغة

стр. 1613

والعربية، متفنناً في الحديث، متصوناً، مكباً على العلم، عديم النظير في زمانه، مات (٦٤٣ هـ). انظر: "سير أعلام النبلاء" (٢٣/ ١٤٠)، و"تذكرة الحفاظ"، (٤/ ١٤٣٠)، "طبقات الشافعية" (٨/ ٣٢٦)، و"وفيات الأعيان" (٢/ ٢٤٣). ٣٢ - ثمامة بن أثال بن النعمان بن حنيفة، الحنفي أبو أمامة اليمامي، ثبت على إسلامه لما ارتد أهل اليمامة، وارتحل هو ومن أطاعة من قومه، فلحقوا بالعلاء بن الحضرمي، فقاتل معه المرتدين من أهل البحرين، فلما ظفروا، اشترى ثمامة حلة كانت لكبيرهم، فرآها عليه ناس من بني قيس بن ثعلبة، فظنوا أنه هو الذي قتله وسلبه، فقتلوه، وقصة إسلامه مشهورة في كتب السير. انظر: "الطبقات الكبرى" (٥/ ٥٥٠)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" (١/ ٢٠٣). ٣٣ - جابر بن زيد، أبو الشعثاء الأزدي اليحمدي مولاهم البصري الكوفي، كان عالم أهل البصرة في زمانه، يعد مع الحسن وابن سيرين، وهو من كبار تلامذة ابن عباس، وقد كانت له حلقة بجامع البصرة يفتي فيها قبل الحسن، وكان من المجتهدين في العبادة، لبيباً، عالماً بكتاب الله تعالى، قال فيه ابن عباس: تسألوني وفيكم جابر بن زيد! مات سنة (٩٣ هـ). انظر: "الطبقات الكبرى" (٧/ ١٧٩)، و"سير أعلام النبلاء" (٤/ ٤٨١). ٣٤ - جعفر (الصادق) بن محمد بن علي بن الشهيد ريحانة النبي ﷺ وسبطه ومحبوبه الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، أبو عبد الله القرشي الهاشمي المدني، الإمام الصادق، شيخ بني هاشم، وأحد الأعلام الثقات، رأى بعض الصحابة، وكانت غالب رواياته عن أبيه مراسيل، وقد حدث عنه الأئمة، مات سنة (١٤٨ هـ). انظر: "حلية الأولياء" (٣/ ١٩٢)، و"سير أعلام النبلاء" (٦/ ٢٥٥)، و"وفيات الأعيان" (١/ ٣٢٧). ٣٥ - جعفر بن محمد بن أبي عثمان، أبو الفضل الطيالسي البغدادي، الإمام الحافظ المجود، سمع يحيى بن معين، وسليمان بن حرب، وخلقاً كثيراً، وكان ثقة ثبتاً، صعب الأخذ، حسن الحفظ، كما كان مشهوراً بالإتقان والحفظ والصدق. مات سنة (٢٨٢ هـ). انظر: "تاريخ بغداد" (٧/ ١٨٨)، و"سير أعلام النبلاء" (١٣/ ٣٤٦)، و"تذكرة الحفاظ" (٢/ ٦٢٦)، و"شذرات الذهب" (٢/ ١٧٨). ٣٦ - جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي، ينتهي نسبه

стр. 1614

إلى أبي بكر الصديق ﵁، الشيخُ الإمام العلامة الحافظ المفسر شيخ الإسلام وعالم العراق وواعظ الآفاق، كان رأساً في التذكير بلا مدافعة، وكان بحراً في التفسير، علامة في السير والتاريخ، موصوفاً بحسن الحديث، ومعرفة فنونه، فقيهاً، عليماً بالإجماع والاختلاف، ذا تفنن وفهم وذكاء وحفظ واستحضار، كتب بخطه ما لا يوصف كثرة، وألف في مختلف الفنون، فمن مؤلفاته: "زاد المسير في علم التفسير"، و"الموضوعات"، و"المنتظم في تواريخ الأمم" وغيرها. مات سنة (٥٩٧ هـ) وقد قارب التسعين. انظر: "ذيل طبقات الحنابلة" (١/ ٤٠١)، و"سير أعلام النبلاء" (٢١/ ٣٦٥)، و"تذكرة الحفاظ" (٤/ ١٣٤٢)، و"أبجد العلوم" (٣/ ٩١). ٣٧ - الحارث بن أسد البغدادي، أبو عبد الله المحاسبي، الزاهد العارف، شيخ الصوفية، صاحب التصانيف الزهدية، له كتب كثيرة في الزهد، وأصول الديانة، والرد على المعتزلة والرافضة، تفقه وكتب الحديث، وعرف مذاهب النساك، وكان من العلم بموضع، وكان كبير القدر، مات سنة (٢٤٣ هـ). انظر: "حلية الأولياء" (١٠/ ٧٣)، و"تاريخ بغداد" (٨/ ٢١١)، و"سير أعلام النبلاء" (١٢/ ١١٠). ٣٨ - حبيبة بنت أبي تجراة الشيبية العبدرية المكية، قيل: اسمها حَبيبة -بفتح أوله -، وقيل بالتصغير، وقد اختلف في صحابيتها بهذا الحديث على صفية بنت شيبة، وقد روت عن النبي ﷺ حديثاً واحداً. انظر: "الطبقات الكبرى" (٨/ ٢٤٧)، و"الاستيعاب" لابن عبد البرّ (٤/ ١٨٠٦)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" (ترجمة:١١٠١٩). ٣٩ - الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد البصري، الإمام شيخ الإسلام، نشأ بالمدينة وحفظ كتاب الله في خلافة عثمان، ثم كبر ولازم الجهاد، ولازم العلم والعمل، وكان أحد الشجعان الموصوفين، وكان عالماً رفيعاً جامعاً ثقة حجة مأموناً عابداً ناسكاً كثير العلم فصيحاً، فقيه النفس، كبير الشأن، عديم النظير. ٤٠ - الحسن بن القاسم، الإمام، شيخ الشافعية، صنف "المحرر في النظر" وهو أول كتاب صنف في الخلاف المجرّد، وصنف "الإفصاح" في المذهب، وألف في الجدل، ومات كهلاً سنة (٣٥٠ هـ). انظر: "تاريخ بغداد" (٨/ ٨٧)، و"سير أعلام النبلاء" (١٦/ ٦٢)، و"طبقات الشافعية" للسبكي (٣/ ٢٨٠). ٤١ - الحسن بن رشيق القيرواني، مولى الأزد، كان أبوه مملوكاً لرجل من الأزد،

стр. 1615

وقد كان شاعراً أديباً نحوياً لغويًّا عروضياً حاذقاً، قال الشعر قبل الحُلُمِ، وكان كثير التصنيف، حسن التأليف، ومن كتبه: "كتاب الشذوذ في اللغة"، و"كتاب العمدة"، و"كتاب قراضة الذهب"، توفي سنة (٤٦٣ هـ). انظر: "معجم الأدباء" (٨/ ١١٠)، و"إنباه الرواة" (١/ ٢٩٨)، و"البلغة في تراجم أئمة النحو واللغة" (٨٣)، و"بغية الوعاة" (١/ ٥٠٤). ٤٢ - الحسن بن صالح بن حي، أبو عبد الله الهمداني الثوري الكوفي، الفقيه العابد الإمام الكبير أحد أئمة الإسلام الأعلام، كان صائناً لنفسه في الحديث والورع، وكان إذا نظر إلى المقبرة يصرخ ويغشى عليه. مات سنة (١٦٩ هـ)، وقد عاش تسعاً وستين سنة. انظر: "الطبقات الكبرى" (٦/ ٣٧٥)، و"حلية الأولياء" (٧/ ٣٢٧)، و"سير أعلام النبلاء" (٧/ ٣٦١). ٤٣ - الحسن بن عمارة، مولى بجيلة، الكوفي الفقيه، حدث عن ابن أبي مليكة، وعمرو بن مرة، وعنه السفيانان، ويحيى القطان، قال ابن عيينة: كان له فضل، وغيره أحفظ منه، وقد تركه الإمام أحمد، وابن معين، وابن المديني، ومسلم، وأبو حاتم، والجوزجاني، والدارقطني، وغيرهم مات سنة (١٥٣ هـ). انظر: "الكامل في الضعفاء" لابن عدي (٢/ ٢٨٣)، و "ميزان الاعتدال" (٢/ ٢٦٥)، و"تقريب التهذيب" (ترجمة: ١٢٦٤). ٤٤ - الحسن بن يزيد، أبو سعيد الإصطخْري الشافعي، الإمام القدوة، العلامة شيخ الإسلام فقيه العراق ورفيق ابن سريج، تفقه بأصحاب المزني والربيع، وكان ورعاً زاهداً متقللاً من الدنيا، له تصانيف مفيدة، منها: كتاب "أدب القضاء" ليس لأحد مثله، وكان قد ولي قضاء قُمَّر، وولي حسبة بغداد، فأحرق مكان الملاهي. مات سنة (٣٢٨) وله نيف وثمانون سنة. انظر: "تاريخ بغداد" (٧/ ٢٦٨)، و"سير أعلام النبلاء" (١٥/ ٢٥٠)، و"العبر" (٢/ ٢١٢)، و"طبقات الشافعية" (٣/ ٢٣٠)، و"شذارت الذهب" (٢/ ٣١٢). ٤٥ - الحسين بن الفضل بن عمير، أبو علي البجلي الكوفي النيسابوري، العلامة المفسر الإمام اللغوي المحدث، عالم عصره، ولد قبل الثمانين ومئة، سمع يزيد بن هارون وشبابة بن سوار وغيرهما، وكان إمام عصره في معاني القرآن، أقدمه ابن طاهر معه نيسابور، فبقي يعلم الناس فيها ويفتي إلى أن توفي سنة (٢٨٢ هـ) وهو ابن مئة
следующие страницы →