← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

من شاءَ صامَ، ومن شاءَ أفطرَ وأطعمَ مسكيناً، عن كلِّ يومٍ مُدًّا. قال: ثم أوجبَ اللهُ الصيامَ على الصحيح المقيمِ بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وثبتَ الإطعام على من لا يُطيق الصومَ إذا أفطرَ مِنْ كِبَرٍ. وإن قلتم: فما الدليلُ على أن الصومَ كان واجباً على من لا يطيقُ الصومَ قبل النسخِ حتى تكونَ الفديةُ بدلاً عنه؟ قلت: قولُ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]. فإن قلتم: فالذي كُتِبَ على الذين مِنْ قبلنا مُجْمَلٌ، والناسُ يختلفون فيه؟ قلت: قد ذكرتُ الاتفاقَ من عامَّةِ أهلِ العلمِ على أن المرادَ بذلكَ فريضةُ شهرِ رمضانَ، والشيخُ الكبيرُ داخلٌ في جُمْلَةِ المؤمنين، صالحٌ لقبول الخطاب. وروينا في "صحيح البخاري": أن أَنَساً أطعم بعد ما كَبِرَ، عاماً أو عامين، كلّ يومٍ مسكيناً خُبْزاً ولَحْماً، وأفطر (١). وما قدمْتُه عن ابنِ عباسٍ ومعاذٍ رضيَ اللهُ تعالى عنهم. وقال مالكٌ في غيرِ روايةِ ابنِ وَهْبٍ: الآيةُ منسوخةٌ، ولا إطعامَ على الكبيرِ إذا أفطر ولم يُطِق الصومَ (٢).

стр. 282

ولا يخلو مالكٌ من أحدِ أمرين: - إما أنه اعتقدَ أن الشيخَ غير داخلٍ في الخطابِ المنسوخِ؛ لعدمِ استطاعتِه على الصّومِ، وخَصَّ أولَ الآيةِ بآخرها، وجعلَ المُرادَ بالمؤمنينَ المريضَ والمسافرَ والذي يطيقُ الصومَ، وهذا ضعيفٌ جِداً؛ لِما قَدَّمْتُه من أنه داخلٌ في حُكمِ الخطابِ؛ لكونِه من المؤمنينَ، وشهدَ لذلكَ اللغةُ والآثار التي قدمتُها، وشهادةُ الأصولِ في العاجزِ عن المُبْدَلِ إذا قدرَ على البَدَلِ وجبَ عليهِ الإِتيانُ به؛ كالرَّمْي في الحجِّ (١)، والعادمِ للماء، والعاجز عن القيام في الصلاة. - وإما أن يكونَ اعتقدَ أن حكمُ الشيخِ قد نُسِخَ كما نُسِخَ حكم الذين يطيقونَ الصومَ من التَّخْييرِ إلى الحَتْم كما نُسِخَتِ الفِدْيةُ في حقهم، فكذلك نسخ (٢) الفديةُ عن هذا؛ إذ هو غيرُ مكلَّف بالحتمِ، فهذا غير مكلف بالصوم؛ لتعذره منه عند شهود الشهر، وغيرُ مكلفٍ بالفديةِ لكونها منسوخةً. ولهذا وجهٌ في القياسِ؛ لأن الفدية تجب عوضاً عن الصومِ الواجبِ في الذمَّة، وهو لم يجبْ عليه؛ لعدم تكليفه الصومَ، فإذا أُبطلَ المُبْدَلُ، بطلَ البَدَلُ (٣).

стр. 283

ويشهدُ لهُ الأصولُ أيضاً؛ فإنه مفطرٌ بعذرٍ، فلا يجبُ عليه الفِدْيَةُ؛ كالمسافرِ والمريضِ. وهذا هو الظاهرُ عنهُ في مُرادِه، رحمه اللهُ تعالى. وخلاصةُ الأمرِ عندَ من يقولُ بالنسخِ: هل النسخُ وردَ على التخييرِ وحدَهُ، وانتسخَ حكمُ الفدية تبعاً، أو وردَ النسخُ على التخييرِ والفدية؟ فمنْ قالَ بالأولِ قال: لا تخييرَ في حقِّ الشيخ، فهوَ غيرُ داخلٍ في النسخ. ومن قال بالثاني، قال: نُسِخا جميعاً، ووجبَ الصومُ على المطيقِ، وارتفعَ الوجوبُ عَمَّنْ لم يطق الصوم. * فإن قلتم: فما قَدْرُ طعامِ المسكين؟ قلت: مُدٌّ عندَ أهلِ الحجاز، ونصفُ صاعٍ (١) عندَ أهلِ العِراقِ (٢). ومستندُ فقهاءِ الحجازِ أنهم وَجَدوا (٣) أقلّ شيءٍ أُخْرِجَ وأُطْعِمَ، فجعلوه

стр. 284

حَدًّا ومِقداراً، ويستأنسون بما ورد في بعضِ طرقِ حديثِ الكَفَّارةِ على المُجامِع في نَهارِ رمضانَ: أَنَّ العَرَقَ (١) الذي أُتِيَ بهِ النبيُّ ﷺ كانَ فيه خَمْسَةَ عَشَرَ صاعاً، فقالَ له: "خذهُ وتصدقْ بهِ" بعد أن ندبه إلى إطعام ستين مسكيناً (٢). ومستندُ أهلِ العراقِ: فدية الأذى (٣)، رأوها أقرب الأشياء شَبَهاً به، من حيثُ إنه يحرمُ فِعْلُهما من غير عذر (٤)، ويجوزُ فِعْلُهما مع العذر، فدل على أنه مثله. الجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: زاد على مسكين واحد، قاله مجاهدٌ وعطاءٌ (٥)، وقيلَ: زاد عَلى القدرِ الواجبِ عليهِ، فأعطى صاعاً أو مدَّين (٦).

стр. 285

* وفي هذا دليلٌ على أن الرجلَ إذا أخرجَ أكثرَ من الواجبِ عليهِ أنَّ الزائدَ يكونُ تطوُّعاً. وفي ذلك خلافٌ بين العلماء، والصحيحُ أنه تطوُّعٌ (١). الجملة الرابعة: قولُه تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فيه دليلٌ لمن يقولُ بنسخ الآيةِ؛ لأنه لا يندبُ إلى الصيام وأنه خيرٌ له، إلاّ من يطيقهُ، لا من يُطَوَّقُهُ وهو غيرُ مطيق له (٢). * * * ٩ - (٩) قوله جَلَّ ثناؤه: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وفيها خمس جملٍ: الأولى: قوله تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. استنبطَ أهلُ العلم من هذا، مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]: أن ليلة القدر في شهرِ رمضان. واتفقَ (٣) أهلُ العلمِ بالقرآنِ على أن اللهَ -سبحانَهُ- أنزلَ القرآنَ من اللوحِ

стр. 286

المحفوظِ إلى سماءِ الدنيا جملةً واحدةً، ثم أنزلهَ على محمدٍ ﷺ إلى الدنيا نُجوماً (١). الجملة الثانية: قولهُ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. أوجب بها علينا صوم شهر رمضان، وحَتَّمَهُ على من شَهِدَ الشهرَ، والشهودُ هنا هو العلمُ والحُضور، وذلك يحصل إما برؤيةِ الصائمِ وحدَه، وإما برؤيةِ غيرِه. * أما رؤيتهُ وحدَهُ، فموجبةٌ للصيام في حقِّهِ؛ خلافاً لعطاءِ بنِ أبي رباح وإسحاق؛ فإنه حُكِيَ عنهما أنهما قالا: لا يصومُ إلا برؤيةِ غيرِهِ معه (٢)، وهما محجوجان بنصِّ القرآن. - ثم اختلفوا، هل يفطر وحده إذا رأى هِلال شَوّال؟ فقال الشافعيُّ: يُفْطِرُ، ولْيُخْفِ فِطْرَهُ، ولا يُعَرِّضْ نفسَهُ لعقوبة السلطان (٣). وقال مالك: لا يفطر، سداً للذَّريعةِ؛ لئلاً يقول له (٤) مَنْ لا أمانةَ له (٥): رأيتُ الهلالَ.

стр. 287

وهذا منْ أصولِه، وهو من عملِه بالمَصالحِ المُرْسَلَةِ، وقولهِ بِسَدِّ الذرائع. وإلى مثلِ هذا ذَهَبَ أحمدُ والليثُ (١). - وهل توجبُ رؤيةُ الواحدِ الصيامَ على غيره؟ اختلف أهلُ العلم، فقال الشافعي في رواية المزني (٢): يجبُ الصيام برؤيته (٣). وبه قال أبو حنيفةَ (٤)؛ لما روى ابنُ عباسٍ ﵁ أنه جاء أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: أبصرتُ الهلالَ الليلة، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله؟ " قال: نعم، قال: "يا بلال أذِّنْ في الناس فليصوموا غداً" (٥).

стр. 288

وقالَ في روايةِ البويطي: لا يجبُ إلا بشاهدين (١)، وبه قال مالك (٢)؛ لما رويَ عن عبدِ الرحمنِ بِن زيدِ بنِ الخَطَّابِ: أنه خاطبَ الناس في اليومِ الذي يُشَكُّ فيه، فقال: إني جالستُ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ، وسألتهم، وإنهم حدثوني أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم، فأتموا ثلاثين، فإن شهدَ شاهدانِ فصوموا وأفطروا" (٣). والعملُ بحديثِ ابنِ عباسٍ أَحْرى وأَولى؛ لأن دلالته نَصٌّ من النبيِّ ﷺ ، ودلالةَ حديثِ عبدِ الرحمن مفهومٌ، ودلالةُ المفهومِ من أضعفِ الظواهر (٤)، فلا يُعارضُ بدلالةِ النصِّ؛ وللإجماع على العمل بخبرِ العدلِ في الأمور العامَّةِ والخاصَّةِ. - ثم اختلفوا في آخره، هل هو كأوله، أو لا؟ فذهب عامَّتُهم إلى التفريقِ بينَ أولهِ وآخرِه، وأنهُ لا يُقْبَل في آخِره إلاّ عَدْلان. وذهبَ أبو ثورٍ إلى أنه يُقبل فيه عدلٌ كأوَّله. واختارهُ أبو بكرِ بنُ المنذرِ (٥)؛ وبه أقولُ؛ لما فيه من العملِ بقولِ الثقةِ،

стр. 289

فقد عمل أهل قُباءٍ بخبرِ العدلِ، وتحوَّلوا من قبلةٍ إلى قبلةٍ، ولصحته في القياس؛ فإنه إذا قُبِل قولُ العدلِ في دخول (١) العَلاَمةِ الفاصلةِ بينَ زمنِ الفِطرِ والصومِ، قُبِلَ قولُه في خُروجِه أيضاً؛ إذْ لا فرقَ. فإن قيل: هذا طريقة الشهادة، فلا بد فيه من شاهدين. قلت: هذا يبطل بقبول الواحد في أوله، فدلّ على أن طريقه الإخبار، وإن سُلِّمَ، فقد قضى النبي ﷺ بشهادة الواحد كما قضى في هلال رمضان، وكما قضى باليمين مع الشاهد، واليمينُ في الحقيقةِ إنما هي تحقيق للدعوى، وقولِ الشاهد، وَليستْ بقولِ رجلٍ أجنبيٍّ، فوجودُ اليمينِ دليلٌ على صِدْقِ الشاهد الواحد، وعدمُها دليلٌ على وَهْمِ الشاهدِ أو كَذِبه، وليس يوجد هنا دليل يدلُّ على وَهْمِهِ أو كَذِبه، فيكون قادحاً في خبره وشهادته. * واختلفوا -أيضاً- هل يتعدَّى حكم الرؤية من بلد إلى أخرى، أو لا؟ - فذهبَ قومٌ إلى أنه يلزمُ أهلَ البلدِ الأخرى الصومُ؛ لاستواءِ الأفق في حقهم (٢). - وذهب آخرون إلى أنه لا يلزم (٣)، حتى اعتبر بعضُ الشافعية مسافةَ

стр. 290

القَصْر (١)، واستدلوا بما أخرجه مسلمٌ عن كُرَيْبٍ: أنَّ أمَّ الفَضْل بنتَ الحارث بعثته إلى مُعاويةَ بالشامِ. قال: فقدمتُ الشامَ، وقضيتُ حاجتَها، واستهلَّ عليَّ رمضانُ وأنا بالشامِ، فرأيتُ الهِلالَ ليلةَ الجمعة، ثم قدمتُ المدينةَ في آخِر الشهرِ، فسألني عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، ثم ذكرَ الهلالَ فقال: متى رأيتم الهلالَ؟ فقلتُ، رأيته ليلة الجمعة، فقال: أنتَ رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناسُ، وصاموا، وصامَ معاويةُ، قال: لكنْ رأيناه ليلةَ السبتِ، فلا نزالُ نصومُ حتى نكملَ ثلاثينَ يوماً، أو نراه، فقلتُ له: ألا تكتفي برؤية معاوية؟ قال: لا، هكذا أمرنا رسولُ الله ﷺ (٢). والقولُ الأول أولى. فلقائلٍ أن يقول: حديثُ كريبٍ في غيرِ مَحَلِّ النِّزاعِ، فقد نقلَ ابنُ عبدِ البَرِّ الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما تباعدَ من البلدان (٣). والشامُ والحجازُ في غايةٍ من التباعدِ. وقولُ ابنِ عباسٍ: هكذا أمرنا رسولُ الله ﷺ يحتملُ أن تكونَ الإشارةُ إلى الحُكْمِ المعيَّن في القصة المذكورةِ، ويكون الأمرُ صريحاً منه ﷺ ، ويحتمل أن تكونَ الإشارةُ إلى قوله: فلا نزال نصومُ حتى نكمل ثلاثين يوماً أو نراه؛ أي: في مثل هذا أمرنا رسول الله ﷺ ، فيكون أمراً ظاهراً، لا نصًّا، وهذا الاحتمال أظهر، والله أعلم. * ولما أمرنا الله -سبحانه- بالصيام عند شهادةِ الشهرِ، كانَ علينا واجباً امتثالُ أمرِه، ولا نمتثله إلا بالقصد إليه، فكان بَيِّنًا ظاهراً أنه لا يصحُّ الصومُ

стр. 291

إلا بالنية، وبهذا قال جمهور أهل العلم (١)، إلا زُفَرَ (٢)؛ فإنه قالَ: لا يحتاج في رمضان إلى نية، إلَّا أن يكونَ مُسافراً أو مَريضاً ويريدُ الصومَ. * ثم اختلف الجمهور في صفة النية. - فقالَ أبو حنيفةَ: يجبُ تعيين جنس العبادة، فإنْ نوى الصومَ مطلقاً، أو نوى صيامَ غيرِ رمضان، أجزأه، وانقلبَ إلى صيامِ رمضان (٣). - وقال مالكٌ والشافعيُّ: يجبُ تعيينُ العِبادَة، ولا بدَّ من تعيينِ صومِ رمضانَ (٤). * ولما كانت هذه العبادةُ متعلقةً بزمنٍ مخصوصٍ، وجبَ علينا استيفاؤه، ولا يمكن استيفاؤه إلا باستيفاء جزءٍ من غيره، وجبَ أن يكونَ محلُّ النيةِ قبلَ الفجر. وبهذا قال مالكٌ، سواءٌ كانت العبادةُ فرضاً أو نفلاً (٥)؛ لقوله ﷺ : "لا صِيامَ لمَنْ لا يبيِّتُ الصيامَ منَ اللَّيل" (٦)، ولاستواء الفرض والنفل في شروطِ العبادة.

стр. 292

وفرق الشافعيُّ بينهما، فأوجَبَ التَّبييتَ في الفرض دونَ النَّفْل (١)، واستدلَّ بما أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" عن عائشةَ -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال لي رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ: "يا عائشةُ هل عندكم شيءٌ؟ "، قالت: قلت: يارسول الله! ما عندنا شيء، قال: "فإني إذاً صائمٌ" (٢). وفي هذا جمع بين الأحاديث، وتنزيلها على اختلاف الأحوال؛ ولأنَّ الأصول تشهد بالتفرقة بين الفرضِ والنَّفْلِ، وأنّ النفلَ (٣) أخفُّ من الفرض، فيجوز فعلُه من قعود، وفعلُه على الراحلِة، وإلى غير القبلةِ. وخصَّ أبو حنيفةَ وجُوبَ التبييتِ بالصوم الواجب في الذمة دون النافلة، والصوم (٤) الواجبِ المعيَّنِ في وَقْتٍ مَخْصوص (٥). وقولُ غيرِه أولى، وقولُ الشافعيِّ أرجح.

стр. 293

* وبقي مسائلُ تتعلق بشهادة الشهر اختلفَ فيها أهلُ العلم: المسألة الأولى: من أدركه الشهرُ، وهو مقيم، ثم سافرَ: - روي عن علي وعائشة وابن عباس وسُويد بن غَفَلة -رضي الله تعالى عنهم-: أنهم قالوا: لا يجوزُ له الفطرُ في بقية الأيام، وبه قال عَبِيدة (١) السَّلْمَانيُّ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة:١٨٥] أي: كله (٣). - وذهب أكثرُ الصحابةِ إلى أنه يجوز له أن يُفطر (٤)، ومعنى الآية: فمن شهد منكم الشهرَ كلَّه، فليصمْهُ كُلَّه. أو فمنْ شهدَ منكمُ الشهرَ، فليصمْ ما شهدَ منه، فلا تقييد في الآية، والدليلُ على ذلكَ من السنَّةِ: ما روى ابنُ عبّاسٍ -رضيَ اللهُ تَعَالى عَنْهما-: أنَّ النبيَّ ﷺ خرجَ إلى مكةَ عامَ الفتح في رمضانَ، فصامَ حتى بلغَ الكَدِيدَ، ثم أفطرَ، وأفطرَ الناسُ معه، وكانوا يأخذُون بالأَحْدَثِ فالأَحْدَثِ من فِعْلِ رَسولِ الله ﷺ (٥). الثانية: من أصبح صائماً، ثم سافر: - قالَ أكثرُ أهلِ العلمِ: لا يجوزُ له أن يفطرَ في هذا اليوم؛ لأنه اجتمع ما يوجب الرُّخْصَةَ وما يوجبُ العزيمةَ، فغلبتِ العزيمةُ، ولأنَّ الأصولَ

стр. 294

تشهدُ بأنَّ مَنْ تَلَبّس بعبادةٍ، لزمه إتمامُها؛ كالحَجِّ والصَّوْمِ (١)؛ ولقولهِ (٢) تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]. - وقالت طائفةٌ: له أن يفطر، وهو قول الشَّعْبِيِّ، وإليه (٣) ذهب أحمدُ وإسحاقُ وداودُ والمُزَنِيُّ وابنُ المنذرِ، ولفظُ الكتابِ العزيزِ يحتملُ الأمرين، ويترجَّحُ الآخرُ منهما بما خَرَّجه أبو داودَ عن أبي بصْرَةَ الغِفاري: أنه لما تجاوزَ البيوت دعا بالسُّفرةِ، فقال راوي الحديث: فقلت: نرى البيوتَ، فقال: أترغبُ عن سنةِ رسول الله ﷺ ؟ قال جعفرٌ: فأكلَ (٤). الثالثة: -وهي عكسُ الثانيةِ-: منْ أصبحَ مُسافراً ثُمَّ أقام: - ذهب الشافعيُّ ومالك إلى جواز تماديه على فِطرِه؛ لوجودِ السببِ (٥) المُبيح للفطر (٦). - وذهبَ أبو حنيفةَ إلى وجُوبِ الإمساك؛ تغليباً للحَظْر على الإباحة، والعزيمةِ على الرخصة (٧).

стр. 295

* إذا تمَّ هذا فقد بيَّنَ لنا النبيُّ ﷺ أنّا إذا لم نر الهِلالَ، أكملْنا عدةَ شعبانَ ثلاثين يوماً، ثم نصومُ رمضانَ، وحَرَّمَ علينا أن نتقدَّمه بيوم أو يومين (١)، وقال: "إذا انتصفَ شعبانُ، فلا صيامَ حتى يكونَ رمضان" (٢)، وحرَّمَ علينا صومَ يومِ الشَّكِّ، وقال: "من صامَ اليومَ الذي يُشَكُّ فيه، فقدْ عَصى أبا القاسِم" (٣). الجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقد مضى الكلام عليها قريباً. الجملة الرابعة: قولهُ : ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ لتكملوا عدد أيام الشهرِ بقضاءِ

стр. 296

ما أفطرتم في صومِكم وسفركم (١). قال الشافعيُّ: سمعتُ من أرضاهُ من أهلِ العلم يقولُ في قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾: عدة رمضان، ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ عند إكماله (٢)، وقال عطاء: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾، أي: عددَ أيام الشهر (٣)، وهو كالتأويل الذي رواه الشافعيُّ، ويستأنسُ له بما روى ابنُ عمر -رضي الله تعالى عنهما -: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "الشهر تسعٌ وعشرون يومًا، فلا تَصوموا حَتَى تَرَوُا الهلالَ، ولا تفطروا حتى تَروهُ، فإنْ غُمَّ عليكم، فأكملوا العدَّةَ ثلاثين" (٤). الجملة الخامسة: قولهُ : ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾. قال ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: هي تكبيراتُ ليلةِ الفِطْر (٥).

стр. 297

* وقد اختلفَ أهلُ العلم فيها. - فذهبَ داودُ إلى وُجوبها (١). - وقال أكثرُ أهلِ العلمِ: هو مستحبٌّ، وليس بواجب (٢). - وعن ابنِ عباسٍ: يكبرُ مع الإمامِ ولا يكبِّر (٣) المنفردُ (٤). - وعن أبي حنيفةَ: يكبِّرُ في الأضحى، ولا يكبِّر في الفطر (٥)، وهو محجوجٌ بالآية. * واختلفَ القائلونَ بالتكبير في ابتدائهِ. - فقال مالكٌ والأوزاعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ: لا يكبرُ ليلةَ الفطرِ، وإنما يكبرُ عندَ ذهابه إلى المُصَلَّى (٦)؛ لما روى ابنُ عمرَ -رضيَ الله تعالى عنهما-: أنَّ

стр. 298

النبيَّ ﷺ كانَ يخرجُ يومَ الفِطر، والأضحى رافعًا صوتَهُ بالتهليل والتكبيرِ، فيأخذُ طريقَ الحدّادينَ حتى يأتيَ المُصلَّى (١). وفي لفظٍ آخرَ عنه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يكبرُ يومَ الفطرِ منْ حينِ يخرجُ من بيتهِ حتى يأتيَ المُصَلَّى (٢). وفي لفظٍ آخرَ: أنه كان إذا غَدا إلى المُصَلَّى يومَ العيدِ، كَبَّرَ فرفَعَ صوتَه بالتكبير (٣). - وقال الشافعي: يكبرُ بعدَ غروبِ الشمسِ ليلةَ الفطرِ (٤)، ورواهُ عن ابنِ المسيِّبِ وعروةَ وأبي سَلَمَةَ، و (٥) أنهم كانوا يكبرون ليلةَ الفطرِ، يجهرون بهِ (٦)، وبه قال سائرُ فقهاءِ المدينةِ. وابنُ عمرَ -رضي الله تعالى عنهما- رأى

стр. 299

النبيَّ ﷺ يكبرُ عندَ خروجهِ، فأخبر بذلك، وذلك لا ينفي أنه كان لم يُكَبِّرْ قبلَ ذلك. * وأما انتهاءُ وقتِ التكبير، ففيه اختلافٌ أيضًا (١). * * * ١٠ - (١٠) قوله جَلَّ ثنَاؤه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]

стр. 300

وفي هذه الآية، ثلاثُ جمل: الجملة الأولى: أن الرفثَ في هذه الآية هو الجِماع بالاتِّفاق (١)، أحَلَّه اللهُ تَعالى باللَّيْل، وقد كانَ حرامًا في صَدْرِ الإسلام بعدَ النومِ، وحَرَّمه بالنهار (٢)، وبيَّنَ النبيُّ ﷺ أنَّ منْ جامعَ في نَهارِ رمضانَ أنَّ عليه الكفّارةَ، وصفتُها في حديث الأعرابي المخرج في "الصحيحين" (٣). * والمباشرةُ التي أباحها الله بالليل، وحَرَّمها بالنهار، هي الجماع بالاتِّفاق (٤). * واختلفوا فيما ما دونه؛ كالقُبلة: - فذهب الشافعي إلى جوازه (٥)، واستدل برواية عائشةَ -رضي اللهُ

стр. 301

تعالى عنها- ذلك من فعلِ النبيِّ ﷺ ، قالت: ولكنْ كانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ (١). - ومنهم من حَرَّمها مطلقًا، وروي عن الشافعيِّ -أيضًا (٢)، وحملَ الحديثَ على خصوصيته ﷺ ، ولهذا قالت عائشةُ -رضيَ الله تعالى عنها-: ولكنَّه كانَ أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ. - ومنهم من فَرَّقَ بينَ الشيخِ والشّابِّ، [فأحلَّها للشيخ دونَ الشَّابِّ؛ لكونهِ أملكَ لإرْبِهِ، بخلافِ الشَّابِّ] (٣). والصحيحُ هو الأولُ؛ لما روى مالكٌ، عن زيدِ بنِ أَسْلَمَ، عن عطاءِ بن يسار: أنَّ رجلًا قَبَّلَ امرأتَهُ وهو صائِم، فوجد من ذلك وَجْدًا شديدًا، فأرسلَ امرأتَهُ تسألُ عن ذلك، فدخلت على أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين، فأخبرتْها، فقالتْ أمُّ سلمةَ ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ يقبِّلُ وهو

стр. 302

صائِمٌ، فرجعتِ المرأةُ إلى زوجِها، فأخبرتهُ، فزاده ذلك شَرًّا، وقال: لَسْنا مثلَ رسول الله ﷺ ، يُحِلُّ الله لِرَسولهِ ما شاء، فرجعت المرأةُ إلى أم سلمةَ، فوجدت رسولَ الله ﷺ عندها، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "ما بالُ هذهِ المرأة؟ "، فأخبرته أمُّ سلمةَ، فقال: "ألا أخبرتيها أَنِّي أفعلُ ذلكَ؟ "، فقالت (١) أم سلمة: قد أخبرتها، فذهبت إلى زوجها، فأخبرته، فزاده ذلك شرًا، وقال: لسنا مثلَ رسولِ الله ﷺ ، يُحِلُّ الله لرسوله ما شاء، فغضبَ الرسولُ ﷺ ، ثم قال: "واللهِ إنِّي لأَتقاكُم لله، وأَعْلَمُكُم بحُدودِه" (٢). قال الشافعيُّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه-: وقد سمعتُ من يصلُ هذا الحديثَ، ولا يحضرُني ذكرُ من وَصَله (٣). الجملة الثانية: أحل الله -سبحانه- لنا الأكل والشربَ في ليلةِ الصيام بعد أن كانَ حَرامًا إلى أن يتبيَّنَ لنا طلوعُ الفجرِ الثاني، بل طلبهُ من فعلِنا ابتداءً من غير أن يتقدمَ الطلبَ تصريحٌ بقصدِ التحليلِ والإباحة كما فعل في تحليل الرفث. ئم بيَّنَ ﷺ عن الله ﵎ أنّ أمرَهُ وطلبه على الندب، فَكَرِهَ الوِصالَ (٤)، وحثَّ على تعجيل الإفطار، وحث على السَّحورِ، وعلى

стр. 303

تأخيرهِ، فقال: "لا تزالُ أمتي بخيرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ (١) وأخَّروا السّحورَ" (٢). * وفي هذه الآية دليل على جواز الصوم لمن أصبح جنبًا، ووجه الدلالة من طريق الإشارة والاستلزام، وذلك أن الله ﵎ أباحَ الجِماع إلى أن يتبين الخيطُ الأبيض من الخيطِ الأسود، ومعلوم أن من جامعَ قبلَ الفجرِ بلحظةٍ أنه لا يُدرِكُ فيها الاغتسال، وإنما يقعُ غسلُه بعدَ الفجر. وقد روى ذلكَ من فعلِ رسول الله ﷺ عائشةُ وأمُّ سلمةَ -رضي الله تعالى عنهما (٣) - وبذلك قال أكثرُ العلماء، واتفق عليه الفقهاءُ حتى صار إجماعًا، أو كالإجماعِ (٤).

стр. 304

وقال الحسنُ وإبراهيمُ وسالمُ بنُ عبد الله وعروةُ وعطاءُ وطاوسٌ: يصومُ ويقضي (١). وروي عن أبي هريرةَ -رضي الله تعالى عنه-: أنه كانَ يقولُ: من أصبحَ جُنُبًا في رَمضانَ، أفطرَ (٢)، وقال: ما أنا قلتُه، قالَهُ رسول الله ﷺ ورَبِّ الكعبةِ! (٣) ويروى (٤) عنه أنه قال: لا عِلْمَ لي بذلكَ، إِنَّما أخبرَني مُخْبِرٌ (٥). وخرَّجَ مسلم في "صحيحه": أن أبا هريرة رجعَ عَمَّا كان يقول في ذلك (٦). والعملُ بحديثِ عائشةَ وأمِّ سلمةَ أَولى؛ لأنَّ روايةَ اثنين أرجحُ من رواية واحدٍ، ولتقدمِ عائشةَ في الحفظِ والفِقْه، ولكونِ أزواج النبي ﷺ أعرفَ بهذا من رجلٍ إنما يعرفه سماعًا أو خبرًا، وبشهادة الأصول لحديثهما في غسل الطِّيبِ للمُحْرِمِ بعد الإحرام؛ إذ لا يجب تقدُّمه قبل الإحرام، ولاتِّفاقِ روايتهِمِا واختلافِ روايتِه.

стр. 305

- ثم اختلف القائلون بقول أبي هريرة، فرويَ عن أبي هريرةَ أنه قالَ: إذا عَلِمَ بجنابته، ثم نام حتى يصبحَ، فهو مُفْطِرٌ، وإن لم يعلمْ حتى يصبحَ (١)، فهو صائم (٢). ورويَ عن عطاءٍ وطاوس وعروةَ. ومنهم من قال: إنه يقضي في الفرضِ دون النفل. ورويَ (٣) عن الحَسَنِ وإبراهيمَ (٤). والجميع محجوجونَ بقولِ عائشةَ -رضي الله تعالى عنها-: كانَ رسولُ اللهِ ﷺ يدركُه الفجرُ في رمضانَ وهو جُنُبٌ من غير حُلُمٍ، فيغتسلُ ويصومُ (٥). * وفي الآية دليلٌ على أن الحكم معلقٌ بالفجرِ الثاني المُسْتَطِيرِ الأبيضِ لا الأحمرِ (٦). وهو قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ من الصَّحابةِ والتابعين. ورويَ عن حذيفةَ: أنه لما طَلَعَ الفجرُ، تسحَّرَ ثم صَلَّى. وروى النسائي: أنه قيل لحذيفة: أيَّ ساعةٍ تسحرتَ معَ رسولِ الله ﷺ ؟ قال: هو النهارُ، إلا أن الشمسَ لم تطلُع (٧).

стр. 306

وروي مثلُ قولهِ عن عثمانَ وابنِ عباس وطَلْقِ بِنِ عَلِيٍّ. ورويَ معني ذلك عنِ ابنِ مسعودٍ، وعنْ مسروقٍ أنه قالَ: لم يكونوا يَعُدُّون الفَجْرَ فجْرَكُمْ هذا، إنما كانوا يَعُدُّون الفجرَ الذي يملأ البيوتَ والطرقَ (١). وحكيَ عنِ الأعمشِ وإسحاقَ: أنهما قالا بجواز الأكل والشرب إلى طلوع الشمس (٢).

стр. 307

* وفيها دليلٌ على أن الحكمَ مُعَلَّقٌ (١) في المواقيتِ بالإدراكِ الحِسِّيِّ، لا الإدراك العقلي؛ فإنَّ وقتَ الفجرِ يدخُلُ قُبيلَ التبيُّنِ قَطْعًا ويقينًا، ولم يعلِّقِ اللهُ -سبحانَهُ- الحُكْمَ به، وإنما علَّقه بالتبيُّنِ؛ لُطْفًا بعباده (٢). وذهب بعضُ المالكية إلى أنه يجب الإمساكُ قبيلَ الطُلوع (٣)، وهو محجوجٌ بالآية، وبما رويناه في "صحيح البخاري": أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "كلوا واشربوا حتى يُنادِيَ ابنُ أُمِّ مكتوم" (٤)، وقد عُلم أنه لا يُنادي إلا حينَ يطلعُ الفَجْر.

стр. 308

* وفيها دليلٌ على أن الصائمَ إذا أكلَ وهو يشكُّ في طُلوعِ الفَجْر، ولم يتبينْ لهُ الحالُ، بل استمرَّ على شَكِّه: أنّه لا يضرُّهُ الشَّكُّ، لأن اللهَ -تعالى- أباحَ الأكلَ والشربَ إلى أن يتبينَ لنا الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، وعلق الحكم على التبيُّنِ لنا، لا على التبيُّن في نفس الأمر (١). وقال قومٌ: الحكمُ معلَّقٌ على التبيُّنِ نفسِهِ من غيرِ تعليقٍ بنا، فلا يجوز لهُ الأكلُ، وإنْ أكلَ لَزِمَهُ القضاءُ، وبه قال مالكٌ قياسًا على غُروبِ الشمسِ وعلى سائرِ الأوقاتِ الشرعيَّةِ (٢)؛ كالزوالِ وغيرِه، وهو ضعيفٌ؛ لوضوحِ الفرق؛ فإن هذا مستديمٌ لحالِ (٣) الإباحة والإذن؛ كالذي غُمَّ عليه هِلالُ رَمضان، والآخرُ مستديمٌ لحال النَّهْيِ والمنعِ. * وفيها دلالةُ نَصٍّ على أن اللهَ أوجبَ علينا إتمامَ الصومِ إلى الليلِ، وهو إجماعٌ (٤)، ويحصلُ بغروب الشمس (٥).

стр. 309

* وفيها دليل على أن الصائمَ إذا أكلَ وهو يشُكُّ في غروبِ الشمس أنّهُ يبطُلُ صومُهُ؛ لأنه لم يَتيقَّن إتمامَ الصِّيامِ إلى الليل، وهو مستصحبٌ حالَ النهيِ عن الأكل والشربِ، وسواءٌ تبيَّنَ له الغروبُ أو (١) لم يتبين (٢). * وفيها دليلٌ على أنه إذا اعتقد دخولَ الليل، فأفطر، ثم ظهرتِ الشمسُ، أنَّه يبطل صومُه وعليهِ القضاءُ؛ لأنه لم يتمَّ الصِّيام إلى الليل. وبهذا قال أكثر أهل العلم، ومنهم الشافعيُّ ومالكٌ وأبو حنيفةَ. ومنهم من ألحقهُ بالناسي، وبه قال الحسنُ وإسحاقُ وأهلُ الظاهر (٣)، ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه (٤). الجملة الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقد اشتملت هذه الآيةُ على ثلاث مسائل: الأولى: نهانا الله تعالى عن المباشرةِ في حالِ الاعتكافِ، والمباشرةُ تقع على الوِقاع، وعلى ما دونهُ بشهوة وبغير شهوة، إما اشتراكًا، وإما حقيقة ومجازًا، وقد (٥) بيَّنَ النبيُّ ﷺ أَنَّ المباشرةَ بغيرِ شَهْوَةٍ غيرُ مُرادةٍ للهِ -تباركَ

стр. 310

وتَعالى- فقدْ كانَ يُدني رأسَه إلى عائشةَ فَتُرَجِّلُه (١). ولاشكَّ أَنَّ الوِقاعَ مُرادُ اللهِ ﵎. * واختلف أهل العلم في المباشرة بشهوة (٢). - فذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تفسد، إلا أن يُنْزِلَ (٣)، وحمل اللفظ إما على أحد معانيه، وإما على حقيقته دون مجازه. - وذهب مالكٌ إلى أنه يفسد الاعتكاف سدًا للذَّريعة (٤)، وبه قال الشافعي في أحد قوليه (٥)؛ لجوازِ حمل اللفظِ المشترَكِ على جميع معانيه. الثانية: وفيها دليلٌ على أنه لا يجوز الاعتكافُ إلا في المسجد؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولبيان النبيِّ ﷺ ذلك، فلم يعتكف إلا في المسجد، وعلى هذا اتفق أهل العلم (٦).

стр. 311

وقال بعضهم: يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها (١). وَشذ بعضهم، فروي عنه أنه يصح (٢) في غير مسجدٍ (٣)، والمخصوصُ بالمساجدِ إنَّما هو منعُ المباشرةِ المنافيةِ لحُرْمَةِ المسجد، وهو مَحجوجٌ بالسنَّةِ والإجماع. * ثم اختلفوا في تعميم المساجد وتخصيصها، فحكي عن عليٍّ ﵁ وحمَّاد: أنهما قالا: لا يصح إلّا في المسجد الحرام (٤). [وقال عطاء: لا يصحُّ إلا في المسجدِ الحرام] (٥) ومسجدِ المدينةِ (٦). وقال حذيفةُ وسعيدُ بن المسيِّب: لا يصحُّ إلا في مسجدِ بناه نبيٌّ من الأنبياء؛ كالمسجد الحرام، ومسجدِ المدينة والمسجدِ الأقصى (٧).

стр. 312

وقال ابن مسعود والزهري وعروة وابن عُتَيبة (١) وحمّاد لا يصحُّ إلَّا في مسجدٍ تقام فيه الجمعة، وبه قال مالك في رواية ابن الحكم عنه، ويروى عن علي ﵁ (٢). وقال أحمد: لا يصحُّ إلا في مسجدٍ تقام فيه الجماعة (٣). وقال قومٌ: يصحُّ في جميع المساجد، وبه قال الشافعيُّ، وأبو حنيفةَ، والثوريُّ، ومالكٌ (٤) وداود، واختاره ابنُ المنذر، ويروى عن سعيدِ بن جبير وأبي قِلابة (٥). والخِطابُ يدل عليه؛ فإنه عمَّ المساجدَ، ولم يخصَّ مسجدًا بعينه. ويحتملُ أن الخطابَ من العامِّ الذي أُريِد به الخاصُّ، وهو معهودٌ في الشرعِ (٦)، بدليلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، وأراد المسجد الحرام. الثالثة (٧): ذكر الله -سبحانه- الاعتكافَ مقرونًا بذكر الصيام، وكان

стр. 313

النبيُّ ﷺ يعتكفُ في شهرِ رمضانَ العَشْرَ الوسطَى (١)، ثم اعتكفَ العشرَ الأخير (٢). - فمن أهلِ العلم من اشترطَ الصومَ في الاعتكاف، واسْتَأنسَ بكونهِ مقرونًا بذكر الصوم، وبأن النبيَّ ﷺ اعتكفَ صائمًا، وبهذا قال مالكٌ وأبو حنيفةَ وأحمدُ، والشافعيُّ في القولِ القديم، ويروى عن عائشة وابنِ عباس وابن عُمَرَ (٣). - ومنهم من لم يشترطِ الصِّيامَ، ورأى أن صومَ النبيِّ ﷺ جرى بحكم الاتِّفاقِ؛ فإن صومَ رمضانَ لا يصلح لغيره، واستدلَّ بما خرَّجه البخاريُّ في "صحيحه": أن عمرَ ﵁ قال: يا رسول الله! إني نذرتُ أنْ أعتكفَ ليلةً في الجاهليَّةِ، فقال له: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" (٤).

стр. 314

والليلُ ليسَ مَحَلًا لصيامٍ، وبهذا قالَ الشافعيُّ وأحمدُ في أحد قوليه (١)، وروي (٢) عن علي وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما (٣). وأما الاقترانُ، فلا يوجب للقرين حكمَ قرينه (٤)؛ كما قرره أهل النظر. * ولأجلِ اختلافِهم في (٥) اعتكافِ النبيِّ ﷺ العشرَ الأواخرَ، هل جرى بحكم الاشتراط أو الاتفاق، اختلفوا في أقلِّ الاعتكافِ: فقال بعضُ المالكية: أقلُّهُ يوم. وقال بعضهم: أقلُّه عشرة أيام (٦). وعامةُ الفُقهاء على (٧) أنه لا حَدَّ لهَ (٨). * * *

стр. 315

(من أحكام القضاء) ١١ - (١١) قوله ﷻ : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨]. * حرَّم اللهُ ﷻ في هذه الآية أَكْلَ المالِ بالباطلِ، وحرَّمَ المُخاصَمَةَ فيهِ، والرشوةَ عليه. * وفي الآية دليل على أن حكم الحاكم لا يُحِل حَرامًا، ولا يُحرِّمُ حَلالًا، وإنما ينفُذُ في الظَّاهِرِ، ولا يغير حُكما شرعيًا في الباطن. قال الشافعيُّ: فحُكْمُ القاضي لا يجعلُ الحلالَ على واحدٍ من المَقْضِيِّ له والمَقْضِيِّ عليه حرامًا، ولا الحرامَ حلالًا، فالحلالُ والحرامُ على ما يعلمُ الله، والحكمُ على ظاهر الأمر (١). وكان القاضي شريح يقول للرجلِ: إني لأقضي لك، وإنِّي لأَظُنُّك ظالمًا، ولكن لا يسعُني إلا أن أقضيَ بما يحضرني من البيِّنة، وإن قضائي لا يُحِلُّ لك حرامًا (٢).

стр. 316

وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ وجماهيرُ علماء الإسلامِ من الصحابة والتابعين (١)، فإذا شهدَ شاهدانِ بالزورِ أنَّ رجلًا طَلَّقَ امرأتَهُ، لم يَحِلَّ لمنْ علمَ كَذِبَهُما أنْ يتزوَّجَها بعد حكمِ الحاكم بالطلاق. وقال أبو حنيفةَ: يُحِلُّ حكمُ القاضي الفروجَ دونَ الأموال (٢)، وقال: يحلُّ (٣) المذكورةَ؛ كالمُلاعَنَةِ؛ فإنه لما حكمَ الحاكمُ بشهادتِهما، فرَّقَ بينهما، وحلَّت للأزواج، وإن كانتْ كاذبةً في الباطن الذي لو لم تُدْلِ (٤) به، لَوَجَبَ عليها الحَدُّ، ولَم تثبتِ الفرقةُ لها على زوجها. * واختلفتِ الشافعيَّةُ فيما إذا وقع حكمُ الحاكمِ في أمرٍ يسوغُ فيه النظرُ والاجتهادُ، هل ينفُذُ في الظاهرِ والباطن؟ وذكروا ذلك فيما إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعةِ الجوار (٥).

стр. 317

* والإثمُ: قال فيه ابن عباس ﵄: هو اليمينُ الكاذبة (١). وقيل: الرشوة. وقيل: شهادةُ الزور أقيم المسبَّبُ مقامَ السبب في ذلك. وكلُّه حرامٌ بالاتَفاق. روينا (٢) في "الصحيحين": أنَّ رسولَ الله ﷺ سمع جَلَبَة (٣) خَصْمٍ بباب حُجرته، فخرج إليهم، فقالَ: "ألا إنما أنا بشرٌ، وإنما يأتيني الخَصْمُ، فلعلَّ بعضَكُم أنْ يكونَ أبلغَ من بعضٍ، وأَحْسَبُ (٤) أنه صادِقٌ، فأقضيَ له، فمنْ قضيْتُ لهُ بِحَقّ مُسْلِمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار، فَلْيَحْمِلْها أو يَذَرْها" (٥) * * *

стр. 318

(من أحكام الجهاد) ١٢ - (١٢) قوله ﷻ : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. * أحسنُ القولِ في هذه الآيةِ قولُ ابن عباسٍ ومجاهدٍ وعمرَ بنِ عبد العزيزِ -رضيَ الله تعالى عنهم-، وهو أن اللهَ أوجبَ على المؤمنين قِتَال المُخالفين لهم في الدِّين الذين فيهم مقدرةٌ على القِتال، ونهاهم عن الاعتداء بقتلِ الذينَ لا قِتالَ فيهم؛ كالصبيانِ والنساءِ والشيخِ الكبير. وقد بيَّنه النبيُّ ﷺ ، فنهى عن قتل النِّساء والولدان لمَّا بعثَ إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ (١). فالآيةُ على هذا القول محكَمَة لا نسخَ فيها. وقال قومٌ: هذه الآية (٢) أولُ آيةٍ نزلتْ في القتال، أبيح لهم أن يُقاتلوا مَنْ قاتلهم، ولا يَعْتَدوا فيقاتلوا من لم يقاتلْهم، ثم نُسِخَ النهيُ عن

стр. 319

قتالِ من لم يقاتلهم بالأمرِ بالقتل والقتال (١). والقولُ بالنسخِ مع وجودِ التأويلِ ضعيفٌ لا يُصارُ إليه إلا بتوقيفٍ عن رسول الله ﷺ (٢). وتحتملُ الآيةُ عندي تأويلًا حسنًا ظاهرًا، وهو أن يكونَ أمرَهُم اللهُ ﵎ بقتالِ الذين يُقاتلونهم عند المسجِد الحَرام إذا قاتلوهم فيه، ولا يعتدوا فيقتلوا (٣) من لم يقاتلْهم ابتداءً. ويشهد لهذا التأويلِ ويقوِّيه قولُه : ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقولهُ : ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ويكون المرادُ بـ "سبيلِ الله": المسجدَ الحرام؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ثم وجدتُ -بعد وضعي لهذا الكتابِ بأحوال- بعضَ المفسرينَ الحُفَّاظ قدْ جعلَ هذا التأويلَ تفسيرًا، وقال: نزلت هذه الآيةُ في عُمْرَةِ القَضاء لمّا خاف المسلمون غَدْر الكُفار لمَّا شَرَطوا أن يُخْلوا لهم مكةَ في العامِ القابل

стр. 320

بعد عام الحُدَيْبيَةِ، وكرهوا (١) القتالَ في الشهر الحرام. ولكنه لم يسنِدهُ ولم يَعْزُ إلى أحَدٍ (٢). * * * ١٣ - ١٤ (١٣ - ١٤) قوله : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩١، ١٩٢]. -: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: حيثُ وجدتموهم. - ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ يعني: مكة المشرَّفةَ، شرفَها اللهُ الكريمُ وعظَّمها. ﴿والفتنة﴾ هنا هي الشرك، مُقْتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * ثم اعلموا -يرحمكم اللهُ الكريم وإياي-: أنَّ القولَ في هذه الآية من أشدِّ الأمورِ وأصعبِها وأكربها. وها أنا أحكي أقوال أهل العلم، وأتكلمُ على منتهى فَهْمي، وأستعين اللهَ الكريَم وأستهديه؛ إنه وليُّ ذلك، والقادر عليه. فأقول: اعلموا أنَّ العرب كانت تحرم القتل والقتال في المسجد
следующие страницы →