← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ولما رُوِيَ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ ﵁: أنه قال: من السُّنَّةِ ألاَّ يُقْتَلَ حُرٌّ بعبدٍ (١). وإلى هذا ذهبَ عَطاءٌ والحسنُ والزُّهْريُّ وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وبهِ قالَ الشافعيُّ وجمهورُ أهلِ العلم رضي الله تعالى عنهم (٢). وذهب أبو حَنيفةَ والثَّوْرِيُّ وابنُ أبي لَيْلَى وداودُ وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ إلى أنَّ الحرَّ يقتل به، وروي -أيضاً- عن عليٍّ وابنِ مسعودٍ ﵃ (٣)، حتى ذهبَ قومٌ إلى أن الحرَّ يُقتلُ بعبدِه (٤). ولهم (٥) من الدليلِ عمومُ آيةِ المائدة. وما خرَّجه أبو داودَ عن الحَسَنِ، عن سَمُرَة: أن رسولَ الله ﷺ قال: "من قتلَ عبدَه قتلناهُ، ومَنْ جَدَعَهُ

стр. 247

جَدَعْناهُ، ومن أَخْصاه أَخْصيناه" (١). وبه أخذ البخاريُّ، قال البخاريُّ عن عليِّ بنِ المدينيِّ: سماعُ الحَسَنِ (٢) عن سَمُرَةَ صَحيحٌ (٣). وقيل: إنَّ الحَسَنَ لم يسمعْ من سَمُرَة إلَّا حديثَ العقيقَةِ (٤). واستدلَّ منْ قالَ بخلافِه بما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ رجلاً قتلَ عبدَهُ متعمِّداً، فجلده النبيُّ ﷺ ، ونفاه سنةً، ومحا سهمَه من المسلمين، ولم يُقِدْهُ منه (٥). * وأما الذكر فُيقتل بالأنثى عندَ عامةِ أهلِ العلم؛ لعمومِ آيةِ المائدةِ،

стр. 248

ولما رَوى أبو بكرِ بن (١) محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ: أَنَّ النبيَّ ﷺ كتب إلى أهل اليمنِ: "يُقْتَلُ الرجلُ بالمرأةِ" (٢). وروي أنَّ عمرَ قتلَ ثلاثةَ نفرٍ بامرأةٍ قادهم بها (٣). ولأنهما شخصان يُحَدُّ كل واحد منهما بقذف الآخر، فجرى القصاص بينهما كالرجلينِ والمرأتين. قال الشافعيُّ: ولستُ أعلمُ ممَّنْ لقيتُ من أهلِ العِلْمِ مُخالفاً في أن الدَّمَيْنِ متكافئان في الحرية والإسلام، فإذا قَتَلَ الرجلُ المرأةَ، قُتل بِها، وإذا قتلته، قُتلتْ به، ولم يؤخذ شيء (٤). وكذا ادَّعى ابنُ المنذرِ الإجماع على قتل الرجل بها، وأنه لا شيء لأولياء المقتول قصاصاً. وحُكي عن الحسن أنه لا يُقتلُ الذكرُ بالأنثى (٥)، وهو شاذ. وأما ما يُروى عن عليٍّ والحَسَنِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهما- من أنه إذا قَتلتِ المرأةُ الرجلَ، كانَ على أوليِاء المرأةِ نصفُ الدِّيةِ (٦)، فمنقطع، وقد رُوي عنهما خِلافُ ذلك.

стр. 249

* ولما واجهَ اللهُ ﷻ بالخطاب المؤمنين، وقالَ: يا أيهُّا الذين آمنوا! ولم يقلْ: يا أيها الناس! يا بني آدم! استدلَلْنا به على اخْتِصاصِ القِصاصِ بالمُؤْمنين، وأنه لا يُقْتَلُ مؤمنٌ بكافرٍ، وتأيد الاستدلالُ عندنا بقولِه تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] ولا أُخُوَّةَ بينَ المؤمنينَ والكافرينَ. ثم وجدْنا النبيَّ ﷺ بيَّن ذلكَ عن اللهِ سبحانه؛ كما أشار إليه. روينا في "صحيح البخاري" عن أبي جُحَيْفَةَ -رضيَ اللهُ تَعالى عنه- قالَ: سألتُ علياً -رضي الله تعالى عنه-: هل عندَكُم من النبيِّ ﷺ شيء سوى القرآن؟ قالَ: لا، والذي فلقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ إلَّا أَنْ يؤتيَ اللهُ عبداً فَهْماً في القرآن، وما في الصَّحيفةِ. فقلت: وما في الصحيفة؟، قالَ: العقلُ، وفِكاكُ الأسيرِ، ولا يقتلُ مؤمنٌ بكافر (١). وذهبَ قومٌ من الكوفيين إلى أن المسلمَ يُقتل بالذِّمِّيِّ، واحتجوا بأحاديثَ ضعيفةٍ منقطعةٍ لا تثبتُ بمثلها حُجَّةٌ في سفكِ دم رجلٍ مؤمنٍ، ولولا طلبي للاختصار، لذكرتها وبينت عن الحفاظ ضَعْفَها (٢). * ثم بيَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ أن اللهَ -سبحانَهُ- أرادَ قتلَ الحُرِّ بالحُرِّ ما لم يكنِ القاتلُ والداً للمقتول، فثبت عن عمرَ بنِ الخطابِ -رضي الله تعالى عنه- أنهُ

стр. 250

قالَ: لولا أني سمعتُ رسولَ اللهِ ﷺ أنه قالَ: "لا يُقادُ الأَبُ مِنِ ابنِه"، لقتلتُه، هَلُمَّ ديتَةُ، فأتاه بها، فدفعها إلى ورثته، وترك أباه (١). وروي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا تقامُ الحدودُ في المساجدِ، ولا يقادُ بالولدِ الوالِدُ" (٢). ولأنَّ الأبَ سببٌ لوجودِ الابنِ، فلا يكونُ الابنُ سبباً لعدمه. وإلى هذا ذهب أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ (٣)، وهو المختارُ عندي. وذهب مالكٌ إلى أنَّ الأبَ يُقادُ بابنه إذا قتلَهُ متعمِّداً لا شُبْهَة له في دعوى الخطأ؛ كما إذا أضجعه وذبحه، وأما إذا رماه بالسلاح أدباً أو غيظاً، فماتَ، فلا يُقتل، ويكونُ شبهةً للأب (٤)، بخلافِ الأجنبيِّ؛ فإنه يقتل بمثل

стр. 251

هذا، واختاره ابنُ المنذرِ (١)؛ لعمومِ الكتاب العزيز، ولقولهِ ﷺ : "المُسلمون (٢) تتكافأُ دِماؤهم" (٣). وأجابوا: بأن الحديثَ باطلٌ غيرُ معروفٍ، وبأن عمر تَأَوَّلَ لأجلِ الشُّبهةِ، وأفسدوا القياس بما إذا زَنى الأبُ بابنته؛ فإته يُرْجَمُ، وتكونُ سَبَباً لعدمه. والجوابُ ضعيفٌ؛ أما العُمومُ فَمَخْصوصٌ. وأما دعوى التأويل من عمر، فخلاف الظاهر. وأما الاعتراض بالزنى بابنته، فإنه فعلٌ يوجبُ القتلَ، ولا يَسْقُطُ في هذا المَحَلِّ بحالٍ، بخلاف قتلِ الوالدِ، ولأنَّ عقوبةَ الزنى حَقٌّ لله -سبحانه-، وعقوبةَ القتل حقٌّ للمقتول، وكان الأب أَولى به، ولكن انتقل عنه لعدوانِه. * وفي الآيةِ دلالةٌ بَيِّنَةٌ على أن العبيدَ يَجْري بينهمُ القِصاصُ، وهو كذلكَ عندَ الشافعيِّ ومالكٌ، وروي عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٤). وقال قوم: لا يجري بينهم القصاص؛ لأنهم أموال كالبهائِم، وهو قولُ الحسنِ وابنِ شُبْرُمَةَ (٥).

стр. 252

وفرَّق أبو حنمفةَ والثوريُّ بين النَّفْس وما دُونَها، فيُقاد في النَّفْس، ولا يُقاد فيما دونها، وروي (١) عن ابن مسعودٍ ﵁ (٢). * ولمَّا ذكرَ اللهُ -سبحانَهُ- القِصاصَ في القَتْلى، بَيَّنَ النبيُّ ﷺ صِفَتَهُ، فرضَخَ رأسَ يهوديٍّ بينَ حَجَرَيْنِ، كما رضخَ رأسَ جاريةٍ بحَجَرٍ (٣). وبهذا أخذ مالكٌ والشافعيُّ (٤)، خلافاً لقوم؛ حيث اعتبروا السيف مطلَقاً (٥). * ثمَّ إن اللهَ سبحانَهُ رَحِمَنا -أيتها الأمَّةُ الكريمةُ- فجوَّز لنا العَفْوَ، ولم يُحَتِّمْ علينا القَتْلَ، فقالَ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ١٧٨] أي: فليكن اتباع بالمعروف من وليِّ الدمِ، فلا يُعَنِّفْ، ولا يطلبْ أكثرَ من حَقِّهِ. وكذلك من الجاني، فلا يُحْوِجْهُ إلى العنفِ وسوءِ المطالَبَة. واختلفَ أهلُ العلم في هذه الآية، منْ هُو المعفوُّ لَهُ؟

стр. 253

هل هو الجاني عُفي له عن جنايته، والعافي وليُّ الدَّمِ؟ وهو قولُ ابنِ عَبّاسٍ ومُجاهدٍ وجُمهورِ أهلِ العلمِ. - أو المعفوُّ لهُ هو الوَلِيُّ عفي له بِديَةٍ أُعْطِيَها، والعافي هو الجاني؟ وهو تأويل مالكٍ وأبي حنيفةَ، وهذا ثمرةُ اختلافهم في أن القاتل هل يُفْتَقَرُ إلى رِضاهُ في العَفْوِ عن الدية؟ أو لا يفتقر إلى رِضاهُ؟. فمن قالَ: لا يُفتقر إلى رضاهُ، كان العافي وليَّ الدَّمِ. ومن قال: يُفتقر إلى رِضاهُ، جعل العافيَ هو الجاني إذا رَضِيَ ولِيُّ الدَّمِ بقبول الدِّيةِ. وقدْ ذهبَ أكثرُ العلماءِ من الصحابةِ والتابعين إلى أنه لا يُفتقر إلى رضاه. وبه قال مالكٌ والشافعيُّ (١). وقال قوم: يُفتقر إلى رضاهُ، وهو قولُ الحسنِ والنَّخَعِيِّ، وبه قالَ أبو حنيفةَ (٢)، ومالكٌ في أضعفِ الروايتين عنه (٣). والأولُ أقوى؛ لكثرةِ الاستعمالِ في لسانِ العرب؛ فإن أكثرَ استعمالِهم

стр. 254

للعفو إنما هو عن الجنايِة، وذلكَ -أيضاً- شائعٌ مستفيضٌ في ألفاظِ الكتابِ والسنَّةِ. فإن قلتَ: فهلْ تجدُ في الكتابِ والسُّنَّةِ دليلاً على ترجيحِ المعنى الأولِ غيرَ الاستعمالِ؟ قلتُ: نعم، قالَ اللهُ تعالى في مثلِ حكمِ هذه الآيةِ في سورةِ المائدةِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]. والمتصدِّقُ هو المجروحُ، أو وليُّ الدمِ، لا الجاني، بل الجاني متصدَّق عليه، فهوَ معفوٌّ له، بدليل قراءة أُبيٍّ (١) ﵁:- (فهو كفارته له) (٢). وبما روي عنه ﷺ : "من تَصَدَّقَ من جَسَدِه بشيءٍ، كَفَّرَ اللهُ عنهُ بقَدْرِهِ من ذنوبه" (٣). وثبت عنه ﷺ أنه قال: "ثمَّ أنتمْ يا خُزاعَةُ قد قتلتمْ هذا القتيلَ من هُذَيْلٍ واللهِ عاقِلُهُ، مَنْ قتلَ بعدَهُ قتيلاً، فأهلُهُ بين خِيْرَتَيْنِ: إن أحبُّوا أخذوا العَقْلَ، وإنْ أَحَبُّوا قَتَلوا" (٤).

стр. 255

* وفي (١) الآية دليلٌ على (٢) أنه إذا عُفي عن بعضِ الدَّم، سقطَ القِصاص، وقد فعلَ ذلك عمرُ وابنُ مسعودٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٣). * ثم توعّدَ اللهُ سبحانه مَنِ اعْتَدى فَقَتَل القاتِلَ بعدَ العَفْوِ وقَبولِ الديةِ بعذابٍ أليمٍ، وهو أن يُقْتَلَ قِصاصاً. قالَ قتادةُ وابنُ جُرَيْجٍ والسُّدِّيُّ: يتحتَّمُ قتلُه حتى لا يُقْبَلَ العَفْوُ (٤)؛ لِما رَوَى أبو داودَ عن جابرٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "لا أعافي أَحَداً قَتَلَ بعدَ أَخْذِ الدِّيَةِ" (٥). وقال عمرُ بنُ عبد العزيز: أمرُهُ إلى الإمامِ، يفعلُ فيه ما رَأى (٦). * وبيَّنَ -سبحانَه- وَجْهَ الحِكْمَةِ في القِصاصِ، وأنهُ حياةٌ للناسِ، وحقنُ

стр. 256

دمائهم فقالَ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]، وقد اسْتَنْبَطْنا من هذا أنَّ الجماعةَ يُقتلون بالواحِد؛ كما فعلَ عمرُ -رضيَ اللهُ تعالى عنه (١) - فإنَّهُمْ لو لم يُقتلوا به، لم يحصل لنا حياة، وكان التعاون والاشتراك ذريعةً إلى سقوط القِصاص، ووقوعِ الفَسادِ في الأرض (٢). والعَجَبُ من الإمامِ أحمَدَ حيث تعلَّقَ بشبهةِ المساواةِ في القِصاص، وغَفَلَ عن وَجْهِ الحكمةِ (٣)، معَ فعلِ عمرَ بمحضرٍ من الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-، ولم يخالفهُ منهمْ أحدٌ علمناهُ. * * *

стр. 257

(أحكام الوصايا) ٦ - (٦) قوله جل ثناؤه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. أقول: اختلفَ أهلُ العلمِ في تأويلِ هذه الآية اختلافاً كثيراً، فاختلفوا في نسخها، وفي الناسخ لها، وفي المَنْسوخِ منها (١). * فذهبَ فريقٌ من الناسِ إلى عَدَمِ نَسْخهِا، ثم اختلفتْ بهمُ الطرقُ: فقال بعضُهم (٢): يجمع للوارثِ بين الوصيَّةِ والإرثِ بهذه الآية، وبآيةِ المواريث. وهذا القولُ بعيد جداً، مخالف للإجماع. وتأوَّلَ بعضُهم فقال: معنى الآية: كتبَ عليكمْ ما أوصى من توريثِ الوالدينِ والأقربينَ من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ الآية [النساء: ١١]. وكتب على المُحْتَضَر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير

стр. 258

ما أوصى الله -تعالى- لهم، ولا ينقص من أَنْصِبائهم، بالمعروفِ: بالعدلِ. وهذا -أيضاً- بعيدٌ جداً (١). وحكي عن الشعبيِّ والنخعيِّ أنَّ الوصيةَ للوالدينِ والأقربينَ في هذه الآية على الندب لا على الفرض، فنسخت السنَّةُ جوازَ الوصيةِ للوالدين، وبقيتِ الوصيةُ للأقربينَ على الندبِ (٢). وهو بعيد جداً (٣)؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة: ١٧٨]. ولقوله تعالى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، إلا أن يريدَ أنها صارَتْ على الندبِ بعدَ أَنْ نُسِخَ وُجوبها، ثُمَّ نسخت السنةُ جوازَ الوصية، فهذا معنى قولِ أكثرِ العلماء الذي سأحكيهِ، إن شاء الله تعالى. وإنما حكيت هذه الأقوال مع ضعفها؛ لئلاً يُغْتَرَّ بها. - وقال أكثرُ أهلِ العلمِ أو عامَّتُهم: هي منسوخةٌ، وهو الحق (٤).

стр. 259

* ثم اختلفوا في الناسخِ لها. فقال أكثرُهم: كانت الوصيةُ واجبةً في صدر الإسلام، ثم نسختها آية المواريث. روي ذلكَ عن ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهم (١). واستشكل هذا قومٌ فقالوا: الفرضُ في آيةِ المواريثِ مطلَقٌ، لم يقل اللهُ سبحانه: لا شيءَ لوالديه إلا كذا أو كذا فرضاً من بعدِ وصيَّةٍ، فقدْ كانَ يجوزُ أن يثبت لهمُ الفرضُ المذكور من بعدِ ما يوصى لهُم بنصِّ القرآن المتصل بفريضة الميراث. ولأجل هذا الإشكال، قال قومٌ (٢): هي منسوخة بقوله ﷺ في حجَّةِ الوداع: "إن اللهَ قَدْ أَعْطَى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لِوارِثٍ" (٣). وقالوا: هذه سنَّةٌ تلقَّتْها الأمةُ بالقبول، فجاز نسخُ القرآن بها، وهؤلاء هم القائلونَ بجوازِ نسخِ السُّنَّةِ للقرآن. وهذا الاستشكالُ باطلٌ، والنظرُ إليه غَفْلَةٌ. فقدِ اتفقَ المُفَسِّرونَ وغيرُهم

стр. 260

من أهل العلمِ -واللهُ أعلم- على أن آية (١) الوصية نزلت قبل آية المواريث، وثبت أن النبيَّ ﷺ قال "إنَّ اللهَ قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ، فلا وَصِيَّةَ لوارثٍ" (٢)، فالسنَّةُ مبيِّنَةٌ أن آيةَ المواريث ناسخة لآية الوصية، لا أن السنَّةَ هي الناسخة لها (٣). * وأما المنسوخُ منها؛ فذهبَ طاوس، وقليلٌ من أهلِ العلمِ إلى أنها منسوخة في حَقِّ الأقارب الذين يرثون، وبقي وجوبُها في الأقارب الذين لا يرثون؛ كالأبوين الكافرين، والعبدين. ويحكى هذا القولُ عن الحسنِ وقَتادةَ والضَّحّاك وابنِ راهويه، ويروى عن ابنِ عباسٍ ﵄ (٤). قال طاوس: إن الوصية كانتْ قبلَ الميراثِ، فلما نزل الميراثُ، نُسِخَ من يرثُ، وبقيتِ الوصيةُ لمن لا يرثُ، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي قرابة، لم تجز وصيته (٥).

стр. 261

وقال الحَسَنُ: إذا أوصى الرجلُ لغير ذي قرابة بثلثه، فلهم ثلثُ الثلث، والباقي لقرابته (١). وقال أكثرُ أهلِ العلمِ: نُسخ وجوبُ الوصيةِ في جميع الأقربين، ثم مُنِعَ من الوصيةِ للوارِثين، واستُحِبَّتْ لغيرِ الوارِثين، وهو قولُ ابنِ عمرَ ومجُاهدٍ والشعبيِّ والنَّخَعِيِّ والسُّدِّيِّ ومالكٍ والشافعيِّ (٢). وفي البخاري عن ابن عباسٍ ﵄ قال: كانَ المالُ للولدِ، وكانت الوصيةُ للوالدينِ، فنسخَ اللهُ من ذلكَ ما أحبَّ، فجعلَ للذَّكَرِ مثلَ حَظِّ الأُنْثَيين، وجعل للأبوينِ لكلِّ واحدٍ منهما السُّدُسُ، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع (٣). فإن قال قائل (٤): فالآية محتملة لما قالَ طاوس، فهل تجدُ دليلاً على موافقته أو مخالفته، وأنَّ الأقربينَ غيرُ الوارثينَ لا تجبُ لهمُ الوصيةُ؟ قلت: الدلالة على خلافِ قولهِ مِن وَجْهين: أحدهما: ما رواه عِمرانُ بنُ الحُصَيْنِ ﵁: أنَّ رجلاً أعتقَ ستةَ عبيدٍ في مرضِهِ عندَ موته، لا مالَ له غيرُهم، فأقرعَ رسولُ اللهِ بينهم، فأعتق اثنين، وأرَقَّ أربعة (٥).

стр. 262

ومعلومٌ أنَّ العبيدَ ليسوا بذي قَرابةٍ؛ لأن المعتِقَ عربيٌّ، وإنما يملكُ مَنْ لا قرابةَ بينَهُ وبينَهُ من العَجَمِ، والعتقُ: وصيةٌ للعبيدِ بالعتقِ، أو كالوَصِيَّةَ. والثاني من الوجهين: أنَّ اللهَ -سبحانه- لم يَضَعِ الفَرائِضَ إلا في الأقربين، فجعلها في الأُصول والفُروع، وأولِ فصلٍ منْ كلِّ أصل، وهو -سبحانه- لم يجعلِ الوصيَّةَ المنسوخَة -أيضاً- إلَّا للأقربين دون القريبين، إلَّا أن يدَّعِيَ مُدَّع أنهُ كانَ واجباً في صدرِ الإسلام أَنْ يوصيَ الرجلُ لجميعِ عشيرتِهِ وقَرابتِه وأرحامِهِ، فحينئذٍ يجبُ عليه إثباتُه حتى يُنْظَرَ فيه، واللهُ أعلم. * وأمرَ اللهُ -سبحانه- المُوصيَ أنْ يوصِيَ بالمَعْروف، وجعل هذا الذي هو المعروفُ إلى اجتهاده. ويدلُّ عليه قولهُ تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١ - ١٨٢]. ولما نسخ اللهُ -سبحانَه- وجوبَ هذهِ الوصية، وأعطى الوالدينِ والأقربين حقوقَهم، وندب إلى الوصيةِ، جعلَ بيانَ المعروفِ إلى نبيِّهِ محمدٍ ﷺ (١)، فقال لِسَعْد لمّا أرادَ أن يوصيَ بنصفِ مالِهِ: "الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثيرٌ" (٢) حتى جعلَهُ الحَسَنُ حدًّا لا تجوزُ الزيادةُ عليه (٣).

стр. 263

(من أحكام الصِّيام) ٧ - ٨ (٧ - ٨) قوله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]. أقول: أما الأولى فبيِّنة في مكتوبية الصيام مُجْمَلةٌ، في أصل الصِّيام ووَضْعِه، ولكنه قد اتفقَ أهلُ العِلْمِ بالقرآنِ -واللهُ أعلمُ- على أن الآيتين نزلتا في فريضة صوم رمضان. * واختلفوا في المَعْنيِّ بالذين مِنْ قبلِنا. - فقال قوم (١): الإشارةُ إلى الأمم الخاليةِ، وذلكَ أَنَّ الله- سبحانه -

стр. 264

ما أرسلَ نبياً إلا افترضَ عليهِ وعلى أُمَّتهِ صِيامَ شهرِ رَمضانَ، فكَفَرت بهِ الأممُ كُلُّها، وآمَنَتْ بهِ أُمَّةُ محمدٍ ﷺ . - وقال قوم: المعنيُّ بالذين مِن قبلنا: هُمُ النَّصارى، ويروى عن الشعبيِّ والحَسَنِ ومجاهدٍ أَنَّهُمْ قالوا: إنَّ اللهَ ﷻ كانَ قدِ افترضَ على مَنْ كانَ قبلَنا مِنَ النَّصارى في صومِ رمضانَ، فحوَّلوه عن وقتِه، ثُمَّ زادَ كلُّ قرنٍ يوماً في أولهِ للاستبراء والاحتياطِ، ويوماً في آخره، حتى صار إلى الخمسين يوماً، ففرض الله علينا صومَهُ خاصَّةً، كما كان فرضاً عليهم بقولِه تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) [البقرة: ١٨٣]. * ثم قال آخرونَ (٢): والمعنيُّ بقوله: "كما كتب": صفةُ الصوم، وذلك أن النصارى كانوا إذا أفطروا، أكلوا وشربوا وجامعوا النساء ما لم يناموا، وكانَ المسلمونَ كذلكَ في التحريم ما لم يناموا، أو يصلُّوا العِشاءَ الآخرةَ. ثم نزلَ قولُه : ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]. * فهذه الآيةُ منسوخةٌ على هذا القول (٣).

стр. 265

روينا في "صحيح البخاري" عن أبي إسحاق قال: سمعتُ البراءَ يقولُ: لما نزلَ صومُ رمضانَ، كانوا لا يقربون النساءَ رمضانَ كُلَّه، فكانَ رجالٌ يخونونَ أنفسَهُم، أنزل اللهُ : ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ (١) الآية [البقرة: ١٨٧]، وهي -أيضاً- مع ذلك ناسخة. واختلفوا في المنسوخ بها. فقيلَ: صومُ يومِ عاشوراء، روي في "صحيحِ البخاري"، عن عائشةَ ﵂ قالت: كانَ يومُ عاشوارءَ تصومُهُ قريشٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكان النبيُّ ﷺ يصومُهُ، فلما قدمَ المدينةَ صامَهُ، وأمرَ بصيامِهِ، فلما نزلَ رمضانُ، كان رمضانُ الفريضَةَ، وترك عاشوراء، فمنْ شاءَ صامَ، ومن شاءَ لم يَصُمْهُ (٢). وروينا نحوَهُ عنِ ابنِ عُمَرَ وابنِ مسعودٍ، رضيَ اللهُ تعَالى عنهم (٣). - وقيل: المنسوخُ بها صومُ ثلاثةِ أيامٍ منْ كلِّ شهرٍ، كانَ أمرَ بهِ النبيُّ ﷺ في أولِ قدومِهِ المدينةَ (٤)، ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ ومُعاذٍ، رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٥).

стр. 266

روينا في "سُنَنِ البَيْهَقِيِّ" عن عمرِو بنِ مُرَّةَ يقولُ: سمعت ابنَ أبي ليلى يقول: أُحيلَتِ الصلاةُ ثلاثةَ أحوالٍ، والصَّوْمُ ثلاثةَ أحوال، فحدَّثَنَا أصحابُ النبيِّ ﷺ : لمّا قدمَ عليهم أَمَرَهُمْ ليصوموا ثلاثةَ أيام من كل شهر تطوعاً غيرَ فريضةٍ، ثم نزل صيامُ رمضانَ، وكانوا قوماً لم يتعوَّدوا الصِّيامَ، فكان يشتدّ عليهم الصيامُ، فكان مَنْ لم يصمْ، أطعم مسكيناً، ثم نزلت: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فكانت الرخصةُ للمريضِ والمسافرِ، قال: وكان الرجلُ إذا أفطرَ، فنامت امرأتهُ، لم يأتِها، فإذا نام ولم يَطْعَمْ، لم يَطْعَمْ إلى مثلِها من القابِلَةِ، حتى جاءَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ يريدُ امرأتَهُ، فقالت: إني قد نمتُ، فقال: إنَّما تَعْتَلِّين، فوقع بها، وجاء رجلٌ من الأنصار فأراد أن يَطْعَمَ، فقالوا: حتى نُسَخِّنَ لك شيئاً، فنام، فنزلت هذه الآية (١). * وأما الآيةُ الثانيةُ، فأولُها مُحْكَمٌ، وباقيها (٢) منسوخٌ على المشهورِ عندَ أهلِ العلم (٣).

стр. 267

* فأباحَ اللهُ -سبحانَهُ- بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] الفطرَ للمريضِ والمسافِر، وأكَدَ حُكْمَهُ بالذكر، فأعاده في الآية التي تلي هذهِ الآيةَ، وأوجبَ عليهما العِدَّةَ منْ أيامٍ أُخَرَ، ولم يوجبْ عليهما فِدْيَةً. وبين النبيُّ ﷺ أنَّ الحائِضَ في معناهُما، قالت عائشةُ -رضيَ الله تعالى عنها-: كنا نُؤْمَرُ بقَضاءِ الصَّوْمِ، ولا نُؤْمَرُ بقَضاءِ الصلاة (١). وقِسْنا النُّفَساءَ على الحائِضِ؛ لكونها في معناها؛ لأن النّفاسَ حَيْضٌ مجتمعٌ. * فإنْ قلتُم: فهل فِطرُ المسافر على سبيل الرُّخْصَةِ أو على سبيل العزيمةِ؛ فإنَّ (٢) اللفظ يحتملُ ألاَّ يجعلَ لهم صومَ رمضانَ، ويجعلَ عليهم عدداً آخر، ويحتملُ أن يكونَ أَمَرَهُمْ بالفطر في هاتين الحالتين على الرخصة، إن شاؤوا؛ لئلاّ يحرجوا إن فعلوا، واللَّفْظُ في العَزْمِ أظْهَرُ؛ لترتُّبِ المَشْروطِ على الشَّرْطِ؟ قلتُ: الذي عليه أكثرُ أهلِ العلمِ أَنَّهُ بطريقِ الرُّخْصَةِ، واحتجُّوا بقولهِ تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبما روى أبو سعيدٍ الخدريُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- قال: كنا نسافرُ مع النبيِّ ﷺ ، فمنّا الصائِمُ، ومِنَّا المُفْطِرُ، فلا يَعيبُ الصائِمُ على المُفْطِرِ، ولا المفطرُ على الصائِمِ (٣).

стр. 268

ورويَ عنِ ابنِ عباسٍ وأبي هُريرةَ وعُروةَ بن الزُّبيرِ وعلي بنِ الحُسَينِ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- أنهم قالوا: لا يجوزُ الصومُ في السَّفَرِ، ومنْ صامَ فعليهِ القضاءُ، وجعلوهُ كالعاصي بصومِه، وبه قال داودُ وأهلُ الظَّاهِرِ. ولهم من الحجَّةِ: ظاهِرُ الآيةِ، وقولُه ﷺ : "ليسَ مِنَ البرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ" (١). وما روى جابرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵁: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ إلى مكَّةَ عامَ الفتحِ في رَمَضانَ، فصامَ حتى بلغِ كُراعَ الغَميمِ (٢)، فصامَ الناسُ، فقيلَ له: يا رسولَ الله! إنَّ الناسَ قَدْ شقَّ عَلَيْهِمُ الصِّيامُ، فدَعا بقَدَحٍ من ماءٍ بعدَ العَصْرِ، فشربَ، والناسُ ينظرون، فأفطرَ بعضُ الناس، وصامَ بعضُهم، فبلغه أنَّ ناساً صاموا، فقال: "أولئكَ العُصاةُ" (٣)، وما روى ابنُ عباسٍ ﵄: أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ خرجَ عامَ الفتح في رَمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَديدَ (٤)، ثم أفطر فأفطر الناسُ

стр. 269

معه (١). وإنَّما كانوا يأخذون بالأحْدَثِ مِن أَمْرِ رسول الله ﷺ ، وما روي: أنَّ عمرَ ﵁ أمرَ رَجُلاً صامَ في السفرِ أن يقضيَ الصِّيامَ (٢). فإن قلتم: فما اختيارُك؟ قلت: ما عليه الأكثرُ من أهل العلم. فإنْ قلتُم: فما الجوابُ عنْ هذه الأدلَّةِ القويَّةِ؟ قلت: أما الآيةُ، فإنها تحتمل الأمرين، فقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] يحتملُ أن يكونَ للعزيمةِ، ويحتملُ أن يكونَ للرُّخْصَةِ، ودلَّ على أنه للرُّخْصَةِ تخييره لذوي الطاقة في الإفطار والصوم؛ فإن ذلك لمّا كانَ في آيةٍ واحدةٍ، دلَّنا على التَّخْييرِ والرُّخْصَةِ. - وأما قوله ﷺ : "ليس من البرِّ الصِّيامُ في السَّفَرِ"، فالجوابُ عنهُ: أنَّ جابِرَ بنَ عبدِ الله -رضيَ اللهُ تعالى عنهما- روى هذا الحديث مفسّراً بسببهِ، وذكر أنَّ النبيَّ ﷺ رأى زِحاماً ورجلاً قد ظُلِّل عليه، فسأل عنهُ، فقيل له: صائم، فقال: "ليسَ من البرِّ الصيامُ في السَّفَر" (٣)، ويحتمل أن مرادَهُ ليسَ من الِبرِّ المفروضِ الذي مَنْ خالفه أَثِمَ.

стр. 270

- وأما قوله ﷺ : "أولئك العصاة"؛ فإنه ﷺ إنما أفطرَ لَمّا قيلَ لَهُ: شَقَّ على الناسِ الصِّيامُ، وكانتِ المَشَقَّةُ أَفْضَتْ بهمْ إلى حَدِّ الضَّرَرِ، وإذا كانَ الأمرُ كذلكَ، حَرُمَ الصوْمُ، وذمَّهُمْ لمَّا خالفوهُ ورَغبِوا عن سُنَّتِهِ وقَبول رُخْصَتِه، ولهذا لم يُنْقَلْ أنه عَيَّرهُم، أو أمرهم بالقضاءِ والتَّدارُكِ. - وأمّا قولُ عمرَ ﵁، فقال الشافعيُّ: لا أعرفُه عنه، وإنْ عرفتهُ، فالحجَّةُ ثابتةٌ بما ثبتَ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ (١). - وأما قولُ ابنِ عباسٍ: يؤخذ بالأحدثِ فالأَحدث، فالظاهرُ أَنَّهُ من قوله، ويحتمل أنْ يقولَهُ من روى عنهُ برأيهِ واجتهادِه، فقد يسمعُ الراوي الشيءَ، فيتأوَّلُه، ولا يسمعُ غيرَه، ولا يمتنعُ على من علم الأمرين أن يقول بهما. * فإن قلتم: فما الأفضلُ عندَ من يقولُ بالرخصةِ؟ قلت: قالت طائفة: الفِطْرُ في السفرِ أفضلُ، رُوِيَ ذلكَ عنِ ابنِ عُمَرَ وابن عَباسٍ وسعيدِ بنِ المُسَيِّبِ ومُجاهدٍ وقتادَةَ والشَّعْبِيِّ والأوزاعِيِّ وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ وأحمدَ وإسحاقَ (٢)، وإيَّاهُ أَختارُ؛ لما فيه من التأسّي والاقتداءِ برسولِ الله ﷺ الذي مَنْ خالفَهُ رَغْبَةً عنهُ، استَحقَّ أن يُسَمَّى عاصِياً، وللخروج من الخلاف. - وذهبَ قومٌ إلى أن الصومَ أفضلُ، رويَ ذلك عنِ ابنِ عباسٍ (٣) ومعاذٍ

стр. 271

وعثمانَ بن أبي العاصِ الثقفيِّ، وبه قالَ إبراهيمُ، وسعيدُ بنُ جبير، ومالكٌ في رواية، وإليه يؤولُ مذهبُ الشافعيِّ ﵁ (١). - والمشهورُ عندَ المالكيةِ التخييرُ (٢)؛ لما روى أَنَسٌ ﵁ قالَ: سافرْنا مع رسولِ الله ﷺ في رمضانَ، فلم يَعِبِ الصائمُ على المفْطِرِ، ولا المفطرُ على الصائِم (٣). * فإن قلتُم: فبيِّنْ لنا حَدَّ السفرِ والمرضِ عندَ إمامِنا الشافعيِّ وغيرِه من أهل العلمِ، وبيِّنْ لنا مُسْتَنَدَ الشافِعيِّ في التحديد. قلتُ: أما السفرُ، فذهبَ قومٌ إلى أنه مسيرةُ يومٍ واحدٍ (٤)، وذهبَ جماعةٌ إلى أنهُ ثلاثةُ أيامٍ، وهوَ قولُ الثوريِّ وأبي حنيفةَ (٥).

стр. 272

وأما الشافعيُّ، فلمّا قامَ الدليلُ عندَهُ على الفرقِ بينَ قليلِ السفرِ وكثيرِهِ، طلبَ دليلاً في التحديدِ، فلم يجدْ إلاّ ما رُوِيَ عنِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم-: أنهم قَصَروا وأفطروا في أربعةِ بُرُدٍ (١)، فقضى به (٢)؛ إذْ لم يجدْ أقل منهُ في التحديد، ومثلُه تقوم به حجَّة في مثلِ هذا المقامِ. - وأما المرضُ، فإنه لما قامَ الدليلُ -أيضاً- على أنه لا بدَّ من فرقٍ بين قليلهِ وكثيرِهِ؛ إذْ لا عبرَةَ بالمشقَّةِ اليسيرةِ؛ كالسفر القريب، طلبَ دليلاً على التحديد، فلم يجدْ، فنظرَ في المعنى المقصودِ بالرخصةِ، فوجدهُ المشقَّةَ، فجوز للمريض الفِطْرَ إذا جَهَدَهُ الصومُ جَهْداً غير مُحْتَمَلٍ، ومنعه إذا لم يَجْهَدْهُ؛ إذ هو كالصحيح، ولو جَوَّزَ له الإفطارَ بغير مَشَقَّةٍ، لوُجِدَ المعلولُ ولا عِلَّةَ معهُ، وبطلَ المعنى الذي لأجله رُخِّصَ في الفِطْر. وذهبَ أهلُ الظاهرِ إلى أنَّ ما يقعُ عليهِ اسمُ المَرضِ يبيحُ الفِطْرَ، وهو قول ابن سيرينَ، ورويَ عن الحَسَنِ أيضاً، وقال الحسنُ وإبراهيمُ: إنه المرضُ الذي تجوزُ معه الصلاةُ من قُعودٍ.

стр. 273

وذهبَ الأكثرون إلى أنه ما يُخافُ من الصوم معهُ زيادةُ عِلَّةٍ غيرِ محتمَلَةٍ (١). * إذا تقررَ هذا، فقد اشتملتِ هذه الآية على أربعِ جُمَلٍ: الجملة الأولى: قولُه ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] قرأ أُبَيٌّ: (فعدةٌ من أيامٍ أُخَرَ مُتَتابعاتٍ) (٢)، وروي عن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها-: أَنها قالت: نزلت: (من أيامٍ أخرَ متتابعاتٍ) سقطتْ مُتتابعاتٍ (٣)، أَيْ: نُسخت (٤). * واختلفَ العلماءُ في هذهِ الأيامِ. فقال أكثرُهم: هي على التخييرِ، إن شاءَ جاء بها متتابعةً، وإن شاءَ جاء بها متفرقةً، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وأنسٍ ومعاذٍ وأبي حنيفةَ ومالك والأوزاعيِّ والشافعيِّ، ويروى عن أبي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ أنهُ قالَ: إنّ اللهَ تَعالى لم يرخِّص لكم في فِطْرِهِ، وهو يريدُ أن يَشُقَّ عليكمْ في قَضائِهِ (٥).

стр. 274

- ويروى عن عليٍّ وعائشةَ وابن عمرَ والشعبيِّ ومالكٍ أَنَّه يقضي كما فات متتابعاً (١). * وفي هذهِ الجُمْلَةِ دليلٌ على أَنه إذا أفطرَ في (٢) الأيامِ الطِّوالِ كأيام الصيفِ، جاز له أن يقضيَ في أيام الشتاء (٣)؛ فإنها عدَّةٌ من أيام أُخَرَ، ولا أعلمُ أحداً خالفَ في هذا. * وفيها دليلٌ على أنه إذا أفطرَ بالمَرَضِ جميعَ شَهْرِ رمضانَ، وكانَ تسعةً وعشرين يوماً، أنه يقضي تسعةً وعشرين يوماً (٤).

стр. 275

وخالف في هذا الحسنُ بنُ صالحٍ، فأوجَبَ شهراً بالهِلال (١). * وفيها دليلٌ على أنه لا يجبُ المُسارَعَةُ إلى قضاءِ رمضانَ بعدَ زوالِ العُذْرِ من المرضِ والسَّفر. وإلى هذا ذهبَ عامَّةُ أهلِ العِلْم (٢)، ويدل لهم ما رواهُ البخاريُّ ومسلمٌ عن عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها- قالت: يكونُ عليَّ الصومُ من رمضانَ، فما أستطيعُ أن أقضيَهُ إلا في شعبانَ؛ لشُغْلي برسولِ اللهِ ﷺ (٣). وقال داودُ: يجب عليه القضاءُ من ثاني شَوَّالٍ (٤). * وفيها دليل على أنه إذا أخَّرَ القضاءَ إلى سنةٍ أخرى حتى أدرَكهُ رمضانُ الثاني لعذرٍ أنَّ عليهِ العِدَّةَ (٥). وقال قوم من أهل العلم: ليسَ عليهِ إلَّا الإطعامُ، وحُكيَ عنِ ابنِ عباسٍ

стр. 276

وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وقتادةَ وسعيدِ بن جبير (١). والجمهورُ على خِلافهم. وأما إذا أَخَّرَهُ بغيرِ عذرٍ، فإن العِدَّةَ تجب بالآية، إما نطقاً، أو قياساً، وتجب مع العِدَّةِ الكَفّارةُ، لكلَ يوم مدٌّ من طَعامٍ؛ لقضاءِ الصحابةِ بالكَفَّارِة، روي ذلكَ عنِ ابنِ عباسٍ وابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وابن مسعودٍ وجابرٍ والحسنِ بنِ عليٍّ ﵃، وبه قالَ مالك، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ. وقال أبو حنيفةَ: يقضي، ولا شيءَ عليه، ويروى عن الحسنِ وإبراهيمَ وداودَ، وأشارَ البخاريُّ إلى اختياره في "جامِعِه" (٢). الجملةُ الثانية: قولهُ : ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]. * واختلفَ أهلُ العلمِ في هذهِ الجُملةِ، فالمشهورُ أنها منسوخةٌ (٣)، وهو

стр. 277

قول ابنِ عمرَ وسلمةَ بن الأَكْوَع ومعاذِ بنِ جبلٍ وعكرمةَ والحَسَنِ وعَطاءٍ، وهي منسوخةٌ بقولهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، رواه البخاريُّ عن سلمةَ بنِ الأكْوَعِ وابنِ عمرَ (١). فإن قلتم: قد روى البخاريُّ عن ابنِ أبي ليلى: أنه قالَ: حدثنا أصحابُ رسول الله ﷺ : نزلَ رمضانُ، فشق عليهم، فكانَ كل من أطعم كلَّ يومٍ مسكيناً، ترك الصومَ ممَّنْ يطيقُهُ، ورخصَ لهم في ذلك، فنسخَها: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وأمروا بالصوم (٢)، وهذا نسخٌ لأول هذه الآية بآخِرِها، فهل في القرآنِ يجوزُ أن يُنْسَخَ أولُ الآيةِ بآخرها (٣). قلت: قال الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الشافعيُّ ﵀: لم أعلم أحداً من أهلِ العلمِ بالقرآن يخالفُ في أن الآية كلامٌ واحد، وأنها لم تنزل [إلا] مجتمعةً [بل اتفقوا على أن الآية كلامٌ واحد، نزلت مجتمعةً] (٤) غير متفرقةٍ، وإن كان الآيتان قد تنزلان متفرقتين في سورة واحدة (٥). وعلى سياقِ كلامِه -رحمهُ اللهُ تعالى- يجب ألا ينسخ آخرُ الآيةِ أوَّلَها؛ لأن النسخ لا يكونُ مع تراخي الناسخِ عن المنسوخِ، فواجبٌ حينئذٍ أن يُؤَوَّلَ كلامُ ابن أبي ليلى على أن الناسخَ قولهُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولهذا قال في آخر كلامه: وأُمروا بالصومِ.

стр. 278

ويدلُّ على هذا ما رويناهُ في "سننِ البيهقيِّ" عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن ابنِ أبي ليلى، وقد تقدمَ ذكرُه قريباً [في صدر الكلامِ على أول الآيَة] (١). لكن ما ذكرَهُ الشافعي عن أهلِ العلمِ غيرُ مُسَلَّمٍ، وإنما وَهِمَ أبو عبد الله، بلِ الآيةُ تنزلُ متفرقةً، وينزل بعضُها دون بعضٍ، وقد رويَ في "صحيح البخاري" عن سهلِ بنِ سعدٍ قال: أنزلت: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولم ينزلْ ﴿مِنَ الْفَجْر﴾، وكان رجالٌ إذا أرادوا الصوم ربطَ أحدُهم في رجليه الخيطَ الأبيضَ والخيطَ الأسودَ، ولا يزالُ يأكلُ حتى يتبينَ له رؤيتُهما، فأنزل الله بعدُ: ﴿مِنَ الْفَجْر﴾ (٢). وروي أنه لما أُنزلَ قولُه تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ ... وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٣) [النساء: ٩٥] شقَّ على أُولي الضَّرَر، فأنزلَ اللهُ سبحانه: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥]. قال ابنُ عباسٍ: ليستْ منسوخةً، بل هو للشيخِ الكبيرِ والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكانَ كلِّ يومٍ مسكيناً (٤)، وكان يقرأ:

стр. 279

(وعلى الذين يُطَيَّقونَهُ) (١) أي: يُكَلَّفونه. ويتأوَّلهُ على الشيخِ الكبير، والمرأةِ الكبيرة، وهو قولُ قَتادةَ، وقال: هي غيرُ منسوخة أبداً (٢)، ومعناهُ: وعلى الذينَ كانوا يطيقونَهُ في حالِ الشبابِ، فعجزوا عنهُ بعد الكِبَر، فعليهم الفديةُ بدلَ الصومِ. وذكر بعضُهم قولاً أغربَ من هذا، فقال: هي محكمةٌ، والمعنى: وعلى الذين يطيقونه، أي: يطيقون الإطعام، ويعجزون عن الصيام، فديةٌ طعامُ مساكين (٣). قال قائله: وهذا يُروى عن السلفِ، ورجَّعَ الضميرَ إلى (٤) الفداء، وإن لم يتقدم ذكرُه؛ لأنه يَدُلُّ على صاحبِ الإضمار، وذلك جائزٌ في لسان العرب. وحكى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ قال: قال لي مالك في الآية: إنما ذلك في الرجلِ يمرضُ، فيفطرُ، ثم يَبْرَأُ، فلا يَقْضي ما أفطرَ حتى يدركَهُ رمضانُ منْ قابِلٍ، فعليهِ أن يبدأَ برمضانَ الذي أَدْرَكَهُ، ثم يقضي الذي فاتَهُ بعدَ ذلك، ويُطْعِمُ عن كلِّ يومٍ مُدًّا منْ حِنْطَةٍ. وهذا التأويلُ من مالكٍ يدلُّ على أن الآيةَ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ عندهُ، ويكون المعنى: وعلى الذين يطيقونه، أي: يطيقونَ قضاءَ ما عليهم، فلا يقضون حتى يأتيَ رمضانُ الثاني. وهو مناقضٌ لما سأحكيهِ عنهُ إن شاء الله تعالى.

стр. 280

ويروى هذا القولُ عن زيدِ بنِ أسلمَ وابنِ شهابٍ (١). والقول بالنسخ هو الصحيحُ والمُعَوَّلُ عليه. * فإن قلتُم: فما حكم الَّذينَ لا يُطيقون الصومَ قبلَ النسخِ، وما حكمُهم بعدَ النسخِ؟ قلت: أوجبَ اللهُ الصيامَ على الجميع من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهم من جُملةِ المؤمنين، ثم خَصّ المريضَ والمسافرَ بحُكْمٍ، وهو وجوبُ العِدَّةِ من أيامٍ أُخَرَ، وخصَّ الذين يُطيقونَ الصومَ بالذِّكرِ -أيضاً- لأجْلِ الرخصةِ لهم بالإفطار، وتركَ الذينَ لا يطيقونا على أصلِ الوُجوب، ولم يذكر الفديةَ في حَقِّهم؛ لأنها معلومةٌ بينةٌ من طريق الأَوْلى والأَحرى، إما نُطْقاً، أو قياساً فيها؛ لأنها إذا قُبلَتْ من الذي يطيقُ الصومَ، فالذي لا يطيقُهُ أولى بالقبولِ. ثم نسخَ اللهُ سبحَانَهُ حكمَ التَّخْيير عن الذين يطيقونَ الصومَ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وبين الله في الآية الثانية أن المريضَ والمسافرَ باقيان على حكمهما لمَّا كان يتطرَّقُ الظنُّ إلى نسخِ حكمِهما عندَ نسخِ حُكْمِ قرينتِهما، وتَرَكَ ذكرَ الذين لا يُطيقون الصومَ؛ لعدمِ تطرُّقِ الظنِّ إلى نسخِ حكمهم؛ فإنه معلوم أنّ اللهَ -سبحانَهُ- لم يحتِّمْ عليهمُ الصيامَ؛ لأنهم لا يطيقونه، وقد قال في آخر الآية: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وتبيينُ آخرِ الكلام لأولهِ كثيرٌ في القرآن الكريم. ويعضدُ هذا ما رُوي عن معاذٍ ﵁ قال: لما قال الله ذكرُه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، كان

стр. 281

من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ مسكيناً، عن كلِّ يومٍ مُدًّا. قال: ثم أوجبَ اللهُ الصيامَ على الصحيح المقيمِ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وثبتَ الإطعام على من لا يُطيق الصومَ إذا أفطرَ مِنْ كِبَرٍ. وإن قلتم: فما الدليلُ على أن الصومَ كان واجباً على من لا يطيقُ الصومَ قبل النسخِ حتى تكونَ الفديةُ بدلاً عنه؟ قلت: قولُ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]. فإن قلتم: فالذي كُتِبَ على الذين مِنْ قبلنا مُجْمَلٌ، والناسُ يختلفون فيه؟ قلت: قد ذكرتُ الاتفاقَ من عامَّةِ أهلِ العلمِ على أن المرادَ بذلكَ فريضةُ شهرِ رمضانَ، والشيخُ الكبيرُ داخلٌ في جُمْلَةِ المؤمنين، صالحٌ لقبول الخطاب. وروينا في "صحيح البخاري": أن أَنَساً أطعم بعد ما كَبِرَ، عاماً أو عامين، كلّ يومٍ مسكيناً خُبْزاً ولَحْماً، وأفطر (١). وما قدمْتُه عن ابنِ عباسٍ ومعاذٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهم. وقال مالكٌ في غيرِ روايةِ ابنِ وَهْبٍ: الآيةُ منسوخةٌ، ولا إطعامَ على الكبيرِ إذا أفطر ولم يُطِق الصومَ (٢).

стр. 282

ولا يخلو مالكٌ من أحدِ أمرين: - إما أنه اعتقدَ أن الشيخَ غير داخلٍ في الخطابِ المنسوخِ؛ لعدمِ استطاعتِه على الصّومِ، وخَصَّ أولَ الآيةِ بآخرها، وجعلَ المُرادَ بالمؤمنينَ المريضَ والمسافرَ والذي يطيقُ الصومَ، وهذا ضعيفٌ جِداً؛ لِما قَدَّمْتُه من أنه داخلٌ في حُكمِ الخطابِ؛ لكونِه من المؤمنينَ، وشهدَ لذلكَ اللغةُ والآثار التي قدمتُها، وشهادةُ الأصولِ في العاجزِ عن المُبْدَلِ إذا قدرَ على البَدَلِ وجبَ عليهِ الإِتيانُ به؛ كالرَّمْي في الحجِّ (١)، والعادمِ للماء، والعاجز عن القيام في الصلاة. - وإما أن يكونَ اعتقدَ أن حكمُ الشيخِ قد نُسِخَ كما نُسِخَ حكم الذين يطيقونَ الصومَ من التَّخْييرِ إلى الحَتْم كما نُسِخَتِ الفِدْيةُ في حقهم، فكذلك نسخ (٢) الفديةُ عن هذا؛ إذ هو غيرُ مكلَّف بالحتمِ، فهذا غير مكلف بالصوم؛ لتعذره منه عند شهود الشهر، وغيرُ مكلفٍ بالفديةِ لكونها منسوخةً. ولهذا وجهٌ في القياسِ؛ لأن الفدية تجب عوضاً عن الصومِ الواجبِ في الذمَّة، وهو لم يجبْ عليه؛ لعدم تكليفه الصومَ، فإذا أُبطلَ المُبْدَلُ، بطلَ البَدَلُ (٣).

стр. 283

ويشهدُ لهُ الأصولُ أيضاً؛ فإنه مفطرٌ بعذرٍ، فلا يجبُ عليه الفِدْيَةُ؛ كالمسافرِ والمريضِ. وهذا هو الظاهرُ عنهُ في مُرادِه، رحمه اللهُ تعالى. وخلاصةُ الأمرِ عندَ من يقولُ بالنسخِ: هل النسخُ وردَ على التخييرِ وحدَهُ، وانتسخَ حكمُ الفدية تبعاً، أو وردَ النسخُ على التخييرِ والفدية؟ فمنْ قالَ بالأولِ قال: لا تخييرَ في حقِّ الشيخ، فهوَ غيرُ داخلٍ في النسخ. ومن قال بالثاني، قال: نُسِخا جميعاً، ووجبَ الصومُ على المطيقِ، وارتفعَ الوجوبُ عَمَّنْ لم يطق الصوم. * فإن قلتم: فما قَدْرُ طعامِ المسكين؟ قلت: مُدٌّ عندَ أهلِ الحجاز، ونصفُ صاعٍ (١) عندَ أهلِ العِراقِ (٢). ومستندُ فقهاءِ الحجازِ أنهم وَجَدوا (٣) أقلّ شيءٍ أُخْرِجَ وأُطْعِمَ، فجعلوه

стр. 284

حَدًّا ومِقداراً، ويستأنسون بما ورد في بعضِ طرقِ حديثِ الكَفَّارةِ على المُجامِع في نَهارِ رمضانَ: أَنَّ العَرَقَ (١) الذي أُتِيَ بهِ النبيُّ ﷺ كانَ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعاً، فقالَ له: "خذهُ وتصدقْ بهِ" بعد أن ندبه إلى إطعام ستين مسكيناً (٢). ومستندُ أهلِ العراقِ: فدية الأذى (٣)، رأوها أقرب الأشياء شَبَهاً به، من حيثُ إنه يحرمُ فِعْلُهما من غير عذر (٤)، ويجوزُ فِعْلُهما مع العذر، فدل على أنه مثله. الجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: زاد على مسكين واحد، قاله مجاهدٌ وعطاءٌ (٥)، وقيلَ: زاد عَلى القدرِ الواجبِ عليهِ، فأعطى صاعاً أو مدَّين (٦).

стр. 285

* وفي هذا دليلٌ على أن الرجلَ إذا أخرجَ أكثرَ من الواجبِ عليهِ أنَّ الزائدَ يكونُ تطوُّعاً. وفي ذلك خلافٌ بين العلماء، والصحيحُ أنه تطوُّعٌ (١). الجملة الرابعة: قولُه تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فيه دليلٌ لمن يقولُ بنسخ الآيةِ؛ لأنه لا يندبُ إلى الصيام وأنه خيرٌ له، إلاّ من يطيقهُ، لا من يُطَوَّقُهُ وهو غيرُ مطيق له (٢). * * * ٩ - (٩) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفيها خمس جملٍ: الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. استنبطَ أهلُ العلم من هذا، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]: أن ليلة القدر في شهرِ رمضان. واتفقَ (٣) أهلُ العلمِ بالقرآنِ على أن اللهَ -سبحانَهُ- أنزلَ القرآنَ من اللوحِ
следующие страницы →