← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

على رأسِ جَزورٍ لهُ- ناساً منَ المُهاجرين والأنصارِ، فأكَلُوا وشَرِبوا فافتخروا (١)، فعمدَ رجل منَ الأنصارِ، وأخذَ (٢) أحدَ لَحْيَيِ الجَزورِ (٣)، وضرب بهِ أنفَ سَعْدٍ، فَفَزَرَهُ، وجاءَ سعدٌ مُسْتَعْدياً إلى رسولِ الله ﷺ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾: [المائدة:٩٠ - ٩١]، فقالوا: انتهينا يارسول الله (٤). * وبين رسولُ الله- ﷺ أنَّ اجتنابَ الخَمْرِ هو اجتنابُ شُرْبها وبَيْعِها، فروى جابرُ بنُ عبدِ الله -رضي الله تعالى عنهما-: أنه سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ حَرمَ بيعَ الخَمْرِ والمَيْتةَ والخِنْزيرِ والأصنام، فقيل: يارسول الله! أرأيتَ شُحومَ المَيْتة؛ فإنها تُطلى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجُلود، ويُسْتَصْبَحُ بها، فقال: "لا، هو حرام"، ثم قال عند ذلك: "قاتلَ اللهُ اليهودَ؛ إن اللهَ لمّا حَرَّمَ شُحومَها، جَمَلوهُ ثمَّ باعوهُ، فأكلوا ثَمَنَهُ" (٥). * وشَرَعَ فيه الحَدَّ عن اللهِ -سُبحانه-، فأتيَ برجلٍ قد شربَ الخَمْرَ، فجلدَهُ بجريدةٍ نحوَ أربعين، وفعلَه أبو بكرٍ. فلمّا كانَ عُمَرُ، استشارَ

стр. 422

الناسَ، فقالَ عبدُ الرحمنِ: أخفُّ الحدودِ ثمانون (١). وقالَ عليٌّ: إنه إذا سكر هَذَى، وإذا هَذى افْتَرى، وأرى أَنْ يُحَدَّ حَدَّ المُفْتري، فأمر به عمرُ -رضي اللهُ تعالى عنهم- (٢). * وكذلك المَيْسِرُ، وهو القِمار، حَرامٌ بالإجماع كالخمرِ (٣)؛ لما فيه من إتلاف المالِ وأكلِه بالباطل، وكلُّ ما يدلُّ على الخطر فهو قِمار كالمَيْسِر. * * * * واختلفَ أهلُ العلمِ بالقرآنِ في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. فقال بعضُ مصنِّفي الناسِخِ والمَنْسوخِ (٤): فرضَ اللهُ قبلَ فرضِ الزكاةِ

стр. 423

إذا كانَ للإنسان مالٌ أنْ يُمْسِكَ أَلْفَ درهمٍ، أو قيمتَه منَ الذهبِ، ويتصدَّقَ بما بقيَ. وقالَ آخرون: فرضَ عليهم أَنْ يُمْسكوا ثُلُثَ مالِهم، ويتصدقوا بما بقي، وإنْ كانَ من أهلِ زِراعةِ الأرضِ وعِمارتها أنْ يُمْسِكوا نَفَقَتَهُمْ حَوْلاً، ويتصدَّقوا بما بقيَ، وإنْ كانَ مِمَّنْ يكدُّ بيدِه، أمسَكَ ما يَقوتُهُ يَوْمَهُ، ويتصدَّقَ بما بقي، فَشَقَّ ذلكَ عليهم حتَّى أنزلَ اللهُ الزكاةَ، وبَيَّنَتِ السُّنَّةُ أعيانَ الزكاةِ، وصارَتْ ناسِخَةً لذلك (١). وبالنسخ قالَ ابنُ عباسِ رضيَ اللهُ تعالى عنهما (٢). وقال قومٌ: هي محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ (٣). * واختلفوا في المرادِ بالعفوِ، فقيل: العفوُ: الزكاةُ بعينِها، وقيل: المرادُ بهِ التَّطَوع (٤). * واختلفوا أيضاً في حقيقةِ العَفْوِ:

стр. 424

فَروي عن ابنِ عباسٍ: أنه القليل الذي لا يتبينُ خروجُه من المالِ (١). قال الحسنُ: العفو: ما لا يكون إسرافاً، ولا إقتار فيه على العيالِ (٢). وقال قتادةُ: العفوُ أَفضلُ المالِ وأطيبُه (٣). وقيل: نزلتِ الآيةُ في شأنِ عَمْرِو بنِ الجَموحِ (٤)؛ فإنه لمّا نَزَلَ قولُه تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ [البقرة: ٢١٥]، قال: كم أنفق؟ فنزل: ﴿قُلِ العَفو﴾ [البقرة: ٢١٩]، والعَفْوُ: ما سَهُل وَتَيسَّر؛ كما قالَ تعالى: ﴿خذِ العَفوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وكما قال الشاعرُ (٥): [من الطويل] خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَديمي مَوَدَّتي ... ولا تَنْطِقي في سَوْرَتي (٦) حينَ أغضَبُ وكل هذه الأقوالِ، وإن اختلفتْ، فإنها ترجعُ إلى معنىً واحدٍ، وهو هذا، واللهُ أعلم. * * *

стр. 425

(معاملة اليتامي) ٢٧ - (٢٧) قوله ﷻ : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. * أقول: عظم اللهُ سبحانَهُ أمرَ اليتامى، وشدّدَ فيه، وأنزلَ في شأنهم آيات كثيرةً، بعضُها يفسِّرُ بعضاً، وهذه الآيةُ مِنْ أَجْمَعِها وأَبْيَنِها، فقالَ ﷻ : ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ [الضحى: ٩]، وقال سبحانَهُ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وقال سبحانهُ: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢]، وقالَ ﷻ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، وقال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. فنهى الله عن قهرهم، وحَرَّمَ أكلَ مالِهم في بعض الآيات تحريماً مطلقاً، وقيدَهُ في بعضِ الآيات بما إذا كان على جهةِ الظُّلم والتَّعَدِّي والإسراف، وأما إذا كانَ على جهةِ الإصلاح بالمعروف، وبالتي هي أحسنُ، فالأكلُ مُباح للفقير؛ لِما فيه من إصلاح القَيِّمِ لماله.

стр. 426

وكذا يجوز ضربه للتأديبِ والتعليمِ؛ لِما فيه من الإصلاح (١). وأباح الله تعالى خُلْطتَهُمْ ومُشاركتَهم مخالفةً لتحريجِ (٢) الجاهليّةِ بذلك. * وفي الآيةِ دليلٌ على أن القيّم (٣) أمينٌ على ما يدَّعيه بالمَعْروفِ، ولقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فوكل اللهُ الأمرَ إلى تقوى القَيمِ وأمانتِه (٤). وسيأتي مزيدُ كلامٍ فيهم في سورة النساءِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى. * * *

стр. 427

(حكم نكاح المشركات والكتابيات) ٢٨ - (٢٨) قوله ﷻ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [البقرة:٢٢١]. * اختُلِفَ في حقيقة النكّاحِ على ثلاثةِ أوجهٍ للشافعيَّةِ: وأَصَحُّها عندهم أنهُ حقيقة في العَقْدِ، مَجازٌ في الوَطْءِ (١)، وإياهُ أختارُ، لغلبةِ عُرْفِ الكتابِ والسُّنَّةِ واللسانِ فيه. وقيل: حقيقةٌ في الوَطْءِ، مجازٌ في العَقْدِ؛ كما هو أصلُ وضع اللُّغة، وبه قالَ أبو حنيفةَ (٢). وقيل: إنه مشتركٌ بينهما (٣).

стр. 428

- * وقد أنزل اللهُ سبحانَه في نِكاح المُشركاتِ آياتٍ يعارضُ بعضُها بعضاً، وها أنا أتكلمُ فيها على مَبْلَغِ عِلمي، ومُنْتَهى فَهْمي، وأستعينُ باللهِ وأستهديه. فأقول: حَرّمَ اللهُ سبحانَهُ على المؤمنين نِكاحَ المُشْركاتِ ابتداءً ودواماً، فقال هنا: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وهذا الخطابُ عامّ في الوَثَنِيّاتِ والكِتابِيّاتِ، الذِّمِّيَّاتِ منهنَّ والحَرْبِيّاتِ، وسمَّى اللهُ سبحانَهُ الكِتابيَّ مُشْرِكاً؛ لقوله: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، ولقوله: ﴿الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّه﴾ [التوبة: ٣٠]، وقوله: ﴿ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وكانَ ابنُ عمرَ- ﵄ إذا سُئِل عن نكاحِ الرجلِ اليهوديَّةَ أو (١) النصرانيَّةَ، قال: حَرَّمَ اللهُ المُشْركاتِ على المؤمنينَ، ولا أعرفُ شيئاً من الشِّرْكِ أعظمَ من أن تقولَ المرأةُ: ربُّها عيسى، أو عبدٌ من عبادِ اللهِ (٢). وأحلَّ اللهُ لهم نِكاحَ الكِتابياتِ في سورة المائدةِ، فقال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]. وهذا الخِطابُ لهم عامّ من وجهٍ، وخاصٌّ من وجهٍ، فخصوصُه في الكِتابياتِ دون الوَثنياتِ، فيقضى بخُصوص آيةِ المائدةِ على آية البقرة، وعمومُه في الذمِّياتِ والحربياتِ، في (٣) الحرائر منهنَّ والإماءِ، ولكنَّ اللهَ

стр. 429

سبحانَهُ حَرَّمَ الإِماء منهن، فقال في سورة النساء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فشرط فيهنَّ الإيمان، فيقضى بخُصوص آية النساءِ على عُموم آية المائدة، وبخصوصِ آية المائدةِ على عموم آيةِ البقرة، هكذا ترتيبُ هذه الآيات بعضِها على بعضِ، ويُعْمَلُ بجميعِها. وقد اتفقَ العلماءُ على ترتيبِ آية البقرة على آية المائدة (١)، إلا ما يُروى عن ابنِ عمرِ -رضي الله تعالى عنهما- من تحريم نكاح الكتابيات (٢)، وأن آية البقرة ناسخة لآيةِ المائدةِ (٣)، وقيل: إنه كَرِهه، ولم يحرِّمْه (٤). قال بعضُهم: ولا تصح عَنْهُ روايةُ التحريمِ (٥). قلت: أو تُحْمَل على الكِتابيات الحَرْبيات؛ كما هو قولُ ابنِ عباس رضي الله تعالى عنهم (٦).

стр. 430

* واختلفوا في صفةِ ترتيبِ آية البقرة على آية المائدة (١). فقال مجاها وقتادةُ وابنُ جُبيرٍ: آيةُ البقرةِ مخصوصة مبيَّنة بآية المائدة (٢). وقال الحَسَنُ وعِكرمةُ: نسخ الله سبحانَهُ من آيةِ البقرةِ تحريمَ نساءِ أهلِ الكِتاب، ويُرْوى عن ابنِ عباسٍ ومالكٍ وسفيانَ الثوريِّ (٣). والقولُ بالنَّسخِ لا يستقيمُ إلا أنْ يكونَ قدِ استقرَّ تحريمُ المشركاتِ، الوثنيَّاتُ منهنَّ والكتابياتُ، ثم نُسِخَ بآيةِ المائدةِ. وقول هؤلاء الجماعةِ محمولٌ على ذلك، ولكن هذا يحتاج إلى صِحَّةِ نقلٍ لحكمِ الاستقرارِ في أثناءِ الإسلام (٤)، ولعل الإشارة إلى اليوم بقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٥] هي التي دلَّتهُمْ على استقرارِ الحكم، ثم نسخِه، أو لعل هذا بناء على أن تأخير البيانِ عن وقتِ الخِطاب لا يجوز. * واتفقوا على حِلِّ نكاح الكتابياتِ المُحْصَنات (٥) المُعاهَداتِ كما

стр. 431

تَقَدَّمَ، واختلفوا في الحربيّاتِ منهنَّ: فقال قومٌ من أهلِ العلمِ بتحريمه (١)؛ لأنهنَّ (٢) لسن (٣) من أهل ذمة المسلمين. وبه قال ابنُ عباس -رضيَ الله تعالى عنهما- ولما سُئِل عن ذلك تلا قولَه تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ (٤). وقال قومٌ بكراهيته، ولم يُحَرِّموه (٥)؛ لعموم قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، وغلَّبوا الكِتاب على الدار، وبه قال مالكٌ وأبو حنيفةَ والشافعيُّ رضيَ اللهُ تعالى عنهم (٦). * واتفقوا على حلِّ غيرِ المُحصَناتِ منهنَّ (٧)، وهنَّ الإماء بملك اليمين (٨)؛ لعموم قوله سُبْحانه: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].

стр. 432

* واختلفوا في حِلِّه بالنكّاحِ: فقال أبو حنيفةَ بجوازه (١). وقال مالكٌ والشافعيُّ بتحريمِه (٢)؛ لقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] فَسَّره عمر، وابن عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهم- بالحرائر (٣)، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، فقيدهن بفتياتنا المؤمنات، فدلَّ على أن فتياتنا الغير المؤمنات حرامٌ. وأجاب الحنفية بأن المرادَ بالمُحْصنات العفائف، وقد فسره (٤) بذلك غير (٥) ابنِ عمرَ رضي الله تعالى عنهما (٦)، وبأن المفهومَ ليس بدليلٍ عندهم، وبأن التقييد للاستحباب؛ لأنها خيرٌ من الحُرَّةِ الكِتابية، وقد أُبيحَ نكاحُها، وإن كانت دونها، وبأن الخطابَ واردٌ على التغليب، لا على التقييد، والغالب على الإماء الإسلام (٧).

стр. 433

وبقولِ مالكٍ والشافعي أقولُ؛ لما فيه من الاحتياط، والتحريمُ أولى؛ لظهور التقييد على التغليب في سائرِ آيِ القرآن؛ كقوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥]، وكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وكقوله تعالى: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، وغير ذلك، ولموافقته عُمومَ القرآنِ؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]. * وحرّمَ اللهُ سُبْحانه على المؤمنينَ أن يُنكِحوا المشركين (١)، فلن يجعلَ الله للكافرينَ على المؤمنينَ سبيلاً. * وربَّما استدل بهذه الآية من يقولُ باشتراط الوليِّ في النكاح (٢)؛ اعتقاداً منهُ أنَّ الخِطابَ مع الأولياءِ، ولا دلالةَ فيه؛ لأن الخطاب مع المؤمنين، وإن سلم فالخِطابُ واردٌ بالمَنع للأولياءِ من إنكاحِ المشركِ، ومنعُ الوليِّ لا (٣) يوجبُ لهُ ولايةً، وسيأتي الكلامُ على هذا إنْ شاءَ الله تعالى. * * *

стр. 434

(من أحكام الحيض) ٢٩ - (٢٩) قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. * السائلُ أبو الدَّحْداح، وقيل: غيرُه، سألَ رسولَ اللهِ ﷺ وقال (١): يا رسولَ الله! كيف نصنِعُ بالنساءِ إذا حِضْنَ؟ فأنزل اللهُ هذه الآيةَ (٢)، ونهى عن قُرْبانِهِنَّ حتى يَطْهُرْن، وبيَّنَ أَنَّ العِلَّةَ هي الأَذى. * فاستنبط قومٌ من أهلِ العلمِ كالنَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ والزُّهْرِيِّ وابنِ سيرينَ: أَنَّ المُسْتحَاضَةَ لا يقربُها زوجُها ما دامَ معَها الدَّمُ، ويُروى عن عائشةَ -رضيَ الله تعالى عنها-، وبه قالَ بعضُ أصحابِ مالكٍ (٣).

стр. 435

وقال جُمْهورُهم: يجوز وَطْؤُها، وبه قالَ مالكٌ والشافعي وأبو حنيفةَ وأحمدُ (١)، كما يجوزُ لها أن تصليَ، ولقوله ﷺ :"إنَّما ذلكَ دمُ عِرْقٍ، وليستْ بالحَيْضَةِ" (٢). وعن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-: لا بأسَ أن يصيبَها زوجُها، وإن كان الدَّمُ يسيلُ على عقبيها (٣). * والحيضُ والمَحيضُ (٤) مَصْدَران، يقال: حاضَتِ المرأةُ تحيضُ حَيْضاً و (٥) مَحيضاً. والمَحيضُ أيضاً اسمٌ لموضِع الدَّمِ (٦).

стр. 436

فالمحيضُ الأَولُ هو الدَّمُ، وهو الأذى، والمَحيضُ الثاني قيل: هو مَوضِعُ الدمِ، ويُروى عن ابن عباسٍ رضي الله تعالى عنهما (١). وهو إجماع من أهلِ العلمِ (٢)، لكنه يدلُّ بمفهومِه على تحليلِ ما عدا موضعَ الدَّمِ. وقيل (٣): إن المُرادَ بالمَحيضِ هو الحَيْضُ (٤). فأمر (٥) اللهُ سبحانه باعتزال الحُيَّضِ في حال حَيْضِهِنَّ، ونهى عن قُربانِهِنَّ حتى يَطْهُرْنَ. * وقد أجمعَ أهل العلم (٦) على جوازِ قُربانهنَّ فيما فوقَ السُّرَّةِ وتحتَ الركبةِ (٧). واختلفوا فيما وراءَ ذلك. - فمَنَعَهُ مالك وأبو حنيفةَ وسعيدُ بنُ المُسَيِّبِ وشريحٌ وطاوسٌ، واختاره أكثرُ الشافعيةِ (٨)، واستدلُوا بقولِه ﷺ لَما سُئل عَمَّا يحلُّ للرجلِ من امرأتِه،

стр. 437

فقال: "ما فَوقَ الإزارِ" (١)، وبما روته عائشةُ -رضي الله تعالى عنها- من فعله ﷺ (٢). - وجَوَّزَهُ قوم منهم عِكْرِمَةُ ومجاهد والشعبي والنخعيُّ والثوري والأوزاعيُّ والشافعيُّ (٣) وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور وابنُ المنذرِ وداودُ (٤)، وإيّاه أختار؛ لقوله ﷺ : "جامِعوهُنَّ في البُيوت، واصنَعوا كُلَّ شَيءٍ إلَّا النكّاحَ" (٥). والجوابُ عن قوله ﷺ : "ما فوق الإزار"، أي: يحلّ حلاًّ لا منعَ فيه، ولا كراهةَ، أو يحملُ على الإزار الصغيرِ الذي تجعلهُ الحائضُ تحتَ إزارها. وأما فعلُه ﷺ ، فإنه يدلُّ على جوازِ مباشرةِ الحائضِ فيما فوق السُّرَّةِ، ولا يدلُّ على المَنعْ فيما تحتَها (٦).

стр. 438

* وفي الآية دلالة على أن الحائض إذا انقطع دمُها لا يحلُّ غِشْيانُها، وهو قولُ مالكٍ والشافعيِّ وجماهيرِ أهل العلم (١). - وقال أبو حنيفةَ: يحلُّ، وإن لم تغتسلْ (٢)، والمراد عندهُ: صِرْنَ أهلاً للصلاة، وهو خِلافُ الظَّاهِرِ من لفظِ الآيةِ؛ فإنها تدلُّ لغيرِه من أربعةِ أوجهٍ: أحدها: قراءةُ مَنْ قرأ: (حتَّى يَطَّهَّرْنَ) (فإذا تطهَّرْنَ)، كلتاهما بالتشديد (٣). ثانيها: قراءَةُ أُبَيِّ بنِ كعبٍ: (حتى يطهرن) (٤)، فلا يقوم الوقتُ مقامَ الفعلِ المنسوبِ إليهن. ثالثها: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرنَ﴾ أي: اغتسلْنَ، وبهذا فسر ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وغيرُهما (٥).

стр. 439

رابعها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٢]. فإن قلتم: فهل نجدُ ما يدل على أنَّ المرادَ بالمتطهرين المتطهرين بالماء؟ قلت: نعم، قوله تعالى في أهل قباء: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة:١٠٨]. وكلمة (من) في قوله تعالى ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] قيل: إنها بمعني (في) أي: في حيث أمركم الله، وهو الفرج؛ كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]، فالإتيان مستحب، وكونُه في المحلِّ المَخْصوصِ واجب بإجماع المسلمين، فلا يحل لمؤمن إتيانُ امرأته في دُبُرِها. وقيل: إن (من) على حقيقةِ وضعِها، والمعنى: مِنْ حيثُ نهاكُم اللهُ عنهُ، وأَمَرَكُم باعتزاله، وهو أحسنُ؛ لأن الله سبحانه عَقَبَهُ بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٢]. فعن مجاهد: المتطهرين من إتيانِ النساءِ في (٣) أدبارهن (٤). والمتنزِّهُ عن المحل المكروهِ مُتَطَهِّرٌ، كما حكى الله سبحانه عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢].

стр. 440

(من أحكام النكاح) ٣١ - (٣١) قوله ﷻ : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. * هذه الآية رَدٌّ على اليهودِ، وكانت تقول: إذا أتى الرجلُ امرأته مِنْ دُبُرِها في قُبُلِها، كانَ الولدُ أحولَ، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ (١) [البقرة: ٢٢٣]. والحَرْثُ من المرأةِ: الموضِعُ الذي يوضع (٢) فيه المَنِيُّ لابتغاء الولد. و (أنّى) كلمةٌ لها معنيان: - تكون بمعنى (كيف)، وبهذا أخذ أهل العلم (٣)؛ لما دلَّ عليه سببُ الآية من عيب اليهود على المسلمين، فردَّ اللهُ سبحانه عليهم. قال جابر -رضيَ الله تعالى عنه-: أنزل اللهُ : ﴿نِسَاؤُكُمْ

стр. 441

حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، من بَيْنِ يَدَيْها، ومِنْ خَلفِها، ولا يأتيها إلاّ في المَأْتَى (١). - وتكون في اللسانِ بمعنى (حيث)، ويُروى القولُ بهذا عن بعض علماء المدينةِ، وأنه ذهبَ إلى إباحةِ وَطْءِ المرأةِ في دُبُرها، حتى نسب ذلك إلى ابنِ عمرَ، ونافعٍ (٢)، وابن المسيّبِ (٣)، ومالكٍ (٤)، ومعاذَ اللهِ سبحانه أن يصحَّ هذا عنهم. ويدلّ عليه ما رواه النَّسائي عن أبي النضر أنه قال لنافعٍ مولى ابنِ عمرَ: قد أُكْثِرَ عليك القولُ أنك تقول عن ابن عمر: إنه أفتى أن تُؤْتى النساءُ في أدبارهن، قال نافعٌ: لقد كذبوا عليَّ، سأخبركَ كيفَ كانَ الأمر: إن ابنَ عمرَ

стр. 442

عرض عليَّ المصحفَ يوماً، وأنا عنده، حتى بلغ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ قال: يا نافع! هل تدري ما أمرُ هذه الآية؟ إنّا كُنَّا -معشرَ قريشٍ- نَجيءُ النساءَ منْ قِبَل أدبارهنّ، فلما دخلنا المدينةَ، ونكحنا نساءَ الأنصارِ، أردنا منهنَّ ما كنا نريدُ من نسائِنا، فإذا هُنَّ قَدْ كَرِهْنَ ذلك، وأَعْظَمْنَهُ، وكان نساءُ الأنصارُ يُؤْتينَ على جُنوبِهِنَّ، فأنزل اللهُ سبحانه: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ﴾ الآية (١). والقولُ بهذا أيضًا باطلٌ؛ لأنه قد دلَّ الدليل على حَمْل هذا اللفظِ على أحدِ مَعْنَييه، فلا يجوز العُدول عنه (٢). فإن قلتم: فقد ذهبَ الشافعي، والمالكيَّةُ، وجماعةٌ من الأصوليين إلى حمل المشترك على معانيه (٣)، بل قال الشافعيُّ: يجب حملُه كالعموم، والعبرةُ بعمومِ اللفظ لا بخصوصِ السببِ. قلنا: إنما يحمل على معانيه حيث لا قرينةَ تدلُّ على أن المرادَ أحدُهما، والقرينةُ دالةٌ عليه من وجوه: أحدها: السببُ الذي ذكرناه قرينةً في إرادةِ أحدِ المعنيين وصرفِه عن المعنى الآخر.

стр. 443

وثانيها: نهى (١) الله سبحانه عن قربان النساء في حال الحَيْض، وأمر (٢) بإتيانهنَّ عند الطُّهْر (٣)، ولو كان وَطْؤُهُنَّ في الدُّبُرِ حَلالاً، لما كانَ لنهيِهِ عن قربانهن معنًى. وثالثها: التشبيه بالحَرْث قرينةٌ دالة على أحد المَعْنيين؛ بدليل أن الحَرْثَ لا يكونُ إلا في موضعِ الزرعِ، قال الشاعر: [من مجزوء الرمل] إنَّما الأَرْحامُ أَرَضُو ... نَ لنا محترثات فَعَلَينا الزَّرْعُ فيها ... وعلى اللهِ النَّباتُ (٤) وهذا تأويلُ الإمامِ مالك رضيَ الله تعالى عنه. روى يونسُ بنُ عبدِ الأَعْلى، عن ابنِ وهبٍ: أنه قال: سألتُ مالكَ بنَ أنس، فقلت: إنهم حَكَوْا عنكَ أنك تَرى إتيانَ النساءِ في أدبارهن، فقال: معاذَ اللهِ! أليسَ أنتم قوماً عرَباً؟ فقلت: بلى، فقال: قال اللهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وهل يكونُ الحرثُ إلا في مَوْضِعِ الزرعِ أو موضع المنبت؟ وروى الدارَقُطْنِيُّ عن رجاله، عن إسرائيلَ بنِ رَوْح: أنه قال: سألتُ مالِكاً فقلت: يا أبا عبد الله! ما تقول في إتيان النساء في أدبارهن؟ فقال: ما أنتم عرب؟ هل يكونُ الحرثُ إلا في موضعِ الزرع، ألا تسمعونَ اللهَ تعالى يقول: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، قائمة

стр. 444

وقاعدةً، وعلى جَنْبِها، ما (١) لا يتعدَّى الفَرْجَ. قلت: يا أبا عبد الله! إنهم يقولون: إنك تقول بذلك، فقال: يكذبون علي، يكذبون عليّ، يكذبون عليّ (٢). فإن قيل: فقد قالَ محمدُ بن عبد اللهِ بنِ عبد الحَكَم: سمعتُ الشافعيَّ يقول: ليس فيه عن رسول الله ﷺ في التحريم والتحليل حديث ثابت، والقياسُ أنه حلالٌ (٣)، وقد غلط سفيان في حديثِ ابنِ الهاد (٤). فالجوابُ: أن هذه الروايةَ مختصرةٌ من حكايةِ مناظرةٍ جرتْ بينَ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ، وفي سياقِها دلالة على أنه إنما قَصَدَ بما قالَ الذَّبَّ عن بعضِ أهلِ المدينةِ على طريقِ الجَدَلِ، وأما مذهبُه، فقدْ قال الربيعُ: كان الشافعيُّ يحرّمُ إِتيان النساءِ في (٥) أدبارهن (٦).

стр. 445

وقال: قال الشافعيُّ: قال الله : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، وبين أن موضعَ الحرثِ موضعُ الولد؛ فإن الله تعالى أباح الإتيان فيه إلاّ في وقت الحيض (١)، وَ ﴿أنَّى شِئْتُمْ﴾: من أين شئتم. قال: وإباحةُ الإتيان في موضعِ الحرث يشبهُ أن يكون تحريمَ إتيانِ غيره، فالإتيانُ في الدُّبُرِ حتى يبلغَ مبلغَ الإتيان في القُبُلِ مُحَرَّم بدلالةِ الكتابِ، ثم السنَّة. ثم قال: أخبرني عَمِّي محمدُ بنُ عليِّ بنِ شافعٍ، قال: أخبرني عبدُ الله ابن علي بن السائب، عن عمروِ بنِ أجحد بن الجلاح، أو عن عمرو بن فلان بن أجحد -أنا شككت- عن خُزَيمةَ بنِ ثابتٍ: أنَّ رجلاً سألَ النبيَّ ﷺ عن إتيان النساء في أدبارهن، أو إتيان الرجلِ امرأته في دبرها، فقال النبي ﷺ : "حلال"، فلما ولّى الرجلُ دَعاه، أو أمرَ بهِ فدُعي، فقال: "كيف قلتَ؟ في أي الحرثين أو في أي الخرزتين، أو في أي الخصعتين، أَمِن دُبرها في قُبلها، فنعم، أمن دُبُرِها في دُبرها، فلا، إن الله لا يستحيي من الحق، لا تَأتوا النساءَ في أَدْبارهنّ" (٢). عمي ثقةٌ، وعبدُ الله بنُ عليّ ثقةٌ، وخُزيمة مِمَّنْ لا يَشُك عالِمٌ في ثقتِهِ،

стр. 446

فلستُ أُرَخِّصُ فيه بدليل (١)، بل أنهى عنه (٢). * * *

стр. 447

تيسير البيان لأحكام القرآن تأليف الإمام الفقيه الموزعي محمد بن علي بن عبد الله بن إبراهيم بن الخطيب اليمني الشافعي المشهور بـ «ابن نور الدين» (المتوفى سنة ٨٢٥ هـ) - رحمه الله تعالى - بعناية عبد المعين الحرش [المجلد الثاني]

стр. 448

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 449

تَيْسِيْرُ البَيَانِ لِأَحْكَامِ القُرْآنِ [٢]

стр. 450

جَمِيعُ الحقُوُقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٣ هـ - ٢٠١٢ م ردمك: ٣ - ٤١ - ٤٥٩ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَارُ النَّوادِرِ سورية - لبنان - الكويت مُؤسَّسة دَار النَّوادِرِ م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوادِر اللُّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوادِر الكُوَيْتِيَة ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هَاتِف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هَاتِف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السَّحَاب - ص. ب: ٤٣١٦ حَولي - الرَّمْز البريدي: ٣٢٠٤٦ هَاتِف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com into@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م نُورُ الدِّيْن طَالِب المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنفِيْذِي

стр. 451

(من أحكام الأيمان) (اليمين المنعقدة واليمين اللغو) ٣٣ - (٣٣) قوله ﷻ : ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٤]. قال ابنُ عباسٍ: لا تجعلوا اللهَ حُجَّةً إذا (١) كانَ الحِنْث خيراً (٢)، قال النبيُّ ﷺ : "إنِّي واللهِ، إنْ شاء اللهُ، لا أَحْلِفُ على يَمينٍ، فأَرى غيرَها خيراً منها، إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وتَحَلَّلْتُها" (٣). وهذا الحكمُ مُتفَقٌ عليه (٤). وقيل: معنى الآية: ولا تجعلوا اللهَ بِذْلةً (٥)، فتحلفوا به في كلِّ باطلٍ

стр. 452

وحقٍّ (١)، ويروى عن عائشة -رضي الله تعالى عنها-. وهذا الحكمُ متفق عليه أيضاً، فيُكْرَهُ للرجل أن يُكْثِرَ الحَلفَ باللهِ في كلِّ شيء، وإن بَرَّ واتَّقى (٢)، والله أعلم. * * * ٣٣ - (٣٣) قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. * اللغو: هو ما يجري على اللسانِ من غير قصدٍ، نحو: لا والله، وبلى والله، وهكذا يروى تفسيرهُ عن عائشة -رضي اللهُ تعالى عنها- (٣)، وبه أخذ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى- (٤). - وقال أبو حنيفةَ ومالكٌ: هو أن يحلفَ على شيءٍ ظَنَّهُ كذلك، وأنه صادق فيه، فتبين له خلافه، فهو خطأ منه (٥)، ولا إثم عليه، وروي هذا عن

стр. 453

ابنِ عباسٍ والحسنِ والنخعيِّ والزُّهْري ومُجاهدٍ وقَتادةَ والرَّبيعِ والسُّدِّيِّ -رضي اللهُ تعالى عنهم- (١). - ويروى عنِ ابنِ عباسٍ: أنه اليمينُ في حالِ الغضبِ والضَّجَرِ من غيرِ عَقْدٍ ولا عَزْمٍ. وهو قولُ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-، وطاوسٍ -رحمه الله تعالى- (٢)؛ لما روي عنه ﷺ : "لا يَمينَ في إغلاقٍ" (٣). - وقال بعضُ أهل العلم: هو ما يجبُ نقضُه؛ لأن اللغوَ واجبُ الرفع، فقال الشعبيُّ ومسروقٌ: هو أن يحلفَ على معصيةٍ، فلا يُكَفِّر، ويروى عن ابنِ عباس أيضاً (٤).

стр. 454

- وقال ابنُ جُبَيْرٍ: هو أن يُحَرِّمَ حَلالاً، فلا يَأْثَمُ بِحِنْثِهِ، وسيأتي الكلامُ على مثلِه بهذه الآيةِ -إن شاءَ اللهُ تعالى- (١). * * *

стр. 455

(من أحكام الطلاق) (الإيلاء) ٣٤ - ٣٥ (٣٤ - ٣٥) قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]. * أبطل الله -سبحانه- بهذه الآية (١) ما كانوا عليه من الضرارِ، كان الرجل يُؤْلي (٢) من امرأته السَّنَةَ والسنتينِ وأكثرَ، ولا تَطْلُق عليه، فنسخ اللهُ ذلك، وأَنْظَرَ المُؤالي أربعة أشهر، فإما أن يَفيءَ، أو يُطَلِّقَ (٣). * وليس في السُّنَّةِ -والله أعلمُ- ما يدلُّ على المُدَّةِ التي يؤلي عليها، ولا على صفة الفَيْئَة، ولا على عزيمة الطلاقِ (٤)، ولذلك اختلفَ أهلُ العلمِ من الصَّحابةِ وغيرِهم في ذلك.

стр. 456

- فروي عن بضعةَ عشرَ من الصَّحابةِ، منهم عثمانُ وعليٌّ وعائشةُ وابنُ عمرَ، ويروى عن عُمَرَ أيضاً -رضي اللهُ تعالى عنهم-: أنه إذا مضتْ أربعةُ أشهر وُقِف المُؤْلي، فإما أن يَفيءَ، وإما أن يطلق. وبهذا أخذَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ -رحمهم الله تعالى- (١). - وروي عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهم-: أن عزيمةَ الطلاقِ انقضاءُ أربعةِ أشهر. والفيئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى انقضاء أربعة أشهر، فإن فاءَ، وإلاّ فعزيمة الطلاق انقضاءُ المدة. وبهذا أخذَ أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- (٢)، وشَبَّهَ الإيلاءَ بالطَّلاقِ الرَّجْعيِّ، وشَبَّهَ هذه المُدَّةَ بمدَّة العِدَّةِ. والقول الأولُ أشبَهُ بظاهرِ القرآنِ من أربعةِ أَوْجُهٍ: أحدها: قال الشافعيُّ: في سياقِ الآيةِ ما يدلُّ على ما وصفتُ، وذلك لما ذكر اللهُ تعالى أن للمؤلي أربعةَ أَشْهُرٍ، ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فذكر الحُكْمَيْنِ معاً بلا فَصْلٍ بينهما، فدلَّ على أنهما يَقعان بعدَ الأربعة الأشهر؛ لأنه إنما جعل عليه الفيئةَ والطلاقَ، وقد جُعِلَ له الخِيار فيهما في وقتٍ واحدٍ،

стр. 457

ولا يتقدمُ واحدٌ منهما صاحبَه، وقد ذُكِرا في وقتٍ واحدٍ؛ كما يقال في الرَّهْنِ: افدِهِ أو نبيعُه عليكَ، بلا فصلٍ، وفي كلِّ ما خُيِّرَ فيه عليه افعل كذا أو كذا، بلا فصلٍ، فلا يجوز أن يكونا ذُكِرا بلا فَصْلٍ، ويقال: الفَيْئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى أربعة أشهر، وعزيمةُ الطلاقِ -أيضاً- انقضاءُ الأربعةِ الأشهرِ، فيكونانِ حكمين ذُكِرا معاً، يُفْسَحُ في أَحدهما، ويُضَيَّقُ في الآخر (١). ولمخالفه أن يقول: لم يفسخ في أحدِهما ويُضَيَّقْ في الآخر، بل هو مخيَّرٌ بينهما في مدة الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، ويتحقق التخيير بين الخصلتين عندَ انقضاءِ المدة، وجعلنا انقضاءَ المدةِ قائمًا مقام اللفظ (٢) بالطلاق وقبل (٣) انقضاءِ المدة إذا لم يبق بعدَ الأربعةِ الأَشْهُر زمانٌ يملك فيه الطلاق. الوجه الثاني: أنَّ منْ أَنْظَرَهُ اللهُ تعالى أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، لم يكنْ عليهِ سبيلٌ حتَّى يمضيَ أربعةُ أشهرٍ، فإذا مَضَتْ، كان عليه السبيل، وهو إما أن يفيء، وإما أنْ يطلِّق؛ كما لو قال: أُخَلِّيكَ (٤) أربعةَ أشهرٍ، لم يكنْ لهُ الأخذُ منكَ إلا حتى تنقضيَ الأربعةُ الأشهرِ (٥). فإن قيل: أنظرَ اللهُ سبحانه أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، وخَيَّرَهُ فيه إلى انقضائها، فأما أن يفيء، أو يلزم الفراقُ بانقضائها.

стр. 458

قلت: ذلك خِلافُ المفهومِ من الخِطاب؛ فإنّ اللهَ يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، ومفهومهُ أنَّ منْ لم يعزم الطلاقَ في المدة، بل كان عزمه الفيئة إلى انقضاءِ المدَّةِ أن يخالف حكمُه حكمَ العازمِ على الطَّلاق إذا لم يُطَلِّقْ بلسانه، ولم يعزمْ عليه (١)، وأبو حنيفة لا يفرِّق بينهما، فدلَّ على أن المراد بالفيئة عزيمةُ الطلاقِ بعدَ مُضِيِّ المدة، لكنَّ مفهومَ الخِطابِ عندَهُ ليسَ بِحُجَّةٍ. والوجه الثالث: من وُجوهِ الدلالة أن الفاءَ تكون جواباً للشرط، وما هو في معنى الشرط، وفي هذه الآية معنى الشرط. فكأنه قيل لمَنْ آلى من امرأتِه: يتربَّصُ أربعةَ أَشهرٍ، فإن فاءَ، فإنّ اللهَ غفور رحيم، وإن عَزَمَ الطلاقَ، فإن اللهَ سميعٌ عليمٌ. فَفُهِمَ من هذا أنَّ مرادَ المتكلم ترتيبُ الفيئة والعزيمة على ذلك، كما يترتَّبُ الجزاءُ على الشرطِ. ولو لم تدخلِ الفاءُ في الجوابِ، لاسْتَوى الاحتمالان، فلما دخلتْ، كان هذا هو الظاهر. فإن ادَّعى الحنفيةُ الإضمارَ، وقالوا: التقديرُ: (فإن فاء فيها)، أي: في المدة. قلنا: تركُ الإضمار خيرٌ من الإضمار، إلَّا أن يَدُلَّ الدليلُ على وجوبِ الإضمار، فيضمر، ولا دلالةَ هنا. الوجه الرابع: أضافَ اللهُ -سبحانَهُ- إرادة الطلاق إلى الزَّوْجِ، وقد أجمعتِ الناسُ على أنَّ صريحَ الطلاقِ ثلاثة، وليسَ انقضاءُ المُدَّةِ واحداً من الثلاثة، ولهذا كانتْ عائشةُ -رضي الله تعالى عنها- إذا ذُكر لها الرجلُ

стр. 459

يحلفُ أَلَّا يأتيَ امرأتَهُ، فَبَعُدَ عنها خمسةَ أشهرٍ، لا ترى ذلك شيئاً حتى يوقَفَ، وتقول (١): كيفَ قالَ اللهُ سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٩]. - والإيلاءُ: هو اليمينُ والقسمُ على تركِ الجماع: - فمن أهل العلم من لم يشترطْ في الجماع مُدَّةً، بل إذا حلفَ على قليل الزَّمانِ وكثيره كانَ مؤلياً. وبه قال الحسنُ والنخعيُّ وقتادةُ وابنُ أبى ليلى، ويروى عن عبدِ الله بنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهم- (٣). وتمسكوا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولا مُتَمَسَّكَ لهم في الآية؛ لأن الله سبحانه ضربَ هذهِ المدَّةَ ليرجِعَ فيها المُؤلي عن المضارَّةِ، والعملِ بمقتضى يمينه، وذلك يقتضى أن تزيدَ المدةُ على أربعةِ أشهرٍ. - وروي عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أَنَّ المُؤْليَ مَنْ حلفَ ألاَّ يصيب امرأته أبداً (٤).

стр. 460

- وقال أبو حنيفة: أن يحلفَ على أربعةِ أشهرٍ فصاعداً (١)؛ لكونه من لوازم قولهِ في المسألة الأولى. - وقال الشافعي وموافقوه: هو أن يحلفَ على أكثرَ من أربعةِ أشهر (٢)؛ ليوافقَ مذهبَهُم في المسألة الأولى (٣). * والفَيْئَةُ في اللغة هي الرجوعُ، والمرادُ بها الوَطْءُ في حقِّ القادر (٤). وأما المعذورُ، فيبينُ عذرهُ، ويقول: لو قدرت لفئت (٥).
следующие страницы →