← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

التخصيصُ عندهُ لأجلِ مجاورةِ البقْعَةِ الشريفةِ، عدلَ الشافعيُّ إلى المَجاز. ويقوَّى ذلكَ عندَه بأنَّ أكثرَ المواقيتِ على مرحلتينِ (١) من مَكَّةَ، فَدَلَّ (٢) على أن المرحلتينِ حَدٌّ بينَ القريبِ والبعيد، فهي غاية درجاتِ القريبِ، وأولُ درجاتِ البعيد. ولفظُ الحضورِ يصلُح لكلٍّ مِنَ الأقوالِ، إلَّا قولَ أبي حنيفةَ؛ فإنَّ الحُضورَ لا يصلُحُ أن يُطْلَقَ على ميقات ذي الحُلَيْفَةِ؛ لبعدها؛ فإنَّ ذا الحليفة على تسعِ مراحلَ (٣). المسألة (٤) الثالثة: قد بينتُ في كتابي هذا أنَّ المسجدَ الحرامَ يقع على مكَّةَ، ويقعُ على الحَرَمِ (٥). واختلفتِ الشافعيَّةُ هنا في المراد به، بحسْبِ اخْتِلافهم في اعتبار المرحلتين: مِنَ الحرمِ، أم من مكةَ؟ (٦) والراجحُ عندي اعتبارُ الحضورِ من مكةَ؛ لقربِ الحُضور من الحقيقةِ، والله أعلم. * * *

стр. 387

١٩ - ٢٠ (١٩ - ٢٠) قوله ﷻ : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٧ - ١٩٨]. أقول: اشتملت هذه الآيةُ (١) على جُمَلٍ من المناسِك. الجملة الأولى: قولُه تعالى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ومعلوم أن في الكلام حذفاً وإضماراً. قال أبو زكريا الفرَّاءُ: معناه: وقتُ الحجِّ هذه الأشهُرُ (٢). قال ابنُ المنذرِ: وقالَ غيرُ الفراءِ: يريدُ أن الحجَّ في أشهرٍ معلوماتٍ (٣). * وقد خصَّ اللهُ -سبحانَه - في هذه الجملة الحجَّ بزمنٍ مخصوص كما خصَّ الصلاةَ والصيامَ بزمنٍ مخصوص. وعلى هذا أجمع المسلمون. * وإنما اختلفوا في تحديد أشهرِهِ المعلومةِ:

стр. 388

فقالَ جمهورُ العُلماء: أشهر الحج: شَوّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وعَشْرٌ من ذي الحِجَّةِ. ورويَ عن عُمَر، وابن عمرَ، وابنِ عباسٍ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ الزبير -رضي اللهُ تعالى عنهم -. وإليه ذهب الشافعيُّ وأبو حنيفة (١). واختلفوا في يوم النحر، فعدَّهُ أبو حنيفة منها (٢)، ولم يعدَّهُ الشافعيُّ (٣). وقال قومٌ (٤): أشهُرُ الحَجِّ: شَوّالٌ، وذو القَعْدَةِ، وجميعُ ذي الحِجَّة، ورويَ (٥) عن عَلِيٍّ رضيَ اللهُ تعالى عنه (٦). * واتفقوا على وجوب فِعْل الحجِّ في أشهُره. * واختلفوا هل يجوزُ فرضُه قبلَ أشهُره؟

стр. 389

- فذهبَ الشافعيُّ إلى أنه لايجوز؛ كما لا تجوز الصلاةُ قبل وَقْتِها (١). ولقولِ ابنِ عباس -رضيَ الله تعالى عنهما-: لا يُحْرِمُ بالحجِّ إلا في أشهر الحجِّ؛ فإنَّ من سُنَّةِ الحَجِّ أنْ يُحْرِمَ بالحجّ في أشهر الحج (٢). ولقولِ جابرٍ: لا يُهِلُّ أحدٌ بالحجِّ؛ إلاّ في أشهُر الحجِّ (٣). وهوَ قولُ عطاءٍ وعِكْرمةَ، فعنْ عِكْرِمَةَ أنه قال: لا ينبغي لأحدٍ أن يحرم بالحجِّ إلاّ في أشهُر الحجِّ (٤)؛ من أجلِ قولِ الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٥) [البقرة: ١٩٧]. وللاستدلال بالآيةِ عندي وجهٌ قويٌّ: فأما على تأويل الفَرّاءِ فظاهرٌ. وفأما على تأويلِ غيرِه، فإنَّ الإحرامَ من جملةِ الحَجِّ، ولم يقعْ إلا في الأشهر المعلومات. - وذهب مالكٌ والثوريُّ وأبو حنيفةَ إلى صِحَّةِ الإحرام بالحجِّ قبل أشْهُرِه (٦).

стр. 390

* وتخصيصُ الله - سبحانه - الحجَّ بالتوقيتِ يُفْهِمُ أَنَّ العُمْرَةَ ليستْ مثلَهُ، وليس لها وقتٌ مخصوصٌ. وعلى هذا القولِ (١) اتفقَ أهلُ العلم، فأجازوها في جَميع السنة (٢)؛ لأنها كانت في الجاهلية لا تصنع في أيام الحج، وهو معنى قوله ﷺ : "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيامَة" (٣). وإنما اختلفوا في تكريرها في السَّنَةِ، فكرههُ مالكٌ (٤)، واستحسنه الشافعيُّ وأبو حنيفة رحمهم الله تعالى (٥). * وبيَّن النبيُّ ﷺ الميقاتَ المَكانيَّ، فروى ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وَقَّتَ لأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشامِ الجُحْفَةَ، ولأهل نجدٍ قَرْنَ المنازلِ، ولأهل اليمنِ يَلَمْلَمَ، هنَّ لَهُنَّ ولمنْ أَتى عَلَيْهِنَّ من غير أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرادَ الحجَّ والعمرةَ، ومنْ كان من دونِ ذلك فمِنْ حيثُ أَنْشَأَ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ (٦).

стр. 391

* وقد اتفق العلماء على اعتبارِها، وإنما اختلفوا في صفته، وموضعُ تفصيلِ ذلك كتبُ الفقهِ، والله أعلم. الجملة الثانية: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. * حرم الله - سبحانه - فيها الرَّفَثَ، وهو الجِماعُ؛ كما قالَه ابنُ عباسٍ ﵄ على من فرضَ الحَجَّ في أشهُره (١)، وقد أجمعت الأمةُ على تحريمِه، وعلى أنه مفسدٌ للحجِّ، وعلى وُجوبِ الكَفَّارة فيه، والمضيِّ في فاسدِه (٢)؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. * وإنما اختلفوا في الوقتِ الذي يُفْسِدُهُ؟ فقال قوم: يفسد الحجَّ مطلقًا (٣). وقال قوم: لا يفسدُه إلا إذا وقعَ قبلَ التَّحَلُّل الأصغر (٤).

стр. 392

* وبَيَّنَ النبيُّ ﷺ أن ما كانَ من أسبابِ الرفثِ ودواعيه، فهو حرامٌ، فقالَ: "لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطِبُ" (١). * ومفهومُ هذا الخِطاب يقتضي أنَّ من فرضَ الحجَّ في غيرِ أشهُره، فله أن يرفُثَ، وذلك يستلزمُ عدمَ صِحّةِ فرضِه، وبهذا قال بعضُهم (٢). وقال الشافعيُّ: لا يصحُّ فرضُه للحج، لكنه يكونُ عُمْرَةً (٣)، وأقاسَهُ على الصَّلاةِ قبلَ وقتِها؛ فإن المكتوبةَ لا تصحُّ مكتوبةً، وتصحُّ نافلةً. ويدلُّ له قولُه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]؛ فإنَّ اللهَ تعالى أمر بإتمامِ الحجِّ، ولم يمكنْ إتمامه، فانقلبَ عُمْرَةً، وهيَ العبادةُ التي يمكنُ إتمامُها، فعارضَ هذا المفهومُ هذا العمومَ، وترجَّحَ العُمومُ بالقياسِ.

стр. 393

ولا يخلو قياسُ الشافعيِّ من نِزاعٍ؛ فإنَّ الصحيحَ عندَ أصحابِه أَنَّ المكتوبةَ قبلَ وقتِها لا تنعقدُ أصلاً (١). وقولُ مخالِفِهِ أصحُّ؛ للمفهوم المستنبَطِ من هذه الآية، ولقوله ﷺ : "إنما الأَعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّما لكل امْرِئٍ (٢) ما نَوى" (٣). وأما الاستدلالُ بعموم قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فباطلٌ؛ لأن الله - سبحانه - إنما أمرَ بإتمام ما دخل فيه، ولم يأمرْهُ أن يتم بغيره، والله أعلم * والنهيُ عن الرفثِ مختصٌّ ببعضِ الأحوالِ؛ كالصومِ والاعتكافِ والحجِّ، وأما النهيُ عن الفُسوقِ والجِدالِ، فلا يختصُّ بحالٍ، وإنما خصَّه اللهُ -سبحانَهُ - بمن فرضَ الحجَّ؛ تعظيمًا وتفخيماً لشأنِ الحجِّ (٤)؛ كما قالَ اللهُ تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. الجملة الثالثة: ينبغي للحاجِّ أن يتزوَّدَ؛ لأمرِ الله - سبحانه - بذلك. فإنْ تركَ الزَّادَ واعتمدَ على المسألةِ؛ فإن كانَ غَنِيًّا، حَرُمَ عليهِ (٥)، وإن كان فقيرًا، أو (٦) لا كَسْبَ له، كُره له ذلك (٧)، ولم يَحْرُمْ عليهِ فِعْلُه (٨).

стр. 394

قال ابنُ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما -: كانَ أهلُ اليمنِ يَحُجُّونَ، ولا يَتَزَوَّدونَ، ويقولون: نحنُ المُتَوَكِّلون، فإذا قَدِموا مَكَّةَ، سألوا الناسَ، فأنزلَ اللهُ سبحانه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (١) [البقرة: ١٩٧]. * ويجوز للحاجِّ أن يحملَ معه مالَ التجارة، من غيرِ كراهةٍ (٢)؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وقرأ ابن الزبير -رضي اللهُ تعالى عنهما -: (في مواسم الحج) (٣)، ولقوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٢٨]. قال ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: كان ذو المَجاز وعُكاظٌ مَتْجَرَ الناسِ في الجاهليةِ، فلما جاءَ الإسلام، كأَنَّهم كرهوا ذلك حتى نزلت: (ليسَ عليكُمْ جُناحٌ أنْ تبتَغُوا فضلاً من رَبِّكُمْ في مَواسِمِ الحَجِّ) (٤).

стр. 395

الجملة الرابعة: قوله ﷻ : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. قال جماهير المفسرين وأهل السِّيَرِ والحَديث: المشعرُ الحرامُ: جميعُ المُزْدَلِفَةِ (١). * وذكرُ الله - سبحانه - يقعُ على التلبيةِ والصَّلاةِ والمبيتِ، وإن لم يصحبه ذِكْرٌ؛ لأنه من مناسكِ الحجِّ، والمناسكُ ذِكْرٌ؛ لأنها انقيادٌ وتسليمٌ لله - سبحانه -، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والذكرُ في هذه الأيام هو الرميُ، وأما التلبيةُ، فهي مشروعةٌ في مواطنِ الحجِّ كلِّها، ولا تختصُّ بمكانٍ دونَ مكانٍ، وأما الصَّلاةُ والمبيتُ، فقد خَصَّ النبيُّ ﷺ المَشْعَرَ الحرامَ بالصلاةِ والمبيتِ. - أما الصلاةُ، فقد روينا في "الصحيحين" عن أسامةَ بنِ زيدٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ دَفَعَ من عرفةَ، فنزلَ الشِّعْبَ، فبالَ، ثم توضأ، ولم يسبغ الوضوءَ، فقلت له: الصلاة؟ قال: "الصلاةُ أمامكَ"، فجاء المزدلفة، فتوضأَ، فأسبغ، ثم أقيمتِ الصَّلاةُ، فصلَّى المغربَ، ثم أناخَ (٢) كلُّ إنسانٍ بَعيرَهُ في منزلِه، ثم أقيمتِ الصلاةُ، فصلَّى، ولم يُصَلِّ بينهما (٣).

стр. 396

- وأما المبيتُ، فإن النبيَّ ﷺ باتَ بِجَمْعٍ، وصَلَّى بِها الصُّبْحَ بِغَلَسٍ (١) ثم وقفَ حتى أَسْفَرَ (٢)، ثم دَفَعَ قبل أن تطلُعَ الشمسُ إلى مِنًى. قال الشافعيُّ: أخبرنا مسلمُ بنُ خالدٍ، عنِ ابنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بنِ قَيْسِ بنِ مَخْرَمَةَ، قالَ: خطبَ رسولُ الله ﷺ ، فقالَ: "إن أهلَ الجاهليةِ كانوا يدفعون من عَرَفَةَ حين تكونُ الشمسُ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم، قبلَ أن تَغْرُبَ، ومنَ المُزْدَلِفَةِ بعدَ أن تطلُعَ الشمسُ حتى تكونَ كأنها عمائِمُ الرِّجالِ في وُجوههم (٣)، وإنّا لا نَدْفَعُ من عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، ونَدْفَعُ منْ مزدلفةَ قبلَ أن تطلُعَ الشَّمسُ. هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْيِ أهلِ الأوثانِ والشِّرْكِ" (٤). وروى عروةُ بنُ مُضَرّسٍ حديثاً متَّفَقًا على صحته، قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ بِجَمْعٍ، فقلتُ له: هل لي من حَجٍّ؟ فقال: "مَنْ صَلَّى هذهِ الصَّلاةَ مَعَنا، ووقفَ هذا المَوْقِفَ حتى يُفيضَ، وأفاضَ قبلَ ذلكَ من عَرَفاتٍ ليلاً أو نَهاراً، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضى تَفَثَهُ" (٥).

стр. 397

* إذا تقررَ هذا، فقدِ اختلفَ أهلُ العلمِ في الصلاةِ بالمَشْعَرِ الحرامِ: - فذهبَ أبو حنيفةَ وغيرُه من الكوفيينَ، وبعضُ الشافعيةِ إلى وجوبِ الصَّلاةِ به، وإن النبيَّ ﷺ فعلَهُ نُسكاً، لا لأجل السفر، فيجبُ الجَمْعُ على الآفاقِيِّ والمَكِّيِّ، ولا يجمعُ بينَ الصلاتين إلا بالمُزْدَلِفَةِ (١). - وذهب الشافعيُّ والأوزاعيُّ وأبو يوسفَ وأحمدُ وفقهاءُ أهلِ الحديثِ إلى استحبابِ الجمعِ بالمزدلفةِ، وأنه لا يجوزُ للمَكِّيِّ، ويجوزُ أن يصلي في غير المزدلفة، ورأوا أنَّ فعلَ النبي ﷺ كانَ لأجلِ السفر (٢). وقولُ أبي حنيفةَ أَشْبَهُ بالقرآنِ والسُّنَّةِ، وأَوفَقُ للنظرِ. وذلكَ أنه لم يُنْقَلْ عن النبيِّ ﷺ أنه جمعَ بينَ الصلاتينِ في سفره مثلما نُقِل هنا، إنما نُقِلَ عنهُ ﷺ أنه إذا كان نازلاً، فَّقدمَ الثانيةَ إلى الأولى، وإذا كانَ سائراً أخَّرَ الأولى إلى الثانية، وهذا يدخلُه التأويل، وعلى تسليمه، فقد كانَ النبي ﷺ نازلاً بعرفةَ في وقتِ المغرب. - وقال مالك: لا يجوزُ أن يصلِّيَها قبل المزدلفة إلاّ مَنْ بهِ أو بِدائتِهِ

стр. 398

عذرٌ، فلهُ أن يصليَها قبلَ المزدلفةِ، بشرط كونهِ بعدَ مغيبِ الشفقِ (١). * وكذلك اختلفوا في المبيتِ بمزدلفة: فقال الشعبيُّ والنَّخَعِيُّ والأَوزاعِيُّ والحسنُ البصريُّ وعَلْقَمَةُ والأسودُ: هو ركنٌ من أركانِ الحجِّ، لا يصحُّ الحجُّ إلَّا به؛ كالوقوفِ بعرفةَ، واختارَهُ أبو عبدِ الرحمن ابن بنتِ الشافعيِّ، وأبو بكر بنُ خزيمةَ من الشافعية. - وقال أكثرُ أهلِ العلم: ليسَ بركْنٍ في الحجِّ (٢). * ثم اختلفوا هل هو واجب يجب بتركه الدمُ، أو سُنَّةٌ لا يجبُ فيه الدمُ؟ - فقال أصحابُ الحديثِ وأهلُ الكوفة: هو واجب، وفيه دم (٣)، وهو الصحيحُ من قولِ الشافعيِّ (٤). - وقالت طائفة: هو سنة (٥)، وهو قولٌ للشافعيِّ أيضاً (٦). - وحكي عن بعض السَّلَف أن المبيتَ ليس بِنُسُكٍ، وإنما هو مَنْزِلٌ، إن

стр. 399

شاءَ نزلَهُ، وإن شاءَ تركَه (١). وهذا ضعيفٌ جداً، بل غلط ظاهرٌ؛ لمخالفةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ. والقولُ الأولُ عندي أقوى دليلاً؛ لموافقتِه القرآنَ، ولحديثِ عروةَ بنِ مضرّسٍ -رضي الله تعالى عنه-. وقد أجيب عنه بأنه ﷺ علَّقَ تمامَ الحَجّ: ١ - على الصَّلاةِ معه، وهي صلاةُ الصُّبْحِ. ٢ - وعلى وقوفِ هذا الموقفِ حتى يُفيضَ، ولم يُفِضْ إلا بعدَ صلاةِ الصبح بزمنٍ. ٣ - وعلى الإفاضة قبل ذلك من عرفاتٍ. وقد أجمعَ العلماءُ على أن من وقفَ و (٢) لم يصلِّ الصُّبْح، إما لعصيانٍ، أو نوم، أو نسيانٍ، فحجُّه تامٌ (٣). وقد ثبَّتَ أَنَّ النبيَّ ﷺ أرسلَ بعضَ أزواجه للإفاضَةِ بِلَيْلٍ (٤)، فدلَّ على أن التَّمامَ معلَّق على الإفاضة من عرفاتٍ. وفي هذا الجوابِ نظرٌ؛ لأنَّ الأمرَ إذا عُلّقَ على أوصافٍ، وأمكنَ اعتبارُ

стр. 400

كلِّها، وجبَ اعتبارُها، ولا يخرجُ عن الاعتبارِ إلا ما أخرجَهُ الدليلُ (١). ١ - فأمّا التعليقُ بالصلاةِ مَعَهُ، فقد دلَّ الدليلُ على عدم اعتبارِها؛ لأن العباداتِ لا تفسدُ بالمعاصي، ولأنّ الوقوفَ بعرفة كافٍ مع النومِ والنسيانِ، وليس هذا الموقفُ بِآكَدَ من عرفةَ، وهذا لا يمنعُ الوقوفَ برفةَ، فكذلكَ بالمزدلفة. ٢ - وأما التعليقُ بالإفاضة معهُ معَ عدمِ إفاضَتِه لبعضِ أزواجِه، فإنه يدلُّ على أن للإفاضةِ جوازاً وفضيلة (٢)، فعمل بالأفضل، وعَمِلَ بعض أزواجه بغير الأفضل. وأفعالُه وأقوالُه ﷺ في البيان واحدٌ، فقدْ بيَّنَ هذا الموقف، كما بين ﷺ في عرفات، فقال في حديث عروة: "وأفاض قبلَ ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تَمَّ حجُّه" (٣): مع وقوفه ﷺ إلى غروب الشمسِ وقوله ﷺ : "وإنا لا ندفعُ من عرفة حتى تغرب الشمسُ " (٤). ولهم أن يقولوا -أيضاً-: جميعُ ما علّق عليه معتبر، والمعنى: من صلَّى هذه الصلاةَ معنا، أو وقفَ هذا الموقفَ حتى نفيض، وتكون الواو بمعنى (أو)، ويكون في الخِطاب إشارةٌ إلى حالةِ الكَمال في هذا الموقف (٥)، وإلى حالةِ الإجزاء (٦)، أو يكون فيهِ حينئذٍ دليل على وجوب هذين الوقوفين،

стр. 401

إما جميع الليل، وإما وقت هذه الصلاةِ لمن ضاقَ وقتُ وقوفه؛ بدليل قوله ﷺ : "فمن أدركَ عرفةَ قبلَ أن يطلعَ الفجرُ، فقدْ أدركَ الحَجَّ" (١)؛ إذ علَّق تمامَ الحَجِّ عليهما، وهذا تأويل حسن قوي -إن شاء الله تعالى-، والواو تُستعملُ بمعنى (أو) كثيراً في اللسان، قال الشاعر (٢): [البحر الطويل] وَقَالوا نَأَتْ فَاخْتَرْ مِنَ الصبْرِ والبُكَا ومنه قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]. * وقال قوم: المشعرُ الحرامُ اسمٌ لجبلٍ من جِبال المزدلفةِ خاصَّةً يُسَمى: قُزَحَ (٣). واحتجوا بقولِ جابر -رضيَ الله تعالى عنه- في حديثه: فلما أجاز رسولُ الله ﷺ منَ المزدلفة بالمشعرِ الحرام، لم تشُكَّ قريشٌ أنهُ سيَقتصرُ عليه، ويكونُ منزلُه ثَم (٤). ولا شكَّ في استحبابِ الوقوفِ به (٥)، وقد أجمع المسلمونَ على عدمِ

стр. 402

وجوبِ تعيينهِ (١)، وأنه لا يجب بتركه دم؛ كما نقله القاضي أبو الطَّيِّبِ الطبريُّ من الشافعية (٢). * * * ٢١ - (٢١) قوله ﷻ : ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. أقول: الوقوف بعرفةَ أعظمُ أركانِ الحَجِّ؛ لقوله ﷻ : ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. ولما رَوى عبدُ الله بنُ عمرو الديليُّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "الحَجُّ عَرَفات، فمن أدركَ عرفةَ قبلَ أن يَطْلُعَ الفَجْرُ فقدْ أدركَ الحَجَّ" (٣). وهذا الحديث، وإن انفرد بروايته هذا الصحابيُّ من بين الصحابةِ، فهو متَّفَقٌ عليهِ. وهذه الآيةُ أصرحُ وأبيَنُ في الدلالةِ على الوجوبِ من التي قبلَها؛ فإنَّ اللهَ -سبحانه- أمرَنا (٤) بالإفاضَةِ منْ حيثُ أفاضَ الناسُ، فأوجبَ (٥) الحصولَ في مكان ابتداءِ الإفاضَةِ الذي (٦) يفيضُ منهُ الناسُ، وهو عَرَفاتُ (٧).

стр. 403

وكانَ الناسُ، وهم العربُ ما خلا قُرَيْشاً، تتجاوزُ المزدلفة، وتَقِفُ بعرفات، وتفُيض منها، وكانت الحُمْسُ، وهم قريشٌ، تقفُ عندَ المشعرِ الحَرام، وتفُيض منهُ، ولا تتجاوزُه؛ لأن المزدلفةَ من الحَرَمِ، وتَقولُ: نحن أهلُ حَرَمِ الله، فلا نَخْرُجُ منهُ، فأمر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يُفيض من حيثُ أفاضِ الناسُ، وكانتْ قريش تظنُّ أن يقفَ بالمَشْعَرِ الحَرام على عادتهم، فتجاوَزهُ لأمرِ اللهِ سبحانه. فإن قلتم: (ثُمَّ) كلمة موضوعة للترتيب في لسانِ العرب، وذَكرَ اللهُ -سبحانه- الإفاضة من حيثُ أفاضَ الناسُ بعدَ الذّكْرِ عندَ المشعرِ الحَرام، والذكْرُ عندَ المَشْعَرِ الحَرامِ لا يكونُ إلا بعدَ الإفاضة. قلت: هي هُنا لترتيبِ الذّكْرِ، لا لِترتيبِ الحُكْمِ، فلم تخرج (ثم) عن موضوعها (١)؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، ولذلك نظائرُ في القرآنِ واللُّغَةِ يطولُ ذكرُها (٢).

стр. 404

٢٢ - (٢٢) قوله جلَّ ثناؤه: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. * اتفق العلماءُ على أن الأيام المَعْدوداتِ ثلاثةُ أيامٍ بعدَ يوم النَّحْرِ (١)، وتُسَمَّى أيامَ التَّشريقِ، وأيامَ مِنًى (٢)، وفيها تتمُّ مناسِكُ الحَجِّ، وأمرَ اللهُ ﷻ بذكرِه فيها لِشَرَفِها، وأجمع السَّلَف على شَرْعيَّةِ التكبيرِ فيها (٣)، وعلى شرعيَّةِ التقرُّبِ فيها بالدَّمِ للحاجِّ وغيره، قال النبيُّ ﷺ : "أيام التشريقِ أيامُ أَكْلٍ وشُرْب وذِكْرٍ للهِ " (٤). * وشرعَ اللهُ لنا فيها رَمْيَ الجِمارِ، ورَخَّصَ لنا في التعجُّلِ (٥) في يومين من غَيْرِ إِثْمٍ؛ رِفقاً منهُ بعباده، والظاهرُ أنه لم يَخُصَّ بهذهِ الرَّحْمَةِ ناساً دونَ ناسٍ، وبهذا قالَ جمهورُ أهلِ العلم (٦). وقال مالكٌ: إن كانَ للمَكِّىِّ عُذْر، فَلَهُ أن يتعجَّل، وإن كانَ يريدُ التّخفيف عن نفسِه، فليس له (٧).

стр. 405

وهو غيرُ سديدٍ؛ لأن الله -سبحانه- صَرحَ برفعِ الإثم، ولا يكونُ الإثمُ إلا عندَ عدمِ العُذْرِ، وأَمّا مع العُذْرِ، فلا إثمَ. ولأنَّ اللهَ -سبحانَهُ- أبطل بهذا ما كانتْ عليهِ العربُ من الاخْتلافِ في الدم للتعجيلِ، والدَّمِ للتأخيرِ، فَسَوّى اللهُ سبحانَهُ بين القِسمين، ولا فرقَ في هذا بينَ المَكِّيّ وغيره. * وبيَّنَ رسولُ اللهِ ﷺ شَرْعَهُ، فَبيَّنَ صِفَةَ الرَّمْيِ وكيفيتَه (١)، ووقتَه (٢)، وأن المَبيتَ في مِنًى مشروع، ورخصَ في تركِهِ لأهلِ السِّقايةِ (٣). * وقد أجمعَ المسلمونَ على مشروعيةِ الرمْي والمبيتِ. * واتفقوا على وجوب الرمْي (٤). * واختلفوا في وجوبِ المبيت: - فقال ابنُ عباسٍ والحسنُ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحدِ قوليه: هو سُنَّةٌ لا يَجِبُ بتركِهِ الدَّمُ.

стр. 406

- والصحيحُ من قوليه أنه واجِبٌ، وبه قالَ مالكٌ وأحمدُ. لما روى ابنُ عمرَ -رضي اللهُ تَعالى عنهما- أن العباسَ -رضي الله تعالى عنه- استأذَنَ النبيَّ ﷺ ليبيتَ بمَكَّةَ لياليَ مِنًى منْ أَجْلِ سقايته، فأذنَ لهُ (١)، ولا يستأذنه إلَّا في واجب، ولَأنَ النبيَّ ﷺ بات بها. * ولا يجوز التعجيلُ لمن أراده حتى يرميَ في اليوم الثاني؛ لقوله تعالى: ﴿لِمَنِ اَتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣] والرمْيُ من عملِ التقوى، وكذا من تأخرَ إلى اليومِ الثالثِ لا يجوزُ له السفرُ حتى يرمي رميه؛ لقوله سبحانه: ﴿لِمَنِ اَتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، والله أعلم (٢). * * *

стр. 407

(من أحكام النفقة) ٢٣ - (٢٣) قولُه جَلَّ ثناؤهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٥]. نزلتْ في عمرِو بنِ الجَموحِ، وكان شيخا كبيراً، وعنده مالٌ عظيمٌ، فسأل النبيَّ ﷺ ماذا ننفقُ من أموالِنا؟ وأين نضعها؟ فنزلت هذه الآية (١). قال كثيرٌ من أهل التفسير: هذا كانَ قبلَ أن تُفْرَضَ الزَّكاةُ، فلما فُرضتِ الزكاة بالآيةِ التي في (براءة) (٢)، نُسِخَتْ هذه الآية (٣). وقال بعضُهم (٤): المرادُ ما يتقربُ بهِ الإنسانُ إلى الله -تعالى-، فأخبر اللهُ -سبحانَهُ- أنَّ من قَصَدَ ذلكَ ينبغي أَنْ يبرَّ بذلكَ المذكور، فلا نَسْخَ في الآية.

стр. 408

(من أحكام الجهاد) ٢٤ - (٢٤) قولُه ﷻ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ البقر ة: ٢١٦]. أقولُ: لمَّا أرادَ اللهُ -سبحانَهُ- إنقاذَ عبادِهِ من الهَلَكَةِ، وهُداهُم من الضَّلال، بعث نبيَّهُ مُحَمَّداً- ﷺ إلى قومه خاصَّةً، وإلى الناسِ عامَّةً بشيراً ونذيراً. فقال : ﴿وَأَنذِرْ عَشِيَرتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]. وقال : ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧]، فقال: "يابني عبدِ مَناف! إن الله بعثني أن أنذرَ عَشيرتي الأَقْرَبينَ، وأنتم عَشيرتي الأقربون" (١). وقال : ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨]. فلما صَدُّوا عنه، وأَعْرَضوا، أَمَرَهُ اللهُ -سبحانَهُ- بالصَّدِّ عنهم، والإعراض كما أعرضوا.

стр. 409

فقال ﷻ : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا﴾ [النجم: ٢٩]. وقال ﷻ : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨]. ولما هدى اللهُ -سبحانَهُ- قوماً من عبادِه، واختارَهُم لدينه، واصطفاهُم لنفسِه، فآمنوا به، واتبعوا النورَ الذي أُنزلَ معه، فتنتهم قريشٌ، وصدُّوهم (١) عن دينِ اللهِ -سُبْحانه-، وعذَّبوهم، وظلموهم، ليرجعوا عن دينِ الله -سُبحانه- حَتَّى كَثُرَ تأذِّي رسولِ اللهِ ﷺ والمؤمنين، فحينئذٍ أَذِنَ اللهُ -تَعالى- لهم في الهجرة، ولَمْ يوجبْها، فقال ﷻ : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: ١٠٠]، فهاجر إلى أرضِ الحبشةِ قومٌ، وبقيَ قومٌ فيهم رسولُ الله ﷺ ، فهاجروا إلى المدينةِ الشريفة -شَرَّفَها اللهُ الكريم-. ووجبت الهجرةُ على كلِّ مفتونٍ لا يقدرُ على إظهارِ دينهِ. وسيأتي إنْ شاءَ الله تعالى بيانُ الهجرةِ وأحكامُها في "سورةِ النساءِ" عند قوله -تعالى-: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]. فلما عَمَّرَ اللهُ الكريمُ طَيْبَةَ بالإيمانِ، وجعلَها دارَ الإسلام، أذِنَ للمؤمنين في القِتال، ولم يفرضْه عليهم، فقالَ ﷻ : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ [الحج: ٣٩]. ولما قويَ المؤمنون، وكَثُرَ عددُهم، واشْتَدَّت شَوكَتُهُم، كتبَ اللهُ عليهمُ القِتالَ، فقال ﷻ : ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]، واستمرَّ فرضُ الجِهاد حتى تَضَعَ الحربُ أوزارها (٢).

стр. 410

* وقد أجمعَ المسلمون على فريضَةِ الجِهادِ، إلَّا ما حُكيَ عن عبيدِ اللهِ ابنِ الحَسَنِ العَنْبَرِيِّ أنه قال: إنَّهُ تطوُّع، وهذا من جُمْلَة شُذوذهِ (١). * واختلفوا هل (٢) فُرضَ على الأعيانِ، أو على الكِفاية؟ - فقال قومٌ: هو فرض على الكِفاية، في جميع الأزمان (٣)، في أولِ الإسلام وآخره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]، ولقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [النساء: ٩٥]

стр. 411

بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: ٩٥]. - وقال قومٌ: كانَ فرضاً على الأعيانِ في أولِ الإسلام (١)، واستدلُوا بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ [البقرة: ٢١٦]، وبقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، ثم صارَ فرضاً على الكفاية؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا﴾ [التوبة:١٢٢] الآية. وهذا القولُ حَسَن، لكنَّه يَحتاجُ إلى نَقْلٍ وتوقيفٍ في الترتيب. - وقالَ قومٌ: هو فرضٌ على البَعْض دون البَعْضِ، ما لم يَنْفِرْ رسولُ الله ﷺ ، فإذا نَفَرَ وَجَبَ على الجَميع النَّفْرُ (٢). وهو مذهبُ ابنِ عبَّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادة (٣). وهذا قولٌ حَسَنٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: ١٢٠]، ولما فيه من الجَمْع بين الآيات، ونفي المعارَضات، ولأنَّ اللهَ -سُبحانه- عاتَبَ المُتَخَلِّفين عنهُ في غزوة تَبوكَ حتى (٤) نزلَتْ توبتُهُ على الثلاثَةِ المُخَلَّفينَ (٥).

стр. 412

فإن قيل: فقدْ بعثَ النبيُّ ﷺ إلى بني لِحْيانَ، وقال: "ليخرُجْ من كلِّ رَجلينِ رَجُلٌ"، ثم قال للقاعدين: "أيُّكمْ خَلَفَ الخارِجَ في أهلِهِ ومالِهِ بخيرٍ، كانَ له مثلُ نصفِ أجرِ الخارجِ" (١). قلت: إنما تَخَلَّفوا بإذنه ﷺ ؛ ليقوموا على نسائِهم وأموالِهم، وليحفظوها من كيد العدوِّ والمنافقين. ولكن المذهبَ الأولَ أحسنُ وأصحُّ؛ بدليلِ أَنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يَنْفِرُ في أَوَّلِ الإسلام، ويتخلَّف عنهُ بعضُ أصحابه. وأما معاتبةُ اللهِ -سُبْحانه- للمتخَلِّفين، فإنَّما هو لأجلِ الحاجةِ إلى نُفورهم؛ لكثرةِ العدوِّ وبعدِهم. وهذهِ الحالُ كما إذا وَطِئ الكفارُ بلادَ الإسلام -ونعوذُ باللهِ من ذلك- فليسَ لأحدٍ أَنْ يتخلفَ مِنْ غَنِيٍّ وفقيرٍ، وحُرٍّ وعَبْدٍ (٢)؛ كَما فعلَ المسلمونَ يومَ الخندقِ، والله أعلم. * * * ٢٥ - (٢٥) قوله ﷻ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ

стр. 413

أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * نزلت هذه الآيةُ في سَرِيَّة بَعَثَها رسولُ الله ﷺ ، وأَمَّرَ عليهم عبدَ الله بْنَ جَحْشٍ، فانطلقوا حتى هبطوا نَخْلَةَ، فوجدوا بها عَمْرَو بنَ الحَضْرميِّ في عِيرٍ بِتجارَة لقريش في آخِر يوم من جُمادى الآخرة، أو في أولِ يوم من رَجَب، على اختلاف فيه، فقتلوا ابْنَ الحَضْرَميَ، وأخذوا العِيْرَ، فعيرَّ المشركونَ المسلمينَ، فأنزلَ اللهُ -سبحانه- هذه الآية (١). وكان القتالُ في أولِ الإسلام مُحَرماً في الشَّهْرِ الحَرام، وفي البلدةِ (٢) الحَرام، إلَّا أن يُبْدَؤوا بالقِتال. * واختلفَ أهلُ العلم هلْ هذا الحُكْمُ باقٍ إلى الآن لم ينسخْ، أولا؟ (٣) فقال عطاءٌ ومُجاهِدٌ: هوَ باق لمْ يُنْسَخْ، ولا يجوزُ القِتالُ في الشهرِ الحَرام (٤)، ويُروى عن الشعبيِّ والحكمِ، ولهم هذه الآية، وغيرُها، وكان عطاء يقول: لا يجوزُ القتال في الشهرِ الحرامِ، ولا البلدِ الحَرامِ، ويحلفُ على ذلك.

стр. 414

ونُقل عن أكثر العُلماءِ خلافُهم، وقالوا: هذهِ الآيةُ منسوخةٌ (١) بقوله سبحانَهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٢) [التوبة: ٥]، وبقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]؛ كما قاله الزهريُّ (٣). وما ذكرهُ هؤلاءِ الجَماعةُ لا يجوزُ أن يكونَ ناسِخاً لآية البقرة؛ لأن (حيثُ) كلمةٌ معناها عمومُ الأمكنةِ، والأمكنةُ لا تُعارضُ الشُّهورَ والأزمانَ، ولا نسخَ معَ عدمِ التعارض. وأما قولُه تَعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ فإن الأمرَ بالقتال مُطْلَقٌ في جميع الأحوال، مقيَّدٌ بإعطاءِ الجزية، والنهيُ عن القتالِ في الشهرِ الحرامِ خاصٌ ببعض الأزمان، فلا تَعارُضَ بينَهُما، فلا يجوزُ القولُ بالنسخِ، بل يجوزُ تَخصيصُ إطلاق قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ بالنهيِ عن القِتال في الشَّهْرِ الحَرام؛ لخصوص هذا، ولعموم ذلك، ولقوله تَعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. وأما قولُه تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]،، فقد تقدَّمَ بيانُه أيضاً. وأما قولُه تَعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، فإنَّها

стр. 415

عامَّة في المشركين، مطلَقَةٌ في الزمانِ والمكانِ، وهذه الآيةُ خاصَّة مقيَّدَةٌ، والمطلَقُ لا يَنْسَخُ المقيَّدَ. والمختارُ عندي بقاءُ حرمَتِه كما حَرمَهُ اللهُ سبحانَه في غيرِ مَوْضِع من كتابهِ العزيزِ، فحرَّمَهُ في هذه السورة، وقال في سورةِ المائدةِ، وهي من آخِرِ ما نَزَلَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، وقال أيضاً: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٩٧]. واستدل الآخرونَ (١) بأنَ النبي ﷺ غزا هوازنَ بِحُنَيْنٍ، وأَنْفَذَ سَرِيَّةً إلى أَوْطاسٍ، وحاصَرَ ثقيفاً بالطَّائِفِ في الشهر الحَرام، وبايع أصحابه بالحُدَيبيَةِ بيعةَ الرّضوانِ على القِتال في ذي القعدة (٢). ولا حُجَّةَ لهم في ذلكَ: أَمَّا بيعةُ الرضْوانِ، فإنَ النبي ﷺ إنما بايَعَ المُسلِمين لمَّا بلغَهُ الخَبَرُ بقتل عُثمانَ، وأَنَّ قريشاً عازمون على قتاله (٣). وأمّا غزوةُ هَوازنَ، وأُوطاسٍ، والطَّائِفِ، فلم تكنْ في الشهر الحرام؛ فإنَّ فتحَ مكةَ كانَ في شهرِ رمضانَ، وأقامَ النبي ﷺ بمكةَ عشرةَ أيامٍ، أو تِسْعَةَ عَشَرَ يوماً؛ كما قالَ ابنُ عباسٍ (٤)، ثم خرجَ إلى حُنَيْنٍ في رمضان؛ كما ذكرهُ البخاري عن ابنِ عباس قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في رَمَضانَ إلى

стр. 416

حُنينٍ (١)، وأنفذ السرية إلى أَوْطاسٍ لَمَّا فرغَ من حُنَيْنٍ (٢). وكان حِصارُ الطائِفِ في شَوَّالٍ؛ كما ذكرهُ البُخاريُّ عن موسى بنِ عُقْبَه (٣). ولعلَّهُ إنما أوهم هؤلاءِ ما رواهُ البخاريُّ: أَنَّ النبيَّ ﷺ اعتمرَ عُمْرَةً من الجعْرانَةِ (٤) حيثُ قَسَمَ غنائِمَ حُنَيْنٍ في ذي القَعْدَةِ (٥)، والله أعلم. وسيأتي تعريفُ الشَّهر الحَرام في سورة (براءة) - إن شاء الله تعالى-. * * * * قوله ﵎: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]. * فيها دليلٌ على أن العملَ الأخرويَّ لا يحْبَطُ بنَفْسِ الرِّدَّةِ، بل يكونُ العملُ موقوفاً على الموت، فإن ماتَ على الردَّةِ، حبطَ عملُه، وإنْ عادَ إلى

стр. 417

الإسلام، لم يحبطْ عملُه قبلَ الرِّدَّةِ، ولم يجبْ قضاؤه، وبهذا قال الشافعي (١). وذهبَ مالكٌ، وأبو حنيفَة (٢) إلى أن العمل يَحْبَطُ بنَفْسِ الردَّةِ، فإنْ عادَ إلى الإسلام، كان عليه قضاءُ الحج دونَ الصَّلاةِ والصِّيامِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] [ولقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٣) [الزمر: ٦٥]. ودليلُ الشافعيِّ أظهرُ؛ لأنَّ الردَّةَ فيهِ مقيدَة بالمَوتِ، وفي غيرهِ مطلَقَةٌ، والمطلقُ مُرَتَّب على المُقَيَّدِ، ولا يجوزُ أنْ يُقالَ: التقييدُ ذُكِرَ ليترتَّبَ عليهِ العقابُ والخُسرانُ؛ لأنَّ الخُسرانَ مذكور في آياتِ الإطلاق. * وفيها دليلٌ على عدمِ إبطالِ العملِ الدُّنْيَوِيِّ؛ كإبطالِ بَيْعهِ ونِكاحه وسائرِ تصرفاتِه، وإزالة ملكه، إلا أنْ يموتَ على غيرِ الإسلام، وهو الصحيحُ من أقوال الشَّافعيّ (٤).

стр. 418

وله قولٌ أنه بِنَفْسِ الردَّة يزولُ ملكُهُ، ولا تصحُّ تصرفاتُهُ. ولهُ قولٌ آخرُ أنه لا يزولُ ملكُهُ، وتصحُّ تصرفاتُه (١)، والله أعلم. * * *

стр. 419

(تحريم شرب الخمر) ٢٦ - (٢٦) قوله ﷻ : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. أقول: حَرَّمَ اللهُ سبحانه الخَمْرَ بعدَ أن كانَتْ حَلالاً، وأنزلَ فيها ثلاثَ آيات في كتابهِ العزيز. روى بعضُ أهلِ العلمِ قال: خرجَ حمزةُ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وقدْ شربَ الخَمْرَة، فَلقِيَهُ رجلٌ من الأنصارِ، ومعهُ ناضِحٌ لَهُ، والأنصاريُّ يتمثَّلُ ببيتين لكعبِ بنِ مالكٍ في مدحِ قومِه، ويقول: [البحر الطويل] جَمَعْنا معَ الإيواءِ (١) نَصْراً وهِجْرَةً ... فلم يُرَ حَيٌّ مثلُنا في المَعاشِرِ فَأَحْياؤُنا من خَيْرِ أحياءَ مَنْ مَضَى ... وأمواتُنا مِنْ خيرِ أهلِ المَقابِرِ فقال حمزة (٢): أولئك المهاجرون، فقال له الأنصاري: بل نحن الأنصار، فتنازَعا، فجرَّدَ حمزةُ سيفَه، وعَدا على الأنصاريِّ، فلم يُمَكِّن الأنصاري أن يقومَ له، فترك ناضحَه (٣) وهرب، فظفر به حمزةُ، فجعلَ

стр. 420

يقطعُهُ، وجاءَ الأنصاريُّ إلى رسولِ الله ﷺ مُسْتَعْدِياً، فأخبرَهُ بخبرِ حَمْزَةَ وفِعْلِهِ بالنَّاضِحِ، فغرم له رسولُ الله ﷺ ناضحاً، فقال عمرُ بنُ الخطاب: يارسول الله! ما ترى ما لقينا من أمر الخَمْرةِ (١)، إنَّها مُذهِبَة للعقلِ، مُتْلِفَة للمال، فأنزل الله : ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]، فكره شربَها قومٌ؛ لما فيها من الإثم، وشَرِبَها قومٌ آخرونَ (٢) للمنافعِ (٣). قال قتادَةُ: ذمَّها الله سبحانه في هذه الآية، ولم يُحَرِّمْها، وهي يومئذٍ حلال (٤). وأضاف عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قوماً، فأطعمهم وسقاهم الخمرَ، فلما حضرَ وقتُ صَلاةِ المَغْرِب، قدَّموا رجلاً منهم يصلِّي بهم، فقرأ بفاتحةِ الكتاب، وقُلْ يا أَيُّها الكافرون، فخلط، فحذف كلمات (لا)، فأنزل اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] الآية. فتجنبوا الشُّرْبَ (٥) أوقاتَ الصلاةِ، فكان الرجلُ منهم يشربُ بعدَ صلاةِ العِشاءِ الآخِرَةِ، ثم يرقُدُ فيقومُ عندَ صَلاةِ الفَجْرِ، وقد صَحا، ثم يشربها إن شاءَ بعدَ صلاةِ الصُّبْحِ، فيصحو منها عندَ الظهْرِ إلى العشاءِ الآخِرَةِ، حتى دعا سعدُ بنُ أبي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ -وقد عملَ وليمةً

стр. 421

على رأسِ جَزورٍ لهُ- ناساً منَ المُهاجرين والأنصارِ، فأكَلُوا وشَرِبوا فافتخروا (١)، فعمدَ رجل منَ الأنصارِ، وأخذَ (٢) أحدَ لَحْيَيِ الجَزورِ (٣)، وضرب بهِ أنفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، وجاءَ سعدٌ مُسْتَعْدياً إلى رسولِ الله ﷺ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾: [المائدة:٩٠ - ٩١]، فقالوا: انتهينا يارسول الله (٤). * وبين رسولُ الله- ﷺ أنَّ اجتنابَ الخَمْرِ هو اجتنابُ شُرْبها وبَيْعِها، فروى جابرُ بنُ عبدِ الله -رضي الله تعالى عنهما-: أنه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ حَرمَ بيعَ الخَمْرِ والمَيْتةَ والخِنْزيرِ والأصنام، فقيل: يارسول الله! أرأيتَ شُحومَ المَيْتة؛ فإنها تُطلى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجُلود، ويُسْتَصْبَحُ بها، فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال عند ذلك: "قاتلَ اللهُ اليهودَ؛ إن اللهَ لمّا حَرَّمَ شُحومَها، جَمَلوهُ ثمَّ باعوهُ، فأكلوا ثَمَنَهُ" (٥). * وشَرَعَ فيه الحَدَّ عن اللهِ -سُبحانه-، فأتيَ برجلٍ قد شربَ الخَمْرَ، فجلدَهُ بجريدةٍ نحوَ أربعين، وفعلَه أبو بكرٍ. فلمّا كانَ عُمَرُ، استشارَ

стр. 422

الناسَ، فقالَ عبدُ الرحمنِ: أخفُّ الحدودِ ثمانون (١). وقالَ عليٌّ: إنه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذى افْتَرى، وأرى أَنْ يُحَدَّ حَدَّ المُفْتري، فأمر به عمرُ -رضي اللهُ تعالى عنهم- (٢). * وكذلك المَيْسِرُ، وهو القِمار، حَرامٌ بالإجماع كالخمرِ (٣)؛ لما فيه من إتلاف المالِ وأكلِه بالباطل، وكلُّ ما يدلُّ على الخطر فهو قِمار كالمَيْسِر. * * * * واختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. فقال بعضُ مصنِّفي الناسِخِ والمَنْسوخِ (٤): فرضَ اللهُ قبلَ فرضِ الزكاةِ

стр. 423

إذا كانَ للإنسان مالٌ أنْ يُمْسِكَ أَلْفَ درهمٍ، أو قيمتَه منَ الذهبِ، ويتصدَّقَ بما بقيَ. وقالَ آخرون: فرضَ عليهم أَنْ يُمْسكوا ثُلُثَ مالِهم، ويتصدقوا بما بقي، وإنْ كانَ من أهلِ زِراعةِ الأرضِ وعِمارتها أنْ يُمْسِكوا نَفَقَتَهُمْ حَوْلاً، ويتصدَّقوا بما بقيَ، وإنْ كانَ مِمَّنْ يكدُّ بيدِه، أمسَكَ ما يَقوتُهُ يَوْمَهُ، ويتصدَّقَ بما بقي، فَشَقَّ ذلكَ عليهم حتَّى أنزلَ اللهُ الزكاةَ، وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أعيانَ الزكاةِ، وصارَتْ ناسِخَةً لذلك (١). وبالنسخ قالَ ابنُ عباسِ رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٢). وقال قومٌ: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ (٣). * واختلفوا في المرادِ بالعفوِ، فقيل: العفوُ: الزكاةُ بعينِها، وقيل: المرادُ بهِ التَّطَوع (٤). * واختلفوا أيضاً في حقيقةِ العَفْوِ:

стр. 424

فَروي عن ابنِ عباسٍ: أنه القليل الذي لا يتبينُ خروجُه من المالِ (١). قال الحسنُ: العفو: ما لا يكون إسرافاً، ولا إقتار فيه على العيالِ (٢). وقال قتادةُ: العفوُ أَفضلُ المالِ وأطيبُه (٣). وقيل: نزلتِ الآيةُ في شأنِ عَمْرِو بنِ الجَموحِ (٤)؛ فإنه لمّا نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، قال: كم أنفق؟ فنزل: ﴿قُلِ العَفو﴾ [البقرة: ٢١٩]، والعَفْوُ: ما سَهُل وَتَيسَّر؛ كما قالَ تعالى: ﴿خذِ العَفوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وكما قال الشاعرُ (٥): [من الطويل] خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدَّتي ... ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي (٦) حينَ أغضَبُ وكل هذه الأقوالِ، وإن اختلفتْ، فإنها ترجعُ إلى معنىً واحدٍ، وهو هذا، واللهُ أعلم. * * *

стр. 425

(معاملة اليتامي) ٢٧ - (٢٧) قوله ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. * أقول: عظم اللهُ سبحانَهُ أمرَ اليتامى، وشدّدَ فيه، وأنزلَ في شأنهم آيات كثيرةً، بعضُها يفسِّرُ بعضاً، وهذه الآيةُ مِنْ أَجْمَعِها وأَبْيَنِها، فقالَ ﷻ : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، وقال سبحانَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال سبحانهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، وقالَ ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. فنهى الله عن قهرهم، وحَرَّمَ أكلَ مالِهم في بعض الآيات تحريماً مطلقاً، وقيدَهُ في بعضِ الآيات بما إذا كان على جهةِ الظُّلم والتَّعَدِّي والإسراف، وأما إذا كانَ على جهةِ الإصلاح بالمعروف، وبالتي هي أحسنُ، فالأكلُ مُباح للفقير؛ لِما فيه من إصلاح القَيِّمِ لماله.
следующие страницы →