← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ وجماهيرُ علماء الإسلامِ من الصحابة والتابعين (١)، فإذا شهدَ شاهدانِ بالزورِ أنَّ رجلًا طَلَّقَ امرأتَهُ، لم يَحِلَّ لمنْ علمَ كَذِبَهُما أنْ يتزوَّجَها بعد حكمِ الحاكم بالطلاق. وقال أبو حنيفةَ: يُحِلُّ حكمُ القاضي الفروجَ دونَ الأموال (٢)، وقال: يحلُّ (٣) المذكورةَ؛ كالمُلاعَنَةِ؛ فإنه لما حكمَ الحاكمُ بشهادتِهما، فرَّقَ بينهما، وحلَّت للأزواج، وإن كانتْ كاذبةً في الباطن الذي لو لم تُدْلِ (٤) به، لَوَجَبَ عليها الحَدُّ، ولَم تثبتِ الفرقةُ لها على زوجها. * واختلفتِ الشافعيَّةُ فيما إذا وقع حكمُ الحاكمِ في أمرٍ يسوغُ فيه النظرُ والاجتهادُ، هل ينفُذُ في الظاهرِ والباطن؟ وذكروا ذلك فيما إذا قضى الحنفيُّ للشافعيِّ بشفعةِ الجوار (٥).

стр. 317

* والإثمُ: قال فيه ابن عباس ﵄: هو اليمينُ الكاذبة (١). وقيل: الرشوة. وقيل: شهادةُ الزور أقيم المسبَّبُ مقامَ السبب في ذلك. وكلُّه حرامٌ بالاتَفاق. روينا (٢) في "الصحيحين": أنَّ رسولَ الله ﷺ سمع جَلَبَة (٣) خَصْمٍ بباب حُجرته، فخرج إليهم، فقالَ: "ألا إنما أنا بشرٌ، وإنما يأتيني الخَصْمُ، فلعلَّ بعضَكُم أنْ يكونَ أبلغَ من بعضٍ، وأَحْسَبُ (٤) أنه صادِقٌ، فأقضيَ له، فمنْ قضيْتُ لهُ بِحَقّ مُسْلِمٍ، فإنما هي قطعةٌ من النار، فَلْيَحْمِلْها أو يَذَرْها" (٥) * * *

стр. 318

(من أحكام الجهاد) ١٢ - (١٢) قوله ﷻ : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠]. * أحسنُ القولِ في هذه الآيةِ قولُ ابن عباسٍ ومجاهدٍ وعمرَ بنِ عبد العزيزِ -رضيَ الله تعالى عنهم-، وهو أن اللهَ أوجبَ على المؤمنين قِتَال المُخالفين لهم في الدِّين الذين فيهم مقدرةٌ على القِتال، ونهاهم عن الاعتداء بقتلِ الذينَ لا قِتالَ فيهم؛ كالصبيانِ والنساءِ والشيخِ الكبير. وقد بيَّنه النبيُّ ﷺ ، فنهى عن قتل النِّساء والولدان لمَّا بعثَ إلى ابنِ أبي الحُقَيقِ (١). فالآيةُ على هذا القول محكَمَة لا نسخَ فيها. وقال قومٌ: هذه الآية (٢) أولُ آيةٍ نزلتْ في القتال، أبيح لهم أن يُقاتلوا مَنْ قاتلهم، ولا يَعْتَدوا فيقاتلوا من لم يقاتلْهم، ثم نُسِخَ النهيُ عن

стр. 319

قتالِ من لم يقاتلهم بالأمرِ بالقتل والقتال (١). والقولُ بالنسخِ مع وجودِ التأويلِ ضعيفٌ لا يُصارُ إليه إلا بتوقيفٍ عن رسول الله ﷺ (٢). وتحتملُ الآيةُ عندي تأويلًا حسنًا ظاهرًا، وهو أن يكونَ أمرَهُم اللهُ ﵎ بقتالِ الذين يُقاتلونهم عند المسجِد الحَرام إذا قاتلوهم فيه، ولا يعتدوا فيقتلوا (٣) من لم يقاتلْهم ابتداءً. ويشهد لهذا التأويلِ ويقوِّيه قولُه : ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، وقولهُ : ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. ويكون المرادُ بـ "سبيلِ الله": المسجدَ الحرام؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. ثم وجدتُ -بعد وضعي لهذا الكتابِ بأحوال- بعضَ المفسرينَ الحُفَّاظ قدْ جعلَ هذا التأويلَ تفسيرًا، وقال: نزلت هذه الآيةُ في عُمْرَةِ القَضاء لمّا خاف المسلمون غَدْر الكُفار لمَّا شَرَطوا أن يُخْلوا لهم مكةَ في العامِ القابل

стр. 320

بعد عام الحُدَيْبيَةِ، وكرهوا (١) القتالَ في الشهر الحرام. ولكنه لم يسنِدهُ ولم يَعْزُ إلى أحَدٍ (٢). * * * ١٣ - ١٤ (١٣ - ١٤) قوله : ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩١، ١٩٢]. -: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾: حيثُ وجدتموهم. - ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ يعني: مكة المشرَّفةَ، شرفَها اللهُ الكريمُ وعظَّمها. ﴿والفتنة﴾ هنا هي الشرك، مُقْتصٌّ من قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وقوله تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * ثم اعلموا -يرحمكم اللهُ الكريم وإياي-: أنَّ القولَ في هذه الآية من أشدِّ الأمورِ وأصعبِها وأكربها. وها أنا أحكي أقوال أهل العلم، وأتكلمُ على منتهى فَهْمي، وأستعين اللهَ الكريَم وأستهديه؛ إنه وليُّ ذلك، والقادر عليه. فأقول: اعلموا أنَّ العرب كانت تحرم القتل والقتال في المسجد

стр. 321

الحرام، وفي الأشهر الحُرُمِ، وكان ذلك مِمَّا تَمَسَّكوا به، وبَقُوا عليه من دين إبراهيم ﵊. وكان الأمرُ كذلكَ في صدرِ الإسلامِ بشرعٍ من الله ﷻ فقال سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. ثم أمر الله سبحانه المؤمنين بقتل المشركين حيث ثَقِفوهم (١)، وذلك عامٌّ في جميع الأمكنة؛ المسجدِ الحرامِ وغيرِه، وأمرهم بإخراجهم من حيثُ أخرجوهم، وذلك نصٌّ في مكان مكة المعظمة -شرَّفَها الله العظيمُ وعظَّمها- ولكن الأمر بالقتل والإخراج مطلَقٌ في الأزمان والأحوال. ثم بيَنَ اللهُ سبحانَه للمؤمنين هذا الإطلاق، فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١]، فحرم الابتداء بقتالهم عند المسجد الحرام حتى يقُاتِلوا فيه ويَهْتِكوا حُرْمَته، فيُقتصُّ منهم فَتُهتك حُرْمَتُهم فيه؛ كما قال سبحانه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]. * فإن قلتم: فما الحكم في القتال في المسجد الحرام مع الكفار والبغاة -حرسه اللهُ الكريمُ وطهَّره- فهل (٢) يجوز الآن إذا تغلبوا، أو لا يجوز كما كان في صدر الإسلام؟ قلت: اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلكَ:

стр. 322

- فقال مجاهدٌ وطاوسٌ وقومٌ من الفقهاء: لا يجوزُ قتالُهم في الحَرَم (١). وبهِ قالَ القَفَّال شارحُ "التلخيص" من الشافعيّة (٢). وحَكى الماورديُّ من الشافعيَّةِ أَنَّ من خصائصِ الحَرَم ألّا يحارَبَ أهلُهُ، وإن بَغَوْا على أهل العدل، فقد قال بعضُهم: يحرُمُ قتالُهم، بل يُضَيَّقُ عليهم حَتَّى يرجِعوا إلى الطاعة، ويدخلوا في أحكام أهل العدل (٣). ولهم من الدليل: هذه الآية، وما في معناها، ومن السنَّةِ ما رويناه (٤) في "الصحيحين" عن أبي شريح العَدَويِّ -رضيَ اللهُ تعالى عنه- أنه قال لعمروِ بنِ سعيدِ بنِ العاص، وهو يبعثُ البُعوثَ إلى مكة-: اِئْذَنْ لي أيُّها الأمير أن أُحدِّثَكَ قولًا قام به رسول الله ﷺ الغدَ من يومِ الفتحِ، فسمعته أُذنايَ، ووعاهُ قلبي، وأَبْصَرَتْهُ عيناي حينَ تكَلَّمَ به؛ إنه حَمِد اللهَ وأثنى عليه، ثم قال: "إن مَكَّةَ حَرَّمَها اللهُ ولم يُحَرِّمْها الناسُ، فلا يحلُّ لامرئٍ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخِرِ أن يَسْفِكَ فيها (٥) دمًا، ولا يَعْضِدَ (٦) بها شجرةً، فإنْ

стр. 323

أحدٌ تَرَّخص لقتالِ رسولِ الله ﷺ ، فقولوا (١): إن الله قد (٢) أَذِنَ لرسوله، ولم يأذنْ لكم، وإنما أَذِنَ لي ساعةً (٣) من نَهارٍ، وقد عادتْ حرمتُها اليومَ كحرمتِها بالأمسِ، فَلْيُبلِّغِ الشاهدُ (٤) الغائبَ" فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح! إن الحرمَ لا يُعيذُ عاصيًا ولا فارًّا بدم، ولا بخربة (٥). وهذا نصٌّ مكررٌ مؤكَدٌ في هذا الحديث الصحيح يدلُّ على تحريمِ قتالِ أهلِ مكَّةَ، وقتالُ النبيِّ ﷺ إنما كان مع المشركين. وأما قولُ عمرٍو: أنا أعلمُ بذلك منك، إن الحرَم لا يعيذُ عاصِيًا ولا فارًّا بدمٍ، ولا بخربة، فمن كلامه (٦).

стр. 324

- وقال أكثرُ أهلِ العلم: يقاتَلون (١) , وأجابوا عن الآية الكريمة بأنها منسوخةٌ. واختلفوا في الناسخ لها: (٢) فقال قَتَادَةُ: هي منسوخةٌ بقوله تعالى: [﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٣]. وقال قوم (٤)، هي منسوخة بقوله تعالى] (٥): ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٦) [التوبة: ٥]، و (براءة) نزلتْ بعدَ البقرةِ بِمدَّةٍ طويلةٍ.

стр. 325

وما ذكر هؤلاءِ من النسخِ بآية (براءة) غيرُ مستقيم، لوجوهٍ: أحدها: أنَّ قولَ الله سبحانه في سورةِ المائدة: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] يوافق آيةَ البقرة، والمائدة (١) نزلت بعد (براءة) في قولِ أكثر أهل العلم بالقرآن. وثانيها: أن آيةَ (براءة) تدلُّ على تعظيم الأشهر الحرم، فقال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وما شأن الشهرِ الحرامِ والبلدِ الحرام إلا واحد. وثالثها: أن (حَيْثُ) كلمةٌ تدلُّ على المكان، ولكنها عامةٌ في أفراد الأمكنة، فتكونُ على عمومها، وآية البقرة نَصٌّ في النهي عن القتال في مكانٍ مخصوص، وهو المسجدُ الحرام، فيقضى بخصوصها على عموم آية (براءة)، وإن تأخر نزول (براءة) عن سورة البقرة، فلا تعارضَ بين الآيتين، فلا نسخَ، بل كل آية منهما حكمها في حالٍ غيرِ الحالِ الذي فيه حكمُ الآية الأخرى، ويكونُ التقدير: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، إلا أن يكونوا في المسجد الحرام، فلا تقاتلوهم (٢) فيه حتى يقاتلوكم فيه. ألم يرَ هؤلاء إلى صدرِ آية البقرةِ كيفَ يوافقُ لفظُها لفظَ آية (براءة)، ويزيد عليه في التصريح والبيان قوله -سبحانه-: ﴿وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ولم يكنْ أولُ الآيةِ مُناقِضًا لآخرها، فلا يجوز أن تكون آيةُ (براءة) ناسخةً لهذه الآية. - وأما قولُ قتادة، فإن صحَّ له النقلُ عن النبي ﷺ بأنها ناسخةٌ له (٣)،

стр. 326

فهو المعتمَدُ، ولا يصحُّ ذلكَ مع قوله ﷺ : "فهو حَرامٌ بحُرْمَةِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ" (١)، إلَّا على قولِ بعضِ أهل العلم بالنظرِ والاستدلَال (٢). - وأما الجمعُ بين الآيتين فظاهرٌ، وذلك أنَّ قولَه تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] مطلق في الأمكنة والأزمنة والأحوال، وآية (٣) البقرة مقيَّدَةٌ ببعضِ الأمكنةِ، فيقضى بالمُقَيَّدِ على المُطْلَقِ، ويكون التقدير: فقاتلوهم في غيرِ المسجدِ الحرامِ حتى لا تكونَ فتنة. وإذا أمكن الجمعُ فلا نسخ. - وأما الجوابُ عن حديث أبي شريحٍ -رضي الله تعالى عنه- فقيل: إنَّ الشافعيَّ -رحمه اللهُ تعالى- أجابَ عنه وعن مثله بأنَّ معناهُ تحريمُ قِتالهم بما يَعُمُّ؛ كالمنجنيقِ، وغيره، إذا لم يكنْ إصلاح الحال إلا (٤) بذلك، بخلاف ما إذا اتحصَّن (٥) الكفارُ في بلدٍ آخرَ؛ فإنه يجوزُ قتالُهم على كلِّ وجهٍ و (٦) بكلِّ شيء (٧).

стр. 327

وهذا التأويلُ فاسدٌ؛ لمعارضةِ النصِّ الصَّريحِ في بيانِ النبيِّ ﷺ الخصوصية (١) بإحلالها لهُ ساعةً من نَهار، وتحريم ذلكَ على غيرهِ تحريمًا مطلقًا. فقال: "وإن أحدٌ ترخَّصَ لقِتال رسولِ اللهِ ﷺ ، فقولوا: إن اللهَ أذِنَ لرسولهِ، ولم يأذنْ لكمْ" (٢)، والذي أذن فيه للرسول ﷺ إنَّما هو مطلقُ القتال لا القِتالُ المخصوص بالذي يَعُمُّ. وأيضًا لم يكنْ قتالُهُ ﷺ لأهل مكة بما يَعُمُّ. وليس له في تأويله دليلٌ على تخصيص الحديث بما ذكر، بل الحديثُ نصٌّ في أنّ لمكَّةَ المعظَّمَةِ -عظَّمها اللهُ سبحانه- حرمةً مطلقة لا تقييد فيها، وبعيدٌ أن يصحَّ مثلُ هذا عن الإمامِ أبي عبدِ اللهِ الشافعي -رحمَهُ اللهُ تعالى-، وفي ظَنِّي أنه أجابَ عن الأحاديثِ في قتله للملتجئ إلى الحرم: بأن الذي نُهِيَ عنهُ القِتالُ العامُّ، لا القَتْلُ الخاصُّ بِحَقٍّ، فنُقِل مِن ثَمَّ إلى هُنا بالمعنى، ونُسِب إليه، والله -سبحانه- أعلم بذلك. ثمَّ بعد كتبي (٣) لهذا الكتاب بثلاثة أحوال وجدْتُ قولَ الشافعيِّ كما ظننتُهُ، وبخلافِ ما نُقِلَ عنه، قال الربيعُ: قالَ الشافعيُّ: فلو أن قومًا من أهل دار الحرب لجؤوا إلى الحرم، أخِذوا كما يؤخَذون في غير الحرم، يُحْكم فيهم من القتلِ أو غيرِه كما يُحْكَم فيمن كان في غيرِ الحرم. فإن قال قائل: فكيفَ زعمتَ أنَّ الحرم بحالي لا يمنعُهم، وقدْ قالَ رسولُ الله ﷺ في مكة: "هي حرامٌ بحرمة الله، لم تَحِلَّ لأَحدٍ قبلي، ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي، ولم تحلَّ لي إلا ساعةً من نهار، وهي ساعتنا هذه"؟ (٤)

стр. 328

قيل: إنما معنى ذلك -والله أعلم- أنها لم تحلَّ (١) أن ينصب عليها الحرب حتى تكونَ كغيرها. فإن قيل (٢): ما دلَّ على ما وصفتَ؟ قيل: أمرُ رسولِ الله ﷺ عندما قُتِل عاصمُ بنُ ثابتٍ وخُبْيبٌ ﵄ بقتل أبي سفيان في داره بمكة، إنْ قُدِرَ عليه، وهذا في الوقت الذي كانت فيه مُحَرَّمَةً يدلُّ (٣) على أنها لا تمنعُ أحدًا من شيء وجبَ عليه، وإنما تمنعُ من أن يُنْصَب عليها الحربُ كما ينصَبُ على غيرها (٤). فقد بان لنا من كلامِ أبي عبد الله أَنَّ مذهَبُه تحريمُ نَصْبِ الحربِ والقتالِ على مكةَ المشرَّفةِ -شَرَّفَها اللهُ تعالى-. فالحمدُ لله الذي بَرَّأَ أبا عبدِ الله مِمّا نسبوه إليه، فهم قومٌ لم يفرِّقوا بين المُتَغَلِّبِ والملتجئ، وأما كلامُ أبي عبدِ الله في هذه الآية، فإنه (٥) يدلُّ على خِلافِ هذا، وذلك أنه قال -رحمه الله تعالى-: يُقال: نزل هذا في أهل مكة، وكانوا أشدَّ العدوِّ على المسلمين، ففرضَ اللهُ في قِتالهم ما ذكر سبحانه. ثم قال: يقال نزل نسخُ هذا كلِّه، والنهيُ عن القِتال حتى يقاتِلوا، والنهيُ عن القتالِ في الشهرِ الحرامِ بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، انتهى (٦).

стр. 329

وقد دللت قريبًا على ضعف هذا القول، والله أعلم. فإن قلتم: فما اختيارُك في ذلك؟ قلتُ: الذي أَختاره وأقوله وأدين الله -سبحانه- تحريمَ المسجدِ الحرامِ كما حَرَّمَهُ اللهُ ﷻ فلا يجوزُ فيه القتال حتى يَبْدَأَ أهلُه بالقِتال، فيقاتَلون (١)؛ للنصِّ الصريح في الآية المذكورة، وفي حديث أبي شريح، ولما روي عن (٢) ابن عباسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ يومَ فَتْحِ مَكَةِ: "إن هذا البلد حرّمه الله يومَ خلقَ السمواتِ والأرضَ، فهو حرامٌ بحُرْمَةِ الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحل القتالُ فيه لأحدٍ قبلي، ولم يحلَّ لَي (٣) إلا ساعةً من نهارٍ، فهو حرامٌ بحرمة اللهِ إلى يوم القيامة، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صيدُهُ، ولا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَها، ولا يُخْتَلى خَلاَها"، فقال العباسُ: يا رسول الله! إلا الإذْخِرَ (٤)؛ فإنه لِقَيْنهم (٥) وبُيوتهم (٦)، فقال: "إلا الإذْخِرَ" (٧)، فهذا -أيضًا- نصٌّ صريح في حرمتِها كما حرمها الله

стр. 330

-تعالى-، وأنَّ حرمتَها مُؤَبَّدَةٌ إلى يومِ القيامة. وأما استدلالُ مَنْ أباحَ القِتال بالمعنى: بأنَّ قتالَ الكفارِ والبُغاةِ من حُقوقِ اللهِ -سبحانه-، فيجب حفظُها، ولا يجوز إضاعتُها، وحفظُها في المسجدِ الحرامِ أولى، ولأنه إذا جازَ قتلُ الفواسِقِ الخَمْسِ لفسقها، وهي لا تكليف عليها، فقتلُ الفاسقِ المُكَلَّفِ أَوْلى، فلا حُجَّةَ فيه مَعَ وجودِ نَصِّ الكتاب والسُّنَّةِ. وأما حفظُ حقِّ اللهِ -سبحانَهُ- في المسجدِ الحَرامِ، فَمُمْكِنٌ، وهو أن نقاتِلَهُم إنْ وجدناهم خارجَ المسجدِ الحَرامِ، ونأخذَهُم بالأسر من المَسْجدِ الحَرامِ من غيرِ قتلٍ ولا سفكِ دمٍ إنْ أمكنَ، وإلا فَنُضيِّقُ (١) عليهم حتى يبدؤوا بالقتال، فحينئذٍ نَقتلهم؛ كما أحلَّ اللهُ -سبحانه- ذلك، ثم نطَهِّرُ المسجدَ الحرامَ منهم، ونحرسُه فلا يقربونه؛ كما قالَ ﷻ [﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ [التوبة: ٥]. وَكما قال ﷻ ] (٢) -: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]. وأما قتلُ الفواسقِ الخمس، فإنَّ قتلَها مباح في الأصلِ؛ لأنها غيرُ صيدٍ، وكذلك يجوزُ قتلُ غيرِها مِمَّا ليس بصيد، ما لم يُنْهَ عنه. وتخصيصُ الفواسِقِ بالذكر؛ لفِسقها، فقتلُها مستحبٌّ، وليس بواجب، وغيرها مِمّا لا فسق فيه قتلُهُ جائز، وليس بمستحبٍّ، فهذا فائدةُ

стр. 331

التخصيص بالفسق (١)، وهذا ما انتهى إليه فَهْمي. وقد ظهر لكم ممّا ألحقته في كتابي من قول أبي عبدِ الله الشافعي أنه يوافق ما ذهبتُ إليه. وإن كانَ جميعُ منْ لقيتهُ من متفقهة الشافعية يعتقدُ خِلافَ ذلك عنه استحسانًا من نفسِه بغيرِ نَقْلٍ ولا دَليلٍ، كما اعتقده ابنُ خوازمنداد المالكي، وادَّعى ما ليسَ له عليه برهانٌ ولا دليل، فقال: الآيةُ منسوخةٌ؛ لأن الإجماعَ قد تقررَ بأن عدوًّا لو استولى على مكة، وقال: لا أُقَاتلكم، وأمنعكم من الحج، ولا أبرح (٢) من مكة، لوجب قتالُهُ، وإن لم يبدأْ بالقتال، فهي وغيرها من البلاد سواء، وإنما قيلَ فيها هي حرامٌ؛ تعظيمًا لها، ألا ترى أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بعثَ خالدَ بنَ الوليدِ يومَ الفتحِ فقالَ: "احْصُدْهُمْ (٣) بالشَّيفِ حَتى تَلْقاني على الصَّفا"، حتى جاء العباس فقال: يا رسول الله! هلكت قريش، فلا قريش بعد اليوم (٤). ألا ترى أنه قال في تعظيمها: "فلا يلتقطُ لُقَطَتَها إلا منشدٌ" (٥)؟ (٦) اللُّقَطَةُ

стр. 332

بها وبغيرها سواء، ويجوز أن تكون منسوخةً بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (١) [البقرة: ١٩٣]. فانظر كيفَ ادَّعى الإجماع في موضع الخلاف! وهذا مجاهدٌ وطاوس من كبارِ التابعينَ، والشافعيُّ من راسخي العلماءِ يُخالفون في ذلك معَ معارضَةِ نَصِّ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وادّعى مُساواتَها لسائِرِ البلادِ، وجَعل لفظ الشارعِ في تعظيمها وتخصيصها مهملًا فارغًا من المعنى. فحينئذٍ لا يُوثَقُ بجميع خطابه، وهذا فساد في الدين. وأمَّا إذنُ النبيِّ ﷺ لخالدٍ، فإنما كان في الساعة التي حَلَّت لهُ، فاستدلَّ بموضع التحليل على موضع التحريم. وأما تحليلُه لِلُقَطَتِها، فليس بِمُجْمَعٍ عليه، فكيف يستدلُّ بموضعِ الخلافِ على موضعِ الإجماع؟ فانظر إليه كيف جعل النسخ في كتاب الله بالتجويز والإمكان من غير دليل. وإنما أوردتُ مقالتهُ وأوضَحْتُ فسادَها، وإنْ كانتْ مُسْتَحِقَّةً لعدمِ الالتفاتِ إليها؛ لئلا يَغْتَرَّ بها الضعفاءُ. والحمد الله رب العالمين. * ثم اختلفت الفقهاءُ أيضًا في الملتجئ إلى الحرم. - فمنهم من قال: لا يُقتلُ (٢)، واستدلَّ بقراءة من قرأ: (لا تقتلوهم) (٣)، وبعُمومِ الحديث.

стр. 333

- وقال الشافعيُّ: يُقتل (١)؛ لما ذكرتُه عنهُ من التخصيصِ. ويجاب عن هذه القراءة بأنه عَبَّرَ بالقتلِ عن القِتال؛ لأنه مسببُه، فهو من باب التعبير بالمسبَّبِ عن السَبَبِ (٢). فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنِ انْتَهَوْا﴾؟ قلنا: معناه -والله أعلم- انتهوا بتركِ الكفر (٣)، لا بتركِ القتالِ، استدلالًا بوعدِه بالمغفرة والرحمة، ولا يكونانِ إلا بتركِ الكفر، واقتصاصًا من قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، واستدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، وبقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨]، ولأن النبيّ ﷺ لم يقرَّ أحدًا من قريش على الكفر بعدما انتهوا عن القتال. * * * ١٥ - (١٥) قوله ﷻ : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].

стр. 334

أمر الله سبحانه في هذه الآية وفي غيرِها بقتالِ المشركين حتى لا تكونَ فتنةٌ، ويكونَ الدينُ لله. - والفتنَةُ هنا تَحْتملُ أن يكونَ المرادُ بها فتنةَ الرجلِ في دينِه، ويدلُّ عليه ما رويناه في "صحيح البخاري" عن نافعٍ: أنَّ رجلًا أتى ابن عمرَ (١) وقال: يا أبا عبد الرحمن! ما حملك على أن تَحُجَّ عامًا وتعتَمِرَ عامًا، وتتركَ الجِهَاد في سبيلِ الله وقد علمتَ ما رَغَّبَ اللهُ فيه؟ قال: يابن أخي! بُنِي الإسلامُ على خمس: إيمان بالله ورسوله، والصلواتُ الخمس، وصيامُ رمضان، وأداءُ الزكاة، وحَجُّ البيت. قال: يا أبا عبد الرحمن! ألا تسمعُ ما ذكرَ اللهُ في كتابهِ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩] ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]؟ قال: قد فعلْنا على عهدِ رسولِ الله ﷺ , وكان الإسلام قليلًا، وكان الرجلُ يُفْتَنُ في دينه؛ إما قتلوه أو عذبوه، حتى كثر الإسلامُ، فلم تكنْ فتنةٌ (٢)، الحديث. - ويحتملُ أن يكونَ المرادُ بالفتنةِ الشِّرْكَ (٣)، ويدلُّ عليه قولُ النبيِّ ﷺ "لا أزالُ أقاتلُ الناسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا اللهُ، فإذا قالوها، فقد عَصموا

стр. 335

مِنِّي دِماءهم وأموالَهم إلا بِحَقِّها، وحسابُهُمْ على الله" (١). * فإن قلتُم: فقد وردَ في كتاب الله وسنَّةِ رسولهِ ﷺ آيةٌ وسنةٌ تناقِضُ هذه الآية، وهذه السنةَ. - أما الآيةُ، فقولُ اللهِ سبحانَهُ: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. - وأما السنَّةُ، فما روى علقمةُ بن مَرْثَدٍ، عن سُليمانَ بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيهِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان إذا أَمَّرَ أميرًا على جيشٍ أو سريَّةٍ، أوصاه في خاصَّته بتقوى الله، وبمَنْ معهُ من المسلمين خيرًا، ثم قال: "اغزوا بسم الله، و (٢) في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا فلا (٣) تَغُلُّوا، ولا تعتدوا (٤)، ولا تُمَثِّلوا، ولا تقتلوا وَليدًا، وإذا لقيتَ عَدُوَّكَ من المُشْركين، فادْعُهم إلى ثلاثِ خِلال -أو ثلاثِ خِصال- شَك عَلْقَمَةُ. ادعُهم إلى الإسلامِ، فإن أجابوك، فاقْبَلْ منهم، وكُفَّ عنهم، ثم ادْعُهم إلى التَّحَوّلِ من دارِهم إلى دارِ المُهاجرين، وأَخْبِرْهُمْ، إنْ فَعَلُوا أَنَّ لهم ما لِلْمُهاجرين، وأن عليهم ما عليهم، فإن اختاروا المُقامَ في دارهم، فأَخْبرهم أَنهم كأعرابِ المسلمين، يجري عليهم حُكْمُ الله كما يَجْري على المسلمين، ليسَ لهم في

стр. 336

الفَيءِ شَيءٌ إلا أَنْ يجاهدوا معَ المسلمين، فإنْ لم يجيبوك إلى الإسلام، فادعُهُم إلى أن يُعْطُوا الجِزْيةَ، فإن فَعلوا، فاقبلْ منهم ودَعْهُم، فإن أَبَوا، فاستعِن باللهِ وقاتِلْهم" (١). قلت: ليسَ واحدٌ من الحديثينِ ولا من الآيتين معارضًا للآخر، بل آيةُ البقرة من العامِّ الذي أُريد (٢) به الخاصُّ، وذلك أن لفظَهُ عامٌّ في المشركين، والمرادُ به المشركونَ من أهلِ الأوثان، وهم أكثر من قاتل رسول الله ﷺ . وكذلك الحديثُ مثلُه، فالأمرُ خاصٌّ ببعضِ المشركينَ، وهم عَبَدَةُ الأوثان. وآيةُ (براءة) خاصَّةٌ ببعضِ المُشركينَ، وهم أهلُ الكتاب. وكذلك حديثُ ابنِ بُرَيْدَةَ مثلُه. فالفرضُ في قتال مَنْ كانَ هو أو أبوه (٣) من أهل الأوثان: أن يقاتَلُوا حتى يُسْلِموا، ولا يحلُّ لنا أن نقبل منهم جِزْيَةً (٤)، لما وردَ في سورة

стр. 337

البقرة، ولما رواه أبو هريرة (١) والفرضُ في أهل الكتابِ ومَنْ دانَ دينهم قبل نُزول الفرقان (٢) أن يقاتَلوا حتى يُسلموا، أو يُعْطوا الجِزْيَةَ؛ لِما ورد في سورة (براءة)، ولحديث ابنِ بريدة. فإن قلتم: حديثُ ابنِ بريدةَ كانَ قبلَ الفتحِ؛ بدليل قولهِ ﷺ : "ثم ادعُهُمْ إلى التَّحَوُّلِ من دارِهِمْ إلى دار المُهاجرين"، فهل يجوزُ أن يكونَ منسوخًا بحديث أبي هريرة، وأنه لا يقبل منهم إلا الإسلام؛ لكون إسلام أبي هريرة بعد الهجرة؟ قلت: قد أجمع المسلمون على قبول الجزية كما ورد في كتاب الله -سبحانه-، وفي سنة رسوله ﷺ ، وفي عمل الصحابة -رضي الله تعالى عنهم -، فلا يجوز نسخُهُ، ولأنه يؤدي إلى إبطال آية (براءة)، ولا دليل على نسخها. وأما تأخر إسلام أحد الراويين، فلا يكون دليلًا على النسخ؛ لجواز أن يكونَ رواهُ عمَّن قَدُم إسلامُه، ثم أرسله عنه. فإن قلتم: فهل يجوز لقائل أن يقولَ: يجوزُ أخذُ الجزيةِ من عبدَةِ الأوثان بحديثِ ابنِ بُريدةَ؛ بدليل أنَّ الذين كانَ يبعثُ إليهمُ السرايا كانوا أهلَ أوثانٍ، لا أهلَ كتابٍ، ويجوزُ أخذُها من أهلِ الكِتاب بآية (براءة)؟ قلت: لا يجوزُ -والله أعلم- القولُ بذلك (٣)؛ لما فيه من إبطالِ قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] من غير دليل يدُّل على

стр. 338

النسخ لها، ودعوى كونِ الَّذينَ يبعثُ إليهم أهلَ أوثانٍ، باطِلَةٌ لا بُرهانَ لها، فقدْ كان النبيُّ ﷺ يبعثُ الأُمراءَ إلى أهلِ الكتابِ، فبعثَ معاذًا وأبا موسى وعليًا إلى اليمن، وكانوا أهل كتاب. وبعثَ خالدًا إلى دُومَةِ الجَنْدَلِ، وكانوا أهلَ كتابٍ. والله أعلم. * * * ١٦ - (١٦) قوله جل ثناؤه: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤]. * حرَّمَ اللهُ -سبحانه- علينا في غيرِ هذهِ الآيةِ القِتالَ في الشَّهرِ الحرام، فقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- قريبًا. وأباح لنا في هذه الآية أن نقاتلهم (١) في الشهرِ الحرامِ إنْ قاتلونا (٢) في الشهرِ الحرام، كما أباحَ لنا مُجازاتَهم بذلك في المسجدِ الحرام، فقال: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٤]. قال ابن عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-في روايةِ عَطاء: يريد: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فقاتلوهم في مثله. ثم عقبه الله سبحانه بلفظٍ يشملُ المسجدَ الحرامَ والشهرَ الحرام، فقال: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤]. * ثم بيَّنَ ذلكَ القِصاصَ بيانًا عامًا، فقالَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، ويندرج في هذا العموم جملة من المسائل:

стр. 339

الأولى: اعتبار المماثلة في القصاص، وفي الآلة التي يُقْتَصُّ بها، وقد قال بهذا عامة أهل العلم (١)؛ لهذه الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]؛ وبفعلِ النبيِّ ﷺ في اليهوديِّ الذي قتلَ الجاريَة (٢)، وإن اختلفوا في التفاصيل. الثانية: إيجابُ القِصاصِ في القَتْل بالمثقلِ. وقد قال به مالكٌ والشافعيُّ وغيرُهما من أهلِ العلمِ. ومنعه أبو حنيفةَ والشعبيُّ والنَّخَعِيُّ (٣). وهم محجوجون بهذه الآية، وبقتل النبيِّ ﷺ اليهوديَّ بالحَجَر، ولقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩]، ولأنَّ في تركِ القِصاص بالمثقلِ ذريعةً إلى إزهاقِ الأرواح، فيؤدي إلى فَسادٍ عظيمٍ. الثالثة: فيها دلالة على أن للرجل أن يقْتل منِ اعتدى عليه متى شاءَ، لكن عارضَهُ الإجماعُ على أنه لا يجوزُ إلّا بحَضْرةِ السلطانِ، لكن اختلفوا فيما إذا لم يمكنْهُ الاستيفاءُ بالسلطان؛ لعدمِ البيِّنَةِ، هل له أن يقتصَّ حَقَّهُ في (٤) مالٍ أو دم؟ فذهب الشافعيُّ إلى أنَّ له ذلكَ (٥)، وروي عن مالك، وأجازهُ (٦) ابنُ

стр. 340

المنذرِ، ويدلُّ لهُ قولهُ ﷺ لِهنْدٍ بنتِ عُتبةَ لمّا قالتْ لهُ: إن أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ووَلَدي، إلا ما أخذتُ من مالِه (١) بغيرِ علمِه، فهل عليَّ من جُناح؟ فقال رسول الله ﷺ : "خُذي ما يكْفيكِ وَوَلَدَكِ بالمَعْروف" (٢). والمشهورُ عن مالكٍ المنعُ، وبه قالَ أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- (٣). * * *

стр. 341

(من أحكام الجهاد) ١٧ - (١٧) قوله : ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]. * والإنفاقُ في سبيل اللهِ قد يكونُ واجبًا، وقد يكونُ مُسْتَحبًّا، فيجبُ حيثُ يتعيَّنُ الجِهادُ والحَجُّ، ويستحبُّ إذا لم يتعيَّنْ ذلك. والأمرُ بالإنفاقِ في الآية مشتَركٌ بين المعنيينِ. * ونهانا اللهُ سبحانه أن نُلْقِيَ بأيدينا إلى التَّهْلُكَةِ. وذلكَ قاعدةٌ عامَّةٌ في كلِّ فعلٍ (١) جائز أو واجبٍ. فإذا كانَ يخافُ من فعلِ الواجبِ التهلكةَ، وجبَ عليه تركهُ، إلا في مواضعَ استُثْنيت: منها: أن يغرِّرَ (٢) بِنَفْسِهِ في طلبِ الشهادةِ. ومنها: أن يأمرَ بمعروفٍ أو ينهى عن منكرٍ. وأما في فعل المنهيِّ عنه، فإنَ المكلَّف مخيرٌ بينَ فعلِ المنهيِّ عنه، وبين الكفِّ والوقوع في الهَلَكَة (٣)؛ كما إذا أُكْرِهَ على الرِّدَّةِ -نعوذُ باللهِ

стр. 342

العظيم من ذلك-، وكذا سائرُ المنهيّات (١). والآية نزلتْ على سببٍ في النفقةِ (٢). روى يزيدُ بن أبي يزيد، عن أبي عمران قال: غزونا القسطنطينيةَ، وعلى الجماعةِ عبدُ الرحمنِ بنُ الوليد، والرومُ مُلْصِقونَ ظُهورَهم بحائط المدينةِ، فحملَ رجلٌ على القومِ، فقال الناسُ: مَهْ مَهْ، لا إله إلا الله، يلقي بيدهِ إلى التهلكة، فقال أبو أيوبَ الأنصاريُّ: سبحان الله! أنزلت هذه الآية فينا -معاشرَ الأنصارِ- لمَّا نصرَ اللهُ نبيَّهُ، وأظهرَ دينَه، قلنا: هَلُمَّ (٣) نُقيمُ في أموالِنا (٤) ونُصْلِحُها، فأنزل الله: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، فالإلقاء إلى التهلكة أنْ نقيمَ في أموالنا ونصلحها وندعَ الجهاد، فلم يزلْ أبو أيوبَ مُجاهدًا حتى دُفِنَ بالقسطنطينية، فقُبر (٥) هناك (٦).

стр. 343

والعِبْرَةُ بعموم اللَّفْظِ لا بخُصوصِ السبب، ما لم يَخْرُجِ السبب، ولهذا أنكر عليهم أبو أيوبَ تأويلَهم لما أخرجوا المُجاهدَ الطالبَ لإعزاز دينِ اللهِ سبحانه، وإغاظَةِ عَدُوِّ الله ﵎. * * *

стр. 344

(من أحكام الحج) ١٨ - (١٨) قوله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. أقول: اشتملت هذه الآية على جُمَلٍ من الأحكام والمناسك. الجملة الأولى: أمرنا اللهُ سبحانه بإتمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ. فيحتملُ أن يكونَ المرادُ بإتمامهما أداؤهما (١)؛ بدليل ما روي من قراءة ابنِ عمرَ وابنِ عباسٍ ﵃: أنهما كانا يقرأان: (وأقيموا الحَجَّ والعمرة لله) (٢). فتدلُّ الجملة -حينئذٍ - على وجوبِ الحَجِّ والعمرةِ.

стр. 345

وقد قالَ بوجوبِ العُمْرَةِ: عبدُ اللهِ بنُ عباسٍ، وعبدُ اللهِ بنُ عمر، وجابرٌ، وعطاءٌ، وابنُ المسيب، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والشافعيُّ في الجديد وأحمدُ، والثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ (١). واستدلُوا بالحديثِ الثابتِ عنْ عمرَ بنِ الخَطابِ ﵁: أن النَّبي ﷺ سُئِل عن الإسلام فقال: "أن تشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، وأن تُقيمَ الصلاةَ، وتُؤتيَ الزكاةَ، وتحجَّ البيتَ، وتَعْتَمِرَ، وتَغْتَسِلَ من الجَنابةِ، وتُتِمَّ الوُضوءَ" (٢)، وبما رويناهُ في "سُنَنِ البيهقيِّ" عن أبي رَزينٍ العُقَيْلى، قال: سألتُ النبيَّ ﷺ ، فقلت: إن (٣) أبي شيخ كبيرٌ لا يستطيعُ الحجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعنَ (٤)، قال: "حُجَّ عن أبيكَ واعتمرْ عنه" (٥).

стр. 346

قال البيهقيُّ: وقد روينا (١) عن أحمدَ بنِ حنبلٍ: أنه قال: لا أعلمُ في إيجاب العُمْرَةِ حديثاً أجودَ من هذا، ولا أصحَّ منه (٢). واستأنس الشافعيُّ بأن الله - سبحانه - قرنَها مع الحَجِّ، وتَبِعَ في الاستئناس قولَ ابنِ عبَّاس: والذي نفسي بيده! إنها لَقَرِيْنَتُها في كتابِ اللهِ: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٦]. - ويحتملُ أن يكون المراد بإتمام الحجِّ والعمرة إتمامُ ما دخلنا فيه وعقدناه على أنفسنا من حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، وهو الظاهرُ؛ لأن اللهَ - سبحانه - ذكرَ بعده حُكْمَ (٤) المُحْصَرِ الذي لم يُتِمَّ الحجَّ والعمرةَ. فلا يكونُ فيها دليلُ وجوبِ الحجِّ والعمرةِ (٥)، فقد تكونُ العبادة غيرَ

стр. 347

واجِبَةٍ، فإذا عقدَها الرجلُ، وجبَ عليه إتمامُها؛ بدليلِ وجوبِ إتمام حَجِّ التطوُّعِ. وبهذا قال أبو حنيفةَ ومالكٌ والشعبيُّ (١)، والشافعيُّ في قولِه القديمِ (٢). واستدلوا بقولِه ﷺ : "بُني الإسلامُ على خمس: شهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وصومِ رمضانَ، والحَج" (٣). وبما روى جابرُ بنُ عبدِ الله -رضيَ الله تعالى عنهما -: أنَّ رجُلاً سألَ رسولَ الله ﷺ عنِ العُمْرَةِ أهي واجبة؟ قال: "لا، وأنْ تعتمرَ خيرٌ لكَ" (٤)، ولكن اتفق الحُفّاظُ على ضعفه (٥).

стр. 348

* فإن قيل: فقد أوجبَ الله - تعالى - علينا (١) إتمامَ الحجِّ والعمرةِ إذا دخَلْنا فيهما، ولا يجوزُ لنا الخروجُ منهُما؛ كما وردَ في كتابِ الله ﷻ ، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ ﷺ أَنَّهُ أمرَ أصحابَه الَّذينَ لم يكنْ معهم هَدْيٌ بِفَسْخِ الحَجِّ إلى العُمرةِ (٢)، فما الحكمُ في ذلكَ، وكيفَ الجمعُ بين الآيةِ والحديث؟ قلت: ذهبَ بعضُ أهل المعاني والتفسير إلى أَنَّ هذه الآيةَ ناسخةٌ (٣)؛ لِما رُوي أن النبيَّ ﷺ (٤) أمرَ أَصحابه بعد أن أحرموا بالحجِّ أن يفسخوهُ في عمرة (٥)، فالآية محكمةٌ مستمرةٌ على عمومها. ودعوى هذا القائل بالنسِخ باطلةٌ؛ فإن المتقدِّمَ لا ينسخُ المتأخِّرَ، فَحَجُّ النبيِّ ﷺ وأمرُه أصحابَهُ كان في سنةِ عَشْرٍ، والآيةُ نزلتْ في سنة سِتٍّ عامَ الحُدَيبية حينَ صدَّه كفارُ قريشٍ عن البيتِ الحرامِ. وكأنّ (٦) هذا القائل سمعَ قولَ عمرَ ﵁ فتوهَّمَهُ يدلُّ على النسخ، وليس كذلك. وذلك أن عمر ﵁ كان ينهى عن هذه المتعةِ (٧)، ويضربُ

стр. 349

الناس عليها، وقال: "إن الله يُحِلُّ لرسوله ما شاءَ بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازلَه، فأتِمُّوا الحجَّ والعمرةَ كما أمركم اللهُ - تَعالى -، فافْصِلوا حجَّكم عن عُمْرتكم؛ فإنه أَتَمُّ لحِجِّكُمْ، وأتَمُّ لعمرتكم" (١). فتوهَّمَ نزول القرآن منازله ناسخاً للسنَّةِ، وليسَ كذلك. وإنما أرادَ عمر -رضي اللهُ تعالى عنه - أنَّ اللهَ - سبحانه - أباحَ ذلك لنبيِّهِ محمدٍ ﷺ لأجلِ مخالَفَةِ الجاهليَّةِ من تحريمِهم العمرةَ في أشهرِ الحَجِّ، وَجَعْلَهم ذلكَ من أفجر الفجور، فأمَر النبيُّ ﷺ أصحابَه بفَسْخ الحَجِّ إلى العمرة؛ ليعلموا جَوازَ ذلك، ففِعْلُهُ ﷺ لعِلَّةٍ، وقد زالتِ العِلَّةُ، فزال هذا الحكمُ لزوالها، وبقي ظاهرُ القرآن على إطلاقه ومقتضاهُ، فلا يجوزُ لمن بعدهم أن يفسخَ الحجَّ إلى العمرةِ. - وقد منعَ فسخَ الحجِّ إلى العمرةِ: أبو بكرٍ وعثمانُ وعليٌّ -رضي الله تعالى عنهم -، وتبعَهم جماهيرُ أهلِ العلم من السلف والخلف. وبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ وأبو حنيفةَ (٢). ولهم من الدليل: حديثُ أبي ذَرٍّ ﵁: كانت المتعةُ في الحجِّ لأصحاب محمد ﷺ خاصَّةً. وفي رواية: "رُخْصَةً"، يعني: فسخ الحج إلى العمرة (٣). وفي النسائي، عن الحارث بن بلالٍ، عن أبيه قال: قلت:

стр. 350

يا رسول الله! فسخ الحج لنا خاصَّةً أم للناسِ عامَّةً؟ فقال: "بل لنا خاصَةً" (١). - وقال أحمد وطائفةٌ من أهلِ الظاهر (٢): ليس خاصًّا بالصحابة، بل هو باقٍ إلى يوم القيامة، فيجوزُ لكلِّ من أحرم بحجٍّ، وليس معه هَدْيٌ، أن يقلبَ إحرامَهُ عمرةً، ويتحلَّل بأعمالها. وقال أحمدُ: لا أردُّ تلكَ الآثار الواردةَ المتواترةَ الصِّحاحَ في فسخِ الحَجِّ إلى العمرةِ بحديثِ الحارثِ بنِ بلالٍ عن أبيهِ، وبقولِ أبي ذزٍّ، ولم يُجْمِعوا على ما قال أبو ذَرٍّ، ولو أجمعوا لكان حُجَّةً، وقد خالف ابنُ عباسٍ أبا ذرٍّ -رضيَ الله تعالى عنهما -، ولم يجعلْه خصوصاً (٣). الجملة الثانية: قوله : ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. * أباحَ الله - سبحانه - لنا الخروجَ من هذا النسك الذي أوجبَ علينا إتمامَهُ بعذرِ الإحصار.

стр. 351

والإحصارُ هو المنعُ، وهو اسمٌ مشترَكٌ يقع على المنعِ من العدوِّ، وعلى المنع بغيره. فقال الأزهريُّ: قال أهل اللغة: يقالُ لمنْ منعهُ خوفٌ أو مرضٌ من التصرفِ: أُحْصِرَ، فَهُو مُحْصَرٌ، ولمن حُبِسَ: حُصِرَ، فهو مَحْصورٌ (١). وكذا قاله الزَّجّاجُ عن أهل اللغة (٢). وقال - أيضاً - هو وثعلبٌ والفَرَّاءُ: أُحْصِرَ وحُصِرَ، لغتان (٣). والمرادُ بهِ في هذه الآيةِ حَصْر العَدُوِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولذكْر المرضِ بعده. قال الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه -: لم أسمعْ ممَّنْ حفظتُ عنهُ من أهلِ العلمِ في التفسيرِ مُخالفاً أَنَّ هذه الآيةَ نزلتَ بالحديبيةِ حين أُحْصِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالحديبية، وحلقَ ورجعَ ولم يَصِلْ إلى البيتِ، ولا أصحابُه، إلا عثمانَ بنَ عفانَ رضيَ الله تعالى عنهم (٤). وزعم قومٌ أنَّ المرادَ به حَصْرُ المرضِ، وزعموا أنه لا يُقال: أُحْصِر، في العدوِّ، وإنما يقالُ ذلك في المرضِ، فيقال: أَحْصَرَهُ المرضُ، وحَصَرَهُ العدوُّ، وهذا قولُ الأخفشِ وابنِ السِّكِّيتِ من علماءِ اللغة (٥).

стр. 352

وأجابوا عن ذكرِ المرضِ بأنه يتنوَّعُ إلى مرضٍ مُحْصرٍ، ومرضٍ غيرِ مُحْصِرٍ، وأن المرادَ بالأَمانُ: الأمانُ من المرضِ. وهذا تكلُّفٌ واعتسافٌ، وقد قدَّمْتُ عن أهلِ اللغةِ ما يَدْفَعُ دعواهُم. والجوابُ عَمّا ادَّعَوْهُ من اللغةِ سَهْلٌ، فيجوزُ استعمالُ (أفعلَ) في غيرِ بابه مَجازاً للعلاقةِ التي بينَهُما، وهي المنع؛ لأنَّ (فُعِلَ به) إذا أوقع به الفِعْلُ، ويجوز أن يقال: (أُفْعِلَ به) (١)، ويكون معناه أنُه عَرَّضَهُ للفعل، ولم يوقعْه به، ويقال (قَتَله) إذا أوقِع به القتل، و (أَقْتَلَهُ) إذا عَرَّضَهُ للقتل (٢)، فاستعمال أَحْصَرَهُ في العدوِّ الذي عَرَّضَهُ للمنعِ أحسنُ منهُ في حَصر المرض الذي أوقع به المنع. * إذا تقرر هذا، فإنَّ الله - سبحانه - قد أحلَّ تركَ إتمامِ الحجِّ والعمرةِ لعذرِ إحصار العدوِّ بهذهِ الآية، وبيَّنه النبيُّ ﷺ عام الحُدَيبية، وكان مُحْرِماً بعمرةٍ. والحجُّ في مَعْنى العُمرةِ؛ بدليلِ أنَّ ابنَ عُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما - لمّا أحرمَ عامَ الفِتْنَةِ بالعُمرةِ، وقالَ: إن صُدِدْتُ عنِ البيتِ، صنعتُ كما صنعَ رسولُ الله ﷺ ، ومشى ثم قال: ما أرى شأنَ الحَجِّ والعُمرة إلا واحداً، فَأَهَلَّ بالحَجِّ (٣)، وعلى هذا أجمع أهلُ العلم (٤).

стр. 353

* واتففوا - أيضاً - على أنه يتحلَّلُ متى أحْصِر، ولم يخالفْ إلا الثوريُّ والحسنُ بنُ صالح؛ فإنهما قالا: لا يتحلَّلُ إلَّا يومَ النَّحْرِ (١). وهذا خَطَأٌ مخالِفٌ لإطلاقِ الكتابِ العزيز، ولأنَّ تحللَ النبيِّ ﷺ كان في ذي القعدة. * واختلفوا في إلحاقِ الإحصارِ بالمرضِ بإحصار العدو، وإن لم يكنْ مَقْصوداً ومراداً بالحكم، فألحقه أهلُ العراق بإحصار العدو. وهو مذهبُ ابن مسعود رضي اللهُ تعالى عنه (٢). وقالوا: يُرْسِلُ هَدْيَهُ، وَيُقَدِّرُ يومَ نَحْرِه، ويُحِلُّ في يوم ميعادِهِ (٣). واستدلُوا بحديثِ الحَجَّاج بن عمرو الأنصاريِّ قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "منْ كُسِرَ أو عَرِجَ، فقدْ حَلَّ، وعليه حَجَّةٌ أخرى" (٤).

стр. 354

ومنع أهلُ الحجاز إلحاقه بالمُحْصَر، ولا يتحللُ إلا بعمرةٍ (١). وبه قالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ (٢). واحتجوا بما روى عمرُو بنُ دينارٍ، عنِ ابنِ عباسٍ: أنه قال: لا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ العَدُوِّ (٣). وبما رُوي عن عائشةَ وابنِ عمر: أنهما قالا: لا يحل المريضُ دونَ البيتِ (٤)، وحملوا الحديثَ -إن صَحَّ على من شرطَ ذلكَ في إحرامه؛ بدليل حديث ضُباعَةَ بنتِ الزبيرِ بنِ عبدِ المطلب المخرَّجِ في "صحيح مسلم"، وهو أنها قالت لرسول الله ﷺ : إني امرأةٌ ثقيلةٌ، وإني أريدُ الحجَّ، فما تأمرني؟ قال: "أَهِلِّي بالحَجِّ، واشترطي أَن محلِّي حيثُ حَبَسْتَني" (٥). وإيَّاه أختارُ؛ فإنه لو كان حصرُ المرضِ مُبيحاً للتحليل، لما أمرها النبيُّ ﷺ باشتراط التحليل دون لقاء البيت.

стр. 355

فإن قيل: فإذا تحلَّلَ المُحْصَرُ كما أباحَ اللهُ - سبحانه - له، فهل يجبُ عليه القضاءُ، أولا يجبُ إلَّا قضاءُ حجَّةِ الإسلامِ؟ قلت: الظاهرُ من الآية أنه لا قضاءَ عليه؛ لأن الله - سبحانه - لم يذكر قضاءً، والقضاءُ لا يجبُ إلا بأمر ثانٍ عند الأكثرينَ من أهلِ العلمِ بالنظرِ وشرائِط الاستدلال. قال الشافعيُّ: والذي عُقِلَ في أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرتُ من ظاهر الآية، وذلك أَنّا قد علمْنا في متُواطئ أحاديثِهم أنه كان مع رسول الله ﷺ (١) عام الحُدَيبيةِ رجالٌ معروفونَ بأسمائهم، ثم اعتمرَ رسولُ الله ﷺ عمرةَ القضية، وتخلَّف بعضُهم بالمدينة من غير ضرورةِ نفسٍ ولا مالٍ علمتُه، ولو لزمهم القضاءُ لأمرهم رسولُ الله ﷺ إن شاء الله تعالى - ألاّ (٢) يتخلفوا عنه (٣). وأيضاً (٤) لم نعلم أن رسولَ الله ﷺ أمرَ أحداً ممَّن كان معه أن يقضيَ شيئاً، ولو كانَ لنقِلَ وعُلم. وهذا مذهبُ ابنِ عبّاس وابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهم - وبه قالَ مالكٌ (٥). وهو أحبُّ إليَّ؛ لما قدمتُه، ولكونه أشبهَ بالأصول؛ فإنه من دخل في
следующие страницы →