← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 14827

تيسير البيان لأحكام القرآن

ابن نور الدين

Полный текст (1 649 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

- فروي عن بضعةَ عشرَ من الصَّحابةِ، منهم عثمانُ وعليٌّ وعائشةُ وابنُ عمرَ، ويروى عن عُمَرَ أيضاً -رضي اللهُ تعالى عنهم-: أنه إذا مضتْ أربعةُ أشهر وُقِف المُؤْلي، فإما أن يَفيءَ، وإما أن يطلق. وبهذا أخذَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ -رحمهم الله تعالى- (١). - وروي عن ابنِ عباسٍ وابنِ مسعودٍ -رضي الله تعالى عنهم-: أن عزيمةَ الطلاقِ انقضاءُ أربعةِ أشهر. والفيئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى انقضاء أربعة أشهر، فإن فاءَ، وإلاّ فعزيمة الطلاق انقضاءُ المدة. وبهذا أخذَ أبو حنيفةَ -رحمه الله تعالى- (٢)، وشَبَّهَ الإيلاءَ بالطَّلاقِ الرَّجْعيِّ، وشَبَّهَ هذه المُدَّةَ بمدَّة العِدَّةِ. والقول الأولُ أشبَهُ بظاهرِ القرآنِ من أربعةِ أَوْجُهٍ: أحدها: قال الشافعيُّ: في سياقِ الآيةِ ما يدلُّ على ما وصفتُ، وذلك لما ذكر اللهُ تعالى أن للمؤلي أربعةَ أَشْهُرٍ، ثم قال: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧]، فذكر الحُكْمَيْنِ معاً بلا فَصْلٍ بينهما، فدلَّ على أنهما يَقعان بعدَ الأربعة الأشهر؛ لأنه إنما جعل عليه الفيئةَ والطلاقَ، وقد جُعِلَ له الخِيار فيهما في وقتٍ واحدٍ،

стр. 457

ولا يتقدمُ واحدٌ منهما صاحبَه، وقد ذُكِرا في وقتٍ واحدٍ؛ كما يقال في الرَّهْنِ: افدِهِ أو نبيعُه عليكَ، بلا فصلٍ، وفي كلِّ ما خُيِّرَ فيه عليه افعل كذا أو كذا، بلا فصلٍ، فلا يجوز أن يكونا ذُكِرا بلا فَصْلٍ، ويقال: الفَيْئَةُ فيما بين أن يؤلي إلى أربعة أشهر، وعزيمةُ الطلاقِ -أيضاً- انقضاءُ الأربعةِ الأشهرِ، فيكونانِ حكمين ذُكِرا معاً، يُفْسَحُ في أَحدهما، ويُضَيَّقُ في الآخر (١). ولمخالفه أن يقول: لم يفسخ في أحدِهما ويُضَيَّقْ في الآخر، بل هو مخيَّرٌ بينهما في مدة الأربعة الأشهر، فإما أن يفيء، وإما أن يطلق، ويتحقق التخيير بين الخصلتين عندَ انقضاءِ المدة، وجعلنا انقضاءَ المدةِ قائمًا مقام اللفظ (٢) بالطلاق وقبل (٣) انقضاءِ المدة إذا لم يبق بعدَ الأربعةِ الأَشْهُر زمانٌ يملك فيه الطلاق. الوجه الثاني: أنَّ منْ أَنْظَرَهُ اللهُ تعالى أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، لم يكنْ عليهِ سبيلٌ حتَّى يمضيَ أربعةُ أشهرٍ، فإذا مَضَتْ، كان عليه السبيل، وهو إما أن يفيء، وإما أنْ يطلِّق؛ كما لو قال: أُخَلِّيكَ (٤) أربعةَ أشهرٍ، لم يكنْ لهُ الأخذُ منكَ إلا حتى تنقضيَ الأربعةُ الأشهرِ (٥). فإن قيل: أنظرَ اللهُ سبحانه أربعةَ أشهرٍ في شيءٍ، وخَيَّرَهُ فيه إلى انقضائها، فأما أن يفيء، أو يلزم الفراقُ بانقضائها.

стр. 458

قلت: ذلك خِلافُ المفهومِ من الخِطاب؛ فإنّ اللهَ يقول: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، ومفهومهُ أنَّ منْ لم يعزم الطلاقَ في المدة، بل كان عزمه الفيئة إلى انقضاءِ المدَّةِ أن يخالف حكمُه حكمَ العازمِ على الطَّلاق إذا لم يُطَلِّقْ بلسانه، ولم يعزمْ عليه (١)، وأبو حنيفة لا يفرِّق بينهما، فدلَّ على أن المراد بالفيئة عزيمةُ الطلاقِ بعدَ مُضِيِّ المدة، لكنَّ مفهومَ الخِطابِ عندَهُ ليسَ بِحُجَّةٍ. والوجه الثالث: من وُجوهِ الدلالة أن الفاءَ تكون جواباً للشرط، وما هو في معنى الشرط، وفي هذه الآية معنى الشرط. فكأنه قيل لمَنْ آلى من امرأتِه: يتربَّصُ أربعةَ أَشهرٍ، فإن فاءَ، فإنّ اللهَ غفور رحيم، وإن عَزَمَ الطلاقَ، فإن اللهَ سميعٌ عليمٌ. فَفُهِمَ من هذا أنَّ مرادَ المتكلم ترتيبُ الفيئة والعزيمة على ذلك، كما يترتَّبُ الجزاءُ على الشرطِ. ولو لم تدخلِ الفاءُ في الجوابِ، لاسْتَوى الاحتمالان، فلما دخلتْ، كان هذا هو الظاهر. فإن ادَّعى الحنفيةُ الإضمارَ، وقالوا: التقديرُ: (فإن فاء فيها)، أي: في المدة. قلنا: تركُ الإضمار خيرٌ من الإضمار، إلَّا أن يَدُلَّ الدليلُ على وجوبِ الإضمار، فيضمر، ولا دلالةَ هنا. الوجه الرابع: أضافَ اللهُ -سبحانَهُ- إرادة الطلاق إلى الزَّوْجِ، وقد أجمعتِ الناسُ على أنَّ صريحَ الطلاقِ ثلاثة، وليسَ انقضاءُ المُدَّةِ واحداً من الثلاثة، ولهذا كانتْ عائشةُ -رضي الله تعالى عنها- إذا ذُكر لها الرجلُ

стр. 459

يحلفُ أَلَّا يأتيَ امرأتَهُ، فَبَعُدَ عنها خمسةَ أشهرٍ، لا ترى ذلك شيئاً حتى يوقَفَ، وتقول (١): كيفَ قالَ اللهُ سبحانه: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢٩]. - والإيلاءُ: هو اليمينُ والقسمُ على تركِ الجماع: - فمن أهل العلم من لم يشترطْ في الجماع مُدَّةً، بل إذا حلفَ على قليل الزَّمانِ وكثيره كانَ مؤلياً. وبه قال الحسنُ والنخعيُّ وقتادةُ وابنُ أبى ليلى، ويروى عن عبدِ الله بنِ مسعود -رضي الله تعالى عنهم- (٣). وتمسكوا بظاهرِ قولهِ تعالى: ﴿يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولا مُتَمَسَّكَ لهم في الآية؛ لأن الله سبحانه ضربَ هذهِ المدَّةَ ليرجِعَ فيها المُؤلي عن المضارَّةِ، والعملِ بمقتضى يمينه، وذلك يقتضى أن تزيدَ المدةُ على أربعةِ أشهرٍ. - وروي عن ابنِ عباسٍ -رضيَ اللهُ تعالى عنهما-: أَنَّ المُؤْليَ مَنْ حلفَ ألاَّ يصيب امرأته أبداً (٤).

стр. 460

- وقال أبو حنيفة: أن يحلفَ على أربعةِ أشهرٍ فصاعداً (١)؛ لكونه من لوازم قولهِ في المسألة الأولى. - وقال الشافعي وموافقوه: هو أن يحلفَ على أكثرَ من أربعةِ أشهر (٢)؛ ليوافقَ مذهبَهُم في المسألة الأولى (٣). * والفَيْئَةُ في اللغة هي الرجوعُ، والمرادُ بها الوَطْءُ في حقِّ القادر (٤). وأما المعذورُ، فيبينُ عذرهُ، ويقول: لو قدرت لفئت (٥).

стр. 461

وقال عكرمة: فَيْئَةُ المعذور بالنِّية، وإليه ذهبَ أبو ثورٍ وأحمدُ (١). والأولُ أولى؛ لأنه وإن كانت الفيئة توبة، والتوبةُ لا يُطْلَبُ فيها القَوْلُ، لكنَّها هنا تعلَّقَ بها حَقُّ الغيرِ، فاشْتُرِطَ بيانُ تركِ الظُّلْمِ والضّرر، ولا يحصل عِلْمُهُ إلا بالقول. * والفيئة توجب الكفارةَ عند أكثر أهل العلم (٢). ويُروى عنِ ابنِ عباس وزيدِ بنِ ثابتٍ -رضيَ اللهُ تَعالى عنهم- (٣)، وهو القولُ الجديدُ للشافعيِّ (٤)، والغفرانُ يختصُّ بالذنب لا بالكفّارة؛ بدليل قوله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ على يَمينٍ فَرأى غيرَها خيراً منها، فَلْيُكَفِّرْ عن يمينِهِ، ولْيَأتِ الذي هوَ خَيْرٌ" (٥).

стр. 462

- وقال الحسن والنخعيُّ: لا تجبُ الكفارةُ (١)، وهو القديمُ من قولِ الشافعيِّ. * وعمومُ الآية يقتضي أن للعبد إذا آلى تربصَ أربعةَ أشهرٍ؛ لدخولِه (٢) في خِطاب الأحرارِ؛ كما قدمتُه في مقدمة كتابي هذا، وبهذا قال الشافعيُّ وأحمد وأبو ثور وأهل الظاهر (٣). - وذهب مالكٌ إلى تنصيف مُدَّتِهِ قياساً على تنصيف حَدِّهِ وطَلاقه. ويروى عن الزهريِّ وعطاءٍ وإسحاقَ (٤). - وذهب أبو حنيفة إلى اعتبارِ نُقْصانِ المُدَّة بالنساءِ لا بالرجال؛ قياساً على العِدَّةِ (٥)، وبه قال الحسنُ والنخعيُّ (٦).

стр. 463

فأما (١) اعتبارُ مالكٍ بالحَدِّ، ففاسدٌ؛ لأن الحدَّ حَقّ لله تعالى، ومبناه على الدَّرْءِ والإسقاط، والإيلاءُ حقّ للآدمي، ومبناه على التغليظ والاحتياط. وأما اعتبارهُ بالطلاق، فأولى منه الاعتبار بمدة العُنَّة؛ لأن الشرع ضرب المدتين توسعةً للأزواج في إذا ما وجب (٢). وأضعف منه اعتبار أبي حنيفة بالعِدَّةِ؛ لأن الله سبحانه علَّق هذا الحكم بالرِّجالِ، وضرب هذا الأجل إنظاراً وتوسعةً، وعلَّقَ حكمَ العِدَّةِ بالنساء، فكيف يُعْتبرُ حكمٌ وجبَ للرجالِ بحُكْمٍ وجبَ على النساء (٣)؟ * وعموم الآية أيضاً يقتضي صِحَّةَ الإيلاءِ من الرَّتْقاءِ (٤) والقَرْناءِ (٥)،

стр. 464

والصغيرِة، والمريضةِ المضناة (١)، وفي ذلك خِلافٌ بين الفقهاء (٢). - فمنهم من أخذ بالعموم. - ومنهم من أخذ بالمعنى، وهو عدمُ المُضارَّةِ في حَقِّهن. حتى ذهبَ مالك إلى أن مَنْ قصدَ المُضارَّةَ بتركِ الوطء ولم يؤلِ بلسانه يعتبر مؤلياً، والجمهورُ على خلافِه (٣).

стр. 465

* وأجمعوا على أن المراد بالنساء الأزواج دون الإماء (١)؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]، وليس في الإماء طلاق، ولأنه لا يجب للمَمْلوك على مالكه شيءٌ غيرُ المؤنة. * إذا تمَّ هذا فالإيلاء في لسانِ العربِ هو الحلفُ مطلقاً، قال الشاعر: [البحر الطويل] فآليتُ لا أنفك أحدو (٢) قَصِيدةً ... تكون وإياها بها مثلاً بعدي - فمن أهل العلم من جعل الحلفَ على الامتناعِ من الوَطْءِ بكلِّ شيءٍ مَحْلوفٍ به، سواءٌ حلف بالله، أو بغيره، وبه قال الجمهورُ، والشافعيُّ في الجديد، ويروى عن ابنِ عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-. - ومنهم من نظرَ في الإيلاء إلى عرفِ الشرعِ، فإنْ حلفَ باللهِ، فهو مُؤلٍ، وإنْ حلف بغيره، فليس بِمُؤْلٍ (٣)، وهو قولُ الشافعيِّ في القديم.

стр. 466

٣٦ - (٣٦) قوله ﷻ : ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. * أقول: المطلقةُ لا تخلو (١): - إما أن تكون مدخولاً بها، أو لا. - والمدخولُ بها لا تخلو إمّا أن تكونَ حاملاً، أو لا. وغيرُ الحامل لا تخلو إما أن تكون من ذوات الحَيْضِ، أو لا. والخالية من الحيضِ لا تخلو إما أن تكونَ لا تعرفه أصلاً، وهي الصغيرة، أو تعرفه، ثم انقطع. والمنقطعُ دمُها لا تخلو إما أن تكونَ انقطع دمُها لإياسٍ، أو غيره. وقد ذكر اللهُ سبحانه جميعَ ذلك في كتابِه، وبيَّنه نَصًّا وعموماً، فقال في هذه السورة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وهذا عامّ في كل مُطَلَّقة، وقال في سورةِ الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فهي مخصِّصة ومبيِّنة لآية البقرة. وقال بعضهم: آية الأحزاب ليست مخصصة لآية البقرة؛ لأن الله سبحانه قال في أثنائها: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فدلَّ

стр. 467

على أن المراد بآية البقرة: المطلقاتُ المدخولُ بهنَّ. وما قاله هذا القائل لا يستقيمُ إلا على قولِ بعض الأصوليين: إن أول الآية يُخَصُّ بآخرها، وقد بينتُ ذلك في مقدمة كتابي هذا. وقال الله سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] فيُخصّ بها عمومُ آيةِ البقرةِ. - * وأمّا الخالياتُ عن (١) الحيضِ؛ لصغر، ومن انقطع دمُها لإياسٍ، فقال الله سبحانه فيهنَّ: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤]. فمنهم من قال: يُخَصُّ بها عموم آية البقرة؛ فإنها عامَّة فيهن. - وقال بعضهم: إن آيةَ البقرة لا تتناولُهنَّ؛ لأن اللهَ سبحانه أمرَ المطلقاتِ في سورة البقرةِ أن يتربَّصْنَ بالأقراء، وهي مفقودةٌ منْ هؤلاءِ، فدل على أنهنَّ لم يُرَدْنَ (٢). وهذا القولُ حسن وصواب إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لأن ذلك ليسَ في استطاعتهنَّ عادةً، ولا فِعْلاً، حتى يؤمرْنَ به، فلا نزاع في هذا، والله أعلم. * وأما التي انقطع دمها. فإن كانَ لعارضٍ معروفٍ كرَضاعٍ أو مرضٍ، تَرَبَّصَتْ عَوْدَه، واعتدَّتْ بالأقراء؛ لعمومِ قولهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ولمفهومِ قوله سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤]، وروي ذلكَ عن عثمانَ وعليٍّ وزيدِ بنِ ثابتٍ وابنِ مسعودٍ

стр. 468

-رضي الله تعالى عنهم- (١). وإن كان لغيرِ عارضٍ معروفٍ، فقد اختلفَ أهلُ العلمِ في ذلك: - فقال عُمَرُ -رضي الله تعالى عنه-: أيُّما امرأةٍ طلقتْ، فحاضَتْ حيضة أو حيضتين، ثم رفعتها حيضتها (٢)، فإنها تنتظر تسعة أشهر، فإن بان بها حَمْلٌ، فذلك، وإلا اعتدَّت بعدَ التسعةِ ثلاثةَ أَشْهُرِ، ثم حَلَّتْ (٣)، وبهذا قال مالكٌ وأحمدُ والشافعيُّ قديماً (٤)؛ لأن العِدَّة تُزاد لبراءة الرحمِ، فإذا علم براءته (٥)، فلا معنى للتربصِ، ولما في ذلك من الإضرار. - وقال علي وابنُ مسعود -رضي الله تعالى عنهما-: تقعدُ إلى الإياس،

стр. 469

ثم تعتدُّ بالشُّهورِ (١)، وبه قال أبو حنيفةَ والشافعيُّ (٢)؛ كالتي انقطع دمها لعارِضٍ، ولِمَا قدَّمْنا من العموم والمفهوم. * وأما الحائضُ المدخولُ بها: فقد اتفقَ أهلُ العلمِ على أن عِدَّةَ الحرائرِ منهن ثلاثةُ قروء (٣). وإنَّما اختلفوا في الإماء: - فذهبَ داود وأهلُ الظاهر وابنُ سيرينَ إلى إلحاقهن بالحرائر؛ لتناولِ العُموم لهنَّ (٤). - وذهبَ الجمهورُ إلى نُقصانِهِنَّ عن الحرائرِ؛ قياساً على نقصانهنَّ عنهنَّ (٥) في الحَدِّ، فعدَّتهن قَرْآنِ (٦)؛ لأن القَرْءَ لا يَتبَعَّضُ، فكمل لها قَرآنِ، ولهذا روي عن عُمر ﵁: أنه قال: لو استطعْتُ أن أجعل عِدَّةَ الأَمَةِ حَيْضَةً ونصْفاً، لفعلتُ (٧).

стр. 470

فإن قيل: الحَدُّ مَبْناهُ على الدَّرْءِ والإسقاطِ، والعِدَّةُ مبناها على اللزوم والاحتياطِ، فلا يصلح الاعتبار. قلت: لما شهد الشرع بالتفرقة بين الحرَّةِ والأمَةِ في براءة الرَّحِمِ؛ لنقصان الأمةِ وكمالِ الحُرَّةِ، فاكتفى في براءةِ رحمِ الأمة بحيضة في بعض الأحوال، ولم يكتف بذلك في الحرةِ أصلاً، صحَّ اعتبارُ النقصانِ بالنقصان، فالاعتبار في مقدار النقصان، لا في أصل النقصان. * واتفق أهلُ اللسانِ كالأَصْمَعِيِّ وأبي عبيدة وغيرِهما على أن القَرْءَ يقع على الطُّهْرِ وعلى الحيض؛ لأنه اسم للوقت، فوقع على الطُّهْر والحيض، يقال: قَرَأَتِ المرأة: إذا دنا حَيْضُها، وقَرَأَتْ: إذا دنا طُهْرُها (١)، فقال الشاعر: [البحر المتقارب] إذا ما الثُّريّا وقَدْ أَقْرَأَتْ ... أَحَسَّ السِّماكانِ منها أُفولا (٢) والوقتُ هنا علامة تَمُرُّ على المُطَلَّقة تُحْبَسُ فيها عن النكاح حتى تستكملها. * واتفقوا على أنَّ المرادَ به أَحدُهُمَا، إما الطُّهر، وإما الحيضُ، واختلفوا في تعيينه: - فقالت عائشةُ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عُمَرَ: الأقْرَاءُ: الأطْهارُ (٣). وبه قال

стр. 471

فقهاءُ المدينة، والزهريُّ، وربيعةُ ومالًا، والشافعيُّ (١). قال الزهريُّ: ما رأيتُ أحدًا من أهل بلدنا إلَّا يقول: الأقراءُ: الأَطهارُ، إلا سعيدَ بنَ المسيِّب (٢). - وقال عمرُ وعلي وابنُ مسعودٍ وأبو موسى: الأَقراء: الحِيَضُ (٣). وبه قال الأوزاعيُّ وأهلُ الكوفة والثوريُّ وأبو حنيفة (٤). وعن أحمد روايتان (٥). واحتجَّ أصحابُ القولِ الأولِ بالحديث الثابتِ عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما-: أنه طلقَ امرأتَه وهي حائِضٌ على عهدِ رسول الله ﷺ ، فسألَ عمرُ رسولَ اللهِ ﷺ ، فَتغَيَّظَ رسولُ الله ﷺ ، ثم قال: "مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثم لْيُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثُمَ تَحيضَ، ثم تَطْهُرَ، ثم إنْ شاءَ أَمْسكَهَا بعدُ، وإن شاءَ طَلَّق قبل أَنْ يمسَّ؛ فتلكَ العِدَّةُ التي أمرَ اللهُ أن تُطَلَّقَ لها النساء" (٦).

стр. 472

فإذا ثبت أن الطُهْرَ مَحَلُّ الطلاق، ثبتَ أنه محلُّ العدة (١). وهذا دليل واضح من جهة السمع. أما من جهة المعنى المتعلق بالوضع: - فإنهم احتجُّوا بأن هذا الجمع خاصٌ بالقَرْءِ الذي هو الطُّهر، وأما القُرْءُ الذي بمعنى الحَيْض، فإنه يجمع على أقراء، لا على قروء، وحكوا هذا عن ابن الأنباري -واستدلوا بتذكير العدد على تذكير المعدود، والطُّهْر مذكَّرٌ، والحيضة مؤنثة، ولو كانت مرادة لأَنَّثَ العَدَدَ. - واستدلوا بالاشتقاق؛ لأنه مشتق من قولهم: فلان يُقْرِئُ الماءَ في حوضه، أي: يجمعه، فالقَرء هو الحبس والجمعُ، والطهر إذا كان وقتًا فهو أولى في اللسان بمعنى القَرء، ولأنه حَبْسُ الدم. واحتج القائلون بالثاني: - بأن النبيَّ ﷺ أمر في سَبْيِ أَوْطاسٍ أَنْ يُسْتبرأْنَ قَبلَ أَنْ يُوطَأنَ بحيضة (٢)، والعِدَّةُ استبراءٌ، فاستبراءُ الحُرَّةِ بثلاث حِيَضٍ كَوامِلَ، تخرج منها إلى الطُّهرِ، كما تستبرئ الأمةُ بحيضةٍ كاملةٍ، تخرج منها إلى الطهر. - ولأن الحيضَ ممّا يجيء لوقتٍ، وأما الطهرُ فأصلٌ، فكان الحيض في اللسان أولى بمعنى القَرء؛ لأن المواقيتَ والعلاماتِ أقلُّ ممّا بينهما، والحيضُ أقلُّ من الطُهر فهو في اللغة أولى للعدة أن تكون وقتاً؛ كما يكونُ الهلالُ وقتاً فاصلاً بين الشهرين.

стр. 473

ومن أجل هذا المعنى حكى بعضُ الشافعية (١) قولاً أن القرء هو الانتقالُ من الطهرِ إلى الحيض؛ لأنه أقل الأوقات والعلامات، وإنما لم يجعل الانتقال من الحيض إلى الطهر مراداً بالكتاب، وإن كان معنى التسمية واقعاً عليه؛ لأن الحيضَ ليس بوقتٍ مشروعٍ للطلاق، فلا يكون الانتقالُ منه إلى الطهرِ مُراداً لله (٢). * وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: دلالةٌ على أنها مأمونةٌ على العِدَّة (٣)، فإذا ادعت انقضاءها لمدةٍ يمكن أن تنقضيَ فيها، قُبِل قولُها، وهو اثنان وثلاثون يوماً عند الشافعيِّ (٤)، وأربعة وخمسون يوماً عند بعض أهل العراق (٥).

стр. 474

قال قتادةُ: كانت عادتهنَّ في الجاهليةِ أن يَكْتُمْنَ الحَمْلَ ليلحقَ (١) الوليدُ بالزوجِ الجديدِ، ففي ذلك نزلت الآية (٢). وقال الشافعي: أنا (٣) سعيدٌ -هو ابنُ سالم-، عن ابنِ جريجٍ: أن مُجاهداً قال في قول الله : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]: المرأةُ المطلَّقَةُ لا يحلُّ لها أن تقولَ: أنا حُبْلى، وليستْ بحبلى، ولا: لستُ بِحُبلى، وهي حُبْلى، ولا: أنا حائضٌ، وليست بحائضٍ، ولا: لستُ بحائضٍ، وهي حائضٌ (٤). وهذا -إن شاءَ الله تعالى- كما قال مجاهدٌ لمعانٍ منها: أنه لا يحلّ الكذب، والآخر ألاَّ تكتم الحملَ والحيضةَ لعلَّهُ يَرْغَبُ، فيراجعَها، ولا تَدَّعيها لعلَّهُ يُراجِعُ، وليست له حاجة بالرجعةِ لولا ما ذَكَرَتْ، فتغرَّهُ، والغرور لا يحلُّ. والنهي يحتمل أنه لا يحلُّ لهنَّ أن يكتمن إذا سُئلن (٥)، ويحتمل ألاّ يكتمن، وإن لمْ يسألْهُنَّ الزوج. قال ابنُ جريجٍ: سئل عطاءٌ: الحَقُّ عليها أن تخبرَهُ بحَمْلِها، وإن لم يرسل إليها يسألها عنه؛ ليرغَبَ فيها؛ قال: تظهره، وتخبرُ به أهلها، فسوف يبلُغُه (٦).

стр. 475

* وقيل (١): كان في مبدأ صدر الإسلام للرجلِ أن يراجعَ امرأته في الحملِ، وإن طلقها ثلاثاً. وقيل -والله أعلم-: إن قوله سبحانه ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، أي (٢): في العِدَّةِ، وهي حامل، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وقال قوم (٣): نسخها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. فإن قيل: فمفهومُ قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] يدلُّ على أن البُعولَةَ لا تستحقُّ الردَّ إذا لم يريدوا الإصلاح. قلنا: هذا المفهوم يعارضه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١]، وسيأتي الكلام عليه -إن شاء الله تعالى- قريباً، فلا مفهوم لهذا الشرط، بل فيه إيماءٌ إلى أن المراجعة في هذا الحال أحسنُ وأولى؛ لما فيه من إصلاح حالهما، وإزالة الوحشة بينهما (٤).

стр. 476

* وقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٢٨] مُجْمَلٌ يحتمل أن يريد: ولهن النفقةُ والكسوةُ والسكنى؛ كما عليهن الرجعةُ، أو لهنَّ من حسنِ العشرةِ والصحبةِ مثلُ ما عليهنَّ من الطاعة. * وقد اتفق أهلُ العلم على أن الذي يجبُ لهن (١): النفقةُ والكُسْوَةُ وحُسْنُ العِشْرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [[النساء: ٥]. * واتفقوا على أن الواجب عليها: طاعةُ الزوجِ إلى الفراش، وحسنُ العشرةِ والصحبةِ. * واختلفوا هل يجبُ عليها الخدمةُ؟ - فمذهب (٢) الجمهور أنه لا يجب عليها الخدمة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤]؛ ولأن المقصود بالعقد الاستمتاعُ، لا الخدمةُ (٣). - وقال بعض المالكية: يجب عليها خدمةُ زوجِها بالمعروفِ من عادة أمثالها؛ كما جرى عُرْفُ المسلمين في قديم الأمر وحديثه، ويجبُ عليه أن

стр. 477

يُخْدِمها إخدامَ مثلِها، فإن كانت لا تكتفي بخادم واحد؛ لكونها من بناتِ الملوك، وجبَ إخدامُها بقدر كفايتها؛ لأنه المعروفُ (١)، خلافاً لأبي حنيفةَ والشافعيِّ (٢). وهذا على أصلهم من التخصيص والتقييدِ بالعادة. * * *

стр. 478

(عدد الطلاق التي يملك الزوج فيها الرجعة) ٣٧ - (٣٧) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ [البقرة: ٢٢٩]. والكلام في جملتين: الجملة الأولى: قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ معناه: الطلاق الذي يملكُ فيه الرجعةَ مَرّتان، ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وهو الثالثة. ويروى عن النبيِّ ﷺ أنه سئلَ عن الثالثةِ فقالَ: "تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ"، أو كما قال (١). وهذه الآية قال قومٌ: هي ناسخةٌ لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] كما قدمناه، وقال قومٌ غير ذلك (٢).

стр. 479

* وقد جعل الله -سبحانه- عَدَدَ الطلاق ثلاثاً، وأجمع عليه المسلمون في حق الأحرار (١). وأما العبيدُ: - فذهب أبو محمدِ بنُ حَزْمٍ وجماعةٌ من أهلِ الظاهرِ إلى أنهم كالأحرار وتمسكوا بالعموم (٢)؛ كما تمسَّكوا بالعموم في إلحاق عِدَّةِ الإماءِ بعدة الحرائر (٣). - وذهب جمهورُ أهل العلم إلى أن للرقِّ تأثيراً في نُقْصان العدد في الطلاق. * ثم اختلفوا في تعيينه. فاعتبره قومٌ بالرجال دون النساء، فإن كان الزوجُ رقيقاً ملكَ طَلْقتين، سواء كانتِ الزوجةُ حُرَّةً أو أَمَةً، وإن كان حُرًّا، ملكَ ثلاثا، ولو كانت الزوجة أَمَةً. وبه قال عثمانُ وزيدُ بنُ ثابتٍ وابنُ عباسٍ. وإليه ذهبَ مالك والشافعيُّ -رضي الله تعالى عنهم- (٤).

стр. 480

- واعتبره قومٌ بالنساء، وبه قال عليٌّ وابنُ مسعودٍ، وإليه ذهبَ أبو حنيفة -رضي الله تعالى عنه- (١). - واعتبره قومٌ بأيِّ الجانبين كان، وبه قال عثمانُ البَتِّيُّ، ويروى عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- (٢). ومستندهم (٣) القياسُ على نقصان حَدِّ الأمة عن الحُرَّةِ. ويظهر لي قوةُ مذهبِ المُلْحِقين (٤)؛ لأن الحكمةَ التي شرعَ لها هذا العددُ موجودةٌ في نفوس العبيد؛ لأن (٥) الله لم يُضيِّقْ على الرجال بتحديد طَلْقتين خشيةَ المشقةِ عندَ الندم، ولم يسمح لهم بأكثرَ من ذلك خشيةَ المشقةِ على النساء بالتضرُّر. وأما استدلالُ الجمهورِ، ففيه ضعفٌ؛ لأن القياس لا يُخَصِّصُ العمومَ

стр. 481

على قولِ جماعةٍ من أهلِ العلمِ بشرائِط الاستدلال. وإن سلموا، فهذا القياسُ ضعيفٌ؛ لاعتبار ما بُني على التغليظ في حقِّ العبيدِ، وهو تقليل عَدَدِ الطلاق بما بُني على التخفيفِ في حقِّهَم وحقِّ غيرهم من الأحرار. وكان الأولى أن يقال: هذا الزوجُ رقيقٌ، ولم يضيقِ الشرعُ عليه في عَدَدِ الحَدِّ، فلِمَ يُضَيَّقُ عليه في عدد الطلاق. نعم، قد يقال: في الرجعة ملكٌ وسلطانٌ على الزوجة، والعبيدُ لا سلطانَ لهم ولا ملك، فمن لُطْفِ الشارع بهم أنْ جعلَ لهم سلطانًا أضعفَ من سلطانِ الأحرار وأَنْقَصَ، فجاز لنا حينئذ أن نعتبر النقصانَ بالنقصان، فالاعتبارُ في مقدارِه لا في أصله، ولولا هذا لما اخترتُ مذهبَ الجمهورِ، والله أعلم. * فإن قلتم: فقولُ الله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فيه إيماءٌ إلى أن الثلاثَ إنما يقعْنَ في ثلاثِ كلماتٍ بثلاثِ مرات، فإن لفظ المرتين يقتضي التكرار، ولأن قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] يقتضي التكرار أيضاً؛ لما فيه من معنى الترتيب، فما الحكم فيما إذا قال: أنتِ طالق ثلاثًا بكلمةِ واحدة، هل تقع عليها الثلاث، أو لا يقعُ عليها إلا واحدةٌ؟ قلت: اختلف أهلُ العلمِ في ذلك. - فأخذ بهذا الظاهرِ أهلُ الظاهر، وقومٌ من أهل العلم لم يوقعوا إلا طلقةً واحدةً (١).

стр. 482

وعمدتُهم في ذلكَ ما رواه ابنُ طاوسٍ، عن أبيه: أن أبا الصَّهْباء قال لابن عباس -رضي الله تعالى عنهما-: إنما كانت الثلاثُ على عهدِ رسول الله ﷺ تُجْعَلُ واحدةً، وأبي بكر، وثلاثٍ من إمارة عمر، فقال ابن عباس: نعم (١). واحتجوا أيضاً بما رواه عِكرمةُ، عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، قال: طلق رُكانَةُ زوجته ثلاثاً في مجلسٍ واحد، فحزِن عليها حزناً شديداً، فسألهُ رسولُ الله ﷺ : "كيفَ طَلَّقْتَها؟ " قال: طلقتُها ثلاثًا في مجلس واحد، قال: "إنَّما تلكَ طلقةٌ واحدةٌ، فارْتَجِعْها" (٢). - وذهب جمهورُ فقهاءِ الأمصارِ إلى وقوعِ الثلاثِ (٣). واعتمدوا ما رواه أصحابُ ابنِ عباسٍ؛ كمجاهدٍ وسعيدِ بنِ جبيرٍ وعطاءٍ وعمرو بن دينارٍ ومالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ (٤) ومعاويةَ (٥) بنِ أبي عياشٍ الأنصاري، وغيرِهم: أن ابنَ عباس -رضي الله تعالى عنهما- كان يفتي بوقوع الثلاث (٦).

стр. 483

فعن سعيدِ بن جُبيرة أنَّ رجلاً جاءَ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: طلقتُ امرأتي ألفاً، فقال: تأخذُ ثلاثاً، ودعْ تسع مئة وسبعة وتسعين (١). وعن مجاهد: قال رجلٌ لابنِ عباسٍ: طلقت امرأتي مئة، فقال: ثلاثاً، ودع سبعاً وتسعين (٢). وكلهم حكى أنه أجاز الثلاثَ، وأمضاهُنَّ. فإن قلتم: فكيف جاز اعتمادُ قولِ ابنِ عباسٍ مع صِحَّةِ ما رُوي عن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: قال الشافعيُّ: يشبه -والله أعلم- أن يكونَ ابنُ عباس قد علم أن كان شيئاً فنسخ. فإن قيل: فما دلَّ على ما وصفت؟ قلتُ: لا يشبه أن يكونَ يروي عن النبيِّ ﷺ شيئا، ثم يخالفُه لشيء لم يعلمْهُ كانَ من النبي ﷺ . فإن قيل: فلعل هذا شيءٌ روي عن عمر، فقال فيه ابنُ عباس بقولِ عمر. قلنا: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمرَ في نِكاح المُتْعَةِ وبيع الدينارِ

стр. 484

بالدينارينِ، وفي بيع أمهاتِ الأولاد، وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبيِّ ﷺ فيه خلافه؟ فإن قيل: فلمَ لمْ يذكره؟ قيل: قد يسأل الرجلُ عن شيء، فيُجيب فيه، ولا يتقصَّى الجوابَ، ويأتي على الشيء كله، ويكون جائزًا له، كما يجوز له لو قيل: أصلِّى الناسُ على عَهْدِ النبي ﷺ إلى بيت المقدس؟ أن يقول: نعم، وإن لم يقلْ: ثم حُوِّلَتِ القِبْلَةُ. قال: فإن قيلَ: فقد ذكر على عهد أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر. قيل -الله أعلم-: وجوابُه يخالف ذلك كما وصفت (١)، انتهى. قلت: ولا يخفى على ذي نظر صافٍ ما في هذا الجوابِ من التكلُّفِ والتعسف، ومن تجويزِ النسخِ بالظَّنِّ والاحتمال، وهذا من الشافعيِّ خلافُ مذهبه وأصوله. وقال غيرُ الشافعيِّ: يشبه أن يكونَ الحديثُ منصرفًا إلى طلاق البَتَّةِ الذي معناها الثلاثُ (٢)، وذلك أنه قد رويَ عن النبي ﷺ في حديث رُكانَةَ أنه جعل البَتَّةَ واحدةً، وكان عُمر يراها واحدة، ثم تتابع الناسُ في ذلك، فألزمَهُمُ الثلاثَ (٣). وبه عمل عمرُ بنُ عبد العزيز، وقال: لو كان الطلاقُ ألفًا ما أبقتِ البتَّةُ

стр. 485

منه شيئاً، من قال البتة، فقد رمى الغايةَ القصوى (١). وهذا أيضاً باطلٌ؛ لما رويناه عن الشافعي قال: أخبرني عمِّي محمدُ بنُ عليِّ بنِ شافعٍ، عن عبد الله بنِ (٢) السائبِ، عن نافعِ بن عجيرة بن عبد يزيد: أن رُكانةَ بن عبد يزيد طلَّق امرأته سُهَيْمَةَ البَتَّةَ، ثم أتى رسولَ اللهِ ﷺ ، فقال: يارسول الله! إني طلقتُ امرأتي سهيمةَ البتة، واللهِ ما أردت إلاّ واحدة، فقال رسولُ الله ﷺ لركانةَ: "واللهِ ما أردتَ إلا واحدة؟ "، فقال رُكانةُ: واللهِ ما أردتُ إلَّا واحدةً، فردَّها رسولُ الله ﷺ ، فطلقها ثانيةً في زمن عمر، والثالثةَ في زمن عثمان (٣). فلو كانت البتةُ في عهده واحدةً، لما حَلَّفَهُ رسولُ الله ﷺ . وأما قوله: إن عمر كان يرى البتةَ واحدةً، فلما رأى تتَابُعَ الناسِ، جعلها ثلاثاً، فليس بصحيحٍ؛ فقد أمر من طلق البتةَ أن يمسك أهله، ولم يحلفه وتكرر ذلك منه. وإنما الذي حَمَلهم عليه عمرُ ﵁ ما روى أيوبُ السَّخْتِيانيُّ عن غير واحد، عن طاوسٍ، عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- في قصة أبي الصَّهْباء قال: بلى، كان الرجلُ إذا طلقَ امرأته ثلاثاً قبلَ أن يدخلَ بها، جعلوها واحدةً على عهدِ رسول الله ﷺ وأبي بكرٍ، وصدراً من إمارة

стр. 486

عمر، فلما أن رأى الناسَ تتابعوا فيها، قال: أجيزوهنَّ عليهم (١). فإن قيل: فهذا مثلُ ما رويت عنه أولاً، ولم يختلفِ الحالُ إلا في المدخولِ بها، فلا يتمُّ جوابُك. قلنا: ويشبه أن يكون المرادُ بالثلاث في غير المدخولِ بها الثلاث التي تترى وتتابع (٢)؛ كقوله: أنتِ طالق، أنتِ طالق، أنت طالق. فقد روى الشعبيُّ عن ابن عباسٍ في رجلٍ طلقَ امرأتَهُ ثلاثاً قبلَ أن يدخُلَ بها، قال: عقدة كانت بيده، أرسلها جميعاً، فإذا كانت تترى، فليس بشيء (٣). وقال عكرمةُ: شهدتُ ابنَ عباس جمعَ بينَ رجلٍ وامرأتِه طَلَّقها ثلاثاً، وفَرَّقَ بين رجل وامرأته طلقها ثلاثاً، أُتي في رجل قال لامرأته: أنتِ طالق، أنت طالق، أنت طالق، فجعلها واحدة، وأُتي في رجل قال لامرأته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ففرق بينهما. فإن قلت: فكيف يمكنُ الجمعُ بين حديث ابنِ عباسٍ وحديثِ رُكانَة، وأن حديث ركانة يقتضي أن البتةَ توجبُ الثلاثَ، إلا أن يريدَ واحدةً، وحديثُ ابن عباسٍ يقتضي أن الثلاثَ كانت واحدة، وهنَّ أولى بإيجاب الثلاث من البتَّة؟ قلت: أما الجمع على مذهب مالكٍ فبيِّن، وذلك أنه لا يوقع الثلاثَ باللفظِ الصريح (٤)، ويوقعها بالكنايات الظاهرة؛ كقوله: أنتِ طالقٌ البتةَ،

стр. 487

ولا سبيل لي عليكِ، وأنتِ عليَّ حرامٌ (١)، لأن الظاهر من هذه الألفاظ البينونة، والبينونةُ لا تحصلُ إلا بالثلاث، أو بِعِوَضٍ، ولا عِوَضَ هنا. وأما على مذهب الشافعيِّ، فيُحمل حديثُ ابن عباسٍ على غيرِ المدخول بها؛ كما قدمته من رواية أيوبَ السَّخْتِيانيّ، ويكون الصريحُ والبتةُ في إيجاب الثلاثِ سواءً (٢)، والله أعلم. وأما الجوابُ عمّا احتجوا به من حديث رُكانة. فقيل: إنه وهم، وإنما روى الثقاتُ: أن رُكانةَ طلَّق زوجتَه البتةَ كما قدمناهُ من رواية الشافعيّ (٣). ثم قال الشافعيُّ: فإن قال قائلٌ: فهل من سُنَّةٍ تدلُّ على هذا؟ قيل: نعم، أنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن عروةَ بن الزُّبير، عن عائشة: أنه سمعها تقول: جاءت امرأةُ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ إلى رسولِ الله ﷺ ، فقالت: إني كنت عندَ رفاعةَ، فطلقني، فَبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ عبدَ الرحمنِ بنَ الزَّبيرِ، وإنما (٤) معه مثل هُدْبَةِ الثوب، فتبسَّمَ رسولُ الله ﷺ ، وقال: "أتريدينَ أن ترجِعي إلى رفاعة؟ لا حتَّى يذوقَ عُسَيْلَتَكِ، وتَذوقي عُسَيْلَتَهُ" قال: وأبو بكرٍ عند النبيِّ ﷺ ، وخالدُ بنُ سعيدٍ بالبابِ ينتظرُ أنْ يؤذَنَ له، فنادى: يا أبا بكر! ألا تسمعُ ما تجهرُ به هذهِ عندَ رسول الله ﷺ (٥)؟

стр. 488

قال: فإن قيل: فقد يحتملُ أن يكونَ رفاعةُ بَتَّ طلاقَها في مَرّاتٍ. قلت: ظاهره في مرة واحدة، وبتَّ إنَّما هي ثلاثٌ إذا احتملَتْ ثلاثاً، وقال رسول الله ﷺ : "أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى يذوق عُسَيْلَتَكِ"، ولو كانت حَسَبَتْ طلاقَها بواحدة، كان لها أن ترجعَ إلى رفاعةَ بلا زوج. فإن قيل: أطلَّق أحدٌ ثلاثاً على عهد رسول الله ﷺ ؟ قيل: نعم، عُوَيْمِرٌ العَجْلانِيُّ طلقَ امرأتَهُ ثلاثاً قبلَ أن يخبره النبيُّ ﷺ أنها تحرم عليه باللّعانِ، فلما أعلمَ النبيَّ ﷺ نهاه (١). وفاطمةُ بنتُ قيسٍ تحكي للنبيِّ ﷺ أنَّ زوجَها بتَّ طلاقها، تعني -والله أعلم-: أنَّه طلقها ثلاثاً، فقال النبي ﷺ : "ليسَ لكِ عليهِ نفقة" (٢)؛ لأنها -والله أعلم- لا رجعةَ لهُ عليها، ولم أعلمْه عابَ طلاقَ ثلاثٍ معاً. قال: فلما كان حديثُ عائشةَ في رِفاعَةَ موافقاً ظاهرَ القرآن، وكانَ ثابتاً، كان أولى الحديثين أن يؤخذ به، والله أعلم، وإن كان ذلك ليس بالبيِّنِ فيه جداً. قيل (٣): ولو كان الحديثُ الآخر له مخالفاً، كان الحديثُ الآخر يكون

стр. 489

منسوخاً (١)، والله أعلم، وإن كان ذلكَ ليس بالبيّن فيه جداً (٢). انتهى كلامه، رحمة الله تعالى عليه. قلت: ولا يخفى علي ذي نظر صحيح وقلبٍ سَلِمَ من الهَوى ما في استدلالِ أبي عبدِ الله من ضعْفٍ (٣)، وما في تأويله من الوهن؛ حيث جعل ظاهر القرآن خلافَ الظاهر منه، وحيث ادَّعى النسخَ بالاستدلال والاجتهاد معَ ظهورِ الاحتمال، وحيث جعل الحُجَّةَ في فتوى الصحابي إذا خالفت روايته، وذلك بخلاف أصوله وأصول أصحابه وأتباعه، وكلُّ هذا غَفْلَةٌ منه -رحمه الله تعالى-، ولو وقع على الجواب الذي قدمته، لما عَدَل عنه، ولا استقام له حينئذ الاستدلال بإجماع عمر وأهل عصره -رضي الله تعالى عنهم-. * * *

стр. 490

(أحكام الخلع) الجملة الثانية: حَرَّم الله -سبحانه- على المؤمنين أن يأخذوا مما آتوا الأزواج شيئاً، فقال ﷻ : ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقال ﵎: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١]، وقال ﵎: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩]، وهذا التحريم مطلق في جميع الأحوال. * وأباح اللهُ سبحانه للرجل أن يأخذَ مما آتى امرأته في حالٍ واحدة، وهي أن يخافا ألاّ يقيما حدودَ الله، فلا تؤدِّي حقَّه، ولا يؤدي حقَّها (١)، فقال ﷻ : ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

стр. 491

وقال ﷻ : ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ [النساء: ١٩]، والمراد: إذا جاءت بفُحْشٍ، أو نشُوزٍ، أو بفاحشة من زنى .... ، فهي لم تقم حدود الله، وهذا تخصيص يقيد إطلاق الآيتين. وقد جاءت السنة ببيان ذلك وتحليله أيضاً؛ كما روت عَمْرَةُ بنتُ عبد الرحمن، عن حَبيبةَ بنتِ سهل: أنها أتتِ النبيَّ ﷺ في الغَلَس، وهي تشكو شيئا ببدنها، وهي تقول: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قَيْس، قال رسول الله ﷺ : "يا ثابتُ! خُذْ منها" فأخذ منها، وجلست (١). * واختلفوا فيما إذا كانت الحال مستقيمة بين الزوجين، وتراضيا على الخُلْع (٢). - فقال مالك والشافعيُّ وأبو حنيفةَ وأكثرُ أهل العلم: يصحُّ الخُلْع (٣)، ويحل له ما بذلَتْ له؛ لقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، ولم يفرق. - وقال النخعيُّ والزهريُّ وعطاءٌ وداودُ وأهلُ الظاهرِ وبكرُ بنُ عبدِ اللهِ المُزَنيُّ: لا يصحُّ الخُلْعُ، ولا يحلُّ له ما بذلت، واختاره ابنُ المنذرِ (٤)؛ لما في الآيةِ من الحصر والتقييد.

стр. 492

وهذا المذهبُ وإن كان قويَّ الدِّلالة، فقولُ الجمهور أرجحُ دليلاً؛ لأن الله -سبحانه- حَرمَ الأخذَ من الأزواج مطلقاً، وقال: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢٠ - ٢١] وبيَّنَ أن الأخذَ إنما يكونُ حراماً إذا كان على سبيل العَضْل (١) والمنعِ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساه: ١٩]، فدليلُ هذا التخصيص يقتضي جوازَ الأَخذ إذا كان على غير (٢) جهة المَنعْ والعَضْل، مع موافقةِ عموم (٣) قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤]، ولأنه إذا جاز الأكلُ من الذي تهبه وتَصَّدَّقُ بهِ من صَداقها، ولم يحصل لها به عوضٌ، فَلأَنْ يجوزَ الأكلُ منهُ مع حصولِ العِوَضِ أولى. * ثم بيَّن الله سبحانه في سورة النساء أنه يجوزُ الأخذ على جهةِ العَضْل عندَ الإتيان بالفاحشة، فقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: ١٩].

стр. 493

وبهذا الحصر أخذ الحسنُ وأبو قِلابةَ، فقالوا: لا يجوز الخُلْعُ حتى يراها تزني (١)، وجعلا الفاحِشَةَ المبينةَ هي التي يعلم بها تركُ إقامة حدود الله. والجمهور إما أن يحملوا الفاحشة المبينة على النشوز، أو يرون النشوز في معنى الفاحشة المبينة (٢)؛ لأن في الجميع ترك إقامة حدود الله تعالى؛ بدليل فعلِ النبيِّ ﷺ في امرأة ثابتِ بنِ قيسٍ، وسيأتي مزيد الكلام إن شاءَ اللهُ تعالى. * والخوف يحتمل أن يراد به حقيقةُ الخوفِ الذي هو الظَّنُّ والحُسبان، فيدل حينئذٍ على جواز الخُلْع، وإن كان الحالُ بينهما مستقيماً يقيمان حدود الله تعالى، يؤدّي حقها، وتؤدِّي حَقَّه، لكنها كارهةٌ لصحبته، ويخافُ أن تمنعَهُ بعضَ حقِّه؛ لكراهيةِ صحبتهِ؛ كما قال الجمهور. ويحتمل أن يُراد به العلمُ؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا﴾ [النساء: ٣٥]؛ أي: علمتم، فلا يدلُّ على جواز الخُلْع في الحال المستقيمة بينهما؛ كما اختاره ابن المنذر. * ثم يحتمل أن يكون قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] خِطاباً للمؤمنين، ويحتمل أن يكونَ خِطاباً للوُلاة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٣٥]، وذلك خطابٌ للولاة بالاتِّفاق، وبهذا قال الحسنُ وسعيدُ بنُ جُبير

стр. 494

وابنُ سيرين، فشرطوا في جواز الخُلْعِ حضورَ السلطان (١)، كما (٢) شُرِطَ في بَعْثِ الحَكَمينِ. والجمهورُ على خلافهم؛ قياساً على الطلاق. وبه قال عمر (٣) وعثمانُ وابنُ عمر وعامةُ الفقهاء (٤). * وأحلَّ الله للرجل أن يمسكَ امرأته بعدَ المَرَّتينِ، وهذا إجماع (٥)؛ لأنها كالزوجة، فيرثها وترثه (٦). ولم يكن في السنة -والله أعلم- ما يدلُّ على بيان صفة الإمساك. ولا شَكَّ أنه يحصل بالقول بأن يقول: رددتُها إليَّ، وأمسكتُها. وأمَّا بالفعل الذي هو الوَطْءُ. فذهب الشافعيُّ إلى أنه لا تحصل به الرجعة (٧). وذهب مالك وأبو حنيفةَ إلى حصولها بالوطء (٨).

стр. 495

واشترط مالكٌ النيةَ (١)، ولم يشترطْها أبو حنيفة (٢)، وجعله كالمُؤْلي، وسيأتي مزيدُ كلام على هذا -إن شاء الله تعالى- عندَ قوله في سورة الطلاق: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. * وجعل الله سبحانه للرجل أن يسرِّحها، وقد أجمع أهلُ العلم (٣) أن الرجعيَّةَ يلحقُها الطلاقُ (٤). وجعل له أيضاً أن يخالعَها، وعلى هذا إجماعُهُمْ، نعم، للشافعيِّ قولٌ أنه لا يصحُّ خُلْعُها (٥). فإن قلتم: فترتيبُ الأحكام في هذه الآية يقتضي أن المُخْتَلِعَةَ يلحقها الطلاقُ؛ لأن الله سبحانه رتَّبَ بالفاء التي للترتيب الإمساكَ والتسريحَ على الطلاق، ورتَّب الافتداءَ على الطلاق، ورتب الطلاقَ على الافتداء، فقال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]. قلت: ما فهمتموه واستنبطتموه قد قالَ به قومٌ من أهل العلم، منهم أبو حنيفةَ والثوريُّ -رحمهما الله تعالى-، واستدلوا بآثار ضعيفةٍ منقطعةٍ لا تقومُ بمثلها حجَّةٌ (٦).
следующие страницы →