← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

والإحصارُ هو المنعُ، وهو اسمٌ مشترَكٌ يقع على المنعِ من العدوِّ، وعلى المنع بغيره. فقال الأزهريُّ: قال أهل اللغة: يقالُ لمنْ منعهُ خوفٌ أو مرضٌ من التصرفِ: أُحْصِرَ، فَهُو مُحْصَرٌ، ولمن حُبِسَ: حُصِرَ، فهو مَحْصورٌ (١). وكذا قاله الزَّجّاجُ عن أهل اللغة (٢). وقال - أيضاً - هو وثعلبٌ والفَرَّاءُ: أُحْصِرَ وحُصِرَ، لغتان (٣). والمرادُ بهِ في هذه الآيةِ حَصْر العَدُوِّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولذكْر المرضِ بعده. قال الشافعيُّ -رضي الله تعالى عنه -: لم أسمعْ ممَّنْ حفظتُ عنهُ من أهلِ العلمِ في التفسيرِ مُخالفاً أَنَّ هذه الآيةَ نزلتَ بالحديبيةِ حين أُحْصِرَ رسولُ اللهِ ﷺ بالحديبية، وحلقَ ورجعَ ولم يَصِلْ إلى البيتِ، ولا أصحابُه، إلا عثمانَ بنَ عفانَ رضيَ الله تعالى عنهم (٤). وزعم قومٌ أنَّ المرادَ به حَصْرُ المرضِ، وزعموا أنه لا يُقال: أُحْصِر، في العدوِّ، وإنما يقالُ ذلك في المرضِ، فيقال: أَحْصَرَهُ المرضُ، وحَصَرَهُ العدوُّ، وهذا قولُ الأخفشِ وابنِ السِّكِّيتِ من علماءِ اللغة (٥).

стр. 352

وأجابوا عن ذكرِ المرضِ بأنه يتنوَّعُ إلى مرضٍ مُحْصرٍ، ومرضٍ غيرِ مُحْصِرٍ، وأن المرادَ بالأَمانُ: الأمانُ من المرضِ. وهذا تكلُّفٌ واعتسافٌ، وقد قدَّمْتُ عن أهلِ اللغةِ ما يَدْفَعُ دعواهُم. والجوابُ عَمّا ادَّعَوْهُ من اللغةِ سَهْلٌ، فيجوزُ استعمالُ (أفعلَ) في غيرِ بابه مَجازاً للعلاقةِ التي بينَهُما، وهي المنع؛ لأنَّ (فُعِلَ به) إذا أوقع به الفِعْلُ، ويجوز أن يقال: (أُفْعِلَ به) (١)، ويكون معناه أنُه عَرَّضَهُ للفعل، ولم يوقعْه به، ويقال (قَتَله) إذا أوقِع به القتل، و (أَقْتَلَهُ) إذا عَرَّضَهُ للقتل (٢)، فاستعمال أَحْصَرَهُ في العدوِّ الذي عَرَّضَهُ للمنعِ أحسنُ منهُ في حَصر المرض الذي أوقع به المنع. * إذا تقرر هذا، فإنَّ الله - سبحانه - قد أحلَّ تركَ إتمامِ الحجِّ والعمرةِ لعذرِ إحصار العدوِّ بهذهِ الآية، وبيَّنه النبيُّ ﷺ عام الحُدَيبية، وكان مُحْرِماً بعمرةٍ. والحجُّ في مَعْنى العُمرةِ؛ بدليلِ أنَّ ابنَ عُمَرَ -رضي الله تعالى عنهما - لمّا أحرمَ عامَ الفِتْنَةِ بالعُمرةِ، وقالَ: إن صُدِدْتُ عنِ البيتِ، صنعتُ كما صنعَ رسولُ الله ﷺ ، ومشى ثم قال: ما أرى شأنَ الحَجِّ والعُمرة إلا واحداً، فَأَهَلَّ بالحَجِّ (٣)، وعلى هذا أجمع أهلُ العلم (٤).

стр. 353

* واتففوا - أيضاً - على أنه يتحلَّلُ متى أحْصِر، ولم يخالفْ إلا الثوريُّ والحسنُ بنُ صالح؛ فإنهما قالا: لا يتحلَّلُ إلَّا يومَ النَّحْرِ (١). وهذا خَطَأٌ مخالِفٌ لإطلاقِ الكتابِ العزيز، ولأنَّ تحللَ النبيِّ ﷺ كان في ذي القعدة. * واختلفوا في إلحاقِ الإحصارِ بالمرضِ بإحصار العدو، وإن لم يكنْ مَقْصوداً ومراداً بالحكم، فألحقه أهلُ العراق بإحصار العدو. وهو مذهبُ ابن مسعود رضي اللهُ تعالى عنه (٢). وقالوا: يُرْسِلُ هَدْيَهُ، وَيُقَدِّرُ يومَ نَحْرِه، ويُحِلُّ في يوم ميعادِهِ (٣). واستدلُوا بحديثِ الحَجَّاج بن عمرو الأنصاريِّ قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول: "منْ كُسِرَ أو عَرِجَ، فقدْ حَلَّ، وعليه حَجَّةٌ أخرى" (٤).

стр. 354

ومنع أهلُ الحجاز إلحاقه بالمُحْصَر، ولا يتحللُ إلا بعمرةٍ (١). وبه قالَ الشافعيُّ ومالكٌ وأحمدُ (٢). واحتجوا بما روى عمرُو بنُ دينارٍ، عنِ ابنِ عباسٍ: أنه قال: لا حَصْرَ إلَّا حَصْرُ العَدُوِّ (٣). وبما رُوي عن عائشةَ وابنِ عمر: أنهما قالا: لا يحل المريضُ دونَ البيتِ (٤)، وحملوا الحديثَ -إن صَحَّ على من شرطَ ذلكَ في إحرامه؛ بدليل حديث ضُباعَةَ بنتِ الزبيرِ بنِ عبدِ المطلب المخرَّجِ في "صحيح مسلم"، وهو أنها قالت لرسول الله ﷺ : إني امرأةٌ ثقيلةٌ، وإني أريدُ الحجَّ، فما تأمرني؟ قال: "أَهِلِّي بالحَجِّ، واشترطي أَن محلِّي حيثُ حَبَسْتَني" (٥). وإيَّاه أختارُ؛ فإنه لو كان حصرُ المرضِ مُبيحاً للتحليل، لما أمرها النبيُّ ﷺ باشتراط التحليل دون لقاء البيت.

стр. 355

فإن قيل: فإذا تحلَّلَ المُحْصَرُ كما أباحَ اللهُ - سبحانه - له، فهل يجبُ عليه القضاءُ، أولا يجبُ إلَّا قضاءُ حجَّةِ الإسلامِ؟ قلت: الظاهرُ من الآية أنه لا قضاءَ عليه؛ لأن الله - سبحانه - لم يذكر قضاءً، والقضاءُ لا يجبُ إلا بأمر ثانٍ عند الأكثرينَ من أهلِ العلمِ بالنظرِ وشرائِط الاستدلال. قال الشافعيُّ: والذي عُقِلَ في أخبار أهل المغازي شبيهٌ بما ذكرتُ من ظاهر الآية، وذلك أَنّا قد علمْنا في متُواطئ أحاديثِهم أنه كان مع رسول الله ﷺ (١) عام الحُدَيبيةِ رجالٌ معروفونَ بأسمائهم، ثم اعتمرَ رسولُ الله ﷺ عمرةَ القضية، وتخلَّف بعضُهم بالمدينة من غير ضرورةِ نفسٍ ولا مالٍ علمتُه، ولو لزمهم القضاءُ لأمرهم رسولُ الله ﷺ إن شاء الله تعالى - ألاّ (٢) يتخلفوا عنه (٣). وأيضاً (٤) لم نعلم أن رسولَ الله ﷺ أمرَ أحداً ممَّن كان معه أن يقضيَ شيئاً، ولو كانَ لنقِلَ وعُلم. وهذا مذهبُ ابنِ عبّاس وابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهم - وبه قالَ مالكٌ (٥). وهو أحبُّ إليَّ؛ لما قدمتُه، ولكونه أشبهَ بالأصول؛ فإنه من دخل في

стр. 356

عبادةٍ، ثم مُنِعَ من إتمامها، لا يجب عليه قضاؤها، إلا أن تكونَ واجبةً، ولا يجب إلا قضاءٌ واحدٌ لذلك الواجب؛ كالصلاة والصوم، ولكونه أَوْفَقَ لقوله ﷺ : "رُفِعَ عن أمتي الخَطَأ والنِّسيانُ وما استكرِهوا عليه" (١). وذهبَ أبو حنيفةَ إلى وجوبِ القضاء، فإن كانَ مُحْرِماً بالحجِّ، فعليهِ حجةٌ وعمرةٌ؛ لأنه فسخَ حجَّهُ إلى عُمْرةٍ، ولم يتمَّ واحداً منهما، وإن كانَ محرماً بعمرة، قضى عمرتَه، وإن كانَ قارناً، قضى حجةً وعمرتين (٢). واحتجوا بحديث الحجاج بن عمرو الأنصاري (٣) بأن النبيَّ ﷺ اعتمرَ في العام المُقْبل (٤)، ولذلكَ قيلَ لها: عمرةُ القضاءِ، وبالقياس على المُحْصَر بالمَرضِ؛ فإنه يجبُ عليه القضاءُ إجماعاً. وأجابَ الآخرون بأن النبيَّ ﷺ لم يقضِ، وإنما سُميت عمرة القَضاءِ وعمرةَ القضية؛ لأنَّ الله - سبحانه - اقتصَّ لرسوله ﷺ ، فدخل عليهم كما منعوه. وروي عن ابن عمرَ -رضي الله تعالى عنهما - قال: لم تكن هذه العمرةُ قضاءً، ولكن كان شرطاً على المسلمين إن اعتَمروا من قابلٍ أن يكون في الشهر الذي صَدَّهم المشركون فيه (٥).

стр. 357

* ولما أحلَّ الله - سبحانه - لنا تركَ إتمام الحجِّ لعذر الإحصار، أوجبَ علينا ما استيسرَ من الهَدْي. وقد نحر النبيُّ ﷺ وأصحابُه هديَهم بالحُدَيبية. وعلى هذا اتفقَ أهلُ العلمِ (١)، ولم يخالفْ في وجوبِ الهَدْيِ - فيما علمت - إلا مالكٌ؛ فإنه قال: لا يجبُ (٢)، وكان يقول: إن الهديَ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو بعينِه الذي في قوله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ (٣) [البقرة: ١٩٦]. وفيه بُعْدٌ بالتأويل. ويلزمه أن يمنع المتمتع من الحلق قبل الذبح، وهو لم يمنعه. وأجاب موافقوه عن ذبح الهدي يوم الحُدَيبية بأنه ليسَ بهديِ تَحلُّلٍ، بل هو هدي سيق لله - تعالى - ابتداءً من غيرِ سبب. * والمُسْتَيْسِرُ من الهَدْي إما بَدَنَةٌ، أو سُبْعُها، أو بقرةٌ أو سُبْعُها، أو شاةٌ (٤). (٥) قال جابرُ بن عبد الله (٦) -رضي الله تعالى عنه - أُحْصِرْنا مع

стр. 358

رسول الله ﷺ بالحديبية، فنحرنا البَدَنَةَ عن سبعة، والبقرةَ عن سبعةٍ (١). وأمرَ النبيُّ ﷺ كَعْبَ بنَ عُجْرَةَ أن يذبحَ شاةً، أو يطعم ستةَ مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام (٢). وكان ابنُ عمرَ وعائشةُ وابنُ الزبير يقولون: ما استيسر من الهَدْي: بعير أو بقرة، أي: بعير دون بعير، وبقرة دون بقرة، وأَبَوْا أن يقعَ اسمُ الهدي على الشاةِ (٣). هذا الحكمُ ورد في الحصر من الكفار، وكذا إذا صدر من المسلمين، والحكمُ واحدٌ لا افتراقَ بينهما؛ إذ العبرةُ بعمومِ الخِطاب لا بخصوصِ السبب، ويدلُّ عليه ما قدمته من فعلِ ابنِ عمرَ، ولا أعلمُ مخالفاً في ذلك، والله أعلم (٤). الجملة الثالثة: قوله : ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. * حرم الله - سبحانه - فيها على المحرم حلقَ شعرِ رأسِه تحريماً مطلقاً

стр. 359

حتى يبلغ الهديُ محلَّه، سواء كانَ محصَراً أو غير محصَر، واجداً للهدي أو عادماً له، ساقَ معه هديًا أو لم يَسُقْ. وهنا أربع مسائل: الأولى: المحصر الواجد للهدي، فيذبحُ هديه، ثم يحلق رأسه. وللشافعيِّ قولٌ أنه يجوز أن يحلق ثم يذبح، وكأنه قائم على تقديم الحلق على الذبح في يوم النحر. والراجحُ عندي عدمُ الجواز (١)؛ لظاهر القرآن، وإن كان الراجحُ عند متأخري أصحابه الجوازُ (٢). المسألة (٣) الثانية: المحصر العادم للهدي: اتفقوا على أنه يجوزُ له أن يحلق ويتحلل، وإن لم يبلغ الهدي محله، ويقيد إطلاق الآية بما عداه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]؛ فقد يستمر العدم أبداً. ثم اختلفوا هل يبقى الهديُ في ذمته إلى أن يجده؛ لأن اللهَ سبحانه لم يذكر له بدلاً، ولو (٤) كان له بَدَلٌ لبينه كما فعل في التمتعِ وكفارةِ اليمينِ والقَتْلِ والظِّهارِ، أو له بدلٌ قياساً على المتمتع؟

стр. 360

وبالأول قال أبو حنيفة (١). بالثاني قال أحمد (٢). وللشافعيِّ قولان، والراجحُ (٣) منهما عندي عدمُ الوجوب؛ لأنه لو كان واجباً عليه، لبيَّنَهُ رسولُ الله ﷺ ؛ لِما فرض الله - سبحانه - عليه من بيان كتابه الذي أنزله عليه، والعلم يحيط بأن أكثرَ أصحابه الذين كانوا معه - وكان عددهم معه أربع عشرة مئة - أن فيهم المُعْسِرَ العادمَ للهديِ، بل أكثرُهم عادمون، ولم ينقل أن النبيَّ ﷺ في ذلك الوقتِ، ولا في الوقت الثاني، بيَّنَ وجوبَ هديٍ عليهم. وأما القياس في الكفارات والمناسك، فضعيف عند أهل النظر. المسألة الثالثة: غير المحصر إذا لم يسق الهدي. ولا يخفى على أحد أن حلقَ شعرِ رأسه حرامٌ إلى الوقتِ الذي يبلغُ الهدي منه (٤) مَحِلَّهُ، وهو وقتُ التحلُّل، وهذا إجماع (٥)، وإنما اختلفوا في المعنى الذي لأجله مُنع من حلق شعره، فمنهم من رأى منعَه لما فيه من النَّظافَةِ والتزيُّنِ والاستراحة، فعُفي عن اليسير من الشعر، وإليه ذهبَ مالكٌ

стр. 361

رحمه الله تعالى (١)، ومنهم من رأى المنعَ تعبُّداً، فمنع قليلَ الشعر وكثيرَه، وإليه ذهبَ الشافعيُّ رحمه الله تعالى (٢). المسألة الرابعة: غير المُحْصَرِ إذا ساق الهديَ: -فإن أحرم بحجٍّ: فلا يحلُّ حتى يبلغ الهديُ محلَّه (٣)، وليس (٤) له فَسْخُ الحجِّ إلى العمرةِ بالاتِّفاق؛ للآية (٥)، ولقولهِ ﷺ : "لو استقبلتُ من أمري ما اسْتدْبَرْتُ، ما أهديت، ولولا أن معي الهَدْيَ، لأَحْلَلْتُ" (٦)، ولقوله ﷺ لأصحابه: "اجعلوا إهلالَكُم بالحجِّ عمرةً، إلَّا من قَلَّدَ الهَدْيَ؛ فإنَّهُ لا يحلُّ حتى يبلغَ الهديُ مَحِلَّهُ" (٧). - وإن أحرم بعمرة، فكذلك لا يحلُّ حتى ينحرَ هديَهُ يومَ النحرِ عندَ أبي حنيفةَ وأحمدَ ﵄، ولهم من الحُجّةِ قولُه تعالى: ﴿وَلَا

стр. 362

تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله ﷺ : "من أحرم بعمرةٍ ولم يُهْدِ فليحللْ (١)، ومَنْ أحرمَ بعُمْرَةٍ وأهدى فلا يحللْ (٢) حتى ينحرَ هديَهُ يومَ النحر" (٣). وقال مالكٌ والشافعيُّ ﵄: إذا طافَ وسعى، حَلَّ من عمرته (٤). واحتجوا بالقياس على من لَمْ يَسُقِ الهديَ. وأجابوا عن الحديثِ بأن فيه محذوفاً، والمراد: من أحرم بعمرة وأهدى، فليهلَّ بالحجِّ، ولا يحل حتى ينحرَ هديَه؛ بدليل حديث عائشةَ -رضي الله تعالى عنها - قالت: خرجنا مع رسول اللهِ ﷺ عام حجَّة الوداعِ، فأهللنا بعمرة، ثم قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "من كان معه هديٌ فليهللْ بالحجِّ معَ العُمْرَةِ، ثم لا يحلّ حتى يحلَّ منهما جميعاً" (٥). والقول الظاهر عندي قولُ أبي حنيفةَ وأحمدَ؛ لعموم الآية، ولقوله ﷺ : "لو استقبلْتُ من أمري ما استدبرتُ، ما أهديتُ، ولولا أن معي الهدي لأَحللت" (٦)، ولم يقل: ولولا أني أحرمت بالحجِّ وسقت الهدي

стр. 363

لأحللتُ، فدلَّ على أن سوقَ الهديِ وحدَهُ سببٌ لمصابرة الإحرام، سواءٌ كانَ بحجٍّ كفعله ﷺ ، أو بعمرة كفعلِ بعضِ أصحابه -رضيَ الله تعالى عنهم أجمعين - الذين أرشدهم إلى الإهلالِ بالحج مع العمرة؛ ليحصِّلوا النسُكين المُعَظَّمينِ (١): الحجَّ والعمرة، ولو لم يرشدْهم إلى الإهلالِ بالحج، واقتصروا على العمرةِ، لصحَّتْ لهم دون الحج، ولكان لا يصحُّ لهم الحجُّ الذي هو النسكُ الأعظمُ إلا منْ عام قابل (٢). وقوله ﷺ في حديثِ عائشةَ ﵂: "فليهللْ بالحَجِّ معَ العمرةِ" أمرُ إرشادٍ ليحوزوا فضيلة النُّسكين؛ لأن إحرامه (٣) بالحجِّ علةٌ لمصابرة الإحرامِ؛ بدليل سياق كلامه ﷺ : "من كانَ معه هَدْيٌ فَلْيُهْلِلْ بالحَجِّ معَ العمرةِ"، فلو لم يكنِ الهديُ شَرْطاً، لما علق عليه الجواب (٤). * والمَحِلُّ يقعُ على المكانِ الذي ينزل فيه، ويقعُ على الزمانِ الذي ينزل فيه أيضاً. ١ - فيحتمل أن يكون المرادُ به اسمَ المكان. بدليلِ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣]، وقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].

стр. 364

وسياقُ الخِطاب يقتضي بظاهره أن المحرمَ لا يحلُّ حتى يبلغ الهديُ محلَّهُ، ولو كانَ مُحْصَراً، بهذا قال أبو حنيفةَ، واستدلَّ بأن نحرَ رسولِ الله ﷺ عامَ الحُدَيبية وقعَ في الحَرَم، على ما قاله ابنُ إسحاق. وذهبَ الشافعيُّ إلى أنه ينحرُ هديَهُ حيثُ حَلَّ، وتقديرُ الآية: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] إن قدرتم على إيصاله محله. واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]. قال: ونحرَ رسولُ الله ﷺ في الحِلِّ، وقد قيل: نحرَ في الحَرَم، وحكاه عن عطاء. ثم قال: وإنما ذهبنا إلى أنه نحرَ في الحِلِّ، وبعضُ الحديبيةِ في الحِلِّ، وبعضُها في الحَرَم؛ لأن اللهَ تعالى يقول: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥]، والحرم كلُّه مَحِلُّه عند أهلِ العلم (١). ويدلُّ عليه - أيضاً (٢) - النظر والقياسُ، وإن كانَ ضعيفاً في هذا المقام، فإنه كما يجوز له ذبحُ الهَدْي قبلَ وقتِه للعذر، يجوز ذبحه قبل مكانِه - أيضاً -، ولأنه يشقُّ عليه مصابرة الإحرام، وربَّما وقف أبداً لا يقدر على إيصال الهدي إلى الحَرَمِ، ولم يجعلِ الله عليه في الدِّين حرجاً، فجاز نحرُه قبلَ مكانه لعذرِ المشقة (٣).

стр. 365

وسيأتي مزيدُ كلامِ على بيان المَحِلِّ (١) في "سورة المائدة"، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. ٢ - ويحتمل أن يكونَ المرادُ بالمَحِلِّ اسمَ الزمانِ، إمَّا وَحْدَهُ, وإمَّا مع المكانِ إذا أوقعنا المشترَكَ على جميعِ معانيه. بدليل ما روى ابنُ عباسٍ -: ﵄ أن النبيَّ ﷺ قيل له في الذبحِ والحلقِ والرمي، والتقديم والتأخيرِ، فقال: "لا حَرَجَ" (٢)، ولعلَّ هذا هو سببُ الشبهةِ التيَ ألجأتِ الثوريَّ، والحسنَ بنَ صالحٍ إلى أن قالا: المُحْصَرُ لا يحلُّ إلا في يومِ النحر (٣). * وقد ذهبَ إلى جوازِ تقديم الحلقِ على الذبحِ مالكٌ والشافعيُّ وداودُ وأبو ثور وأحمدُ -في إحدى الروايتين عنه- في العامد (٤). إلا أن مالكاً قالَ: إن قدم الحلقَ على الرمي، لزمه الدمُ (٥)؛ لأنه حلق قبلَ الشروعِ في

стр. 366

التحلُّل، مع أنه لم يأتِ ذكرُ تقديمهِ في السنَّة، فبقي على أصل ترتيبه. ودعوى عدمِ ذكرهِ في السنَّةِ غيرُ مسلمةٍ، فقد أخرجه مسلمٌ في "صحيحه" عن عبد الله بن عمرِو بن العاص قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ ، وأتاه رجلٌ يومَ النَّحْر وهو واقفٌ عند الجمرةِ، فقال: يارسولَ الله! إني حلقتُ قبلَ أن أرميَ، فقال: "ارم ولا حرج"، وأتاه آخرُ وقال: إني ذبحتُ قبلَ أن أرميَ، فقال: "ارمِ ولا حَرَج"، وأتاه آخرُ، فقال: إني أَفَضْتُ (١) إلى البيت قبل أن أرمي، فقال (٢): "ارم ولا حَرَج"، فما رأيته سئل يومئذ عن شيءٍ إلا قالَ: "افعلوا (٣) ولا حرج" (٤). وذهب قومٌ كالحسن وسعيدِ بنِ جبير والنخعيِّ وقتادةَ إلى وجوب الدمِ على من قَدَّم إحدى (٥) الثلاثةِ التي هي الرميُ، ثم الذبحُ، ثم الحلقُ، بعضَها على بعضٍ (٦).

стр. 367

وحملوا الحديث على نفي الإثم عن الجاهلِ والناسي؛ بدليل ما رواه عبدُ الله بنُ عمرٍو -رضيَ الله تعالى عنهما - قال: وقفَ رسولُ اللهِ ﷺ للناس بِمِنًى، والناسُ يسألونه، فجاءه رجلٌ وقال: يا رسول الله! لم أكنْ أشعُرُ أن الرَّميَ قبلَ النحرِ، فنحرت قبلَ الرمي، فقال رسول الله ﷺ : "ارمِ ولا حَرَجَ"، قال: وطفق آخر يقول: إني لم أشعرْ أن النحرَ قبل الحلق، فحلقتُ قبلَ أن أنحر، فقال: "انحَرْ ولا حَرَجَ" قال: فما سمعتُهُ سُئِل يومئذٍ عن أمرِ شيءٍ ممّا يَنْسى المرءُ ويجهلُ من تقديمِ بعض الأمورِ قبل بعضٍ وأشباهها إلا قال رسول الله ﷺ : "افعلوا ذلك ولا حرج" (١). وذهب أبو حنيفةَ إلى أنه إن حلقَ قبلَ أن يذبحَ أو يرميَ، لزمَهُ دمٌ إنْ كانَ مُفْرِداً، و (٢) دَمانِ إن كانَ قارِناً ومُتَمَتِّعاً (٣). والصحيحُ هو الأولُ؛ لأنه لو وجبَ الدمُ لبيَّنَهُ النبيُّ ﷺ ؛ لأنه وقتُ الحاجةِ، وتأخيرُ البيانِ عن وقتِ الحاجةِ غيرُ جائزٍ. وأما حديثُ عبد الله بنِ عَمرٍو، فإنه، وإن وردَ في الناسي والجاهل، فلا يدلُّ على منعِه في العامدِ، والله أعلم. * وخص اللهُ سبحانه النهيَ بحلقِ الرأسِ: فيحتمل أن يكونَ التخصيصُ للتقييد، فيدل الخطابُ بمفهومه على إباحة سائِرِ شعرِ البدنِ. ويحتمل أن يكونَ للتعريفِ لا للتقييد، فيلحق بشعر الرأس سائرُ الشعور.

стр. 368

وفي ذلك خلافٌ بين العلماء، فمنهم من قال بالأول (١)، ومنهم من قال بالثاني (٢). الجملة (٣) الرابعة: قوله : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]. * استثنى (٤) الله بفضلهِ ورحمتهِ المريضَ، ومَنْ برأسِه الأذى منَ النَّهْيِ، فأباح له حلقَ رأسهِ، وأوجب عليه الفِديةَ من صيامٍ أو صدقةٍ أو نُسُكٍ، وخَيَّره بين أنواعِها، وأطلق الفِديَةَ في كتابه - سبحانه -، ووكَلَ بيانَها إلى نبيِّه ﷺ . روينا في "الصحيحين" عن عبدِ الله بنِ مَعْقِلٍ (٥) قال: جلستُ إلى كَعْب بنِ عُجْرَةَ، فسألتُه عن الفِدية، فقال: نزلتْ فيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّةً؛ حُمِلْتُ إلى رسولِ الله ﷺ ، والقملُ يتناثرُ على وجهي، فقال: "ما كنتُ أرى الوجعَ بلغَ بكَ ما أرى، أو: ما كنتُ أرى الجهدَ بلغَ بكَ ما أرى، تجدُ شاةً؟ "، فقلتُ: لا، قال: "فصم ثلاثةَ أيام، أو أطعِمْ ستةَ مساكينَ، لكلِّ مسكينٍ نصْفُ صاع" (٦).

стр. 369

وروينا (١) في "صحيح مسلم": "أو أَطْعِمْ ثلاثةَ آصُعٍ منْ تَمْرٍ على ستةِ مساكين" (٢). وحكي عن قوم أقوالٌ تخالف السنَّة وتنابذها. فَحُكيَ عن أبي حنيفةَ والثوريِّ أن نصفَ الصاع لكلِّ مِسكينٍ إنَّما هو في الحنطةِ، فأما التمرُ والشعيرُ وغيرُها، فيجبُ صاعٌ لكلِّ مسكينٍ (٣). وحُكي عن الحسنِ البصريِّ وبعضِ السلفِ أنه يجبُ إطعامُ عشرةِ مساكينَ، أو صومُ عشرةِ أيامٍ (٤). * فإن قلتم (٥): سمِّى اللهُ سبحانَه الدَّمَ في صدر هذه الآيةِ هَدْياً، وسمَّاهُ

стр. 370

هنا نسكاً، فهل بين التسميتين فرقٌ أو تأثيرٌ في الحُكْم، أو لا؟ قلنا: أما الهَدْي فيطلَقُ في عُرْفِ الشرعِ على ما ساقَهُ المُحْرِمُ إلى البيتِ من بهيمةِ الأنعامِ ابتداءً. والنسكُ يطلق في العُرْفِ على الدَّمِ الذي يُذْبَحُ إمَّا كفارةً، وإما فديةً، وإما جُبراناً، وقد يطلَقُ عليه (١) اسمُ الهديِ أيضاً (٢)، قال الله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وأما الحكمُ فواحدٌ عندَ الشافعيِّ وأبي حنيفة، فأوجبا الذبح بمكةَ كالهدي (٣)، إما لوقوع اسم الهدي عليه عندهما، وإما لحمل المطلَقِ في الفديةِ على المقيَّدِ في هَدْيِ الإحصار عند الشافعي. وقال مالكٌ في إحدى الروايات عنه (٤): يذبحُ أين شاءَ، بمكة أو غيرها، وكأنَّ الشرعَ إنما خالف بين اسميهما لاختلافِ حُكْمَيْهما (٥)، مع ذكرِه للبيانِ في إحداهما (٦)، وتركه له في الأخرى (٧).

стр. 371

وقد استنبطَ الأوزاعيُّ من إطلاق الفديةِ في الأذى، وترتُّبُ (١) الحلقِ على بُلوغِ الهدي محلَّه: أنه يجوزُ للمُحْرِم أن يكفرِ بالفِدْيَةِ قبل الحَلْقِ. وله وجهٌ في القياسِ على كفارةِ اليمين، وأبى ذلك الجمهورُ، وقاسوه على المُحْصَر (٢). * ثم استنبطَ أهلُ العلمِ من ترخيصِ الله -سبحانَهُ - للمريضِ في حلقِ رأسه مع إيجاب الفدية وجوبَ الفديةِ على من حَلَقَ ناسياً؛ لأنه عذز في رَفْع الحرج، فلا يكونُ عذراً في ترك الفداءِ؛ كالمريض، وبه قالَ مالكٌ والشافعيُّ (٣)، وداودُ وإسحاقُ (٤). ثم استنبطوا أن كلَّ ما يُضْطَرُّ إليه المُحْرِمُ بسبب المرضِ، أو دفعِ الأذى؛ كالطيبِ واللُّبْس والستر أنه كالحَلْقِ؛ لأنه (٥) في معناه (٦).

стр. 372

الجملة (١) الخامسة: قوله ﷻ : ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فأقول: أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ وُجوهَ النسكِ ثلاثةٌ: الإفرادُ، والتَّمَتُعُّ، والقِرانُ، واتفقوا على أن فعلَ جميعِها جائز، فقد صحَّ وثبتَ جميعُ ذلكَ مِنْ بَيَانِ رسولِ اللهِ ﷺ من قولِه وفِعله (٢). روينا في "صحيح مسلم" عن عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها - قالت: خَرجْنا مع رسولِ الله ﷺ ، فقال: "مَنْ أرادَ منكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، ومَنْ أرادَ أَنْ يُهلَّ بِحَجٍّ فليفعلْ، ومن أرادَ أن يهلَّ بعُمْرَةٍ فليفعل"، قالتْ عائشةُ: فأهلَّ رسولُ اللهِ ﷺ بحجٍّ، وأهلَّ بهِ ناسٌ معهُ، [وأهلَّ ناسٌ بالعُمرةِ والحجِّ، وأهلَّ ناسٌ] (٣) بعمرةٍ، وكنتُ فيمن أهلَّ بعُمْرَةٍ (٤). وقد روي: أنه ﷺ كان مُفْرِداً، ورُوي أنهُ كانَ مُتَمَتِّعاً، ورُوي أنه كانَ قارِناً (٥).

стр. 373

* وإنما اختلفوا في الأفضل منها: - فقال أحمدُ (١)، والمَكِّيُّونَ (٢)، والشافعيُّ في أَحَدِ قَوْليه: التمتعُّ أفضلُ (٣). قال أحمدُ: ولا شَكَّ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ قارِناً، والتمتُّعٌ أَحَبُّ إليَّ، واحتجَّ بقوله ﷺ : "لو استقبلتُ من أمري ما استدْبَرْتُ، ما سُقْتُ الهَدْيَ، ولجعلتُها عُمْرَةً" (٤). قال الشافعيُّ عندَ اختياره الإفراد: هذا وجهٌ لولا أنه يحتمل أنه قالَ هذا لِتكرُّهِ الناسِ الإحلالَ حينَ أمرهم به (٥)، وإقامته مُفْرِداً ﷺ ، فلما احتملَ هذا، اخترتُ الإفراد، وهذان الوَجْهان أَحَبُّ إليَّ منَ القِران (٦). - وذهبَ مالكٌ (٧)، والشافعيُّ في أحدِ قوليه (٨)، وكثيرون (٩)،

стр. 374

إلى تفضيلِ الإفراد؛ لفعل رسولِ الله ﷺ . - وذهب أبو حنيفةَ إلى تفضيلِ القِران (١)، وهو قولُ الشافعيِّ - أيضاً -، واختار المُزَنِيُّ (٢). قال ابنُ عبدِ البَرِّ: ولا خِلافَ بينَ العلماءِ أنَّ التَّمَتعُّ المُرادَ بقولِ اللهِ -تعالى-: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] هو الاعتمار في أشهرِ الحجِّ، والحجُّ من عامِه (٣). وما أظنُّ (٤) دعواهُ سالمةً، فقدْ كانَ ابنُ الزبير -رضي الله تعالى عنهما - يذهبُ إلى أنَّ التمتعُّ الذي ذكرهُ اللهُ - تعالى - هو تمتعٌّ المُحْصَرِ إذا حبسه العدوُّ حتى ذهبتْ أيامُ الحَجِّ، فيأتي بأفعالِ العُمرة، ثم يتمتعُ بحلِّه، إلى العامِ المقبلِ، ويهدي (٥).

стр. 375

فإن قلتُم: وقد (١) كان عمرُ وعثمانُ -رضيَ الله تعالى عنهما - ينهيان عن متعةِ الحَجِّ (٢). قلنا: اختلفَ أهلُ العلمِ في المتعةِ التي نَهَيا عنها، هلْ هيَ فسخُ الحَجِّ إلى العُمرة، أو التمتعُ في أشهرِ الحجِّ؟ فقال القاضي عياضٌ بعدَ ذكرِ أحاديث وآثار: الظاهرُ منها أنَّ المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخُ الحجِّ إلى العُمرة، قال: ولهذا كانَ عمرُ يضربُ الناسَ عليها، ولا يضربُهم إلَّا على ما اعتقدَهُ من اختصاصِ هذه المتعةِ بتلك السنة؛ لمخالفة الجاهلية، وأن ذلك غيرُ جائزٍ في غيرها، وذلكَ اعتقادُ أكثرِ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم - (٣). واختار أبو زكريا النوويُّ أنه التمتعُ في أشهرِ الحجِّ، وإنما نهيا (٤) عنه؛ لأن الإفرادَ أفضلُ، فنهيا عن (٥) التمتع نهيَ تنْزيهٍ، وضربَ عليه عمرُ؛ لأنه مأمورٌ بصلاحِ رَعِيَّته، وكان يرى الأمرَ بالإفراد من جملةِ صلاحهم (٦). والمختارُ عندي: أَنَّ الذي نهى عنه عمرُ إنما هو فسخُ الحَجِّ إلى العُمرة لا التمتع (٧)؛ لما روى أبو موسى ﵁ قال: قدمتُ على

стр. 376

رسول الله ﷺ ، وهو بالبَطْحاءِ (١) فقال: "أحَجَجْتَ؟ " قلتُ: نعم، قال: "بم أهللتَ؟ " قلت: لبيكَ بإهلالٍ كإهلالِ رسولِ الله ﷺ ، قال: "أحسنْتَ، انطلقْ فطفْ بالبيتِ وبالصفا والمَرْوَةِ"، ثم أتيتُ امرأة من نِساء بني قَيْسٍ، فَفَلَّتْ لي رأسي، ثم أهللتُ بالحجِّ، فكنتُ أُفتي بهِ الناسَ حتى خِلافةِ عمرَ، فذكرته له، فقال: إن نأخذْ بكتابِ الله، فهو يأمرُنا بالتَّمام، وإن نأخذْ بسنَّةِ رسولِ اللهِ ﷺ ، فإنَّ رسول الله ﷺ لم يحلّ حتى يبلغَ الهديُ محلَّه (٢). وهذا صريحٌ في أن الذي منع منهُ إنما هو فسخُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ (٣)، لا التَّمَتُّعُ المَعْروفُ؛ لأنه مذكورٌ في كتاب الله تعالى، وعمرُ أخذ بكتاب اللهِ، وبه احتجَّ على من خالفه، وقال (٤): إن اللهَ -سبحانَه- يُحِلُّ لنبيِّهِ ما شاءَ، لما شاء، وإنَّ القرآنَ قد نزلَ منازِلَهُ، فأتموا الحجَّ والعمرةَ كما أمركمُ الله - تعالى -، وافْصِلوا حَجَّكُمْ من عُمْرَتِكُمْ؛ فإنه أَتمُّ لحجِّكم، وَأتَمُّ لعُمرتكم.

стр. 377

وأرشدَ الناسَ عمرُ في آخرِ (١) كلامهِ إلى أفضلِ مراتبِ النُّسُكِ، وهو الإفرادُ، فجمعَ بين الحَثِّ على المنعِ من المتعةِ، وبينَ الترغيبِ في الفضيلة (٢)، ولقول عمر -رضي الله تعالى عنه -: متعتانِ كانَتا على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، وأنا أنهى عنهما، وأعاقبُ عليهما: متعةُ النساءِ، ومتعةُ الحجِّ (٣). وأما الذي نهى عنه عثمانُ -رضي الله تعالى عنه -، فالظاهر أنه التمتعُ والقِران (٤)؛ لما روى مروان بن الحكم قال: شهدتُ عثمان وعَلِيًّا، وعثمانُ ينهى عن المتعة، وأن يُجْمَع بينَهُما، فلما رأى ذلك عليٌّ، أهلَّ بهما، وقال: لبيك بعمرةٍ وحجةٍ، وقال: ما كنتُ لأدعَ سنةَ النبيِّ ﷺ لقولِ أحدٍ (٥). * واتفق العلماءُ على وجوبِ الهَدْي على المُتَمَتِّعِ؛ للآية (٦). * وإنما اختلفوا في وقت وجوبه.

стр. 378

فقال الشافعيُّ وأبو حنيفةَ: يجبُ بالإحرام بالحجِّ (١). وقال مالكٌ: لا يجبُ حتى يرميَ جمرةَ العقبة، فاعتبرَ كمالَ الحجّ (٢). وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفة، فاعتبر معظم الحجِّ (٣)؛ لقوله ﷺ : "الحَجُّ عَرَفَةُ" (٤). وقول الشافعيِّ أولى؛ لأن ما جُعِلَ غايةً، فأوله كآخره؛ كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا يلفت إلى قاعدة، وهي: هل العبرةُ بأوائل الأسماء، أو بأواخرها؟ * وكذلكَ اختلفوا في صِفةِ التَّمَتُعِّ، فاشترطَ جمهورُهم وقوعَ العُمرةِ في أشهر الحجِّ، ثم اختلفوا. - فمنهم من اشترطَ وقوعَ جميعِها تحلُّلاً وإحراماً، وهو قولُ أبي ثورٍ وأحمدَ وإسحاقَ والشافعيِّ في "الأم" (٥)، وهو المشهورُ من قوله (٦).

стр. 379

- ومنهم من اكتفى بوقوعِ التحلُّلِ، وهو قولُ مالكٍ (١). - ومنهم من اكتفى بحُصول الطَّواف في شَوَّال، وهو قولُ الثوريِّ والحَكَم وابنِ شُبْرُمَةَ (٢)، والشافِعِيِّ في أَحَدِ قولَيْه (٣). - ومنهم منِ اكتفى بمُعْظَمِ الطَّوافِ، وقال: إن طافَ ثلاثةَ أشواطٍ في رمضانَ، وأربعةً في شَوّال، كانَ متمتِّعاً، وإنْ كانَ بالعَكْسِ لمْ يكُنْ متمتِّعاً، وهو قولُ أبي حَنيفَة (٤). - وحُكي عن طاوس: أنَّ من اعتمرَ في غيرِ أشهر الحَجِّ ثم أقامَ حتى أتى الحاجُّ، وحجَّ من عامِه أنه متمتِّعٌ (٥). وكلهم شرطوا أن الحجَّ من عامِهِ، إلا الحَسَنَ؛ فإنه روي عنه أنه متمتِّعٌ، وإن لم يحجَّ، وكان يقولُ: عمرةٌ في أشهر الحَجِّ متعةٌ (٦). ويكون - على قوله -:

стр. 380

(إلى) (١)، بمعنى (في). وهو جائزٌ في اللِّسانِ، قال النابغة: [البحر الطويل] فلا تَتْرُكَنِّي بالوَعيدِ كَأَنَّني ... إلى الناس مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجرَبُ (٢) وقال طَرَفَةُ: [البحر الطويل] وإنْ يَلْتَقِ الحَيُّ الكريمُ تُلاقِني ... إلى ذُرْوَةِ البَيْتِ الكَريمِ المُصَمَّدِ (٣) والمستيسر من الهدي إما بَدَنَةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، أو يشتركُ (٤) في دمٍ (٥). قال ابنُ عُمَر: بدنةٌ أو بقرةٌ (٦). * ومن (٧) لم يجدِ الهَدْي في وقتهِ، جازَ له أن ينتقل إلى الصَّوم؛ كما بيَنَ اللهُ - سبحانه - ذلك. ولم أعلمْ أحداً يخالِفُ (٨) في ترتيبِ هذهِ الكفَّارة (٩). * وواجبُ الصيامِ ثلاثةُ أيامٍ في الحجِّ وسبعةٌ إذا رجع؛ كما ذكره الله -

стр. 381

سبحانه وتعالى -، فلا يجوزُ للمتمتع صومُ ثلاثةِ الأيامِ في غير الحجِّ؛ لظاهر الآية، وبهذا قال ابنُ عمرَ وعائشةُ -رضي الله تعالى عنهم - (١). وإليه ذهب الشافعيُّ (٢). وقال أبو حنيفةَ وعطاءٌ وأحمدُ بجوازه قبلَ الحجِّ (٣)؛ قياساً على تكفيرِ اليمينِ قبلَ الحِنْثِ، وتأويلُ الآيةِ عندهم: فمنْ لم يجدْ، فصيامُ ثلاثةِ أيامٍ في وقت الحج. * والأفضل أن يفرغَ من صِيامها قبلَ يومِ عرفةَ (٤)؛ لأن الأفضل للحاجِّ الفطرُ يوَم عرفة اقتداءً برسولِ الله ﷺ . * فإن لم يَصُمِ الثلاثةَ قبلَ يومِ عرفةَ، فهل له أن يصومَ في أيامِ التشريق؟ اختلف فيه أهلُ العلم - أيضاً -، فقال أبو حنيفةَ والشافعيُّ في قولهِ الجديدِ: لا يجوزُ (٥)، واختارَهُ ابنُ المنذرِ (٦)؛ لقوله ﷺ : "أيامُ التَّشْريقِ أيامُ

стр. 382

أكلٍ وشربٍ وذكرٍ لله (١) ". وقال مالكٌ والأوزاعيُّ وإسحاقُ: يجوزُ صومُها للمتمتعِّ (٢)؛ لما رُوي عن عائشةَ وابنِ عُمر -رضيَ الله تعالى عنهم -: أنهما قالا: لم يرخّصْ في أيامِ التشريقِ أَنْ يُصَمْنَ إلَّا لمنْ لَمْ يجدِ الهَدْيَ (٣). ويوافقهم النظرُ وظاهرُ القرآن. أما النظرُ، فإنه لا يتحققُ عدمُ الهدي إلا يومَ النحر؛ لأنه محلُّه، فيتحقق وجوب الصوم لعدم الهدي. وأما ظاهرُ القرآن، فإنَّ هذه الأيام من أيام الحج، وأفعالَها من أفعال الحج. * وبيَّنَ النبيُّ ﷺ أنَّ المرادَ بالرُّجوع في كتابِ الله هو رجوعُ المسافرِ إلى أهله، فقال: "ومن لم يَجِدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ، وسبعةً إذا رجعَ إلى أهلهِ" (٤) وفي رواية: "وسبعةً إذا رجعتم إلى أمصارِكم" (٥).

стр. 383

وقال أبو حنيفة وأحمد: إذا فرغَ من أعمالِ الحجِّ (١). وقال مالكٌ: إذا سار (٢). وهما قولان للشافعيِّ -أيضاً- (٣)، والأول أولى. الجملة السادسة: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وفيها ثلاثُ مسائل: الأولى: اختلفوا في الحكم المُشار إليه بهذا التخصيص، هل هو صحة التمتُّع، أو وجوبُ الدم على المتمتِّع؟ فذهب أبو حنيفة بالإشارة إلى صحة التمتع المترتب عليه هذه الكفّارةُ، فلا يصحُّ لحاضِري المسجدِ الحَرام تمتُّعٌ، ولا قِرانٌ (٤).

стр. 384

ويدلُّ له ما رواه البخاري في "صحيحه" عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال ابن عباس في آخر حديث رواه: فجمعوا نسكين في عام بينَ الحجِّ والعمرةِ؛ فإن اللهَ أنزلَهُ في كتابه وسنَّةِ نبيِّه ﷺ ، وأباحه للناس غير أهلِ مَكَّة، قال الله : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ (١) [البقرة: ١٩٦]. وقال مالكٌ والشافعيُّ: التخصيصُ يرجعُ إلى سقوطِ الدمِ عن المتمتَعِّ (٢). فدمِ المتمتعِّ عند أبي حنيفةَ دَمُ شُكْرٍ للهِ تَعالى على الجَمْعِ بين العبادَتيْنِ في سَفرٍ واحدٍ، وعندَ مُخالفيهِ دَمُ جُبْرانٍ؛ لتركِ الإِحرام بالحَجِّ من الميقات (٣). المسألة (٤) الثانية: اختلفوا في ﴿حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: - فقال ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: من كانَ بالحَرمِ خاصَّةً، لا غير (٥). وبه قالَ أهلُ الظاهر (٦). - وقال الثوريُّ: هم أهلُ مكةَ (٧).

стр. 385

- وقال مالكٌ: أهلُ مكةَ ومنْ كانَ بذي طُوىً (١)، وما كان (٢) مِثْلَ ذلكَ من مكَّةَ (٣). - وقال أبو حنيفةَ ومكحولٌ: منْ كانَ دارُه دونَ الميقاتِ (٤). - وقال الشافعيُّ: مَنْ كان (٥) بينَه وبينَ مكةَ مسافةٌ لا تُقصر فيها الصلاةُ (٦)، وذلك أنه معروفٌ في لسانِ العربِ أنَّ من قَرُبَ من الشئِ يُسَمَّى حاضراً له، يقال: فلانٌ بحَضْرَةِ الماءِ: إذا كانَ قريباً منه (٧). ولما كانَ القربُ مُطْلَقاً، احتاجَ الشافعيُّ إلى تقديره، فلم يجدْ دليلاً يدلُّ عليه إلا القياسَ على المسافةِ التي اعتبرَها الشرعُ، وهي المسافةُ التي تُقْصَرُ فيها الصلاةُ وتُجْمعُ (٨). وقولُ غيرِ الشافعيِّ أقربُ إلى حقيقةِ الحضور، لكنْ لمّا كان هذا

стр. 386

التخصيصُ عندهُ لأجلِ مجاورةِ البقْعَةِ الشريفةِ، عدلَ الشافعيُّ إلى المَجاز. ويقوَّى ذلكَ عندَه بأنَّ أكثرَ المواقيتِ على مرحلتينِ (١) من مَكَّةَ، فَدَلَّ (٢) على أن المرحلتينِ حَدٌّ بينَ القريبِ والبعيد، فهي غاية درجاتِ القريبِ، وأولُ درجاتِ البعيد. ولفظُ الحضورِ يصلُح لكلٍّ مِنَ الأقوالِ، إلَّا قولَ أبي حنيفةَ؛ فإنَّ الحُضورَ لا يصلُحُ أن يُطْلَقَ على ميقات ذي الحُلَيْفَةِ؛ لبعدها؛ فإنَّ ذا الحليفة على تسعِ مراحلَ (٣). المسألة (٤) الثالثة: قد بينتُ في كتابي هذا أنَّ المسجدَ الحرامَ يقع على مكَّةَ، ويقعُ على الحَرَمِ (٥). واختلفتِ الشافعيَّةُ هنا في المراد به، بحسْبِ اخْتِلافهم في اعتبار المرحلتين: مِنَ الحرمِ، أم من مكةَ؟ (٦) والراجحُ عندي اعتبارُ الحضورِ من مكةَ؛ لقربِ الحُضور من الحقيقةِ، والله أعلم. * * *

стр. 387

١٩ - ٢٠ (١٩ - ٢٠) قوله ﷻ : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٧ - ١٩٨]. أقول: اشتملت هذه الآيةُ (١) على جُمَلٍ من المناسِك. الجملة الأولى: قولُه تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ومعلوم أن في الكلام حذفاً وإضماراً. قال أبو زكريا الفرَّاءُ: معناه: وقتُ الحجِّ هذه الأشهُرُ (٢). قال ابنُ المنذرِ: وقالَ غيرُ الفراءِ: يريدُ أن الحجَّ في أشهرٍ معلوماتٍ (٣). * وقد خصَّ اللهُ -سبحانَه - في هذه الجملة الحجَّ بزمنٍ مخصوص كما خصَّ الصلاةَ والصيامَ بزمنٍ مخصوص. وعلى هذا أجمع المسلمون. * وإنما اختلفوا في تحديد أشهرِهِ المعلومةِ:

стр. 388

فقالَ جمهورُ العُلماء: أشهر الحج: شَوّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ من ذي الحِجَّةِ. ورويَ عن عُمَر، وابن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزبير -رضي اللهُ تعالى عنهم -. وإليه ذهب الشافعيُّ وأبو حنيفة (١). واختلفوا في يوم النحر، فعدَّهُ أبو حنيفة منها (٢)، ولم يعدَّهُ الشافعيُّ (٣). وقال قومٌ (٤): أشهُرُ الحَجِّ: شَوّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وجميعُ ذي الحِجَّة، ورويَ (٥) عن عَلِيٍّ رضيَ اللهُ تعالى عنه (٦). * واتفقوا على وجوب فِعْل الحجِّ في أشهُره. * واختلفوا هل يجوزُ فرضُه قبلَ أشهُره؟

стр. 389

- فذهبَ الشافعيُّ إلى أنه لايجوز؛ كما لا تجوز الصلاةُ قبل وَقْتِها (١). ولقولِ ابنِ عباس -رضيَ الله تعالى عنهما-: لا يُحْرِمُ بالحجِّ إلا في أشهر الحجِّ؛ فإنَّ من سُنَّةِ الحَجِّ أنْ يُحْرِمَ بالحجّ في أشهر الحج (٢). ولقولِ جابرٍ: لا يُهِلُّ أحدٌ بالحجِّ؛ إلاّ في أشهُر الحجِّ (٣). وهوَ قولُ عطاءٍ وعِكْرمةَ، فعنْ عِكْرِمَةَ أنه قال: لا ينبغي لأحدٍ أن يحرم بالحجِّ إلاّ في أشهُر الحجِّ (٤)؛ من أجلِ قولِ الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٥) [البقرة: ١٩٧]. وللاستدلال بالآيةِ عندي وجهٌ قويٌّ: فأما على تأويل الفَرّاءِ فظاهرٌ. وفأما على تأويلِ غيرِه، فإنَّ الإحرامَ من جملةِ الحَجِّ، ولم يقعْ إلا في الأشهر المعلومات. - وذهب مالكٌ والثوريُّ وأبو حنيفةَ إلى صِحَّةِ الإحرام بالحجِّ قبل أشْهُرِه (٦).

стр. 390

* وتخصيصُ الله - سبحانه - الحجَّ بالتوقيتِ يُفْهِمُ أَنَّ العُمْرَةَ ليستْ مثلَهُ، وليس لها وقتٌ مخصوصٌ. وعلى هذا القولِ (١) اتفقَ أهلُ العلم، فأجازوها في جَميع السنة (٢)؛ لأنها كانت في الجاهلية لا تصنع في أيام الحج، وهو معنى قوله ﷺ : "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيامَة" (٣). وإنما اختلفوا في تكريرها في السَّنَةِ، فكرههُ مالكٌ (٤)، واستحسنه الشافعيُّ وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى (٥). * وبيَّن النبيُّ ﷺ الميقاتَ المَكانيَّ، فروى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشامِ الجُحْفَةَ، ولأهل نجدٍ قَرْنَ المنازلِ، ولأهل اليمنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لَهُنَّ ولمنْ أَتى عَلَيْهِنَّ من غير أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرادَ الحجَّ والعمرةَ، ومنْ كان من دونِ ذلك فمِنْ حيثُ أَنْشَأَ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ (٦).
следующие страницы →