← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

* فعلى قولِ ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في الآيةِ دليلٌ على أنْ المصليَ إذا صلَّى بالاجتهادِ، ثم تبينَ لهُ الخطأ، لا إعادةَ عليه. وبهذا قال جمهورُ أهلِ العلم. وقال قومٌ (١): عليهِ الإعادةُ قياسًا على من أخطأ في الوقت، وصلَّى قبلَهُ؛ إذْ عليهِ الإعادةُ اتِّفاقًا. وللشافعيِّ قولٌ -مع هذا- أَنَّهُ إذا تيقَّنَ الخطأَ، وتيقَّنَ الصَّوابَ، فعليه الإعادةُ (٢). * وعلى قولِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- في الآيةِ دليل على جوازِ صلاةِ التطوُّعِ إلى غيرِ جِهَةِ الِقبْلَةِ للمسافِرِ، وقد ثبَتَ ذلكَ من فِعْلِهِ ﷺ (٣). وأما من قالَ: إنها ناسخةٌ (٤)، قال: هي ناسخةٌ للصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ؛ لأن اليهودَ أنكروا رُجوعَ النبيِّ ﷺ إلى الكَعْبَةِ، وتركَه بيتَ المقدسِ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢]،

стр. 212

فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ [البقرة: ١٤٢]، وأنزلَ (١): ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]. وفي هذا ضَعْفٌ؛ لأن الناسخَ للصّلاة إلى بَيْتِ المقدسِ إنما هو قولُه : ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]، فإذا جاء بعده نصٌّ أو ظاهرٌ على وفقه، لا يكونُ ناسِخًا، وإنما يكون مبيِّنًا ومؤكِّدًا. وجملة هذه الأقاويل سبعةٌ (٢)، وما ثبت أنه السببُ في نزولها، تعيَّن حَمْلُها عليه، ولا حاجةَ إلى التأويلِ مع وجودِه، ولا يجوزُ القول بالنَّسْخِ حينئذ مع ثبوت السببِ المخصِّصِ للآية لبعض الأحوال، والله أعلم. ٢ - (٢) قوله- : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ

стр. 213

وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤]. أقولُ: أمرَ اللهُ ﷻ نبيَّه ﷺ ، وجميعَ المؤمنينَ بالتوجُّه إلى شطرِ المَسْجِدِ الحرامِ. * والمسجدُ الحرامُ يقعُ على البيت (١)، ويقعُ على مَكَّةَ. قال اللهُ : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وكان مَسْراهُ من بيتهِ (٢)، كَما ورد في رواية أبي ذَرٍّ ﵁ (٣). ويقع على جميعِ الحَرَمِ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. والمرادُ بالمسجدِ الحرام هنا (٤) الكعبةُ باتِّفاقِ المسلمين؛ لِما روى ابنُ عبّاسٍ ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ لما دخلَ البيتَ (٥)، دعا في نواحيه كُلِّها، ولمْ يُصَلِّ فيهِ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتينِ في قبلِ الكعبةِ، ثم قال: "هذهِ القِبْلَةُ" (٦).

стр. 214

والشَّطْرُ يقعُ في لسانِ العرب على النِّصْفِ (١)، ويقعُ على الجِهَةِ، والنَّحْوِ (٢)، قال خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ: [البحر الوافر] أَلا مَنْ مُبْلِغٌ عَمْرًا رسولا ... وما تُغْني الرسالَةُ شَطْرَ عمرِو (٣) وقال ساعِدَةُ بن جُؤَيَّةَ: [البحر الوافر] أقولُ لأُمِّ زِنباعٍ أقيمي ... صدورَ العِيْسِ شَطْرَ بني تميمِ (٤) وقال لقيطٌ الإياديُّ: [البحر البسيط] وقَدْ أَظَلَّكُمُ مِنْ شَطْرِ ثَغْرِكُمُ ... هَوْلٌ لهُ ظُلَمٌ تَغْشاكُمُ قِطَعَا (٥) وقال قيسُ بنُ العيزارة يصفُ لقْحَتَهُ (٦): [البحر البسيط] إنَّ النُّفوسَ بها داءٌ يُخامِرُهَا ... فَشَطْرُها بَصَرُ (٧) العَينينِ مَحْسُورُ (٨)

стр. 215

قال الشافعي: يريدُ تلقاءها: بَصَرُ (١) العينين (٢). وهذا المعنى هو المرادُ باتِّفاقِ المسلمين، فعن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: أنهُ قالَ: شَطْرُهُ: قِبَلُهُ (٣). وعن ابنِ عباسِ ومجاهد: شطرُه: نَحْوُهُ (٤). وفي حرف ابن مسعودٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: تلقاءَ المسجدِ الحرامِ (٥). وهذا كلُّه مع غيرِه من أشعارِ العربِ وأصحابِ الأدِلَّة يبينُ أن توليةَ (٦) شطرِ الشيءِ قصدُ عينِ الشَّيءِ، قال الشافعيُّ -رحمَهُ اللهُ تعالى- إذا قلت: اقصد شطر كذا، كأنك قلت: اقصدْ معروفَ قصدِ عينِ كذا (٧).

стр. 216

* - وقد اتفقَ المسلمون على أن الواجبَ على من كان معاينًا للكعبةِ إصابةُ عينِها. * واختلفوا فيمن كانَ غائبًا عنها. فقال قومٌ (١): الواجب إصابة عينها في ظَنِّ المصلي. وقال قومٌ (٢): الواجب استقبالُ الجهةِ التي فيها المسجدُ، وجعلوا التولِّيَ المأمورَ بهِ مشترَكًا بين اليقينِ والتخمين. والقولُ الأولُ أصحُّ قَولَي الشافعيِّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-، وأنا (٣) أختارُه؛ لظاهرِ الخِطابِ المفسّر بتفسيرِ الصَّحابَةِ ﵃، ويحملُ اللفظُ على حقيقتهِ وسلامَتهِ من الاشتراكِ والحذفِ والإضْمار، وعدمُهما خيرٌ منهما (٤)، ولقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، ولقول النبي ﷺ : "إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتوا منُه ما اسْتَطَعْتُم" (٥)، وإصابةُ عيِنها في ظَنِّ المُصَلّي داخلٌ في الاستطاعَةِ منْ غيرِ مشقةٍ ولا حَرَج. وما روي عنهُ ﷺ : "البَيْتُ قِبْلَةٌ لأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لأَهْلِ الحَرَمِ،

стр. 217

والحَرَمُ قبلةٌ لأَهْلِ الأَرْضِ" (١)، فَضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به. * فإن قلتُمْ: فَبَيِّنْ لنا صفةَ الاستقبالِ للمسجدِ الحرام، فإنّ المصلِّيَ لا يخلو إمّا: أن يستقبلَ بجميعِ بدنِهِ جميع (٢) ساحَةَ البيتِ التي هي قِبَلَ وَجْهِهِ. أو يستقبلَ بجميعِ بدنهِ بَعْضَ ساحةِ البيتِ، كما إذا صَلَّى داخلَ البيتِ. أو يستقبلَ ببعضِ بدنِه جميعَ ساحةِ البيتِ التي تُحاذيه. قلنا: أما الصورةُ الأولى، فمتفَقٌ عليها؛ لوقوعِ اسمِ الاستقبالِ على مُسَمَّى البيتِ. وأما الصورةُ الثانيةُ، فمختلَفٌ فيها بينَ أهلِ العلمِ: فمنهم مَنْ منعَ الصَّلاةَ داخلَ البيتِ (٣)، واستقبالَ بعضِ ساحتِه؛ لظهورِ الأمرِ باستقبالِ جميعِه، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عباسٍ - رضي اللهُ تعالى عنهما- قال: لما دخلَ رسولُ اللهِ ﷺ البيتَ، دعا في نواحيهِ كُلِّها، ولم يُصَلِّ حتى خرجَ، فلما خرجَ ركعَ ركعتين قِبَلَ الكعبةِ، قال: "هذهِ القِبْلَةُ" (٤). ومنهم من جَوَّزَ الصلاةَ مُطْلَقًا (٥)، واحتجَّ بحديثِ ابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ

стр. 218

عنهما-: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ دخَلَ الكعبةَ، فأقبلَ والنبيُّ ﷺ قَدْ خرجَ، قالَ: فسألتُ بِلالًا، قلتُ: أصلَّى النبيُّ ﷺ في الكعبةِ؟ قالَ: نعم، رَكْعتينِ بين الساريتينِ اللتينِ على يساركَ إذا دخلْتَ، ثم خرجَ فصلَّى في وجهِ الكعبةِ ركعتينِ (١). وحملَ هؤلاءِ الاستقبالَ على غيرِ الأَظْهَرِ منَ المعنيين (٢)؛ لبيانِ النبيِّ ﷺ ، وقدَّموه على حديثِ ابنِ عباس؛ لكونه مُثْبِتًا، والمُثْبِتُ أولى من النَّافي. ومنهم منْ فَرَّقَ، فجوَّزَ النفلَ، ومنعَ الفَرْضَ (٣)، فحملَ حديثَ ابنِ عَبّاسٍ على الفرضِ، وحديثَ ابنِ عُمَرَ على النَّفْل. وفي هذا المذهبِ ضَعْفٌ؛ فإنَّ الصلاةَ التي رواها ابنُ عَبّاسٍ نَفْلٌ أيضًا. وهو وإنْ (٤) كانَ الجمعُ بينهما يمكنُ بهذهِ الطريقِ؛ فإنه إذا جازَ النفلُ

стр. 219

خارجَ (١) البيتِ (٢)، جاز الفرض أيضًا بالإجماع، وأما داخل البيت، فلم يصلِّ فيه النبيُّ ﷺ إلا النَّفْلَ. لكنْ يُضَعِّفُه (٣) شهادةُ الأصولِ بالتسويةِ بينَ الفرضِ والنَّفْلِ في جميعِ الشرائِطِ والأَحْكام؛ من الطهارةِ والسِّتارةِ والاستقبالِ، وإيجابِ الفرضِ من القراءةِ والركوعِ والسجودِ، إلا ما أخرجَهُ الشارعُ ﷺ المشقة، كتركِ الاستقبالِ في حالةِ السفرِ خاصَّةً، وتركِ القيامِ في صلاتها. والذي أراه أنهُ لا تعارُضَ؛ لاحتمالِ كونِ ذلك منه ﷺ في وقتينِ (٤)، وإن ثبتَ أنَّ مَحَلَّ الروايتينِ في وقتٍ واحدٍ، فليس في حديثِ ابنِ عباس أكثرُ من نفي الصلاة في البيتِ، ونفيُ الصلاةِ لا يمنعُ جوازَها. وقوله ﷺ : "هذه القبلة" بيان للقبلةِ لجملتها، لا لصفةِ استقبالِها. وأما الصورةُ الثالثةُ، فهي فرع للصورةِ الثانية، فمن منعَ الصلاةَ داخلَ البيت، منعَ هذه الصورة، ومن أجازَ تلكَ، أجازَ هذه. وربَّما خالفَ بعضُهم في جوازِ هذهِ الصورةِ مع إجازتِه لتلكَ (٥). إذا تمَّ هذا، فقد فرضَ اللهُ سبحانَه على نبيِّه ﷺ وعلى أُمَّتِه التوجُّهَ إلى

стр. 220

البيت حيثما كانوا، فَرْضًا عامًّا مؤكَّدًا، وكَرَّرَهُ مِرارًا، وذلك تعظيمٌ لشأنِه، وتأكيدٌ لنسخ القبلةِ التي كانوا عليها؛ إكرامًا له ﷺ حينَ رأى تقلُّبَ وجههِ في السّماءِ، وحكمةٌ منه ﷻ ، لا معقِّبَ لحُكْمِهِ. * وفي هذا التعميمِ والتأكيدِ دليل على أن المصليَ لا بُدَّ أن يستقبلَ المسجدَ الحرام على أيِّ حالٍ كانَ منْ خوفٍ أو سَفَرٍ أو مَرضٍ. وقد أجمعَ على هذا المسلمون، إلا في حالين: - صلاةِ شدةِ الخوفِ، وسيأتي بيانُها -إنْ شاءَ الله تعالى- عندَ قولهِ تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩]. - وصلاةِ النافلةِ في السفر؛ لقولِ ابنِ عمرَ ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يصلِّي، وهو مقبل من مَكَّةَ إلى المدينةِ على راحلتهِ (١). وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلمِ، لكنهمُ اختلفوا في تقييدِ حديثِ ابنِ عمرَ رضيَ اللهُ تَعالى عنهما: فذهبَ مالكٌ إلى العَمَلِ بإطلاقه (٢). وذهب الشافعيُّ (٣)، وأحمدُ (٤)، وأبو ثورٍ إلى تقييدِه بما رواهُ أنسُ بنُ

стр. 221

مالك -رضيَ الله تَعالى عنهُ- قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا كانَ في سَفَرٍ، فأراد أن يصلِّيَ على راحلتِه، استقبلَ القِبْلَةَ، وكَبَّرَ، ثمَّ صلَّى حيث تَوَجَّهَتْ به (١). * واختلفَ أهلُ العلمِ في القبلةِ التي كانَ النبيُّ ﷺ يصلي إليها، وهي بيتُ المَقْدِسِ، هل كانَ تَوَجُّهُهُ إليها بقرآنٍ؟ أو بغيرِ قرآن؟ وبعضُ المصنفين يقولُ: بوحيٍ من الله، أو باجتهادٍ منه؟ فقال قوم (٢): كان ذلكَ بقرآنٍ، ولهم من الأدلَّةِ قولُ الله : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] قيل: نزلت لما هاجر النبيُّ ﷺ إلى المدينة، وقال: "لا ندري أينَ نتوجَّهُ"، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (٣) [البقرة: ١١٥]. قال عطاءٌ عن ابن عباس ﵄ قال: أولُ ما نُسِخَ منَ القُرآنِ فيما ذكروا- واللهُ أعلمُ- شأنُ القِبْلَةِ، قالَ اللهُ : ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ

стр. 222

فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (١) [البقرة: ١١٥]، استقبلَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فصلى نحوَ بيت المَقْدِسِ (٢)، وتركَ البيتَ العتيقَ، فقال: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٢] يعنون (٣): بيتَ المَقْدِسِ، فنسخَها، وصرفَهُ إلى البيتِ العتيق، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (٤) [البقرة: ١٥٠]. ولهمْ (٥): قولُه تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وكان ذلك قِبلةَ الأنبياءِ- صلواتُ اللهِ وسلامُهُ عليهم-. ولهم: (٦) قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقالَ قومٌ (٧): صَلَّى النبيُّ ﷺ إلى بيت المقدسِ؛ ليتأَلَّفَ بذلك اليهودَ،

стр. 223

وذلك أنهُ (١) هاجرَ إلى المدينةِ، فكانَ أَكْثَرُ أهلِها ومَنْ حَوْلَها اليهودَ، فَطَعنوا في ذلكَ، وتكلموا فيه بما يَشُقُّ على النبيِّ ﷺ وأصحابهِ، فأمرهُ اللهُ تَعالى بالصلاةِ نحوَ الكَعْبَةِ (٢). والحَق -إن شاءَ الله تعالى- أن استقبالَ النبيِّ ﷺ بيتَ المقدسِ ليسَ باجتهادٍ منهُ، بلْ بوحي من اللهِ سُبْحانه، ولو قلنا بالمذهبِ الصَّحيحِ أَنَّهُ يجوزُ لهُ الاجتهادُ؛ لقولِ اللهِ : ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، فلو كان توجُّهُهُ إليها باجتهادِه، لتحوَّلَ عنها باجتهاده، كما استقبلَ باجتهِاده (٣)، فلمّا سألَ ربَّهُ التحويلَ إلى قبلةِ أبيهِ إبراهيمَ ﵊ وانتظر إذْنَ ربِّهِ سبحانَه، علمْنا أنه لم يتوجَّهْ إلى بيتِ المقدسِ إلَّا بأمرِ اللهِ سبحانَهُ. وأما كونُ ذلكَ الأمرِ قرآنًا، فليسَ عليه دليلٌ. أما قولهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، فإنها نزلتْ في قومٍ مخصوصين كما سبقَ بيانُه (٤). وأما قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، فالظاهر أن المراد به التوحيد والإيمان. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فليس

стр. 224

فيهِ دَلالةٌ على أنه سبحانه حمله عليها (١) بقرآنٍ، بل الظَّنُّ أنه (٢) بوحيٍ من اللهِ سبحانَهُ، فإنه إذا أوحى إليه بها، فقد جعله عليها. وهذا الجواب أحسنُ من جوابِ من أجابَ: بأنَّ (كان) زائدة، وجعلَ القبلةَ هي الكعبةَ، والتقديرُ عنده: وما جعلنا القبلةَ التي أنتَ عليها (٣)، فاحتاجَ إلى القولِ بالمجاز، وتقديرِ الزيادة، ومخالفةِ الظاهرِ، وغيرُه خيرٌ منه. وعلى هذا يكون هذا من نسخ السنّةِ بالقرآن (٤)، قالَ أهلُ العلمِ بالقرآن: وهذا أولُ ناسخٍ ومنسوخٍ بعدَ نسخِ الصلاةِ (٥).

стр. 225

(من أحكام الحج) ٣ - (٣) قوله : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. * اختلفَ أهلُ العلم في السَّعْيِ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ. - فقالَ قومٌ: هو تطوُّعٌ وليس بواجبٍ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وابنِ الزبيرِ وأنسِ بنِ مالك ومجاهدٍ وابنِ سيرينَ، وإليه ذهبَ سفيانُ الثوريُّ (١)، وأخذوا بظاهر الآية، وبقراءة ابن مسعود: (فلا جُناحَ عليه ألاَّ يَطَوَّفَ بهما) (٢). - وقالَ أبو حنيفةَ: هو واجبٌ، وليس برُكْنٍ، فأوجبَ في تركِهِ الدَّمَ. وهو روايةٌ عن مالِكٍ (٣).

стр. 226

- وذهب ابنُ عمر وجابرٌ وعائشةُ إلى وجوبه (١)، وبه قالَ الحسنُ ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ (٢)، وبه أقول. والدليل له ما روته بنتُ أبي تَجْراةَ إحدى نساءِ بني عبدِ الدارِ، قالت: دخلتُ مع نسوةٍ من قريشٍ دارَ أبي حسينٍ ننظرُ إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بينَ الصفا والمروةِ، فرأيتُه (٣) يَسْعى، وإن مِئْزَرهُ ليدورُ من شدةِ السَّعْي، حتى إِني لأقولُ: إني لأَرَى رُكْبتيهِ، وسمعتُه يقولُ: "اسْعَوا، فإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" (٤). والدليل -أيضًا- ما ثبت في "الصحيح" (٥): أنَّ عروةَ بنَ الزُّبير (٦) قال لعائشةَ- ﵂: أرأيتِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فما أرى على أحد بأسًا ألاَّ يطَّوفَ بهما، قالتْ: إنما نزلَتْ هذه في

стр. 227

الأنصارِ، كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ، وكانَتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانوا يتحرَّجون بأن يطوفوا بينَ الصفا والمروةِ، فلما جاءَ الإسلامُ، سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فأنزل اللهُ : ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (١) [البقرة: ١٥٨]. ولأنَّ الأصلَ في أفعالِه ﷺ في هذه العبادة الوجوبُ، إلا ما أخرجَهُ الدليلُ، لقوله ﷺ : "خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكُمْ" (٢). وأما قِراءة ابنِ مسعودٍ، فيُجاب عنها: بأنها قراءة شاذة مخالفة للمُصحفِ، ولا يقومُ بمثلها حُجَّةٌ (٣)، وسيأتي الكلام على مثلهِا في "سورةِ النِّساءِ" إن شاءَ اللهُ تعالى. ويجاب أيضًا بأن (لا) زائدة كما (٤) في قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]، وكقول أبي النجم: [من بحر الرجز] وما ألوم البيضَ ألاَّ تَسْخَرا (٥)

стр. 228

وكقول الآخر: [البحر الطويل] وتَلْحينَنِي (١) في اللهو ألاّ أحِبَّهُ ... وللهوِ دَاعٍ دَائِب غيرُ غَافِلِ وأما ظاهر الآية، فقد أجابت عنهُ عائشةُ ﵂ عروةَ حينَ سألها، لما علم أن رفعَ الجُناح مستعمَلٌ في رَفْع الحَرَجِ، فلا يكونُ الرفعُ سببًا للوجوبِ، وإنما يومئ إلى عَدَمِ الوُجوبِ، فقالتْ -رضيَ الله تعالى عنها-: لو كان كما تقولُ، كانَتْ فلا جُناحَ عليهِ ألاَّ يَطَّوَّفَ بهما، ثم بَيَّنَتْ لهُ وجهَ العُدول من (٢) الظاهر، وأنه هو القصدُ إلى إباحة هذا الطوافِ لمنْ كانَ يتحرَّجُ منه في الجاهليةِ (٣). * واتفقَ العلماءُ على أن البدايةَ (٤) بالصَّفا واجبةٌ؛ لقوله ﷺ : "نبدأُ بما بدأ اللهُ بهِ" (٥)، إلا ما يروى عن عطاءٍ أنه إذا بدأ بالمَرْوَةِ جاهلًا أَجْزَأهُ ذلك، واعتدّ بذلك الشوطِ (٦).

стр. 229

* وفي الآية دلالةٌ ظاهرةٌ على أن السعيَ لا يفعلُه إلَّا من حَجَّ البيتَ أو اعتمرَ، وأنه لا يفعله الرجلُ ابتداءً، وعلى هذا اتفق العلماء. واتفقوا أيضًا على أنه لا يفعله الحاجُّ والمعتمرُ إلا بعدَ أن يفعلَ الطوافَ (١).

стр. 230

(من أحكام الأطعمة) ٤ - (٤) قوله : ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. * أقولُ: ذكَر اللهُ ﷻ في هذه الآية (١) أعيانًا من المُحَرَّمات، وخاطب العربَ بتحريمِها على ما يتعارفونَ من عادتِهم في استعمالِ هذهِ الأعيانِ، وسيأتي تفصيلُهُ وبيانُه في "سورةِ النَّحْل" -إن شاء الله تعالى- وخُصّ لحمُ الخِنزير بالذِّكْرِ، وإنْ كانَ شحمُه وعظمُه وشعرُه محرمًا كلحمِه؛ لأنه المقصودُ منه غالبًا (٢). * وأطلقَ اللهُ تحريمَ الدَّمِ هنا، وقيَّدَهُ في "سورةِ الأنعامِ". فقال: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥]. - فمنهم من خَصَّصَ هذا العُمومَ بمفهومِ التقييد (٣).

стр. 231

- ومنهم من أبقاهُ على إطلاقه وعمومه، ورأى أن مفهوم الخطاب لا يقاوِمُ العمومَ (١)، وسيأتي الكلامُ على هذا في "سورة المائدة" إن شاء الله تعالى. * ثم بينَ رسولُ الله ﷺ أن اللهَ لم يُرِدْ جميعَ الميتةِ، فقال: "أُحِلَّتْ لنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، المَيْتَتانِ: الحوتُ والجَرادُ، والدَّمانِ: الكَبِدُ والطِّحالُ" (٢) وقال -وقد سُئلَ عن ماءِ البحرِ فقال-: "هو الطهورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ" (٣). وإلى التخصيصِ ذهبَ عامةُ أهلِ العلمِ، وإن (٤) اختلفوا في تفصيله: وذهبَ أبو حنيفةَ إلى تحريم الميتةِ مطلقًا (٥)، عملًا بالقياس المقصود

стр. 232

بالعموم، واستثنى ما لا نفس له سائلةً (١)، وسيأتي الكلام على هذا في "سورة المائدة" إن شاءَ اللهُ تعالى. * وبَيَّنَ النبيُّ ﷺ أن غيرَ هذه المحرمات في معناها، فبينها عن اللهِ -سبحانه-، كما أمره الله تعالى، فحرَّمَ الحُمُرَ الأهليَّةَ، وكلَّ ذي نابٍ من السِّباعِ، وكلَّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّيْر (٢). فإن (٣) قال القائل: فقد نصَّ اللهُ -سبحانه- على تحريم هذه الأعيان بلفظ يوجبُ الحَصْرَ هنا، وذكرها في "سورة الأنعام" بلفظٍ أوضحَ من هذا الحَصْرِ والتنصيص، وهو النفي بـ (لا)، والإثبات بـ (إِلا) (٤)، والمذهبُ الصحيحُ عند محقًّقي الأصوليين أنُه لا يجوزُ نسخُ الكتابِ بالسّنَّةِ. قلنا: - ذهبَ قومٌ من أهلِ العلم إلى التعارضِ بينَ الآيةِ والآثارِ الواردَةِ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من نسخ الآية بها (٥)، ومنهم مَنْ أحكَمَها وعَمِلَ

стр. 233

بخصوصِها (١)، وسيأتي الكلام معهم في "سورة الأنعام" إن شاء الله تعالى. وذهبَ قومٌ إلى الجمعِ بين الآية والآثار (٢). فإن قيلَ: فما وجهُ الجَمْعِ؟ قلنا: له وجوهٌ: أحدها: قال الشافعيُّ -رحمه اللهُ تعالى- وأهلُ التفسيرِ، أو مَنْ سمعتُ منهم يقول في قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] يعني: مما كنتم تأكلون؛ فإن العرب قد كانت تحرم أشياءَ على أنها من الخبائِثِ، وتُحِلُّ أشياءَ على أنها من الطيباتِ عندهم (٣)، إلا ما استثني، وحُرِّمتْ عليهمُ الخبائثُ عندهم. قال اللهُ : ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ

стр. 234

الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (١) [الأعراف: ١٥٧]. ثانيها: يجوز لقائل أن يقولَ: إن الله -سبحانه- لم يُرِدِ الحصرَ في كتابه العزيز، وإنما قصدَ التعظيمَ والتفخيمَ لتحريمِ هذه الأعيانِ، والمبالغة في الزَّجْرِ عنها، وهذا معروف في لسان العرب؛ كما نقول: إن الجواد حاتمٌ، ولا سيف إلا ذو الفقار، وأنتَ لا تريدُ نفيَ ذلك عن غيرهما، وإنما تريد تفخيمَ أمرِهما، وتعظيمَ شأنهما. ثالثها: أن يُقالَ: إنما قصدَ اللهُ -سبحانه- الردَّ على المشركين، وذلك أنهم كانوا يحللون هذه الأشياء، ويحرمون غيرها؛ مثل البَحيرةِ (٢) والسائبةِ (٣) وغيرِهما، فرد عليهم فقالَ: قُلْ يا محمد (٤): لا أجدُ فيما أُوحيَ إلىَّ مُحَرَّمًا إلَّا كذا أو كذا (٥)، فلا حرامَ فيما أوحي إليَّ إلا

стр. 235

ما حَلَّلْتموهُ، ولا حلالَ إلا ما حَرَّمْتُموه (١). وهذا أرجحُ المعاني وأقربُها. ويدلُّ عليهِ أنَّ الله ﷻ ذكرَ هذهِ الأعيانَ المذكورةَ في مواضِعَ أُخَرَ من كتابه بِمِثْل ما ذكره هنا، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٥]. ثم قال عقبه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]، الآية. ويدلُّ عليه -أيضًا- أن الآيةَ من "سورةِ الأنعام"، وهي مكيةٌ نزلت قبل تشريع الأحكام (٢). فإن قلتَ: قد عرفتُ وجهَ الجمع، فهل تجدُ دليلًا في الكتابِ على ما ادَّعَيتَ من عدمِ الحصرِ؟ قلتُ: نعم، ذكر الله -تعالى- هذهِ الأعيانَ في "سورةِ المائدةِ"، وزاد عليها: المنخنقةَ، والموقوذةَ (٣)، والمتردِّيَةَ، والنطيحةَ، وما أكلَ السَّبُعُ (٤)، فلو كانتْ آيةُ البقرةِ للحصرِ، لعارضَتها هذه، ووجبَ نسخُ

стр. 236

إحداهُما بالأخرى، ولا قائلَ بذلكَ من أهلِ العلمِ بالقرآنِ. فإن قال: هذهِ الأعيانُ المذكورةُ في سورةِ المائدةِ هي أفراد المَيْتَةِ، فذكر اللهُ -سبحانه- المَيْتَةَ في إحدى المواضِع مُجْمَلَةً، وفي الأخرى مفصلةً، بدليل أن إنهارَ الدمِ علَّةٌ للتحليل، توجدُ بوجوده، وتعدم بعدمه، وخصت هذه الأعيان بالذكر دفعًا لتوهم متوهِّمٍ أنَّ علَّةَ تحريمِ لحمِ الميتةِ فسادُ لحمها وتغيُّرهُ عندَ الموت، وهذه (١) لا تغيُّرَ في لحمِها ولا فساد، والذي أَكَلَهُ السَّبُعُ هُريقَ دمُهُ بالسِّنِّ، وما ذُكِّيَ بالسِّنِّ، فقد ألحقه الشارعُ بالميتةِ في التحريم (٢). قلتُ: قد حَرَّم اللهُ -سبحانه- الخَمْرَ بعد أن كانَ حلالًا عندَ نُزولِ قولِه تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وقد اتفق أهلُ العلم بالقرآن والنظر والاستدلال على (٣) أنه لا تَعارُضَ بين هاتين الآيتينِ، وإذا جاز أن يضاف إليها تحريمُ عينٍ غيرِها، ثبتَ أنها ليستْ للحصر والتعيين، وعلمنا أن الله -سبحانَه- ذكر المُحَرَّماتِ بعضَها في كتابهِ نَصًّا، ووَكَلَ بيانَ بعضِها إلى نبيه ﷺ ، فمن قَبِلَ عنه ﷺ ، فعنِ الله قَبِلَ؛ لِما فرضَ اللهُ تعالى من طاعته، وقَبولِ ما جاء به ﷺ ، وسيأتي الكلام في "سورة المائدة" على ما أهِلَّ به لغيرِ اللهِ إن شاءَ الله تعالى. * قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾. أي: غير خارج على السلطان، ولا عادٍ، أي: مُتَعَدٍّ عاصٍ بسفره؛ بأن يخرج لقطع الطريقِ، أو لفسادٍ في الأرض.

стр. 237

وقيل: فيه تأويلاتٌ أُخَرُ (١)، وكلُّها راجعةٌ إلى مَعْنًى واحدٍ، وهو مَعْنى قوله تعالى: ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ [المائدة: ٣]. * وقد أجمعت الأمةُ على جوازِ أكل المَيْتَةِ للمضطرِّ، وربما اختلفوا في وجوبِ أَكْلِها، والأصَحُّ عندَ الشافعيَّة الوجوبُ؛ لما فيه من حفظِ النفسِ (٢) المَعْصومة عن الهلاكِ والتلفِ (٣). * وفي الآية دليلٌ على أن العاصيَ بسفرِهِ لا يَتَرَخَّصُ بأكل الميتة، وبه قال مالك والشافعي (٤). وقالَ أبو حنيفةَ: لهُ أَنْ يأكلَ، وهو المشهورُ والصحيح عند المالكية (٥).

стр. 238

وربَّما استدلُوا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. فإن إتلافَهُ لنفسه أعظمُ عصيانًا من ارتكابِ أكل الميتة (١)، ولا حجّة لهم؛ فإنهُ مكلَّفٌ باجتناب ما نهى الله -سبحانه-، ويُمْكِنهُ حفظ نَفْسِه بأنْ يتوبَ ويأكلَ، وإذا لم يتبْ، فلا يمتنع أن يكونَ مكلفًا بالأمرينِ جميعًا. وغير ﴿غَيْرِ﴾ تحتمل (٢) أن يكون معناها الاستثناء، فتكونُ دلالتُها نصًّا، ويحتمل أن يكونَ معناها الحالَ والصفةَ، فتكون دلالتها ظاهرة بطريق المعهود (٣). وإذا تمَّ هذا، فجائر أن يقاسَ عليهِ جميعُ رُخَصِ السفرِ وفاقًا وخلافًا؛ لوجود المَعْنى. * واختلف العلماء في مقدارِ ما يَحِلُّ للمضطرِّ أَكلْهُ من الميتةِ. - فقالَ بعضُهم: مقدار ما يسدُّ رَمَقَهُ، وبهِ قالَ أبو حنيفةَ والشافعيُّ في أحدِ قوليه (٤). - وقال بعضهم: مقدار الشِّبَع، وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ في القول الآخر (٥).

стр. 239

والأول أقرب إلى المعنى؛ لأنَّ الله -سبحانه- عَلَّقَهُ على الضَّرورةِ، ومتى زالت الضرورةُ زالتِ الإباحة، فهو (١) كتعليقِ المَعْلولِ بعلَّتِهِ. وحينئذٍ فالخلافُ آيِلٌ إلى أن الميتة هل تصيرُ في حال الضرورةِ مباحةً، ويرتفعُ التحريمُ حتى يحلَّ الشبعُ (٢)، أو أنها مُحَرَّمَةٌ والتحريمُ باقٍ، وإنما المرتفعُ الإثمُ، فلا يحلُّ الشبع؟ وإلى هذا يرشدُ قوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. * واختلفوا -أيضًا- هل يقاسُ على ضرورة التغذِّي ضرورةُ التداوي؟ - فمنهم من جَوَّزَهُ؛ للقياسِ (٣)، ولأن النَّبيَّ ﷺ أباح لعبدِ الرحمنِ بن عَوْفٍ لُبْسَ الحرير للحكَّة (٤). - ومنهم من منعه (٥)؛ لقوله ﷺ : "إن اللهَ لم يَجْعَلْ شِفاءَ أُمَّتي فيما حرّمَ عليها" (٦).

стр. 240

(من أحكام القصاص) ٦ - (٦) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]. أقولُ: أنزل الله -سبحانَه- في القصاص آيتينِ: هذهِ الآيةَ، وآيةَ المائدةِ (١)، وإحداهما أخصُّ من الأخرى، وقد اختلفَ أهلُ العلمِ في العمل بهما. فالشافعيُّ ومالكٌ وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ والحسنُ وعطاءٌ وعكرمةُ والليثُ بنُ سعدٍ وأبو ثَوْرٍ عملوا بخصوصِ آيةِ البقرةِ، فَخَصُّوا بمفهومِها عُمومَ آيةِ المائدةِ، فلم يقتُلوا الحرَّ بالعبدِ، واستدلوا بما يأتي ذكرهُ إن شاء الله تعالى.

стр. 241

وعَمِلَ بآيةِ المائدةِ سعيدُ بنُ المسيِّبِ والشعبيُّ والنَّخَعِيُّ وقَتادةُ والثَّوْريُّ وأبو حنيفةَ وأصحابُه، فأوجبوا قتلَ الحُرِّ بالعبدِ (١)، واستدلوا أيضًا بقوله ﷺ : "المسلمونَ تَتكافَأُ دِماؤُهُمْ" (٢). وقد اختلفوا في هذه الآية: هل هي محكمةٌ أو منسوخةٌ أو مَخْصوصة ببعض الأحوالِ، على خمسةِ أقوالٍ: الأول: قالهُ الشعبيُّ والكلبيُّ وقَتادةُ، فقالوا (٣): أنزلتْ في قومٍ تقاتلوا، فَقُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ، وذلك قبيل الإسلام (٤). وقال مقاتلُ بن حيان: كان بين قريظة والنضير. وقال سعيدُ بن جُبير: كان بينَ الأوسِ والخزرج، وكانت إحدى الطائفتين أعزَّ من الأخرى، فقالتِ العزيزة: لا نقتلُ بالعبدِ مِنَّا إلا الحُرَّ

стр. 242

منكم، ولا بالأنثى منّا إلا الذَّكَرَ منكم، فنزلتْ هذه الآيةُ، فهي محكمةٌ لمن أراد أن يفعل مثلهم (١). والثاني: قالهُ السُّدِّيُّ، قال: هي مخصوصةٌ في فرقتينِ تَقاتَلتَا على (٢) عهدِ رسول الله ﷺ ، وقعَ بينهما قتلى، وأمر (٣) النبيُّ ﷺ أن يُفادى (٤) بينهم دياتُ النِّساءِ بدِياتِ النِّساء، ودياتُ الرجالِ بدياتِ الرجالِ، فهي في شيءٍ بعيِنهِ (٥). الثالث: قاله الحسنُ البَصْرِيُّ، قال: نزلت في نَسْخِ التراجُعِ الذي كانوا يفعلونه، وذلك أنهم كان يَحْكُمون فيما بينهم أنَّ الرجلَ إذا قتلَ امرأةً، كان أولياءُ المرأة بالخِيار، إن شاؤوا قتلوا الرجلَ، وأَدَّوا نصفَ الدِّيةِ، وإن شاؤوا أخذوا نصفَ ديةِ رجلٍ. وإذا قتلت المرأةُ رجلًا، كان أولياءُ الرجل مخيَّرين، إن شاؤوا قتلوا المرأة، وأخذوا نصفَ دية رجلٍ، وإن شاؤوا أخذوا الدية الكاملة، ولم تقتل المرأة، فنُسخ ذلك من فعلهم. وقد روي هذا القولُ عن عليٍّ -رضي الله تعالى عنه (٦).

стр. 243

الرابع: ورُويَ (١) عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أن آية البقرة منسوخة بآية المائدة (٢)، فيجب قتلُ الرجلِ بالمرأةِ، والمرأةِ بالرجل، والحرِّ بالعبدِ، والعبدِ بالحرِّ (٣). وفي هذا نظر؛ فإنه لا شَكَّ في أن نطق الآية غير منسوخ، وإنما الذي ادُّعي نسخه هو المفهومُ (٤)، وفي نسخ المفهومِ خلافٌ بينَ أهلِ العلم بالنظر. فإذا قلنا: يصح، استقامَ القولُ بنسخه إذا قلنا: إن المفهومَ لا يَخُصُّ العُمومَ. والصحيحُ عندَ أهلِ العلم بالنظر والاستدلال أنَّهُ يخص العموم -أيضًا-. ثم اعترضَ على هذا القولِ بعضُ العلماء، وقال: هذا لا يجوز عند جماعة من العلماء؛ لأن ما فرض الله -تعالى- لنا لا ينسخُه ما حكى الله تعالى لنا من شريعةِ غيرنا، واللهُ -سبحانه- أخبرَنا بما في سورةِ المائدةِ، أنها شرعةٌ لغيرِنا، ولم يفرضْها علينا (٥). وهذا الاعتراضُ غير مستقيمٍ؛ لأن الله تعالى قدْ بيَّنَ أَنَّ ذلك شُرِعُ لنا

стр. 244

-أيضًا- بطريق الإشارةِ، فقالَ في آخرِ الآية: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥] يعني: القصاصَ، وشريعةُ بني إسرائيل لا تصدُّقَ فيها بالدم، ولا عفوَ، بل القصاصُ عليهم متحتِّمٌ (١)، ثبت ذلكَ في "الصحيحِ" عن ابنِ عباس -رضي اللهُ تعَالى عنهما- في تفسيرِ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ (٢) [البقرة: ١٧٨]، وعلى الجملةِ، فبعيدٌ أن يصحَّ القولُ بالنسخِ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. الخامس: قالهُ أبو عُبَيْدٍ، قال: آية المائدة مُفَسِّرة لآية البقرة؛ لأن أَنْفُسَ الأحرار متساويةٌ فيما بينهم، يُقْتَلُ الحُرُّ بالحُرِّ والأنثى بالأنثى بآيةِ البقرةِ وآيةِ المائدةِ، ويقتلُ الرجلُ بالمرأةِ والمرأةُ بالرَّجلِ بآيةِ (٣) المائدة (٤). وفي هذا نَقْضٌ -أيضًا-؛ فإنَّ قتل المرأة بالرجل ثابتٌ بآية البقرة -أيضًا- بطريق الفحوى (٥). وهذا القولُ لا يستقيم، إلَّا عندَ مَنْ لا يرى مفهومَ الخطابِ حُجَّةً، وأما من يراهُ حُجَّةً كالشافعيِّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- فإنه يجعلُ آية البقرة مفسِّرةً ومبيِّنةً لآيةِ المائدة؛ لعموم آية المائدة، وخصوصِ آية البقرة، ثم يخص آيةَ البقرةِ ويُبَيِّنُها بالسنَّةِ.

стр. 245

* فإن قال قائل (١): فبيِّنْ لنا كيفَ نجمعُ بين هاتين الآيتين؟ وكيف نَجعلُ آيةَ البقرةِ مبيَّنَةً لآيةِ المائدة بهذه الصيغة العزيزة؟ قلت: قال اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فكتب الله تعالى القِصاصَ على المؤمنينَ في القتلى، ثم بيَّنَ ذلك القصاصَ والمساواةَ، فقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [البقرة: ١٧٨]، فدلَّ الخِطاب بفحواه على أن العبدَ يُقْتَلُ بالحرِّ، و (٢) أن الأنثى تُقتلُ بالذَّكَرِ؛ لأنه إذا قُتل الحرُّ بالحُرِّ، فأولى أن يقتل به العبدُ، وإذا قُتِلتِ الأنثى بالأنثى، فأولى أن تُقْتَل بالذَّكَرِ، و (٣) لكن تخصيص هذه الأفرادَ الثلاثةَ، وهي الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، يدلُّ بطريقِ المَفْهوم على أنَّ الحُرِّ لا يُقتلُ بالعبد، و (٤) أن الذَّكَرَ لا يُقتل بالأنثى، ولكنَّ عمومَ آيَة المائدةِ تقتضي أن يقتلا بهما، فهل نَقْضي بالمَفْهومِ على العمومِ؟ أو نقضي بالعمومِ ويُتْرَكَ المفهومُ؟ هذا محلُّ نظرِ المجتهدِ، فحينئذ يَفْزَع المجتهدُ إلى دلائلِ السنَّةِ والقياسِ والأصولِ والتَّرْجيحاتِ عند التعارض. فنقول: أما الحرُّ فلا يُقتلُ بالعبد؛ لما رَوَى عمرُو بنُ شعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ: أن أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما- كانا لا يقتلان الحرَّ بقتل العبد (٥)،

стр. 246

ولما رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: أنه قال: من السُّنَّةِ ألاَّ يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ (١). وإلى هذا ذهبَ عَطاءٌ والحسنُ والزُّهْريُّ وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وبهِ قالَ الشافعيُّ وجمهورُ أهلِ العلم رضي الله تعالى عنهم (٢). وذهب أبو حَنيفةَ والثَّوْرِيُّ وابنُ أبي لَيْلَى وداودُ وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ إلى أنَّ الحرَّ يقتل به، وروي -أيضاً- عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ ﵃ (٣)، حتى ذهبَ قومٌ إلى أن الحرَّ يُقتلُ بعبدِه (٤). ولهم (٥) من الدليلِ عمومُ آيةِ المائدة. وما خرَّجه أبو داودَ عن الحَسَنِ، عن سَمُرَة: أن رسولَ الله ﷺ قال: "من قتلَ عبدَه قتلناهُ، ومَنْ جَدَعَهُ

стр. 247

جَدَعْناهُ، ومن أَخْصاه أَخْصيناه" (١). وبه أخذ البخاريُّ، قال البخاريُّ عن عليِّ بنِ المدينيِّ: سماعُ الحَسَنِ (٢) عن سَمُرَةَ صَحيحٌ (٣). وقيل: إنَّ الحَسَنَ لم يسمعْ من سَمُرَة إلَّا حديثَ العقيقَةِ (٤). واستدلَّ منْ قالَ بخلافِه بما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ رجلاً قتلَ عبدَهُ متعمِّداً، فجلده النبيُّ ﷺ ، ونفاه سنةً، ومحا سهمَه من المسلمين، ولم يُقِدْهُ منه (٥). * وأما الذكر فُيقتل بالأنثى عندَ عامةِ أهلِ العلم؛ لعمومِ آيةِ المائدةِ،

стр. 248

ولما رَوى أبو بكرِ بن (١) محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ النبيَّ ﷺ كتب إلى أهل اليمنِ: "يُقْتَلُ الرجلُ بالمرأةِ" (٢). وروي أنَّ عمرَ قتلَ ثلاثةَ نفرٍ بامرأةٍ قادهم بها (٣). ولأنهما شخصان يُحَدُّ كل واحد منهما بقذف الآخر، فجرى القصاص بينهما كالرجلينِ والمرأتين. قال الشافعيُّ: ولستُ أعلمُ ممَّنْ لقيتُ من أهلِ العِلْمِ مُخالفاً في أن الدَّمَيْنِ متكافئان في الحرية والإسلام، فإذا قَتَلَ الرجلُ المرأةَ، قُتل بِها، وإذا قتلته، قُتلتْ به، ولم يؤخذ شيء (٤). وكذا ادَّعى ابنُ المنذرِ الإجماع على قتل الرجل بها، وأنه لا شيء لأولياء المقتول قصاصاً. وحُكي عن الحسن أنه لا يُقتلُ الذكرُ بالأنثى (٥)، وهو شاذ. وأما ما يُروى عن عليٍّ والحَسَنِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- من أنه إذا قَتلتِ المرأةُ الرجلَ، كانَ على أوليِاء المرأةِ نصفُ الدِّيةِ (٦)، فمنقطع، وقد رُوي عنهما خِلافُ ذلك.

стр. 249

* ولما واجهَ اللهُ ﷻ بالخطاب المؤمنين، وقالَ: يا أيهُّا الذين آمنوا! ولم يقلْ: يا أيها الناس! يا بني آدم! استدلَلْنا به على اخْتِصاصِ القِصاصِ بالمُؤْمنين، وأنه لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، وتأيد الاستدلالُ عندنا بقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولا أُخُوَّةَ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ. ثم وجدْنا النبيَّ ﷺ بيَّن ذلكَ عن اللهِ سبحانه؛ كما أشار إليه. روينا في "صحيح البخاري" عن أبي جُحَيْفَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- قالَ: سألتُ علياً -رضي الله تعالى عنه-: هل عندَكُم من النبيِّ ﷺ شيء سوى القرآن؟ قالَ: لا، والذي فلقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ إلَّا أَنْ يؤتيَ اللهُ عبداً فَهْماً في القرآن، وما في الصَّحيفةِ. فقلت: وما في الصحيفة؟، قالَ: العقلُ، وفِكاكُ الأسيرِ، ولا يقتلُ مؤمنٌ بكافر (١). وذهبَ قومٌ من الكوفيين إلى أن المسلمَ يُقتل بالذِّمِّيِّ، واحتجوا بأحاديثَ ضعيفةٍ منقطعةٍ لا تثبتُ بمثلها حُجَّةٌ في سفكِ دم رجلٍ مؤمنٍ، ولولا طلبي للاختصار، لذكرتها وبينت عن الحفاظ ضَعْفَها (٢). * ثم بيَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ أن اللهَ -سبحانَهُ- أرادَ قتلَ الحُرِّ بالحُرِّ ما لم يكنِ القاتلُ والداً للمقتول، فثبت عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- أنهُ

стр. 250

قالَ: لولا أني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ أنه قالَ: "لا يُقادُ الأَبُ مِنِ ابنِه"، لقتلتُه، هَلُمَّ ديتَةُ، فأتاه بها، فدفعها إلى ورثته، وترك أباه (١). وروي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تقامُ الحدودُ في المساجدِ، ولا يقادُ بالولدِ الوالِدُ" (٢). ولأنَّ الأبَ سببٌ لوجودِ الابنِ، فلا يكونُ الابنُ سبباً لعدمه. وإلى هذا ذهب أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ (٣)، وهو المختارُ عندي. وذهب مالكٌ إلى أنَّ الأبَ يُقادُ بابنه إذا قتلَهُ متعمِّداً لا شُبْهَة له في دعوى الخطأ؛ كما إذا أضجعه وذبحه، وأما إذا رماه بالسلاح أدباً أو غيظاً، فماتَ، فلا يُقتل، ويكونُ شبهةً للأب (٤)، بخلافِ الأجنبيِّ؛ فإنه يقتل بمثل
следующие страницы →